وعَدَمُ تَأخُّرهِ عَنِ الْغَسْلُ (١)، والزِّيَادَةُ عَلى الْوَاحِدِ (٢)، ولَا يُقْضَى بالزَّائدِ إِنْ شَحَّ الْوَارِث، إِلَّا أن يوصِيَ فَفِي ثُلُثِه، وَهَل الواجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أوْ سترُ العَوْرَة والبَاقِي سُنَّة خِلَافٌ (٣)، وَوترُه (٤)، والاثنانِ عَلى الْوَاحِدِ والثَلَاثةُ على
(١) وقوله: وعدم تأخيره عن الغسل، قد تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: وإسراع بتجهيزه وعلاة على ذلك فإنه يستأنس له بما ورد في الإسراع بالجنازة؛ فقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أسرِعوا بِالْجَنَازَة فَإن تَكُ صَالِحَة، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُ إليهِ، وإنْ تَكُ سِوَى ذلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهَا عَنْ رِقَابِكُمْ". أخرجه البغوي وقال هذا حديث متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري: كان النبي ﷺ يقول: "إذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهمْ؛ فَإن كَانَتْ صَالِحَةً قَالَت: قَدِّمُوني. وإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَة قَالَتْ لِأهْلِهَا: يَاوَيلَهَا أيْنَ تَذْهَبونَ بِهَا. يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَئٍ إلَّا الإنْسَانُ، وَلَوْ سَمِعَ الإنْسَان لَصَعِقَ". ا. هـ. رواه البغوي، وهو في البخاري.
(٢) وقوله: والزيادة على الواحد؛ قال في المدونة: أحب إليَّ أن لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب إلا أن لا يوجد ثلاث أثواب. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وهل الواجب ثوب يستره، أو ستر العورة والباقي سنة خلاف؛ الظاهر من الخلاف الأول؛ ألا ترى إلى ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ "إِذَا كَفَّنَ أحَدُكمْ أخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ". فهل من المعقول أن يكون الأمر صادقًا على ستر عورته؟. وأيضًا لما كانت النمرة إذا وضعوها على رأس مصعب ﵁ خرجت منها رجلاه، وإذا وضعت على رجليه خرجت منها رأسه فقال رسول الله ﷺ "اجْعَلُوهَا مِمَّا يَلِي رَأسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذخِرِ". فلو أن غير العورة لا يجب ستره لما احتاجوا أن يغطوه بالإذخر، هكذا يظهر لي على قصوري. وبالله تعالى التوفيق.
(٤) وقوله: ووتره، تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: وإيتاره كالكفن لسبع. وقوله: والاثنان على الواحد؛ لعله لأنه أبلغ في الستر، وقوله: والثلاثة على الأربعة؛ غني عنه لأن الأربعة غير وتر=
стр. 352
الأرْبَعَةِ، وتَقْمِيصُهُ وتَعْمِيمُهُ وعَذَبَةٌ فيهَا وَإزْرَة ولفافَتَانِ، والسَّبْعُ للمَرأةِ، وحَنُوطٌ دَاخِلَ كُلِّ لفَافَةٍ وعلى قُطْنٍ يُلْصَقُ بِمَنَافِذِهِ (١) والْكَافُورُ فيهِ وَفي
= والثلاثة غاية في الكفن؛ لما علمت من أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب وأبو بكر كذلك.
وقوله: وتقميصه وتعميمه الخ. هو على مذهب المدونة: قال: والرجل أحب إليَّ أن يعمم. هذا في العمامة، أما في الأعداد الأخرى فإنها ليست في المدونة وإنما فيها: قال ابن القاسم: وكان مالك يستحب في الأكفان وترًا وترًا إلا أن لا يوجد ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، وأن أبا بكر كفن في ثلاثة أثواب، أحدها ملبوس غسيل. ا. هـ. منه.
قلت: وحيث إنه روي عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا تَغالَوْا فِي الْكَفَنِ فَإنهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا". وحيث إن أصح الروايات في كفن رسول الله ﷺ رواية عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه. والسحل الأبيض النقي من القطن. وحيث إن أكثر أهل العلم استحبوا التكفين في ثلاثة أثواب لفائف بيض من قطن. أسوة برسول الله ﷺ الذي يقول القرآن في حقه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١). فإن الأفضل في كفن الرجل أن يكون في ثلاثة أثواب بيض من قطن، ولا بأس إن كان ذلك على ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الميت يقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث. أخرجه الموطأ، ورواه عبد الرزاق عن مالك وإسناده صحيح.
وأن المرأة تكفن في خمسة أثواب؛ لما روي عن ليلى الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ عند وفاتها فأول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت في الثوب الآخر. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.
(١) وقوله: وحنوط داخل كل لفافة، وعلى قطن يلصق بمنافذه؛ قال في المدونة: وقال ابن القاسم يجعل الحنوط على جسد الميت، وفيما بين أكفانه ولا يجعل من فوقه. ا. هـ.
وروى ابن وهب قال عطاء بن أبي رباح: أحب الحنوط إليَّ الكافور، ويجعل منه في مراقه وإبطيه ومراجع رجليه ومأبضيه ورفغيه وما هنالك، وفي أنفه وفمه وعينيه وأذنيه. ا. هـ. منه.
стр. 353
مَسَاجِدِهِ وحَوَاسِّهِ ومَرَاقِّهِ، وإنْ مُحْرِمًا ومُعْتَدَّةً وَلَا يَتَوَلَّيَاهُ (١)، وَمَشْيُ مُشَيعٍ (٢) وإسْرَاعُهُ وَتقَدُّمُهُ وَتأَخُّرُ رَاكِبٍ (٣) وَامْرأَةٍ (٤) وسترُهَا بِقُبةٍ (٥)، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ بأولَى
(١) وقوله: وإن محرمًا ومعتدة ولا يتولياه؛ قال في المدونة: وقال مالك في المحرم: لا بأس أن يحنط إذا كان الذي يحنطه غير محرم. ا. هـ. منه. وأما المعتدة فإنه لانقطاع تكليفها، وهو أمر وجيه بالنسبة إليها؛ لعدم ورود النهي عن أن تمس طيبًا بعد موتها، بخلاف المحرم فإنه ورد في الذي وقصته دابته وهو محرم قوله ﷺ : "اغْسلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ كفِّنُوهُ فِي ثَوبَيهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّروا رَأسَهُ، فَإنهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبيًا". متفق عليه. من حديث ابن عباس؛ فالقول بجواز تطييب الميت المحرم بعد الوقوف على هذا الحديث الصحيح فيه ما فيه من مخالفة أمره ﷺ ، ولعل الإمام لم يبلغه هذا الحديث، ومعلوم أن القول بانقطاع إحرامه، لعدم تكليفه، اجتهاد مقدوح فيه بالقادح المسمى بفساد الاعتبار، الذي هو مخالفة الاجتهاد للنص. والله الموفق.
(٢) وقوله: ومشي مشيع وإسراعه وتقدمه؛ هو لما روى مالك في الموطإ: حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة والخلفاء هلم جرا. وعبد الله بن عمر. وحدثني عن مالك عن محمد بن المنكدر عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه أخبره أنه رأى عمر بن الخطاب يقدم الناس أمام الجنازة في جنازة زينب بنت جحش. ا. هـ.
وقوله: وإسراعه؛ هو للحديث المتفق عليه الذي تقدم "أسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ فَإنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ". الحديث، وروي عن أبي هريرة قال:: كان رسول الله ﷺ إذا تبع الجنازة قال: "انْبَسِطُوا بِهَا وَلَا تَدِبِّوا بِهَا دَبِيبَ اليَهُود بِجَنَائِزِهَا". والمراد بذلك إسراعًا دون الخبب، لما روي عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا ﷺ عن المشي بالجنازة فقال: "مَا دُونَ الْخَبَبِ". رواه أبو داود والترمذي، وقال: يرويه أبو حامد وهو مجهول. ا. هـ. ابن قدامة.
(٣) وقوله: وتأخر راكب؛ هو لما رواه أبو داود والترمذي: قال رسول الله ﷺ : "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، والْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهُ". رواه أبو داود، ولفظ الترمذي نحو منه: "الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَة، وَالمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطفْل يُصَلَّى عَلَيْهِ". وقال: هذا حديث صحيح - ويكره الركوب في اتباع الجنائز لما رواه ثوبان قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة =
стр. 354
التَّكْبِيرِ (١) وابْتِدَاءٌ بِحَمْدٍ وصَلَاةٍ عَلى نَبِيهِ ﵊، وإسْرَارُ دُعَاءٍ (٢) وَرَفْعُ صَغِيرٍ عَلَى أكُفٍّ، وَوُقُوفُ إِمَام بِالْوَسَطِ ومَنْكبَي المَرأةِ وَرَأسُ الميِّتِ
= فرأى ركبانًا فقال: "ألَا تَسْتَحُونَ؟. إن مَلَائكَةَ اللهِ عَلَى أقْدَامِهِمْ وَأنتمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ". رواه الترمذي. وأما الركوب في الرجوع من الجنازة فلا بأس به، لما رواه جابر بن سمرة أن النبي ﷺ اتِّبعَ جنازة ابن الدَّحْدَاح ماشيًا ورجع على فرس. رواه مسلم، والترمذي وقال: حديث حسن.
(٤) وقوله: وامرأة؛ يريد تأخير المرأة المشيعة عن الراكب، وصوابه أن يقول بكراهة خروجها لما روي عن أم عطية قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. متفق عليه، وروى ابن ماجه أن النبي ﷺ خرج فإذا نسوة جلوس، قال: "مَا يُجْلِسُكُنَّ"؟. قلن: ننتظر الجنازة. قال: "هَلْ تُغَسَّلْنَ"؟. قلن: لا. قال: "هَلْ تَحْمِلْنَ"؟. قلن: لا. قال: "هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي"؟. قلن: لا. قال: "فَارْجِعنَ مَأزُورَاتٍ غَيْرَ مَأجُورَاتٍ".
(٥) وقوله: وسترها بقبة؛ لعله لما أخرجه حماد على الأنساب في شرح قول الناظم:
وتحته غزال بنت كسرى … وذات نعش حجبوه سترًا
قال: وأما ذات النعش: فهي بادنة أو بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي، فذكر من شأنها. قول المخنث هيث فيها لمولاه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، إلى أن قال: وتزوجها عبد الرحمن بعد ذلك فولدت له جويرة بنت عبد الرحمن، وولدت للمسور بن مخرمة، وتوفيت بادنة في خلافة عمر بن الخطاب، فخرج في جنازتها، فلما رآها آذاه شحمها، فأمر بضرب قبة عليها، فكان مدرك شرع تغطية جنائز النساء. ا. هـ. فإن صح ما نقل فهو من سنة المسلمين. وبالله التوفيق.
(١) وقوله: ورفع اليدبن بأولى التكبير؛ تبع فيه رأي ابن القاسم وما يرويه عن مالك في المدونة؛ قال في المدونة: وقال مالك بن أنس: ترفع الأيدي في الصلاة على الجنازة في أول التكبير. قال ابن القاسم: وحضرته غير مرة يصلي على الجنائز فما رأيته يرفع يديه إلا في أول التكبير. ا. هـ. منه.
قال البغوي: رفع اليدين سنة في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة. واختلف أهل العلم في سائر التكبيرات؛ فذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم عبد الله بن عمر أنه يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة. وعن أنس مثله. وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ويروى عن عطاء بن =
стр. 355
عَن يَمِينهِ (١) وَرَفْعُ قَبْرٍ كَشِبْرٍ مُسَّنمًا وتُؤُوِّلتْ أيْضًا عَلى كَرَاهَتِهِ فَيُسَطَّحُ (٢)، وَحَثْوُ
= رباح، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قلت: وهو رواية المدونة عن مالك؛ ففيها ما نصه: قال ابن وهب: وأن عمر بن الخطاب، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وموسى بن نعيم، وابن شهاب، وربيعة، ويحيى بن سعيد، كانوا إذا كبروا على الجنازة رفعوا أيديهم في كل تكبيرة. قال ابن وهب: وقال لي مالك: إنه ليعجبني أن يرفع يديه في التكبيرات الأربع. ا. هـ. منه.
قال البغوي: وذهب قوم إلى أنه لا يرفع إلا في التكبيرة الأولى. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه. فلم يبق لطالب العلم إلا أن يرجح بين القولين. والله الموفق.
(٢) وقوله: وابتداء بحمده وصلاة على نبيه ﵊ وإسرار دعاء، قد تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: والدعاء ودعا بعد الرابعة على المختار.
(١) وقوله: ووقوف إمام بالوسط ومنكبي المرأة ورأس الميت عن يمينه؛ فهو يعني بذلك على ما للفقهاء من أصحابنا، أن وقوفه وسط المرأة ربما يتذكر في الصلاة ما ينافيها، وأجابوا على الاستدلال بوقوف رسول الله ﷺ في وسط المرأة؛ بأنه فعل ذلك لعصمته من تذكره ما ينافي الصلاة.
قلت: الأسوة به ﷺ والعبرة بقوله وفعله وتقريره، ودعوى الخصوص تحتاج إلى دليل نقلي، وقد جاءت السنة الصحيحة من حديث سمرة قال: صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأه ماتت في نفاسها، فقام وسطها. متفق عليه. وروي عن همام، عن أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة فقام حيال وسط السرير. ويروى: عند عجيزتها. فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله ﷺ قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟. قال: نعم. وهذا الحديث أخرجه البغوي في شرح السنة، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد، والطيالسي، وإسناده صحيح. وبه أخذ الشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم، وهو الذي تقتضي السنة الأخذ به. والله الموفق.
(٢) وقوله: ورفع قبر كشبر مسنمًا وتُؤُوِّلت أيضًا على كراهته فيسطح؛ يروى عن الشافعي قوله: وبلغنا أن النبي ﷺ سطح قبر ابنه إبراهيم، ولذلك ذهب الإمام الشافعي إلى تسطيح القبر؛ روي عن =
стр. 356
قَريبٍ فِيهِ ثلَاثًا (١)، وتَهْيئةُ طَعَامٍ لأهْلِهِ (٢) وَعَدَمُ عُمْقِهِ، واللَّحْدُ (٣) وَضَجْعٌ
= القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أماه اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ . فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله ﷺ مقدمًا وأبا بكر رأسه عند كتفي النبي ﷺ وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ هكذا أخرج البغوي في شرح السنة. وهو في سنن أبي داود، وأخرجه الحاكم في المستدرك. ومن يقول بتسنيم القبر يستدل بحديث سفيان بن التمار قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنَّمًا. رواه البخاري في الجنائز، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة وأحمد والمزني وكثير من أصحاب الشافعي، بل ادعى القاضي حسين اتفاق أصحابهم على ذلك.
قال البغوي: ويكره أن يرفع فوق الأرض مشرفًا. قال الشافعي: إلا قدر ما يعرف أنه قبر لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه وهو قدر شبر. ا. هـ. منه.
وروي أن النبي ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون وضع عند رأسه حجرًا وقال: "لِيُعْلَمَ قَبْرُ أَخِي وَأدْفِنُ إليْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي". أخرجه البغوي في شرح السنة وهو في سنن أبي داود وسنده حسن. وقال ابن حجر في التلخيص: أخرجه ابن ماجه، وسنده حسن. ا. هـ.
(١) وقوله: وحثو قريب فيه ثلاثًا؛ هو لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ حثا على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعًا. ا. هـ.
وروى ابن ماجه في الجنائز من حديث أبي هريرة أن رسول ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا، ورجاله ثقات، قاله ابن حجر في التلخيص.
(٢) وقوله: وتهيئة طعام لأهله؛ لما رواه سفيان بن عيينة عن جعفر عن أبيه عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ قال: "إِصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَر طَعَامًا فَقَدْ أتَاهُمْ مَا يُشْغِلُهُمْ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
تنبيه: قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر - يعني في الجاهلية - ولذلك قالوا: يكره عند الميت. روى عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا عَقْرَ فِي الإسْلَامِ". أخرجه أحمد وأبو داود وإسناده صحيح.
وقوله: وعدم عمقه، مخالف لما رواه أبو داود أن النبي ﷺ قال: "احْفُرُوا وَأَوسِعُوا وَاعْمِقُوا". =
стр. 357
فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقَبَّلًا (١)، وَتُدُورِكَ إِنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ كَتَنْكِيسِ رِجْلَيْهِ وَكَتَرْكِ
= (٣) وقوله: واللحد، سمي لحدًا لأنه في ناحية ملتحدًا معدولًا، ولو كان مستقيمًا كان ضريحًا. قال البغوي، ودليل فضيلة اللحد ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان بالمدينة رجلان، أحدهما يلحِد والآخر لا يلحِد، فقالوا: أيهما جاء أولًا عمل عمله، فجاء الذي يلحِد فلحد لرسول الله ﷺ . هذا الحديث أخرجه بهذا اللفظ البغوي، وهو في الموطإ، وله شاهد عند ابن ماجه، وأحمد.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أبو عبيدة بن الجراح يضرح لأهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل يلحد لأهل المدينة، فدعا العباس رجلين ثم قال: اذهب أنت إلى أبي عبيدة، واذهب أنت إلى أبي طلحة، اللهم خِرْ لرسول الله ﷺ . فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فلحد. ا. هـ. أخرجه بهذا اللفظ البغوي في شرح السنة، وهو في سنن ابن ماجه، ومسند الإمام أحمد، وأخرجه البيهقي، وأخرجه ابن سعد في الطبقات. ا. هـ.
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّحْدُ لَنَا وَالشِّقُّ لِغَيْرِنَا". أخرجه البغوي في السنة، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن سعد في الطبقات، والبيهقي. ا. هـ.
(١) وقوله: وضجع فيه على أيمن مقبَّلًا؛ قال البغوي في شرح السنة: ويدفن الميت مستقبل القبلة على جنبه الأيمن. قال عمر وذكر الكعبة: والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا، ويوجه إليها موتانا. ا. هـ. منه.
واختلف أهل العلم في أخذ الميت من شفير القبر؛ فذهب بعضهم إلى أن الجنازة توضع في أسفل القبر، ويسل الميت من قبل رأسه، وبه قال الشافعي. ومنهم من قال: يؤخذ من قبل القبلة لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا فأسرج له سراج، فأخذ من قبل القبلة، وقال: "رَحِمَكَ اللهُ إِنْ كُنْتَ لأوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ". قال البغوي: إسناده ضعيف، والأول هو المشهور بأرض الحجاز. وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر، قال: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". وفي رواية "وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ". رواه بهذا اللفظ البغوي. وهو في ابن ماجه، والترمذي، وأبو داود أخرجه في سننه، وسنده صحيح. وأخرجه أحمد في المسند، وأخرجه الحاكم في المستدرك. ا. هـ.
стр. 358
الْغَسْلِ ودَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ، إنْ لَمْ يُخَفْ التَّغَيُّرُ، وَسَدُّهُ بِلَبِنِ ثُمَّ لَوْحٍ ثُمَّ قُرْمُودٍ ثُمَّ آجُرٍّ، ثُمَّ قَصَبٍ، وَسَنُّ التُّرابِ أَوْلَى مِنَ التَّابوتِ، (١) وَجَازَ غَسْلُ امْرأَةٍ ابْنَ كَسَبْعٍ، ورَجُلٍ كَرَضِيعَةٍ (٢)، والْمَاءُ المُسَخَّنُ وعَدَمُ الدَّلْكِ لكثْرَةِ المَوْتَى، وتَكْفِينٌ بِمَلْبُوسٍ أَوْ مُزَعْفَرٍ أَوْ مُوَرَّسٍ (٣) وحَمْلُ غَيْر أرْبَعَةٍ وَبدْءٌ
(١) وقوله: وسده بلبن؛ هو لما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرض موته: إِلْحَدُوا لي لحْدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله ﷺ . أخرجه مسلم في صحيحه. باب اللحد ونصب اللبن علي الميت. وندب أن يسد خلله بالطين لئلا يصل التراب إلى الميت، وإن جعل مكان اللبن قصب فحسن، لأن الشعبي قال: جعل على لحد رسول الله ﷺ ظنُّ قصب. والظنُّ: الحزمة، قال: فإني رأيت المهاجرين يستحبون ذلك. ا. هـ. ابن قدامة.
(٢) وقوله: وجاز غسل امرأة ابن كسبع ورجل كرضيعة؛ قال في المدونة: وقال مالك: لا بأس أن يغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وما أشبهه. ا. هـ. منه. قال ابن قدامة: وللنساء غسل الطفل بغير خلاف. فال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة لها أن تغسل الصبي الصغير. قال أحمد: لهن أن يغسلن من له دون سبع سنين. ا. هـ. منه.
قلت: لأنه لا عورة له وليس من مأموري الصلاة، وأما من بلغ عشرًا فلا يغسلنه قطعًا لأن النبي ﷺ قال: "وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ". والخلاف فيما بين السبع والعشر فلا نص. والله تعالى أعلم.
أما الرجل فإنه لا يغسل الجارية، لما كان عليه السلف من النهي عن ذلك. انظر ابن قدامة.
(٣) وقوله: وتكفين بملبوس أو مزعفر ومورس؛ هو لما روي عن أبي ﵁ أنه قال: خذوا هذا الثوب - لثوب عليه قد أصابه مِشْقٌ أو زعفران - فاغسلوه وكفنوني فيه، وفي ثوبين آخرين، الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إنما هو للمهلة. ا. هـ. أخرجه البخاري في صحيحه من طريق هشام بن عروة عن عائشة. ا. هـ. من المعلق على شرح السنة.
قال البغوي: وقال عبد الله بن المبارك: أحب إليَّ أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها. ا. هـ.
стр. 359
بأيِّ جِهَةٍ، والْمُعيِّنُ مُبْتَدِعٌ (١)، وَخُروجُ مُتَجَالَّةٍ أو إِن لَمْ يُخْشَ مِنْهَا الفِتْنَةٌ في كَأبٍ وزوج وابْنٍ وأخٍ (٢)، وسَبْقُهَا وَجُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا (٣) وَنَقْلٌ، وإنْ مِنْ بَدْوٍ
(١) وقوله: وحمل غير أربعة وبدء بأي جهة والمعين مبتدع؛ هو لما في المدونة: قلت لمالك: من أي جوانب السرير حمل الميت، وبأي ذلك أبدأ؟. قال: ليس في ذلك شيء موقت، احمل من حيث شئت؛ إن شئت من قدام؛ وإن شئت من وراء؛ وإن شئت احمل بعض الجوانب ودع بعضًا، وإن شئت فاحمل وإن شئت فدع. ورأيته يرى أن الذي يذكر فيه الناس يبدأ باليمين بدعة. ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن منصور عن عبيدة بن بسطاس، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه قال: احمل الجنازة من جوانبها الأربعة فإنها السنة، ثم إن شئت فتطوع وإن شئت فدع. ا. هـ. منه.
وفي البغوي: قال عبد الله بن مسعود: إذا اتبع أحدكم الجنازة فليأخذ جوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع بعد أو ليذر، فإنه من السنة، أخرجه: أبو داود الطيالسي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والبيهقي.
قال الشافعي: فإن كثر الناس أحببت أن يكون أكثر حمله بين العمودين، ومن أين حمل فحسن. ا. هـ.
(٢) وقوله: وخروج متجالَّة أو إن لم يخش منها الفتنة، في كأب وزوج وابن وأخ؛ هو لما في المدونة: قال مالك: لا بأس أن تتبع المرأة جنازة ولدها ووالدها، ومثل زوجها وأختها إن كان ذلك مما يعرف أنه يخرج مثلها على مثله. فقلت لمالك: وإن كانت شابة؟. قال: نعم: وإن كانت شابة. قال: فقلت: أيكره أن تخرج على غير هؤلاء ممن لا ينكر لها الخروج عليهم من قرابتها؟. قال: نعم. ا. هـ. منه.
قلت: قد تقدم عند قول المؤلف: وتأخر راكب وامرأة، ما رواه ابن ماجه أن النبي ﷺ خرج فإذا نسوة جلوس قال: "مَا يُجْلِسُكُنَّ"؟. قلن: ننتظر الجنازة. قال: "هَلْ تُغَسِّلْنَ"؟. قلن: لا. قال: "هَلْ تَحْمِلْنَ"؟. قلن: لا. قال: "هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي"؟. قلن: لا. قال: "فَارْجِعْنَ مَأزُوراتٍ غَيْرَ مَأجُورَاتٍ". والله الموفق. =
стр. 360
وبُكى عَليْهِ عندَ مَوْتهِ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَقَوْلٍ قَبِيحٍ (١)، وَجَمْعُ أمْوَاتٍ بِقَبْرٍ لِضَرُوةٍ وَوُلِّيَ القِبلَةَ الأفْضَلُ (٢)، أَوْ بِصَلَاةٍ يَلِي الإمَامَ رَجُلٌ فَطِفْلٌ فَعَبْدٌ
= (٣) وقوله: وسبقها والجلوس قبل وضعها؛ هو لما روي عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فوجدنا القبر لم يلحد، فجلس وجلسنا معه. وفي رواية: فجلس مستقبل القبلة وجلسنا معه. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وإسناده قوي. ا. هـ.
(١) وقوله: وبكى عليه عند موته بلا رفع صوت وقول قبيح؛ لما روى أنس قال: شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﵊ جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان. وورد أن النبي ﷺ قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، ورفع رأسه وعيناه تهرقان. وروى أنس؛ قال رسول الله ﷺ : "أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأصِيبَ، ثُم أخَذَهَا جَعْفَرُ فأصِيبَ، ثم أخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رُوَاحَةَ فَأصِيبَ، وإنَّ عَيْنَيْ رَسولِ اللهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ".
وروي عن عائشة: دخل أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فقبله ثم بكى. وكلها أحاديث صحاح. وفي الصحيحين أنه ﷺ دخل على ولده إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟. فقال: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ". ثم أتبعها بأخرى، فقال: "إِن الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وإنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمحْزُونُونَ". متفق عليه.
وفي رواية الترمذي: فقال له عبد الرحمن بن عوف. أتبكي؟. أو لم تكن نهيت عن البكاء؟. قال: "لَا، وَلكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، صَوْتٍ عِنْدَ مُصيبَةٍ؛ وَخَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ الشَّيْطَانِ". قال الترمذي هذا حديث حسن. ا. هـ.
(٢) وقوله وجمع أموات بقبر لضرورة، وولي القبلة الأفضل؛ هو لما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر ﵁، أنه أخبره أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم بقول: "أيُّهُمْ أكثَرُ أَخذًا لِلْقرْآنِ؟. فإذا أشير إلى أحد قدمه في =
стр. 361
فَخَصِيٌّ فَخُنْثَى كَذلِكَ، وَفِي الصنف أيضًا الصف (١)، وزيارة القبور بِلَا حَدٍّ (٢)، وَكُرِهَ حَلْقُ شَعْرِهِ وَقَلْمُ ظُفْرِهِ وَهُوَ بِدْعَةٌ، وضُمَّ مَعَهُ إِنْ فُعِلَ، ولَا تُنْكَأ قُروحُهُ، ويؤخَذُ عَفْوُهَا، وقراءَةٌ عند موته كتَجْمير الدَّارِ، وبَعْدَهُ عَلى قَبْرهِ، وصِياحٌ خَلْفَهَا، وقَوْلُ: اسْتَغْفِرُوا لَها، وانْصِرَافٌ عَنْهَا بِلَا صَلَاةٍ، أوْ بِلَا إِذْنٍ
= اللحد. وقال: "أنَا شَهِيدٌ عَلَى هؤلاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. ا. هـ. واللفظ للبغوي، وقال: هذا حديث صحيح. ا. هـ. وهو في البخاري، وفي سنن الترمذي.
قال البغوي: والحديث دليل على أنه يجوز دفن الجماعة في القبر الواحد، ويقدم إلى القبلة أفضلهم. روي عن هشام بن عامر. قال النبي ﷺ يوم أحد: "احْفُرُوا، وَأوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا". ويروى: "أعمِقُوا وَأحْسِنُوا وَادْفِنُوا الإثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أكثَرَهُمْ قرْآنا". فمات أبي فقدم بين يدي رجلين. ا. هـ. أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وقال: حسن صحيح.
(١) وقوله: أو بصلاة يلي الإمام رجل الخ. قال البغوي: إذا وضعت جنائز للصلاة عليها، قرب إلى الإمام أفضلهم. روى عمار مولى الحارث بن نوفل أنه شهد جنازة أم كلثوم بنت علي، امرأة عمر بن الخطاب، وابنها زيد بن عمر، فجعل الغلام مما يلي الإمام، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة. ا. هـ. وهذا أثر صحيح أخرجه أبو داود، والنسائي، والبيهقي.
وروي عن عثمان وابن عمر أنهم كانوا يجعلون الرجال مما يلي الامام، والنساء مما يلي القبلة. وفي المدونة: قال مالك إذا اجتمعت جنائز رجال ونساء، جعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وزيارة قبور بلا حد؛ لقوله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة الْقُبورِ فَزُورُوهَا فَإنَّهَا تُذَكِّركُمُ الآخِرَةَ". وفي رواية: "فَزورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا". قال البغوي: زيارة القبور مأذون فيها للرجال، وعليه عامة أهل العلم. وأما النساء فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لعن =
стр. 362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= زوارات القبور، أخرجه أحمد والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان. ا. هـ.
قال البغوي: فرأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص في زيارة القبور، فلما رخص عمت الرخصة الرجال والنساء، ومنهم من كرهها للنساء لقلة صبرهن وكثرة. جزعهن. ا. هـ. منه.
قلت: والصناعة الأصولية تأبى احتمال النسخ، لأنه لا يثبت بالاحتمال. فالخطاب الشرعي باق شرعًا حتى يثبت نقلًا رفعه بخطاب شرعي متأخر عنه، لذلك، فإن الدليل إلى جانب من يمنع النساء من الزيارة للقبور لهذين الحديثين. وفي الحديث "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ". والله الموفق.
تنبيه: السنة أن يتبع في زيارة القبور ما كان يفعله ﷺ في زيارته لها، فقد كان - بأبي وأمي هو - يزور شهداء أحد ويزور أهل بقيع الغرقد، فكان يقول: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدّيَارِ مِنَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَلَاحِقونَ، نَسْألُ اللهَ لَنَا وَلَكمُ الْعَافِيَةَ". وفي حديث عائشة "وَيرْحَمُ الله الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمسْتَأخِرِينَ". وفي حديث آخر: "اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ".
وروى ابن قدامة في المغني أنه لا بأس بقراءة القرآن عند القبر، واستدل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ دَخَلَ الْمَقابِرَ فَقَرأ سُورَةَ يَس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ". وأنه روي عنه ﵊: "مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ فَقَرَأ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُمَا يَسَ غُفِرَ لَهُ".
وقال ابن قدامة: وروي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرار: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر. وروي عن أحمد أنه قال القراءة عند القبر بدعة. ثم رجع عن ذلك عندما قال له محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله ما تقول في مُبَشّر الحلبيّ؟. قال: ثقة. قال: أخبرني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن يقرأ عنده بفاتحة سورة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. قال أحمد بن حنبل: فأرجع. ثم أمر من كان ينهاه عن القراءة أن يقرأ. ا. هـ. =
стр. 363
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال ابن قدامة: وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله. أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات (عنه)، فلا أعلم فيه خلافًا، إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) ودعا النبي ﷺ لأبي سلمة حين مات. وسأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟. قال: "نَعَمْ". رواه أبو داود، وروي ذلك عن سعد بن عبادة. وجاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟. قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟. قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى. وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟. قال: نَعَمْ. قال: فهذه أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب، لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يس، وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءتها.
قال: وخالف الشافعي - فيما عدا الواجب والصدقة والدعاء الاستعفار - قال: لا يفعل عن الميت لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣). وقوله ﷺ "إذَا مَاتَ ابْن آدَمَ انْقَطعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أو عِلمٍ يُنْتَفَعُ به من بَعْده أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ". ولأن نفعه لا يتعدى فاعله فلا يتعدى ثوابه. وقال بعض العلماء: إذا قرئ القرآن عند الميت، أو أهدى إليه ثوابه كان الثواب لقارئه، ويكون الميت كأنه حاضرها وترجى له الرحمة.
قال: ولنا ما ذكرناه، وأنه إجماع المسلمين، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولأن الحديث صح عن النبي ﷺ : "إن الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهلِهِ عَلَيْهِ". والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة. ا. هـ. منه بتصرف. وبالله التوفيق. =
стр. 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيه: ولا ينبغي الجلوس عند القبر، ولا الاتكاء عنده لما روي أن رسول الله ﷺ قال: "لأنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَجْلِسَ إلَى قبْرٍ". رواه مسلم، قال ابن قدامة: قال الخطابي: وروي أن النبي ﵊ رأى رجلًا قد اتكأ على قبر، فقال: "لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ". ا. هـ.
تنبيه: ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة لما روى أبو داود بإسناده عن المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، أمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام رسول الله ﷺ فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: "أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ". ا. هـ. ورواه ابن ماجه عن النبي ﷺ من رواية أنس. ا. هـ.
تنبيه: ولا بأس بالوقوف على القبر بعد ما يدفن الميت للدعاء له؛ لما روى أبو داود عن عثمان قال: كان النبي ﷺ إذا دفن الرجل وقف عليه وقال: "اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ".
وروي أن عمرو بن العاص لما حضرته الوفاة قال: اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم، فإني أستأنس بكم. متفق عليه.
أما التلقين بعد الدفن؛ فقد أخرج فيه ابن قدامة: قال القاضي وأبو الخطاب: يستحب ذلك. ورويا فيه عن أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال: "إذَا مَاتَ أحَدُكُمْ فَسَوَّيتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَلْيَقِفْ أحَدُكُمْ عِنْدَ رَأَسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ ليَقُلْ: يَا فلَان ابْنَ فلَانَةٍ، يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فلانُ ابْنَ فلَانَةٍ الثَّانِيَةَ، فَيَسْتَوي قَاعِدًا، ثُمَّ لْيَقُلْ: يَا فُلَان ابْنَ فلَانَةٍ فإنَّهُ يَقُولُ: أرْشِدْنِا يَرْحَمْكَ الله. وَلكِنْ. لَا تَسْمَعُون. فَيَقولُ: اذكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا: شَهَادَةَ أنْ لَا إلهَ إلا الله وَأن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ، وَأنَّكَ رَضِيتَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإسْلَامِ دِينًا، وَبمحمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا. فَإنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَتَأخَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَقُولُ: إِنْطَلْقِ فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هذَا وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، وَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ دُونَهُمَا". قال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف اسم أمه؟. قال: "فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ". رواه ابن شاهين. ا. هـ. منه. =
стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: وقراءة عند موته؛ تقدم الكلام على ذلك، وأنه لا بأس به. وذلك عند قول المؤلف: وتلقينه عند موته، فأغنى عن إعادته هنا والحمد لله.
وقوله: وبعده على قبره؛ تقدم الكلام على ذلك وجئنا بالأحاديث الواردة في جوازه في الكلام على قول المؤلف: وزيارة القبور بلا حد، عند التنبيه الأول فأغنى عن إعادته هنا. والمنة في ذلك لله تعالى وهو الموفق.
стр. 366
إنْ لَمْ يُطَوِّلُوا، وحَمْلُهَا بلا وُضُوءٍ، وإدْخَالُهُ بِمَسْجِدٍ والصَّلَّاةُ عَلَيْهِ فِيهِ (١) وتكْرَارُهَا، وتَغْسِيلُ جُنُبٍ كَسَقْطٍ وتَحْنِيطُهُ وتسْمِيَتُه، وصَلَاةٌ عَليْهِ ودَفْنُهُ بِدَارٍ وَلَيْسَ عَيْبًا (٢)، بخلاف الْكَبِير، لَا حَائضٍ، وصَلَاةُ فَاضِلٍ عَلَى بِدْعِيٍّ أَوْ
(١) وقوله: وإدخاله بمسجد والصلاة عليه فيه؛ قال في المدونة: وقال مالك: وأكره أن توضع الجنازة في المسجد، فإن وضعت قرب المسجد للصلاة عليها، فلا بأس أن يصلي من بالمسجد عليها بصلاة الإمام الذي يصلي عليها، إذا ضاق خارج المسجد بأهله. ا. هـ. منه.
قال البغوي: ودليل مالك على ذلك حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ". وفي رواية: "فَلَيْسَ لَهُ أجْرٌ". وهو ضعيف، ويُعَدُّ من أفراد صالح مولى التوأمة.
قلت: الحديث أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي، وأن معظم ما جرح به مولى التوأمة الاختلاط، لكنهم قالوا: إن سماع ابن أبي ذئب منه كان قبل الاختلاط. وفي التهذيب نقلًا عن ابن عدي: لا بأس به إذا روى عنه القدماء مثل ابن أبي ذئب وابن جريج، وزياد بن سعد، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه ولا وجه لرده إذًا. والله الموفق.
ومن يجيز الصلاة على الجنائز بالمسجد يحتج بأن أبا بكر وعمر صلى عليهما بالمسجد، وحديث عائشة ﵂. مما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عنها أنها لما توفي سعد بن أبي وقَّاص قالت: ادخلوا به المسجد حتى أصليَ عليه. فأنكر ذلك عليها. فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد؛ سهيل وأخيه.
قلت: ويمكن الجمع بين الدليلين بحمل الجواز على من يؤمن تلوث المسجد منه وبحمل الكراهة على من لا يؤمن منه ذلك. والله الموفق.
(٢) وقوله: كسقط وتحنيطه الخ؛ قال في المدونة: وقال مالك: لا يصلى على الصبي ولا يرث ولا يورث، ولا يسمى ولا يغسل ولا يحنط حتى يستهل صارخًا، وهو بمنزلة من خرج ميتًا وقال ابن القاسم: وسألت مالكًا عن السقط يدفن في الدور، فكره ذلك. وروى مالك: حدثني ابن شهاب أن =
стр. 367
مُظْهِر كَبِيرِةٍ، والإمَامِ عَلَى مَنْ حَدُّه الْقَتْلُ بِحَدٍّ أَوْ قَوَدٍ وَلَوْ تَوَلَّاهُ النَّاسُ دُونَهُ (١)، وَإنْ مَاتَ قَبْلَهُ فتَردُّدٌ. وتَكْفِينٌ بحرِيرٍ أو بِنَجِسٍ وَكَأَخْضَرَ ومُعَصْفَرٍ (٢) أَمْكَنَ غَيْرُهُ، وزيادَةُ رَجُلٍ على خَمْسَةٍ، واجْتِمَاعُ نِسَاءٍ لِبُكىً وإِنْ سِرًّا، وتَكْبِيرُ نَعْشٍ وَفَرشُهُ بحَرِيرٍ، وَإِتبَاعُهُ بَنارٍ (٣)، وندَاءٌ بهِ بِمَسْجِدٍ (٤) أوْ بابه لا
= السنة أن لا يصلى على المنفوس حتى يستهل صارخًا حين يولد. قال ابن وهب: قال يونس وقال ابن شهاب: لا يصلى على السقط، ولا بأس أن يدفن مع أمه. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: والإمام على من حدُّه القتلُ بحد أو قود وتولاه الناس دونه؛ قال في المدونة: وقال مالك: كل من قتله إمام في قصاص، أو في حد من الحدود فإن الإمام لا يصلي عليه، ولكن يغسل ويحنط ويكفن ويصلي عليه الناس غير الإمام. قلت: فما قول مالك فيمن ضربه السلطان حدًا مائة جلدة فمات من ذلك؟. قال: لا أحفظ هذا عن مالك؛ فيمن ضربه السلطان حدًا مائة جلدة فمات، ولكن أرى أن يصلي عليه الإمام. وقال: قال مالك يصلي على المرحوم أهله والناس، ولا يصلي عليه الإمام لأنه قال: من قتله الإمام على حد من الحدود فلا يصلي عليه الإمام، وليصل عليه أهله. وقال مالك: سمعت ربيعة يقول في الذي يقتل قودًا: إن الإمام لا يصلي عليه، ويصلي عليه أهله، وبه يأخذ مالك. ا. هـ. منه بتصرف.
(٢) وقوله: وتكفين بحرير الخ. قال ابن قدامة: قال أحمد: لا يعجبني أن تكفَّن في شيء من الحرير. وكره ذلك الحسن، وابن المبارك، وإسحاق. قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافه. وفي جواز تكفين المرأة بالحرير احتمالان أقيسهما الجواز؛ لأنه من لباسها في حياتها، لكن كرهناه لها لأنها خرجت عن كونها محلًا للزينة والشهوة، وكذلك يكره تكفينها في المعصفر ونحو ذلك. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وإتباعه بنار، لما روى أبو داود بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا تُتَّبَعُ الْجَنَازَةُ بصَوْتٍ وَلَا نَارٍ". فإن دفنت الجنازة ليلًا فاحتاجوا إلى ضوء فلا بأس به، وإنما كرهت المجامر فيها البخور. وفي حديث عن النبي ﷺ أنه دخل قبرًا ليلًا، فأسرج له السراج. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن. ا. هـ. =
стр. 368
بكحلق بِصَوْتٍ خَفيٍّ، وَقيامٌ لَهَا (١)، وتَطْيينُ قَبْرٍ أوْ تبييضُهُ، وبِنَاءٌ عَلَيْهِ وتَحْويزُهُ، وِإن يُوهِيَ بِه حَرُمَ (٢)، وجازَ لِلتَّمْييزِ كحَجَرٍ أَوْ خشَبَةٍ (٣) بَلَا نَقْشٍ،
= وفي المدونة: وقال مالك: أكره أن يتبع الميت بمجمرة أو تقلم أظافره أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله. قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله. وقال مالك عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، أنه نهى أن يتبع الميت بنار تحمل معه بعد موته. ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: ونداء به بمسجد الخ؛ هو لكراهة رفع الصوت بالعلم في المسجد - فوق المعتاد - أحرى غير ذلك، لاحترام بيوت الله.
(١) وقوله: وقيام لها؛ دليله ما رواه مسعود بن الحكم عن عليٍّ بن أبي طالب أنَّ رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنائز، ثم جلس بَعْدُ. أخرجه مسلم وهو في الموطإ، وفي مسند أحمد، والنسائي.
وروي عن عبادة بن الصامت بإسناد غريب قال: كان النبي ﷺ إذا اتبع الجنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حبرٌ فقال: هكذا نصنع يا محمد. قال: فجلس رسول الله ﷺ وقال: "خَالِفُوهُمْ". أخرجه بهذا اللفظ البغوي في شرح السنة، وأخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأخرجه أبو داود، وفي إسناده مقال. ا. هـ.
(٢) وقوله: وتطيين قبر أو تبييضه وبناء عليه وتحويزه، وإن بوهي به حرم؛ قال في المدونة: وقال مالك: أكره تجصيص القبور والبناء عليها، وهذه الحجارة التي تبنى عليها، وروى ابن لهيعة عن بكر بن سواده قال: إن كانت القبور لتسوى بالأرض. وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي زمعة البلوي صاحب رسول الله ﷺ أنه أمر أن يصنع ذلك بقبره إذا مات. قال سحنون: فهذه آثار في تسويتها، فكيف بمن يريد أن يبني عليها. ا. هـ. منه.
وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها وأن توطأ. ا. هـ.
ورأى ابن عمر فسطاطًا على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظله عمله. ا. هـ. أخرجه البخاري تعليقًا.
ورخص قوم في تطيين القبر؛ منهم الحسن البصري، وقال الشافعي: لا بأس أن يطين القبر. ا. هـ. من البغوي. =
стр. 369
ولَا يُغْسَّلُ شَهِيدٌ مُعْتَركٌ فَقَطْ، ولَوْ بِبَلَدِ الإسْلَامِ أوْ لَمْ يُقَاتِلْ وإنْ أجْنَبَ على الأحْسَن (١) لَا إِنْ رُفِعَ حَيًّا وإنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ إِلَّا المَغْمُورَ (٢)، ودُفِنَ بثيابه إِنْ
= (٣) وقوله: وجاز للتمييز كحجر أو خشبة؛ تقدم الكلام عليه في التنبيه الثالث، عند قول المؤلف: وزيارة القبور بلا حد. والحمد لله.
(١) وقوله ولا يغسل شهيد معترك فقط ولو ببلد الإسلام، أو لم يقاتل وإن أجنب على الأحسن؛ قال في المدونة: وقال مالك في الشهداء، من مات في المعترك فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه. ورأيته يستحب أن يترك عليه خفاه وقلنسوته. ا. هـ. منه.
وروى ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول:، "أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذًا لِلْقُرْآنِ" فإذا أشير إلى أحد قدمه في اللحد. وقال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا. ا. هـ. رواه بهذا اللفظ البغوي، وهو في صحيح البخاري، وأخرجه أصحاب السنن. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. ا. هـ. أخرجه البغوي في شرح السنة، وهو في سنن أبي داود، وابن ماجه.
قال البغوي: اتفق العلماء على أن الشهيد المقتول في معركة الكفار لا يغسل، واختلفوا في الصلاة عليه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يصلى عليه لحديث جابر المتقدم، وهو قول أهل المدينة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد.
وذهب قوم إلى أنه يصلى عليه، لأنه روي أن النبي ﷺ صلى على حمزة. وبه قال الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق، وأجاب الأولون عن الصلاة على حمزة بأنها الدعاء. وأما المقتول ظلمًا في غير القتال، فإنه يغسل ويصلى عليه بلا خلاف. وإن كان شهيدًا في الثواب، فإن عمر بن الخطاب ﵁ غسل وكفن وصُلّي عليه وكان شهيدًا. =
стр. 370
سَترَتْهُ، وإلَّا زيدَ (١)، بخُفٍّ وقَلَنْسُوِة ومِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا، وخَاتَمٍ قَلَّ فَضُّه (٢)،
= أخرج مالك في الموطإ بإسناد صحيح أنه بلغه عن أهل العلم أنهم كانوا يقولون: الشهداء في سبيل الله لا يغسلون ولا يصلى على أحد منهم، وأنهم يدفنون في الثياب التي قتلوا فيها. قال مالك: وتلك السنة فيمن قتل في المعترك فلم يدرك حتى مات، وأما من حمل منهم فعاش ما شاء الله بعد ذلك، فإنه يغسل ويصلى عليه، كما عمل بعمر بن الخطاب ﵁. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: لا إن رفع حيًا وإن أنفذت مقاتله إلا المغمور؛ هذا محل خلاف بين العلماء فيمن أثخن في المعركة فحمل وبه رمق، فمات بعده: هل يصلى عليه أو لا؟، فذهب بعضهم إلى أنه يغسل ويصلى عليه. وبه قال مالك: ففي المدونة: روى ابن وهب عن ابن أبي ذئب، قال: صلَّى على ثابت بن شمَّاس بن عثمان يوم أحد بعد أن عاش يومًا وليلة.
وقوله: إلا المغمور؛ فهو لما في المدونة أيضًا: وقال: من عاش فأكل وشرب أو عاش حياة بينة، ليس كحال من به رمق، وهو في غمرة الموت، يغسل ويصلى عليه ويكفن، ويكون بمنزلة الرجل يصيبه الجرح فيعيش الأيام منه، ويقضي حوائجه ويشتري ويبيع ثم يموت فهو وذلك سواء. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: ودفن بثيابه إن سترته، وإلا زيد؛ قال في المدونة: وقال مالك ما علمت أنه يزاد في كفن الشهيد أكثر مما عليه شيء. وقال مالك: لا ينزع عن الشهيد الفرو. قال: وما علمت أنه ينزع عنه شيء. قال ابن القاسم: تفسير قول مالك: لا يدفن معه السلاح، لا سيفه ولا درعه ولا شيء من السلاح، وإن كان للدرع لابسًا؛ ا. هـ. منه.
قال الخرقي: من علماء الحنابلة: ودفن بثيابه، وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه.
قال ابن قدامة هنا: أما دفنه في ثيابه فلا نعلم فيه خلافًا، وهو ثابت عن رسول الله ﷺ قال: "ادْفِنوهُمْ بِثِيَابِهِمْ". وروى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم. وليس هذا بحتم، لكنه الأولى. ا. هـ.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينزع عنه شيء لظاهر الخبر. =
стр. 371
لَا دِرْعٍ وسِلَاحٍ، ولَا دُونَ الْجُلِّ (١)، ولَا مَحْكُومٌ بكُفْرِهِ وَإِنْ صَغِيرًا ارْتَدَّ، "أَوْ
= (٢) وقوله: بخف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها وخاتم قل فصُّه؛ قال في المدونة: ورأيته يستحب أن يترك عليه خفاه وقلنسوته.
قلت: وهي إحدى وقفات المختصر، فإن من لم يتأمل ظن المصنف يقول: إن الميت يدفن بثيابه إن سترته، فإن لم تستره زيد عليها بخف وقلنسوة، وليس الأمر كذلك، بل المراد أنه يدفن بثيابه إن سترته لا يزاد عليها شيء، فإن لم تستره زيد عليها ما يحصل به الستر لجميع الجسد، ولو كان إذخرًا. كما حصل مع مصعب، وهنا عند قوله: إلا زيد، وقف لازم ثم يبتدئ الكلام بعد ذلك بقوله: بخف وقلنسوة، أي ودفن أيضًا بخفه وقلنسوته. الخ.
ومن وقفات المختصر قوله في البيع: وجاز هرْ وسبع للجلد، فإن لم يقف الدارس عند قوله وجاز هر وعطف عليه السبع لظن أن جواز بيع الهر مثل جواز بيع السبع لينتفع بجلده فقط، وإنما مراد المؤلف، وجاز بيع هر وشراؤه، وجاز أيضًا بيع سبع لأجل الانتفاع بجلده بعد دبغه وهكذا، يتبين لك أن هذا المختصر من الصعب جدًّا على طلبة العلم أخذه عن وجادة، فلا بد في تعلمه من مدرس تعلم حل ألفاظه على شيخ، لأنه أشبه شيء بالألغاز.
ولقد أشفقت يومًا على بعض طلبة العلم، مررت على حلقته في أحد الحرمين الشريفين، فوجدت الدرس في المختصر، فإذا الشيخ - غفر الله لنا وله - يتبين منه أنه لا هو ولا تلميذه الذي يُسَمِّعُ له النص، لم يعان واحد منهما فيما قبل صعوبة حل ألفاظ هذا السفر العظيم، ولم يتبعا ألفاظه عند شيخ مارس نصوصه. والله يوفقنا جميعًا. ا. هـ.
(١) وقوله: ولا دون الجل؛ قال في المدونة: وقال مالك ولا يصلى على يد ولا على رأس ولا على رجل، ويصلى على البدن، قال ابن القاسم: ورأيت قوله إنه يصلى على البدن إذا كان الذي بقي أكثر البدن. ا. هـ. منه.
قال البغوي في شرح السنة: وبلغنا أن طائرًا ألقى يدًا بمكة في وقعة الجمل، فعرفوها بالخاتم، فغسلوها وصلوا عليها. ا. هـ. وذكره الشافعي في الأم. ا. هـ.
стр. 372
نوَى به سَابِيهِ الإِسْلَامَ إلَّا أَن يُسْلِمَ (١)؛ كأَن أَسْلَمَ ونَفَرَ مِنْ أَبَويْهِ. وإِنْ اخْتَلَطُوا غُسِّلُوا وكُفِّنُوا، ومُيِّز المُسْلِمُ بالنِيَّةِ فِي الصَّلاةِ، ولا سِقْطٌ لَمْ يَسْتَهِلَّ ولَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بالَ أَوْ رَضَعَ إِلَّا أَنْ تَتَحَقَّقَ الْحَيَاةُ، وغُسِلَ دَمُهُ وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ وَوُورِيَ، ولَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ إِلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا (٢)، ولَا غَائِبِ (٣)،
= قلت هو عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وأمه جويريه بنت أبي جهل، التي خطبها علي بن أبي طالب ﵁ ليتزوجها مع فاطمة ﵂ فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ بَنِي هِشَّامِ بْنِ الْمُغِيَرةِ اسْتَأْذَنُوني أَنْ يُزَوِّجُوا ابْنَتهُمْ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلِبٍ، فَقَلْت: لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ حَتَّى يُطَلِّقَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنَتِي". الحديث المتفق عليه. غير أن الشيخ أحمد البدوي ذكر في عمود النسب أن اليد سقطت في اليمامة، على خلاف ما ذكره البغوي من أنها سقطت بمكة. قال البدوي:
ومن أبي العيص وزير الهادى … بمكةٍ عتابُ ذو الأيادِي
وهو حليل بنت عمرو بن هشام … أنقذ منها بنت أفضل الأنام
وأنجبت بصاحب اليد التي … طار بها الطائر لليمامة
وعبد الرحمن بن عتاب هذا والد سعيد بن عبد الرحمن ممدوح الراعي. انظر إكمال تحفة الألباب على الأنساب، الذي أكملت به شرح حماد لعمود النسب. ا. هـ.
(١) وقوله: ولا محكوم بكفره وإن صغيرًا ارتد؛ قال في المدونة: قلت: أرأيت الغلام إذا ارتد قبل أن يبلغ الحنث، أتؤكل ذبيحته ويصلى عليه إن مات في قول مالك؟. قال: لا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته. ا. هـ.
وقوله: أو نوى به سابيه الإسلام إلا أن يسلم الخ؛ قال في المدونة: وسألت مالكًا عن المسلمين يصيبون السبي من العدو فيباعون، فيشتري الرجل منهم الصبي ونيته أن يدخله الإسلام وهو صغير فيموت، أترى أن يصلى عليه؟. قال: لا، إلا أن يكون أجاب إلى الإسلام. وقال غيره وهو معن بن عيسى: يصلى عليه. ا. هـ. منه. =
стр. 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: إلا أن يسلم؛ هو لما رواه في المدونة محمد بن عمرو عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة أنه سمع بالمدينة أن رسول الله ﷺ ركب إلى بني النجار، فرأى جنازة على خشبة، فقال "مَا هذَا"؟. فقيل: عبد لنا كان عبد سوء مسخوطًا جافيًا. قال: "أَكَانَ يُصَلِّي"؟. قالوا: نعم. قال: "أَكَانَ يَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله"؟. قالوا: نعم: قال: "لَقَدْ كَادَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنَي وَبَيْنَهُ، ارْجِعُوا فَأَحْسِنُوا وَكَفَّنَهُ وَدَفَنَهُ".
وقوله: ولا سقط لم يستهل الخ. تقدم الكلام عليه عند قول المؤلف: كسقط وتحنيطه، فأغنى ذلك عن إعادة الكلام عليه. والله المحمود.
(٢) وقوله: ولا يصلى على قبر إلا أن يدفن بغيرها، قد تقدم بعض الكلام عليه عند قول المؤلف: وإن دفن فعلى القبر، ونورد هنا ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي ﷺ صلى على قبر وقَال: "إنَّ هذِهِ الْقبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أهْلِهَا وإنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ". أخرجه البغوي في شرح السنة، وهو في صحيح مسلم في الجنائز، باب الصلاة على القبر. ولفظه، أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابًا، فقدها رسول الله ﷺ ، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات. قال: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُوني"؟. قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. قال: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ". فدلوه، فصلى عليها ثم قال: "إنَّ هذَهِ الْقُبُورَ". الحديث، وقد أخرجه البخاري دون قوله: "إنَّ هذِهِ الْقُبُورَ". ا. هـ.
والذي عليه أكثر أهل العلم من أصحاب النبي فمن بعدهم أنه يجوز أن يصلى على القبر، وبه أخذ ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، ومنع ذلك مالك وأبو حنيفة والنخعي.
قلت: وحيث إنه ثبت تكرار ذلك الفعل من أسوتنا الحسنة ﷺ كما تقدم بيانه، وكما ثبت أنه صلى على أم سعد بن عبادة بعد شهر من وفاتها، كما هو في البيهقي والبغوي، وإنه صلى على قبر بعد ثلاثة أيام؛ رواه البيهقي والبغوي أيضًا، وإنه - بأبي هو وأمي - صلى على أهل أحد بعد ثمان سنين من الواقعة، متفق عليه، فإنه لا وجه البتة لمنع الصلاة على القبر بعد الوقوف على هذه الأحاديث والله الموفق. =
стр. 374
ولَا تُكَرَّرُ. والأَوْلَى بالصَّلَاةَ وَصِيٌّ رُجِيَ خَيْرُه، ثُمَّ الْخَليفَةُ لا فَرْعُهُ إِلَّا مَعَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ، وأَفْضَلُ وَليٍّ ولَوْ وَليَّ امْرأَةٍ (١). وصَلَّى النِّسَاءُ
= (٣) وقوله: ولا غائب، أما الصلاة على الغائب فقد وردت في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي، اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، فكبر أربع تكبيرات. قال البغوي: ومن فوائد هذا الحديث جواز الصلاة على الميت الغائب، ويتوجهون إلى القبلة، لا إلى بلد الميت، إن كان في غير جهة القبلة. قال: وذهب بعضهم إلى أن الصلاة على الميت الغائب لا تجوز، وهو قول أصحاب الرأي. وزعموا أن النبي ﷺ كان مخصوصًا به، وهذا ضعيف، لأن الاقتداء به في أفعاله واجب على الكافة، ما لم يقم دليل على الخصوص. ولا تجوز دعوى التخصيص ها هنا لأن النبي ﷺ لم يصل عليه وحده، وإنما صلى مع الناس. ا. هـ. منه.
وقوله: ولا تكرر، هو جري على ما عرفوا به فرض العين وفرض الكفاية من أن الأول هو الذي يتكرر الفائدة بتكراره بخلاف الثاني، قال في المنهج المنتخب:
وفرض عين الذي تكررا … نفعٌ به غير كفائيٌّ يرى
وبالله تعالى التوفيق.
(١) وقوله: وأولى الناس بالصلاة وصي رجي خيره؛ هذا خلاف ما في المدونة: قلت لابن القاسم: أيهم أولى بالصلاة؛ الجد أم الأخ؟. قال: الأخ. قال ابن القاسم قال مالك: إنما ينظر في هذا إلى من هو أقعد بالميت، فهو أولى بالصلاة عليه. ا. هـ. منه، غير أن مذهب المصنف هنا أولى بالصواب، لما نقله ابن قدامة عند قول الخرقي: وأحق الناس بالصلاة عليه من أوصى له أن يصلي عليه. قال: هذا مذهب أنس، وزيد بن أرقم، وأبي برزة، وسعيد بن زيد، وأم سلمة، وابن سيرين، إلى أن قال: وروي أن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر. قاله أحمد. قال: وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبو برزة. وقال غيره. وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة. وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير، ويونس أوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك. وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فجاء عمرو بن حُرَيْث أمير الكوفة فتقدم ليصلي عليه، فقال ابنه: أيها الأمير، إن أبي أوصى أن=
стр. 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يصلي عليه زيد بن أرقم. فقدم زيدًا. فهذه قضايا انتشرت فلم يظهر لها مخالف فكان إجماعًا. ا. هـ. منه.
وقوله: ثم الأمير؛ لأن النبي ﷺ قال: "لَا يَؤُمُّ الرَّجُل الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ". وحكى أبو حازم قال: شهدت حُسْينًا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول: تقدّمْ لولا السنة ما قدمتك، وسعيد أمير المدينة. وروى الإمام أحمد بإسناده عن عمار مولى بني هاشم، قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت عليٍّ وزيد بن عمر، فصلى عليها سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة، وخلفه يومئذ ثمانون من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم ابن عمر، والحسن والحسين، وروي عن عليٍّ ﵁: الإمام أحق من صلى على الجنازة. قال: وهذا شيء اشتهر فكان إجماعًا. ا. هـ. منه بتصرف.
وقوله: ثم أقرب العصبة، وأفضل ولي ولو ولي امرأة؛ قد تقدم قول مالك: إنما ينظر في هذا إلى من هو أقعد بالميت، فهو أولى بالصلاة عليه. وقال مالك في المدونة: العصبة أولى بالصلاة على المرأة من زوجها، وزوجها أحق بإدخالها في قبرها من عصبتها. وقال في المدونة: إن ابن عمر بن الخطاب وابن شهاب وربيعة وعطاء وبكير بن الأشج ويحيى بن سعيد كانوا لا يرون لزوج المرأة إذا توفيت حقًا أن يصلي عليها، وثم أحد من أقاربها. ا. هـ. منه.
стр. 376
دَفْعَةً، وصُحِّحَ تَرْتُّبُهُنَّ (١) والْقَبْرُ حُبُسٌ لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِه، إلَّا أَن يَشُحَّ رَبُّ كَفَنٍ غُصِبَهُ، أَو قَبْرٍ بِمِلْكِهِ، أَوْ نُسِيَ مَعَهُ مَالٌ، وإنْ كَان بِمَا يَمْلِكُ فِيهِ الدَّفْنَ بُقِّي وعَلَيْهِمْ قِيمُتهُ (٢). وَأَقُّلهُ مَا مَنَعَ رَائِحَتَهُ وَحَرَسَهُ (٣)، وبُقِرَ عن مَالٍ كَثُرَ وَلَوْ بِشَاهِدٍ وَيمِينٍ لَا عَنْ جَنينٍ، وتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الْبَقْرِ إِنْ رُجِيَ وَإنْ قُدِرَ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مَحَلِّهِ فُعِلَ، والنَّص عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضطَّر وصُحِّحَ أكْلُهُ أَيْضًا.
(١) وقوله: وصلى النساء دفعة وصحح ترتبهن، قال في المدونة: قلت له فهل يصلي النساء على الرجل إذا مات معهن وليس معهن رجل؟. قال: نعم، ولا تؤمهن واحدة منهن، وليصلين وحدانًا واحدة واحدة، وليكن صفوفًا. ا. هـ.
(٢) وقوله: والقبر حبس الخ. يكره الجلوس على القبر والاتكاء عليه، والاستناد عليه والمشي عليه، والتغوط بين القبور؛ لحديث أبي مرثد الغنوي: "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تصَلُّوا إِلَيْهَا". وهو صحيح، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور، لقول رسول الله ﷺ "لَعَنَ الله الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". متفق عليه.
وقوله: ما دام به، يفيد بأنه إن تيقن أن الميت قد بلي وصار رميمًا جاز نبشه ودفن غيره فيه، ولا نص في ذلك، والظاهر جوازه. والله الموفق.
(٣) وقوله: وأقله ما منع رائحته وحرسه؛ ففي ابن قدامة: وقال سعيد: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجر، أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة، ولا يعمقوا، فإن ما على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها. قال الشافعي: أستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة، لأن النبي ﷺ قال: "احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا". رواه أبو داود. ولأنه أحرى أن لا تناله السباع. وقال أحمد: إلى الصدر؛ لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة. ا. هـ. منه.
والحاصل أنه لذلك يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه للخبر الذي رواه أبو داود، ولما روي عن معمر أنه قال: وبلغني أنه ﷺ قال: "وَلكِنَّهُ أَطيبُ لأنْفُسِ أَهْلِهِ". رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز.
стр. 377
وَدُفِنَتْ مُشْرِكَةٌ حَمَلَتْ مِنْ مُسْلِمٍ بِمَقْبَرَتِهِمْ وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهَا قِبْلتَنَا ولَا قِبْلَتَهُم (١)، ورُمي مَيْتُ الْبَحْرِ بِهِ مُكفَّنًا إِنْ لَمْ يُرْجَى البَرُّ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ (٢)، وَلَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءٍ لَمْ يُوصِ بِهِ (٣)، ولَا يُتْركُ مُسْلِم لِوَليِّه الْكَافِر (٤)، وَلَا يُغَسَّلُ مُسْلِمٌ أبًا كَافِرًا، ولَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ، إِلَّا أنْ يَضيعَ فَلْيُوارِهِ، والصَّلَاةُ أحَبُّ مِن النَّفْلِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ إن كان كَجار أو صالحًا (٥).
(١) وقوله: ودفنت مشركة حملت من مسلم بمقبرتهم، ولا يستقبل بها قبلتنا ولا قبلتهم؛ الله تعالى أعلم بمستنده في ذلك، والذي وقفت عليه أنه روي ان عمر دفن امرأة من أهل الكتاب في بطنها ولد مسلم في مقبرة المسلمين. أخرجه البغوي في شرح السنة، وأخرجه الدارقطني من حديث سفيان عن عمرو بن دينار، أن امرأة نصرانية ماتت وفي بطنها ولد مسلم، فأمر عمر أن تدفن في مقابر المسلمين من أجل ولدها. ورواه البيهقي من حديث ابن جريج عن عمرو عن شيخ من أهل الشام عن عمر وعن واثلة بن الأسقع أنه دفن امرأة نصرانية في بطنها ولد مسلم في مقبرة ليست بمقبرة النصارى ولا المسلمين. والله تعالى أعلم.
(٢) وقوله: ورمي ميت البحر به مكفنًا إن لم يرجَ البر قبل تغيره؛ هو رأي أحمد أيضًا وعطاء والحسن، ولا نص، وإنما هو الاجتهاد. والله أعلم وبيده التوفيق.
(٣) وقوله: ولا يعذب ببكاء لم يوص به، هو لما رواه ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة، فجئنا نشهدها، وحضرها ابن عباس وابن عمر، فقال: وإني لجالس بينهما جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إليَّ: فقال ابن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهي عن البكاء؟. فإن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". قال ابن عباس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدث ابن عباس قال: صدرت مع عمر بن الخطاب من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا بركب تحت ظل شجرة، قال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب. فذهبت، فإذا صهيب، قال: ادعُهُ. فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل والحق بأمير المؤمنين. فلما أصيب عمر سمعت صهيبًا يبكي ويقول: وا أخياه، واصاحباه. قال عمر يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ"؟. قال: فلما مات عمر، ذكرت ذلك لعائشة فقالت: =
стр. 378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رحم الله عمر، لا والله، ما حدث رسول الله ﷺ : أنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ. ولكن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". فقالت عائشة: حسبكم القرآن. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) قال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكي. قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر من شيء. ا. هـ. وهذا اللفظ للبغوي، والحديث متفق عليه.
قال البغوي: قال الشافعي: ما روت عائشة أشبه بدلالة الكتاب، ثم بالسنة، وما زيد في عذاب الكافر فباستجابه لا بذنب غيره. وفسر المزني هذا الكلام قال: بلغني أنهم كانوا يوصون بالبكاء عليهم وبالنياحة، وهي معصية. ومن أمر بها فعملت بعده كانت له ذنبًا، فيجوز أن يزاد بذنبه عذابًا - كما قال الشافعي - لا بذنب غيره، ويمكن تصحيح رواية ابن عمر على هذا التأويل، وقد ذكره بعض أهل العلم؛ ذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء عليهم والنوح، قال قائلهم:
إذَا مِتُّ فانْعَيْني بِمَا أنا أهْلُه … وَشُقِّي عَلَيَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعَبدِ
وكذا إذا كان يعلم أن البكاء من سنتهم فلم ينههم عنه، فيعاقب بعد موته ببكائهم عليه، إذ كان من واجبه نهيهم عن ذلك فلم يفعل، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
فأما إذا لم يكن البكاء عن أمره، ولا هو من سنته، فهو على ما قالت عائشة. قال ابن المبارك: أرجوا إن كان ينهاهم في حياته، أن لا يكون عليه من ذلك شيء. ا. هـ. من شرح السنة للبغوي.
(٤) وقوله ولا يترك المسلم لوليه الكافر، صوابه: لقريبه الكافر؛ لأنه لا ولاية بين المسلم والكافر مهما تكن درجة القرابة. قال في المدونة: وقال مالك ولا يغسل المسلم والده إذا مات الوالد كافرًا، ولا يتبعه ولا يدخله قبره إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه. قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال في كافر مات بين المسلمين، ليس عندهم كافر يدفنه، قال يلفونه في شيء ويوارونه. قال الليث: قال ربيعة: عليهم أن يواروه ولا يستقبل به القبلة ولا قبلتهم. وقال يحيى بن سعيد: يوارونه. ا. هـ. منه.
وهذا مراد المؤلف بقوله: ولا يغسل مسلم أبًا كافرًا، ولا يدخله قبره إلا أن يضيع فيواريه. والله الموفق. =
стр. 379
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٥) وقوله: والصلاة أحب من النفل إذا قام بها الغير إن كان كجار أو صالحًا؛ قال في جواهر الإكليل عند هذا المحل: قال ابن القاسم: سألت مالكًا ﵁: أي شيء أعجب إليك القعود في المسجد، أم شهود الجنائز؟. قال: القعود في المسجد أعجب إليَّ؛ لأن الملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، إلا أن يكون له حق من جوار أو قرابة، أو أحد ترجى بركة شهوده فيحضره.
ابن رشد: ذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم إلى أن صلاة النوافل والجلوس في المسجد أفضل من شهود الجنازة جملة من غير تغسيل، فمات حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقام الناس لجنازته من المسجد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم يقم من مجلسه، فقيل له: ألا تشهد هذا الرجل الصالح من البيت الصالح؟. فقال لأن أصلي ركعتين أحب إلي من أن أشهد هذا الرجل الصالح. ا. هـ. بلفظه.
تنبيه: المقتول في حدّ يغسل ويصلى عليه عند أكثر أهل العلم؛ قال الشافعي: ولا تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة.
تنبيه: قال مالك: من قتله الإمام في حد، لا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه غيره إن شاء، لما روي عن أبي برزة الأسلمي أن رسول الله ﷺ لم يصل على ماعز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه. أخرجه أبو داود في الجنائز، وإسناده ضعيف. والصحيح ان شاء الله ما روي عن جابر أن النبي ﷺ قال له خيرًا وصلى عليه. أخرجه البخاري في الفرائض؛ باب الرجم بالمصلى، من حديث محمود بن غيلان عن عبد الرزاق.
وأخرج عبد الرزاق وأصحاب السنن لأبي قرة عن أبي أمامة سهل بن حنيف في قصة ماعز قال: فقيل يا رسول الله أتصلي عليه؟. قال: لا. قال: فلما كان من الغد قال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". فصلى عليه رسول الله ﷺ والناس. وأخرج مسلم من حديث عمران بن حصين، في قصة الجهنية التي زنت ورجمت، أن النبي ﷺ صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟. فقال: "لَقَد تابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ لَوَسِعَتْهُمْ". =
стр. 380
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيه: واختلفوا في من قتل نفسه، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يصلى عليه. قال أحمد: لا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه غيره؛ لما روي من حديث جابر بن سمرة أن رجلًا قتل نفسه، فلم يصل عليه النبي ﷺ أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 381
كتاب الزكاة (١)
تَجِبُ زَكَاةُ نِصَابِ النَّعَمِ بِمِلْكٍ وحَوْلٍ كَمُلَا (٢)، وإنْ مَعْلُوفَةً وعَامِلَةً (٣) وَنِتَاجًا، لَا مِنْهَا ومنَ الْوَحْشِ وَضُمَّتِ الفَائدَةُ لَهُ وإنْ قَبْلَ حَوْله بِيَوْمٍ لا لأقَلَّ (٤).
(١) الزكاة: قال ابن قتيبة: من الزكاء، والنماء، والزيادة. قال: سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه. يقال: زكا الزرع إذا كثر ريعه، وزكت النفقة إذا بورك فيها. وهي في الشريعة حق يجب في المال، فإذا أطلقت في موارد الشريعة انصرفت إلى ذلك.
والزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة، وهي واجبة بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ ، وإجماع أمته. ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع، غني عن تكلف الاحتجاج له، وعلى كل حال فإن من أدلة وجوبها نصًا بكتاب الله قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. الآية، ومن السنة قوله ﷺ من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فقال: "إنكَ تَأتِي قومًا أهْلَ كتابٍ، فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أنْ لَا إله إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنْ اللهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإن هُمْ أَطاعُوا لِذلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةَ أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لِذلِكَ، فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإنَّهَا لَيْس بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ". هذا لفظ البغوي وقال: هذا حديث متفق على صحته. ا. هـ.
وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة رضوان الله عليهم على قتال مانعيها، روي عن أبي بكر ﵁: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. وفي رواية عِقالًا بدل عناقًا. قال ابن قدامة: رواه البخاري عن أبي هريرة، وهو في أبي داود. ا. هـ. =
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيه: من أنكر وجوب الزكاة جهلًا به، وكان ممن يجهل ذلك، إما لأنه حديث عهد بالإسلام، وإما لأنه جاهل نشأ في بادية نائية عن الأمصار، عرف وجوبها ولا يحكم بكفره؛ لعذره بالجهل في هاتين الحالتين، وإن كان جاحدها مسلمًا ناشئًا في بلاد الإسلام بين أهل العلم، فهو مرتد تجري عليه أحكام الردة؛ يستتاب ثلاثًا فإن تاب وإلا قتل كافرًا؛ لأن أدلة الزكاة ظاهرة في الكتاب والسنة والإجماع، فهي مما علم من الدين بالضرورة، فمن جحدها لا يكون ذلك إلا لتكذيبه الكتاب والسنة ولكفره بهما.
تنبيه: فإن منعها معتقدًا وجوبها، وقدر الإمام على أخذها منه، أخذها وعزره، ولم يأخذ منه زيادة عليها من ماله، في قول أكثر أهل العلم. منهم: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأتباعهم، وكذلك إن جحد ماله حتى لا تؤخذ منه الزكاة فظهر عليه الإمام، أخذ زكاة ماله وعزره على الجحد. وقال إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن عبد العزيز: يأخذ الزكاة وشطر ماله لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "فِي كُلِّ سَائِمَةِ الإبِلِ فِي كُلِّ أربَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ لَا تفرقُ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أجْرُهَا، وَمَنْ أبَاهَا فَإنِّي آخِذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، وَلَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ". قال ابن قدامة: وذكر هذا الحديث لأحمد فقال: لا أدري ما وجهه. وسئل عن إسناده، فقال: هو عندي صالح الإسناد. رواه أبو داود والنسائي. ا. هـ. منه.
ودليل مالك ومن وافقه على أخذ الواجب منه، وعدم الزيادة على ذلك قوله ﷺ : "لَيْس فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ". ولأنه لم ينقل عن الصحابة أنهم أخذوا من مانع الزكاة أكثر من الواجب، ولا قول بذلك عن أحدهم، وأجيب عن حديث بهز بأنه كان في صدر الإسلام فنسخ بقوله ﷺ "لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ".
تنبيه: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله ﷺ : "فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ". لأن الضمير فيه يعود بعمومه على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث. ورجحه ابن دقيق العيد بقوله: إنه وإن لم يكن الأظهر، إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية، لا تعتبر في الزكاة كما =
стр. 383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة، وقد أجاز النقل أيضًا الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره. وهو مكروه عند أصحابنا على أنه إن فعل أجزأ. ا. هـ.
تنبيه: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) قال ابن عمر: كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز، وإن لم يكن مدفونًا. أخرج مالك في الموطإ نحوه، من حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، وإسناده صحيح. وأخرجه الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن عمر. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ آتاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤدِّ زَكَاتَهُ، مُثَّلَ لَهُ مَالهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ شجَاعًا أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ثُم يَأخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أنَا مَالُكَ أنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٢) من سورة آل عمران.
والشجاع: الحية الذكر. والأقرع: الذي انحسر الشعر عن رأسه من كثرة سمه. والزبيبتان: هما النكتتان السودوان فوق عينيه.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤدِّي مِنْهَا حَقِّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فأحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وإمِّا إلَى النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالإبِلُ؟. قَالَ: وَلَا صَاحِبُ إبِلٍ لَا يُؤدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَر أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بَأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأفْوَاهِهَا كُلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ أُخراهَا رُدَّ عَلَيْهِ أولَاهَا فِي يَوْم كان مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةَ وإمَّا إلَى النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَالْبَقَر وَالْغَنَمُ؟. قَالَ: وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ ولَا غَنَمٍ لَا يُؤدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاع قَرْقرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا =
стр. 384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونهَا وَتطَؤُهُ بِأظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخراهَا رُدَّ عَلَيْهِ أولَاهَا فَي يَومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ حَتى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيرَى سَبِيلَه إمَّا إلَى الجَنَّةِ وإمَّا إلَى النَّارِ". ا. هـ. أخرجه مسلم، باب اثم مانع الزكاة. ا. هـ.
(٢) وقوله: تجب زكاة نصاب النعم بملك وحول كملا؛ أما بالنسبة لاشتراط الحول؛ فهو ما رواه في المدونة عن جرير ﵁ حيث يقول: إلا أن جريرًا قال في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيْس فِي مَالٍ زَكَاة حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ". وأما بالنسبة لاشتراط مالك النصاب؛ فهو ما رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْس فِيمَا دُونَ خْمَسْةِ أَوسُقٍ مِن التَّمْر صَدَقَةٌ، وَليَسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، ولَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَودٍ مِنْ الإبِلِ صَدَقَةٌ". ولفظه في الموطإ: حدثني عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَودٍ صَدَقَةٌ، وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمسِ أوَاقٍ صَدَقةٌ، وَليسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسقٍ صَدَقَةٌ". ثم جاء في الحديث الذي يليه برواية الشيخين المتقدمة.
(٣) وقوله: وإن معلوفة وعاملة، مستنده في ذلك قول مالك في الموطإ في الإبل النواضح، والبقر السواني، وبقر الحرث: اني أرى أن يؤخذ من ذلك كله إذا وجبت فيه الصدقة.
قلت: رأي الإمام هنا مبني على أن النصاب هنا عيّن بصيغة الإطلاق: "في أرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ". "في أربَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ في كُلِّ خَمْس شَاةٌ". فلم يقل الإمام بتقييد هذا الإطلاق المنطوق بمفهوم المخالفة في قوله: "في الغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةَ". وأيضًا فإن علة الزكاة نعمة الملك، وهي حاصلة في المعلوفة كما هي حاصلة في السائمة، إلا أن السوم وصف مكمل، فإن نعمة الملك مع السوم أتم، فلو قلنا: إن السوم وصف تترتب عليه الزكاة، لوجبت الزكاة في الوحوش السائمة في أرض تملكها، ولا أحد يقول بذلك، فعلم أن علة الزكاة متمحضة في نعمة الملك، وهي حاصلة في معلوفة الأنعام وعاملتها. والله الموفق. =
стр. 385
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٤) وقوله: وضمت الفائدة له وإن قبل حوله بيوم لا لأقل؛ قال في الموطإ: قال مالك: من أفاد ماشية من إبل أو بقر أو غنم، فلا صدقة عليه فيها حتى يحول عليها الحول من يوم أفاد، إلا أن يكون له قبلها نصاب ماشية؛ والنصاب ما تجب فيه الصدقة؛ إما خمسة ذود من الإبل، أو ثلاثون بقرة أو أربعون شاة. فإذا كان للرجل خمس ذود من الإبل، أو ثلاثون بقرة أو أربعون شاة، ثم أفاد إليها إبلًا أو بقرًا أو غنمًا باشتراء أو هبة أو ميراث، فإنه يصدقها مع ماشيته حين يصدقها، وإن لم يحل على الفائدة الحول، وإن كان ما أفاد من الماشية إلى ماشيته قد صدقت قبل أن يشتريها بيوم واحد، أو قبل أن يرثها بيوم واحد، فإنه يصدقها مع ماشيته حين يصدق ماشيته اهـ منه.
وقوله: لا لأقل، قال في الموطإ: قال مالك في الرجل إذا كانت له غنم لا تجب فيها الصدقة، فاشترى إليها غنمًا كثيرة تجب في دونها الصدقة، أو ورثها؛ إنه لا تجب عليه في الغنم كلها الصدقة، حتى يحول عليها الحول من يوم أفادها باشتراء أو ميراث، وذلك أن كل ما كان عند الرجل من ماشية، لا تجب فيها الصدقة من إبل أو بقر أو غنم، فليس بعد ذلك نصاب مال حتى يكون في كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة، فذلك النصاب الذي يصدق معه ما أفاد إليه صاحبه من قليل أو كثير. ا. هـ. منه.
стр. 386
الإبِلُ في كل خمس ضَائِنَةٌ إِن لَمْ يَكُنْ جُلَّ غَنَمِ الْبَلَد المَعْزُ، وَإنْ خَالَفَتْهُ، والْأصَحُّ إجْزَاءُ بَعِيرٍ، إِلَى خَمْس وعِشْرينَ فَبِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُن لَهُ سَلِيمَةً فَابْنُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَسِتٍ وَأرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وإحْدَى وسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وسِتٍّ وسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وإحْدَى وتسْعِينَ حِقَّتَانِ، ومائة وإِحْدَى وعِشْرينَ إلَى تِسْعٍ وعِشْرِينَ حِقَّتَانِ أوْ ثلاث بنات لَبُونٍ، الْخِيَارُ للسَّاعِي، وتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا، ثم في كل عَشْرٍ يَتغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ أرْبَعينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَةٌ؛ وبِنْتُ المَخاضِ الموفِيةُ سنةً (١).
(١) قوله: الإبل في كل خمس ضائنة الخ. بدأ المصنف بزكاة الإبل لأنها أعظم النعم قيمة وأجسامًا، وهي أكثر أموال العرب، ووجوب زكاتها مما أجمع عليه وصحت فيه السنة. ومن أحسن ما روي في ذلك ما رواه مالك في الموطإ، أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة قال: فوجدت فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الصدقة: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة، وفيما فوق ذلك إلى خمس وثلاثين ابنة مخاض، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، وفيما فوق ذلك إلى خمس وأربعين بنت لبون، وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة الفحل، وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين جذعة، وفيما فوق ذلك إلى تسعين ابنتا لبون، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة حقتان طروقنا الفحل، فما زاد على ذلك من الإبل ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. ا. هـ. محل الغرض منه. قال ابن قدامة: وهذا كله مجمع عليه. قال: وأجمع المسلمون على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه. وقال النبي ﷺ : "وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أربَعٌ مِنَ الإبِلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةَ الَّا أن يَشَاءَ رَبُّهَا". وقال: "لَيْسَ دُونَ خَمْسِ ذَودٍ صَدَقَةٌ". متفق عليه. والذين يشترطون السوم في الأنعام اختلفوا في قدره من السنة، فقال الحنابلة: إن أسامها أكثر السنة. وقال الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع السنة فلا زكاة فيها، لأن السوم عنده شرط في الزكاة، فاعتبر في جميع =
стр. 387
البَقَرُ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ذُو سَنَتَيْنِ، وفي أَربَعِينَ مُسِنَّةٌ ذَاتُ ثَلَاثٍ، ومائة وعشرين كَمِائَتَيْ الإبِلِ (١).
= الحول المِلْك وكمال النصاب. قال: ولأن السوم موجب، والعلف مسقط، فإذا اجتمع غلب الإسقاط.
تنبيه: اختلف العلماء فيما لو زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة، فذهب قوم إلى أنها يجب فيها ثلاث بنات لبون، ثم إذا بلغت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، وبه قال الشافعي وإسحاق. قالا: لأنه قال: فإذا زادت على عشرين ومائة، وقد حصلت الزيادة بالواحدة، وبذلك كان عمل عمر بن بن عبد العزيز الذي أمر عماله بالعمل به أخذًا من كتاب عمر بن الخطاب. وذهب بعضهم إلى أنه لا تتغير الفريضة بالزيادة على مائة وعشرين ما لم تبلغ مائة وثلاثين، فحيئنذ تجب فيها حقة وبنتا لبون. وهو قول مالك وأحمد بن حنبل.
(١) وقوله: البقر في كل ثلاثين تبيع ذو سنتين، وفي أربعين مُسنّةٌ ذَاتُ ثلاث؛ قال في الموطإ: وحدثني يحيى عن مالك عن حميد بن قيس المكي عن طاوس اليماني أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأُتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله. وتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل. ا. هـ.
وفي المدونة: قلت لابن القاسم: أيأخذ مالك بحديثه الذي يذكر عن طاوس عن معاذ بن جبل في البقر؟. قال: نعم. وفي المدونة: روى ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن أبي بكر، أخبره أن هذا كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، فرائض البقر: ليس فيما دون ثلاثين من البقر صدقة، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل رابع جذع إلى أن تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة إلى أن تبلغ سبعين، فإذا بلغت سبعين ففيها بقرة مسنة وعجل جذع. حتى تبلغ ثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان، ثم على نحو هذا يعد ما كان من البقر، إن زاد أو نقص فعلى نحو فرائض أولها. ا. هـ. منه.
стр. 388
الغَنَمُ فِي أرْبَعِينَ شَاةً جَذَعٌ أو جَذَعَةٌ ذو سَنَةٍ ولَوْ معْزىً، وَفي مائَةٍ وإِحْدَى وعِشْرِينَ شاتان، وفي مائَتَيْنِ وَشَاةٍ ثَلَاثٌ، وفي أربَعمئةٍ أربَعٌ، ثم لكل مائة شَاةٌ (١)، وَلَزِمَ الْوَسَطُ ولو انْفَرَدَ الخيارُ أوِ الشرارُ، إِلَّا أن يَرى السَّاعِي أخذ المعيبة لا الصَّغِيرَة (٢)، وَضُمَّ بُخْتٌ لِعِرَابٍ، وجَامُوسٌ لِبَقَرٍ، وَضَأْنٌ لمَعزٍ (٣)(١) وقوله الغنم في أربعين شاة جذع أو جذعة الخ. قال في حديث أنس الذي ذكر فيه أن أبا بكر كتب له كتابًا لما وجهه إلى البحرين قال فيه: وَفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أرْبَعِينَ إلَى عِشرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإذَا زَادَتْ عَلَى عِشرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، شاتَانِ، فَإذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَنْ ثَلَاثمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاة، فَإذَا كَانَتْ سَائِمَة الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَربَعِينَ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَة إلَّا أن يَشَاءَ رَبُّهُا. ا. هـ. محل الغرض منه، قال البغوي: وقوله: فَإِذَا زَادَتْ عَنْ ثَلَاثِمَائِةٍ، فَفِي كل مِائَةٍ شَاةٌ؛ فإنما معناه أن تزيد مائة أخرى، فتصير أربعمائة، فيجب فيها أربع شياه. وهو قول عامة أهل العلم، خلافًا للحسن بن صالح بن حي قال: إذا زادت عن ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه. والله أعلم.
(٢) وقوله: ولزم الوسط ولو انفرد الخيار أو الشرار إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة لا الصغيرة؛ دليله قوله ﷺ لمعاذ "فَإِنْ هُمْ أطَاعُوكَ لِذلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإنهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ". قال البغوي: قوله: وإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ؛ فيه دليل على أنه ليس للساعي أن يأخذ خيار ماله، إلا أن يتبرع رب المال، وليس لرب المال أن يعطي الأردأ، ولا للساعي أن يرضى به فيبخس بحق المساكين، بل حقه في الوسط. ا. هـ. منه.
وقوله: إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة؛ يشترط أصحابنا أن تكون معيبة بغير مرض، وليس له أن يأخذ مريضة بحال من الأحوال، ولو كان مال المتصدق كله مريضًا، فعليه أن يشتري العين المطلوبة منه صحيحة غير مريضة.
تنبيه: فإن لزمه شاة في زكاة الإبل فأخرج بدلها بعيرًا أجزأه، بناء على أن الأصغر يندرج في الأكبر، وهي من قواعد الخلافيات. قال المنهج: =
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ......... هل أصغر … مندرج في أكبر قد قرروا
عليه غسلًا وقرانًا وزكاة … شفع إقامة حدود أو ذكاة
فمن الفروع المقررة على هذه القاعدة، مسألتنا هذه التي نحن بصددها وهي إخراج بعير عن شاة في زكاة خمسة أبعر، وهي ما أشار إليها الناظم بقوله: زكاة. وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي. وهو ما يعنيه المصنف بقوله: والأصح إجزاء بعير، وعدم الإجزاء هو مذهب أحمد، وحكي عن مالك وداود كما ذكر ابن قدامة.
(٣) وقوله وضم بخت لعراب وجاموس لبقر وضأن لمعز؛ لما قال مالك في الموطإ: وقال مالك في الرجل يكون له الضأن والماعز، أنها تجمع عليه في الصدقة؛ فإن كان فيها ما تجب فيه الصدقة صدِّقت، وقال: إنما هي غنم كلها. وفي كتاب عمر بن الخطاب: وَفي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ. قال مالك: فإن كانت الضأن هي أكثر من المعز، ولم يجب على ربها إلا شاة واحدة، أخذ المصدق تلك الشاة التي وجبت على رب المال من الضأن، وإن كانت المعز أكثر من الضأن أخذ منها، فإن استوت الضأن والمعز أخذ الشاة من أيتهما شاء، قال مالك: وكذلك الإبل العراب والبخت تجمعان على ربهما في الصدقة. وقال: إنما هي إبل كلها، فإن كانت العراب هي أكثر من البخت، ولم يجب على ربها إلا بعير واحد، فليأخذ من العراب صدقتها، فإن كانت البخت أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء. قال مالك: وكذلك البقر والجاموس تجمع في الصدقة على ربها. وقال: إنما هي بقر كلها، فإن كانت البقر أكثر من الجاموس، ولا تجب على ربها إلا بقرة واحدة فليأخذ من البقر صدقتهما، فإن كانت الجواميس أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء، فإذا وجبت في ذلك الصدقة صدق الصنفان جميعًا. ا. هـ. منه. =
стр. 390
وخُيِّرَ السَّاعِي إِن وَجَبَتْ واحِدَةٌ وتَسَاوَيَا، وإلَّا فمنَ الأكْثَرِ، وثنْتَانِ مِن كُلٍّ إِنْ تَسَاوَيَا، أو الأقلُّ نِصَابٌ غَيْرُ وَقْصٍ، وإِلَّا فَالأكْثَرُ، وثلاث وَتَسَاوَيا فَمِنْهُمَا، وَخُيِّرَ في الثَّالثَةَ وإِلَّا فكذلك، واعْتُبِرَ في الرَّابِعَةِ فأَكْثَرَ كُلُّ مِائةٍ، وفِي أَربعين جَامُوسًا وعشرين بقرة مِنْهُمَا، ومَنْ هَرَبَ بِإِبْدَالِ مَاشِيَةٍ أُخِذ بِزَكَاتِهَا ولو قبل الحَوْلِ على الْأرْجَحِ (١).
وَبَنَى في رَاجِعَةٍ بِعَيْبٍ أوْ فَلَسٍ (٢)، كَمُبْدِلِ مَاشِيَةٍ تجارةً، وإنْ دُونَ نِصَابٍ بِعَيْنِ أو نَوْعِهَا (٣)، ولو لاسْتِهْلَاكٍ كَنِصَابِ قِنْيَةٍ، لَا بِمُخَالِفِهَا، أو
(١) وقوله: ومن هرب بإبدال ماشية أخذ بزكاتها ولو قبل الحول على الأرجح؛ هو جري على القاعدة العظيمة التي تقول بمعاملته بنقيض قصده الفاسد، فروع هذه القاعدة كثيرة منها: عدم توريث القاتل من مال ولا دية المقتول، ومن ارتدت عن الإسلام تريد فسخ نكاحها تعامل بنقيض قصدها الفاسد حيث لا يفسخ، ومن هرب بإبدال ماشية ببيعها أو إبدالها بغيرها لئلا تلزم فيها الزكاة عنده. وقد عقدها في المنهج بقوله:
وبنقيض القصْدِ عَامِلْ إنْ فَسَد … في قاتل موصٍ كذا الذَّي قصَدْ
فَسادًا أوْ إفاتةً في الْبَيع … نهْجَ عِياضٍ ذا بدا لا الرِّبْعي
وَهَارِبٍ ومَنعِ مَنْ تَصَدَّقَا … ................. الخ
(٢) وقوله: وبني في راجعة بعيب أو فلس؛ هو لاعتبار رجوعها بعيب لا يعلمه المشتري فسخًا للبيع، فصارت كأنها لم تخرج من ملكه، وكذا في الفلس، فيبني فيهما على حوله الأول.
(٣) وقوله: كمبدل ماشية تجارة وإن دون نصاب بعين أو نوعها ولو لاستهلاك؛ هو تشبيه في عدم استئناف الحول، وأنه يبني في ذلك على حول ملكه لأصوله.