الإبِلُ في كل خمس ضَائِنَةٌ إِن لَمْ يَكُنْ جُلَّ غَنَمِ الْبَلَد المَعْزُ، وَإنْ خَالَفَتْهُ، والْأصَحُّ إجْزَاءُ بَعِيرٍ، إِلَى خَمْس وعِشْرينَ فَبِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُن لَهُ سَلِيمَةً فَابْنُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَسِتٍ وَأرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وإحْدَى وسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وسِتٍّ وسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وإحْدَى وتسْعِينَ حِقَّتَانِ، ومائة وإِحْدَى وعِشْرينَ إلَى تِسْعٍ وعِشْرِينَ حِقَّتَانِ أوْ ثلاث بنات لَبُونٍ، الْخِيَارُ للسَّاعِي، وتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا، ثم في كل عَشْرٍ يَتغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ أرْبَعينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَةٌ؛ وبِنْتُ المَخاضِ الموفِيةُ سنةً (١).
(١) قوله: الإبل في كل خمس ضائنة الخ. بدأ المصنف بزكاة الإبل لأنها أعظم النعم قيمة وأجسامًا، وهي أكثر أموال العرب، ووجوب زكاتها مما أجمع عليه وصحت فيه السنة. ومن أحسن ما روي في ذلك ما رواه مالك في الموطإ، أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب في الصدقة قال: فوجدت فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الصدقة: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة، وفيما فوق ذلك إلى خمس وثلاثين ابنة مخاض، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، وفيما فوق ذلك إلى خمس وأربعين بنت لبون، وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة الفحل، وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين جذعة، وفيما فوق ذلك إلى تسعين ابنتا لبون، وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومائة حقتان طروقنا الفحل، فما زاد على ذلك من الإبل ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. ا. هـ. محل الغرض منه. قال ابن قدامة: وهذا كله مجمع عليه. قال: وأجمع المسلمون على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه. وقال النبي ﷺ : "وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أربَعٌ مِنَ الإبِلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةَ الَّا أن يَشَاءَ رَبُّهَا". وقال: "لَيْسَ دُونَ خَمْسِ ذَودٍ صَدَقَةٌ". متفق عليه. والذين يشترطون السوم في الأنعام اختلفوا في قدره من السنة، فقال الحنابلة: إن أسامها أكثر السنة. وقال الشافعي: إن لم تكن سائمة في جميع السنة فلا زكاة فيها، لأن السوم عنده شرط في الزكاة، فاعتبر في جميع =
стр. 387
البَقَرُ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ذُو سَنَتَيْنِ، وفي أَربَعِينَ مُسِنَّةٌ ذَاتُ ثَلَاثٍ، ومائة وعشرين كَمِائَتَيْ الإبِلِ (١).
= الحول المِلْك وكمال النصاب. قال: ولأن السوم موجب، والعلف مسقط، فإذا اجتمع غلب الإسقاط.
تنبيه: اختلف العلماء فيما لو زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة، فذهب قوم إلى أنها يجب فيها ثلاث بنات لبون، ثم إذا بلغت مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، وبه قال الشافعي وإسحاق. قالا: لأنه قال: فإذا زادت على عشرين ومائة، وقد حصلت الزيادة بالواحدة، وبذلك كان عمل عمر بن بن عبد العزيز الذي أمر عماله بالعمل به أخذًا من كتاب عمر بن الخطاب. وذهب بعضهم إلى أنه لا تتغير الفريضة بالزيادة على مائة وعشرين ما لم تبلغ مائة وثلاثين، فحيئنذ تجب فيها حقة وبنتا لبون. وهو قول مالك وأحمد بن حنبل.
(١) وقوله: البقر في كل ثلاثين تبيع ذو سنتين، وفي أربعين مُسنّةٌ ذَاتُ ثلاث؛ قال في الموطإ: وحدثني يحيى عن مالك عن حميد بن قيس المكي عن طاوس اليماني أن معاذ بن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين بقرة مسنة، وأُتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئًا حتى ألقاه فأسأله. وتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل. ا. هـ.
وفي المدونة: قلت لابن القاسم: أيأخذ مالك بحديثه الذي يذكر عن طاوس عن معاذ بن جبل في البقر؟. قال: نعم. وفي المدونة: روى ابن وهب عن ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن أبي بكر، أخبره أن هذا كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، فرائض البقر: ليس فيما دون ثلاثين من البقر صدقة، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل رابع جذع إلى أن تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة إلى أن تبلغ سبعين، فإذا بلغت سبعين ففيها بقرة مسنة وعجل جذع. حتى تبلغ ثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان، ثم على نحو هذا يعد ما كان من البقر، إن زاد أو نقص فعلى نحو فرائض أولها. ا. هـ. منه.
стр. 388
الغَنَمُ فِي أرْبَعِينَ شَاةً جَذَعٌ أو جَذَعَةٌ ذو سَنَةٍ ولَوْ معْزىً، وَفي مائَةٍ وإِحْدَى وعِشْرِينَ شاتان، وفي مائَتَيْنِ وَشَاةٍ ثَلَاثٌ، وفي أربَعمئةٍ أربَعٌ، ثم لكل مائة شَاةٌ (١)، وَلَزِمَ الْوَسَطُ ولو انْفَرَدَ الخيارُ أوِ الشرارُ، إِلَّا أن يَرى السَّاعِي أخذ المعيبة لا الصَّغِيرَة (٢)، وَضُمَّ بُخْتٌ لِعِرَابٍ، وجَامُوسٌ لِبَقَرٍ، وَضَأْنٌ لمَعزٍ (٣)(١) وقوله الغنم في أربعين شاة جذع أو جذعة الخ. قال في حديث أنس الذي ذكر فيه أن أبا بكر كتب له كتابًا لما وجهه إلى البحرين قال فيه: وَفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أرْبَعِينَ إلَى عِشرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإذَا زَادَتْ عَلَى عِشرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ، شاتَانِ، فَإذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَنْ ثَلَاثمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاة، فَإذَا كَانَتْ سَائِمَة الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَربَعِينَ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَة إلَّا أن يَشَاءَ رَبُّهُا. ا. هـ. محل الغرض منه، قال البغوي: وقوله: فَإِذَا زَادَتْ عَنْ ثَلَاثِمَائِةٍ، فَفِي كل مِائَةٍ شَاةٌ؛ فإنما معناه أن تزيد مائة أخرى، فتصير أربعمائة، فيجب فيها أربع شياه. وهو قول عامة أهل العلم، خلافًا للحسن بن صالح بن حي قال: إذا زادت عن ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه. والله أعلم.
(٢) وقوله: ولزم الوسط ولو انفرد الخيار أو الشرار إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة لا الصغيرة؛ دليله قوله ﷺ لمعاذ "فَإِنْ هُمْ أطَاعُوكَ لِذلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإنهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ". قال البغوي: قوله: وإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ؛ فيه دليل على أنه ليس للساعي أن يأخذ خيار ماله، إلا أن يتبرع رب المال، وليس لرب المال أن يعطي الأردأ، ولا للساعي أن يرضى به فيبخس بحق المساكين، بل حقه في الوسط. ا. هـ. منه.
وقوله: إلا أن يرى الساعي أخذ المعيبة؛ يشترط أصحابنا أن تكون معيبة بغير مرض، وليس له أن يأخذ مريضة بحال من الأحوال، ولو كان مال المتصدق كله مريضًا، فعليه أن يشتري العين المطلوبة منه صحيحة غير مريضة.
تنبيه: فإن لزمه شاة في زكاة الإبل فأخرج بدلها بعيرًا أجزأه، بناء على أن الأصغر يندرج في الأكبر، وهي من قواعد الخلافيات. قال المنهج: =
стр. 389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ......... هل أصغر … مندرج في أكبر قد قرروا
عليه غسلًا وقرانًا وزكاة … شفع إقامة حدود أو ذكاة
فمن الفروع المقررة على هذه القاعدة، مسألتنا هذه التي نحن بصددها وهي إخراج بعير عن شاة في زكاة خمسة أبعر، وهي ما أشار إليها الناظم بقوله: زكاة. وبه يقول الشافعي وأصحاب الرأي. وهو ما يعنيه المصنف بقوله: والأصح إجزاء بعير، وعدم الإجزاء هو مذهب أحمد، وحكي عن مالك وداود كما ذكر ابن قدامة.
(٣) وقوله وضم بخت لعراب وجاموس لبقر وضأن لمعز؛ لما قال مالك في الموطإ: وقال مالك في الرجل يكون له الضأن والماعز، أنها تجمع عليه في الصدقة؛ فإن كان فيها ما تجب فيه الصدقة صدِّقت، وقال: إنما هي غنم كلها. وفي كتاب عمر بن الخطاب: وَفي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ. قال مالك: فإن كانت الضأن هي أكثر من المعز، ولم يجب على ربها إلا شاة واحدة، أخذ المصدق تلك الشاة التي وجبت على رب المال من الضأن، وإن كانت المعز أكثر من الضأن أخذ منها، فإن استوت الضأن والمعز أخذ الشاة من أيتهما شاء، قال مالك: وكذلك الإبل العراب والبخت تجمعان على ربهما في الصدقة. وقال: إنما هي إبل كلها، فإن كانت العراب هي أكثر من البخت، ولم يجب على ربها إلا بعير واحد، فليأخذ من العراب صدقتها، فإن كانت البخت أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء. قال مالك: وكذلك البقر والجاموس تجمع في الصدقة على ربها. وقال: إنما هي بقر كلها، فإن كانت البقر أكثر من الجاموس، ولا تجب على ربها إلا بقرة واحدة فليأخذ من البقر صدقتهما، فإن كانت الجواميس أكثر فليأخذ منها، فإن استوت فليأخذ من أيتهما شاء، فإذا وجبت في ذلك الصدقة صدق الصنفان جميعًا. ا. هـ. منه. =
стр. 390
وخُيِّرَ السَّاعِي إِن وَجَبَتْ واحِدَةٌ وتَسَاوَيَا، وإلَّا فمنَ الأكْثَرِ، وثنْتَانِ مِن كُلٍّ إِنْ تَسَاوَيَا، أو الأقلُّ نِصَابٌ غَيْرُ وَقْصٍ، وإِلَّا فَالأكْثَرُ، وثلاث وَتَسَاوَيا فَمِنْهُمَا، وَخُيِّرَ في الثَّالثَةَ وإِلَّا فكذلك، واعْتُبِرَ في الرَّابِعَةِ فأَكْثَرَ كُلُّ مِائةٍ، وفِي أَربعين جَامُوسًا وعشرين بقرة مِنْهُمَا، ومَنْ هَرَبَ بِإِبْدَالِ مَاشِيَةٍ أُخِذ بِزَكَاتِهَا ولو قبل الحَوْلِ على الْأرْجَحِ (١).
وَبَنَى في رَاجِعَةٍ بِعَيْبٍ أوْ فَلَسٍ (٢)، كَمُبْدِلِ مَاشِيَةٍ تجارةً، وإنْ دُونَ نِصَابٍ بِعَيْنِ أو نَوْعِهَا (٣)، ولو لاسْتِهْلَاكٍ كَنِصَابِ قِنْيَةٍ، لَا بِمُخَالِفِهَا، أو
(١) وقوله: ومن هرب بإبدال ماشية أخذ بزكاتها ولو قبل الحول على الأرجح؛ هو جري على القاعدة العظيمة التي تقول بمعاملته بنقيض قصده الفاسد، فروع هذه القاعدة كثيرة منها: عدم توريث القاتل من مال ولا دية المقتول، ومن ارتدت عن الإسلام تريد فسخ نكاحها تعامل بنقيض قصدها الفاسد حيث لا يفسخ، ومن هرب بإبدال ماشية ببيعها أو إبدالها بغيرها لئلا تلزم فيها الزكاة عنده. وقد عقدها في المنهج بقوله:
وبنقيض القصْدِ عَامِلْ إنْ فَسَد … في قاتل موصٍ كذا الذَّي قصَدْ
فَسادًا أوْ إفاتةً في الْبَيع … نهْجَ عِياضٍ ذا بدا لا الرِّبْعي
وَهَارِبٍ ومَنعِ مَنْ تَصَدَّقَا … ................. الخ
(٢) وقوله: وبني في راجعة بعيب أو فلس؛ هو لاعتبار رجوعها بعيب لا يعلمه المشتري فسخًا للبيع، فصارت كأنها لم تخرج من ملكه، وكذا في الفلس، فيبني فيهما على حوله الأول.
(٣) وقوله: كمبدل ماشية تجارة وإن دون نصاب بعين أو نوعها ولو لاستهلاك؛ هو تشبيه في عدم استئناف الحول، وأنه يبني في ذلك على حول ملكه لأصوله.
стр. 391
رَاجِعَةٍ بإِقاَلةٍ أو عَيْنًا بِمَاشِيَةٍ (١)، وخُلَطَاءُ الْمَاشِيةِ كمالك فيما وجب مِن قدر وسنٍّ وصِنْفٍ إِنْ نُوِيَتْ، وَكُلٌّ حُرٌّ مُسْلِم مَلَكَ نِصَابًا بِحَوْلٍ، واجْتَمَعَا بِمِلْكٍ أو مَنْفَعَةٍ في الأكثر مِنْ مَاءٍ وَمَراحٍ ومَبيتٍ ورَاع بِإِذْنِهِمَا، وفَحْلٍ بِرِفْقٍ وَرَاجَعَ الْمَأخُوذُ مِنْهُ شرِيكَه بنسبَةِ عَدَدَيْهمَا، ولو انْفَرَدَ وَقْصٌ لأحَدِهِمَا فِي القيمَةِ؛ كَتأوُّلِ السَّاعِي الأخْذَ مِن نِصَابٍ لَهُمَا أو لأحَدِهِمَا وزاد لِلْخُلْطَةِ، لَا غَصْبًا أو لَمْ يَكْمُلْ لَهُمَا نصَابٌ. وذو ثَمانِينَ خَالَطَ بِنِصْفيْهَا ذَوَيْ ثَمَانين، أو بِنِصْفٍ فَقَطْ ذَا أَرْبَعينَ كَالْخلِيطِ الْوَاحِدِ، عَلَيْهِ شَاةٌ وَعَلَى غيْرِهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ (٢).
(١) وقوله لا بمخالفها أو راجعة بإقالة، أو عينًا بماشية، هو عطف على المغايرة لأنه في هذه الصور يستقبل بها حولًا جديدًا من يوم ملكه للأخيرة.
وقد تبع المؤلف في ذلك مذهب المدونة. ففيها: أرأيت لو أن رجلًا أبدل، اشترى غنمًا للتجارة فبارت عليه، وأقامت عنده سنين، أيقومها كل سنة فيزكيها زكاة التجارة؟. أم يزكيها زكاة السائمة كلما حال عليها الحول عنده وجاءه المصدِّق؟. فقال: بل يزكيها زكاة السائمة. فهذا قوله: أو عينًا بماشية. قلت: فإن أخذ منها المصدق اليوم الزكاة زكاة السائمة، وباعها صاحبها من الغد أعليه في ثمنها زكاة؟. فقال: لا شيء عليه في ثمنها حتى يحول عليها الحول. وهذا قول المؤلف لا بمخالفها.
(٢) وقوله: وخلطاء الماشية كمالك فيما وجب الخ؛ قال في الموطإ: وقال مالك في الخليطين، إذا كان الراعي واحدًا والفحل واحدًا والدلو واحدًا، فالرجلان خليطان وإن عرف كل واحد منهما ماله من مال صاحبه قال: والذي لا يعرف ماله من مال صاحبه ليس بخليط وإنما هو شريك، قال مالك: ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، وتفسير ذلك أنه إذا كان لأحد الخليطين أربعون شاة فصاعدًا، وللآخر أقل من أربعين شاة، كانت الصدقة على الذي له الأربعون شاة، ولم تكن على الذي له أقل من ذلك، فإن كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، جمعا في الصدقة ووجبت الصدقة عليهما جميعًا، فإن =
стр. 392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كان لأحدهما ألف شاة أو أقل من ذلك، مما تجب فيه الصدقة، وللآخر أربعون شاة أو أكثر، فهما خليطان يترادَّان الفضل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما؛ على الألف بحصتها، وعلى الأربعين بحصتها.
قال مالك: الخليطان في الإبل بمنزلة الخليطين في الغنم، يجتمعان في الصدقة جميعًا إذا كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونِ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإبِل صَدَقَةٌ". وقال عمر بن الخطاب في سائمة الغنم: إِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ. وقال مالك: هذا أحب ما سمعت إليَّ في ذلك. قال مالك: وقال عمر بن الخطاب: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ. إنه إنما يعني بذلك أصحاب المواشي. قال مالك وتفسير: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ؛ أن يكون النفر الثلاث الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة، قد وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة، فإذا أظلهم المصدق جمعوها لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة فنهوا عن ذلك. وتفسير قوله: وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتمِعٍ؛ أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاثة شياه فإذا أظلهما المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة فنهى عن ذلك، فقيل: لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، قال مالك: فهذا الذي سمعت في ذلك. ا. هـ. منه.
تنبيه: لا يشترط الشافعي وأحمد أن يكون كل من الشريكين مالك نصاب، ولا أن يتميز مال كل واحد منهما، فهي عندهما إما أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما نصيب مشاع؛ مثل أن يرثا نصابًا أو يشترياه، أو يوهب لهما فيبقياه بحاله، وإما أن تكون خلطة أوصاف؛ وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزًا، فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي ذكرها، وسواء استويا في الشركة أو اختلفا؛ متل أن يكون لرجل شاة ولآخر تسع وثلاثون. وبهذا قال عطاء والأوزاعي والليث وإسحاق.
واختار ابن المنذر ما ذهب إليه مالك وبه قال الثوري وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: لا أثر للشركة مطلقًا؛ لأن كل واحد منهما لا يملك نصابًا، فلا شيء عليه، وإن كان كل واحد منهما
стр. 393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يملك أربعين من الغنم، فوجب عليه شاة لقوله ﷺ : "فِي أَرْبعِينَ شَاةً شَاةٌ".
تنبيه: لا زكاة على المسلم في عبده ولا في فرسه؛ لحديث أبي هريرة عند الموطإ أن النبي ﷺ قال: "لَيْس عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ". وفي رواية له متفق عليها: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلَا فِي مَمْلُوكِهِ صَدَقَةٌ". هذا قول أكثر أهل العلم، إلا أن تكون للتجارة فتجب في قيم ذلك زكاة التجارة. يروى ذلك عن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب مالك والشافعي، وقال حماد بن أبي سلمة: في الخيل صدقة، وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في الإناث منها، في كل فرس دينار، وإن شئت قومتها فجعلت في كل مائتي درهم خمسة دراهم. ا. هـ. من البغوي.
стр. 394
وَخَرَجَ السَّاعِي، وَلَوْ بِجَذْبٍ، طُلُوعَ الثُّرَيَّا بِالْفَجْرِ، وَهُوَ شَرْطُ وُجُوب إنْ كَانَ وَبَلَغَ (١) وَقَبْلَهُ يَسْتَقْبِلُ الْوَارِثُ، ولَا تُبَدَّأُ إن أَوْصَى بِهَا ولَا تُجْزِئُ (٢) كَمُرورِهِ بِهَا ناقِصَةً، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ كَمُلتْ، فَإِنْ تَخَلَّفَ وأُخْرِجَتْ أَجْزأَ، عَلى المخْتَارِ (٣)، وإِلَّا عَمِلَ عَلى الزَّيْدِ والنَّقْصِ لِلْمَاضِي بَتَبْدِيَةِ الْعَامِ الأَوَّلِ، إِلَّا انْ يَنْقُصَ الأَخْذُ النِّصَابَ أو الصِّفَةَ فيعْتَبرُ كتَخْلُّفِهِ عَنْ أَقَلَّ فَكَمُلَ وَصُدِّقَ، لَا إِنْ نَقَصَتْ هَارِبًا، وإن زادَتْ لَهُ فَلِكُلٍّ مَا فِيهِ بتَبْدِئةِ الأَوَّلَ. وَهَلْ يُصَدَّقُ؟. قَوْلَانِ. وإنْ سَأَلَ فنقصَتْ أَوْ زَادَتْ فَالْمَوْجُودُ إِنْ لَمْ يُصَدِّقْ أوْ صَدَّقَ وَفي الزَّيْدِ تَرَدُّدٌ.
(١) وقوله: وخرج الساعي ولو بجدب طلوع الثريا بالفجر؛ دليل وجوب خروجه ما أخرجه البيهقي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله ﷺ الناس عام الفتح فذكر الحديث وفيه قال: "لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ". وقوله طلوع الثريا بالفجر؛ لأنه مظنة اجتماعهم على مياههم، ومظنة أن من لم تكن عنده الذات المطلوبة وجدها عند غيره.
وقوله: وهو شرط وجوب إن كان وبلغ؛ الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يكون بهذه المثابة إلا في عهد من هو كعمر بن عبد العزيز في العدل، ذلك أن الزكاة واجب مطلق بعد تحقق شروط الوجوب، معناه أنها - في الأصل - ورد النص فيها بالإطلاق كأختها الصلاة. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١). إلا أن السنة بينت أنها من الواجب المشروط، لأنها لا تجب إلا بملك النصاب وحلول الحول عليه، ولم أقف على سنة تشترط في وجوب الزكاة بلوغ المصدِّق، غير أنه لما كان ولي أمر المسلمين ورد خطابه في التنزيل بالأمر بأخذها بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) فوجب عليه لذلك بعث مصدِّقين من أهل العدالة لأخذ صدقة الناس، فإن كان ولي الأمر من أهل العدالة وجب انتظار مبعوثه بها. قال في المدونة: أرأيت إذا كان مصدِّق عدل، يعدل على الناس، فأتى المصدِّق إلى رجل له ماشية =
стр. 395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تجب في مثلها الزكاة، فقال له الرجل: قد أديت صدقتها إلى المساكين؟. فقال: لا يقبل قوله هذا لأن الإمام عدل فلا ينبغي لأحد أن يمنعه صدقتها. قلت: هذا قول مالك؟. قال: نعم. إذا كان مثل عمر بن عبد العزيز. قلت: أرأيت إذا حال الحول على ماشية الرجل عنده، أيجب عليه أن يزكيها أم ينتظر الساعي حتى يأتي؟. قال: إن خفي له فليضعها مواضعها، إذا كان الوالي ممن لا يعدل، وإن كان من أهل العدل انتظره حتى يأتي له، ولا ينبغي له أن يخرجها، وإن كان ممن لا يعدل وخاف أن يأتوه، ولا يقدر أن يخفيها عنهم، فليؤخر ذلك حتى يأتوه. قال مالك: إذا خفي لرب الماشية أمر ماشيته عن هؤلاء السعاة - ممن لا يعدل - فليضعها مواضعها، إن قدر على ذلك، فإن أخذوها منه أجزأه، وأحب إليَّ أن يهرب بها عنهم إن قدر على ذلك. قال وأخبرني مالك أن ابن هرمز كان إذا جاءت غنم الصدقة المدينة، امتنع من شراء اللحم من السوق تلك الأيام.
قلت: وبنظرة إلى هذه النقول المنسوية لمالك في المدونة، يشكل عندك إطلاق وصف الساعي بأنه شرط وجوب للزكاة إن كان وبلغ، نعم، يمكن وصفه بأنه شرط أداء أو شرط صحة أو هما سواء لقول مراقي السعود:
الشرط في الصحة شرط في الأدا .. وعزوه للاتفاق وجدا
وإلا، فكيف يتصور بأنه شرط وجوب لا يتوجه الخطاب بالزكاة إلى المكلف قبل وصوله، في الوقت الذي يفتي فيه مالك بقوله: وأحب إليَّ أن يهرب بها عنهم إن قدر على ذلك؟. فهل يمكن لأحدنا أن يتهرب من الصلاة بعد دخول الوقت، الذي هو شرط وجوبها؟. وهل تستطيع امرأة أن تتهرب من الصلاة بعد نقائها من دم الحيض قبل خروج الوقت؟. ومعلوم أن شرط الوجوب هو ما يتوجه بموجبه الخطاب إلى المكلف. قال في مراقي السعود:
شرط الوجوب ما به يُكلِّف … وعدم الطلب منه يُعرف
مثل دخول الوقت والنقاء … وكبلوغ بعث الأنبياء =
стр. 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ومستندي فيما رأيته؛ من أنه يمكن القول بأن الساعي إن كان وبلغ، هو شرط صحة أو شرط أداء، ما رواه في المدونة عن ابن لهيعة والليث بن سعد عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال عمن حدثه عن أنس بن مالك قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد تبرأت منها إلى الله ورسوله؟. فقال رسول الله ﷺ : "نَعَمْ، إذا أدَّيْتَهَا إلَى رَسُولي فَقَدْ تَبَرأتَ مِنْهَا وَلَكَ أجرُهَا، وإثْمهَا عَلَى مَنْ بَدَّلَهَا". قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وأبا قتادة، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة، وعائشة، وأم سلمة، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهدًا، وعطاء، والقاسم، وسالمًا، ومحمد بن المنكدر، وعروة بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومكحولًا، والقعقاع بن حكيم، وغيرهم من أهل العلم كلهم يأمر بدفع الزكاة إلى السلطان ويدفعونها إليهم. ا. هـ. منه.
ولعله لا يخفى عليك أن هذه النقول إنما تتضمن أن من دفعها إلى المصدِّق برئت ذمته منها، ولا تدل بتاتًا - لا بدلالة المطابقة، ولا بالاشارة، ولا بالإيماء - إلى أن السَّاعي شرط في وجوب الزكاة أصلًا إن كان وبلغ، وكل قول منه مقبول ومردود إلا قول رسول الله ﷺ والعصمة في الخلق للأنبياء. والله الموفق.
(٢) وقوله: وقبله يستقبل الوارث ولا تبدأ إن أوصى بها ولا تجزئ؛ قال في الموطإ في زكاة الميراث: يحيى عن مالك أنه قال: إن الرجل إذا هلك ولم يؤد زكاة ماله؛ إني أرى أن يؤخذ ذلك من ثلث ماله، ولا يجاوز بها الثلث، تبدى على الوصايا، وأراها بمنزلة الدين عليه، فلذلك رأيت أن تبدى على الوصايا. قال: وذلك إذا أوصى بها الميت. قال: فإن لم يوص بذلك الميت، ففعل ذلك أهله فذلك حسن، وإن لم يفعل ذلك أهله لم يلزمهم ذلك. قال: والسنة عندنا - التي لا اختلاف فيها - أنه لا يجب على وارث زكاة في مال ورثه؛ في دين ولا عرض ولا دار ولا عبد ولا وليدة، حتى يحول - على ثمن ما باع من ذلك أو اقتضى - الحول من يوم باعه وقبضه. وقال مالك: السنة عندنا أنه لا يجب على وارث في مال ورثه الزكاة، حتى =
стр. 397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يحول عليه الحول. ا. هـ.
(٣) وقوله: فإن تخلف وأخرجت أجزأ على المختار؛ هو تناقض منه في نظري؛ لأنه قرر أن الساعي، وجوده وبلوغه شرط في الوجوب، فكيف يقول بعد ذلك: فإن تخلف وأخرجت أجزأ على المختار؟!. فما هو الموصوف هنا بالإجزاء، إذا اعتبرنا أن التكليف بالزكاة لا يتوجه إلى المكلف إلا بعد بلوغ الساعي؟. فلابد أنه يلزم من الوصف بالإجزاء هنا، أن هناك خطابًا ترتب عليه الوجوب غير مجيءِ الساعي لأنه تخلف، فيكون المصنف تناقض في وصفه بلوغ الساعي بأنه شرط وجوب، ثم يرتب حكمًا بالإجزاء مع عدم توجه الخطاب أصلًا، لتخلف شرط وجوبه. والله الموفق.
وكذلك قوله: وإلا عمل على الزيد والنقص للماضي بتبدية العام الأول، إلا أن ينقص الأخذ النصاب أو الصفة؛ فهذه عمليات موجبها تخلفه، فعلى أنه شرط وجوب، لا تصح بتاتًا، إذ لم يترتب بذمة المكلف شيء، فهل تتصور مطالبة المكلف بقضاء ما مر عليه من صوم في صبوته قبل بلوغه، أو بقضاء ما ضاع من أوقاته قبل البلوغ؟. ذلك أنه ليس من أهل الخطاب أصلًا لقوله ﷺ "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" ثم عد منهم "الصَّبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ". والمختصر يقول أن الساعي شرط وجوب، إن كان وبلغ، ثم يرتب في الذمم ما بلوغه شرط في وجوبه أصلًا، أمر غريب!!.
стр. 398
وَأخِذَ الخوارِجُ بِالْمَاضِي إِنْ لَمْ يَزْعُمُوا الأدَاءَ، إِلا أَنْ يخرجوا لمنعها (١). وَفي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فأكْثَر، وإنْ بأَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ، أَلفٌ وسِتُّمَائَةِ رِطْلٍ، مِائة وثمانية وعِشْرُونَ دِرْهَمًا مَكَيًّا، كُلٌّ خَمْسُونَ وخُمُسَا حَبَّةٍ مِن مُطْلَقِ الشَّعِير، مِنْ حَبٍّ، وَتَمْرٍ فَقَطْ؛ مُنَقّىً مُقَدَّرَ الجَفَافِ، وإنْ لم يَجِفَّ، نِصْفُ عُشُرِهِ، كزيت ما له زَيْتٌ، وثمَنِ غَيْرِ ذِي الزيْتِ، ما لا يَجِفُّ، وفُولٍ أخْضَر إِنْ سُقِيَ بآلَةٍ، وإِلَّا فالْعُشُرُ، ولو اشْتُرِيَ السَّيْحُ أوْ أُنفِقَ عَلَيْهِ، وإنْ سُقِيَ بِهما، فَعَلى حُكْمَيْهمَا، وهَلْ يُغَلَّبُ الأكْثَر؟. خِلَافٌ.
(١) وقوله: وأخذ الخوارج بالماضي إن لم يزعموا الأداء، إلا أن يخرجوا لمنعها؛ قال ابن قدامة: وإن منعها معتقدًا وجوبها، وقدر الإمام على أخذها منه، أخذها وعزَّره، ولم يأخذ زيادة عليها في قول أكثر أهل العلم منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأصحابهم. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله؛ لما روى بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "فِي كُلِّ سَائِمَةِ الإبِلِ؛ فِي كُلِّ أربَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ لَا تُفَرَّقُ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أعطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أبَاهَا فَإِنِّي آخِذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَئٌ". وذكر هذا الحديث لأحمد فقال: ما أدري ما وجهه؟. وسئل عن إسناده، فقال: هو عندي صالح. رواه أبو داود والنسائي. ا. هـ. منه.
وقال ابن قدامة: فإن كان مانع الزكاة خارجًا عن قبضة الإمام قاتله؛ لأن الصحابة ﵃ قاتلوا مانعيها. وقال أبو بكر الصديق ﵁: لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. فإن قاتله وظفر به وبماله أخذها من غير زيادة، ولم تسب ذريته، لأن الجناية في غيرهم، ولأن المانع لا يسبى فذريته أولى، وإن ظفر به دون ماله دعاه إلى أدائها، واستتابه ثلاثًا، فإن تاب وأدى وإلا قتل، ولم يحكم بكفره، وعن أحمد ما يدل على أنه =
стр. 399
وتُضَمُّ القَطَانِي كَقَمْحٍ وشَعِير وَسُلْتٍ - وإنْ بِبُلْدَانٍ، إِنْ زُرِعَ أَحدُهُمَا قَبْلَ حَصَادِ الآخَر - فيُضَمُّ الْوَسَطُ لَهُمَا، لا أوَّلٌ لِثَالِثٍ، لا لِعَلَسٍ ودُخْنٍ وذرَةٍ وأُرْزٍ، وَهيَ أَجْنَاسٌ، والسِّمْسِمُ وَبِزْرُ الفجْلِ، والقُرْطُمُ كالزيْتُونِ لَا الكتَّانِ. وحُسِبَ قشر الأرْزِ والْعَلَسِ وما تُصُدِّق به واستأجر قتًّا، لَا أكْلُ دَابَّةٍ فِي دَرْسِهَا. والْوُجُوبُ بإِفْرَاكِ الحَبِّ، وَطِيبِ الثَّمَرِ، فلا شِئَ عَلَى وَارِثٍ قَبْلَهُمَا لَمْ يَصِرْ لَهُ نِصَابٌ، والزكاةُ على البَائِعِ بَعْدَهُمَا، إِلَّا أنْ يُعْدِمَ فعَلَى المشْتَرِي. والنَّفَقَةُ عَلى المُوصَى له، المُعَيَّنَ بِجُزْءٍ لَا المَساكِينِ أَو كيْلٍ فعلى الميِّتِ (١).
= يكفر بقتاله عليها؛ فروى الميموني عنه: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر، وقاتلوا عليها، لم يورثوا ولم يصل عليهم. قال عبد الله بن مسعود: ما تارك الصلاة بمسلم، ووجه ذلك ما روي أن أبا بكر ﵁ لما قاتلهم وعضتهم الحرب قالوا: نؤديها. قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. ولم ينقل إنكار ذلك عن أحد من الصحابة، فدل على كفرهم. ا. هـ. منه بلفظه.
(١) وقوله: وفي خمسة أوسق فأكثر الخ؛ هو في زكاة الثمار والحبوب والزيوت. ودليل وجوب الصدقة في ذلك من كتاب الله تعالى قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ - إلى أن قال - ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) من سورة الأنعام. قال مالك: سمعت من يقول: إن ذلك الزكاة. وهو مروي عن أنس بن مالك وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن وطاوس وجابر بن زيد، ومحمد بن الحنفية وقتادة في آخرين.
وقال عطاء ومجاهد: إنه حق غير الزكاة، فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع والثمر. =
стр. 400
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال القاضي أبو بكر بن العربي: امتنَّ الله على خلقه في إنبات الأرض ثم قال لهم: كلوا مما أنعمت به عليكم، وآتوا حقه إذا جمعتموه بأيديكم وآويتموه إلى رحالكم، فكما خلقه نعمة، ومكن منه نعمة، أوجب فيه الحق. قال مالك: الحق هنا الزكاة، وصدق، ومن قال غير هذا فقد وهم، وتعين حمل هذا على عمومه، إلا ما خصه دليل يصح تخصيصه هنالك حسب ما ذكرناه وحققناه هناك، فأما من حمله على عمومه فاستثنى الحطب والقضب والحشيش، فلا يقال: إنه تخصيص لأنه قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإنما أوجب إيتاء الحق فيما يؤكل. ا. هـ. منه. العارضة.
وروى البغوي بسنده عن عتاب بن أسيد أن رسول الله ﷺ قال في زكاة الكَرْم: "يُخْرَص كَمَا يُخْرَص النَخْلُ ثُمَّ تؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النخْلِ تَمْرًا". وفي الموطإ: حدثني يحيى عن مالك عن الثقة عنده، عن سليمان بن يسار عن يسر بن سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلِ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ". وفي الموطإ كذلك قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يخرص من الثمار إلا النخيل والأعناب، فإن ذلك يخرص حين يبدو صلاحه ويحل بيعه، وذلك أن ثمر النخيل والأَعناب يؤكل رطبًا وعنبًا، فيخرص على أهله للتوسعة على الناس، ولئلا يكون على أحد في ذلك ضيق، فيخرص ذلك عليهم ثم يخلى بينهم وبينه يأكلونه كيف شاؤوا، ثم يؤدون منه الزكاة على ما خرص عليهم. قال مالك: فأما ما لا يؤكل رطبًا وإنما يؤكل بعد حصاده، من الحبوب كلها فإنه لا يخرص وإنما على أهلها فيها فإذا حصدوها ودقوها وطيبوها وخلصت حبًا، فإنما على أهلها فيها الأمانة، يؤدون زكاتها إذا بلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة، وهذا الأمر لا اختلاف فيه عندنا. قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن النخل يخرص على أهلها، وثمرها في رؤوسها، إذا طاب وحل ببعه، ويؤخذ منه صدقته تمرًا عند الجذاذ، فإن أصابت الثمرة جائحة - بعد أن تخرص على أهلها، وقبل أن تجذ - فأحاطت الجائحة بالثمر كله فليس عليهم صدقة، فإن بقي من الثمر شيء يبلغ خمسة أوسق فصاعدًا بصاع النبي ﷺ أخذ منهم زكاته، وليس عليهم فيما أصابت الجائحة زكاة، وكذلك العمل في الكرم أيضًا. ا. هـ. منه. =
стр. 401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال البغوي في الكلام على حديث عتاب بن أسيد المتقدم: هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: إنه تخرص الثمار على أربابها، فبعد بدو الصلاح في العنب والرطب، يبعث الإمام خارصًا يخرص عليهم، ويقول: يحصل من هذا الرطب كذا من التمر، ومن هذا العنب كذا من الزبيب. فيحصي على أرباب الأموال، ثم يخلي بينهم وبينها يصنعون بها ما شاؤوا ثم يأخذ منهم العشر بعد ما أدرك وجفَّ، فإن ادعى رب المال نقصانًا عما خرص فالقول قوله.
وقال الثسعبي: الخرص بدعة. وأنكر أصحاب الرأي الخرص. والخرص أولى لأن النبي ﷺ عمل به، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي. وعمل به الصحابة من بعده ﵃، وعامة العلماء على تجويزه. ا. هـ. منه بتصرف.
تنبيه: وقد روي عن سهيل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثلُثَ، فَانْ لَمْ تَدَعُوا الثلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ". قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخرفة. وكذا قال يحيى القطان. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الثلث والربع متروك لهم على عرض المال توسعة لهم، فقد يكون منها الساقطة، وينتابها الطير، ويخترفها الناس للأكل. وكان عمر بن الخطاب يأمر الخراص بذلك. وبه قال أحمد وإسحاق. ا. هـ. من شرح السنة.
وحديث سهيل بن أبي حثمة هذا أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. ا. هـ.
تنبيه: قال البغوي: اتفق أهل العلم على وجوب العشر في النخيل والكروم، وفيما يقتات من الحبوب مما يزرعه الآدميون، واختلفوا فيما سواها من الثمار والزرع، فذهب الشافعي، وابن أبي ليلى إلى أنه لا عشر في شيء منها، وقال مالك: لا يجب في شيء من الفواكه والبقول العشر. وقال أبو حنيفة: يجب العشر في جميعها. وذهب الشافعي في القديم إلى إيجاب العشر في الزيتون. وبه قال الزهري. وهو قول مالك والأوزاعي، والثَّوْريُّ وأصحاب الرأي. وأما الزيتون فقد اختلفوا في كيفية الأخذ منه؛ فقال مالك والأوزاعي: يؤخذ بعد العصر من الزيت، إذا بلغ زيتونه خمسة أوسق. وقال أصحاب الرأي يؤخذ من ثمره. =
стр. 402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وفي الموطإ ما نصه: زكاة الحبوب والزيتون؛ حدثني يحيى عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن الزيتون فقال: فيه العشر. قال مالك: وإنما يؤخذ من الزيتون العشر بعد أن يعصر ويبلغ زيتونه خمسة أوسق، فما لم يبلغ زيتونه خمسة أوسق فلا زكاة فيه، والزيتون بمنزلة النخيل؛ ما كان منه سقته السماء والعيون أو كان بعلًا ففيه العشر، وما كان يسقى بالنضح ففيه نصف العشر، ولا يخرص شيء من الزيتون في شجره.
والسنة عندنا في الحبوب التي يدخرها الناس ويأكلونها، أنه يؤخذ مما سقته السَّماء من ذلك، وما سقته العيون وما كان بعلًا، العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر، وإذا بلغ ذلك خمسة أوسق، بالصاع الأول صاع النبي ﷺ وما زاد على خمسة أوسق ففيه الزكاة بحساب ذلك. قال مالك: والحبوب التي فيها الزكاة. الحنطة والشعير، والسُّلْتُ، والذرة والدخن والأرز، والعدس، والجلبان، واللوبيا، والجلجلان. وما أشبه ذلك من الحبوب التي تصير طعامًا، فالزكاة تؤخذ منها بعد أن تحصد وتصير حبًا. قال: والناس مصدقون في ذلك يقبل منهم في ذلك ما دفعوه.
وسئل مالك: متى يخرج من الزيتون العشر أو نصفه، أقبل النفقة أم بعدها؟. فقال: لا ينظر إلى النفقة، ولكن يسأل عنه أهله، كما يسأل أهل الطعام عن الطعام، ويصدقون فيما قالوا فيه، فمن رفع من زيتونه خمسة أوسق فصاعدًا أخذ من زيته العشر بعد أن يعصر، ومن لم يرفع من زيتونه خمسة أوسق لم يجب عليه في زيته الزكاة. قال مالك: ومن باع زرعه وقد صلح ويبس في أكمامه فعليه زكاته، وليس على الذي اشتراه زكاة، ولا يصلح بيع الزرع حتى ييبس في أكمامه ويستغني عن الماء. قال مالك في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) إن ذلك الزكاة. وقد سمعت من يقول ذلك.
قال مالك: ومن باع أصل حائطه أو أرضه، وفي ذلك زرع أو ثمر لم يبد صلاحه، فزكاة ذلك على المبتاع، وإن كان قد طاب وحل بيعه فزكاة ذلك على البائع، إلا أن يشترطها على المبتاع.
وقوله: وتضم القطاني كقمح وشعير وسلت الخ. قال مالك في الموطإ: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسقٍ مِنَ التَمْرِ صَدَقَةٌ". وإن كان في الصنف الواحد من تلك الأصناف ما يبلغ=
стр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= خمسة أوسق ففيه الزكاة، فإن لم يبلغ خمسة أوسق فلا زكاة فيه. وتفسير ذلك أن يجذ الرجل من التمر خمسة أوسق، وإن اختلفت أسماؤه وألوانه، فإنه يجمع بعضه إلى بعض ثم يؤخذ من ذلك الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك فلا زكاة فيه. وكذلك الحنطة كلها. السمراء والبيضاء والشعير والسلت، كل ذلك صنف واحد، فإذا حصد الرجل من ذلك كله خمسة أوسق جمع عليه بعض ذلك إلى بعض ووجبت فيه الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك فلا زكاة فيه. وكذلك الزبيب كله أسوده وأحمره، فإذا قطف الرجل منه خمسة أوسق وجبت فيه الزكاة، فإن لم يبلغ ذلك فلا زكاة فيه. وكذلك القطنية هي صنف واحد مثل الحنطة والتمر والزبيب، وإن اختلفت أسماؤها وألوانها. والقطنية: الحمص والعدس واللوبيا والجلبان وكل ما ثبت عند الناس أنه قطنية، فإذا حصد الرجل من ذلك خمسة أوسق بالصاع الأول، صاع النبي ﷺ وإن كان من أصناف القطنية كلها، ليس من صنف واحد من القطنية، فإنه يجمع ذلك بعضه إلى بعض وعليه فيه الزكاة. قال مالك: وقد فرق عمر بن الخطاب بين القطنية والحنطة فيما أخذ من النبط، ورأى أن القطنية كلها صنف واحد، فأخذ منها العشر، وأخذ من الحنطة والزبيب نصف العشر، قال مالك: فإن قال قائل: كيف يجمع القطنية إلى بعض في الزكاة حتى تكون صدقتها واحدة، والرجل يأخذ منها اثنين بواحد يدًا بيد، ولا يؤخذ من الحنطة اثنان بواحد يدًا بيد؟. قيل له: فإن الذهب والورق يجمعان في الصدقة، وقد يؤخذ بالدينار أضعافه في العدد من الورق يدًا بيد.
وقال مالك: والسنة عندنا أن كل ما أخرجت زكاته من هذه الأصناف كلها، الحنطة والتمر والزبيب والحبوب كلها، ثم أمسكه صاحبه - بعد أن أدى صدقته - سنين ثم باعه ليس عليه في ثمنه زكاة، حتى يحول على ثمنها الحول من يوم باعه، إذا كان أصل تلك الأصناف من فائدة أو غيرها، وأنه لم يكن للتجارة وإنما ذلك بمنزلة الطعام والحبوب والعروض، يفيدها الرجل ثم يمسكها سنين ثم يبيعها بذهب أو ورق، فلا يكون عليه في ثمنه زكاة حتى يحول عليها الحول من يوم باعها، فإن كان أصل تلك العروض للتجارة، فعلى صاحبها فيها الزكاة ببيعها، إذا كان حبسها سنة من يوم زكى المال الذي ابتاعها به.
стр. 404
وإِنّمَا يُخْرَصُ التَّمْرُ وَالْعِنَبُ إذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ حَاجَةُ أَهْلِهِمَا نَخْلَةً نَخْلَةً، بِإسْقَاطِ نَقْصِهَا لَا سَقَطِهَا، وَكَفى الْوَاحِدُ، وَإِن اخْتَلَفُوا فَالْأعْرَفُ. وَإِلَّا فَمِنْ كُل جُزْءٌ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَة اعْتُبِرَتْ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى تَخْرِيص عَارِفٍ فَالْأحَبُّ الْإِخْرَاجُ. وَهَلْ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ الْوُجُوب؟. تَأْوِيلَانِ (١) وَأُخِذَ مِنَ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ التمْرُ نَوْعًا أَو نَوْعَيْنِ وإلَّا مِنْ أَوْسَطِهَا. وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَم شَرْعيٍّ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكْثَرَ، أَوْ مُجَمَّع مِنْهُمَا بِالجُزْءِ رُبُعُ الْعُشْرِ، وَإِنْ لِطِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ بِرَدَاءَةِ أَصْل أوْ بإِضَافَةٍ وَرَاجَتْ كَكَامِلَةٍ، وَإِلَّا حُسِبَ الْخَالِصُ تَمَّ المِلْكُ وَحُوّل غير المعْدِنِ (٢). وتَعَدَّدَتْ بتَعَدُّدِهِ
(١) وقوله: إنما يخرص التمر والعنب ألخ. تقدم الكلام عليه في زكاة الثمار والحبوب.
تنبيه: قال مالك في الموطإ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة؛ الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال: ولا في القصب ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصاب. ا. هـ. منه. بلفظه.
قال البغوي في شرح السنة: أما الخضروات فلا عشر فيها عند أكثر أهل العلم. وقال أبو حنيفة: يجب فيها العشر، إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي. وخالفه صاحباه فلم يوجبا فيه العشر. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وفي مائتي درهم شرعي أو عشرين دينارًا فأكثر الخ؛ هو في زكاة العين من الذهب والوَرِق، وقد تقدم حديث أبي سعيد الخدري ولفظه عند مالك: وحدثني عن مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني، عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ مِنَ التمْرِ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْس ذَوْدٍ مِنَ الْإبِلِ صَدَقَة". =
стр. 405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وفي حديث أنس عند البخاري أن أبا بكر كتب له كتابًا حين وجهه إلى البحرين مصدقًا: ففي هذا الحديث ما نصه: وَفي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإنْ لَمْ تَكنْ إلا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أنْ يَشَاء رَبُّهَا.
وفي حديث عليٍّ ﵁ عند البغوي قال: قال رسول الله ﷺ : "قَدْ عَفَوْت عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرِّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ، مِنْ كُل أرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَليس فِي تِسْعِينَ وَمِائةٍ شَيْءٌ، فَإذَا بَلَغَ مِائَتَينِ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِمَ". وهذا الحديث رواه الترمذي، وأخرجه أبو داود، وابن ماجه. اهـ.
وقال مالك في الموطإ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا عينًا، كما تجب في مائتي درهم. قال مالك: ليس في عشرين دينارًا ناقصة بينة النقصان زكاة، فإن زادت حتى تبلغ زيادتها عشرين دينارًا وازنة ففيها الزكاة، وليس فيما دون عشرين دينارًا عينًا زكاة، وليس في مائتي درهم ناقصة بينة النقصان زكاة، فإن زادت حتى تبلغ بزيادتها مائتي درهم وافية ففيها الزكاة، فإن كانت تجوز بجواز الوازنة رأيت فيها الزكاة، دنانير كانت أو دراهم. قال مالك في رجل كانت عنده ستون ومائة درهم وازنة، وصرف الدراهم ببلده ثمانية دراهم، إنها لا تجب فيها الزكاة وإنما تجب الزكاة في عشرين دينارًا أو مائتي درهم. وقال مالك في رجل كانت له خمسة دنانير من فائدة أو غيرها فتجر فيها فلم يأت الحول حتى بلغت ما تجب فيه الزكاة، أنه يزكيها وإن لم تتم إلا قبل أن يحول عليها الحول بيوم واحد، أو بعد ما يحول عليها بيوم، ثم لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول من يوم زكيت. وقال مالك في الذهب والوَرِق يكون بين الشركاء: إن من بلغت حصته منهم عشرين دينارًا عينًا أو مائتي درهم فعليه فيها الزكاة، ومن نقصت حصته عما تجب فيه الزكاة فلا زكاة عليه، وإن بلغت حصصهم جميعًا ما تجب فيه الزكاة وكان بعضهم في ذلك أفضل نصيبًا من بعض، أخذ من كل إنسان منهم بقدر حصته، إذا كان في حصة كل إنسان منهم ما تجب فيه الزكاة. وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوْاقٍ مِن الْوَرقِ صَدَقَةٌ". قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إليَّ في ذلك.
وقال مالك: وإذا كان لرجل ذهب أو ورق متفرقة بأيدي أناس شتَّى، فإنه ينبغي له أن يحصيها جميعًا، ثم يخرج ما وجب عليه من زكاتها كلها. قال مالك: ومن أفاد ذهبًا أوورقًا إنه لا زكاة عليه فيها، حتى يحول الحول عليها من يوم أفادها. =
стр. 406
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: وإن لطفل؛ هو لما ثبت عن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلَا يَتْركْهُ تَأْكُلُهُ الصَّدَقَةُ".
قال البغوي: اختلف العلماء في وجوب زكاة مال الصبي؛ فذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ إلى وجوبها، منهم: عمر، وعليٌّ، وابن عمر، وعائشة، وجابر، وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن سيرين، وإليه ذهب الأوزاعي، وابن أبي ليلى، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي: لا زكاة في مال الصبي. واتفقوا على وجوب العشر فيما أخرجته أرضه، وعلى وجوب صدقة الفطر عنه.
وفي الموطإ: حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة. وحدثني عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: كانت عائشة تليني وأخًا لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة. ا. هـ.
تنبيه: في ما لا زكاة فيه من التبر والحلي والعنبر، قال في الموطإ: حدثني يحيى عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن الحليُّ، فلا تخرج من حليهن الزكاة. وحدثني عن مالك عن نافع أن ابن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. قال مالك: من كان عنده تبر أو حلي من ذهب أو فضة لا ينتفع به للبس، فإن عليه فيه الزكاة في كل عام، يوزن فيؤخذ رُبُعُ عُشرِه أن ينقص من الوزن عشرين دينارًا عينًا أو مائتي درهم، فإن نقص من ذلك فليس فيه الزكاة، وإنما تكون فيه الزكاة إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس، فأما التبر والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة. وقال مالك: ليس في اللؤلؤ ولا في المسك ولا العنبر زكاة. ا. هـ. منه بلفظه.
وقوله: وحول غير المعدن، أي وإن تم حول غير معدن، أما المعدن فإن زكاته تؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع. قال في الموطإ: حدثني يحيى عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد أن رسول الله ﷺ قطع لبلال بن الحارث المزنيِّ معادن القَبْلِيَّةِ، وهي من ناحية الفرع، فتلك=
стр. 407
في مُودَعَةٍ، ومُتَّجَرٍ فيهَا بِأَجْرٍ، لَا مَغْصُوبَةٍ، ومَدْفُونَةٍ وضَائِعَةٍ وَمَدْفُوعَةٍ عَلى أَنَّ الرِّبْحَ للعَامِلِ بِلَا ضَمَانٍ، ولا زكاةَ في عَيْنِ فقط وُرِثَتْ إِن لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَوْ لَمْ تُوقَفْ إِلَّا بَعْدَ حَوْل بَعْدَ قَسْمِهَا أَوْ قَبْضِهَا، ولَا مُوصًى بتفرقَتِهَا، ولَا مَالِ رَقيقٍ (١) ومَدِينٍ (٢)، وسِكَّةٍ، وَصِياغَة وجَوْدَةٍ وَحَلْيٍ، وإِنْ تَكَسَّرَ إِن لم يَتَهَشَّمْ ولمْ ينوِ عَدَمَ إِصلاحه أَو كَانَ لِرَجُل، أَو كِراءٍ، إلَّا مُحَرَّمًا أَو مُعَدًّا لِعَاقبةٍ، أَو
المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلَّا الزكاة. قال مالك: أرى والله أعلم، أنه لا يؤخذ من المعادن مما يخرج منها شيء، حتى يبلغ ما يخرج منها قدر عشرين دينارًا عينًا أو مائتي درهم، فإذا بلغ ذلك ففيه الزكاة مكانه، وما زاد على ذلك أخذ بحساب ذلك ما دام في المعدن نيلٌ، فإذا انقطع عرقه ثم جاء بعد ذلك نيلٌ فهو مثل الأول؛ يبتدأ فيه الزكاة كما ابتدئت في الأول. قال مالك: المعدن بمنزلة الزرع يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع؛ يؤخذ منه إذا خرج من المعدن من يومه ذلك، ولا ينتظر به الحول كما يؤخذ من الزرع - إذا حصد - العشر، ولا ينتظر أن يحول عليه الحول. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: ولا مال رقيق؛ قال في المدونة: ما قول مالك في أموال العبيد والمكاتبين وأمهات الأولاد، أعليهم صدقة في عبيدهم وحروثهم وفي ناضهم وفيما يديرون للتجارة زكاة؟. فقال: لا. قلت: وهو قول مالك؟. قال: نعم، هو قول مالك. وقال مالك: ليس عليهم إذا عتقوا وأموالهم في أيديهم زكاة، حتى يحول الحول على أموالهم التي في أيديهم من يوم عتقوا. وفيها، قلت: أرأيت إن قبض الرجل مال عبده، أيزكيه مكانه أم حتى يحول عليه الحول؟. قال: لا زكاة على السيد فيه حتى يحول الحول عليه من يوم قبضه. قلت: وهذا قول مالك؟. قال: نعم. قلت المكاتب، أعليه عشر ما أخرجت الأرض؟. قال: لا. قلت: وليس عليه في شيء من الأشياء زكاة؟. قال: نعم. قال مالك: ليس عليه في شيء من الأشياء زكاة. ا. هـ. منه.
وأخرج البيهقي بسنده عن نافع عن ابن عمر قال: ليس في مال العبد زكاة حتى يعتق. قال: هذا لفظ حديث أبي نمير. وفي رواية أبي معاوية: ليس في مال مملوك زكاة، وروي ذلك عن جابر بن عبد الله ﵁. =
стр. 408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأخرج البيهقي أيضًا بسنده عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُه لِلَّذِي بَاعَهُ إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ". وقال: رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث.
وفي سنن البيهقي أيضًا؛ باب ليس في مال المكاتب زكاة: روي ذلك عن نافع عن ابن عمر، وعن أبي الزبير عن جابر، وذلك فيما أجاز لي أبو عبد الله روايته عن أبي الوليد الفقيه: ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع عن نافع عن ابن عمر قال: "لَيْسَ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَلَا الْمُكَاتَبِ زَكَاةَ". ثم ساق سندًا آخر إلى أبي الزبير عن جابر قال: "لَيْسَ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَلَا الْمُكَاتَبِ زكَاة حَتَّى يُعْتَقَ". وبالله تعالى التوفيق.
(٢) وقوله: ومدين؛ قال في الموطإ: وحدثني عن مالك عن يزيد بن خصيفة، أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله، أعليه زكاة؟. فقال: لا. قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في الدين؛ أن صاحبه لا يزكيه حتى يقبضه، وإن أقام عند الذي هو عليه سنين ذوات عدد، ثم قبضه صاحبه، لم تجب عليه إلا زكاة واحدة، فإن قبض منه شيئًا لا تجب فيه الزكاة، فإنه إن كان له مال سوى الذي قبض تجب فيه الزكاة، فإنه يزكَّى مع ما قبض من دينه. قال: فإن لم يكن له ناض غير الذي اقتضى من دينه، وكان الذي اقتضى لا تجب فيه الزكاة، فلا زكاة عليه فيه، ولكن ليحفظ عدد ما اقتضى، فإن اقتضى بعد ذلك عدد ما تتم به الزكاة مع ما قبض قبل ذلك فعليه الزكاة فيه - إلى أن قال - وقال مالك: الأمر عندنا في الرجل يكون عليه دين، وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين، ويكون عنده من الناض سوى ذلك ما تجب فيه الزكاة، فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه، فلا زكاة عليه حتى يكون عنده من الناض - فضل عن دينه - ما تجب فيه الزكاة، فعليه أن يزكِّيه. ا. هـ. منه.
стр. 409
صَدَاقٍ، أَو منويًّا به التِّجَارُة (١)، وإِن رُصِّعَ بِجَوْهَرٍ وَزَكَّى الزِّنَةَ إن نُزِعَ بِلَا ضَرَرٍ، وإِلَّا تَحَرى وَضُمَّ لأَصْلِهِ؛ كَغَلًةِ مُكْتَرىً لِلتِّجَارَةِ ولو رِبْحَ دَيْنٍ لَا عِوَضَ له عِنْدَهُ، ولمُنْفِقٍ بَعْدَ حَوْله مَعَ أَصْلِهِ وَقْتَ الشِّراءِ، واسْتَقْبَلَ بفائدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةٍ، أَوْ غَيْرِ مُزَكَّى كثَمَنِ مُقْتَنَى، وتُضَمُ نَاقِصَةٌ وإِنْ بَعْدَ تَمَام لِثَانِيةٍ أو ثَالِثَةٍ، إِلأ بَعْدَ حَوْلهَا كَامِلَةً، فَعَلَى حَوْلهَا كالْكَامِلَةِ أَوَّلًا، وإِنْ نَقَصَتَا فرَبِحَ فيهما أو في إحْدَاهُمَا تَمَامَ نصاب عند حَوْلِ الأُولَى أَو قَبْلَهُ فَعَلى حَوْلَيْهِمَا وَفُضَّ رِبْحُهُمَا، وبَعْدَ شَهْرٍ فَمِنْهُ، والثَّانِيةُ عَلَى حَوْلِهَا وَعِنْدَ حَوْلِ الثانِيَةِ أوْ شَكَّ فيه لأيِّهِمَا فمِنْهُ كَبَعْدَهُ، وإِنْ حَالَ حَوْلُهَا فأَنْفَقَهَا ثُمَّ حَالَ حَوْلُ الثانِيَةِ نَاقِصَة فلا زكَاة.
(١) وقوله: وإن لم يتهشم، ولم ينو عدم إصلاحه، أو كان لرجل، أو كراء، إلخ؛ هذه استثناءات من الحلي الذي لا تلزم فيه الزكاة وقد تقدم أن الذي لا زكاة فيه عند أصحابنا؛ هو ما كان حليًا مباحًا معدًا للزينة. ومعلوم أنه إن تهشم ولم ينو إصلاحه خرج عن كونه معدًا للزينة، وان كان لرجل خرج عن كونه حليًا مباحًا، لأنه يحرم على الرجل اقتناء الحلي، وأنه إن أعد للكراء، أخرجه ذلك عن كونه معدًا للزينة، فكان كالمال المدار للفائدة التي تحصل منه بالكراء، فوجبت فيه وفي فائدته الزكاة. والله أعلم.
وقوله: وتضم فاقصة ولو بعد تمام لثانية ألخ، هذه أمور بمحض الاجتهاد - على احتمال فرض وقوعها - وليست مما التزمت الإتيان ببعض أدلته، بل هي يشملها من حيث الدليل ما استجلبته من أدلة زكاة العين. وسوف لا ألقي لها بالًا، ولما يأتي في المختصر بعد من أمثالها من العمليات المفصلة على سبيل الفرض، وقد كنت تكلفت في باب سجود السهو حل ألفاظ المختصر لصعوبتها في ذلك المحل، ولأن الموضوع الصلاة وهي فروع معمول بها يوميًا، فأحببت أن أشارك في حل ألفاظها، ولا كذلك هنا. والله الموفق. =
стр. 410
وبالمُتَجَدِّدِ عَنْ سِلَعِ التِّجَارَة بِلَا بَيْع، كَغَلَةِ عَبْدٍ وكِتَابَةٍ وثَمْرَةِ مُشْترىً إِلَّا المؤبَّرةَ والصُّوفَ التَّامَّ، وإِن اكْتَرَى وَزرَعَ لِلتَجَارَةِ زَكَّى، وَهَلْ يُشْتَرَطُ كوْنُ البَذْرِ لَهَا؟. تَرَدُّدٌ، لَا إِنْ لمْ يَكُنْ أحَدُهُمَا للتَجَارَةِ، وإِنْ وجَبَتْ زَكاةٌ في عَيْنِهَا زَكَّى ثُمَّ زكَّى الثَّمَنَ لِحَوْلِ التَزْكية. وإِنَّمَا يزكَّى دَيْنٌ وإِنْ كانَ أَصْلُه عَيْنًا بِيَدِه، أَوْ عَرْضَ تِجَارِةٍ وقُبِضَ عَيْنًا ولَوْ بِهِبَةٍ أو إِحَالَةٍ، كَمُلَ بِنفْسِهِ ولو تَلِفَ المَتمُّ أَوْ بفائدَةٍ، جَمَعَهُمَا ملك وَحَوْلٌ، أَوْ بِمَعْدِنٍ عَلى الْقَوْلِ، لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ، ولو فَر بِتَأْخيره إِنْ كانَ عَن كَهِبَةٍ أوْ أَرْشٍ، لَا عَن مُشْتَرىً لِلْقُنْيَةِ
= ونورد لك هنا ما وقفنا عليه من أدلة زكاة التجارة؛ قال الله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) قال البغوي: قال مجاهد: هي التجارة.
وأخرج البغوي بسنده عن عمرو بن حماس عن أبيه أنه قال: مررت بعمر بن الخطاب وعلى عنقي أَدَمَةٌ أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟. فقلت: يا أمير المؤمنين مالي غير هذه التي على ظهري وآهِبةَ في القرظ. قال: ذاك مال، فَضَعْ.
قال فوضعتها بين يديه، فحسبها، فوجدت قد وجبت فيها الزكاة، فأخذ منها الزكاة. وأخرجه الشافعي، وعبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي.
قال البغوي في شرح السنة: وروي عن سمرة بن جندب: أما بعد؛ فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعدُّ للبيع. وقال ابن عمر ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة. ا. هـ.
وهذا الحديث أخرجه البيهقي من طريق أحمد بن حنبل، وأخرجه الشافعي في مسنده، ولفظه: أخبرني الثقة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر الحديث، وأخرج أبو عبيد في الأموال ص ٤٢٥ قال: حدثني سعيد بن عفير، عن يعقوب بن عبد الرحمن القارِّي، عن موسى بن عقبة، لا أدري أذكره عن نافع أم عن غيره، قال: قال ابن عمر: ما كان من رقيق أو بز يراد به التجارة ففيه الزكاة. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عتهبة عن نافع عن ابن عمر أنه =
стр. 411
وبَاعَهُ لأجَلٍ فَلِكُلٍّ، وَعَنْ إِجَارَءة أَوْ عَرْضٍ مُفَادٍ قَوْلَانِ، وَحَوْلُ المُتَمِّ مِنَ التَّمَامِ، لَا إِنْ نَقَصَ بَعْدَ الْوُجُوبِ ثُمَّ زَكى المَقْبُوضَ وإِنْ قَلَّ وإِن اقتضَى دِينَارًا فآخَر فاشْتَرَى بِكُلٍّ سِلْعَةً بَاعَهَا بعِشْرِينَ، فَإِنْ بَاعَهُمَا مَعًا أَو إِحْدَاهُمَا بَعْدَ شِرَاءِ الأخْرَى زَكَّى الأَرْبعِينَ وإِلَّا أَحدًا وعِشْرِينَ، وضُمَّ لاخْتِلَاط أحوَالِهِ آخِرٌ لأوَّلٍ عَكْسَ الْفَوَائدِ، والاقْتِضَاءُ لِمِثْلِهِ مُطْلَقًا، والفَائدَةُ للمتَأَخَرِ مِنْهُ، فإِنِ اقْتَضَى خمْسَةً بَعْدَ حَوْلٍ، ثُمَّ اسْتفَادَ عَشَرةً وأَنْفَقَهَا بَعْدَ حَوْلهَا ثُمَّ اقْتَضَى عَشَرَة، زَكَى الْعَشْرتَيْنِ، والأَولى إِن اقْتَضَى خَمْسةً.
= كان يقول: في كل مال يدار في عبيد أو دواب أو بز للتجارة تدار، الزكاة فيه كل عام. وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم قالوا: في العروض تدار، الزكاة كل عام، لا تؤخذ منها الزكاة حتى يأتي ذلك الشهر عام قابل. وفي الأموال ص ٤٢٦: حدثنا يزيد عن هشام عن الحسن قال: إذا حضر الشهر الذي وقت الرجل أن يؤدي فيه زكاته، أدى عن كل مال له وكل ما ابتاع من التجارة، وكل دين إلا ما كان ضمارًا - وهو الغائب الذي لا يرجى حصوله - لا يرجوه. وفي الموطإ: عن يحيى بن سعيد، عن زريق بن حبان - وكان زريق على جواز مصرفي زمان الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز - فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مربك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات؛ من كل أربعين دينارًا دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا. ا. هـ. من التعليق على شرح السنة.
وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، واتفقوا على وجوبها في قيمتها لا في عينها، وعلى أنها تجب فيها الزكاة إذا حال حولها، إلا أن الحنفية والشافعية والحنابلة قالوا: تجب بمضي كل حول، ووافقهم المالكية فيما إذا كان التاجر مديرًا؛ وهو الذي يبيع كيفما اتفق، ولا ينظر ارتفاع الأسعار كأرباب الحوانيت، بخلاف ما إذا كان محتكرًا؛ وهو الذي ينتظر بالسلع ارتفاع الأسعار، فإنه يزكيها إذا باعها من عام واحد ولو كانت عنده أعوامًا. ا. هـ. من التعليق على شرح السنة.=
стр. 412
وإنَّما يزكَّى عَرْضٌ لا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ، مُلِك بِمُعَاوَضَةٍ بِنِيَّةِ تَجْرٍ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّةٍ أَوْ قُنْيَةٍ عَلَى المُخْتارِ، والمرجَّحُ لَا بِلَا نِيَّةٍ أو نِيَّةِ قُنْيةٍ أَو غَلَّة أَو هُمَا، وكَانَ كَأَصْلِهِ أوْ عَيْنًا وإِنْ قَلَّ وبيعَ بِعَيْنٍ وِإن لاسْتِهْلَاكٍ، فَكالدَّينِ وإِنْ رَصَدَ به السُّوقَ، وإِلَّا زكَّى عَيْنَهُ ودَيْنَهُ النَّقْدَ الحَالَّ المَرْجُوَّ، وإِلَّا قَوَّمَهُ ولوْ طَعَامَ سَلَمٍ، كَسِلَعِهِ وَلَوْ بارَتْ، لَا إِنْ لَمْ يَرْجُهُ أَوْ كَانَ قَرْضًا، وتؤولَتْ أَيْضًا
= وقال البغوي: وينعقد الحول في مال التجارة يوم يشتريه للتجارة، فإن لم يكن رأس ماله يومئذ نصابًا، فإذا تمَّ الحول يقوَّم ما في يده من العروض بنقد البلد - إن كان رأس ماله عرضًا حين ابتدأ التجارة - وإن كان رأس ماله ناضًا فيقوم بجنسه، فإن بلغت قيمته نصابًا أخرج ربع العشر من قيمته، وإن لم يبلغ فلا زكاة عليه حتى يتم النصاب. ا. هـ. منه.
وأخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١) قال: التجارة. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢). قال: النخل. وأخرج أيضًا بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فِي الْإبِلِ صَدَقَتُهَا وَفي الْغَنَم صَدَقَتُهَا وَفي الْبَزِّ صَدَقَتُه".
تنبيه: فإذا تقرر أن كل مال أداره صاحبه تجب فيه الزكاة، فأين مدرك من يفتي الناس اليوم، بعدم زكاة العملة المتداولة اليوم في أيدي الناس، المعروفة بورق البنكنوت؛ بفتح الراء؟. فإنها يشملها لفظ المال. والله تعالى يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) الآية، وهي تحصل بها نعمة الملك التي هي العلة في الزكاة. وهي أقل ما توصف به أن تكون من عروض التجارة المدارة، التي يتوجه فيها الخطاب. بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. الآية علمًا بأنها تتوفر فيها إحدي صور العلة القاصرة، التي ذكرها شيخ مشائخنا في مراقي السعود بقوله:
منها محل الحكم أو جزء وزِد … وصفًا إذا كل لُزوميًّا يرد
قال شيخنا عليه رحمة الله فيما أملاه عليَّ في شرح هذا البيت: ذكر في هذا البيت ثلاث صور من صور العلة القاصرة: الأولى أن تكون القاصرة محل الحكم؛ كتعليل الربا في الذهب والفضة بالذهبية والفضية، وهذا معنى قوله: منها محل الحكم.=
стр. 413
بِتَقْويمِ الْعَرْضِ، وهَلْ حَوْلهُ لِلأَصْلِ أَو وَسَطٍ منه ومن الإِدَارَة؟. تأْويلَانِ، ثم زيادَتُه مُلْغَاةٌ بِخِلَافِ حَلْي التَحَرِّي، والْقَمْحُ والمرتَجَعُ من مُفلَّسٍ والمكاتبُ يَعْجُزُ كَغَيْره، وأَنْقدَ المُدارَ لِلاحْتِكَارِ وهُمَا للقُنْيةِ بالنِّيةِ لا العَكْسِ، وَلَوْ كانَ أَوَّلًا لِلْتِجَارَة، وإِن اجتمع إِدَارَةٌ واحْتِكَارٌ وَتَسَاوَيَا، أَو احْتُكِرَ الأَكْثَرُ فَكُلٌّ عَلى حُكْمِهِ، وإِلَّا فَالْجَمِيعُ لِلإِدَارَة، وَلَا تَقَوَّمُ الأَوَانِي، وَفَي تَقْوِيمِ الْكَافِر لِحَوْلٍ مِنْ إِسْلَامِهِ أَو اسْتِقْبَالِهِ بِالثَّمَنِ قَوْلَانِ.
= الثانية: أن تكون جزء محل الحكم الخاص به دون غيره؛ كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما، فالخروج جزء معنى الخارج؛ إذ معناه ذات متصفة بالخروج كما تقدم إيضاحه في شرحنا لقوله: وإن يكن بهم فقد عهد ألخ.
والثالثة: وصف محل الحكم الخاص به أيضًا؛ كتعليل الربا في الذهب والفضة بكونهما أثمان الأشياء، لأن ذلك وصف لازم لهما في غالب أقطار الدنيا. ا. هـ. منه بلفظه.
وإذن فإنه انطلاقًا من جواز التعليل بوصف محل الحكم، يستطاع أن تلحق هذه الأوراق بالنقد، تعليلًا لها بأنها أثمان الأشياء في جميع أقطار الدنيا.
قلت: وإن عجبي لا ينقضي من بعض من يفتي اليوم بعدم وجوب الزكاة في هذه الأموال مهما أدارها صاحبها ما لم يشتر منها نقًدا، فالذي عليه المذهب عندنا أن التاجر المدير لعروضه تجب عليه زكاتها كلما دار عليها الحول، والمدير تقدم تعريفه بأنه هو الذي يبغ كيفما اتفق، ولا ينتظر ارتفاع الأسعار كأرباب الحوانيت، لكنه إذا كان يشتري السلع ثم ينتظر بها ارتفاع الأسعار، فهو المحتكر الذي ينتظر بزكاته لعروضه بيعها ولعام واحد، مهما مكثت محتكرة عند مالك.
إنَّ الذي يظهر حسب الأدلة، والذي تجب به الفُتيا - في نظري - أن هذه الأوراق مال مدار، تجب زكاته كلما حال عليه الحول، يلزم فيه ربع العشر لله تعالى، وإن من امتنع عن زكاته يصدق فيه الوعيد الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). والله تعالى أسأل أن يوفقنا جميعًا إلى ما فيه رضاه . وهو ولي التوفيق.
стр. 414
وَالْقِرَاضُ (١) الْحَاضِرُ يُزَكِّيهِ رَبُّهُ إِنْ أَدَارَ، أَو الْعَامِلُ مِنْ غَيْرِهِ، وصَبَرَ إِنْ غَابَ فَيُزَكِّي لِسَنَةِ الْفَصْلِ مَا فِيهَا، وسَقَطَ مَا زَالَ قَبْلَهَا، وَإِنْ نَقَصَ فَلِكل مَا فِيهَا وأَزْيَدَ وأَنْقَصَ قُضِيَ بالنَّقْصِ عَلى مَا قَبْلَهُ، وإِن احْتَكَرَا أَوْ الْعَامِلُ فَكَالدَّيْنِ، وعُجِّلتْ زَكَاةُ مَاشيةِ الْقِرَاضِ مُطْلَقًا وحُسِبَتْ عَلى رَبِّهِ، وَهَلْ عَبيدُهُ كَذلِكَ أَوْ تُلْغَى كالنفقة؟. قَوْلَانِ. وزُكِّيَ رِبْحُ الْعَامِلِ وإِن قَلَّ، إِنْ قَامَ بِيَدِهِ حَوْلًا، وكَانَا حُرَّيْنِ مُسْلمينِ بلَا دَيْنٍ، وحِصَّةُ رَبِّه بِرِبْحِهِ نِصَابٌ، وفي كوْنهِ شَرِيكًا أَوْ أجِيرًا خِلَافٌ. ولَا تَسْقُطُ زَكَاةُ حَرْثٍ ومَعْدِنٍ ومَاشِيةٍ بدين أوْ فَقْدٍ أوْ أَسْرٍ.
(١) وقال في المدونة في زكاة القراض: قلت أرأيت الرجل يأخذ مالًا قراضًا على أن الزكاة على رب المال - زكاة الربح ورأس المال، أو زكاة الربح ورأس المال على العامل - أيجوز هذا في قول مالك؟. قال: لا يجوز لرب المال أن يشترط زكاة المال على صاحبه، ألا ترى أن العامل لو لم يربح في المال إلا دينارًا واحدًا، وكان القراض أربعين دينارًا، فأخرج لك الدينار في الزكاة لذهب عمله باطلًا؟. فلا يجوز هذا.
قال: ولو اشترط صاحب المال على العامل أن عليه زكاة الربح لم يكن ذلك بأس. ويجوز للعامل أن يشترط على رب المال زكاة الربح، لأن ذلك يصير جزءًا مسمى كأنه أخذه على أن له خمسة أجزاء من عشرة، ولصاحب المال أربعة أجزاء من عشرة، وعلى رب المال الجزء الباقي يخرجه من الربح عنهما للزكاة.
وكذلك إذا اشترط العامل في المساقاة الزكاة على رب الأصل فيكون ذلك جائزًا؛ لأن ذلك يصير جزءًا مسمى، وهو خمسة أجزاء من عشرة، ولرب المال أربعة أجزاء من عشرة أجزاء، والجزء الفاضل في الزكاة. وقد روي أيضًا أنه لا خير في اشتراط زكاة الربح من واحد منهما على صاحبه، ولا في المساقاة أيضًا، لأن المال ربما كان أصله لا تجب فيه الزكاة، وإن كان أصله تجب فيه الزكاة، ربما استغرقه الدين فأبطل الزكاة. والمساقاة ربما لا تخرج من الحائط إلا أربعة أوسق، وربما أخرج عشرة فتختلف الأجزاء، فيصير العامل في غير جزء مسمًى. =
стр. 415
وإِن سَاوَى مَا بِيَدِهِ إِلَّا زكاة فِطْرٍ عن عَبْدٍ عَلَيْهِ مِثْلُهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ، ولو دينَ زَكَاةٍ أو مُؤجَّلًا أَوْ كَمَهْرٍ أوْ نَفَقَةَ زَوْجَةٍ مُطَلَّقًا أَوْ وَلَدٍ إِنْ حُكِمَ بِهَا، وهل إن تَقَدَّمَ يُسْرٌ؟. تأُوِيلَانِ،
= قال: وسئل مالك عن الرجل يدفع إلى الرجل المال قراضًا، فيتجر به إلى بلاد، فيحول عليه الحول، أترى أن يخرج زكاته المقارض؟. قال لا، حتى يؤدي إلى الرجل رأس ماله وربحه. قلت أرأيت هذا المقارض إذا أخذ ربحه، وإنما عمل في المال شهرًا واحدًا، فكان ربحه الذي أخذ أقل من عشرين دينارًا، أو عشرين دينارًا فصاعدًا؟. فقال: لا زكاة عليه، ويستقبل بما أخذ من ربحه سنة من ذي قبل بمنزلة الفائدة، وإنما تكون الزكاة على العامل في القراض إذا عمل به سنة - من يوم أخذه - فتكون في المال الزكاة، وكانت حصته - أي العامل - من ذلك ما تجب فيه الزكاة أولا تجب فيه فهو سواء، يؤدي الزكاة على كل حال إذا عمل به سنة. وهو قول مالك.
وقال مالك: ولو حال الحول على العامل من يوم قبض المال وأخذ ربحه، وعليه من الدين ما يستغرق حصته من المال، فإنه لا زكاة عليه فيه، حال الحول في ذلك أو لم يحل. وقال ابن القاسم: وإن كان على رب المال دين يستغرق رأس ماله وربحه، لم يكن على العامل أيضًا في حصته زكاة، وإن كان قد حال الحول على المال من يوم أخذه، لأن أصل المال لا زكاة فيه حين كان الدين أولى به.
قال: وسألت مالكًا عن الرجل يزكي ماله، ثم يدفعه إلى الرجل يعمل به قراضًا، فيعمل فيه سبعة أشهر أو ثمانية أو أقلَّ من الحول، فيقتسمان؛ فيدفع العامل إلى رب المال رأس ماله وربحه، ويأخذ هو ربحه، وفيما صار للعامل فيه الزكاة أو لا يكون، فيحول على مال رب المال وربحه الحول فيؤدي الزكاة، هل ترى على العامل في المال - فيما في يده مما أخذه من ربحه - زكاة؟. قال مالك: إذا قسمه قبل أن يحول على المال الحول، من يوم زكاه رَبه، ودفع العامل إلى رب المال رأس ماله وربحه، استقبل العامل بما في يديه سنة مستقبلة، لأنها في هذا الوجه فائدة، ولا يجب عليه فيها الزكاة إلا أن يحول عليها الحول عنده، من يوم قبض ربحه، وفيه ما تجب فيه الزكاة. ا. هـ. منه.
стр. 416
أَوْ وَالِدٍ بِحُكْمٍ إِنْ تَسَلَّفَ لَا بِدَيْن كَفَارَةٍ أوْ هَدْي (١) إِلَّا أَن يَكُونَ عِنْدَهُ مُعَشَّرٌ زُكِّيَ أَو مَعْدِنٌ أَوْ قيمة أَو قِيمَةُ كِتَابَةٍ أَوْ رَقَبَةُ مُدَبَّرٍ أَوْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لِأجَل أَو مُخْدَم أَو رَقَبَته لِمَنْ مَرْجِعُهَا إِلَيْهِ، أَو عَدَدُ ديْنٍ حَلَّ، أَو قيمَةُ مَرْجُوٍّ. أَوْ عَرْضٌ حَلَّ حَوْلُهُ، إِنْ بِيعَ وقُوِّمَ وَقْتَ الوُجُوبِ عَلى مُفْلِس لَا آبِقٌ وإِنْ رُجِيَ، أَو دَيْن لم يُرْج.
(١) وقوله: لا بدين كفارة أو هدي؛ يريد به - والله تعالى أعلم - أن زكاة العين لا تسقط عن مالكها بدين كفارة وجبت عليه؛ لقتل خطأ أوظهار أو فطر في رمضان، أو هدي وجب لتمتع أو قران، أو لترك واجب من واجبات الحج أو العمرة. قالوا: والفرق بين دين الكفارة ودين الزكاة هو أن الزكاة يطلبها الإمام ويأخذها كرهًا بخلاف الكفارة. وذكروا عن اللخمي أنه قال: إنما يقتضيه المذهب أن الكفارة مما يجبر المرء على إخراجه، ولا يوكل لأمانه، لأن هذا هو الأصل في حقوق الله في الأموال، وإذن فلا فرق بين الكفارة والزكاة، وكل من لم يؤد زكاته أو وجبت عليه كفارة أو هدي، وامتنع من أداء ذلك، وجب عليه جبره. انظر جواهر الإكليل. والله تعالى أعلم بمستنده في ذلك. وليس هو مما التزمت القيام به.
وأعتذر عن التعرض لحل ألفاظ المختصر، فيما دخل فيه من مسائل بمحض الاجتهاد، في زكاة الحبوب والعين لأنه يخرج بنا عن المقصود، وقد تعرض الشراح لحل ألفاظ المختصر فيه، فلا داعي للتورط به، وقد يقال: فما بالك تعرضت لحل ألفاظ المختصر في الاجتهاديات في الصلاة؛ كالسهو ومسائله، وقضاء الفائتة؟. فالجواب: إن تلك المسائل ليست في الاحتياج إلى معرفتها مثل هذه، فالصلاة من اللوازم اليومية. والله الموفق.
стр. 417
وإِنْ وُهِبَ الدَّيْنُ أَو مَا يُجْعَلُ فِيهِ، وَلَمْ يَحِلَّ حَوْلُهُ، أَوْ مَرَّ - لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسَهُ بِستِّينَ دِينَارًا ثَلَاثَ سَنِينَ حَوْلٌ فَلَا زَكَاةَ. ومَدِينُ مِائةٍ له مِائةٌ مُحَرَّمِيَّةٌ ومائةٌ رَجَبيَّةٌ، يزَكِّى الأولَى. وزُكِّيَتْ عَيْنٌ وقِّفَتْ لِلسَّلَفِ كنَبَاتٍ وَحَيَوانٍ أَو نَسْلِه عَلى مَسَاجِدَ أَوْ غَيْر مُعَيَّنِينَ كَعَلَيْهِمْ إِنْ تَوَلَّى الْمَالِك تَفْرقَتَهُ، وإِلَّا إِن حَصَلَ لِكُلٍّ نِصَابٌ، وفي إِلْحَاقِ وَلَدِ فُلَانٍ بالْمُعَيَّنينَ أَوْ غَيْرِهِمْ قوْلَان، وإِنَّمَا يُزَكَّى مَعْدِنُ عَيْنٍ (١)، وحُكْمُهُ لِلإِمَامِ وَلَوْ بأَرْضِ مُعَيَّنٍ إِلا مَمْلُوكَةٍ لِمَصَالِحَ فَلَهُ، وَضُمَّ بَقِيةُ عِرقِهِ وإِن تَراخَى الْعَمَلُ، لَا مَعَادِنُ ولا عِرْقٌ آخَرُ، وفِي ضَمِّ فائدَةٍ
(١) وقوله: وإنما يزكَّى مَعْدِنُ عين؛ هو في زكاة المعدن، وهذا ما تيسر من أدلة زكاة ذلك، علمًا بأنه تقدم الكلام عليه عند زكاة النقدين.
قال البغوي في شرح السنة: باب الركاز والمعدن، ثم أخرج بسنده عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْبِئْر جُبَارٌ، وَالْمَعْدِن جُبَارٌ، وَفي الركَازِ الْخُمُسُ"، قال البغوي: هذا حديث متفق عليه، وهو في الموطإ أيضًا.
وقوله: جبار؛ أي هدر. والمراد بذلك ما أتلفت البهيمة من الأشياء، إذا لم يكن المالك معها وكان نهارًا، فلا ضمان على صاحبها، ومن استأجر رجلًا لحفر بئر أو معدن فانهار عليه فلا ضمان.
стр. 418
حَالَ حَوْلُهَا، وتَعُلُّق الْوُجُوبِ بإِخْرَاجِه أَو تصفيته تَرَدُّدٌ، وجاز دفعه بِأُجْرِة غَيْرِ نَقْدٍ عَلى أَنَّ المخرجَ لِلْمَدْفُوعِ له، واعْتُبِرَ مِلْك كُلٍّ، وَفِي بِجزءٍ كالقِراضِ قَوْلَانِ، وفي ندْرَتهِ الخُمسُ كَالرِّكَازِ (١)، وهُوَ مَدْفُونُ جَاهِلِي وإن بِشَكٍّ أَو قَلَّ أَو عَرْضًا أَو وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، إِلَّا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ أَوْ عَمَلٍ فِي تَخْلِيصِهِ فَقَطْ، فالزكاةُ. وكُرِهَ حَفْرُ قَبْرهِ والطلبِ فيهِ وبَاقِيهِ لِمَالِكَ الأرْضِ ولَوْ جَيْشًا وإِلا فلِوَاجِدِهِ، وإِلا دِفْنُ الصَالحينَ فَلَهُمْ، إِلَا أَن يَجِدَهُ ربُ دَارٍ بها فَلَهُ، وَدِفْنُ مسلم أَو ذميٍّ لُقطَةٌ، وما لفظه البَحْرُ كَعَنْبَرٍ فلِوَاجِدِه بلا تَخْمِيسٍ.
(١) قال البغوي: والركاز اسم للمال المدفون في الأرض. والمعدن اسم للمخلوق في الأرض. وقد يقع اسم الركاز عليهما جميعًا من حيث أن المدفون ركزه صاحبه في الأرض، والمخلوق ركزه الله في الأرض. ا. هـ.
وأخرج البغوي أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ النبي ﷺ قال في كنز وجده رجل في خربة جاهلية: "إنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ أَو سَبِيل مَيْتَاءٍ فَعَرِّفْهُ، وإِنْ وَجَدْتَهُ فِي خَرِبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الركَازِ الْخُمُسُ". وهذا الحديث أخرجه الشافعي وأخرجه أبو داود في اللقطة، وأخرجه أبو عبيد في الأموال، وأخرجه أحمد، وأخرجه البيهقي. وسنده حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
في البغوي أيضًا بسنده عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله ﷺ أقطع لبلال بن الحارث المزني معادِن القَبَلية وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. ا. هـ. وهذا الحديث في الموطإ؛ باب الزكاة في المعدن. وأخرجه أبو داود. وأخرجه أبو عبيد في الآموال.
قال عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي في المستخرج من الأرض: المعدن إن كان ذهبًا أو فضة بجب فيه ربع العشر، بعد أن يكون نصابًا، ولا يشترط فيه الحول؛ كالزرع تؤخذ منه الزكاة حين يحصد، ولم يجب الخمس لكثرة مؤونته. =
стр. 419
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وفي رواية أخرى للشافعي وهي المذهب عند أبي حنيفة: يجب من المستخرج من المعدن الخمس كالركاز. وبه يقول إسحاق. ا. هـ.
وقال البيهقي: باب من قال: لا شيء في المعدن حتى يكون نصابًا، ثم ساق سندًا بلغ به جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله ﷺ ، أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من ركنه الأيسر فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته. فقال رسول الله ﷺ : "يَأْتي أحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِك فَيَقُول: هذِهِ صَدَقَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِف النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً". قال البيهقي: فيحتمل أن يكون إنما امتنع من أخذ الواجب منها لكونها ناقصة عن النصاب، ويحتمل غيره. ا. هـ.
ثم قال: باب من قال لا شيء فيه حتى يحول عليه الحول من يوم استفاده، وقال: هذا قول مذكور في مختصر البويطي والربيع وابن أبي الجارود، منصوص عليه في رواية أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي البغدادي عن الشافعي واحتج بحديث مالك في المعادن القبلية، وقد ذكرناه.
قال: وروى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري أن النبي ﷺ أتي بخمس أواق من معدن فلم يأخذ منها شيئًا، وهذا خلاف رواية عبد الله بن سعيد، قال: وهذا الحديث قد أخبرناه موصولًا أبو بكر بن الحارث الفقيه، ثم ساق سندًا، بلغ به ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة أن رجلًا جاء بخمس أواق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت هذا من معدن فخذ منه الزكاة. قال: "لَا شَئَ فِيهِ". ورده إليه. ا. هـ. منه.
وقال البيهقي: باب ما روي عن علي ﵁ في الركاز؛ أخبرنا أبو زكريا ثم ساق سندًا بلغ به الشعبي قال: جاء رجل إلى علي رضي اله عنه فقال: إني وجدت ألفًا وخمسمائة درهم في خربة في السواد. فقال علي ﵁: أما لأقضين فيها قضاء بينًا: إن كنت وجدتها في قرية تؤدي خراجها قرية أخرى فهي لأهل تلك القرية، وإن كنت وجدتها في قرية ليست تؤدي خراجها قرية أخرى فلك أربعة أخماسه ولنا الخمس ثم الخمس لك. قال الشافعي: قد رووا عن علي ﵁ بإسناد =
стр. 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك، واقسم الخمس في فقراء أهلك. هذا الحديث أشبه بعلي ﵁ والله أعلم.
قال البيهقي: هو كما قال فقد روى سعيد بن منصور المكي في كتابه عن ابن عيينة عن عبد الله بن بشير الخثعمي عن رجل من قومه يقال له حممه قال: سقطت عليَّ جرة من دير قديم بالكوفة فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي ﵁، فقال: اقسمها خمسة أخماس. فقسمتها، فأخذ منها علي ﵁ خمسًا وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟. قلت: نعم. قال: خذها فاقسمها بينهم. ثم قال: وأخبر الشريف أبو الفتح: أنبأ أبو القاسم عبيد الله محمد السقطي بمكة، ثنا أبو جعفر محمد بن يحيى بن عمر بن علي بن حرب، ثنا علي بن حرب، ثنا سفيان عن عبد الله بن بشير الخثعمي عن رجل من قومه أن رجلًا سقطت عليه جرة من دير بالكوفة، فأتى بها عليًا ﵁ فقال: اقسمها أخماسًا. ثم قال: خذ منها أَرْبَعَةَ أخماس ودع واحدًا. ثم قال: في حيك فقراء ومساكين؟. قال: نعم. قال: خذها فاقسمها فيهم.
стр. 421
مصرف الزكاة
وَمَصْرِفُهَا فَقِيرٌ وَمِسْكينٌ وَهُوَ أَحْوَجُ (١) وصُدِّقَا إِلًا لِريبَةٍ (٢) إِنْ أَسْلَمَ وَتَحَرَّرَ وعَدِمَ كِفَايَةً بِقَلِيلٍ أَوْ إِنْفَاقٍ أَو صَنْعَةٍ، وعَدِمَ بُنُوَّةً لِهَاشِم، (٣) لَا المُطَّلَبِ كَحَسَبٍ
(١) وقوله: ومصرفها فقير ومسكين؛ روي عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: اعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : "إِن اللهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فجزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أجْزَاء، فَإِنْ كنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ". ا. هـ. البغوي في شرح السنة.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وَهُوَ ضَعِيفٌ. إلا أن معناه صحيح موافق لآية التوبة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) فهؤلاء الثمانية هم أهل الصدقة الذين ذكرهم الله في كتابه؛ وأول هؤلاء الفقير والمسكين، فإن لكل واحد منهما سهمًا من الصدقة، واختلف العلماء فيهما؛ فقال ابن عباس: المسكين، الطواف، وقال: مجاهد وعكرمة والزهري: المسكين، الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل. وقال قتادة: المسكين الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج. وقال الشافعي: الفقير، الذي لا مال له، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه، سائلًا كان أو غير سائل، فالمسكين عنده أحسن حالًا من الفقير لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٢) فقد أثبت لهم ملك السفينة مع اسم المسكنة.
وذهب قوم إلى أن المسكين أحوج من الفقير، وهو المذهب عند أصحابنا. قال في المختصر: وهو أحوج. أي والمسكين أحوج من الفقير، قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣) قال ابن جزي الكلبي: أي ذا حاجة. يقال تَرِبَ الرجل إذا افتقر. وهو مأخوذ من التصاقه بالأرض. وروي عن النبي ﷺ : أنه الذي مأواه المزابل. ا. هـ. منه.
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ألا ترى إلى حديث أبي هريرة المتفق عليه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْس الْمِسْكِين بِهذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتمْرَتَانِ". قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟. قال: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى فَيُغْنِيَهُ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْألَ النَّاسَ".
وله في رواية أخرى متفق عليها أيضًا: "إِنمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجَدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ويَسْتَحْيِ أَنْ يَسْألَ النَّاسَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ".
وروي عن عبد الله بن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم، والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى نفسه وثيابه، لا يقدر على شيء: "يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهمْ، لَا يَسْألُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا" (١) فذلك الفقير.
(٢) وقوله: وصُدِّقا إلا لريبة؛ أي صدقا فيما يدعيانه من الفقر والمسكنة اللذين تستحق بهما الصدقة، إلا إذا ظهر عليهما ما يريب في دعواهما. ولعل ذلك التصديق إلا لريبة، لدليل قوله ﷺ من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ فسألاه من الصدقة، فصعَّد فيهما وصوب، فقال: "إِنْ شِئْتُمَا أَعطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ". وهذا الحديث إسناده صحيح، وهو في البغوي وأبي داود، والنسائي، وعبد الرزاق.
ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : "إِنْ شِئْتمَا أَعطَيْتُكُمَا". وقوله: إن أسلم وتحرر قال ابن المترجم كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذميَّ لا يعطى من زكاهَ الأموال شيئًا لقوله ﷺ "تُؤْخَذُ مِنْ أموالِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فقَرَائِهِمْ". ا. هـ. ابن قدامة. وأما المملوك فلأن نفقته واجبة على سيده.
(٣) وقوله: وعدم بنوه لهاشم؛ دليله حديث شعبة عن محمد بن زياد: سمعت أبا هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال له رسول الله ﷺ : "كِخْ، أَلْقِهَا، أَمَا شَعرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ"؟. متفق عليه، وقد صح عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث عن النبي ﷺ قال: "إِن هذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوسَاخُ النَّاسِ، وإنَّهَا لَا تَحِل لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ محَمدٍ".
هو في شرح السنة، وأخرجه مسلم في صحيحه. ا. هـ. وقوله: لا المطلب، لأنهم ليسوا من آل محمد ﷺ ويشملهم عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢). ولا يصح قياسهم=
стр. 423
على عَدِيمٍ، وَجَازَ لمَوْلَاهُمْ (١)، وقَادِرٍ عَلَى الكَسْبِ (٢)، ومالك نِصَابٍ، ودَفْعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وكِفَايَةِ سَنَةٍ (٣)، وفي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينِ ثُمَّ أَخْذِهَا، تَرَدُّدٌ، وَجَابٍ وَمُفَرِّقٌ حُرٌّ عَدْلٌ عَالِمٌ بِحُكْمِهَا غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَكَافِرٍ، وإِنْ غَنِيًّا، وبُديء
في ذلك على بني هاشم؛ لأن أولئك أخرجهم من العموم دليل منفصل هو قوله ﷺ : "إنَّمَا هِي أَوْسَاخُ النَّاسِ وإنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ" ولأنهم في القرابة إليه ﷺ ليسوا سواءًا، وأما من احتج بمشاركة بني المطلب لبني هاشم في خمس الخمس، فالجواب أنهم لم يستحقوا ذلك بالقرابة منه ﷺ بدليل أنهم وبني نوفل وبي عبد شمس سواء في القرابة منه نسبًا ﷺ ، وإنما استحق بنو المطلب ذلك دون عبد شمس ونوفل، لما قاموا به من مناصرة رسول الله ﷺ ومشاركتهم بني هاشم محنتهم. ا. هـ.
(١) وقوله: وجاز لمولاهم؛ هذا المذهب عند أصحابنا، قال ابن قدامة: وعليه أكثر العلماء. قالوا: لأنهم ليسوا قرابة النبي ﷺ فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس، ولأنهم لا حظ لهم في خمس الخمس.
قلت: وهذا وجيه جدًّا لولا أنه اجتهاد في محل النص فهو فاسد الاعتبار، مردود على صاحبه.
قال في مراقي السعود.
والخلفَ للنص أو اجماع دعا … فساد الاعتبار كل من وعى
فإذا تقرر ذلك، فاعلم أنه روى أبو رافع أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: لا، حتى آتي رسول الله ﷺ فأساله. فانطلق إلى النبي ﷺ فسأله فقال: "إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وإِنَّ مَوَاليَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ". أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ولأن ولاءهم لبني هاشم، فهم بمنزلة القرابة، لقول رسول الله ﷺ : "الوَلَاءُ لُحْمَةَ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ". والله تعالى الموفق.
(٢) وقوله: وقادر على الكسب؛ هو عطف على الجواز، والظاهر أنه بشرط أن يضم إلى الكسبِ الكسبَ، لأن الرجل قد يكون ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له، فتحل له الزكاة، فإذا رأى الإمام السائل جلدًا قويًا وشك في أمره، أنذره وأخبره؛ كما فعل رسول الله ﷺ مع الرجلين؛ قال عبيد الله بن عدي بن الخبار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ فسألاه من الصدقة … الحديث، وقد تقدم =
стр. 424
بهِ، وأخَذ الَفقِيرُ بِوَصفيْهِ (١)، ولا يُعْطَى حَارِسُ الفِطْرَةِ منهَا، ومُؤَلَّفٌ كَافِرٌ لِيُسْلِمَ وحُكْمُهُ بَاقٍ (٢)، ورقيقٌ مُؤمنٌ وَلَوْ بِعَيْبٍ يُعْتَقُ منهَا، لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ
= عند الكلام على قول المؤلف: وصدِّقا إلا لريبة. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن القادر على الكسب لا تحل له الصدقة لقوله ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرةٍ سَوِيٍّ". والمرة. القوة. وأصلها من شدة فتل الحبل. ا. هـ.
(٣) وقوله: ومالك نصاب ودفع أكثر منه وكفاية سنة. قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن الزكاة لا تحل للأغنياء إلا لخمسة استثناهم رسول الله ﷺ . واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة؛ فذهب قوم إلى أنه من ملك خمسين درهمًا أو عدلها من الذهب، وذلك تمسكًا بظاهر قوله ﷺ : "مَنْ سَأَل مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقيَّةٌ أو عَدْلُها فَقَدْ سَأل إِلْحَافًا". ولحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَألَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْألَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أوْ خذوشٌ أوْ كُدُوحٌ" قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟. قال: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ". وبهذا قال سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق. قالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، للحديث. وذهب الأكثرون إلى أن حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله، وهو قول مالك والشافعي، قالوا: قد يكون الرجل غنيًا بالدرهم مع كسب، ولا يكون غنيًا بألف لضعفه في نفسه ولكثرة عياله. كذلك قالوا: يجوز أن يعطى الفقير من الصدقة إلى أن يزول عنه اسم الفقر والحاجة من غير تحديد. ا. هـ. منه. بتصرف.
(١) وقوله: وجاب ومفرق ألخ. هذا هو الصنف الثالث من الثمانية الذين قسم القرآن عليهم الزكاة؛ وهو صنف العاملين عليها، فللعامل على الصدقة من الصدقة أجر مثل عمله؛ فقيرًا كان أو غنيًا. روي عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن السعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت أمر لي بعُمالة فقلت: إنما عملت لله. فقال: خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعمَّلني، أي أعطاني العُمالة. هذا الحق للعامل الذي يتولى أخذ الصدقات وتفرقتها. لا للإِمام ولا للوالي لأنهما لا يليان أخذها؛ لقد شرب عمر بن الخطاب لبنًا يومًا فأعجبه، فأخبر أنه من نعم الصدقة، فأدخل إصبعه فاستقاءه. ا. هـ. =
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيه: إذا تولى، لرجل إخراج زكاته بنفسه، سقط منها حق العامل، لأنه إنما يأخذ أجرًا عن عمله، فإذا لم يعمل فيها شيئًا فلا حق له منها، إلا بوصف آخر غير العمالة، كأن يكون فقيرًا أو مسكينًا مثلًا. ا. هـ
تنبيه: أربعة أصناف من الثمانية يأخذون الزكاة أخذًا مستقرًا، بمعنى أنهم لا يراعى حالهم بعد الدفع، فمتى أخذوها ملكوها ملكًا دائمًا مستقرًا لا يجب عليهم ردها بحال من الأحوال وهم: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، وأربعة منهم يأخذونها أخذًا مراعًى، فإن صرفوها فيما استحقوا الأخذ من أجله وإلا استرجع منهم، وهم: الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل. قاله ابن قدامة، انظر تعليله لذلك فيه.
(٢) وقوله: ومؤلف كافر ليسلم ألخ. قال البغوي: الصنف الرابع المؤلفة قلولهم. وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار، فأما المسلمون منهم فقسمان: قسم دخلوا في الإِسلام ونيتهم ضعيفة، يريد الإمام أن يعطيهم مالًا تَألفًا لهم؛ كما أعطى النبي ﷺ عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، أو تكون نيتهم قوية في الإِسلام وهم شرفاء في قومهم، ويريد الإمام أن يعطيهم ترغيبًا لأمثالهم في الإِسلام كما أعطى النبي ﷺ عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فهذا واسع، فللإمام أن يفعل فيه ما يريد على أن يكون من خمس الخمس، أما الكفار من المؤلفة، وهم من يخشى شرهم منهم، أو يرجى إسلامه، فقد كان النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية من خمس الخمس، لما يرى من ميله إلى الإسلام ترغيبًا له فيه. واختلف العلماء في إعطاء المشرك سهم المؤلفة؛ فقال كثير من أهل العلم: ساقط سهم المؤلفة اليوم. وهو رأي أصحابنا. وهو مروي عن الشعبي والثوري وأصحاب الرأي. قالت طائفة أخرى: سهمهم ثابت وهو قول الحسن البصري. وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. ا. هـ