← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مصرف الزكاة وَمَصْرِفُهَا فَقِيرٌ وَمِسْكينٌ وَهُوَ أَحْوَجُ (١) وصُدِّقَا إِلًا لِريبَةٍ (٢) إِنْ أَسْلَمَ وَتَحَرَّرَ وعَدِمَ كِفَايَةً بِقَلِيلٍ أَوْ إِنْفَاقٍ أَو صَنْعَةٍ، وعَدِمَ بُنُوَّةً لِهَاشِم، (٣) لَا المُطَّلَبِ كَحَسَبٍ (١) وقوله: ومصرفها فقير ومسكين؛ روي عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: اعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ : "إِن اللهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فجزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أجْزَاء، فَإِنْ كنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ". ا. هـ. البغوي في شرح السنة. وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وَهُوَ ضَعِيفٌ. إلا أن معناه صحيح موافق لآية التوبة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) فهؤلاء الثمانية هم أهل الصدقة الذين ذكرهم الله في كتابه؛ وأول هؤلاء الفقير والمسكين، فإن لكل واحد منهما سهمًا من الصدقة، واختلف العلماء فيهما؛ فقال ابن عباس: المسكين، الطواف، وقال: مجاهد وعكرمة والزهري: المسكين، الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل. وقال قتادة: المسكين الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج. وقال الشافعي: الفقير، الذي لا مال له، والمسكين من له مال أو حرفة لا تغنيه، سائلًا كان أو غير سائل، فالمسكين عنده أحسن حالًا من الفقير لأن الله تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (٢) فقد أثبت لهم ملك السفينة مع اسم المسكنة. وذهب قوم إلى أن المسكين أحوج من الفقير، وهو المذهب عند أصحابنا. قال في المختصر: وهو أحوج. أي والمسكين أحوج من الفقير، قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣) قال ابن جزي الكلبي: أي ذا حاجة. يقال تَرِبَ الرجل إذا افتقر. وهو مأخوذ من التصاقه بالأرض. وروي عن النبي ﷺ : أنه الذي مأواه المزابل. ا. هـ. منه.

стр. 422

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ألا ترى إلى حديث أبي هريرة المتفق عليه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْس الْمِسْكِين بِهذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتمْرَتَانِ". قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟. قال: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى فَيُغْنِيَهُ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْألَ النَّاسَ". وله في رواية أخرى متفق عليها أيضًا: "إِنمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجَدُ غِنًى يُغْنِيهِ، ويَسْتَحْيِ أَنْ يَسْألَ النَّاسَ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ". وروي عن عبد الله بن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم، والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى نفسه وثيابه، لا يقدر على شيء: "يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهمْ، لَا يَسْألُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا" (١) فذلك الفقير. (٢) وقوله: وصُدِّقا إلا لريبة؛ أي صدقا فيما يدعيانه من الفقر والمسكنة اللذين تستحق بهما الصدقة، إلا إذا ظهر عليهما ما يريب في دعواهما. ولعل ذلك التصديق إلا لريبة، لدليل قوله ﷺ من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ فسألاه من الصدقة، فصعَّد فيهما وصوب، فقال: "إِنْ شِئْتُمَا أَعطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي قُوَّةٍ مُكْتَسِبٍ". وهذا الحديث إسناده صحيح، وهو في البغوي وأبي داود، والنسائي، وعبد الرزاق. ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : "إِنْ شِئْتمَا أَعطَيْتُكُمَا". وقوله: إن أسلم وتحرر قال ابن المترجم كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذميَّ لا يعطى من زكاهَ الأموال شيئًا لقوله ﷺ "تُؤْخَذُ مِنْ أموالِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فقَرَائِهِمْ". ا. هـ. ابن قدامة. وأما المملوك فلأن نفقته واجبة على سيده. (٣) وقوله: وعدم بنوه لهاشم؛ دليله حديث شعبة عن محمد بن زياد: سمعت أبا هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال له رسول الله ﷺ : "كِخْ، أَلْقِهَا، أَمَا شَعرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ"؟. متفق عليه، وقد صح عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث عن النبي ﷺ قال: "إِن هذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوسَاخُ النَّاسِ، وإنَّهَا لَا تَحِل لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ محَمدٍ". هو في شرح السنة، وأخرجه مسلم في صحيحه. ا. هـ. وقوله: لا المطلب، لأنهم ليسوا من آل محمد ﷺ ويشملهم عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢). ولا يصح قياسهم=

стр. 423

على عَدِيمٍ، وَجَازَ لمَوْلَاهُمْ (١)، وقَادِرٍ عَلَى الكَسْبِ (٢)، ومالك نِصَابٍ، ودَفْعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وكِفَايَةِ سَنَةٍ (٣)، وفي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينِ ثُمَّ أَخْذِهَا، تَرَدُّدٌ، وَجَابٍ وَمُفَرِّقٌ حُرٌّ عَدْلٌ عَالِمٌ بِحُكْمِهَا غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَكَافِرٍ، وإِنْ غَنِيًّا، وبُديء في ذلك على بني هاشم؛ لأن أولئك أخرجهم من العموم دليل منفصل هو قوله ﷺ : "إنَّمَا هِي أَوْسَاخُ النَّاسِ وإنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ" ولأنهم في القرابة إليه ﷺ ليسوا سواءًا، وأما من احتج بمشاركة بني المطلب لبني هاشم في خمس الخمس، فالجواب أنهم لم يستحقوا ذلك بالقرابة منه ﷺ بدليل أنهم وبني نوفل وبي عبد شمس سواء في القرابة منه نسبًا ﷺ ، وإنما استحق بنو المطلب ذلك دون عبد شمس ونوفل، لما قاموا به من مناصرة رسول الله ﷺ ومشاركتهم بني هاشم محنتهم. ا. هـ. (١) وقوله: وجاز لمولاهم؛ هذا المذهب عند أصحابنا، قال ابن قدامة: وعليه أكثر العلماء. قالوا: لأنهم ليسوا قرابة النبي ﷺ فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس، ولأنهم لا حظ لهم في خمس الخمس. قلت: وهذا وجيه جدًّا لولا أنه اجتهاد في محل النص فهو فاسد الاعتبار، مردود على صاحبه. قال في مراقي السعود. والخلفَ للنص أو اجماع دعا … فساد الاعتبار كل من وعى فإذا تقرر ذلك، فاعلم أنه روى أبو رافع أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: لا، حتى آتي رسول الله ﷺ فأساله. فانطلق إلى النبي ﷺ فسأله فقال: "إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وإِنَّ مَوَاليَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ". أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ولأن ولاءهم لبني هاشم، فهم بمنزلة القرابة، لقول رسول الله ﷺ : "الوَلَاءُ لُحْمَةَ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ". والله تعالى الموفق. (٢) وقوله: وقادر على الكسب؛ هو عطف على الجواز، والظاهر أنه بشرط أن يضم إلى الكسبِ الكسبَ، لأن الرجل قد يكون ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له، فتحل له الزكاة، فإذا رأى الإمام السائل جلدًا قويًا وشك في أمره، أنذره وأخبره؛ كما فعل رسول الله ﷺ مع الرجلين؛ قال عبيد الله بن عدي بن الخبار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله ﷺ فسألاه من الصدقة … الحديث، وقد تقدم =

стр. 424

بهِ، وأخَذ الَفقِيرُ بِوَصفيْهِ (١)، ولا يُعْطَى حَارِسُ الفِطْرَةِ منهَا، ومُؤَلَّفٌ كَافِرٌ لِيُسْلِمَ وحُكْمُهُ بَاقٍ (٢)، ورقيقٌ مُؤمنٌ وَلَوْ بِعَيْبٍ يُعْتَقُ منهَا، لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ = عند الكلام على قول المؤلف: وصدِّقا إلا لريبة. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن القادر على الكسب لا تحل له الصدقة لقوله ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَة لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرةٍ سَوِيٍّ". والمرة. القوة. وأصلها من شدة فتل الحبل. ا. هـ. (٣) وقوله: ومالك نصاب ودفع أكثر منه وكفاية سنة. قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن الزكاة لا تحل للأغنياء إلا لخمسة استثناهم رسول الله ﷺ . واختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة؛ فذهب قوم إلى أنه من ملك خمسين درهمًا أو عدلها من الذهب، وذلك تمسكًا بظاهر قوله ﷺ : "مَنْ سَأَل مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقيَّةٌ أو عَدْلُها فَقَدْ سَأل إِلْحَافًا". ولحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَألَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْألَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أوْ خذوشٌ أوْ كُدُوحٌ" قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟. قال: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ". وبهذا قال سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق. قالوا: لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين، للحديث. وذهب الأكثرون إلى أن حده أن يكون عنده ما يكفيه وعياله، وهو قول مالك والشافعي، قالوا: قد يكون الرجل غنيًا بالدرهم مع كسب، ولا يكون غنيًا بألف لضعفه في نفسه ولكثرة عياله. كذلك قالوا: يجوز أن يعطى الفقير من الصدقة إلى أن يزول عنه اسم الفقر والحاجة من غير تحديد. ا. هـ. منه. بتصرف. (١) وقوله: وجاب ومفرق ألخ. هذا هو الصنف الثالث من الثمانية الذين قسم القرآن عليهم الزكاة؛ وهو صنف العاملين عليها، فللعامل على الصدقة من الصدقة أجر مثل عمله؛ فقيرًا كان أو غنيًا. روي عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن السعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت أمر لي بعُمالة فقلت: إنما عملت لله. فقال: خذ ما أعطيت، فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ فعمَّلني، أي أعطاني العُمالة. هذا الحق للعامل الذي يتولى أخذ الصدقات وتفرقتها. لا للإِمام ولا للوالي لأنهما لا يليان أخذها؛ لقد شرب عمر بن الخطاب لبنًا يومًا فأعجبه، فأخبر أنه من نعم الصدقة، فأدخل إصبعه فاستقاءه. ا. هـ. =

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تنبيه: إذا تولى، لرجل إخراج زكاته بنفسه، سقط منها حق العامل، لأنه إنما يأخذ أجرًا عن عمله، فإذا لم يعمل فيها شيئًا فلا حق له منها، إلا بوصف آخر غير العمالة، كأن يكون فقيرًا أو مسكينًا مثلًا. ا. هـ تنبيه: أربعة أصناف من الثمانية يأخذون الزكاة أخذًا مستقرًا، بمعنى أنهم لا يراعى حالهم بعد الدفع، فمتى أخذوها ملكوها ملكًا دائمًا مستقرًا لا يجب عليهم ردها بحال من الأحوال وهم: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم، وأربعة منهم يأخذونها أخذًا مراعًى، فإن صرفوها فيما استحقوا الأخذ من أجله وإلا استرجع منهم، وهم: الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل. قاله ابن قدامة، انظر تعليله لذلك فيه. (٢) وقوله: ومؤلف كافر ليسلم ألخ. قال البغوي: الصنف الرابع المؤلفة قلولهم. وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار، فأما المسلمون منهم فقسمان: قسم دخلوا في الإِسلام ونيتهم ضعيفة، يريد الإمام أن يعطيهم مالًا تَألفًا لهم؛ كما أعطى النبي ﷺ عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، أو تكون نيتهم قوية في الإِسلام وهم شرفاء في قومهم، ويريد الإمام أن يعطيهم ترغيبًا لأمثالهم في الإِسلام كما أعطى النبي ﷺ عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فهذا واسع، فللإمام أن يفعل فيه ما يريد على أن يكون من خمس الخمس، أما الكفار من المؤلفة، وهم من يخشى شرهم منهم، أو يرجى إسلامه، فقد كان النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية من خمس الخمس، لما يرى من ميله إلى الإسلام ترغيبًا له فيه. واختلف العلماء في إعطاء المشرك سهم المؤلفة؛ فقال كثير من أهل العلم: ساقط سهم المؤلفة اليوم. وهو رأي أصحابنا. وهو مروي عن الشعبي والثوري وأصحاب الرأي. قالت طائفة أخرى: سهمهم ثابت وهو قول الحسن البصري. وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. ا. هـ

стр. 426

فِيهِ (١)، وَوَلاؤهُ للمُسْلِمِينَ وَإِن اشترطَهُ له، أَوْ فَكَّ أَسيرًا لم يُجْزِهِ، ومَدِينٌ ولَوْ مَاتَ، يُحْبَسُ فيه (٢)، لَا في فَسَادٍ، ولا لأخْذِهَا إِلَّا أَنْ يَتُوبَ عَلَى الْأحْسَنِ إِنْ أَعْطَى مَا بِيَدِهِ مِنْ عَيْنٍ وَفَضْلِ غَيْرِهَا، ومُجَاهِدٌ وآلتُهُ ولَوْ غَنِيًّا كَجَاسُوسٍ (٣) لَا سُورٍ وَمَرْكَبٍ، وغَرِيبٌ مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصَّلُه فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ (٤) ولم يَجِدْ مُسَلِّفًا وهو مَلِيٌّ بِبَلَدِهِ وصُدِّقَ، وإِنْ جَلَسَ نُزِعَتْ مِنْهُ كغَازٍ، وفي غَارِمٍ (١) وقوله: ورقيق مؤمن ولو بعيب يعتق منها، هو الصنف الخامس، وهم المكاتبون لهم سهم في الصدقة، ولا يعطون أكثر مما يحصل لهم بأدائه العتق. والمذهب عندنا أنه يجوز شراء عبيد للعتق بسهم أهل الصنف الخامس المذكور في الآية بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فلم يخصصها مالك بالمكاتبين. (٢) وقوله: ومدين ولو مات يحبس فيه؛ هو القسم السادس؛ وهم الغارمون، وقسِّم هؤلاء إلى قسمين: قسم ادَّانوا لأنفسهم فإنهم يعطون من الصدقة إذا لم يكن لهم من المال ما يفي بديونهم، وقسم ادَّانوا في إصلاح ذات البين، فإنهم يعطون ولو كانوا أغنياء. (٣) وقوله: ومجاهد وآلته ولو غنيًا كجاسوس، هو الصنف السابع، سهم سبيل الله؛ قال أهل العلم: هم الغزاة فإنهم إذا أرادوا الخروج إلى الغزو يعطون ما يستعينون به؛ من الحمولة والسلاح والنفقة والكسوة وإن كانوا أغنياء. قال البغوي: ولا يجوز صرف شيء من الزكاة إلى الحج عند أكثر أهل العلم. وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من زكاته في الحج. ومثله عن ابن عمر، وهو قول الحسن، وبه قال أحمد وإسحاق. روي عن ابن سيرين أنه قال: أوصى إليَّ رجل بماله أن أجعله في سبيل الله، فسألت ابن عمر فقال: إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه. واحتجوا بما روي عن أم معقل قالت: يا رسول الله، إن عَلَيَّ حجة، وإن لأبي معقل بكرًا، قال أبو معقل: صدقت جعلته في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : "اعْطِهَا فَلتَحُجَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللهِ" =

стр. 427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فأعطاها. أخرجه أحمد. وأبو داود والنسائي، والزيلعي في نصب الراية. ويذكر عن أبي لاس الخزاعي - قيل اسمه زياد وقيل عبد الله بن عَنَمَة - بفتح العين والنون - قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل الصدقة للحج. وهذا الأثر علقه البخاري في صحيحه. وقال الحافظ: قد وصله أحمد وابن خزيمة والحاكم وغيره من طريقه، ولفظ أحمد: على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج، فقلنا يا رسول الله، ما نرى أن تحمل هذه، فقال: "إنَّمَا يَحْمِلُ اللهُ" الحديث ورجاله ثقات. ا. هـ. من التعليق على البغوي. وعن ابن عباس قال: يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج. وهذا الحديث أيضًا علقه البخاري، ووصله أبو عبيدة في الأموال ص ٥٦٦ من حديث حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس بلفظ: أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وأن يعتق من الرقبة. ورجاله ثقات. (٤) وقوله: وغريب محتاج لما يوصله في غير معصية؛ هو الصنف الثامن من أهل الزكاة الذين قسمتها الآية بينهم، وهم أبناءُ السبيل؛ فكل من يريد منهم سفرًا مباحًا يعطى إليه قدر ما يقطع تلك المسافة، إذا لم يكن له ما يقطع به المسافة، سواءًا كان مليئًا في بلده المنتقل إليه أولا، وإن كان له مال في بلد دون بلده أعطي بقدر ما يبلغ به ماله الذي في الطريق فقط. تنبيه: اختلف أهل العلم في جواز صرف الرجل جميع زكاته إلى صنف واحد من هذه الأصناف الثمانية مع وجود سائرها؛ فذهب عكرمة والشافعي إلى أن ذلك لا يجوز، وقال: يجب على الرجل أن يقسم سهم كل صنف من ماله على الموجودين منهم. وذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف أو إلى شخص واحد منهم جاز. روي ذلك عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطاء، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي وبه قال الإمام أحمد، واحتجوا بحديث سلمة ابن صخر في الظهار، حين قال له النبي ﷺ : "أَطعِمْ وِسْقًا مِنْ تَمْر بينَ سِتينَ مِسْكِينًا". قال: ما أملك. قال: "فَانْطَلِقْ الَي صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْكَ، فَأَطعِمْ سِتَينَ مِسْكِينًا وِسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَها". فهذا يدل على جواز وضعها في صنف واحد. =

стр. 428

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى من أهل الحاجة والفاقة، فإن رأى الحاجة في عام في الفقراء قدمهم، وإن رآها في ابن السبيل في عام آخر حولها إليهم. قال مالك: وعلى هذا أدركت من بأرضي من أهل العلم. ا. هـ. تنبيه: قال ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى المِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا". الحديث رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وهو في الموطإ والبغوي وأبي داود، وابن ماجه.

стр. 429

يَسْتَغْنِي تَرَدُّدٌ. ونُدِب إِيثَارُ المُضْطَرِّ دُونَ عُمُومِ الأَصْنَافِ، والاسْتِنَابَةُ (١) وقد تَجِبُ، وَكُرِهَ لَهُ حينَئذٍ تخصِيصُ قريبِهِ، وَهَلْ يُمْنَعُ إِعْطَاءُ زَوْجَةٍ زَوْجًا أَوْ يُكْرَهُ؟. تأْويلَانِ (٢). وَجَازَ إِخْراجُ ذهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وعَكْسُهُ (٣)، بِصَرْفِ وَقْتِهِ (١) وقوله: وندب إيثار المضطر دون عموم الأصناف؛ تقدم ذكر ذلك في التنبيه الأول، في الكلام على قول المؤلف: وغريب محتاج. وقوله: والاستنابة وقد تجب ألخ؛ هو لما في المدونة فقال: ما يعجبني أن يلي هو ذلك بالدفع إليهم، وما يعجبني لأحد أن يلي قسمة صدقته؛ لأن المحمدة تدخل فيه والثناء، وعمل السر أفضل، ولكني أرى أن ينظر رجلًا ممن يثق به، فيدفع إليه ذلك يقسمه، فإن رأى أن ذلك الرجل الذي من قرابته، الذي لا تلزمه نفقته، أهلًا لها أعطاه كما يعطي غيره، من غير أن يأمره بشيء من ذلك، ولكن يكون الرجل الذي دفع ذلك إليه ليفرقه هو الناظر في ذلك على وجه الاجتهاد. (٢) وقوله: وهل يمنع إعطاء زوجة زوجًا أو يكره تأويلان؛ قال في المدونة: قلت: أتعطي المرأة زوجها من زكاتها؟. قال: لا. قلت: أتحفظه عن مالك؟. قال: لا، وهذا أبين من أن أسأل مالكًا عنه. قلت: قول المؤلف عليه رحمة الله: وكره له حينئذ تخصيص قريبه، وهل يمنع إعطاء زوجة زوجًا أو يكره؛ أين هو بما أخرجه ابن خزبمة بسنده أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدّقَة، وَإنَّها عَلَى ذِي رَحِم اثْنَتَانِ؛ إنَّهَا صَدَقَة وَصِلَةَ". وهو في النسائي أيضًا من حديث حفصة، وإسناده حسن؟!. وأين هو كذلك مما أخرجه أيضًا ابن خزيمة: باب فضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح؟ ثم ساق سندًا وصل به أم كلثوم بنت عقبة. قالت: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَل الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ". وأيضًا فقد أخرج الشيخان والبغوي - واللفظ له - عن زينب امرأة عبد الله قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي ﷺ قال: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ". وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ : أيجزيءُ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟. فقال: سلي =

стр. 430

مُطلقًا بِقيمَةِ السِّكَة وَلَوْ في نَوْعٍ لَا صِيَاغَةٍ فيهِ، وَفي غَيْرِه تَرَدُّدٌ، لَا كَسْرُ مَسْكُوكٍ إِلَّا لِسَبْكٍ، وَوَجَبَ نِيَّتُها (١). وتَفرقَتُها بِمَوْضِع (٢) الْوُجُوبِ، أَو قُرْبِه = أنت رسول الله ﷺ . فانطلقت إلى النبي ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟. وقلنا: لا تخبره بنا. فدخل فسأله. فقال: "مَنْ هُمَا" قال: زينب. قال: "أَيُّ الزيَانِبِ"؟. قال: امرأة عبد الله. فقال: "نَعَمْ، لَهَا أجْرَانِ أَجْر الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". أخرجه البخاري في الزكاة: باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. وأخرجه مسلم في الزكاة: باب فضل النفقة على الأقربين، واستدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها الفقير. وهو مذهب الشافعي والثوري وأبي يوسف ومحمد، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد. وفي الحديث بيان أنها الصدقة الواجبة لقولها: أتجزئ عني؟. وبه جزم المازري. ا. هـ. فلم يبق إلا أن تحسن الظن بابن القاسم، أنه لم تبلغه هذه الأحاديث، وكذلك كل من يفتي بكراهة تخصيص القرابة بالصدقة، وبحرمة زكاة المرأة على زوجها الفقير. والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. (٣) وقوله: وجاز إخراج ذهب عن ورق وعكسه، قال في المدونة: وقال مالك بن أنس: من كانت له دنانير وجبت فيها الزكاة، فأراد أن يخرج ما وجب عليه من زكاة الدنانير دراهم بقيمتها فلا بأس. ا. هـ. (١) وقوله: ووجبت نيتها، هو لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الْأعْمَال بِالنِّيَّاتِ" الحديث. (٢) وقوله: وتفرقتها بموضع الوجوب ألخ؛ كره أهل العلم نقلها من محلها مع وجود المستحقين فيه، واتفقوا مع الكراهة على أنه إذا نقل وأدى سقط عنه الفرض. وقال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله: "فَتُرَد فِي فقَرَائِهِمْ". لأن الضمير فيه عائد على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث. ورجح رأي البخاري هذا ابن دقيق العيد، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الباب. والله الموفق.

стр. 431

إِلَّا لِأعْدَمَ فأَكثَرُهَا لَهُ بأُجْرَةٍ مِن الفَئِ، وإِلَّا بِيعَتْ واشْتُري مِثْلُهَا كَعَدَم مُسْتَحِقٍّ، وَقُدِّم لِيَصِلَ عِنْدَ الْحُلُولِ، وإِن قَدَّمَ مُعَشَرًا أَوْ دَيْنًا أَوْ عَرْضًا قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ نُقِلَتْ لِدُونهِمْ، أَوْ دُفِعَتْ بِاجْتِهَادٍ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ (١) وتَعَذَّرَ رَدُّهَا إِلَّا الإِمَام، أَوْ طَاعَ بِدَفْعِهَا لِجَائِرٍ فِي صَرْفِهَا. أَو بِقِيمَةٍ، لَمْ تُجِزْ، لَا إِنْ أُكْرهَ أَوْ نُقِلَتْ لِمِثْلِهِمْ أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ (٢) فِي عَيْنٍ وَمَاشِيةٍ، فإِنْ ضَاعَ المَقدَّمُ فَمِنَ (١) وقوله: أو دفعت باجتهاد لغير مستحق؛ هو عطف على عدم الإجزاء، وقد بني على شطر قاعدة خلافية، قال البغوي: اختلفوا فيمن أعطي من الزكاة على أنه فقير فبان غنيًا؛ روي عن الحسن البصري أنه أجازه، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز، وهو قول الثوري وابن يوسف وأظهر قولي الشافعي. ا. هـ. منه. قلت: هذا الخلاف مبني على القاعدة الخلافية: هل الواجب على الإنسان في الأمور أن يجتهد فيها، فيعمل بما أداه إليه اجتهاده، أو لابد من إصابته ما في نفس الأمر؟. وقد عقدها علي الزقاق في المنهج المنتخب بقوله: هل اجتهادٌ أو إصابةٌ تَجبْ … عَلَيْهِ قبلةَ كمسكين كذب إن لم يلي الوالي وإلَّا جَوزا … كَرَاعِفٍ وخَارِص ذِبْحٍ جزا وقوله عليه قبلة ألخ. أي يبنى على هذا الأصل القبلة؛ يجتهد فيها ثم يتبين خطؤه، هل تلزمه الإعادة؟. ومن حضر لديه مسكين يدعي أنه مصرف، فاجتهد في تحري أمره فظنه كما زعم، فدفع إليه زكاته ثم تبين كذبه، هل تجزئه تلك الزكاة أولا؟. وهذا بناءً على أنه هو الذي تولى تفرقة زكاته بنفسه. أما إذا كان الوالي هو الذي تولى تفرقة الزكاة، فلا خلاف في الإجزاء. ا. هـ (٢) وقوله: أو قدمت بكشهر؛ هو عطف على الإجزاء مع الكراهة، وهو مبني أيضًا على القاعدة الخلافية، وهي: إذا سبق الحكم شرطه، هل يعد ذلك مغتفرًا أولا؟. وعقدها في المنهج المنتخب بقوله:=

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هَلْ سَبْق حُكْم شَرْطه مُغْتَفَرُ … عَلَيْهِ مَنْ زكى وَمَنْ يُكَفِّرُ أي يبنى على هذا الأصل من زكَّى قبلَ الحول بيسير، هل تجزئه زكاته أولا؟. ومن يكفر بعد اليمين قبل الحنث. قلت والخلاف في تقديم الزكاة مطروق، قال البغوي: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز تقديم الزكاة قبل تمام الحول، منهم الزهري، والأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز التعجيل، ويعيد لو عجل. وهو قول الحسن ومذهب مالك. ا. هـ منه بتصرف. والأصل في هذا الخلاف أن الأوامر إما تعبدية وإما تعليلية؛ فما كان منها موقوتًا - وهو تعبدي - لا يجوز تقديمه عن وقته، ولا يجزىُ فعله قبل وقته، كالصلاة مثلًا، وما كان منه تعليلي جاز وأجزأ قبل وقته، لحصول المراد منه البين بفعله؛ كقضاء الدين قبل أجله ونحو ذلك. وما كان من هذه الأوامر متردد بين التعبدية والعلة اختلف فيه كالزكاة مثلًا، فمن اعتبرها أمر بها لسد خلة الفقير قال: هي تعليلية، ويجوز تقديمها عن وقتها، ومن قال: هي تعبدية، بالنظر إلى الأنصباء، فإن في أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وفي ثمانين شاة، فلو كانت العلة ملك الأربعين للزمه شاتان، وفي مائة وعشرين شاة واحدة، لا جرم إذا زادت بعد المائة والعشرين شاة واحدة لزمه أن يدفع شاتين، ونحو ذلك فإنه بالنظر إلى هذه الناحية أشبهت الزكاة أن نكون تعبدية، فيمتنع تقديمها عن وقتها، وكذلك الإِجزاء لو قدمت. فكان المذهب عند أصحابنا إلحاقها بالتعبدات - من حيث عدم التقديم - إلا أنه يغتفر تقديمها بكشهر نظرًا للقاعدة المتقدمة وللأخرى التي يقول: ما قارب الشيء يعطى حكمه. وقد بين في مراقي السعود هذا التفصيل المتقدم في الأوامر قال: والأمر قبل الوقت قد تعلقا … بالفعل للإِعلام قد تحققا وبعدُ للإِلزام يستمر … حال التلبس وقوم فروا فليس يجزي من له يقدمُ … ولا عليه دون حظر يُقْدَمُ وذا التعبُّدُ، وما تَمَحَّضا … للفعل فالتقديم فيه مرتضى وما إلى هذا وهذا ينتسب … ففيه خُلْفٌ دُون نصٍّ قَدْ جُلِبْ =

стр. 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقوله: دون نص قد جلب؛ يعني أن محل الخلاف في المتردد بين التعبد والمفعولية، هل يقدم قبل وقته أم لا؟. هو فيما لم يرد نص بجواز التقديم فيه، وإلا جاز تقديمه بلا خلاف، مثل الوضوء فإنه متردد بين التعبد والمفعولية، لأن خصوص هذه الأعضاء دون غيرها، ولزوم غسلها للحدث ولو نظيفة أمر تعبدي، لا تظهر فيه حقيقة نتيجة الفعل، كظهورها في غير التعبدي، وكون الوضوء ينظف هذه الأعضاء معقول المعنى، لأن التنظيف تحصل ثمرته بمجرد الفعل، غير أن الوضوء أجمع المسلمون على جواز تقديمه قبل دخول وقت الصلاة، فإذا تقرر ذلك فاعلم أنه قد ورد النص بتقديم الزكاة عن وقتها، فلا ينبغي إذن أن يجري الخلاف في جواز ذلك. لما تقرر من قوله: دُون نص قد جُلِبَ فقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة؛ أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب؛ فقال النبي ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيل إلَّا أَنَّهُ كَان فَقِيرًا فَأغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ، فَإنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأمَّا الْعَبَّاسُ بْن عَبْدِ الْمُطلِبِ عَمَّ رَسُولِ الله ﷺ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَة وَمثْلُهَا مَعَهَا". هذا الحديث بهذا اللفظ للبغوي وقال: متفق على صحته، أخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن علي بن حفص، عن ورقاء، عن أبي الزناد، وقال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة، وقال: "قَدِ احْتَبَسَ أَدرَاعَهُ وَأعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَي ومِثْلُهَا مَعَهَا". ثم قال: "يَاعُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ". ا. هـ. وهو في البخاري في الزكاة؛ باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) أما مسلم فقد خرجه في الزكاة؛ باب في تقديم الزكاة ومنعها. ا. هـ. وأخرج البغوي أيضًا بسنده عن جُحيبة بن عدي عن عليٍّ أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته، قبل أن يحلَّ، فرخَّص له في ذلك، وقال: هذا حديث حسن. وهو في الترمذي، وأحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي. ا. هـ. وفي حديث الشيخين، لا سيما في رواية مسلم "هِيَ عَلَى وَمثْلُهَا مَعَهَا". دليل على جواز تقديم الصدقة؛ لأنهم أولوه تأويلين، أحدهما: أنه كان تسلف منه صدقة سنتين، فصارت دينًا عليه، وفيه =

стр. 434

الْبَاقِي، وَإِنْ تَلِفَ جزءُ نِصَابٍ وَلَمْ يُمْكِن الأَدَاءُ سَقَطَتْ (١)، كعَزْلِهَا فَضاعَتْ، لَا إِنْ ضَاعَ أَصْلُهَا، وَضَمِنَ إِنْ أَخَّرَهَا عَنِ الحَوْلِ أَوْ أَدْخَلَ عُشْرَهُ مُفَرِّطًا لَا مُحَصَّنًا وإِلَّا فتَرَدُّدٌ. وأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَةِ الميِّتِ، وكَرْهًا وَإنْ بِقِتَالٍ، وأُدِّبَ ودُفِعَتْ لِلإِمَامِ الْعَدْلِ (٢) وإِن عَيْنًا، وإنْ غَرَّ عَبْدٌ بِحُريَّةٍ فجِنَايَة على الأرْجَحِ، وزَكَّى مُسَافِرٌ مَا مَعَهُ ومَا غَابَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجٌ وَلَا ضَرُورَة. = دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل وقتها، وبه أخذ من جوز تعجيلها لعامين. والاحتمال الآخر أن يكون ﷺ أخذ منه صدقة هذا العام الذي شكاه فيه، وتعجل منه صدقة عام ثاني، فقال: هِيَ عَلَيَّ، أي الصدقة المذكورة مع مثلها من صدقة عام لم يحل بعد، وفي كلا الاحتمالين دليل على جواز تقديمها قبل حلولها، وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: وإن تلف جزء نصاب ولم يمكن الأداء سقطت، كعزلها فضاعت، هذان الفرعان مبنيان على القاعدة القائلة: إمكان الأداء، هل هو شرط في الوجوب أو هو شرط في الأداء؟. وعقدها في المنهج المنتخب بقوله: شرط وجوب أو أدا إمكانهُ … فتالِفٌ هل ينتفي ضمانه فقوله: فتالف هل ينتفي ألخ. يريد به أنه يبنى على هذه القاعدة؛ ما لو تلف المال بعد الحول وقبل إمكان الأداء، هل يسقط ضمانه عن رب المال، فلا زكاة عليه؟. وعلى ذلك مشى المصنف. أو هو يلزمه الزكاة ولو لم يمكن الأداء؟. ويبنى عليه أيضًا ما إذا عزلها بعد حلول الحول ولم يمكن الأداء فضاعت، فعلى أن إمكان الأداء شرط وجوب تسقط عنه وعليه بنى المصنف مذهبه. والله الموفق. (٢) وقوله: وأخذت من تركة الميت وكَرهًا وإن بقتال إلخ؛ قد تقدم الكلام في وجوب أخذها في التنبيهات في أول الباب. وبالله تعالى التوفيق. =

стр. 435

زكاة الفطر (١) فصل: يَجِبُ بِالسُّنَّةِ صَاعٌ أَوْ جُزْؤُهُ عَنْهُ، فَضَلَ عَنْ قُوتهِ وقُوتِ عِيالِهِ وإنْ بِتَسَلُّفٍ. وَهَلْ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ أَوْ بِفَجْرِهِ؟. خِلَافٌ، مِنْ أَغْلَبِ الْقُوتِ، مِن مُعَشَّرٍ أَوْ أقطٍ (٢) غَيْرِ عَلَسٍ إلَّا أَنْ يقتاتَ غَيْرُهُ، عَنْ كل مُسْلِمٍ يَمُونُهُ بِقَرابةٍ أَوْ زوجِيَّةٍ (٣) وإِنْ لِأبٍ وخَادِمِهَا أَو رِقٍّ، وَلَوْ مُكَاتَبًا وآبِقًا رُجِيَ، ومبيعًا بِمُوَاضَعَةٍ أَوْ خِيارٍ وَمُخْدَمًا، إلَّا لِحُريَّةٍ فَعَلَى مُخْدَمِهِ، والْمُشْتَرَكُ وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ المُلْكِ، ولا شيءَ عَلى الْعَبْدِ، والمُشْتَرَى فَاسِدًا على مُشْتَرِيهِ، وَنُدِبَ إخْراجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ (٤)، ومنْ قُوته الأحْسَنِ، وغَرْبَلَةُ الْقَمْحِ إلَّا الْغَلِثَ، ودَفْعُهَا لِزَوالِ فَقْرٍ وَرِق يَوْمَهُ، وللإمَامِ الْعَدْلِ، وعَدَمُ زِيادَةٍ، وإِخْرَاجُ المُسَافِرِ وجَازَ إِخْرَاجُ أَهْلِهِ عَنْهُ، ودَفْعُ صَاع لِمَسَاكِينَ وآصُعٍ لِوَاحِدٍ ومنْ قُوتهِ الأَدْوَنِ إلَّا لِشُحٍّ، وإِخْرَاجُه قَبْلَهُ بكاليَوْمَيْنِ (٥). وَهَلْ مُطْلَقًا أو لمفَرِّقٍ؟. تَأْويلانِ، ولَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ زمَنِهَا وإِنما تُدْفَعُ لِحُرٍّ مسلم فَقير (٦). (١) زكاة الفطر فريضة عند عامة أهل العلم، وذهب أصحاب الرأي إلى أنها واجب - وهو عندهم أحط من رتبة الفرض - ودليل كونها فرضًا ما أخرجه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حر، أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين. أخرجه مالك في الموطإ، وأخرجه مسلم والبخاري كلاهما في باب زكاة الفطر. وفي رواية عمر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وهو متفق عليه أيضًا. =

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال البغوي: وفيه دليل على أن ملك النصاب ليس بشرط لوجوبها، بل هي واجبة على الفقير والغني، وهو قول الشعبي، وابن سيرين، وعطاء، والزهري، ومالك، قال الشافعي: إذا فضل عن قوته وقوت عياله ليوم العيد وليلته قدر صدقة الفطر يلزمه أن يخرج صدقة الفطر. وكذلك قال ابن المبارك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه إلا إذا ملك نصابًا. وقال البغوي: والحديث فيه دليل على أنه يجب أداؤها عن الصغير والمجبون ومن أطاق الصوم أو لم يطق. (٢) وقوله: من معشر أو أقط؛ هو لما روي عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب. قال مالك: وذلك بصاع النبي ﷺ . قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته، أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك، وأراد بالطعام البر. ا. هـ. والحديث دليل على أنه لا يجوز فيها أقل من صاع من أي نوع أخرج. وهو قول جماعه من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدري، وبه قال الحسن وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد وإسحاق. وذهب جماعة من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى أنه يجوز من البر نصف صاع ولا يجوز من غيره أقل من صاع. وهو قول الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي. وذلك لما رواه داود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج زكاة الفطر يوم الفطر؛ صاعًا من طعام أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية من الشام حاجًا أو معتمرًا، وهو يومئذ خليفة، فخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وذكر الزكاة فقال: إني أرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعًا من تمر، فكان أول ما ذكر الناس من المدين حينئذ. قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب عن داود بن قيس. =

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وروى ابن عجلان عن عياض قال: ثم أنكر ذلك أبو سعيد وقال: لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ . أخرجه مسلم. ا. هـ. (٣) وقوله: أو زوجته؛ ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق إلى وجوب صدقة فطر المرأة على زوجها، لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه مرسلًا أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى ممن يمونه. أخرجه الشافعي وأخرجه البيهقي أيضًا من طريق الشافعي. ا. هـ. وذهب جماعة إلى أنها لا تجب عليه، وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي. (٤) وقوله: وندب إخراجها بعد الفجر قبل الصلاة، قال في المدونة: قال: وقد أخبرني مالك قال: رأيت أهل العلم يستحبون أن يخرجوا صدقة الفطر إذا طلع الفجر من يوم الفطر، قبل الغدو إلى الصلاة. قال مالك: وذلك واسع إن شاء الله أن يؤدى قبل الصلاة أو بعدها. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: وإخراجه قبله بكاليومين؛ قال في المدونة: قال مالك: وأخبرني نافع أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. ا. هـ. منه. تنبيه: قال البغوي: والسنة أن تخرج صدقة الفطر يوم العيد، قبل الخروج إلى المصلى، ولو عجلها بعد دخول شهر رمضان، قبل يوم الفطر يجوز، قال: وكان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. ا. هـ. وهو حديث الموطإ، وأخرجه الشافعي وإسناده صحيح. ورخص ابن سيرين والنخعي في إخراجها بعد يوم الفطر. وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. تنبيه: والصاع الذي تخرج به زكاة الفطر عند أكثر أهل العلم، هو صاع النبي ﷺ المشهور عند أهل الحجاز، وتقديره أنه أربعة أمداد بمد النبي ﷺ وهو ملء اليدين المتوسطتين، لا مقبوضتين ولا مبسوطتين. ووزن الصاع، قال البغوي، هو خمسة أرطال وثلث. قلت: والرطل وزنه أربعمائة وخمسون غرامًا. تنبيه: قال البغوي: والاعتبار بوزن الإِسلام فيما تتعلق به الزكاة من الدراهم والدنانير، لما روي عن طاوس عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الْوَزْنُ وَزْنُ أهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَال أَهْلِ الْمَدِينَةِ". أخرجه أبو داود في البيوع، باب مكيال المدينة. وأخرجه النسائي في الزكاة؛ باب كم =

стр. 438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الصاع. قال ابن حجر في التلخيص: وصححه ابن حبان، والدارقطني، والنووي، وأبو الفتح القشيري. قال البغوي: وأراد به أن الدراهم مختلفة الأوزان في الأماكن والبلدان؛ فمنها البغلي؛ كل درهم منها ثمانية دوانق، ومنها الطبري؛ كل درهم أربعة دوانق. ووزن الإسلام كل درهم ستة دوانق، وهو وزن أهل مكة. وكذلك المكيال مختلف؛ فصاع أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وصاع أهل العراق ثمانية أرطال، وهو صاع الحجاج، الذي سعر به على أهل الأسواق، وصاع أهل البيت تسعة أرطال وثلث، كما يزعم الشيعة، نسبته إلى جعفر بن محمد. قال: وقوله ﷺ : "الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَكْيَالُ مَكْيَالُ أهْلِ الْمَدِينَةِ". أراد به فيما تتعلق به الأحكام الشرعية من حقوق الله ، دون ما يتعلق به الناس، ومعنى ذلك أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النقود وزن أهل مكة؛ كل عشر دراهم منها بوزن سبعة مثاقيل، فإذا ملك منها مائتي درهم وجبت فيها الزكاة. قلت: وزن سبعة مثاقيل المتعارف عليه الآن؛ تسعة وأربعون غرامًا، وعليه فإن وزن الدرهم الشرعي هو أربعة وتسعة أعشار الغرام. فيتحصل منه أن وزن مائتي درهم من الفضة بالميزان المتعارف عليه اليوم تسعمائة وثمانون غرامًا. قال البغوي: وكذلك الصاع الذي يعتبر في الكفارات، وصدقة الفطر، وتقدير النفقات وما في معناها، صاع أهل المدينة؛ كل صاع خمسة أرطال وثلث. قلت: ومعنى ذلك أن وزن الصاع اليوم ألفان وأربعمائة غرام. قال البغوي: وأما في المعاملات فيعتبر صاع البلد الذي تتعامل به الناس ووزنهم - المتعارف عندهم - حتى ولو أسلم في عشرة مكاييل قمح، أو تمر أو شعير وفي البلد مكيلة معروفة حمل عليها، وإن كان في البلد مكاييل مختلفة ولم يقيد بواحد منها، كان السلم فاسدًا. ا. هـ. منه بتصرف. (٦) وقوله: وإنما تدفع لحر مسلم فقير؛ قال في المدونة: وقال مالك: لا بأس أن يعطي صدقة الفطر عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا. قال: وقال مالك: لا يعطى أهلَ الذمة ولا العبيد من صدقة الفطر شيء. ا. هـ. منه.=

стр. 439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تنبيه: أخرج البغوي في شرح السنة: وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي قوله: إن في هذا المال حقًا غير الزكاة. قال: وهذا أصح. يعني من حديث فاطمة بنت قيس قالت: سألت أو سئل رسول الله ﷺ عن الزكاة فقال: "إِن فِي الْمَالِ لَحَقًا سِوَى الزكَاةِ". ثم تلا هذه الآية التي في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بالقوي. ا. هـ. قال البغوي: ويروى: سئل النبي ﷺ : ما الشيء الذي لا يحل منعه؟. قال: "الْمَاءُ" قيل: ما الشئ الذي لا يحل منعه؟. قال: "الْمِلْحُ". قيل: ذلك إن كان في أرض أو جبل غير مملوك. قال البغوي: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢) قال عبد الله بن مسعود: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر. ويقال الماعون: المعروف كله. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة، وأدناها عارية المتاع. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها، فترجع كلها إلى شيء واحد وهو ترك المعونة بمال أو منفعة. ا. هـ. تنبيه: مدح الله أناسًا بالتعفف عن السؤال فقال: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي الجاهل بحالهم، وفي حديث متفق عليه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَأْتِيَ بِهِ، فَيَبِيعَهُ، فَيَأْكُلَ مِنْهُ، ويتَصَدَّقَ مِنْهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْألَهُ أعْطَاهُ أوْ مَنَعَهُ". تنبيه: قال البغوي: أما السؤال لذوي الحاجة، فحسبة يؤجر عليه، فعله رسول الله ﷺ . وسئل ابن وهب عن الرجل يعرف في موضع محتاجين، وليس عنده ما يسعهم، وهو إذا تكلم يعلم أنه يُعطى، ترى هل له أن يسأل لهم؟. قال: "نَعَمْ، وَآجَرَهُ الله عَلَى قَدْرِ ذلِكَ". قال: وكان مالك يفعل ذلك حتى أوذي، وأنا أفعله. ا. هـ. منه بلفظه. والله ولي التوفيق.

стр. 440

انتهى الجزء الأول من [مواهب الجليل من أدلة خليل] ويليه بإذن الله تعالى الجزء الثاني أوله كتاب الصيام. وبذلت الجهد فيه لأختصر، ولم أجد فيما مضي مسائل اجتهادية بحتة لا يستطاع التدليل عليها إلا في ثلاثة مواضع: في السهو في الصلاة، وفي قضاء الفوائت، وفي الزكاة في النقدين والحبوب والعروض والقراض ونحو ذلك، وعلى كل حال فهذا جهد المقل، وفاقد الشيء لا يعطيه. فالمعذرة المعذرة، وما لا يدرك كله لا يترك كله. والله حسبنا ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * * *

стр. 441

مواهب الجليل من أدلة خليل تأليف الشيخ أحمد بن المختار الجكني الشنقيطي الجزء الثاني عنى بمراجعته خادم العلم عَبد الله إبراهيم الأنصَارى من مطبوعات إِدارة إِحياء التراث الإِسلامي بدولة قطر ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م

стр. 442

رقم الإِيداع بدار الكتب القطرية ٢٧ - لسنة ١٩٨٣ م

стр. 443

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الصوم الصوم لغة: هو الإِمساك مطلقًا. فمن استعماله في الإِمساك عن الحركة قول امرئ القيس: كان الثريا عُلِّقت في مصامها … بأمراسِ كتّانٍ إلى صُمِّ جندل أي في محل إمساكها عن السير. وقال نابغة ذبيان: خيل صيامٌ وخيل غيرُ صائمة … تحت العجاج، وأخرى تعلك اللُّجُمَا قيل: خيل صيام؛ أي ممسكة عن الجري، وقيل ممسكة عن الصهيل. وقال الراجز: شر الدلاءِ الولْغة الملازمة … والبكراتُ شرهنَّ الصائمة أي شر البكرات التي لا تدور. ومن استعماله في الإِمساك عن الكلام قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١) أي إمساكًا عن الكلام. بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. والصوم في الشرع هو إمساك البطن والفرج عن شهوتيهما، من وقت مخصوص إلى وقت مخصوص. وصوم رمضان - أحد أركان الإِسلام الخمسة - واجب كتابًا وسنة وإجماعًا. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ - إلى قوله تعالى - فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢). وأما السنة، فحديث ابن عمر ﵄: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا". وفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ ثائر الرأس فقال: يا

стр. 444

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصيام؟. قال: "شَهْرَ رَمَضَانَ". قال: هل عليَّ غيره؟. قال: "لَا إِلَّا أنْ تَطوَّعَ شَيْئًا" … الحديث. وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان. تنبيهٌ: ورد في فضل رمضان ما أخرجه البغوي بسنده في شرح السنة؛ عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ. وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ" وأخرج أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ". قال البغوي: هذا الحديث متفق على صحته. أخرجاه جميعًا عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر. وأخرجه مسلم عن علي بن حُجر. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ أوَّل لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ. وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِي الشَّرِّ أَقْصِرْ. وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذلِكَ كُل لَيْلَةٍ". قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وهذا الحديث أخرجه الترمذي في أول كتاب الصوم. وأخرجه ابن ماجه وأخرجه الحاكم ورجاله ثقات إلا أن في سنده أبا بكر بن عياش، ويقال: إنه ساء حفظه لما كبر. غير أن له شاهدًا يقويه من حديث عطاء بن السائب، عن عرفجة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أخرجه أحمد والنسائي. انظر شرح السنة للبغوي. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَة مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن علي بن عبد الله عن سفيان. وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. قال البغوي: قال الخطابي: قولُهُ "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا". أي: نية وعزيمة. وهو أن يصومه على التصديق به، والرغبة في ثوابه، طيبة نفسه، غير كارهة له، ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه. لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب. =

стр. 445

يَثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمالِ شعبانَ، أو بِرُؤْيةِ عَدْليْن (١). ولو بصحوٍ بمصر (٢). = وجاء في فضل الصيام قوله تعالى: ﴿الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ (١) في التوبة. قال البغوي: والسائحون هم الصائمون، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (٢) أي: الصوم. قال البغوي: وسمي رمضان شهر الصبر. وأصل الصبر الحبس. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (٣). ففي الصوم حبس النفس عن المطاعم وبعض اللذات. وفي الصحيحين عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانُ لَا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ". أخرجه مسلم في الصيام، باب: فضل الصيام. وأخرجه محمد في بدء الخلق، باب: صفة أبواب الجنة. وفي الصوم. باب: الريَّان للصائمين. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ اللهُ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ. الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ. وَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللهِ أطيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ". أخرجه مسلم عن حرملة بن يحيى عن أبي وهب، عن يونس عن ابن شهاب. وهو في مصنف عبد الرزاق. تنبيه: سئل سفيان بن عيينة عن قوله: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي". فقال: إذا كان يوم القيامة، يحاسب الله تعالى عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة. ويحكى عن سفيان أيضًا في قوله: "الصَّوْمُ لِي" قال: لأن الصوم هو الصبر؛ يصبر الإِنسان عن المطعم والمشرب والنكاح. وثواب الصبر ليس له حساب. ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤). ا. هـ. من البغوي. (١) قوله ﵀: يثبت رمضان بكمال شعبان، أو برؤية عدلين. دليله في اشتراط الرؤية للصوم، وأن يكمل شعبان ثلاثين يومًا - إن لم يُر - هو ما رواه مالك في الموطإِ، عن ثور بن زيد الديلي، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ. وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ. فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ". =

стр. 446

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ. فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". رواه مالك في الموطإِ. والبخاري في صحيحه في عدة مواضع. ورواه مسلم في الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال. قال البغوي: هكذا رواه معن بن عيسى وابن بكير. كما روى الشافعي عن مالك بإسناده وروى أبو مصعب عن مالك قال: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ". وكذا رواه محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن مسلمة عن مالك. وأما اشتراط العدلين فإنه المذهب، والعمل عليه عندنا، ومأخذه القياس على هلال شوال. قال أبو الوليد الباجي: مسألة: ولا يثبت هلال رمضان بشهادة شاهد واحد، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. والدليل على ما نقوله، أن هذه شهادة علي هلال، فلم يقبل فيها أقل من اثنين. أصل ذلك الشهادة على هلال شوال وذي الحجة. ا. هـ. قلت: لكن الدليل هنا إلى جانب المخالف المثبت لرؤية هلال رمضان بشهادة واحد، ففي البغوي ما نصه: عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. فقال: "أَتَشْهَدُ لأَنْ لَا إلهِ إِلا اللهُ؛ أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ؟ " قال: نعم .. قال: "يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا". ا. هـ. وهذا الحديث في سنن الترمذي في الصوم. وأخرجه أبو داود في الصوم، باب: في شهادة واحد على رؤية هلال رمضان. وأخرجه النسائي في الصيام، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان. وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم. فإذا ثبت أن المأخذ عندنا في وجوب رؤية عدلين اجتهاد، وعلمت أن النص ثبت بقبول شهادة الواحد في هلال رمضان، تعين القدح في ذلك الإحتهاد بالقادح المسمى فساد الإعتبار؛ وهو القياس في محل النص. قال في مراقي السعود: والخلف للنصِّ أو اجماع دعا … فسادَ الاعتبار كلُّ من وعى فالذي تقضي الصناعة الأصولية بالقول به، هو قبول الواحد في رؤية رمضان. على أن الأصل الذي =

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قسنا عليه في وجوب تعدد الشهود لرؤية هلال رمضان، وهو وجوب ذلك بالنسبة إلى هلال شوال وذي الحجة. ذكر البغوي أنه قد روي عن عمر بن الخطاب، من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنه أجاز شهادة واحد في أضحى أو فطر. قال: ومال إلى هذا القول بعض أهل الحديث. والذي عليه عامة أهل العلم، أن هلال شوال لا يثبت إلا بقول رجلين عدلين. (٢) وقوله: ولو بصحو بمصر، هو إشارة إلى عدم الأخذ بما روي عن نافع. قال: كان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نظر له، فإن رئي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب أو قترة، أصبح مفطرًا. وإن حال دون منظره سحاب أو قترة، أصبح صائمًا. قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب. أراد به أنه يفعل هذا في شعبان احتياطًا للصوم. وذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يصوم ويفطر إلا برؤية الهلال، أو إكمال العدد ثلاثين وأخرج البيهقي بسنده عن طاوس قال: شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس، قال: فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على رؤية هلال رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه وقالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل على رؤية هلال رمضان؛ قالا: وكان رسول الله ﷺ لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين. اهـ. جـ ٤/ ص ٢١٢ من السنن الكبرى للبيهقي. وذهب أحمد بن حنبل إلى ما ذهب إليه ابن عمر؛ من أنه إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان؛ لعلة في السماء، صام الناس. وإن كان صحوًا لم يصوموا. قال الخرقي: وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا طلبوا الهلال، فإن كانت السماء مصحية لم يصوموا ذلك اليوم، وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه، وقد أجزأ إن كان من شهر رمضان. ا. هـ. منه. وهو رد أيضًا لما ذهب إليه أبو حنيفة. وبه قال سحنون من أصحابنا؛ من أنه إذا كانت السماء مصحية، لا يثبت الهلال بشهادة عدلين. والحاصل، إنه إن عدمت الرؤية لزم إتمام شعبان ثلاثين، سواء كانت السَّماء صحوًا أو غيمًا. وبهذا قال جمهور الفقهاء. وقال أحمد بن حنبل: إن كان غيمًا صام آخر يوم من شعبان احتياطًا. وسيأتي رد ذلك للمؤلف إن شاء الله.

стр. 448

فَإنْ لَمْ يُرَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ صَحْوًا كُذِّبا (١). (١) قوله ﵀: فإن لم ير بعد ثلاثين صحوًا كُذِّبا، اعتمد فيه على ما روى ابن نافع في المجموعة عن مالك في شاهدين شهدا على هلال شعبان، فعد لذلك ثلاثون يومًا والسماء صاحية فلم ير، قال: هذان شاهدا سوء. واعتبر الباجي هذه الكلمة ردًا لشهادة الشاهدين، واستدل بذلك على أن الشهادة والحكم على شوال بعد ذلك، حكم واحد بالنسبة للأول. قال: وهذا يدل على أن الحكم واحد ولو كانا حكمين؛ لما كان في ذلك تكذيب للشاهدين. وبالله التوفيق. ا. هـ. انظره جـ ٢ - ص ٣٦. وذكر الحطاب على المختصر هذه الرواية عن ابن نافع وقال: هو في سماع أشهب، ثم قال: ولم أقف على هذه المسألة في سماع أشهب من كتاب الصيام. ولا من كتاب الأقضية. ولا من كتاب الشهادات، ولعلها من سماعه في غير هذا الكتاب. ا. هـ. منه. جـ ٢ - ص ٣٨٣. قلت: والذي يظهر لي، والله تعالى أعلم، أن الصواب في هذه المسألة مع الإِمام الشافعي. قال الدسوقي في حاشيته على الدردير: الشافعي يقول: لا يكذب العدلان ويعمل في الفطر على رؤيتهما أولًا. ا. هـ. منه. واعتمادي في ذلك على الله تعالى، ثم على أن شهادة الشاهدين التي اعتبرت أولًا وثبت بها رمضان إنما تحصل ظنًا بذلك الحكم، الذي تحتم بموجبه على المسلمين صوم اليوم الأول على أنه من رمضان، ووجب عليهم بموجبه إفطار اليوم الحادي والثلاثين بالنسبة لذلك اليوم إن لم ير الهلال قبل ذلك، على أنه يوم الفطر، لقوله ﷺ : "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ". فإن حكمنا بكذب هذين الشاهدين، بناءًا على أننا لم نر الهلال ليلة الحادي والثلاثين، من رؤيتهما لهلال رمضان، كان حكمنا ذلك مبنيًا على ظن أيضًا، لاحتمال كونه في السَّماء ولم نره لعائق ما؛ من دقته مثلًا، والأهلة ليست بمقدار؛ فإن منها الكبير ومنها الدقيق جدًّا. ولتغير مطالعه؛ فربما حالت تضاريس أرضية دون رؤية هلال شوال لطلوعه خلفها، إلى غير ذلك من العوائق. وإذا ثبت أن صومنا بشهادتهما أولًا كان حكَمًا ظنيًا، وأن حكمنا عليهما في ثاني حال كان ظنيًا أيضًا، فكيف يسوغ نقض الظن بالظن؟. علمًا بأنه سوف يترتب على تكذيبهما إبطال عمل المسلمين يومًا على الأقل، وحملهم على صوم يوم وجب عليهم فطره، باعتباره يوم العيد، فعدم صومه إذًا مقدم =

стр. 449

أوْ مُسْتَفيضةٍ. وَعَمَّ إِنْ نُقِلَ بِهِمَا عَنْهُمَا (١)، لَا بِمُنْفَرِدٍ إلَّا كَأَهْلِهِ ومَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأمِرِه (٢). = على غيره؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. والله ولي التوفيق. تنبيه: فيما لو أخطأ القوم الهلال، قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَاسُ، وَالأضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ". قال البغوي: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وهذا الحديث كما أخرجه البغوي بسنده، فقد أخرجه الترمذي، وأخرجه الشافعي في مسنده. ويشهد له ما رواه عثمان بن محمد عن المقبري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ". أخرجه البغوي. وقال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وهو في سنن الترمذي وفي سنن أبي داود، وأخرجه ابن ماجه. قال البغوي: وفسر بعض العلماء هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس. ا. هـ. وذكر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) الآية: إن بعض أهل العلم قال: هي في اختلاف الناس في الأهلة. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله ﵀: وعمّ إن نقل بهما عنهما. قال الدردير: وعم الصوم سائر البلاد قريبًا أو بعيدًا، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر ولا اتفاق المطالع ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه إن نُقل ثبوته بهما. أي بالعدلين أو المستفيضة عنهما؛ أي عن العدلين والمستفيضة. ا. هـ. منه. ولا يخفى أن ذلك القيد بالتعدد في الناقل والمنقول عنه، مبني على ما تقدم لك أنه المذهب، وأنه مبني على اجتهاد في محل نص، مقدوح فيه بفساد الاعتبار. راجع ما تقدم عند قول المؤلف: أو برؤية عدلين. (٢) وقوله: لا بمنفرد ألخ. قال البغوي: اختلف أهل العلم فيمن رأى الهلال وحده؛ فذهب =

стр. 450

وَعَلَى عَدْلٍ أوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤيَتِهِ، والمُخْتَارُ وَغَيْرِهِمَا، وإن أفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، إِلَّا بِتأوِيلٍ فتأْويلان (١). = أكثرهم إلى أنَّ عليه الصومَ والفطر وبه قال الشافعي؛ كمن علم طلوع الفجر، عليه أن يمسك عن الأكل بعلمه وحده. وقال الحسن وعطاء: لا يصوم ولا يفطر برؤيته وحده؛ لظاهر هذا الحديث. يعني حديث: "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأضحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ". وقال أبو حنيفة: يصوم برؤيته وحده ولا يفطر. ا. هـ. قلت: وحيث وقع الخلاف تبين لك أن لا نص يرجع إليه في المسألة، ولعله في الذي لم يرفعه للناس، أو الذي لم تعتبر الناس رؤيته لعلة. والله أعلم. أما إذا كان المراد أنه لا يثبت هلال رمضان بعدل واحد، فقد تقدم التحقيق إن شاء الله في ذلك. ا. هـ. (١) وقوله ﵀: وعلى عدل أو مرجوّ رفع رؤيته ألخ. قال في المدونة ما نصه: قلت: أرأيت من رأى هلال رمضان وحده، أيردّ الإِمام شهادته؟. فقال: نعم. قلت: وهذا قول مالك؟. قال: نعم. قلت: أفيصوم الذي رأى هلال رمضان وحده إذا ردّ الإِمام شهادته؟ فقال: نعم. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم. قلت: فإن أفطر أيكون عليه الكفارة مع القضاء في قول مالك؟. قلت: فإن رآه وحده، أيجب عليه أن يعلم الإمام في قول مالك؟ قال: نعم، لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما. ا. هـ ولعل أفضل دليل على وجوب رفعه إلى الإمام، ما ثبت بالسنة أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا رأى أحدهم الهلال أخبر به رسول الله ﷺ كما مر في حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. فقال: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ؛ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ " قال: نعم. قال: "يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ أنْ يَصُومُوا غَدًا". وقد تقدم تخريجه. وروي عن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أنِّي رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. أخرجه أبو داود في الصوم، باب: شهادة الواحد. والدارقطني. وإسناده قوي وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي. وهو دليل على قبول الواحد في هلال رمضان.

стр. 451

لَا بِمُنَجِّمٍ (١). ولَا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ بِشَوالٍ، وَلَوْ أمِنَ الظُّهُورَ، إلَّا بِمُبيحٍ (٢) وَفِي تَلْفِيقِ شَاهِدٍ أوَّلَهُ لآخَرَ آخِرَه (٣)، ولزُوُمه بِحُكْمِ المُخَالِفِ بِشَاهِدٍ تَرَدُّدٌ (٤). (١) وقوله ﵀: لا بمنجّم، دليل ذلك ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا. وإِذَا رَأيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا". أخرجه مسلم في الصيام، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري في صحيحه بلفظ: "فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشَّام والمغرب؛ منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وعامة أهل الحديث. وقول المختصر هنا: لا بمنجّم، رد لما ذهب إليه بعض أهل العلم، من أن المراد بقوله ﷺ : "فَاقْدُرُوا لَهُ". التقدير بحساب سير القمر في المنازل. أي قدِّروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون. قال ابن سريج: هذا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم. وقوله: "فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ". خطاب للعامة التي لم تعن به. ا. هـ. البغوي. قلت: ولا يخفى ما في قول ابن سريج هذا من السقوط؛ لأنه يجعل اعتبارًا لقول المنجم. وفي الحديث: "كَذِبَ الْمُنَجِّمُونَ وَلَوْ صَدَقُوا". أو كما قال ﷺ . وأيضًا قال المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ : "فَاقْدُرُوا لَهُ" على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فسره حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب النجوم؛ لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم. ا. هـ. شرح السنة. من التعليق. ص ٢٣٠/ جـ ٦. (٢) وقوله: ولا يفطر منفرد بشوال ولو أمن الظهور، هو لما في الموطإ ونصه: قال: ومن رأى هلال شوال وحده فإنه لا يفطر؛ لأن الناس يتهمونه على أن يفطر منهم من ليس مأمونًا. ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال. ا. هـ. منه. بلفظه. قال الباجي: وقال أشهب يفطر بالنية ويمسك عن الأكل وهذا هو الصحيح؛ لأن الإِمساك عن الأكل يخرج عما خيف عليه. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وفي تلفيق شاهد أوله لآخر آخره، هذه مسألة ليس فيها إلَّا الاجتهاد. والذي عليه =

стр. 452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الجمهور أن الفطر لا يقع إلا بشهادة عدلين على رؤية هلال شوال. وقد قال ابن رشد في المقدمات هنا ما نصه: فإن شهد شاهد عدل على هلال شعبان، وشاهد على هلال رمضان، فقد قال يحيى بن عمر: لا تجوز الشهادة. وقال غيره من أهل العلم تجوز. ومعنى ذلك؛ إذا شهد الشاهد على هلال رمضان أنه رآه بعد ثلاثين يومًا من رؤية الشاهد على هلال شعبان، إنه ليس في شهادة الشاهد الثاني تصديق الشاهد الأول. وأما لو رآه الشاهد الثاني بعد تسعة وعشرين يومًا من رؤية الأول، لوجب أن تجوز شهادتهما؛ لأن الشاهد الثاني يصدق الشاهد الأول. ا. هـ. وذكروا أنه معنى خفي، لكن ابن رشد قال: وليس هو عندي بيّن في المعنى. وعلل ذلك بأنه لا فرق عنده بين الشهادتين. قلت: ولم يتبين عندي - على قصوري - الفرق بين الشهادتين تمامًا، مثل ما هو الحال لابن رشد، غير أني أزيد عليه قائلًا: وما هو الحافز الذي اضطر هؤلاء إلى هذا العسف والتقديرات، طالما أن السنة جاءت بثبوت هلال رمضان برؤية عدل واحد؟. فأي حاجة تلجئنا إلى ضم شهادة شاهد رأى هلال شعبان؟. وقد ثبت السنة بقبول رسول الله ﷺ رؤية الواحد في رمضان. وإذا كان التلفيق مرادًا في ثبوت هلال شوال، فأي مندوحة يمكن أن يراها المرء بعد ثبوت الحديث المتفق على صحته؛ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". إن الأمر، والحالة هذه، لا يخلو إما أن نكون على مذهب الجمهور القائل بأن هلال شوال لابد فيه من تعدد العدول إلى اثنين على الأقل، فلا يمكن تلفيق الأول؛ الذي رأى رمضان مع من رأى شوال، وإما أن نكون ممن يقبل شموال برؤية عدل واحد، فلا حاجة لنا في التلفيق. والله تعالى أعلم، وهو الموفق. (٤) وقوله: ولزومه بحكم المخالف تردد. الذي يظهر لى - والله تعالى أعلم - أن طاعة أولي الأمر الواجبة بموجب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) الآية. لا نعلم ولم =

стр. 453

وَرُؤيتُه نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ (١). وَإِنْ ثَبَتَ نَهَارًا أمْسَكَ وَإلَّا كَفَرَ إِنِ انْتَهَكَ (٢). = يقل أحد فيما علمت أنها يشترط فيها أن يكون غير مخالف في الفروع، وإذًا فأين وجه التردد يا ترى؟. (١) وقوله ﵀: ورؤيته نهارًا للقابلة، دليله ما ثبت في الموطإ ونصه: ومن رأى هلال شوال نهارًا، فلا يفطر ويتم صيام يومه ذلك، فإنما هو هلال الليلة التي تأتي. ا. هـ. وفي شرح السنة للبغوي ما نصه: وإن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، سواء رأوه قبل الزوال أو بعده، واليوم من الشهر الماضي. قال شقيق بن سلمة: كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بخانقين: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس. وهذا الأثر أخرجه الدارقطني ورجاله ثقات. ا. هـ. وفي الموطإ أيضًا عن مالك أنه بلغه أن الهلال رئي في زمن عثمان بن عفان بعشى، فلم يفطر عثمان حتى أمسى وغابت الشمس. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: وإن ثبت نهارًا أمسك، وإلا كفّر إن انتهك، نقل المواق. من المدونة: قال مالك: إن أصبح ينوي الفطر، ولا يعلم أن يومه ذلك من رمضان، ثم علم أول النهار أو آخره - قبل أن يأكل أو يشرب، أو بعد ما أكل أو شرب - فليكف عن الأكل بقية يومه [ذلك]. ثم إن أكل بعد علمه بذلك لزمه القضاء بلا كفارة، إلا أن يأكل منتهكًا لحرمته، عالمًا بما على متعمد الفطر فيه، فليكفّر. ا. هـ. وأيضًا فقد روي عن ربعي بن خراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهلّا الهلال أمس عشية. فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا. رواه أحمد وأبو داود. قال في المنتقى: وزاد في رواية: وأن يغدوا إلى مصلاهم. ا. هـ. أنظر نيل الأوطار. جـ ٤/ ص ٢٦٠. ولا يخفى أن ثبوت رمضان نهارًا هو مفهوم موافقة؛ لثبوت شوال نهارًا فيلحق به. بنفي الفارق الذي يسميه الشافعي القياس في معنى النص. والله تعالى ولي التوفيق.

стр. 454

وَإنْ غيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ، وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا وقَضاءً وَكَفَارَةً وَلَنِذْر صَادَفَ، لَا احْتِياطًا (١). (١) قوله: وإن غيمت ولم ير فصبيحته يوم الشك ألخ. في الموطإ ما نصه: عن مالك أنه سمع أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان؛ إذا نوى به صيام رمضان، ويرون على ان من صامه على غير رؤية، ثم جاء الثبت أنه من رمضان، أن عليه قضاءه، ولا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا. قال مالك: وهذا الأمر عندنا، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا. ا. هـ. منه. وأخرج البغوي بسنده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ أَوْ ظُلْمَةٌ أَوْ هَبْوَةٌ فَأَكْمِلُوا اتَقَدَّمُوا وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْم مِنْ شَعْبَانَ". وهذا الحديث أخرجه أحمد والنسائي في الصيام. وأخرجه البيهقي والطيالسي. وأخرجه الرمذي بنحوه من طريق أبي الأحوص، عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس وقال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. ا. هـ. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". وهذا حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في الصيام، باب: لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين. وأخرجه مسلم في الصيام كذلك. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "احْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ وَلَا تَصِلُوا رَمَضَانَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذلِكَ يَوْمًا كَانَ يَصومُهُ أَحَدُكمْ". أخرجه البغوي وإسناده جيد. وأخرجه الترمذي في الصوم. ا. هـ. وعن صلة بن زفر قال: كنا عند عمار بن ياسر، فأُتي بشاة مصلية فقال: كلوا. فتنحى بعض القوم فقال: إنِّي صائم. فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ . أخرجه البغوي، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي وابن ماجه. وعلقه البخاري بصيغة الجزم، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وعلى هذا العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ فمن بعدهم؛ أنه لا يصوم يوم الشك عن رمضان؛ منهم مالك، وسفيان، وابن المبارك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. قالوا جميعًا: لو صامه ثم ظهر أنه كان من رمضان، كان عليه أن يقضي يومًا مكانه. =

стр. 455

وَنُدِبَ إِمْسَاكُهُ لِيُتَحَقَّقَ، لا لِتَزْكِيَةِ شاهِدَيْنِ، أَوْ زَوالِ عُذْرٍ مُبَاحٍ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلِمْ بِرمَضَانَ كُمُضْطَرٍّ؛ فَلِقَادِمٍ وَطءُ زَوْجَةٍ طَهُرَتْ، وكَفُّ لِسَانٍ (١)، وَتَعْجِيلُ = وقول المؤلف: وصيم عادة وتطوعًا إلخ. يرد به قول طائفة من أهل العلم؛ لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع ولا غير ذلك، للنهي عن صومه. يروى ذلك عن أبي هريرة، وابن عباس. وبه قال عكرمة. وقوله ﵀: لا احتياطًا، رد منه لما ذهب إليه أحمد بن حنبل، مما كان ابن عمر يفعله؛ من صيام يوم الشك من رمضان؛ إذا كانت السماء فيها سحاب أو قترة، وإن كانت السماء صحوًا ترك صيامه. وقد تقدم ذكر ذلك. والله تعالى الموفق. (١) قوله ﵀: وندب إمساكه ليتحقق، يريد به - والله تعالى أعلم - أنه يستحب الإِمساك عن الإِفطار في يوم الشك، إلى أن يتحقق الأمر؛ بأن يأتي المسافرون من نواحي البلد، وينتشر الناس، وتسمع الأخبار. فإن ارتفع النهار ولم يظهر موجب الصيام أفطر الناس. ا. هـ. الحطاب. وقوله: لا لتزكية شاهدين، ظاهر كلامه هنا الإِطلاق، وينبغي أن يقيد بما إذا كان أمر الشاهدين في التزكية يتأخر ليوافق ذلك المنقول. ا. هـ. الحطاب. وقوله: أو زوال عذر مباح له الفطر مع العلم برمضان، يريد به - والله تعالى أعلم - أنه إذا كان مفطرًا لأجل عذر - يباح لأجله الفطر. مع العلم برمضان - ثم زال عذره، فلا يستحب له الإِمساك. فإذا زال الحيض أو النفاس مثلًا في أثناء نهار رمضان، أو زال اضطرار المضطر للأكل أو الشرب، فلا يستحب لهم الإِمساك، ويجوز لهم التمادي على تعاطي المفطر. واحترز بقوله: مع العلم برمضان عن الناس، ومن أفطر يوم الشك ثم ثبت أنه من رمضان، فيجب الإِمساك. وقوله: وكف لسان، يريد به - والله تعالى أعلم - أنه يستحب للصائم أن يكف لسانه عن الإكثار من الكلام المباح، أي أن يكف عن فضول الكلام. وأما الكلام المحرم فيجب كف اللسان عنه في غير رمضان، ويتأكد ذلك في رمضان؛ لما روي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ: الْكَذِبُ وَالْغَيْبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ وَالنَّظَر بِشَهْوِةٍ" قال الحطاب: ذكره في الإِحياء. وقال العراقي في تخريجه: ذكره الأزدي في الضعفاء. وقال القسطلاني في شرح البخاري: والجمهور على أن الكذب والغيبة والنميمة لا تفسد الصوم. =

стр. 456

فِطْرٍ (١). وتَأْخِيرُ سُحُورٍ (٢). = والمعروف عن مجاهد خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب. رواه ابن أبي شيبة. ثم نقل عن السبكي أن ملابسة المعاصي تمنع ثواب الصوم إجماعًا. قال: وفيه نظر لمشقة الإِحتراز. قال الحطاب: ويشهد لما ذكره السبكي حديث البخاري: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزَّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". وروى أصحاب السنن، ورواه الطبراني بلفظ: "مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". ذكره في الترغيب والترهيب. وحديث ابن ماجه والنسائي: "رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ". رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري. ا. هـ. بواسطة نقل الحطَّاب وبتصرف. (١) وقوله ﵀: وتعجيل فطر، دليله حديث سهل بن سعد السَّاعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَزَال النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ". وهو حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في الصيام، باب: تعجيل الفطر. وأخرجه مسلم، وأخرجه مالك في الموطإ، والعمل عليه عند أهل العلم؛ استحبوا تعجيل الفطر بعد ما يتيقن غروب الشمس. قال البغوي: قال عبد الكريم بن أبي المخارق: من عمل النبوة تعجيل الفطر والاستيناء بالسحور. ا. هـ. وفي صحيح مسلم، وفي البغوي عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الإِفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإِفطار ويؤخر الصلاة؟. قالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟. قلنا: عبد الله بن مسعود. قالت: هكذا صنع رسول الله ﷺ . والآخر أبو موسى. وأخرج عبد الرزاق في المصنف من حديث عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا وَأبطأهم سحورًا. وإسناده صحيح، كما قال ابن حجر في فتح الباري جـ ٤/ ص ١٧٣. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا". وفي رواية: "قَالَ اللهُ " .. الحديث. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. =

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: وتأخير سحور، هو فضيلتان؛ فضيلة السحور وفضيلة تأخيره. أما في فضل السحور، فقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١). قال البغوي: فالخيط الأبيض بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل. وأخرج البغوي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ". وقال: هذا حديث صحيح. وأخرج كذلك عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً". وهذا حديث متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صيَامِنَا وَصيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ". رواه البغوي، والترمذي، وأبو داود، والنسائي. واستحب أهل العلم تأخير السحور، كما تقدم عند الكلام على تعجيل الفطور. قال البغوي: وروى أنس. قال زيد بن ثابت: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟. قال: خمسين آية. أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. وفي مصنف عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "سَحِّرْنَا يَا أَنَسُ؛ إِنِّي أُرِيدُ الصَّيَامَ فَأَطْعِمْنِي شَيْئًا". فجئته بتمر وإناء فيه ماء، بعد ما أذَّن بلال. فقال: "يَا أَنَسُ، أُنْظُرْ إِنْسَانًا يَأْكُلْ مَعِي". فدعوت زيد بن ثابت فقال: يا رسول الله، إِني شربت شربة من سويق، وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ : "وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ". فتسحر معه. ثم صلّى النبي ﷺ ركعتين، ثم خرج فأقيمت الصلاة. وهذا الحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى وابن حبان، كما نسبه إليهما الدكتور الأعظمي في تعليقه على المصنف، وعزاه للفتح جـ ٢/ ص ٣٦. وفي المصنف كذلك عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ يتسحر فقال: الصلاة يا رسول الله. قال: فثبت كما هو يأكل. ثم أتاه فقال: الصلاة. وهو حاله. ثم أتاه الثالثة فقال: الصلاة يا رسول الله! قد والله أصبحتَ. فقال النبي ﷺ : "يَرْحَم اللهُ بِلَالًا. لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْنَا أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". =

стр. 458

وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ (١). = وأخرج عبد الرزاق في المصنف أيضًا عن ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن حِبَّان ابن الحارث قال: أتيت عليًا وهو معسكر بدير أبي موسى، وهو يتسحر، فقال: ادْنُ، قال: قلت: إني أريد الصيام. قال: وأنا أريد الصيام. فلما فرغ قال للمؤذن: أقم الصلاة. ا. هـ. ولولا الاختصار وخشية الطول لجئت بمزيد من ذلك. (١) وقوله ﵀: وصوم بسفر، في المدونة: قال مالك: الصوم في السفر أحب إليَّ لمن قوي عليه، وكل واسع. ا. هـ. بنقل المواق. ودليل أن الصوم أفضل للمسافر من الفطر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) الآية. وقول الإمام: وكل واسع، دليله الحديث المتفق عليه؛ عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﷺ : أأصوم في السفر؟. وكان كثير الصيام. فقال رسول الله ﷺ : "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ". ومن أدلة ذلك أيضًا الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك أنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وعن أبي سعيد قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان؛ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، أخرجه البغوي وقال: رواه مسلم عن عمرو النقاد، عن إسماعيل عن إبراهيم عن الجريري. وهذه الأحاديث تدل على ما نقلناه عن إمام دار الهجرة؛ من أن الكل واسع. وهوقول عامة أهل العلم إلا ما نقل عن ابن عمر قوله: إن صام في السفر قضى في الحضر. وعن ابن عباس أنه قال: لا يجوز الصوم في السفر. وإليه ذهب من المتأخرين داود بن علي الظاهري. ثم إن أهل العلم اختلفوا في أفضل الأمرين، فذهب مالك إلى أن الصوم أفضل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢). وهو قول أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص. وبه قال النخعي، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب ابن المبارك، والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي. وقال قوم: الفطر أفضل. يروى ذلك عن ابن عمر. وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي. وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. =

стр. 459

وَصَوْمُ عَرَفَةَ إِنْ لَمْ يَحُجَّ، وَعَشْرِ ذِي الحجة (١)، وعاشوراءَ وتَاسُوعَاءَ وَالْمُحَرَّمِ (٢) وَرَجَبٍ (٣) وَشَعْبَانَ (٤) = وقال قوم: أفضل الأمرين أيسرهما عليه، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، قال قتادة وعمر بن عبد العزيز، أما الذي يجهده الصوم ولا يطيقه، فالأولى به أن يفطر؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "مَا هذَا"؟ قالوا: صائم. فقال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". هذا حديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ويحتج به من لا يرى الصوم في السفر. وهو عند عامة العلماء مقصور على من يجهده الصوم، ويؤديه إلى مثل الحالة التي صار إليها الرجل الذي جاء في الحديث. وقوله: وإن علم دخوله بعد الفجر، هو لبيان أن الندب مستصحب، أي ندب صوم المسافر، ولو علم أنه يدخل أول النهار؛ إذ قد يتوهم أن الصوم حينئذ واجب، وليس كذلك. انظر المواق. (١) وقوله ﵀: وصوم عرفة إن لم يحج، دليله قوله ﷺ : "وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ". رواه مسلم وأبو داود. أما إذا كان حاجًا فإنه يكره له صومه لحديث أبي داود: نهى ﵊ عن صيام عرفة بعرفة، ولأنه ﵊ الأسوة الحسنة، وكان به مفطرًا. أخرج عبد الرزاق في المصنف، عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: أفطر رسول الله ﷺ بعرفة؛ هيأت له أم الفضل لبنًا فشرب بعرفة. ا. هـ. وأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمرو الثوري، عن سالم أبي النضر، عن عمير مولى أم الفضل قال: شكُّوا في صيام النبي ﷺ بعرفة، فقالت أم الفضل: أنا أعلم لكم ذلك. فأرسلت إليه بقعب من لبن فشرب منه. أخرجه مالك وأخرجه الشيخان من طريقه. وأخرج المجد في منتقى الأخبار حديث حفصة ﵂ قالت: أربع لم يكن يدعهنَّ رسول الله ﷺ ؛ صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة، وقال: رواه أحمد والنسائي. =

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقوله ﵀: وعشر ذي الحجة، أي لما جاء في فضل العبادة والترغيب فيها. ولا يخفى أن المستحب صوم تسعة أيام منها لورود النهي عن ححوم يوم النحر. وأيام عشر ذي الحجة كلها شريفة؛ يضاعف العمل فيها، ويستحب الإِجتهاد في العبادة فيها؛ لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هذِهِ الأيَّامِ الْعَشْرِ". قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟. قال رسول الله ﷺ : "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلِكَ بِشَئٍ". قال ابن قدامة: وهذا حديث صحيح. وروى أبو داود عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء. (٢) وقوله ﵀: وعاشوراء وتاسوعاء والمحرم، أما دليل فضيلة صوم عاشوراء، فحديث ابن عباس المتفق عليه قال: ما كان النبي ﷺ يتحرى صيام يوم يبتغي فضله إلا صيام رمضان وهذا اليوم؛ يومَ عاشوراء. ا. هـ. وعن ابن عباس أيضًا قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظفر الله موسى وبني اسرائيل على فرعون. ونحن نصومه تعظيمًا له. فقال رسول الله ﷺ : "نَحْنُ أولَى بِمُوسَى". وأمر بصومه. أ. هـ. وهذا حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع، وأخرجه مسلم في الصيام. وكان صوم يوم عاشوراء فرضًا في الإِبتداء، قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان، فمن شاء صام عاشوراء ومن شاء ترك؛ روي ذلك عن عائشة وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة ﵃ أجمعين، فأما حديث عائشة وابن عمر ففي الصحيحين، وأما حديث عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة ففي صحيح مسلم. وقوله ﵀: وتاسوعاء، هو اليوم التاسع من المحرم؛ فقد جاء في صومه ما رواه وكيع عن حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس - وهو متوسد رداءه في زمزم - فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، أي يوم أصومه؟. قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح من التاسع صائمًا. قال: أهكذا كان يصومه ﷺ ؟. قال: نعم. ا. هـ. =
следующие страницы →