← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فِطْرٍ (١). وتَأْخِيرُ سُحُورٍ (٢). = والمعروف عن مجاهد خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب. رواه ابن أبي شيبة. ثم نقل عن السبكي أن ملابسة المعاصي تمنع ثواب الصوم إجماعًا. قال: وفيه نظر لمشقة الإِحتراز. قال الحطاب: ويشهد لما ذكره السبكي حديث البخاري: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزَّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". وروى أصحاب السنن، ورواه الطبراني بلفظ: "مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". ذكره في الترغيب والترهيب. وحديث ابن ماجه والنسائي: "رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ". رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري. ا. هـ. بواسطة نقل الحطَّاب وبتصرف. (١) وقوله ﵀: وتعجيل فطر، دليله حديث سهل بن سعد السَّاعدي أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَزَال النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ". وهو حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في الصيام، باب: تعجيل الفطر. وأخرجه مسلم، وأخرجه مالك في الموطإ، والعمل عليه عند أهل العلم؛ استحبوا تعجيل الفطر بعد ما يتيقن غروب الشمس. قال البغوي: قال عبد الكريم بن أبي المخارق: من عمل النبوة تعجيل الفطر والاستيناء بالسحور. ا. هـ. وفي صحيح مسلم، وفي البغوي عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد ﷺ أحدهما يعجل الإِفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإِفطار ويؤخر الصلاة؟. قالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟. قلنا: عبد الله بن مسعود. قالت: هكذا صنع رسول الله ﷺ . والآخر أبو موسى. وأخرج عبد الرزاق في المصنف من حديث عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد ﷺ أسرع الناس إفطارًا وَأبطأهم سحورًا. وإسناده صحيح، كما قال ابن حجر في فتح الباري جـ ٤/ ص ١٧٣. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا". وفي رواية: "قَالَ اللهُ " .. الحديث. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. =

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: وتأخير سحور، هو فضيلتان؛ فضيلة السحور وفضيلة تأخيره. أما في فضل السحور، فقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١). قال البغوي: فالخيط الأبيض بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل. وأخرج البغوي بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ". وقال: هذا حديث صحيح. وأخرج كذلك عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً". وهذا حديث متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صيَامِنَا وَصيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ". رواه البغوي، والترمذي، وأبو داود، والنسائي. واستحب أهل العلم تأخير السحور، كما تقدم عند الكلام على تعجيل الفطور. قال البغوي: وروى أنس. قال زيد بن ثابت: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟. قال: خمسين آية. أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. وفي مصنف عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "سَحِّرْنَا يَا أَنَسُ؛ إِنِّي أُرِيدُ الصَّيَامَ فَأَطْعِمْنِي شَيْئًا". فجئته بتمر وإناء فيه ماء، بعد ما أذَّن بلال. فقال: "يَا أَنَسُ، أُنْظُرْ إِنْسَانًا يَأْكُلْ مَعِي". فدعوت زيد بن ثابت فقال: يا رسول الله، إِني شربت شربة من سويق، وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ : "وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ". فتسحر معه. ثم صلّى النبي ﷺ ركعتين، ثم خرج فأقيمت الصلاة. وهذا الحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى وابن حبان، كما نسبه إليهما الدكتور الأعظمي في تعليقه على المصنف، وعزاه للفتح جـ ٢/ ص ٣٦. وفي المصنف كذلك عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ يتسحر فقال: الصلاة يا رسول الله. قال: فثبت كما هو يأكل. ثم أتاه فقال: الصلاة. وهو حاله. ثم أتاه الثالثة فقال: الصلاة يا رسول الله! قد والله أصبحتَ. فقال النبي ﷺ : "يَرْحَم اللهُ بِلَالًا. لَوْلَا بِلَالٌ لَرَجَوْنَا أَنْ يُرَخَّصَ لَنَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". =

стр. 458

وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ (١). = وأخرج عبد الرزاق في المصنف أيضًا عن ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة عن حِبَّان ابن الحارث قال: أتيت عليًا وهو معسكر بدير أبي موسى، وهو يتسحر، فقال: ادْنُ، قال: قلت: إني أريد الصيام. قال: وأنا أريد الصيام. فلما فرغ قال للمؤذن: أقم الصلاة. ا. هـ. ولولا الاختصار وخشية الطول لجئت بمزيد من ذلك. (١) وقوله ﵀: وصوم بسفر، في المدونة: قال مالك: الصوم في السفر أحب إليَّ لمن قوي عليه، وكل واسع. ا. هـ. بنقل المواق. ودليل أن الصوم أفضل للمسافر من الفطر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١) الآية. وقول الإمام: وكل واسع، دليله الحديث المتفق عليه؛ عن عائشة ﵂ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﷺ : أأصوم في السفر؟. وكان كثير الصيام. فقال رسول الله ﷺ : "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ". ومن أدلة ذلك أيضًا الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك أنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. وعن أبي سعيد قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان؛ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، أخرجه البغوي وقال: رواه مسلم عن عمرو النقاد، عن إسماعيل عن إبراهيم عن الجريري. وهذه الأحاديث تدل على ما نقلناه عن إمام دار الهجرة؛ من أن الكل واسع. وهوقول عامة أهل العلم إلا ما نقل عن ابن عمر قوله: إن صام في السفر قضى في الحضر. وعن ابن عباس أنه قال: لا يجوز الصوم في السفر. وإليه ذهب من المتأخرين داود بن علي الظاهري. ثم إن أهل العلم اختلفوا في أفضل الأمرين، فذهب مالك إلى أن الصوم أفضل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢). وهو قول أنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص. وبه قال النخعي، وسعيد بن جبير، وإليه ذهب ابن المبارك، والثوري، والشافعي وأصحاب الرأي. وقال قوم: الفطر أفضل. يروى ذلك عن ابن عمر. وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي. وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. =

стр. 459

وَصَوْمُ عَرَفَةَ إِنْ لَمْ يَحُجَّ، وَعَشْرِ ذِي الحجة (١)، وعاشوراءَ وتَاسُوعَاءَ وَالْمُحَرَّمِ (٢) وَرَجَبٍ (٣) وَشَعْبَانَ (٤) = وقال قوم: أفضل الأمرين أيسرهما عليه، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، قال قتادة وعمر بن عبد العزيز، أما الذي يجهده الصوم ولا يطيقه، فالأولى به أن يفطر؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "مَا هذَا"؟ قالوا: صائم. فقال: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ". هذا حديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ويحتج به من لا يرى الصوم في السفر. وهو عند عامة العلماء مقصور على من يجهده الصوم، ويؤديه إلى مثل الحالة التي صار إليها الرجل الذي جاء في الحديث. وقوله: وإن علم دخوله بعد الفجر، هو لبيان أن الندب مستصحب، أي ندب صوم المسافر، ولو علم أنه يدخل أول النهار؛ إذ قد يتوهم أن الصوم حينئذ واجب، وليس كذلك. انظر المواق. (١) وقوله ﵀: وصوم عرفة إن لم يحج، دليله قوله ﷺ : "وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ". رواه مسلم وأبو داود. أما إذا كان حاجًا فإنه يكره له صومه لحديث أبي داود: نهى ﵊ عن صيام عرفة بعرفة، ولأنه ﵊ الأسوة الحسنة، وكان به مفطرًا. أخرج عبد الرزاق في المصنف، عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: أفطر رسول الله ﷺ بعرفة؛ هيأت له أم الفضل لبنًا فشرب بعرفة. ا. هـ. وأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمرو الثوري، عن سالم أبي النضر، عن عمير مولى أم الفضل قال: شكُّوا في صيام النبي ﷺ بعرفة، فقالت أم الفضل: أنا أعلم لكم ذلك. فأرسلت إليه بقعب من لبن فشرب منه. أخرجه مالك وأخرجه الشيخان من طريقه. وأخرج المجد في منتقى الأخبار حديث حفصة ﵂ قالت: أربع لم يكن يدعهنَّ رسول الله ﷺ ؛ صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة، وقال: رواه أحمد والنسائي. =

стр. 460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقوله ﵀: وعشر ذي الحجة، أي لما جاء في فضل العبادة والترغيب فيها. ولا يخفى أن المستحب صوم تسعة أيام منها لورود النهي عن ححوم يوم النحر. وأيام عشر ذي الحجة كلها شريفة؛ يضاعف العمل فيها، ويستحب الإِجتهاد في العبادة فيها؛ لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هذِهِ الأيَّامِ الْعَشْرِ". قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟. قال رسول الله ﷺ : "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلِكَ بِشَئٍ". قال ابن قدامة: وهذا حديث صحيح. وروى أبو داود عن بعض أزواج النبيِّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء. (٢) وقوله ﵀: وعاشوراء وتاسوعاء والمحرم، أما دليل فضيلة صوم عاشوراء، فحديث ابن عباس المتفق عليه قال: ما كان النبي ﷺ يتحرى صيام يوم يبتغي فضله إلا صيام رمضان وهذا اليوم؛ يومَ عاشوراء. ا. هـ. وعن ابن عباس أيضًا قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظفر الله موسى وبني اسرائيل على فرعون. ونحن نصومه تعظيمًا له. فقال رسول الله ﷺ : "نَحْنُ أولَى بِمُوسَى". وأمر بصومه. أ. هـ. وهذا حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع، وأخرجه مسلم في الصيام. وكان صوم يوم عاشوراء فرضًا في الإِبتداء، قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان، فمن شاء صام عاشوراء ومن شاء ترك؛ روي ذلك عن عائشة وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة ﵃ أجمعين، فأما حديث عائشة وابن عمر ففي الصحيحين، وأما حديث عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة ففي صحيح مسلم. وقوله ﵀: وتاسوعاء، هو اليوم التاسع من المحرم؛ فقد جاء في صومه ما رواه وكيع عن حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس - وهو متوسد رداءه في زمزم - فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، أي يوم أصومه؟. قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، ثم أصبح من التاسع صائمًا. قال: أهكذا كان يصومه ﷺ ؟. قال: نعم. ا. هـ. =

стр. 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال البغوي: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بن الجراح. واستحب جماعة من أهل العلم أن يصوم المرء اليوم التاسع. يروى عن ابن عباس أنه قال: صوموا اليوم التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود. وإسناده صحيح. وصح أيضًا عنه ﷺ أنه قال: "فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، صُمْنَا يَوْمَ التَّاسِعِ إِنْ شَاءَ اللهُ". قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي النبيُّ ﷺ . أخرجه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن سعيد بن أبي مريم. وقوله ﵀: والمحرم، هو لما ثبت في صحيح مسلم عن قتيبة، عن أبي عوانة من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَّرمُ". ا. هـ. (٣) وقوله ﵀: ورجب، نقل الحطاب هنا عن ابن حجر أنه لم يرد في فطر رجب، ولا في صيامه ولا في صيام شيءٍ منه معين، حديث صحيح يصلح للإِحتجاج به. انظره. ولذا قال: ولو قال المصنف: والمحرم وشعبان لوافق النصوص. ا. هـ. الدسوقي. تنبيه: لقد نقل الحطاب هنا موجزًا من [تبيين العجب مما ورد في فضل رجب] ذكر فيه كثيرًا مما ورد من الأحاديث الموضوعة والواهية، التي لا يعول عليها، والتي أخرجها ابن حجر العسقلاني في تأليفه آنف الذكر. راجعه إن شئت فهو مهم. وبالله تعالى التوفيق. (٤) وقوله ﵀: وشعبان، دليله أن أم سلمة قالت: إِن النبي ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصل به رمضان. قال في المنتقى: رواه الخمسة. ولفظ ابن ماجه: كان يصوم شهري شعبان ورمضان. وعن عائشة قالت: لم يكن النبي ﷺ يصوم أكثر من شعبان؛ فإنه كان يصومه كله. وفي لفظ. ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان؛ كان يصومه إلا قليلًا، بل كان يصومه كله. وفي لفظ: ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان. متفق على جميع رواياته. واختلف في الحكمة في إكثاره ﷺ من صوم شعبان. انظر تفصيل ذلك في نيل الأوطار. تنبيه: نفي ورود شيء يعول عليه في خصوص رجب، أو يوم من أيامه، لا يمنع من دخوله مما =

стр. 462

وَإمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِمَنْ اسْلَمَ. وَقَضَاؤُهُ (١)، وَتَعجِيلُ قَضَاءٍ، وَتَتَابُعُهُ؛ كَكُلِّ صَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْ تَتَابُعُهُ (٢). وَبَدْءٌ بِكَصَوْمِ تَمَتُّعٍ، إِنْ لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ (٣). وَفدْيَةٌ لِهَرِمٍ أو عَطِشٍ (٤). = ورد عمومًا؛ مثل حديث أبي داود: "صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ. صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ. صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرَكْ". لأن رجب أحد هذه الأشهر الحرم. والله تعالى ولي التوفيق. (١) وقوله ﵀: وإمساك بقية اليوم لمن أسلم، وقضاؤه، هو عطف على ما يستحب. وتبع فيه مذهب المدونة ففيها ما نصه: وقال مالك: من أسلم في رمضان فليس عليه قضاء ما مضى منه، وليصم ما بقي؛ قلت: أرأيت اليوم الذي أسلم فيه؟. فقال: قال مالك: أحب إليَّ أن يقضيه. ولست أرى عليه قضاءه واجبًا. ا. هـ. منه. بلفظه. وفي مصنف عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: إذا أسلم النصراني في بعض رمضان صام ما مضى منه، وإن أسلم في آخر النهار صام ذلك اليوم. ا. هـ. وفي المصنف أحاديث أخر تشهد لذلك. والله الموفق. (٢) وقوله وتعجيل قضاء وتتابعه، دليل جواز تأخير القضاء ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: أخبرني يحيى بن سعيد أنه سمع أبا مسلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت عائشة تقول: قد كان يكون عليّ الشيء من رمضان، ثم لا أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان. قال: فظننت أن ذلك لمكانها من النبي ﷺ . ودليل جواز عدم التتابع في القضاء ما أخرجه عبد الرزاق أيضًا قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن ابن المسيب قال: صمه كيف شئت، واحص العدد. وأخرج عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: صم كيف شئت. قال الله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) الآية. وندب تعجيل القضاء هو للمبادرة إلى امتثال الطاعات، وذلك أولى من التراخي فيه. =

стр. 463

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقوله: ككل صوم يلزم تتابعه، في المدونة ما نصه: ما كان من صيام الشهور فهو متتابع؛ لأن الله يقول: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (١) وما كان من صيام الأيام التي في القرآن؛ مثل قوله في قضاء رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). قال: فأحب إليَّ أن يتابع بين ذلك، فإن لم يفعل أجزأه. قلت: فإن صام رجل كفارة اليمين متفرقًا، أيجزئه في قول مالك؟. فقال: نعم. وقال مالك: وإن فرق صيام ثلاثة أيام في الحج أجزأه. قال مالك: وإن صام يوم التروية ويوم عرفة ويومًا من آخر أيام التشريق أجزأه. قلت: أرأيت صيام الصيد والمتعة، أيتابع بينه في قول مالك، أم يفرقه إن أحب؟. فقال مالك: أحب إليَّ أن يتابع؛ فإن فرق لم يكن عليه شيء وأجزأ عنه. ا. هـ. منه بلفظه. (٣) وقوله: وبدء بكصوم تمتع إن لم يضق الوقت، من المدونة: ومن عليه صوم هدي وقضاء رمضان، فليبدأ بصوم الهدي إن لم يرهقه رمضان الثاني، فليقض رمضان ثم يقضي صيام الهدي بعد ذلك. ا. هـ. منه بنقل المراق. (٤) وقوله: وفدية لهرم أو عطش، أخرج عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن ثابت البناني قال: كبر أنس بن مالك حتى كان لا يطيق الصيام، فكان يفطر ويطعم. ا. هـ. علقه البخاري. قال ابن حجر: رواه عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس. "بمعناه". وأخرج عبد الرزاق أيضًا عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (٣) قال: هي في الشيخ الكبير والعجوز إذا لم يستطيعا الصيام، فعليهما أن يطعما كل يوم مسكينًا - كل واحد منهما - فإن لم يجدا فلا شيء عليهما. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة بن عمار قال: سألت طاوسًا عن أمي - وكان بها عُطاش - فلم تستطع أن تصوم رمضان، فقال: تطعم كل يوم مسكينًا مُدَّ بُرٍّ. قال: قلت: بأَيِّ مُدٍّ؟. قال: مُدّ أرضك. ا. هـ.

стр. 464

وَصوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (١)، وكُرِهَ كَوْنُهَا الْبِيضَ (٢)، كَسِتَّةٍ مِنْ (١) وقوله ﵀: وصوم ثلاثة من كل شهر؛ أخرج البغوي بسنده عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَامَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ. فَأَنْزَل اللهُ تَصْدِيقَ ذلِكَ في كِتَابِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١). الْيَوْمُ بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ". ا. هـ. وهو في سنن الترمذي. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وصححه ابن خزيمة. وعن أبي هريرة: أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام. ا. هـ. أخرجه البخاري ومسلم. وفي البغوي عن شعبة عن يزيد الرِّشكِ. قال: سمعت معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم. قلت: من أيه كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالي من أيِّهِ صام. وقال الهيثم: من أيِّهِ كان يصوم. ا. هـ. وهذا الحديث في صحيح مسلم وسنن الترمذي. (٢) وقوله ﵀: وكره كونها البيض، لم أقف إلا على دديل استحباب صومها؛ ففي البغوي ما نصه: عن أبي ذرٍّ قال ﷺ : قال النبي ﷺ : "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ صَائِمًا مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ اثامٍ، فَلْيَصُمِ الثَّلَاثَ الْبِيضَ". قال البغوي هذا حديث حسن. ا. هـ. وهو في مسند أحمد في موضعين. وصححه ابن حبان. وأخرجه النسائي أيضًا. وفي الحطاب: وكذلك كره مالك ﵀ أن يتعمد صيام الأيام البيض - وهو يوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، على ما روي فيها - مخافة أن يجعل صيامها واجبا. ا. هـ. منه. قلت: وهل لمالك أن يكره ما أمر به الرسول ﷺ ؟!. أما أنا فإني أقول: إذا ثبت صحة نقل كراهة صيامها عن مالك، تعين القول بأن الحديث بالأمر بصومها لم يبلغه؛ وذلك لشدة ورع مالك، وحرصه على متابعة رسول الله ﷺ . وقد ثبت أنه سأله سائل عن مسألة فقال: قال رسول الله ﷺ : كذا .. فقال السائل: أرأيت؟. فغضب مالك وقال: أقول لك: قال رسول الله، فتقول لي أرأيت؟!. وقرأ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وبالله تعالى التوفيق. انظر البغوي جـ ١.

стр. 465

شَوَّالٍ (١)، وذَوْقُ مِلْحٍ وعِلْكٍ ثُمَّ يَمُجُّهُ (٢). ومُدَاواةُ حَفْرٍ زمَنَهُ إِلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ (٣). (١) وقوله: كستة من شوال، الرأي عندي - والذي يليق برسوخ قدم الإِمام مالك في العلم - أنه إنما كره صومها مباشرة بعد الفطر، خشية التلبيس على العوام، وأن يظنوا أنها من رمضان، كما هو مشاهد الآن في بعض الأقاليم في المشرق، وإن كراهة ذلك أيضا مقيدة بمن يقتدى به، وإلا فكيف يتصور من مالك أن يقول بكراهة صوم ستة أيام من شوال مطلقًا؟! بعد ما يصله قوله ﷺ من حديث أبي أيوب الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذلِكَ كصِيَامِ الدَّهْرِ". أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي. ونقل ابن القيم في تهذيب السنن: قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب؛ على أنه حديث مدني، والإِحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه مالك قد بينه وأوضحه؛ خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يسبق ذلك إلى العامة. ا. هـ. محل الغرض بواسطة نقل المعلق على شرح السنة جـ ٦/ ص ٣٣٢. قلت: ويؤيد كراهة اتصال الصوم بيوم الفطر ما أخرجه عبد الرزاق قال: وسألت معمرًا عن صيام الست التي بعد يوم الفطر، وقالوا له: تصام بعد الفطر بيوم؟. فقال: معاذ الله!. إنما هي أيام عيد وأكل وشرب، ولكن تصام ثلاثة أيام قبل أيام الغر، أو ثلاثة أيام الغر أو بعدها. وأيام الغر: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر. وسألنا عبد الرزاق عمن يصوم يوم الثاني فكره ذلك، وأباه إباء شديدًا. ا. هـ. (٢) وقوله: وذوق كملح وعلك ثم يمجه، من المدونة ما نصه: كره مالك للصائم ذوق العسل والملح وشبهه إن لم يدخل جوفه، وكره مضغ العلك أو مضغ الطعام للصبي. ا. هـ. بنقل المواق. وفي المصنف أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: سمعت قتادة يسأل عن العلك، فقال: إني لأكرهه للصائم وغير الصائم. ا. هـ. وفيه غير ذلك مما يشهد له. وأما بالنسبة لمضغ الطعام للصبي، فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف: بابُ المرأة تمضغ لصبيها؛ وهي صائمة وتذوق الشيء؛ عبد الرزاق عن معمر قال: سألت حمادًا عن المرأة الصائمة تذوق المرقة، فلم ير عليها في ذلك بأسًا. قال: وإنهم ليقولون: ما شيء أبلغ في ذلك من الماء يمضمض به الصائم. ا. هـ. =

стр. 466

وَنَذْرُ يَوْمٍ مُكَّررٍ (١)، وَمُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ كَقُبْلَةٍ وَفكْرٍ - إنْ عُلِمَتِ السَّلَامَةُ - وإلَّا حَرُمَتْ (٢). وحِجَامَةُ مَرِيضٍ فَقَطْ (٣)، وتَطَوُّعٌ قَبْلَ نَذْرٍ أوْ قَضَاءٍ (٤). = وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم: كان لا يرى بأسًا أن تمضغ المرأة الصائمة لصبيها. ا. هـ. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن فضيل، عن مغيرة عن إبراهيم وزاد: ما لم يبلغ حلقها. وأخرج عبد الرزاق عن إسماعيل بن عبد الله عن يونس عن الحسن قال: رأيته يمضغ للصبي طعامًا وهو صائم. قال: يمضغه ثم يخرجه من فيه، يضعه في فم الصبي. قال يونس: وكنت أدخل عليه وهو صائم في شدة الحر، فيتمضمض بالماء يمجه من الظهر إلى العصر، وذلك في رجب. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: ومداواة حَفْر زمنه إلا لخوف ضرر، قال في المدونة هنا عاطف على ما يكره: أو يداوي الحفر في فيه ويمج الدواء. وقوله: إلا لخوف ضرر؛ أي لأن الضرر يزال؛ وهي إحدى القواعد الخمس أمهات الفقه. والله الموفق. (١) وقوله ﵀: ونذر يوم مكرر، قال المواق: من المدونة قال مالك: من نذر صوم كل خميس يأتي لزمه، فإن أفطر منه خميسًا متعمدًا قضاه. وكره مالك أن ينذر صوم يوم يوقته. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ومقدمة جماع كقبلة وفكر إن علصت السلامة وإلا حرمت، جاء في مصنف عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن قبلة الصائم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم. فقال: ومن ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله ﷺ . وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار أنه أخبره أنه قبَّل امرأته على عهد النبي ﷺ وهو صائم، فأمر امرأته فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال النبي ﷺ : "إنَّ رَسُولَ اللهِ يَفْعَلُ ذلِكَ". فأخبرته امرأته فقال: إن النبي ﷺ يرخص له في أشياء، فارجعي إليه فقولي له ذلك. فرجعت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال النبي ﷺ : "أَنَا أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللهِ". وفي الصحيحين عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يقبّل وهو صائم، ولكن كان أملكَكُم لإِرْبهِ. =

стр. 467

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والحاصل أن أهل العلم اختلفوا في جواز القبلة للصائم؛ فرخص فيها عمر بن الخطاب وأبو هريرة وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وإليه ذهب عطاء والشعبي والحسن. وقال الشافعي: لا بأس إذا لم تحرك القبلة شهوته. وبه قال أحمد وإسحاق. وقال ابن عباس: يكره ذلك للشاب ويرخص فيه للشيخ. وإليه ذهب مالك بن أنس. أما المباشرة للصائم، فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: ينهى عن لمس الصائم وتجريده. وأخرج عبد الرزاق عن مالك عن نافع عن ابن عمر: كان ينهى عن المباشرة للصائم. وهذا الأثر أخرجه مالك في الموطإ. (٣) وقوله ﵀: وحجامة مريض فقط، قال في المدونة: وقال مالك: إنما أكره الحجامة للصائم لموضع التغرير؛ فلو احتجم رجل فسلم لم يكن عليه شيء. ابن وهب: عن هشام بن سعد وسفيان الثوري عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرُ مِنْهُنَّ الصَّائِمُ: الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالْحُلُمُ". ابن وهب. وذكر ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم. ا. هـ. قلت: اختلف أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم في الحجامة للصائم؛ فرخص فيها قوم، محتجين بحديث ابن عباس المتقدم. وهو صحيح أخرجه محمد في صحيحه، باب: الحجامة والقيء للصائم. وفي الطب، باب: أي ساعة يحتجم. وهو مروي عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة أنهم احتجموا صيامًا. وقال بكير عن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة فلا تنهى. علقه البخاري في الصحيح. وقد وصله في التاريخ من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه. واحتجم ابن الزبير وهو صائم. أخرجه مالك في الموطإ وإسناده صحيح. وهو في مصنف عبد الرزاق. وإلى هذا ذهب مالك وسفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وكره قوم الحجامة للصائم. وإليه ذهب مسروق والحسن وابن سيرين. وروي عن جماعة من =

стр. 468

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الصحابة أنهم كانوا يحتجمون بالليل، منهم ابن عمر. أخرجه عنه مالك وعبد الرزاق. ومنهم أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك. وقال ابن المسيب والشعبي والنخعي: إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف. وعن أنس أنه سئل: أكنتم تكرهرن الحجامة للصائم على عهد النبي ﷺ ؟. قال: لا، إلَّا من أجل الضعف. أخرجه البخاري. وقال أحمد وإسحاق: إن الحجامة تفطر الصائم. وقالا: يجب القضاء على الحاجم والمحجوم، ولا كفارة عليهما. والحجة في ذلك حديث شداد بن أوس قال: كنا مع النبي ﷺ زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم لثمانِ عشرة خلت من رمضان، فقال وهو آخذ بيدي: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ والْمَحْجُومُ". أخرجه أبو داود، والدارمي، وعبد الرزاق، وابن ماجه، والبيهقي، وروي مثله عن رافع بن خديج وثوبان. وتأول بعض من رخص في الحجامة للصائم هذا الحديث فقال: معنى أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُورمُ، أي تعرضا للإِفطار؛ أما الحاجم، فلأنه لا يؤمن أن يصل الدم إلى جوفه. وأما المحجوم، فلتعرضه للضعف. وقيل في تأويله غير ذلك. ا. هـ. بتصرف من شرح السنة للبغوي. (٤) وقوله ﵀: وتطوع قبل نذر أو قضاء، قال المواق: في الموطإ: سئل ابن المسيب عن رجل نذر صيام شهر، له أن يتطوع؟. قال: ليبدأ بالنذر. قاق الباجي: النذر هو ما ينذره الإِنسان، ويلزمه نفسه بالقول قبل الدخول فيه. والتطوع ما لا يلزمه بالقول، وإنما يدخل فيه اختيارًا، فيلزمه بالدخول فيه إتمامه، فمن النظر أن يبدأ بما لزمه لتبرأ ذمته منه، ثم يتطوع. ا. هـ. منه.

стр. 469

وَمَنَ لَا تُمْكِنُهُ رُؤْيةٌ وَلَا غَيْرُهَا - كَأسِيرٍ - كَمَّلَ الشُّهورَ، وَإِنِ الْتَبسَتْ وظَنَّ شَهْرًا صَامَهُ وإِلَّا تَخَيَّرَ وَأَجْزَأَ مَا بَعْدَهُ بالْعَدَدِ لَا قَبْلَهُ، أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ. وفِي مُصَادَفَتِهِ تَرَدُّدٌ (١). وَصِحَّتُهُ مُطْلَقًا بِنِيَّةٍ مُبَيَّتَةٍ أوْ مَعَ الْفَجْرِ (٢)، وَكَفَتْ نِيَّةٌ لِمَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ (٣). (١) وقوله ﵀: ومن لا تمكنه رؤية ولا غيرها كأسير كمّل الشهور ألخ، ليس فيه نص، فما هو إلا اجتهاد. وتقريب ذلك للذهن أن من علم الشهور لا تمكنه رؤية للهلال ولا غيرها من إخبار عنه - كأسير وسجين - بنى في صيام رمضان بعينه على الشهور كلها، كاملة، كما لو توالى غيمها، وصام رمضان كذلك. وهذا عرف رمضان من غيره ولم تلتبس عليه الشهور، وإنما التبست عليه معرفة كمال الأهلة. وإن التبست عليه الشهور، فلم يعرف رمضان من غيره، وظن شهرًا أنه رمضان صامه، وإلَّا يظن بل تساوت عنده الاحتمالات تخيَّر شهرًا وصامه، فإن فعل ما طلب منه فله أحوال أربعة هي: إنه إن تبين أن ما صامه في صورتي الظن والتخيير هوما بعد رمضان، أجزأ ويكون قضاء عنه، ونابت نية الأداء عن القضاء. وإن تبين أن ما صامه شوال، وكانا هو ورمضان كاملين أو ناقصين، قضى يومًا عن يوم العيد. وإن كان الكامل رمضان فقط قضى يومين، وبالعكس لا قضاء. وإن تبين أن ما صامه قبله وإن تعددت السنون، أو بقي على شكله في صومه؛ لظن أو تخير فلا يجزئ فيهما. وقال ابن الماجشون وأشهب وسحنون: يجزئه في البقاء على الشك، لأن فرضه الاجتهاد، وقد فعل ما يجب عليه، فهو على الجواز حتى ينكشف خلافه. ورجحه ابن يونس. وإن صادف الشهر في تخيره أجزأ صومه على المعتمد. ا. هـ. الدردير بتصرف. والله تعالى أعلم. (٢) وقوله ﵀: وصحته مطلقًا بنية مبيتة أو مع الفجر، في الحطَّاب ما نصه: يعني أن شرط صحة الصوم مطلقًا، أي فرضًا كان أو نفلًا، معينًا أو غير معين، أن يكون بنية؛ لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". رواه الشيخان. وقوله: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ". رواه أصحاب السنن الأربعة. ولا يقال: الصوم ليس بعمل فلا يتناوله الحديث. وإنما هو كف، لأننا نقول: الكف عمل. ولقوله ﷺ حكاية عن ربه: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ =

стр. 470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لِي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ". وقول الطحاوي: إن الاستثناء منقطع بعيد. قاله في التوضيح. ويشترط في صحة الصوم أيضًا أن تكون النية مبيتة من الليل؛ للحديث المتقدم. ويصح أن يكون اقترانها مع الفجر؛ لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة لأول العبادة، وإنما جوز الشرع تقديمها لمشقة تحرير الاقتران. وحكى في البيان قولًا بأنه لا يصح إيقاعها مع الفجر. وقال في فرض العين: وصفتها أن تكون مبيتة من الليل للحديث المتقدم. ويصح أن يكون اقترانها مع الفجر للصوم، سواء كان صوم واجب أو تطوع أو نذر أو كفارة، وأن تكون مبيتة من الليل أو مقارنة للفجر؛ وأن تكون جازمة من غير تردد. وينوي أداء فرض رمضان. ا. هـ. منه بلفظه. قلت: أخرج البغوي، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، والدارقطني، والطحاوي، والبيهقي، عن حفصة زوج النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعْ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيامَ لَهُ". وهذا لفظ البغوي. وقال: اتفق أهل العلم أن الصوم المفروض إذا كان قضاءًا أو كفارة أو نذرًا مطلقًا، أنه لا يصح إلا بان ينوى له قبل طلوع الفجر، أما أداء صوم شهر رمضان، والنذر المعين، فاختلفوا فيه؛ فذهب أكثرهم إلى أن تبييت النية فيه شرط؛ لأنه صوم مفروض كالقضاء والنذر المطلق. وهو قول عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. إلى أن قال: وذهب أصحاب الرأي إلى أن أداء رمضان، والنذر المعين، يجوز بنية من النهار قبل الزوال. أمّا صوم التطوع، فذهب أكثر العلماء إلى أنه يجوز بنية من النهار قبل الزوال. وروي أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس فصام. وقال جابر بن زيد: لا يجوز صوم التطوع إلا بنية من الليل كالفرض. وروي عن ابن عمر أنه كان لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل. واستدل من أجاز صوم التطوع بما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يأتيني فيقول: "أعِنْدَكِ غَدَاءٌ"؟. فأقول: لا. فيقول: "إنِّي صَائِمٌ"؟. قالت: فأتاني يومًا فقلت: يا رسول الله، إنه أهديت لنا هدية. قال: "وَمَا هِيَ"؟. قلت: حيسٌ. قال: "أَمَّا إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا". قالت: ثم أكل. ا. هـ. وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن وكيع عن =

стр. 471

لَا مَسْرُوِدٍ وَيَوْمٍ مُعَيَّنٍ. ورُوَيتْ عَلَى الإِكِتِفَاءِ فِيهِمَا (١)، لَا إِنِ انْقطَعَ تَتابُعُهُ = طلحة بن يحيى. قال البغوي: وفيه دليل جواز نية التطوع من النهار، وأن المطوع بالصوم جائز له أن يفطر. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وكفت نية لما يجب تتابعه، قال الحطاب: يعني أن الصوم الذي يجب تتابعه، يكفي فيه نية واحدة في أول ليلة من بعد الغروب، والصوم الذي يجب تتابعه هو؛ رمضان في حق الصحيح، وكفارة القتل، والظهار، والفطر في رمضان، والصوم المنذور، فتكفي في ذلك كله نية واحدة في أول ليلة منه على المشهور، وعن مالك وجوب التبييت كل ليلة، قال في البيان: وهو شذوذ في المذهب. ا. هـ. منه. وذكر البغوي: وحكي عن إسحاق أنه قال: إذا نوى أول ليلة من شهر رمضان صوم جميع الشهر أجزأه. قال: وظاهر الحديث يرده - يعني حديث صفية المتقدم - ويدل على ما قاله العامة؛ لأن صوم كل يوم عبادة منفردة، فيقتضي نية على حدة. قلت: يتخرج هذا الخلاف على القاعدة الخلافية التي عقدها علي الزقاق في المنهج المنتخب بقوله: هل رمضان بعبادةٍ عُرِف … واحدة أم بعبادات ألف عليه الإِكتفاءُ والتجديد … بنية وهل كذا المسرود واليوم إن عيِّنَ أم تَجَدَّدُ … كَمتتابع بعذر يفقدُ ومعنى الأبيات: هل رمضان عرف في الشرع بعبادة واحدة، أو هو عرف بأنه عبادات؟. ويبنى على ذلك من الفروع الاكتفاء بنية واحدة، أول ليلة من رمضان لجميع الشهر، هل يجزئ بناء على أنه عبادة واحدة، أو لا يجزئ بناء على أنه عبادات، فلابد من النية لكل ليلة؟. وهل الصوم المسرود يكتفي بنية واحدة، أو لابد من تجديد النية كل ليلة؟. إلى غير ذلك. ا. هـ. (١) وقوله: لا مسرود ويوم معين ألخ. يريد به - والله تعالى أعلم - أنه لا يكتفي بنية واحدة لصوم مسرود، أي متتابع؛ بلا وجوب؛ كصيام الدهر أو عام أو شهر أو أسبوع، تطوعًا بلا نذر، ويوم مكرر معين؛ ككل خميس أو اثنين، ولو عينه بالنذر، وكل ما لا يجب تتابعه؛ كقضاء رمضان وكفارة يمين وفدية وهدي وجزاء، وصيام رمضان في السفر أو المرض، فلابد في ذلك كله من تجديد النية كل ليلة. =

стр. 472

بِكَمَرضٍ أَوْ سَفَرٍ وَبنَقَاءٍ (١). ووجب إِنْ طَهُرَتْ قَبْلَ الفَجْرِ وإِنْ لَحْظَةً، وَمَعَ الْقَضَاءِ إن شَكّت. وبعقل (٢). = ورويت المدونة على الاكتفاء بنية واحدة في المسرود والنذر المعين، وهي رواية ضعيفة، حتى أن الحطاب قال: لم أقف على من رواها بالاكتفاء فيهما. وتكفي نية واحدة في واجب التتابع إن استمر تتابعه، لا إن انقطع التتابع بكمرض أوسفر، فلابد والحالة هذه من تجديد النية لو استمر في صومه. وفي العتبية وفي المبسوطة: إن استمر المريض أو المسافر صائمًا فلا يحتاج إلى تجديد نية. وأدخلت الكاف - في قوله: بكمرض - الحيض والنفاس والجنون والإغماء والسكر؛ فتقطع النية وتجدد بعد زوالها لما بقي. ا. هـ. الإِكليل بتصرف. والله أعلم بأدلة ذلك. (١) وقوله: وبنقاء، يريد به - والله تعالى أعلم - أن النقاء من الدم شرط في صحة الصوم، بل وفي وجوبه. والدليل على عدم خطاب الحائض بالصوم الحديث المتفق عليه، الذي قال فيه ﷺ : "أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ"؟. قلن: بلى. قال: "ذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". ا. هـ. وقد تقدم الحديث بكامل لفظه، عند قول المصنف في الحيض: ومنع صحة صلاة وصوم ووجوبهما. ألخ. وقوله: ووجب إن طهرت قبل الفجر وإن لحظة، يريد به - والله أعلم - أنها إن رأت القصة أو الجفوف مع طلوع الفجر، ونوت الصوم صح صومها، عملًا بقوله: أو مع الفجر. ولو لم تغتسل إلا بعد الفجر، أو لم تغتسل أصلًا؛ لأن الطهارة ليست شرطًا في صحة الصوم. وقوله: ووجب مع القضاء إن شكت: هو على سبيل الاحتياط. قال ابن رشد: وهذا بخلاف الصلاة التي شكت؛ هل طهرت في وقتها أو بعده؟. فلا تجب عليها. فإن قلت: الحيض مانع من وجوب الصلاة والصوم، والشك فيه موجود فيهما، فلِمَ وجب أداء الصوم دون الصلاة؟. قلت: سلطان الصلاة ذهب بخروج وقتها، بخلاف الصوم، فوقته إلى الغروب، وله حرمة، فلذا وجب إمساكه. ا. هـ. من الإِكليل. والله تعالى أعلم. (٢) وقوله: وبعقل، يريد به - والله أعلم - أن العقل شرط في صحة الصوم.

стр. 473

وَإِنْ جُنَّ وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً، أو أُغْمِيَ يَوْمًا أو جُلَّهُ أو أقَلَّهُ ولَمْ يَسْلَمْ أَولَهُ فَالْقَضَاءُ، لَا إِنْ سَلِمَ ولَوْ نِصْفَهُ (١)، وَبِتَرْكِ جِمَاعٍ (٢) وإخْرَاجِ مَنِيٍّ أو مَذِيٍّ وقَىْءٍ وَإيصَالِ مُتَحَلِّلٍ أوْ غَيْرِهِ - عَلَى المخْتَارِ - لِمَعِدَةٍ بِحُقْنَةٍ بِمَائِعٍ، أوْ حَلْقٍ وإنْ مِنْ أَنْفٍ وأُذُنٍ وعَيْنٍ، وبُخُورٍ وقَيْءٍ وبَلْغَمٍ أمْكَنَ طَرْحُهُ مُطْلَقًا. (١) وقوله: وإن جن ولو سنين ألخ. يريد به - والله أعلم - إن المكلف إن جن وترك الصوم لذلك، لعدم صحته منه، وأفاق بعد جنونه، قضى ما فاته من الصوم وجوبًا، شأنه في ذلك شأن الحائض والنفساء. قلت: ومعلوم أن القضاء تدارك لما فات مما علم وجوبه. قال شيخ مشائخنا في مراقي السعود: … ثم القضا تداركًا لما … سبق الذي أوجبه قد علما وعليه، فلا يتجه وجوب القضاء على فاقد العقل؛ لأنه ليس من أهل التكليف أصلًا، بدليل قوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ" … الحديث، وذكر منهم المجنون حتى يفيق، ولا يرد عليه تكليف الحائض بقضاء الصوم، وتكليف النائم بقضاء الصلاة؛ لورود النص بوجوب قضاء الإِثنين عنه ﷺ وكلاهما معروف. نعم، إن قلنا: إن ذلك مفرع على شطر القاعدة الخلافية: هل القضاء بالأمر الأول وجوبه، أو هو لا يجب إلا بأمر جديد؟. أعني شطرها الأول حيث يقال: إنه وقت توجه الخطاب بوجوب رمضان كان بالغًا، فترتب في ذمته إلى أن يفيق فيجب عليه القضاء. وهذا تعسف بالنسبة لمن جن وهو بالغ، أما من جن وهو صبي، فلا يتوجه عليه بحال من الأحوال. والعلم عند الله تعالى. وهو ولى التوفيق. (٢) وبترك جماع ألخ. قال الحطاب: ظاهر كلامه أن هذا شرط رابع. وقال الشارح: الأحسن أن يعد هذا من الأركان، إلا أن يكون المراد بالشرط؛ ما لا تصح الماهية بدونه، سواء كان داخلًا أو خارجًا. وهذا جار في أكثر الشروط التي ذكرها في هذا الباب. قال: وفي الشامل: وركنه إمساك من طلوع الفجر الصادق للغروب، عن إيلاج حشفة أومثلها من مقطوعها، ولو بدبر أو فرج ميتة أو بهيمة، وإخراج مني ولا أثر للمستنكح منه ومن المذي. ا. هـ. انتهى منه. =

стр. 474

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال المواق: أما مسألة الجماع وإخراج المني فقال ابن بشير: لا خلاف أن الجماع وما في معناه - من استدعاء المني - محرم في الصوم. وقال اللخمي: يجب الإِمساك عن الجماع وإن لم يكن إنزال، وعن الإِنزال وإن لم يكن جماع؛ كالذي يستمتع خارج الفرج. ولا يفسد بالإنزال عن الاحتلام، وإن كان ذلك مما يوجب الغسل. وأما مسألة المذي فقال ابن رشد: المذي عن تذكر أو نظر - دون قصد اللذة - إن توبع ناقض، وأمَّا إن نظر على غير قصد أو تذكر، فأمذى دون أن يتابع النظر أو التذكر فقيل: عليه القضاء. وسمعه ابن القاسم في النظر، والتذكر محمول عليه. وقيل: إنه لا قضاء عليه إلا أن يتابع ذلك. وهذا القول رواه ابن القاسم عن مالك في التذكر، والنظر محمول عليه، إذ لا فرق بينهما. قال: وهذا القول أظهر؛ لأن المذي لا يجب به القضاء. عن الشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم. وقد قال البغداديون: إن القضاء على من قبَّل أو أمذى - في مذهب مالك - إنما هو استحباب. قال: وأما مسألة القيء، ففي المدونة. قال مالك: من ذرعه القيء في رمضان فلا شيء عليه، وإن تقيأ فعليه القضاء. ابن رشد: قال ابن القاسم: والفريضة والنافلة في ذلك سواء. ابن يونس: وعلل بعض أصحابنا هذا بأن الذي ذرعه القيء، يأمن أن يجوز ذلك منه إلى حلقه؛ لأنه يندفع اندفاعًا، ولأنه لا صنع له فيه، فأشبه الاحتلام، بخلاف الذي استدعى القيء. ا. هـ. منه. هذا، ولا يخفى أن مصدر هذا الاجتهاد. وبالله تعالى التوفيق. قلت: أخرج الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والبغوي - واللفظ له - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضاءٌ. وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ". وأخرج ابخوي والترمذي - وإسناده ضعيف، وعلته من عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلَاثٌ لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ، وَالْقَئُ، وَالْاحْتِلَامُ".

стр. 475

أوْ غَالِبٍ مِنْ مَضمَضَةٍ أوْ سِوَاكٍ (١). وقَضَى فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا (٢) وإِنْ بِصَبٍّ فِي حَلْقِهِ نَائِمًا؛ كَمُجَامَعَةِ نَائِمَةٍ. (١) وقوله: أو غالب من مضمضة أو سواك ألخ، فقد جاء في مصنف عبد الرزاق ما نصه: باب المضمضة للصائم: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن المضمضة للصائم لغير الصلاة فقال: ما أكرهه إلا لقول أبي هريرة، سمعته يقول: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم؟. قال: لا يضره، وماذا بقي في فيه؟. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن يقول: رأيت عثمان بن أبي العاصر بعرفة - وهو صائم - يمجُّ الماء ويصب على نفسه الماء. قال: وكان الحسن يمضمض وهو صائم ثم يمجُّه، وذلك في شدة الحر. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرت عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن النبي ﷺ وهو بالعَرْجِ، كان يصب على رأسه من الماء وهو صائم. ا. هـ. وهذا حديث أخرجه مالك عن سُميّ، عن أبي بكر عن بعض أصحاب النبي ﷺ ولما ذكر قال البغوي: لو صب الماء على رأسه، أو انغمس في الماء، لم يفسد صومه، وإنْ وجد برده في باطنه. روي أن النبي ﷺ كان يصب الماء على رأسه - وهو صائم - من العطش. وعن أنس: لي أَبزَنٌ أَتَقَحم فيه وأنا صائم. والأبزن - بفتح فسكون ففتح - حجر محفور فيه نحو الحوض - وهي كلمة فارسية. وقوله: أو سواك، أخرج البغوي بسنده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم. وقال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. والحديث أخرجه أحمد أيضًا وأبو داود. وعلقه البخاري وفي سنده عاصم بن عبد الله، وقد ضعفه البخاري وابن معين والذهلي. ونقل ابن حجر في فتح الباري أن ابن خزيمة أخرجه في صحيحه وقال: كنت لا أخرج حديث عاصم، ثم نظرت فإذا شعبة والثوري قد رويا عنه. وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف هذا الحديث أيضًا. وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن أبي نهيك، عن زياد بن حدير الأسدي قال: ما =

стр. 476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رأيت رجلًا أدأب للسِّواك من عمر بن الخطاب وهو صائم، ولكن بعود قد ذَوِيَ. يعني يابس. وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن مسعر والثوري. وأخرجه البيهقي من طريق مسعر. قال البغوي: أكثر أهك العلم لم يروا بأسًا بالسواك للصائم أول النهار وآخره، إلا أن قومًا كرهوا له أن يستاك بالعود الرطب. وذهب قوم إلى كراهية السواك له بعد الزوال؛ لما فيه من إزالة الخلوف، يروى ذلك عن ابن عمر، وإليه ذهب عطاء ومجاهد. وبه قال الأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق. ولو استاك - قال عطاء وقتادة: يبتلع ريقه. علقه عنهما البخاري ووصله عبد الرزاق. ا. هـ. والله الموفق. (٢) وقوله: وقضى في الفرض مطلقًا، يريد به - والله أعلم - أن من أفطر في الفرض عليه القضاء. ومراده بالإطلاق؛ سواء كان أفطر عمدًا أو سهوًا أو غلبة أو إكراهًا، حرامًا أو جائزًا أو واجبًا. كان الفرض أصليًا أو نذرًا. والمذهب أنه يجب عليه الإِمساك، إن كان فرضًا معينًا زمنه؛ - كرمضان أو نذر معين - أو تطوعًا أفطر فيه ناسيًا، أو كفارة ظهار أو قتل، أو فطر رمضان. وخيّر في الإِمساك فيما عدا هذه. قلت: الدليل إلى جانب من يقول: إن من أفطر من صومه سهوًا، لا قضاء عليه ولا إثم ولا كفارة. قال في المنتقى للمجد: باب من أكل أو شرب ناسيًا؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأكلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا اللهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ". رواه الخمسة إلا النسائي. وفي رواية: "إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ". رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح. وفي لفظ: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةً". قال الدارقطني: تفرد به ابن مرزوق وهو ثقة عن الأنصاري. ا. هـ. قال الشوكاني هنا - بعدما تكلم على تخريج الحديث، وحكم على سنده بالصحة - قال: ويتعضد أيضًا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالف. كما قال ابن المنذر وابن حزم وغيرهما، منهم: علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١). فالنسيان ليس من كسب القلوب. وموافق للقياس في إبطال

стр. 477

وَكَأَكْلِهِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ أوْ طَرأَ الشَّكُّ، ومَنْ لَمْ يَنْظُرْ دَلِيلَهُ اقْتَدَى بالْمُسْتَدِلِّ وَإِلَّا احْتَاطَ (١)، إلَّا المُعَيَّنَ لِمَرضٍ أو حَيْضٍ أوْ نِسْيَانٍ (٢). وفي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقِ بَتٍّ إِلَّا لِوَجْهٍ (٣)؛ كَوَالِدٍ وشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يحْيفَا. = الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه. ا. هـ. منه. نقلًا عن الحافظ ابن حجر. وقد ذهب إليه الجمهور، وخالف مالك وابن أبي ليلى قالا: من أكل ناسيًا فقد فسد صومه ولزمه القضاء. وهما محجوجان بالنص الصحيح. وبالله التوفيق. انظر المبحث في نيل الأوطار جـ ٤/ ص ٢٨٣، ٢٨٤. تنبيه: في الحطاب؛ أحكام الإِفطار على الإجمال سبعة: الإِمساك، والقضاء، والإطعام، والكفارة، والتأديب، وقطع التتابع، وقطع النية الحكمية. والله أعلم. وقال الجزولي: مفسدات الصوم عشرون: عشرة متفق عليها، وعشرة مختلف فيها. فالمتفق عليها هي: تعري الصوم من النية، والأكل، والشرب، والجماع - وإن لم يكن أنزل - والإنزال - وإن لم يكن جماع - والمذي مع تقدم سببه ومداومته، والحيض، والنفاس، وخروج الولد، والاستيقاء؛ إذا رجع من القيء شيء إلى جوفه. والمختلف فيها هي: الفلقة من الطعام، وغبار الدقيق، وغبار الطريق، وما وصل من غير مدخل الطعام والشراب، بل من أنف وأذن أو عين، وما يتحدر من الرأس، وابتلاع ما لا يتحلل مثل الحصاة، والمذي إذا لم يتعمد سببه، والاستيقاء إذا لم يرجع من القيء شيء، والقيء غلبة إذا رجع منه شيء، والردة، ورفض النية. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وكأكله شاكًا في الفجر، في المواق ما نصه من المدونة: كره مالك لمن شك في الفجر أن يأكل. ابن عرفة: فإن فعل فبان كون أكله قبل أو بعد، فواضح، وإلا ففي المدونة يقضي. عياض: حمل بعض أصحابنا قول مالك: يقضي على الاستحسان. وقال أبو عمران: بل القضاء واجب عليه. ابن يونس: لأن الصوم في ذمته يبقى، فلا يزول عن ذمته إلا بيقين، ولا كفارة عليه؛ لأنه غير قاصد لانتهاك حرمة الشهر، وقال ابن يونس: قوله تعالى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ (١). أي حتى تقاربوا بيان

стр. 478

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الخيط. كما قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١). يريد: قاربن، ولا فرق بين أول النهار وآخره، فكما لا يجوز أن يفطر حتى يدخل جزء من الليل، فكذلك لا يأكل إلى دخول جزء من النهار. ا. هـ. منه بلفظه. وقوله: أو طرأ الشك، من المدونة، قال مالك: من أكل في رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء. ابن يونس: إذ لا يرتفع فرض بغير يقين. قال ابن العربي: كما أن السنة تعجيل الفطر، كذلك السنة تقديم الإمساك إذا قرب الفجر. وقوله ﷺ : "كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" وكان رجلًا أعمى، لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. أوله علماؤنا: قارب الصباح. ا. هـ. من المواق. وقوله: ومن لم ينظر دليله اقتدى بالمستدل وإلا احتاط، قال ابن يونس: مريد الصوم - إن كان بحيث لا دليل له على الفجر - فله أن يقتدي بالمستدل. وفيه ورد الحديث: "إِنَ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ". الحديث، وإن لم يكن له من يسمعه، فله التحري والأخذ بالأحوط، ا. هـ. المواق. (٢) وقوله: إلا المعين لمرض أو حيض أو نسيان، أما بالنسبة للمرض، ففي المدونة: قال ابن القاسم: من نذر صوم شهر بعينه، فمرضه كله، لم يقضه، وإن أفطره متعمدًا يريد، أو ناسيًا، قضى عدد أيامه. ا. هـ. وأما إنها لا تقضي المعين لحيض، ففي المدونة: إن نذرت امرأة صوم سنة ثمانين، فلا تقضي أيام حيضتها؛ لأن الحيضة كالمرض. ا. هـ. المواق. وقوله: أو نسيان، قال الحطاب: تبع فيه مذهب ابن الحاجب في تشهير القول بعدّ النسيان من مسقطات القضاء في النذر المعين، وهو خلاف مذهب المدونة، قال فيها: ومن تسحر بعد الفجر، ولم يعلم بطلوعه، أو أكل ناسيًا لصومه، فإن كان في تطوع فلا شيء عليه، ولا يفطر بقية يومه، فإن فعل قضاه. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وفي النفل بالعمد الحرام ألخ. يريد به - والله أعلم - وقضى في النفل وجوبًا بالفطر العمد، ولو لسفر طرأ عليه؛ لأن رخصة الفطر في السفر خاصة برمضان، ويجب القضاء بالعمد الحرام؛ أي إذا كان ذلك الفطر عمدًا حرامًا. قال المواق: ابن رشد: وفي الحديث ما يدل على جواز =

стр. 479

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الفطر إن أصبح صائمًا متطوعًا. وإلى هذا ذهب ابن عباس. ا. هـ. منه. وقال الحطاب بعد ما قرر مذهب المصنف: ابن عبد السلام: هذا هو المذهب، ومذهب المخالف عندي أظهر للأحاديث الواردة في ذلك. ا. هـ. منه. واحترز بقوله العمد من النسيان والإكراه، وبالحرام، من الفطر لشدة الجوع والعطش، والحر الذي يخاف منه تجدد مرض أو زيادته، وفطره لأمر والديه وشيخه. ا. هـ. منه. وقال الحطاب: واعلم أن فطره للوالدين مقيد بأن يكون رقة عليه لإدامة صومه. وأن المراد بالشيخ، الشيخ الذي أخذ على نفسه أن لا يخالفه. كذا قيده في التوضيح. وقال ابن ناجي في شرح الرسالة، بعد مسألة الوالد، قلت: ظاهر المذهب أن شيخه الذي يتعلم عليه العلم، لا يتنزل منزلة الأب، وكان بعض من لقيته يفتي بأنه كهو. ا. هـ. قلت: وأي اعتبار شرعي لشيخ لا يعلّم العلم، وما مزيته الشرعية حتى ينزله الشرع منزلة الوالد؟!. ولا ينقضي عجبي بتخصيص هذا الشيخ بشيخ الطريقة الذي أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه. وأعجب من ذلك قول الدردير: وألحق بعضهم به شيخ العلم الشرعي. انظر - رحمك الله - ترويج هذا الباطل، بجعله الأصل؛ ليلحق به شيخ العلم الشرعي. وهل كان شيخ الطريقة موجودًا في القرون المشهود لها بالخير؟!. هل كان موجودًا بين أظهر الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان؟!. علمًا بأن كل ترهاتهم يزعمون أنها تتصل بالحسن بن أبي الحسن البصري ﵀، فهل كان إلا شيخ علم؟!. ولعل ما قيده في التوضيح من كونه شيخه، الذي أخذ على نفسه أن لا يخالفه، لعل أن يكون ذلك التقييد هفوة منه ﵀، أصابته بها غفلة الصالحين، كما أصابته بقوله في المختصر: (وهل هو العباسي)؟!. ذلك أنه عاش في عهد بلغت فيه طرق الصوفية أوجها، فظن أن لا حقوق لشيخ غير شيخها، وهو غير معصوم، كما ظن الحكم العباسي - الذي عاش إلى أيامه هو - لن ينقطع أبدًا، فقال: وهل هو - أي الإِمام الذي يتوقف الذبح على ذبحه - العباسي؟. ويريد به ولي الأمر. تأمل هذه. والله يغفر لنا وله. ولا غرابة في أن يتلقاها الدردير ومحشّيه بالترويج؛ لأن الإثنين كل منهما شيخ تصوّف، أخذها الثاني عن الأول، وهو أخذ الطريقة الخلوتية عن شيخه الحفني. والله أرجو التوفيق لما يرضاه من القول والعمل، وأن يغفر لنا ولهم جميعًا وللمسلمين.

стр. 480

وَكَفَّرَ إنْ تَعَمَّدَ بِلَا تَأْويلٍ قَرِيبٍ وَجَهْلٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ، جِمَاعًا (١) أوْ رَفْعَ نِيَّةٍ نَهَارًا أوْ شُرْبًا بِفَمٍ فَقَطْ (٢) وإِنْ باسْتِيَاكٍ بِجَوْزَاءَ أوْ مَنِيًّا، وإنْ بإِدَامَة فِكرٍ، إلَّا أنْ يُخَالِفَ عَادَتَهُ عَلَى المختار. وإِنْ أمْنَى بِتعَمُّدِ نَظَرٍ فَتأويلَانِ (٣). بإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكينًا لِكُلٍّ مُدٌّ (٤). - وَهُوَ الأفْضَلُ - أوْ صِيامِ شَهْرينِ، أوْ عِتْقِ رَقَبَةٍ كالظِّهَارِ (٥). (١) وقوله عليه رحمة الله: وكفّر إن تعمد - بلا تأويل قريب وجهل في رمضان فقط - جماعًا، في المواق: ابن عرفة: تجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكًا له. الكافي؛ وكل واجب غير رمضان لا كفارة على المفطر فيه عامدًا. ا. هـ. منه. وقوله جماعًا مفعول تعمد، أي أن من انتهك حرمة رمضان بموجب الغسل وطءًا وإنزالا تجب عليه الكفارة. ودليله ما رواه الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ : إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكتُ. قال: "مَا لَكَ"؟. قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ " قال: لا. قال: "فَهَل تَسْتَطِيع أنْ تَصُومَ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ؟ ". قال: لا. قال: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا". قال: لَا. فمكث النبي ﷺ . فبينما نحن على ذلك أتي النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تمر، فقال: "أيْنَ السَّائِلُ؟ ". فقال: أنا، قال: "خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ به". فقال الرجل: على أفقر مِنِّي يا رسول الله؟. فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". متفق عليه. وفي بعض رواياته بعد: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قال: لا. "اجْلِسْ" فجلس. فأوتي النبي بِعَرَق فيه تَمر - والعرق المكتل الضخم - قال: "فَتَصَدَّقْ بِهِ". قال: ما بين لابتيها أحد أفقر منا. قال: فضحك النبيُّ ﷺ حتى بدت أنيابهُ، قال: "خُذْهُ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ". لذلك، فقد أجمعت الأمة على أن من جامع متعمدًا في نهار رمضان، يفسد صومه وعليه القضاء، ويعزر على سوء فعله. وذهب عامة أهل العلم إلى أن عليه الكفارة؛ إذا أفسد صومه بالجماع، بدليل هذا الحديث. ولم نعلم مخالفًا في ذلك إلا ما روي عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة أنهم قالوا: لا كفارة عليه. قال البغوي: ويشبه أن يكون الحديث لم يبلغهم. =

стр. 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: ورفْعَ نية نهارًا أو أكلًا أو شُرْبًا بفم فقط - رفع: مفعول به لتعمد، وأكلًا أو شربًا عطف عليه - دليله عند المالكية في إيجاب الكفارة بالأكل والشرب، ما أخرجه الموطأ عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا. فقال: لا أجد. فأتي رسول الله ﷺ بِعَرَقٍ من تمر فقال: "خُذْ هذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ". فقال: يا رسول الله، ما أجد أحوج مني. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: "كُلْهُ". قال أبو الوليد الباجي: الفطر يكون بأحد ثلاثة أشياء؛ بداخل: وهو الأكل والشرب. أو بإيلاج: وهو مغيب الحشفة في الفرج وهوائه. أو بخارج: وهو المني والحيض. فهذه معان يقع بجميعها الفطر وإفساد الصوم. فإذا وجد شيء من ذلك في يوم من رمضان فسد الصوم، سواء كان بعذر أو بغير عذر. فأمَّا المعذور فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأما غير المعذور، فإن الكفارة تلزمه بذلك كله عند مالك، على أي وجه وقع فطره من العمد والهتك لحرمة الصوم. وقال أبو حنيفة مثل قولنا في ذلك كله، إلا خروج المني بغير إيلاج فإنه لا كفارة عليه عنده. وقال الشافعي: لا كفارة على من أفسد صومه بشيء من ذلك إلا بالإيلاج. والدليل على ما نقوله؛ أن هذا قصد إلى الفطر، وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر، فوجبت الكفارة كالمجامع، فإذا ثبت ذلك، فالفطر بالداخل هو الواقع بالأكل والشرب، وما وصل إلى الجوف من الفم على وجه الاختيار، والقصد إلى وضعه في الفم وازدراده مما يقع به الاغتذاء. ا. هـ. منه. بلفظه. قلت: وذهب إلى الأخذ بقول مالك هذا - بوجوب الكفارة بالأكل والشرب عمدًا - أبو حنيفة والثوري وابن المبارك وإسحاق، غير أن الدليل إلى جانب من أوجبها بالإيلاج فقط؛ لورود النص فيه دون غيره، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ أتي برجل نشوان في رمضان، فضربه الحد وسيره إلى الشام. قالوا: وكان عمر إذا غضب على أحد سيره إلى الشام، فلو أن الكفارة تلزم بغير الجماع في رمضان لألزمه عمر ذلك. وهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا. بلفظ: وقال عمر لنشوان في رمضان: ويلك، وصبياننا صيام؟! فضربه. قال ابن حجر: وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجعديات، من طريق عبد الله بن أبي الهذيل: أن عمر بن الخطاب - أتي برجل شرب: =

стр. 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول للمنخرين والفم. وفي رواية للبغوي: فلما رفع إليه عثر، فقال عمر: على وجهك، ويحك وصبياننا صيام؟!. ثم أمر به فضرب ثمانين سوطًا، ثم سيره إلى الشام. وفي رواية للبغوي فضربه الحد. - وكان عمر إذا غضب على أحد سيره إلى الشام - فسيره إلى الشام. ا. هـ. ولا يخفى أن الإجمال في رواية الموطإ: - إن رجلًا أفطر في رمضان - يجب حمله على البيان في رواية الصحيحين؛ بأن ذلك المفطر قال: وقعت على أهلي وأنا صائم. لا سيما أن رواة المجمل هم عين رواة المبين، فكلاهما عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، فتعين اتحاد الحادثة، واستحال تعددها من هذا الوجه. والله الموفق. (٣) وقوله: أو منيًّا وإن بإدامة فكر ألخ، هو عطف عل مفعول تعمد، أي بدون جماع. قال ابن قدامة في المجامع دون الفرج: إذا أنزل الكفارة. وهذا قول مالك، وعطاء، والحسن وابن المبارك، وإسحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد. قالوا: لأنه فطر بجماع فأوجب الكفارة؛ كالجماع في الفرج. والرواية الأخري عن أحمد: لا كفارة عليه. وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. قالوا: لأنه فطر بغير جماع تام فأشبه القبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص يوجبها، ولا إجماع، ولا يصح القياس فيه على الجماع في الفرج لأنه أبلغ، حيث إنه يوجب الكفارة وإن لم ينزل، ويجب به الحد إذا كان محرّمًا، فتحقق الفرق بينهما، ولا قياس مع الفارق. ا. هـ. منه. بتصرف. قلت: ولم يبق عليك إشكال في رجحان مذهب المخالف في هذه المسألة. والله الموفق. (٤) وقوله: بإطعام ستين مسكينًا لكلٍ مدّ، هو مبني على أن كفارة رمضان على التخيير عند مالك؛ محتجًا له بما رواه في الموطإ أن رجلًا أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا. قال: إن ذلك يقتضي التخيير لأن [أوْ] في مثل هذا إنما للمساواة بين الأشياء، فيما تناولته من حظر، أو إباحة أو جزاء، أو غير ذلك من الأحكام، ولا يجوز أن تكون للشك ههنا، لأنه لا خلاف أنه لم يأمر بواحد من ذلك فيشك فيه الراوي، بل الإجماع منعقد على أنه قد أمر بجميعها، وإنما اختلف العلماء في صفة أمره بها، فقال مالك: هي على =

стр. 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = التخيير. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ذكره الباجي وقال: إذا قلنا الكفارة على التخيير، فقد روى ابن الماجشون عن مالك أنه قال: الإِطعام أفضل. وجرى عليه العراقيون. ووجه ذلك أن الإِطعام أعم نفعًا؛ لأنه يحيى به جماعة لا سيما في أوقات الشدائد والمجاعات. ا. هـ. منه. قلت: وأكثر أهل العلم على أن كفارة رمضان على الترتيب مثل الظهار، فعليه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فعليه أن يطعم ستين مسكينًا. والدليل على الترتيب لفظ الحديث المتقدم المتفق عليه: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أن تُعْتِقَ رَقَبَةً؟ ". قال: لا. قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ ". قال: لا، قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيْع أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ ". قال: لا. ولا يخفاك ما في هذه الرواية التي هي في قمة الصحيح من الترتيب بالفاء. وإذا رجعنا إلى المقارنة بينها وبين رواية الموطإ، وجدنا أن كلا الروايتين مروية عن الزهري، وقد رجح الجمهور رواية الترتيب، بأن الذين رووه عن الزهري أكثر ممن روى التخيير. وقوله: لكلٍّ مد، دليله حديث الأعرابي، لأن في بعض رواياته عن هشام بن سعد عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: فأوتي بعرق قدر خمسة عشر صاعًا. وفيه دلالة من حيث الظاهر أن طعام الكفارة مد لكل مسكين، لا يجوز أقل منه، ولا يجب أكثر منه؛ لأن خمسة عشر صاعًا إذا قسمت بين ستين يخص كل واحد منهم مد. وإلى هذا ذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد. وكذلك في جميع الكفارات إلا فدية الأذى يجب فيها لكل مسكين مدان؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁ المتفق عليه. وفيه: "أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ". (٥) وقوله: وهو الأفضل، هو مبني على مذهب التخيير في كفارة رمضان بين العتق والصوم والإطعام، وقد تقدم نقلنا لكلام الباجي: وإذا قلنا أن الكفارة على التخيير، فقد روى ابن الماجشون عن مالك أنه قال: الإِطعام أفضل. ووجه ذلك أن الإِطعام أَعم نفعًا، لأنه يحيى به جماعة لا سيما في أوقات الشدائد والمجاعات - إلى أن قال: والمتأخرون من أصحابنا يراعون في ذلك الأوقات والبلاد، فإن كانت أوقات شدة مجاعة فالإِطعام عندهم أفضل، وإن كان وقت خصب ورخاء فالعتق أفضل. ا. هـ. منه =

стр. 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفي الحطاب هنا ما نصه: تنبيه: قال ابن عرفة: الباجي: أفتى متأخرو أصحابنا بالإِطعام في الشدة والعتق في الرخاء. وأبو إبراهيم بصوم ذي سعة. وبادر يحيى بن يحيى الأمير عبد الرحمن - حين سأل الفقهاء عن وطء جارية له في رمضان - بكفارته بصومه، فسكت حاضروه ثم سألوه: لم لم تخيره في أحد الثلاثة؟. قال: لو خيرته وطئ كل يوم وأعتق. فلم ينكروه. ا. هـ. منه. قلت: ومن القواعد أن الأحكام المعللة بالمظان لا تتخلف بتخلفها، وعليه فقد تقدم أن حجة من يرى الترتيب أرجح بالدليل، أي أن الواجب العتق، فإن عجز عنه وجب الصوم، فإن لم يستطع وجب الإِطعام. لذلك، فإني أرى فتوى هؤلاء الأجلاء في غير موضعها - وقد يخفى على الفطن الصواب - فإن المشرع أعلم وأحكم؛ وقد بين أن كفارة انتهاك رمضان بالوطء هي عتق رقبة أولًا، إلا إذا عجز عنها، فلمَ يرى هؤلاء القدرة على العتق مسوغًا للإنتقال عنه إلى الصوم، وهو لا يجزيء على التحقيق، إلا عمن عجز عن العتق؟!. تأمل. علمًا بأنه إن أعتق عن كل يوم رقبة مؤمنة، كان في ذلك من المصلحة والأجر العظيم ما لا يعلمه إلا الله. والدين يسر، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). ويقول : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢). ورحم الله يحيى بن يحيى، فلو كان أفتاه بالعتق. والله نرجو أن يجزيه كامل المثوبة فيما أخلص فيه النصيحة للدين، فإن له أجر اجتهاده. وقوله: أو صيام شهرين أو عتق رقبة كالظهار، التشبيه فيه راجع إلى تتابع الصوم ونيته، وإيمان الرقبة وسلامتها من العيوب. وقال الفقهاء: هذا التخيير إنما هو في حق الحر، أما العبد فإنما يكفر بالصوم، فإن عجز عنه بقيت دينًا عليه حتى يأذن له سيده في الإطعام. والله الموفق وهو أعلم.

стр. 485

وَعَنْ أمَةٍ وَطِئَهَا، أوْ زَوْجَةٍ أكْرَهَهَا (١) نِيابَةً، فَلَا يَصُومُ وَلَا يَعْتِق عَنْ أمَتِهِ. وَإنْ أعْسَرَ كَفَّرَتْ وَرَجَعَتْ - إنْ لَمْ تَصُمْ - بالأقَلِّ مِنَ الرقَبَةِ وَكَيْلِ الطعَامِ. وفي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إِنْ أكْرَهَهَا عَلَى الْقُبْلَةِ حَتَّى أنْزلَا تأويلانِ. وَفي تَكْفِيرِ فكْرِهِ رَجُلٍ لِيُجَامِعَ قَوْلَانِ (٢). (١) وقوله: وعن أمة وطئها أو زوجة أكرهها، لا خلاف نعلمه في المذهب أن المرأة يفسد صومها بالجماع؛ لأنه نوع من المفطرات بلا خلاف، فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل، ولكن هل تلزمها الكفارة إن جامعت في رمضان؟. يقول إمام دار الهجرة: نعم، تلزمها الكفارة لأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفارة كالرجل. وبه قال أبو حنيفة، وأبو ثور، وابن المنذر. وهو رواية عن أحمد والشافعي. وقال أبو داود: سئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان أعليها كفارة؟. قال: ما سمعنا أن على امرأةٍ كفارةً. وبه يقول الحسن، وهو مروي أيضًا عن الشَّافعي. ودليل هذا القول أن النبي ﷺ أمر الواطن في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه بصدور ذلك منها. قالوا: ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر. تأمل .. ا. هـ. ابن قدامة بتصرف. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن المرأة المكرهة اتفقوا أن عليها القضاء قولًا واحدًا. وقال أحمد، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي: لا كفارة عليها كالموطوءة وهي نائمة. وقال مالك: على المكرهة القضاء والكفارة. وفرق الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر. قالوا: إن كان الإكراه بوعيد ففعلت فعليها القضاء والكفارة، وإن كان إلجاءً لم تفطر، وكذلك إن وطئها نائمة. ولا نص في المسألة. والله تعالى أعلم. (٢) وقوله: وفي تكفير مُكره رجلٍ ليجامع قولان، قال في جواهر الإكليل: اعلم أن من أكره غيره على مجامعة شخص آخر، فإنه لا كفارة على المكرَه - بالفتح - وكذا لا كفارة على المكرِه - بالكسر - إن كان المكرَه - بالفتح - رجلًا، وإن كان امرأة كفر عنها اتفاقًا. وإنما لم تلزم الكفارة المكرِه - بالكسر - فيما إذا كان المكرَه - بالفتح - رجلًا؛ نظرًا لانتشاره. وسقطت عن المكره - بالفتح - نظرًا =

стр. 486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لإِكراهه بالجملة. قلت: وهو يتخرج الخلاف فيه على شطري القاعدة الخلافية التي عقدها علي الزقاق في المنهج المنتخب بقوله: وَهَلْ في الانتشار معنى الاختيارْ ومعناه. هل في الإِنتشار معنى يدل على أن صاحبه مختار؟. أي هل انتشار المكره دليل على أنه فاعل مختار؟. وأشار في المنهج إلى الفروع المبنية على هذه القاعدة في البيت الذي يقول فيه: ................. وما … لثانٍ الصَّوْمُ وحدٌّ علما قال شيخ مشائخنا ابن عمنا الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان في شرح هذا البيت ما نصه: وعلى الأصل الثاني من الفروع؛ من أكره على الجماع وهو صائم في رمضان، هل عليه كفارة؟. ومن أكره على الزنا هل عليه حد أو لا؟. قولان، ثالثها: إن انتشر حد، وإن لم ينتشر فلا، بخلاف المكرهه. ا. هـ. منه بلفظه. وفي الحطاب هنا: قال عبد الحق فيمن غر رجلًا وقال له: لم يطلع الفجر. وجعل يأكل: إنه لا كفارة على الغار؛ لأنه غرور بالقول. قال: ولو أطعمه لقمة بيده وجعل الطعام في فيه، فها هنا يكفر عنه، لأنه غرور بالفعل. ا. هـ. قلت: وهذه الفتيا تتخرج على القاعدة التي عقدها الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب بقوله: وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أو تَعَدَّى … أوْ غَرَّ بِالْفِعْلِ كَمن قَدْ شَدَّا أوْ صَبَّ أَوْ قَطَعَ أوْ قَدْ أنْكَحَا … لَا غَرَّ بِالْقَوْلِ عَلَى مَا صُحِّحَا ضَمِّنْهُ ........... ألخ قال العلامة شيخ مشائخنا في الفقيه المالكي، محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني، في شرحه لهذه القاعدة ما ضمّنه: فقوله: ضمّنه، راجع لهذه الأمثلة المتقدمة. أي كل من فعل شيئًا مما تقدم، =

стр. 487

لَا إِنْ أفْطَرَ ناسِيًا (١)، أوْ لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ (٢)، أو تَسَحَّرَ قُرْبَهُ (٣)، أوْ قَدِمَ لَيْلًا، أو سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ، أوْ رأى شوّالًا نَهَارًا فَظنُّوا الإباحَةَ (٤). = مما مثل به للغرور بالفعل، ضمّنْه. أي ألزمه ضمان ما غر فيه بفعله. أما من غر بالقول فإنه لا ضمان عليه، على ما صححه غير واحد من الشيوخ؛ وذلك مثل أن يقول: الإناء صحيح ولم يصب. أو يقول: الشقة تقطع قميصًا. ولم يباشر هو قطعها. أو يقول: فلانة حرة. ودم يزوجها هو منه، فلا ضمان عليه في هذه على الصحيح. ا. هـ. منه. بلفظه. (١) وقوله: لا إن أفطر ناسيًا، هو استثناء من لزوم الكفارة. والمذهب أن من أكل ناسيًا لصومه أو شرب لا كفارة عليه وعليه القضاء. والقول بعدم فساد صومه أدل، لحديث أبي هريرة المتفق عليه، أن النبي ﷺ قال: "إِذَا نَسِي فَأكَلَ وَشَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ"، قال البغوي: قال الخطابي: معناه أن النسيان ضرورة، والأفعال الضرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، وهو غير مؤاخذ بها. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا. وأخرجه مسلم في الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر. وأخرجه أصحاب السنن. ا. هـ. (٢) وقوله: أو لم يغتسل إلا بعد الفجر، هو أيضًا من التأويل القريب الذي لا يكفر صاحبه؛ أي من أصبح جنبًا، فلم يغتسل من جنابة أو حيض، فظن فساد صومه، وأنه لا يجب عليه الإِمساك؛ فأكل أو شرب، فلا كفارة عليه. والدليل على جواز وصحة صوم من أصبح جنبًا، الحديث المتفق عليه عن عائشة وأم سلمة - زوجي النبي ﷺ أنهما قالتا: إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم. أخرجه البخاري في الصوم. باب الصائم يصبح جنبًا. وباب اغتسال الصائم. وأخرجه مسلم في الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب. وهو في الموطإ. باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبًا في رمضان. ا. هـ. وهو قول عامة أهل العلم إلا ما حكي عن النخعي أنه قال: يجزئه في التطوع، ويقضي في الفرض. وقال البغوي: كان أبو هريرة يروي: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصوم. فبعث مروان إليه =

стр. 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فقال: أخبرنيه الفضل بن عباس عن النبي ﷺ . قال البغوي: فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع حديث عائشة وأم سلمة صار إليه. روي عن ابن المسيب أن أبا هريرة رجع عن فتياه، فيمن أصبح جنبًا أنه لا يصوم. قلت: أخرج عبد الرزاق في المصنف، عن معمر عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : من أدركه الصبح جنبًا فلا صوم له. قال: فانطلقت أنا وأبي فدخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألناهما عن ذلك فأخبرتانا أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم. قال: ثم دخلنا على مروان فأخبرناه بقولهما وقول أبي هريرة فقال: عزمت عليكما لما ذهبتما إلى أبي هريرة فأخبرتماه بقولهما. قال: فلقينا أبو هريرة عند باب المسجد فقال له أبي: إن الأمير عزم علينا في أمر لنذكره لك. قال: ما هو؟. قال: فحدثه أبي. قال: فتلون وجه أبي هريرة ثم قال: هكذا حدثنا الفضل بن العباس وهو أعلم. قال الزهري: فحول الحديث إلى غيره. ا. هـ. قال البغوي: وقد قيل في حديث أبي هريرة: إنه منسوخ وكان ذلك في ابتداء الإسلام؛ حين كان الجماع محرمًا في ليالي رمضان بعد النوم؟ كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز الصوم وإن وقع الغسل بالنهار. ا. هـ. منه. قلت: وهو مأخوذ أيضا من القرآن بدلالة الإشارة من قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١). فإن هذه الآية أباحت الوقاع في آخر جزء من الليل، بحيث لم يبق بعده من الليل ما يسع الاغتسال قبل الصبح، فدلت بالإشارة على جواز صوم من أصبح جنبًا. والله تعالى الموفق. (٣) وقوله: أو تسحر قربه. قال الحطاب هنا: يعني أن من تسحر قرب الفجر، فظن أن صومه بطل، وأن ذلك يبيح له الإِفطار فأفطر بعد ذلك متعمدًا، فعليه القضاء ولا كفارة. والعذر في هذا أضعف من المسألتين قبله؛ إذ لم يقل أحد: إن من تسحر قرب الفجر يبطل صومه. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: أو قدم ليلًا ألخ. كلها أمثلة للتأويل القريب الذي لا كفارة على صاحبه.

стр. 489

بِخِلَافِ بَعِيدِ التَّأوِيلِ كَرَاءٍ وَلَمْ يُقْبَلْ، أو أفْطَرَ لِحُمَّى ثُمَّ حُمَّ، أو لحَيْضٍ ثُمَّ حَصَلَ (١)، أوْ حِجَامَةٍ (٢)، أوْ غِيبَةٍ (٣). (١) وقوله كَراءٍ ولم يقبل، قال المراق: الظاهر من ابن يونس أن هذا لا كفارة عليه، وجعله اللخمي المذهب. ا. هـ. منه. وقوله: أو أفطر لحمّى ثم حمَّ، أو لحيض ثم حصل، قال المواق: من المدونة؛ قال ابن القاسم: ما رأيت مالكًا يجعل الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل، إلا امرأة قالت: غدًا أحيض. فأفطرت أول النهار وحاضت آخره، والذي قال: اليوم أحَمُّ. فأفطر ثم حُمُّ. ا. هـ. منه. قلت: هو مبني على أَن حكمة التكليف دائرة بين الامتثال تارة والإِبتلاء أخرى. قال في مراقي السعود: للامتثال كلّف الرقيب … فموجب تمكنًا مصيب أو بينه والابتلا ترددا … شرط تمكن عليه انفقدا عليه تكليف يجوز ويقع … في علم من علم أنه امتنع في علم من أمر كالمأمور … في المذهب المحقق المنصور ويمثلون هنا للتكليف الذي ورد لحكمة الإبتلاء، بأمر أبينا إبراهيم ﵊ بذبح ولده إسماعيل، والذي أمره - جل وعلا - يعلم أن المأمور ﵊ لا يتمكن من فعل ما أمره به، ولكنه ابتلاء منه ﵎؛ ليكون عزمه وتصميمه مناط المثوبة. وهو واضح من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (١). ويمثلون لها أيضًا بمن أفطرت لحيض ثم حصل، ومن أفطر لحمى ثم حمَّ. والله ولي التوفيق. (٢) وقوله: أو حجامة، مراده به - والله تعالى أعلم - أن من احتجم في نهار رمضان، فظن أن صومه قد بطل فأفطر، عليه القضاء مع الكفارة، لأنه من التأويل البعيد. =

стр. 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والعجب منه ﵀ كيف يراه من التأويل البعيد؟! وقد روي عنه ﷺ قوله: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالمُحْتَجِمُ". رواه أصحاب السنن. وهو في البخاري تعليقًا، وأخرج البغوي بسنده عن شداد بن أوس قال: كنا مع النبي ﷺ زمان الفتح، فرأى رجلًا يحتجم. لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال وهو آخذ بيدي: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". وقال البغوي: وقد روى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ رافع بن خديج وثوبان. وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج. وقال علي بن عبد الله: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس. ولا يفهم من هذا أني أريد نصر مذهب من لم يرخص للصائم في الحجامة، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس، من طريق عكرمة، أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم. وأخرج البغوي بسنده عن ابن عباس قال: احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم صائم، ولذلك فقد رخص في الحجامة للصائم سعد، وزيد بن أرقم، وأم سلمة. وفي الموطإ عن ابن شهاب أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي. إنما القصد مني هنا استغراب عدّ من أفطر ظانًا فساد صومه لأجل الحجامة من التأويل البعيد. والله تعالى نرجو التوفيق والسداد والرشاد. (٣) وقوله: أو غيبة، يعني أن من اغتاب شخصًا في نهار رمضان، فظن إباحة الفطر لأكله لحم أخيه فأفطر عليه الكفارة. قال الحطاب: لو جرى في هذا من الخلاف ما جرى في الحجامة ما بعُدَ، لكن لم أر فيها إلا قول ابن حبيب بوجوب الكفارة. ا. هـ. الدسوقي. قلت: وقد يستند المتأول في ذلك إلى ما أخرجه البخاري والبغوي وأبو داود وغيرهم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". والله أعلم.

стр. 491

وَلَزِمَ مَعَهَا القَضَاءُ إِنْ كَانَتْ لَهُ (١)، والقضاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا (٢)، ولَا قَضَاءَ فِي غَالِبِ قَئٍ أَوْ ذُبَابٍ، أَوْ غُبَارِ طَريقٍ أوْ دَقِيقٍ أوْ كَيْلٍ أوْ جِبْس لِصَانِعِهِ، وَحُقْنَةٍ مِن إحْلِيلٍ أوْ دُهْنِ جَائفَةٍ، ومَنِيّ مُسْتَنكحٍ أوْ مَذِي، وَنَزْعِ مَأكولٍ أو مَشْرُوبٍ أوْ فَرْجٍ طُلُوعَ الْفَجْر (٣). (١) وقوله: ولزم معها القضاء إن كانت له، يعني - والله أعلم - أن كل من لزمته الكفارة يلزمه معها القضاء، إذا كانت الكفارة له - أي للمكفر نفسه - أما إذا كان مكفرًا عن الغير فلا قضاء عليه لأن الصوم لا يقبل النيابة. وعليه المذهب. وسوف يأتي مزيد بيان لذلك. والله الموفق. (٢) وقوله: والقضاء في التطوع بموجبها، يريد به - والله أعلم - أن كل ما يوجب الكفارة في الفرض يوجب القضاء في النفْل، ويدل لذلك ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه؛ فجاء رسول الله ﷺ ، فدرتني إليه حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت: يا رسول الله، إنا كُنَّا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناهُ، فأكلنا منه. قال: "اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ". والحديث بهذا اللفظ للبغوي وقال: قال أبو عيسى: وروى صالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا. ولقد روي عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ فقلت: إنَّا خبَّأنا لك حيسًا. قال: "أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ. وَلكِنْ قَرِّبِيهِ". قال البغوي: وهذا الحديث صحيح. أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن طلحة بن يحيى. ا. هـ. ثم قال: وروي في حديث أم هانيء أن رسول الله ﷺ قال: "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ؛ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ". وهو يدل على المتطوع بالصوم إذا أفطر، لا قضاء عليه إلا أَنْ يشاء. وكذلك التطوع بالصلاة إذا أبطلها. وهو قول عمر وابن عباس وجابر. وإليه ذهب الثوري والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أهل الرأي: يلزمه القضاء. وقال مالك: إن أفطر أوخرج من الصلاة من غير علة يلزمه القضاء. ودليله ما تقدم عن الزهري عن عروة عن عائشة. والله تعالى أعلم. (٣) وقوله: ولا قضاء في غالب قيء ألخ .. كل هذه المسائل لا نص فيها. والله تعالى أعلم بدليله عليها.

стр. 492

وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ، ومَضَمَضَةٌ لِعَطِسٍ (١) وَإِصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ (٢)، وصَوْمٌ دَهْرِ (٣) وجُمُعَةٍ فَقَط (٤). (١) وقوله: وجاز سواك كل النهار ومضمضة لعطِش، قد تقدم مزيد الكلام عليه عند قول المؤلف: أو غالب من مضمضة أو سواك. راجعه ان شئت. والله الموفق. (٢) وقوله: أو إصباح بجنابة، قد قدمنا الكلام عليه بما فيه كفاية إن شاء الله، عند قول المصنف: أو لم يغتسل إلا بعد الفجر. فأغنى عن إعادته هنا. والله الهادي إلى سواء السبيل. (٣) وقوله: وصوم دهر، قال المواق: قال مالك وابن القاسم: لا بأس بصيام الدهر، وقد سرده قوم صالحون، إلا الأيام التي منع صومها. وقال ابن حبيب: حسن لمن قوي عليه. فحملوا النهي على ذي مشقة. ا. هـ. منه. وقال الحطاب: وذكر البرزلي عن عز الدين بن عبد السلام الشافعي أن صوم الدهر أفضل لمن قوي عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٢). ولقوله ﷺ لعمرو بن العاص: "لَا أَفْضَل لَكَ مِنْ ذلِكَ". ا. هـ. منه. قلت: هذا المذهب، غير أن البخاري ومسلم والبغوي - واللفظ له - أخرجوا حديث عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْروٍ، إِنّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". ا. هـ قال البغوي: وقوله: "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" بمعنى الدعاء عليه. وقد تكون "لا" بمعنى "لم" كقوله : ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (٣). قال أبو بكر بن العربي المعافري في العارضة ج ٣/ ص ٢٩٩: فيا بؤس من أصابه دعاء رسول الله ﷺ . وأما من قال: إنه خبر، فيا بؤس من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم؛ فقد علم أنه لا يكتب له ثواب؛ لوجوب الصدق في خبره ﷺ ، وقد =

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نفى الفضل عنه، فكيف يطلب ما نفاه النبي ﷺ . ا. هـ. منه، بنقل شعيب الأرناؤوط. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن هارون بن سعد عن أبي عمرو الشيباني قال: كنا عند عمر بن الخطاب، فأتي بطعام له، فاعتزل رجل من القوم، فقال: ما له؟. قالوا: إنه صائم. قال: وما صومه؟. قال: الدهر. قال: فجعل يقرع رأسه بقناة معه ويقول: كُلْ يا دهر، كل يا دهر. ا. هـ. وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيح. والله حسبنا ونعم الوكيل. (٤) وقوله: وجمعة فقط، قال المواق هنا ما نصه: الباجي: مذهب مالك أن صيام يوم الجمعة يجوز لمن أراد صيامه، لأنه يوم من الأسبوع، فجاز إفراده بالصوم كغيره من أيام الأسبوع. ومنع الشافعي صيامه لمن لم يصله بصيام قبله أو بعده للحديث، وقال الداودي: لعل مالكًا لم يبلغه الحديث. ا. هـ. منه بتصرف قليل. قلت: وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان أبو الدرداء يُحيي ليلة الجمعة، ويصوم يومها، وأتاه سلمان - وكان النبي ﷺ آخى بينهما - فنام عنده، فأراد أبو الدرداء أن يقوم ليلته، فقام إليه سلمان فلم يدعه حتى نام وأفطر. قال: فجاء أبو الدرداء النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ : "عُوَيْمِرُ، سَلْمَانُ أَعْلَمُ مِنْكَ، لَا تَخُصَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةٍ وَلَا يَوْمَهَا بِصِيَامٍ". ا. هـ. وفي مصنف عبد الرزاق أيضا عن معمر، عن قتادة عن ابن المسيّبِ أَنَّ النبي ﷺ دخل على بعض نسائه يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: "أَصُمْتِ أمْسِ"؟. قالت: لا. فقال: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومي غَدًا"؟. قالت: لا. فأمرها أن تفطر. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه البخاري من حديث جويرية. وحيث إن مالكًا يظهر من كلامه أنه لم تبلغه أحاديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بصيام، لأن نص كلامه في الموطإ في الصيام: ولم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. ا. هـ. وقد ثبت عنه: ما وافق الكتاب والسنة من رأي خذوا به، وما لا فاضربوا به الجدار. فإنه يتعين هنا العمل بالسنة الثابتة الناهية عن إفراد ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام. وباللّه تعالى التوفيق.

стр. 494

وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ؛ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ، وَإلَّا قَضَى وَلَوْ تَطَوُّعًا، ولَا كَفَّارَةَ إِلَّا أن يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ؛ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ (١)، وبِمَرَضٍ خَافَ زيَادَتهُ أوْ تَمَادِيَهُ (٢). (١) وقوله: وفطر بسفرِ قصرٍ شرع فيه قبل الفجر، قال المواق هنا: من المدونة. قال مالك: من سافر سفرًا مباحًا تقصر في مثله الصلاة، فإن شاء أفطر وإن شاء صام. والصوم أحب إليَّ. وقال أيضًا: الباجي: من سافر قبل الفجر، فلا خلاف أنه يجوز له الفطر؛ لأن وقت انعقاد الصوم كان مسافرًا؛ فكان له الفطر. ا. هـ. منه. وقوله: ولم ينوه فيه، وإلا قضى ولو تطوعًا ولا كفارة إلا أن ينويه بسفر، قال المواق: من المدونة: من أصبح في حضره صائمًا في رمضان، وهو يريد سفرًا، فلا يفطر في ذلك اليوم قبل خروجه ولا بعد خروجه، لكن إن أفطر قبل خروجه وجبت عليه الكفارة. قاله في المختصر. وإن أفطر بعد أن سافر لزمه القضاء بلا كفارة. قاله في المدونة. قال مالك: وإن أصبح في السفر صائمًا في رمضان، ثم أفطر لغير عذر، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان في سعة أن يفطر أو يصوم، فلما صام لم يمكن أن يخرج منه إلا لعذر. قال مالك: وإن أصبح في الحضر صائمًا متطوعًا ثم سافر فأفطر، فإن كان من عذر فلا قضاء عليه، وإلا فليقض. ا. هـ. منه. قلت: قد تقدم الكلام على الصوم في السفر، عند قول المصنف: وصوم بسفر، كما تقدم الكلام على قضاء المتطوع وعدمه عند قول المصنف: والقضاء في التطوع بموجبها. فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. والله الموفق. (٢) وقوله: وبمرض خاف زيادته أو تماديه، قال المواق: قال أشهب في مريض لو تكلف الصوم لقدر، أو الصلاة قائمًا لقدر، إلا أنه بمشقة وتعب: فليفطر وليصل جالسًا، ودين الله يسر. انتهى من ابن يونس. وكأنه لا معارض لهذا بل أتبعه بقول مالك: رأيت ربيعة أفطر في مرض به، لو كان غيره لقلت: يقوى على الصوم. ا. هـ. منه. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي وجع يفطر في رمضان؟. قال: منه كله. قلت: يصوم حتى إذا غلب عليه أفطر؟. قال: نعم، كما قال الله. وهذا الحديث أخرجه البخاري تعليقًا. ا. هـ. والله الموفق. =

стр. 495

وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا أوْ شَديدَ أذىً (١)؛ كَحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتئْجَارٌ أوْ غَيْرهُ، خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهمَا. والأجْرَةُ فِي مَالِ الْوَلَدِ ثُمَّ هَلْ فِي مَالِ الْأب أوْ مَا لِهَا؟. تأويلَان (٢). = على أن القرآن أباح الفطر للمريض مطلقًا. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). (١) وقوله: ووجب إن خاف هلاكًا أو شديد أذىً، قال الدردير: ووجب الفطر لمريض وصحيح إن خاف على نفسه - بصومه - هلاكًا أو شديد أذىً؛ كتعطيل منفعة من سمع أو بصر أو غيرهما، لوجوب حفظ النفس. وأما الجهد الشديد فيبيح الفطر للمريض قيل: والصحيح أيضًا. ا. هـ. منه. قلت: واللّه تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). (٢) وقوله: كحامل ومرضع ألخ. قال في جواهر الإكليل هنا: كحامل جنينًا في بطنها، ومرضع لم يمكنها استئجار لمرضع ترضع ولدها؛ لعدم مال أو لعدم مرضعة أو لعدم قبول ولدها لغيرها، ولم يمكنها إرضاعه بنفسها. والحال أنها - أي المرأة الحامل أو المرضع - خافت ضررًا بالصوم على ولدها، فيجوز الفطر إن كان الضرر المخوف يسيرًا، وأما إن كان خوف هلاك أو شديد أذىً، فإنه يجب الفطر عليها. قال: وإذا كانت الشدة مبيحة للفطر من المريضر، فالحامل والمرضع أولى بذلك. ا. هـ. منه بتصرف. قلت: دليل الرخصة في الإِفطار للحامل والمرضع، ما أخرجه البغوي بسنده عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب - قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدَّى فقال: "ادْنُ فَكُلْ". فقلت: إنِّي صائم. فقال: "ادْنُ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّوْمِ - أَوِ الصِّيَامِ إِنَّ اللهَ ﵎ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْحَامِلِ والْمُرْضِع الصَّوْمَ، أَوِ الصَّيَامَ". والله لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما، فيا لهف نفسي أَلَّا أكون طعمت من طعام النبي ﷺ . ا. هـ. وهذا الحديث رواه الترمذي، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم. قال =
следующие страницы →