← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَلَزِمَ مَعَهَا القَضَاءُ إِنْ كَانَتْ لَهُ (١)، والقضاءُ فِي التَّطَوُّعِ بِمُوجِبِهَا (٢)، ولَا قَضَاءَ فِي غَالِبِ قَئٍ أَوْ ذُبَابٍ، أَوْ غُبَارِ طَريقٍ أوْ دَقِيقٍ أوْ كَيْلٍ أوْ جِبْس لِصَانِعِهِ، وَحُقْنَةٍ مِن إحْلِيلٍ أوْ دُهْنِ جَائفَةٍ، ومَنِيّ مُسْتَنكحٍ أوْ مَذِي، وَنَزْعِ مَأكولٍ أو مَشْرُوبٍ أوْ فَرْجٍ طُلُوعَ الْفَجْر (٣). (١) وقوله: ولزم معها القضاء إن كانت له، يعني - والله أعلم - أن كل من لزمته الكفارة يلزمه معها القضاء، إذا كانت الكفارة له - أي للمكفر نفسه - أما إذا كان مكفرًا عن الغير فلا قضاء عليه لأن الصوم لا يقبل النيابة. وعليه المذهب. وسوف يأتي مزيد بيان لذلك. والله الموفق. (٢) وقوله: والقضاء في التطوع بموجبها، يريد به - والله أعلم - أن كل ما يوجب الكفارة في الفرض يوجب القضاء في النفْل، ويدل لذلك ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه؛ فجاء رسول الله ﷺ ، فدرتني إليه حفصة - وكانت ابنة أبيها - فقالت: يا رسول الله، إنا كُنَّا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناهُ، فأكلنا منه. قال: "اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ". والحديث بهذا اللفظ للبغوي وقال: قال أبو عيسى: وروى صالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا. ولقد روي عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ فقلت: إنَّا خبَّأنا لك حيسًا. قال: "أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ. وَلكِنْ قَرِّبِيهِ". قال البغوي: وهذا الحديث صحيح. أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن طلحة بن يحيى. ا. هـ. ثم قال: وروي في حديث أم هانيء أن رسول الله ﷺ قال: "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ؛ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ". وهو يدل على المتطوع بالصوم إذا أفطر، لا قضاء عليه إلا أَنْ يشاء. وكذلك التطوع بالصلاة إذا أبطلها. وهو قول عمر وابن عباس وجابر. وإليه ذهب الثوري والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أهل الرأي: يلزمه القضاء. وقال مالك: إن أفطر أوخرج من الصلاة من غير علة يلزمه القضاء. ودليله ما تقدم عن الزهري عن عروة عن عائشة. والله تعالى أعلم. (٣) وقوله: ولا قضاء في غالب قيء ألخ .. كل هذه المسائل لا نص فيها. والله تعالى أعلم بدليله عليها.

стр. 492

وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ، ومَضَمَضَةٌ لِعَطِسٍ (١) وَإِصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ (٢)، وصَوْمٌ دَهْرِ (٣) وجُمُعَةٍ فَقَط (٤). (١) وقوله: وجاز سواك كل النهار ومضمضة لعطِش، قد تقدم مزيد الكلام عليه عند قول المؤلف: أو غالب من مضمضة أو سواك. راجعه ان شئت. والله الموفق. (٢) وقوله: أو إصباح بجنابة، قد قدمنا الكلام عليه بما فيه كفاية إن شاء الله، عند قول المصنف: أو لم يغتسل إلا بعد الفجر. فأغنى عن إعادته هنا. والله الهادي إلى سواء السبيل. (٣) وقوله: وصوم دهر، قال المواق: قال مالك وابن القاسم: لا بأس بصيام الدهر، وقد سرده قوم صالحون، إلا الأيام التي منع صومها. وقال ابن حبيب: حسن لمن قوي عليه. فحملوا النهي على ذي مشقة. ا. هـ. منه. وقال الحطاب: وذكر البرزلي عن عز الدين بن عبد السلام الشافعي أن صوم الدهر أفضل لمن قوي عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٢). ولقوله ﷺ لعمرو بن العاص: "لَا أَفْضَل لَكَ مِنْ ذلِكَ". ا. هـ. منه. قلت: هذا المذهب، غير أن البخاري ومسلم والبغوي - واللفظ له - أخرجوا حديث عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يَا عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْروٍ، إِنّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". ا. هـ قال البغوي: وقوله: "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ" بمعنى الدعاء عليه. وقد تكون "لا" بمعنى "لم" كقوله : ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ (٣). قال أبو بكر بن العربي المعافري في العارضة ج ٣/ ص ٢٩٩: فيا بؤس من أصابه دعاء رسول الله ﷺ . وأما من قال: إنه خبر، فيا بؤس من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم؛ فقد علم أنه لا يكتب له ثواب؛ لوجوب الصدق في خبره ﷺ ، وقد =

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نفى الفضل عنه، فكيف يطلب ما نفاه النبي ﷺ . ا. هـ. منه، بنقل شعيب الأرناؤوط. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن هارون بن سعد عن أبي عمرو الشيباني قال: كنا عند عمر بن الخطاب، فأتي بطعام له، فاعتزل رجل من القوم، فقال: ما له؟. قالوا: إنه صائم. قال: وما صومه؟. قال: الدهر. قال: فجعل يقرع رأسه بقناة معه ويقول: كُلْ يا دهر، كل يا دهر. ا. هـ. وهذا الحديث رواه ابن أبي شيبة، وإسناده صحيح. والله حسبنا ونعم الوكيل. (٤) وقوله: وجمعة فقط، قال المواق هنا ما نصه: الباجي: مذهب مالك أن صيام يوم الجمعة يجوز لمن أراد صيامه، لأنه يوم من الأسبوع، فجاز إفراده بالصوم كغيره من أيام الأسبوع. ومنع الشافعي صيامه لمن لم يصله بصيام قبله أو بعده للحديث، وقال الداودي: لعل مالكًا لم يبلغه الحديث. ا. هـ. منه بتصرف قليل. قلت: وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان أبو الدرداء يُحيي ليلة الجمعة، ويصوم يومها، وأتاه سلمان - وكان النبي ﷺ آخى بينهما - فنام عنده، فأراد أبو الدرداء أن يقوم ليلته، فقام إليه سلمان فلم يدعه حتى نام وأفطر. قال: فجاء أبو الدرداء النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ : "عُوَيْمِرُ، سَلْمَانُ أَعْلَمُ مِنْكَ، لَا تَخُصَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِصَلَاةٍ وَلَا يَوْمَهَا بِصِيَامٍ". ا. هـ. وفي مصنف عبد الرزاق أيضا عن معمر، عن قتادة عن ابن المسيّبِ أَنَّ النبي ﷺ دخل على بعض نسائه يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: "أَصُمْتِ أمْسِ"؟. قالت: لا. فقال: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومي غَدًا"؟. قالت: لا. فأمرها أن تفطر. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه البخاري من حديث جويرية. وحيث إن مالكًا يظهر من كلامه أنه لم تبلغه أحاديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بصيام، لأن نص كلامه في الموطإ في الصيام: ولم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. ا. هـ. وقد ثبت عنه: ما وافق الكتاب والسنة من رأي خذوا به، وما لا فاضربوا به الجدار. فإنه يتعين هنا العمل بالسنة الثابتة الناهية عن إفراد ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام. وباللّه تعالى التوفيق.

стр. 494

وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ؛ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ، وَإلَّا قَضَى وَلَوْ تَطَوُّعًا، ولَا كَفَّارَةَ إِلَّا أن يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ؛ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ (١)، وبِمَرَضٍ خَافَ زيَادَتهُ أوْ تَمَادِيَهُ (٢). (١) وقوله: وفطر بسفرِ قصرٍ شرع فيه قبل الفجر، قال المواق هنا: من المدونة. قال مالك: من سافر سفرًا مباحًا تقصر في مثله الصلاة، فإن شاء أفطر وإن شاء صام. والصوم أحب إليَّ. وقال أيضًا: الباجي: من سافر قبل الفجر، فلا خلاف أنه يجوز له الفطر؛ لأن وقت انعقاد الصوم كان مسافرًا؛ فكان له الفطر. ا. هـ. منه. وقوله: ولم ينوه فيه، وإلا قضى ولو تطوعًا ولا كفارة إلا أن ينويه بسفر، قال المواق: من المدونة: من أصبح في حضره صائمًا في رمضان، وهو يريد سفرًا، فلا يفطر في ذلك اليوم قبل خروجه ولا بعد خروجه، لكن إن أفطر قبل خروجه وجبت عليه الكفارة. قاله في المختصر. وإن أفطر بعد أن سافر لزمه القضاء بلا كفارة. قاله في المدونة. قال مالك: وإن أصبح في السفر صائمًا في رمضان، ثم أفطر لغير عذر، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان في سعة أن يفطر أو يصوم، فلما صام لم يمكن أن يخرج منه إلا لعذر. قال مالك: وإن أصبح في الحضر صائمًا متطوعًا ثم سافر فأفطر، فإن كان من عذر فلا قضاء عليه، وإلا فليقض. ا. هـ. منه. قلت: قد تقدم الكلام على الصوم في السفر، عند قول المصنف: وصوم بسفر، كما تقدم الكلام على قضاء المتطوع وعدمه عند قول المصنف: والقضاء في التطوع بموجبها. فأغنى ذلك عن الإعادة هنا. والله الموفق. (٢) وقوله: وبمرض خاف زيادته أو تماديه، قال المواق: قال أشهب في مريض لو تكلف الصوم لقدر، أو الصلاة قائمًا لقدر، إلا أنه بمشقة وتعب: فليفطر وليصل جالسًا، ودين الله يسر. انتهى من ابن يونس. وكأنه لا معارض لهذا بل أتبعه بقول مالك: رأيت ربيعة أفطر في مرض به، لو كان غيره لقلت: يقوى على الصوم. ا. هـ. منه. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي وجع يفطر في رمضان؟. قال: منه كله. قلت: يصوم حتى إذا غلب عليه أفطر؟. قال: نعم، كما قال الله. وهذا الحديث أخرجه البخاري تعليقًا. ا. هـ. والله الموفق. =

стр. 495

وَوَجَبَ إنْ خَافَ هَلَاكًا أوْ شَديدَ أذىً (١)؛ كَحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ لَمْ يُمْكِنْهَا اسْتئْجَارٌ أوْ غَيْرهُ، خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهمَا. والأجْرَةُ فِي مَالِ الْوَلَدِ ثُمَّ هَلْ فِي مَالِ الْأب أوْ مَا لِهَا؟. تأويلَان (٢). = على أن القرآن أباح الفطر للمريض مطلقًا. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). (١) وقوله: ووجب إن خاف هلاكًا أو شديد أذىً، قال الدردير: ووجب الفطر لمريض وصحيح إن خاف على نفسه - بصومه - هلاكًا أو شديد أذىً؛ كتعطيل منفعة من سمع أو بصر أو غيرهما، لوجوب حفظ النفس. وأما الجهد الشديد فيبيح الفطر للمريض قيل: والصحيح أيضًا. ا. هـ. منه. قلت: واللّه تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). (٢) وقوله: كحامل ومرضع ألخ. قال في جواهر الإكليل هنا: كحامل جنينًا في بطنها، ومرضع لم يمكنها استئجار لمرضع ترضع ولدها؛ لعدم مال أو لعدم مرضعة أو لعدم قبول ولدها لغيرها، ولم يمكنها إرضاعه بنفسها. والحال أنها - أي المرأة الحامل أو المرضع - خافت ضررًا بالصوم على ولدها، فيجوز الفطر إن كان الضرر المخوف يسيرًا، وأما إن كان خوف هلاك أو شديد أذىً، فإنه يجب الفطر عليها. قال: وإذا كانت الشدة مبيحة للفطر من المريضر، فالحامل والمرضع أولى بذلك. ا. هـ. منه بتصرف. قلت: دليل الرخصة في الإِفطار للحامل والمرضع، ما أخرجه البغوي بسنده عن أنس بن مالك - رجل من بني عبد الله بن كعب - قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدَّى فقال: "ادْنُ فَكُلْ". فقلت: إنِّي صائم. فقال: "ادْنُ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّوْمِ - أَوِ الصِّيَامِ إِنَّ اللهَ ﵎ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْحَامِلِ والْمُرْضِع الصَّوْمَ، أَوِ الصَّيَامَ". والله لقد قالهما النبي ﷺ كليهما أو أحدهما، فيا لهف نفسي أَلَّا أكون طعمت من طعام النبي ﷺ . ا. هـ. وهذا الحديث رواه الترمذي، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم. قال =

стр. 496

وَالْقَضَاءُ بِالْعَدَدِ (١) بِزَمَنٍ أُبِيحَ صَوْمُهُ غَيْرِ رَمَضَانَ (٢)، وإتْمَامُهُ إنْ ذَكَرَ = الترمذي: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن. وقد أخرج عبد الرزاق هذا الحديث عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر؛ أن رجلًا قدم المدينة فدخل على النبي ﷺ لحاجة له والنبي ﷺ يأكل فقال له النبي ﷺ : "ادْنُ". فقال: أنا صائم. ثم قال: "ادْنُ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ وُضِعَ عَنْهُ الصَّوْمُ وَشَطْرُ الصَّلَاةِ وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ". ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران وتطعمان كل واحدة منهما كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما: قال معمر: وأخبرني من سمع القاسم بن محمد يقول: إن لم تستطيعا الصيام فلتطعما. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن قتادة قال: تفطر الحامل التي تخاف على ولدها، وتفطر المرضع التي تخاف على ولدها، وتطعم كل واحدة منهما كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما. ا. هـ. وفيه غير ذلك مما يشهد له. والله أعلم. (١) وقوله: والقضاء بالعدد، يريد به - والله أعلم - أن من أفطر رمضان كله، وكان ثلاثين يومًا، وقضاه بالهلال، فكان تسعة وعشرين يومًا، وجب عليه صوم يوم آخر، وكذا لو كان رمضان الذي أفطره تسعة وعشرين، وقضاه بالهلال فكان ثلاثين يومًا، أجزأه منه تسعة وعشرون يومًا. وهذا دليله من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). الآية. وفي الأثر: "صُمْهُ كَمَا أَفْطَرْتَهُ". ا. هـ. عبد الرزاق. (٢) وقوله: بزمن أبيح صومه غير رمضان، قال المواق هنا: اللخمي: قضاء رمضان يصح في كل زمان يصح فيه صوم التطوع، ولا يجوز في الأيام المنهي عن صيامها، ولا في شهر نذر صومه. ومن المدونة قال مالك: يصوم اليوم الرابع من أيام النحر مَنْ نذَرَهُ، أو نذر صوم ذي الحجة. ولا يصومه متطوعًا، ولا يكون قضاء عن رمضان. ا. هـ. منه بتصرف قليل. وقوله: غير رمضان، أي فلا يقضي المسافر فيه رمضان السابق، لأن هذا تعين للأداء، فإن قضاه فيه لم يجز عن واحد منهما اتفاقًا، والله أعلم. ولا نص في الموضوع يرجع إليه. وبالله التوفيق.

стр. 497

قَضَاءَهُ. وَفِي وُجُوب قَضَاءِ الْقَضَاءِ خِلافٌ (١) (١) وقوله: وإتمامه إن ذكر قضاءه، هو مفرع على وجوب الصوم بالشروع، وهو المذهب عند أصحابنا، علمًا بأن القاعدة أن النفل لا يجب بالشروع، كما عقده الشيخ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في مراقي السعود بقوله: والنفل ليس بالشروع يجبُ غير أن أصحابنا أخذوا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١). الآية، أن من شرع في عبادة وجب عليه إتمامها. قال في مراقي السعود: قف واستمع مسائلًا قد حكموا … بأنها بالإِبتداء تلزم صلاتنا وصومنا وحجنا … وعمرة لنا كذا اعتكافنا طوافنا مع ائتمام المقتدي … فيلزم القضا بقطع عامد قلت: وهذا اللزوم هو على سبيل الاحتياط، استنباطًا من الآية آنفة الذكر، وإلا فقد وردت آثار بعدم وجوب إتمام ذلك، ففي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يفطر إنسان التطوع، ويضرب لذلك أمثالًا: رجل طاف سبعًا، فقطع ولم يوفه فله ما احتسب. أو صلى ركعة ولم يصل أخرى بعدها فله ما احتسب. أو يذهب بمال يتصدق به، ويتصدق ببعضه وأمسك بعضه. ا. هـ. وفي المصنف كذلك: عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس قال: الصوم كالصدقة؛ أردت أن تصوم فبدا لك، وأردت أن تصدق فبدا لك. ا. هـ. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية، أن عمر بن الخطاب قال لأصحابه يومًا: ما ترون عليَّ؟. فإني أصبحت اليوم صائمًا، فرأيت جارية لي فوقعت عليها؟. فقال عليَّ: صمت تطوعًا فأتيت حلالًا، لا أرى عليك شيئًا. ا. هـ. وفيه غير ذلك مما يشهد لما ذكرنا. والله الموفق.

стр. 498

وأدِّبَ الْمُفْطِرُ عَمْدًا إِلَّا أنْ يَأتِيَ تائبًا (١). وإطْعَامُ مُدِّهِ ﵊ لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ، عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمسْكينِ وَلَا يُعْتَدُّ - إِنْ أَمْكَنَ قَضَاؤهُ - بشَعْبانَ (٢). (١) وقوله: وأدّب المفطر عمدًا، هو على ولي أمر المسلمين لإقامة حدود الله وشعائر الإِسلام؛ وهو لقوله ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ". الحديث. وقوله: إلا أن يأتي تائبًا، دليله عدم تأديب النبي ﷺ للأعرابي الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت؛ وقعت على أهلي وأنا صائم؟ الحديث. (٢) وقوله: وإطعام مده ﵊ لمفرط في قضاء رمضان لمثله، قال المواق هنا: من المدونة: قال مالك: من أفطر في رمضان لمرض أو سفر، ثم صح أو قدم قبل دخول رمضان الثاني أيام أقل من شهر، فلم يصمها حتى دخل عليه رمضان المقبل، فعليه عدد هذه الأيام التي فرط فيها مدادًا يفرقها، إذا أخذ في القضاء أو بعده. ا. هـ. منه. قلت: وقت قضاء رمضان موسع في الأشهر العشرة بعد رمضان، فإذا كان شعبان كان وقت القضاء ضيقًا يتعين قضاؤه فيه، ولذلك أوجب بعض أهل العلم الفدية إذا أخر قضاء رمضان عن شعبان اختيارًا من غير عذر. قالوا: إن عليه إطعام مسكين عن كل يوم. يروى ذلك عن أبي هريرة وابن عباس. وبه أخذ عطاء، والقاسم بن محمد، والزهري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. انظر البغوي. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن أبي هريرة قال: إنسان مرض في رمضان ثم صحَّ، فلم يقضه حتى أدركه شهر رمضان آخر، فليصم الذي أحدث ثم يقضي الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينًا. ا. هـ. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: يطعم مكان الشهر الذي مضى؛ من أجل أنه صحَّ وفرط في قضائه حتى أدركه شهر رمضان. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟. قال: مد. زعموا. ا. هـ. وقوله: ولا يعتد بالزائد، قال المواق: من المدونة قال مالك: لا يجزئ أن يطعم أمدادًا كثيرة =

стр. 499

لَا إنِ اتّصَلَ مَرَضُهُ (١) مَعَ الْقَضَاءِ أوْ بَعْدَهُ (٢)، وَمَنْذُورُهُ (٣)، والأكْثَرُ إن احْتَمَلَهُ لَفْظُهُ بِلَا نيَّةٍ؛ كَشَهْرٍ فَثَلَاثِينَ إِنْ لَمْ يَبْدَأ بِالْهِلَالِ (٤)، وابْتِدَاءُ سَنَةٍ، وقَضَى مَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ إِلَّا أنْ يُسَمِّيَهَا (٥). = لمسكين واحد، ولكن مدًا لكل مسكين. ا. هـ. منه. وقوله: إن أمكن قضاؤه في شعبان، هو بيان لمحل وجوب الإطعام، بأن يبقى من شعبان بقدر ما عليه من رمضان، وهو غير معذور. (١) وقوله: لَا إن اتصل مرضه، يريد به - والله أعلم - أنه لا إطعام عليه إن اتصل مرضه حتى دخل رمضان الآخر؛ لأن مناط التكليف بلا إطعام هنا التفريط، فإن لم يكن فرط فلا إطعام، ولو كان عدم التفريط ذلك باتصال المرض حكمًا؛ كحمل وإرضاع. قال في جواهر الإكليل: ومثل المرض السفر بشعبان، والإغماء والجنون، والحيض والنفاس والإكراه. والمعتبر التفريط في العام الأول، فإن لم يفرط فيه وفرط فيما بعده فلا إطعام عليه. ا. هـ. منه. والدليل على أنه إن اتصل مرضه فلا إطعام عليه، ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فرجل مرض رمضان كله، فلم يزل مريضًا حتى مر به رمضان آخر؟. قال: يطعم مرة واحدة قط. قلت له: فرجل مرض رمضان كله، فلم يزل مريضا حتى أدركه الآخر مريضًا؟. قال: يقضي الأول قط ولا يطعم. ا. هـ. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا مرض الرجل في رمضان، فلم يزل مريضًا حتى يموت، فليس عليه شيء، فإن صحَّ فلم يقضه، أطعم عنه كل يوم مسكينًا مُدبر. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق عن الأسلمي عن الحجاج بن أرطأة، عن عبادة بن نُسيٍّ قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى مَاتَ لَمْ يُطْعَمْ عَنْهُ، وَإِنْ صَحَّ فَلَمْ يَقْضِهِ حَتَّى مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ". ا. هـ. منه. (٢) وقوله: مع القضاء أو بعده، قال المواق: من المدونة: يفرق هذه الأمداد إذا أخذ في القضاء، في أوله أو في آخره، وإن لم يفرقها حتى فرغ من القضاء فليفرقها بعد ذلك. =

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ابن حبيب: المستحب في تفريق هذا الطعام كلما صام يومًا أطعم مسكينًا. قال أشهب: ومن عجل كفارة التفريط قبل وجوبها لم يجزه، فإن كان عليه عشرون يومًا، فلما بقي لرمضان الثاني عشرة أيام، كفَّر عن عشرين يومًا، لم يجزه إلا عشرة أيام. ا. هـ. منه. والله أعلم بدليل ذلك. (٣) وقوله: ومنذوره، يريد به - والله أعلم - ووجب صوم منذور الصوم؛ أي وجب الوفاء بذلك النذر، شأنه في ذلك شأن كل مستحب إذا نذر. ودليل وجوب الوفاء بنذر الصوم، حديث ابن عباس أن امرأة قالت: يا رسول الله، إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟. فقال: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضيْتِهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا"؟. قالت: نعم. قال: "فَصُومي عَنْ أُمَكِ". قال المجد في المنتقى: أخرجاه. وقال: وفي رواية أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن الله نجاها أن تصوم شهرًا. فأنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت قرابة لها إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك فقال: "صُومِي عَنْهَا". أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود. (٤) وقوله: والأكثر إن احتمله لفظه بلا نية؛ كشهر فثلاثين إن لم يبدأ بالهلال، قال المواق هنا: الأصل في النذر أنه التزام من المكلف على نفسه، فيحاذي فيه قصده وما نص عليه، فإن لم يقصد شيئًا وكان اللفظ يحتمل الأقل والأكثر، فقيل: إنه يلزم الأكثر؛ لأنه لا تبرأ ذمته إلا به، وقيل: تبرأ ذمته بالأقل حتى ينص على الأكثر، ومن هذا أن ينذر صوم شهر، ويبدأ في أثناء الشهر، فقيل: تجزئه تسعة وعشرون يومًا؛ لأنها الأقل. وقيل: يلزمه إكمال ثلاثين لأنها الأكمل. ا. هـ. ونص المدونة: قال مالك: من نذر صوم أيام أو شهر أو شهور غير معينة، فليصم عدد ذلك، إن شاء تابعه أو فرقه. ا. هـ. منه بتصرف قليل. قلت: ولعل دليل ذلك قوله ﷺ : "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ". والله تعالى أعلم. (٥) وقوله: وابتدأ سنة، وقضى ما لا يصح صومه في سنة إلا أن يسميها، قال المواق: من المدونة: من نذر صوم سنة بغير عينها، صام اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر ولا أيام النحر. ا. هـ. منه. أما إذا سمى السنة، فقال في المدونة: قال مالك: إن نذر صوم سنة بعينها صامها، وإن أفطر منها يوم الفطر وأيام الذبح، ويصوم آخر أيام التشريق؛ لأنه قد نذره، ولا قضاء عليه فيهن ولا في رمضان، إلا أن ينوي قضاء ذلك. ا. هـ. بنقل المواق.

стр. 501

أوْ يَقُولَ: هذِهِ. وَينْوي باقِيَها فَهُوَ، ولا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ (١) بِخَلَافِ فِطْرِهِ لِسَفَرٍ (٢) وصبيحةَ الْقُدُوم فِىِ يَوْمِ قُدُومِهِ - إِنْ قَدِمَ لَيْلَةً غَيرَ عِيدٍ - وإلَّا فَلَا (٣)، وصِيَامُ الْجُمُعَةِ إن نَسِيَ الْيَوْمَ عَلَى المختَار (٤)، وَرَابعُ النَّحْرِ لِنَاذِرِهِ وَإِنْ تَعْيِينًا (٥)، (١) قوله: أو يقول: هذه، وينوي باقيها فهو، ولا يلزم القضاء: قال المواق: قال ابن القاسم: وما أفطر من السنة المعينة - لعذر من مرض أوغيره - فلا قضاء عليه فيه. وإن أفطر منها شهرًا لغير عذر قضاه، فإن كان الشهر تسعة وعشرين يومًا قضى عدد أيامه. قال ابن القاسم: وأحب إليَّ أن يقضيه متتابعًا، فإن فرقه أجزأه. قال مالك: وإن أفطر منه يومًا قضاه إلا أن يكون لمرض. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: بخلاف فطره بسفر، قال في المدونة: قال مالك: من نذر صيام شهر بعينه فلا يقضي أيام مرضه، وكذلك من نذرت صوم سنة بعينها لا تقضي أيام حيضتها. وأما السفر فلا أدري ما هو؟. قال ابن القاسم: وكأني رأيته يستحب له القضاء. ا. هـ. بنقل المواق. (٣) وقوله: وصبيحة القدوم في يوم قدومه - إن قدم ليلةً غير عيد - وإلا فلا، قال في المدونة: قال ابن القاسم: من نذر صوم يوم قدوم فلان، فقدم ليلًا فليصم صبيحة تلك الليلة، ولو قدم نهارًا ونية الناذر الفطر فلا قضاء عليه لذلك اليوم. اهـ. المواق. (٤) وقوله: وصيام الجمعة إن نسي اليوم على المختار، قال المواق: الذي رجع إليه سحنون؛ أن من نذر صوم يوم بعينه فنسيه، أنه يصوم الجمعة كلها. وفي الحطاب (فرع) فإن صام اليوم المعين الذي نذره، ثم أفطر فيه ناسيًا، ثم نسي أي يوم كان من الجمعة، قال في المقدمات في قضاء الصلوات الفوائت: يجزئه يوم واحد ينوي به ذلك اليوم. ا. هـ. منه. قلت: وكل هذه الفروع لا نص فيها، فليس إلا الإجتهاد. وبالله تعالى التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق. (٥) وقوله: ورابع النحر لناذره، وإن تعيينًا، قال المواق: أما اليوم الرابع من أيام النحر، فلا خلاف أن من نذره منفردًا أنه يلزمه صومه، وأما من نذر صوم ذي الحجة، ففي صومه رابع يوم النحر خلاف؛ فقال ابن القاسم: يصومه. وقال ابن الماجشون: لا يصومه. ا. هـ. منه. وبذلك تعلم أنه =

стр. 502

لا سَابِقَيْهِ إِلَّا لِمُتَمَتِّعٍ (١)، لَا تَتَابُعُ سَنَةٍ أوْ شَهْرٍ أوْ أيَّامٍ، وَإِنْ نَوَى بِرَمَضَانَ فِي سَفَرِهِ غَيْرَهُ، أوْ قَضَاءَ الْخَارِجِ، أوْ نَوَاهُ وَنَذْرًا، لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٢). وَلَيْسَ لامْرَأةٍ يَحْتَاجُ لَهَا زَوْجٌ تَطَوُّعٌ بلا إذْنٍ (٣). = لا نص في المسألة يرجع إليه فيها. (١) وقوله: لا سابقيه إلا لمتمتع، قال المواق: الباجي: الذي قال به مالك وفقهاء الأمصار: إن أيام التشريق لا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد هديًا. ا. هـ. قلت: أخرج البغوي بسنده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أهْلَ الإسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشرْبٍ". قال البغوي: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صَحيح. وروي عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيَّامُ التشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ". وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. وفيه من حديث كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق فنادى: "إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ". ا. هـ. أنظر تعليق الأرناؤوط على البغوي. (٢) وقوله: وإن نوى برمضان في سفره، إلى قوله عن واحد منهما، هو بمحض الإجتهاد. وفي المواق هنا بحوث في الموضوع لبعض شيوخ المذهب، لم ينسب فيها قولًا لأحد من الصحابة ولا من التابعين. (٣) وقوله: وليس لامرأة يحتاج لها زوج تطوع بلا إذن، قال المواق: من المدونة، من علمت حاجة زوجها لم تصم إلا بإذنه، وإن علمت عدمها فلا بأس. ابن عرفة: الأقرب الجواز إن جهلت؛ لأنه الأصل. ا. هـ. منه. قلت: قد تقدم الحديث المتفق عليه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة ﵂ تقول: إن كان ليكون علي صيام من رمضان، فما أسطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان. ا. هـ. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا بِإِذْنِهِ". أخرجه البغوي وقال: هذا حديث صحيح. وهو في الترمذي، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف، وأخرجه مسلم عن معمر عن همام أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :=

стр. 503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = " لَا تَصُومَنَّ امْرَأَةٌ تَطَوُّعًا وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإن نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ" ا. هـ. انظر تعليق الأرناؤوط. تنبيه: ورد في صوم يوم الإثنين والخميس، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يصوم يوم الإثنين والخميس، فقلت له؟. فقال ﷺ : "هُمَا يَوْمَانِ يُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ". وفي رواية أخرى: "فَأَحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأنا صَائِمٌ". وورد في خصوص صوم يوم الإثنين؛ عن أبي قتادة أن عمر سأل النبي ﷺ عن صوم يوم الإثنين؟. قال: "ذلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيوْمٌ أَنْزِلَتْ عَلَيَّ فِيهِ النُّبُوَّةُ". قال البغوي: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن ميمون بن مهران، عن غيلان. قلت: وهذا نص في أن الأولى أن تخص مناسبة مولده ﷺ بالصوم شكرًا لله تعالى على مولده ﷺ وبعثه، بدلًا مما جرت به العادة اليوم مما الله أعلم به. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 504

خاتمة وهي في ليلة القدر قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ قال البغوي: قال ابن عيينة: ما في القرآن: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أعلمه، وما قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يعلم. قال الأرناؤوط: علقه البخاري عنه في صحيحه، وقال الحافظ: وصله محمد بن يحيى بن أبي عمر في كتاب - الإيمان - له من رواية أبي حاتم الرازي عنه قال: حدثنا سفيان بن عيينة فذكره بلفظ: كل شيء في القرآن: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾، فقد أخبر به، وكل شيء فيه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فلم يخبر به. ومقصود ابن عيينة أنه ﷺ كان يعرف تعيين ليلة القدر. قال الحافظ: وقد تعقب هذا الحصر بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ فإنها نزلت في ابن أم مكتوم، وقد علم ﷺ بحاله، وأنه ممن تزكى، ونفعته الذكرى. ا. هـ. منه بلفظه. وقال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال ابن جزي الكلبي: معناه أن من قامها كتب الله له أجر العبادة في ألف شهر. قال: وسبب نزول الآية أن رسول الله ﷺ ذكر رجلًا ممن تقدم عَبَدَ اللهَ ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك، ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك، فأعطاهم الله ليلة القدر، وجعلها خيرًا من العبادة في تلك المدة الطويلة. ا. هـ. منه. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١). قال ابن الجزي: يعني ليلة القدرمن رمضان، وكيفية إنزاله فيها؛ إنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ شيئًا بعد شيء. قال: وقيل: يعني بالليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وذلك باطل لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. مع قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢). ا. هـ. منه. وأخرج البخاري في التراويح، باب فضل ليلة القدر، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، قوله ﷺ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". واتفق الشيخان كذلك على حديث أنس قال: أخبرني عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ خرج ليخبرنا =

стр. 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: "إِنِّي خَرَجْتُ لأِخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ". أخرجه البخاري عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، وأخرجه مسلم من رواية أبي سعيد الخدري. واتفق الشيخان أيضًا على حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ". واتفق الشيخان أيضًا على حديث عبد الله بن عمر؛ أن رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي أَرَى رُؤْياَكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ فِي السَّبْعِ الْأوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأوَاخِرِ". أخرجه البخاري عَنْ عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. ا. هـ. قال البغوي: قال أبو عيسى: وروي عن النبي ﷺ في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخر ليلة من رمضان. قال الشافعي: كأن هذا عندي - والله أعلم - ان النبي ﷺ كان يجيب على نحو ما يسأل عنه؛ يقال له: أنلتمسها في ليلة كذا؟. فيقول: "الْتَمِسُوهَا فِي لَيْلَةِ كَذَا"، قال: وأقوى الروايات عندي فيها أنها ليلة إحدى وعشرين. ا. هـ. منه. في شرح السنة. تتمة: ذكر عبد الرزاق في مصنفه في آخر كتاب الصوم: باب خضاب النساء، عبد الرزاق عن معمر عن بديل العقيلي عن أبي العلاء بن عبد الله بن شخير قال: حدثتني امرأة أنها سمعت عمر بن الخطاب - وهو يخطب - وهو يقول: يا معشر النساء، إذا اختضبتن فإِيَّاكُنَّ النقش والتطريف. ولتخضب إحداكن يديها إلى هذا، وأشار إلى موضع السوار. ا. هـ. وفي المصنف أيضًا هنا: باب المرأة تصلي وليس في رقبتها قلادة، عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين أنه كره أن تصلي المرأة وليس في عنقها قلادة. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 506

الاعتكاف باب: الْاعْتِكَافُ (١) نَافِلَةٌ (٢). وصِحَّتُهُ لِمُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ بِمُطْلَقِ صَوْمٍ (٣) وَلَوْ نَذْرًا (٤)، وَمَسْجدٍ إِلَّا لِمَنْ فَرْضُهُ الجُمُعَةُ، وتَجِبُ بِهِ (٥)، فَالجَامِعُ مِمَّا تَصِحُّ فِيهِ الجُمُعَةُ، وَإِلَّا خَرَجَ (٦) وَبَطَلَ؛ كَمَرَضِ أَبَويهِ لَا جَنَازَتهِمَا مَعًا، وَكَشَهَادَةٍ وَإنْ وَجَبَتْ، وْلتُؤَدَّ بِالْمَسْجِدِ أوْ تُنْقَلُ عَنْهُ، وَكَردَّةٍ، وَكَمُبْطِلٍ صَوْمَهُ، وَكَسُكْرِهِ لَيْلًا. وفِي إلْحَاقِ الكَبَائِرِ بِهِ تَأويلَانِ، وَبِعَدَمِ وَطْءٍ وَقُبْلَةِ شَهْوِة، وَلَمْسٍ ومُبَاشَرَةٍ (٧) وإنْ لحَائِض نَاسِيَةٍ وَإِن أَذِنَ لِعَبْدٍ أو امْرأةٍ فِي نَذْرٍ (٨) فَلَا مَنْعَ كَغَيْرهِ إِنْ دَخَلَا، وأَتَمَتْ مَا سَبقَ مِنْهُ، أوْ عِدَّةٍ إِلَّا أَنْ تُحْرِمَ، وَإِنْ بِعِدَّةِ مَوْتٍ فَينْفُذُ وتبطُلُ، وإنْ مَنَعَ عَبْدَهُ نَذْرًا فَعَلَيْهِ إِنْ أَعْتَقَ، ولَا يُمْنَعُ مكاتَبٌ يَسِيرَهُ، وَلَزِمَ يَوْمٌ إِنْ نَذَرَ لَيْلَةً، لَا بَعْضَ يَوْمٍ (٩)، وتتابُعُه فِي مُطْلَقِهِ، ومنويُّهُ حِينَ دُخُولِهِ كَمُطْلَقِ الْجِوَارِ لَا النَّهَارِ فقط فباللفظ. ولَا يْلَزَمُ فِيهِ حينئذٍ صَوْمٌ، وفي يَوْمِ دُخُوله تأْوِيلَانِ، وإِتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَاذِرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا، وَالمَسَاجِدِ الثلَاثَةِ فَقَطْ لِنَاذِرِ عُكوفٍ بِهَا، (١) الاعتكاف لُغَةً هو الإقامة على الشيء ولزومه، وحبس النَّفْس عليه، برًّا كان أو غيره. ومن هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٢). يُقَالُ: عَكَفَ - بفتح العين - يعكُف - بالضم ويعكِفُ بالكسر. وهو في الشرع: الإِقامة في المسجد على وصف مخصوص. ومن هذا الإستعمال قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (٣) الآية. =

стр. 507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال في جواهر الإكليل: وحقيقته لزوم مسلم مميز مسجدًا مباحًا بصوم، ليلة ويومًا لعبادة قاصرة بنية، كافًا عن الجماع ومقدماته. (٢) وقوله: نافلة، قال الحطاب: قوله نافلة أي مستحبة، قال ابن الحاجب: الاعتكاف قربة. قال في التوضيح: لم يبين ما رتبته في القُرَب، والظاهر أنه مستحب؛ إذْ لو كان سنة لم يواظب السلف على تركه. ا. هـ. وقال ابن عرفة القاضي: هو قربة. كالشيخ. نقل خير. الكافي: في رمضان سنة وفي غيره جائز. العارضة: سنة لا يقال فيه مباح. وقول أصحابنا في كتبهم: جائز، جهل. ابن عبدوس: روى ابن نافع: ما رأيت صحابيًا اعتكف، وقد اعتكف ﷺ حتى قبض، وهم أشد الناس اتباعًا، فلم أزل أفكر حتى أخذ بنفسي أنه لشدته نهاره وليله سواء، كان كالوصال المنهي عنه مع وصاله ﷺ فأخذ ابن رشد منه كراهية مالك. ا. هـ. منه بلفظه. وقال ابن قدامة: قال أبو داود: قلت لأحمد ﵀: تعرف في فضل الإعتكاف شيئًا؟. قال: لا، إلا شيئًا ضعيفًا، ولا نعلم بين العلماء خلافًا في أنه مسنون. ا. هـ. المغني. قلت: ودليل مشروعيته قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. الآية وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١). وأنه ﷺ اعتكف وداوم عليه تقربًا إلى الله وطلبًا لثوابه، وأنه اعتكف أزواجه معه وبعده ﷺ وعلى أزواجه وذريته وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم القيامة. (٣) بمطلق صوم، هو لما في الموطإ عن مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد ونافعًا مولى ابن عمر قالا: لا اعتكاف إلا بصيام؛ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢). فإنما ذكر الله الإعتكاف مع الصيام. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا، إنه لا اعتكاف إلا بصيام. ا. هـ. =

стр. 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال أبو الوليد: قولهما: إنه لا اعتكاف إلا بصيام، نفي لوجود اعتكاف شرعي دون صيام، وهذا مذهب فقهاء المدينة، وأهل الكوفة، وأبي حنيفة، والثوري وغيرهما. ا. هـ. منه. وفي مصنف عبد الرزاق: باب لا اعتكاف إلا بصيام: عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عمر وابن عباس قالا: لا جوار إلا بصيام. وفيه أيضًا: عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس قال: من اعْتكف فعليه الصوم. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن ابن أبي ليلى بهذا الإِسناد، ولفظه: لا اعتكاف إلا بالصوم. وأخرجه أيضًا أبو داود عن ابن علية عن ليث، عن طاوس عن ابن عباس قال: الصوم عليه واجب. ا. هـ. الأعظمي في تعليقه على المصنف. وفي المصنف أيضًا: عبد الرزاق عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء عن عائشة قالت: من اعتكف فعليه الصوم. ا. هـ. وفيه غير ذلك، أنظره. (٤) قوله: ولو نذرًا، أي ولو كان الاعتكاف نذرًا فلا يحتاج المنذور إلى صوم يخصه، بل يجوز فعله في رمضان وغيره على المشهور. ا. هـ الدردير. قال الحطاب: ومقابل المشهور أن المنذور لا يكفي فيه مطلق الصوم، فلا يصح في رمضان. والله أعلم. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: أو مسجد إلا لمن فرضه الجمعة وتجب به فالجامع، تقريره أن صحة الإعتكاف مشروطة بوقوعه بمطلق مسجد مباح لعموم الناس، كانت الجمعة تصلى فيه أو لا، إلَّا لمن فرضه الجمعة؛ من ذكر حر بالغ مقيم، والحال أن الجمعة تجب أثناء اعتكافه ذلك، فإنه يجب عليه أن معتكف بجامع تصح فيه الجمعة، أي في وسطه لا في رحبته الخارجة عنه، ولا في طرقه المتصلة به. ودليل اشتراط المسجد للإعتكاف، هو ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب لا جوار إلا في مسجد جماعة: عبد الرزاق عن الثوري عن جابر الجعفي عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود عن وكيع عن الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. ا. هـ من تعليق الأعظمي على المصنف. قال ابن قدامة في المغني: ولا يصح الاعتكاف في غير مسجد، إذا كان المعتكف رجلًا. لا =

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا. والأصل في ذلك قوله تعالى. ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد﴾ (١) الآية. فخصها بذلك، فلو صح الإعتكاف في غيرها لم يخصَّ تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الإعتكاف مطلقًا، إلى أن قال: وروى الدارقطني بإسناده عن الزهري، عن عروة، وسعيد بن المسيب، عن عائشة في حديث: وإن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإِنسان، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة؛ ا. هـ. منه. (٦) وقوله: وإلَّا خَرَجَ وبَطَلَ، هذه مسألة خلاف لأنه لا نص فيها يرجع إليه قال البغوي، أَمَّا الخروج للجمعة فواجب عليه لا يجوز له تركه، واختلفوا في بطلان اعتكافه به. ا. هـ. فالمذهب عند أصحابنا بطلانه؛ وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. وذهب قوم إلى عدم بطلان اعتكافه بخروجه للجمعة، وهو قول الثوري، وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل. قال الخرقي: ولا يخرج إلا لحاجة الإِنسان أو صلاة الجمعة، ولا يخرج المعتكف لجنازة، ولو لجنازة أبويه، لما في الموطإ: وقال مالك: ولا يخرج المعتكف لجنازة أبويه ولا غيرهما. ا. هـ. منه. (٧) وقوله: وبعدم وطء وقبلة وشهوة ولمس ومباشرة، جملة القول فيه أن الوطء في الإعتكاف محرم إجماعًا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٢) الآية، ولأن أبا داود روى عن عائشة: السنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، انظر المغني. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: لا يأتي المعتكف أهله بالليل ولا بالنهار. يقول: لا يصيب أهله، ولا يقبّل، ولا يباشر، ولا يمس، ولا يجسُّ، ليعتزلها ما استطاع. قال ابن جريج: وقاله عمرو بن دينار أيضًا. ا. هـ. منه. (٨) وقوله: وإن لحائض ناسية ألخ، قال في مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إذا حاضت وهي معتكفة، رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت فلترجع إلى جوارها. قال ابن جريج: وقاله عمرو بن دينار. =

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: ولا يمسها زوجها حتى تفرغ من جوارها. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إن طهرت وهي في بيتها، أيمسها زوجها ذلك اليوم؟. قال: لا، إلا أن يقطع ذلك جوارها. قلت: ولا يقبلها؟. قال: لا. قلت: في حيضتها يقبلها زوجها؟. قال: نعم. قلت: ويباشر جزلتها العليا؟. قال: نعم. قال ابن جريج: وقاله عمرو بن دينار. قال عطاء: وينال منها ما ينال الرجل من امرأته حائضًا في غير جوار. ا. هـ. منه (٩) وقوله: ولزم يوم إن نذر ليلة، قال الحطاب: قال في المدونة: ومن نذر اعتكاف يوم أو ليلة لزمه يوم وليلة. قال ابن يونس: قال سحنون: فأما إن نذر اعتكاف يوم، لزمه يوم وليلة، ويدخل اعتكافه عند غروب الشمس من ليلته، وإن دخل فيه قبل الفجر فاعتكف يومه لم يجزه. ابن يونس: لأنه نذر اعتكاف يوم فيلزمه يوم تام؛ وذلك يوم وليلة. ا. هـ. منه. قلت: وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أنَّ عمر سأل النبيَّ ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية اعتكاف ليلة في المسجد الحرام، قال: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ". وهذا نص على جواز نذر ليلة دون يومها، وهو من أدلة من لم ير لزوم الصوم للاعتكاف؛ لأن الليل غير قابل للصوم. وفي رواية البخاري التصريح بأنه اعتكف ليلة. والله تعالى هو ولي التوفيق. وقوله ﵀: وأتمت ما سبق منه أو عدة إلا أن تُحْرِمَ وإن بعدة موت، فينفذ وتبطل، تقريره على مراد المؤلف - والله أعلم - أن المرأة إذا اعتكفت ثم طرأ عليها ما يوجب العدة؛ من طلاق أو موت، فإنها تتم اعتكافها ولا تخرج لأجل العدة، وأما إن سبق موجب العدة فلا تعتكف حتى تتم العدة. قال مالك في المدونة: إذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها فلتمض على اعتكافها تتمه، ثم ترجع إلى بيت زوجها فتتم فيه باقي العدة، فإن سبق الطلاق الاعتكاف، فلا تعتكف حتى تحل. ا. هـ. بنقل المواق. وانظر أين هذا التفصيل مما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب المعتدة لا تعتكف حتى تنقضي عدتها، ثم ساق سندًا إلى أبي الزناد عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير عن جابر قال: سألت جابرًا عن المطلقة تعتكف؟. قال: لا، ولا المتوفى عنها حتى تحل. ا. هـ. منه.

стр. 511

وإِلَّا فَبِمَوْضِعِهِ (١). وَكُرِهَ أَكَلُهُ خَارِجَ المسْجِدِ، وَاعْتِكَافُهُ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَدُخُولهُ مِنْزِلهُ وإنْ لِغَائِطٍ (٢) واشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ، وَكِتَابتُهُ وَإنْ مُصْحَفًا إِنْ كَثُرَ، وفِعْلُ غَيْرِ ذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وتِلَاوَةٍ - كَعِيَادَةٍ - وَجَنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ (٣)، وصُعُودُهُ لِتأْذِين بِمَنَارٍ أوْ سَطْحٍ، وتَرَتُّبُهُ لَلإمَامَةِ، وَإِخْراجُهُ لَحُكُومَةٍ، إِنْ لَمْ يَلِدَّ بِهِ. وجَازَ إقْرَاءُ قُرْآنٍ، وسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ، وتَطَيُّبُهُ، وَأنْ يَنْكِحَ ويُنْكِحَ بِمَجْلِسِهِ (٤)، وأخْذُهُ (٥) - إِذَا خَرَجَ لِكَغُسْل جُمُعَةٍ - ظُفْرًا أو شَارِبًا، وانْتِظَارُ غَسْلِ ثَوبِهِ أو تَجْفِيفِهِ. وَنُدِبَ إعْدَادُ ثَوْبِ، ومُكْثُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ (٦)، وَدُخُولهُ قَبْلَ الغُرُوبِ، وصَحَّ إنْ دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ (٧)، وَاعْتِكَافُ عَشَرَةٍ وَبآخِر المسْجِدِ، وبِرَمَضَانَ (٨)، وبِالْعَشْرِ الأخِيرِ لِليْلَةِ الْقَدْرِ الْغَالِبِةِ بِهِ، وفِي كَوْنهَا بِالْعَامِ أو بِرمَضَانَ خِلَافٌ (٩) وانْتَقَلَتْ، والمراد بِكسَابِعَةٍ ما بَقِيَ. وبَنىَ بِزَوالِ إغْمَاءٍ أوْ جُنُونٍ؛ كَانْ مُنِعَ مِنَ الصَّوْمِ لِمَرضٍ أوْ حَيْضٍ أوْ عِيدٍ وخَرَجَ وعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ، وإنْ أخَّرهُ بَطَلَ إِلَّا لَيْلَةَ العِيدِ ويَوْمَهُ، وَإنِ اشْتَرَطَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَمْ يُعِدْهُ (١). (١) وقوله: والمساجد الثلاثة فقط لناذر عكوف بها، وإلا فبموضعه، تقريره - والله أعلم - ولزم إتيان المساجد الثلاثة لناذر اعتكاف أو صوم أو صلاة فيها، فإن نذر شيئًا من ذلك بغير واحد من هذه المساجد الثلاثة؛ مسجد المدينة المنورة، ومسجد مكة المكرمة، ومسجد بيت المقدس، فعله بموضعه الذي نذره فيه، وذلك لفضل هذه المساجد عن غيرها، وقد روي عن حذيفة بن اليمان ﵄، أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد الثلاثة: مسجد مكة، ومسجد المدينة، وبيت المقدس. أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن واصل الأحدب عن إبراهيم، قال: جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من ناس عكوف بين دارك ودار الأشعري؟. قال عبد الله: لعلهم أصابوا وأخطأت. فقال حذيفة: ما أبالي أفيه أعتكف أو في بيوتكم هذه، إنما الاعتكاف في هذه المساجد الثلاثة؛ المسجد =

стр. 512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وكان الذين اعتكفوا - فعاب عليهم حذيفة - في مسجد الكوفة الأكبر. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ودخول منزله وإن لغائط، فيه ما فيه من الحرج، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، وانظر ما لو كان المسجد الذي اعتكف فيه ليس به بيت للراحة، فكيف يتصور كراهة دخوله منزله كذلك العرض أسوة برسول الله ﷺ ؟!. فقد اتفق الشيخان على حديث عائشة ﵂ الذي فيه: وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإنْسَانِ. قال البغوي: وفيه دليل على أنه يخرج من المسجد للغائط والبول ولا يفسد اعتكافه، وهو إجماع. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: كعيادة وجنازة ولو لاصقت، قال الدردير: وشبه في الكراهة قوله: كعيادة لمريض بالمسجد إن بعد عنه، وجنازة ولو لاصقت؛ بأن وضعت بقربه، أو انتهى زحامها إليه. ا. هـ. منه. ولست أدري من أين مأخذ هذا التشديد؟. وكيف أخرجوا صلاة الجنازة عن كونها عبادة وذكر لله تعالى؟!. غير أن عبد الرزاق أخرج في مصنفه ما نصه: عن الثوري عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن عليٍّ قال: من اعتكف فلا يرفث في الحديث، ولا يسابَّ، ويشهد الجمعة والجنازة، وليوص أهله إذا كانت له حاجة، وهو قائم، ولا يجلس عندهم. وبه يأخذ عبد الرزاق. ا. هـ. وأخرج كذلك: عبد الرزاق عن الثوري، عن سليمان الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: المعتكف يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب أميرًا إذا دعاه، ا. هـ. وبالله التوفيق. (٤) وقوله: وأن يَنكح ويُنكح بمجلسه، قال في الموطإ: لا بأس بنكاح المعتكف نكاح الملك، ما لم يكن المسيس، والمرأة المعتكفة أيضًا تنكح نكاح الخطبة، ما لم يكن المسيس. ويحرم على المعتكف من أهله بالليل ما يحرم عليه منهن بالنهار، ولم أسمع أحدًا يكره للمعتكف ولا للمعتكفة أن ينكحها في اعتكافها ما لم يكن المسيس فيكره. ا. هـ. منه. (٥) وقوله: وأخذه - إذا خرج كغسل جمعة - ظفرًا وشاربًا، أخرج البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إليَّ رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. ا. هـ. =

стр. 513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال البغوي هذا حديث متفق على صحته، وفيه من الفقه أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد لا يخرج عن اعتكافه، وفيه أن المعتكف يجوز له غسل الرأس، وترجيل الشعر، وفي معناه حلق الرأس وتقليم الظفر، وتنظيف البدن من الشعث والدرن. ا. هـ. منه. بتصرف. (٦) وقوله: ومكثه ليلة العيد، هو لما في الموطإ: عن زياد بن عبد الرحمن قال: حدثنا مالك عن سميٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، أن أبا بكر بن عبد الرحمن اعتكف، فكان يذهب لحاجته تحت سقيفة في حجرة مغلقة في دار خالد بن الوليد، ثم لا يرجع حتى يشهد العيد مع المسلمين. وحدثني زياد عن مالك أنه رأى بعض أهل العلم إذا اعتكفوا العشر الأواخر من رمضان، لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع الناس. قال زياد: قال مالك: وبلغني ذلك عن أهل الفضل الذين مضوا. وهذا أحب ما سمعت إليَّ في ذلك. ا. هـ. منه. قال الباجي: وهذا لمن شهد صلاة العيد مع الناس، فأما من لم يشهدها من مريض يقدر على الاعتكاف، ولا يقدر على المشي إلى موضع صلاة العيد، فلم أرَ فيه نصًا لأصحابنا. والله أعلم وأحكم. ا. هـ. منه. (٧) وقوله: ودخوله قبل الغروب، وصحَّ إن دخل قبل الفجر، قال الدردير: ندب لمريد الاعتكاف دخوله المسجد من الليلة التي يريد ابتداء اعتكافه منها قبل الغروب، في الاعتكاف المنوي ولو يومًا فقط أو ليلة، بناء على أن أقله يوم، والراجح الوجوب، وأما المنذور فيجب دخوله قبل الغروب أو معه، للزوم الليل له، وصحَّ في المنوي والمنذور إن دخل قبل الفجر، بناء على ان أقله يوم فقط، والراجح أنه لا يصح، بناء على الراجح من أن أقله يوم وليلة. ا. هـ. منه. وفي المواق: ابن عرفة: معنى قول مالك: يدخل المعتكف معتكفه قبل الغروب، الاستحباب لا اللزوم. وفي المعونة: إذا دخل معتكفه قبل طلوع الفجر، في وقت يصح له الصوم، أجزأ. ا. هـ. منه. قلت: والذي وقفت عليه حديث متفق عليه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان، وإذا صلَّى الغداة حل مكانه الذي اعتكف فيه. الحديث. قال البغوي - وهذا اللفظ له: في هذا الحديث أن المعتكف يبتدئ الاعتكاف من أول النهار؛ فيدخل المعتكف =

стр. 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بعدما صلَّى الصبح. وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وذهب قوم إلى أنه يدخل قبل الغروب من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد. وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه. وفي ابن ماجه بسنده عن عائشة: كان النبي ﷺ إذا أرأد أن يعتكف صلَّى الصبح، ثم دخل المكان الذي يريد أن يعتكف فيه … الحديث. (٨) وقوله: واعتكاف عشرة، وبآخر المسجد، وبرمضان، وبالعشر الأخير، أما قوله واعتكاف عشرة، فلم أرها مطلقة إلا في حديث أبي هريرة، ولفظه عند البغوي: قال: كان يعرض على النبي القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض. وكان يعتكف كل عام عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض. ا. هـ. وهو في البخاري. وأخرجه الدارمي، وابن ماجه، وأحمد. وأما قوله بآخر المسجد، فهو واضح أنه للحرص على عدم التشويش. وأما قوله: وللعشر الأخير؛ أي من رمضان، ففي الصحيحين عن عائشة زوج النبي ﷺ قوله: كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده. ا. هـ. (٩) وقوله: لليلة القدر الغالبة به، وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف، تقريره - والله أعلم - أن ندب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان هو لطلب ليلة القدر؛ الغالبة الوجود بالعشر الأخير؛ لمواظبته ﷺ على اعتكافه التماسًا لليلة القدر؛ فقد ورد أنه ﷺ اعتكف العشر الأول منه، فأتاه جبريل فقال له: إن الذي تريد أمامك. فاعتكف العشر الأوسط، فأتاه جبريل فقال له: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأواخر. ا. هـ. جواهر الإكليل. وقوله: وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف وانتقلت، التحقيق فيه - إن شاء الله - أنها في رمضان في العشر الأواخر منه، وذلك بدلالة القرآن على أنها في رمضان قطعًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. مع قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١) الآية. وقد =

стр. 515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تقدم الكلام في ذلك في خاتمة كتاب الصوم، ولم تبق إذًا قيمة لهذا الخلاف، طالما أن الدليل شاهد على أنها في رمضان. وبالله تعالى التوفيق. (١٠) وقوله: وإن اشترط سقوط القضاء لم يعده، قال المواق هنا: الرسالة، ولا شرط في الاعتكاف. ابن عرفة: شرط منا فيه لغو، بعض البغداديين: لو نذره كذلك لم يلزمه إلا بدخوله فيبطل شرطه. ا. هـ. منه. قلت: قال عبد الرزاق في مصنفه: باب للمعتكف شرطه: عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: للمعتكف ما اشترط عند اعتكافه. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: له شرطه. ا. هـ. وعلق الأعظمي فقال: أخرج ابن أبي شيبة عن ابن علية، عن ابن أبي عروبة عن قتادة أنه كان لا يرى بأسًا للمعتكف أن يشترط أن يتعشى في أهله ويتسحر. ا. هـ. وقال: ورواه أبو داود. ا. هـ. والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق.

стр. 516

كتابُ الحج (١) فُرِضَ الْحَجُّ (٢) وَسُنَّتِ الْعُمْرَةُ (٣) مَرَّةً. (١) الحج في اللغة القصد. قال الخليل: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. قال الشاعر: وأشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُئُولًا كثيرة … يَحُجونَ سِبَّ الزِّبْرقَانِ المُزَعْفَرَا أي يقصدون. والسِّبُّ: العمامة. وفي الحج لغتان، بالفتح وبالكسر. قاله ابن قدامة. قلت وبهما قرئ القرآن. والحج في الشرع ركن من أركان الإِسلام الخمسة، وهو عبارة عن مجموعة من الأفعال المخصوصة. قال المواق: ينحصر النظر في هذه الأفعال من ثلاثة أقسام: الأول في المقدمات وهي اثنتان: المقدمة الأولى في الشرائط، والمقدمة الثانية في المواقيت؛ وهي زمانية ومكانية. القسم الثاني: في المقاصد؛ وفيه ثلاثة أبواب: الأول في أداء النسكين؛ من إفراد أوقران أو تمتع. الباب الثاني: في أعمال الحج؛ من الإحرام وسننه، وسنن دخول مكة، وواجباته، والسعي والوقوف بعرفة، وأسباب التحلل، والمبيت بمزدلفة، والرمي، وطواف الوداع، وبيان ما يجبر بالدم، وحكم الصبي. الباب الثالث: في محظورات الحج والعمرة؛ من اللبس، والتطيب، وترجيل الشعر، والحلق، والجماع، ومقدماته، وإتلاف الصيد. القسم الثالث: في اللواحق، وفيه بابان: الأول: في موانع الحج من الإحصار، والحبس، والرق، والزوجية، والأبوة، والديْن. والباب الثاني: في الدماء وأحكام الهدايا، وأنواع الدماء، وأزمان إراقتها. ا. هـ. منه. وقال ابن رشد: الحج في اللغة القصد مرة بعد أخرى. فقيل: حج البيت؛ لأن الناس يأتونه في كل سنة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ (١). الآية. أي مرجعًا يأتونه في كل سنة.=

стр. 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ثم يرجعون إليه فلا يقضون منه وطرًا، أي لا يدعه الناس إذا أتوا إليه أن يعودوا إليه ثانية. وقيل للحاج: حاج؛ لأنه يتكرر قصده للبيت مرة بعد أخرى: يأتي البيت لطواف القدوم ثم للإفاضة ثم للوداع. (٢) قوله: فرض حج، يعني أن الحج يجب مرة واحدة في العمر، وهذا هو المعروف من مذاهب أهل العلم، وذلك لحديث أبي هريرة ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ فقال لنا: "يأَيُّهَا النَاسُ إِنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟. فسكت عنه حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلمَا اسْتَطَعْتُمْ". ثم قال: "ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ واخْتِلَافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ". أخرجه مسلم في صحيحه، باب فرض الحج مرة في العمر. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً﴾ (١). قرأها حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. بكسر الحاء. وقرأ الباقون بفتح الحاء. انظر زاد المسير. وفي الصحيحين عن ابن عمر واللفظ للبخاري: "بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أنْ لَا إلهَ إِلَّا اللهُ وَأنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاهَ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". وقول المصنف: فرض الحج وسنت العمرة مرة؛ معناه: فرض بأن يحج مرة، وسن أن يعتمر مرة. هذا وقد أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة. قال ابن قدامة: وجملة ذلك أن الحج إنما يجب بخمس شرائط: الإِسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. لا نعلم في هذا كله اختلافًا. فأما الإِسلام والعقل؛ فهما شرطان في الوجوب والصحة معًا، فلا يصح الحج من مجنون ولا كافر، لأنهما ليسا من أهل العبادات. وأما البلوغ والحرية فهما شرطان في الوجوب والأداء، وليسا شرطًا في الصحة؛ بدليل أنه لو حج العبد والصبي صح حجهما ولم يجزهما عن حجة الإِسلام إذا زال المانع. ومنها ما هو=

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = شرط في الوجوب فقط، وهو الاستطاعة، فلو تجشم غير المستطيع المشقة فحج بغير زاد ولا راحلة، كان حجه صحيحًا مجزئًا. ا. هـ. ابن قدامة. (٣) وقوله: وسنت العمرة مرة، أي وسن أن يعتمر المرء مرة، وهو راجع لهما. قال ابن تيمية ﵀ في الفتاوى: والعمرة في وجوبها قولان للعلماء؛ المشهور عن أحمد والشافعي وجوبها. وهي غير واجبة عن مالك وأبي حنيفة. قال: وهذا القول هو الراجح، فإن الله إنما أوجب الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١). الآية. ولم يوجب العمرة. وإنما أوجب إتمامها لمن شرع فيها. وفي الابتداء إنما أوجب الحج، وسائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب. ا. هـ. منه بتصرف.

стр. 519

وَفِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ خِلَافٌ (١). (١) وقوله: وفي فوريته وتراخيه لِخوف الفوات خلاف، تقريره: وفي كون الحج واجبًا على الفور في أول عام من أعوام القدرة، فإن أخره أثم ولو لم يخف الفوات، أو هو واجب على التراخي، حتى يخاف فواته بالتأخير خلاف. قلت: قد نقلت في كتابي - الحج والعمرة على ضوء السنة المطهرة - أدلة وجوبه على الفور، ولا بأس بإيراد هنا ما استجلبته هناك من أدلة، حرصًا على الفائدة. ذكرت في كتابي آنف الذكر ما نصه: الذي يؤيده الدليل أن الحج واجب على الفور لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١) الآية. ولحديث أبي هريرة عند مسلم قال رسول الله ﷺ : "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا". والأمر للوجوب عند جمهور علماء أمة محمد ﷺ ، وأمره ﵊ واجب الامتثال لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢). ولقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (٣). ولقوله ﷺ . "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا". ولقد وردت أحاديث - يعضد بعضها بعضًا - تدل على وجوبه على الفور منها: ما روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يعني الفريضة - فَإِن احَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ". رواه أحمد. ومنها ما روي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن الفضل - أو أحدهما عن الآخر - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أرادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الراحِلَةُ، وتَعْرِضُ الْحَاجَة". رواه أحمد وابن ماجه، ومنها مرسل ابن ساباط عند أحمد وابن أبي شيبة، قال الشوكاني: وله طريق أخرى عن عليّ مرفوعًا عند الترمذي بلفظ: "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجُّ فلَا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًا؛ وَذلِكَ لِأنَ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ". ومعلوم أن آيات من كتاب الله جاءت في الحث على مبادرة أوامر الله تعالى. منها قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤). الآية. وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥). الآية.=

стр. 520

وصِحَّتُهُمَا بِإِسْلَامٍ (١)، فَيُحْرِمُ وَليٌّ عَنْ رَضِيعٍ، وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ (٢)، ومُطْبَقٍ (٣)، لَا مُغْمىً (٤). = وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (١). يتحصل منه أن الذي يؤيده الدليل كون الحج فرض على فور وهو قول أكثر أهل العلم. وبالله تعالى التوفيق. ا. هـ. منه بلفظه. قال جواهر الإكليل: سوَّى المصنف هنا بين القولين، وفي التوضيح والظاهر قول من شهر الفورية، وفي كلام ابن الحاجب ميل إليه؛ لأنه ضعَّف حجة التراخي، ولأن الفور مروي عن الإِمام، والتراخي لم يرو عنه. ا. هـ. منه. وقد عزاه للحطاب. (١) وقوله: وصحتهما بإسلام، يعني أن الإِسلام شرط صحة في كل من العمرة والحج، وهذا لا خلاف فيه. وظاهر كلام المصنف أن الإِسلام ليس شرطًا في وجوبهما. وهو مشهور المذهب عند أصحابنا، بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة. قال في مراقي السعود: ذو فترة بالفرع لا يراع … وفي الأصول بينهم نزاع وقد تقدم نقل كلام ابن قدامة؛ إن الإِسلام شرط وجوب وصحة في الحج والعمرة. والمسألة طويلة الذيل، تكلم عليها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢). والكلام عليه هنا يخرجنا من الموضوع. وقد جمعت فيها نقولًا في [التعليق الصواب على تحفة الألباب على الأنساب] للعلامة السيري المؤرخ حماد بن الأمين المجلسي، على عمود النسب لعمه الشيخ أحمد البدوي. والله الموفق. (٢) وقوله: فيحرم ولي عن رضيع، وجرد قرب الحرم، قال المواق: من المدونة: ويصح الحج لغير المميز وللمجنون، ويحرم عنهما وليهما بتجريدهما ناويه، ولا بلبي عنهما، ويجرد المناهز من ميقاته، وأما من لا ينتهز فيجرد من قرب الحرم. ا. هـ. منه. (٣) قوله: ومطبق، قال المواق: تقدم نصها: يحرم عن المجنون وليه. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: لا مغمى: من المدونة: إن أحرم عن المغمى عليه أصحابه، فلم يفق حتى طلع الفجر من ليلة النحر، لم يجزه حجه. ا. هـ. منه. =

стр. 521

والمُمَيِّزُ بإِذْنِهِ وإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ ولَا قَضَاءَ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وأمَرَهُ مَقْدُورَهُ وإلَّا نَابَ عَنْهُ إِنْ قَبِلهَا كطَوافٍ، لَا كَتَلْبِيةٍ ورُكُوعٍ، وأحْضَرَهُمُ الْمَواقِفَ. وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، إنْ خِيفَ ضَيْعَةٌ، وَإلَّا فَوَليُّهُ، كَجَزاءِ صَيْدٍ وفِدْيَةٍ بِلَا ضَرُورَةٍ (١). (١) قوله: والمميز بإذنه وإلا فله تحليله الخ. هو في تقريره معناه أن الشخص الصغير المميز - الذي يفهم الخطاب، ويحسن رد الجواب - يحرم بإذن وليه من الميقات إن ناهز، أو قرب الحرم إن لم يقارب البلوغ، كابن ثمان مثلًا، فإن أحرم بإذنه فليس له تحليله، وان أحرم بغير إذنه فله تحليله من احرامه، بالنية والحلق أو التقصير؛ بأن ينوي إخراجه مما أحرم به إن رأى المصلحة في ذلك، وإن رأى المصلحة في إبقائه على إحرامه أبقاه عليه. وإن حلل الولي صغيره المميز، فلا قضاء عليه إن بلغ، بخلاف العبد إن أحرم بغبر إذن سيده وحلله منه، فإن عليه قضاء ما أحرم به، إن أذن له سيده في ذلك أو عتق. وإن أحرم المميز بإذن وليه، أمره بما يقدر عليه من الأفعال والأقوال اللازمة للحج والعمرة، ويلقنه التلبية إن قبلها، وإلا يكن مميزًا، أو كان الفعل في غير مقدوره، ناب الولي عنه إن كان ذلك الفعل أو القول مما يقبل النيابة؛ كطواف وسعي ورمي. قالوا: وفي جعل الولي نائبًا عنه في الطواف والسعي نظر؛ فإن حقيقة النيابة فعل النائب دون المنوب عنه، والطواف والسعي يفعلهما الولي حاملًا للمحجور، ويقف به بعرفة والمشعر الحرام، فالنيابة إذًا تتلخص في الرمي والذبح، فإن لم يقبل الفعل النيابة؛ كالتلبية وركعتي الإحرام، والطواف، سقط ذلك الفعل. وضابط ذلك أن كل ما يمكن المميز فعله مستقلًا بفعله، وما لا يمكن فعله مستقلًا فعله به وليه؛ كطواف وسعي، وما لا يمكنه فعله مستقلًا ولا أن يفعل به - إن كان مما يقبل النيابة كالرمي - فعله وليه، وإن كان مما لا يقبل النيابة كالتلبية والصلاة سقط، وإن كان هذا المحجور يخاف عليه الضيعة، إن لم يسافر به وليه للحج أو العمرة، فإن زيادة نفقة السفر عليه هي في ماله الخاص به، وإن لم تُخَفْ عليه الضيعة فالنفقة الزائدة على الولي؛ ومثل ذلك ما لو صاد صيدًا في الحرم، فإن كان اصطياده في الحل وهو محرم فالجزاء على الولي. ا. هـ. الإكليل بتصرف. قلت: والأصل في أن الصبي له حج، ما أخرجه البخاري في العمرة: باب حج الصبيان، وأخرجه البغوي بهذا اللفظ: قال السائب بن يزيد: حج بي أبي مع النبي ﷺ في حجة الوداع وأنا ابن سبع =

стр. 522

وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إِحْرَامِهِ بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ (١). = سنين. ا. هـ. قال البغوي: فيه دليل على أن الصبي له حج من ناحية الفضيلة، كان لم يحسب عن الفرض. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قفل، فلما كان بالروحاء لقي ركبًا فسلم عليهم، وقال: "مَنِ الْقَوْمُ"؟. فقالوا: المسلمون، فمن القوم؟. قال: "رَسَولُ اللهِ". فرفعت إليه امرأة صبيًا لها من محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟. قال: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ". قال البغوي: وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة. وفي الموطإ في الحج، باب جامع الحج، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: رسول الله ﷺ . فأخذت بعضد صبي كان معها، فقالت: ألهذا حج؟. فقال رسول الله ﷺ : "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ". قال البغوي هذا حديث صحيح. (١) وقوله: وشرط وجوبه كوقوعه فرضًا حرية ألخ، قال الحطاب هنا: شروط الحج على ثلاثة أضرب: شرط في الصحة وشرط في الوجوب، وشرط في وقوعه فرضًا، فذكر المصنف أولًا شرط الصحة؛ وهو الإِسلام فقط، وذكر هنا شروط وجوبه وشروط وقوعه فرضًا. ويعني بما ذكره هنا أن شروط وجوب الحج: الحرية والتكليف. أي كون الشخص مكلفًا؛ وهو العاقل البالغ. وشروط وقوعه فرضًا: الحرية والتكليف، وخلوه عن نية النفل، فيتحصل منه أن شروط وجوبه ثلاثة: الحرية والبلوغ، والعقل، وأن شروط وقوعه فرضًا أربعة: الثلاثة المتقدمة والرابع: خلوه من نية النفل. أما الدليل على أن الحرية شرط وجوله فهو أمران: الأول: إجماع أهل العلم على ذلك، ولكنه إذا حج صح حجه ولا يجزئه عن حجة الإِسلام، فإن عتق بعد ذلك فعليه حجة الإسلام. قال النووي في التهذيب: أجمعت الأمة أن العبد لا يلزمه الحج، لأن منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعًا، ويصح منه الحج بإذن سيده، وبغير إذنه عندنا بلا خلاف. قال القاضي أبو الطيب: وبه قال الفقهاء كافة. وقال داود: لا يصح بغير إذنه. ا. هـ. منه بنقل أضواء البيان. والأمر الثاني: حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أيمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حِجَّةُ الإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ فَعَلَيْهِ حِجَّةُ الإسْلَامِ". قال شيخنا في أضواء البيان: قال ابن حجر في =

стр. 523

وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَةٍ، وَأمْنٍ عَلَى نَفْسٍ ومَالٍ (١). = التلخيص في هذا الحديث: رواه ابن خزيمة والإسماعيلي في مسند الأعمش والحاكم، والبيهقي، وابن حزم وصححه، والخطيب في التاريخ من حديث محمد بن المنهال. عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن الأعمش عن أبي ظبيان عنه. قال ابن خزيمة: الصحيح موقوف. ا. هـ. منه. وأما الدليل على أن التكليف شرط في وجوب الحج فهو واضح؛ لأن غير العاقل غير مكلف، والصبي مرفوع عنه القلم حتى يبلغ؛ لقوله ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" الحديث. فالبلوغ والعقل كلاهما شرط وجوب. وأما الدليل على أنه إن نواه نفلًا لم يجز عن الفرض. فهو حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه: "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وبالله التوفيق. (١) وقوله: ووجب باستطاعة ألخ. أما شرط الاستطاعة في وجوب الحج فقد بينه تعالى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) الآية. قال ابن جزي الكلبي: والاستطاعة عند مالك هي القدرة على الوصول إلى مكة بصحة البدن، إما راجلًا وإما راكبًا، مع الزاد المبلغ والطريق الآمن. وقيل الاستطاعة: الزاد والراحلة. وهو مذهب الشافعي وعبد الملك بن حبيب، وروي في ذلك حديث ضعيف. ا. هـ. منه. بلفظه. قال شيخنا محمد الأمين بن محمد المختار عليه رحمة الله: الاستطاعة في مشهور مذهب مالك، الذي به الفتوى، هي إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، مع الأمن على النفس والمال، ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة، بل يجب عندهم الحج على القادر على المشي، إن كانت له صنعة يحصل منها على قوته في الطريق؛ كالحمال، والخراز، والنجار، ومن أشبههم. وقال الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: ووجب باستطاعة ألخ. ما نصه: وقال مالك في كتاب محمد، وفي سماع أشهب - لما سئل عن قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ - أذلك الزَّادُ والراحلة؟. قال: لا والله، ما ذلك إلا طاقة الناس؛ الرجل يجد الزاد والراحلة ولا بقدر على المسير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه، ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وزاد في كتاب محمد: ورب صغير أجلد من كبير. ونقل في المقدمات كلام مالك ثم قال بعده: فمن قدر =

стр. 524

إلَّا لِأخْذِ ظَالِمٍ مَا قَلَّ، لَا يَنْكُثُ عَلَى الأظهَرِ (١) وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلةٍ لِذِي صنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ وقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ؛ كأعْمَى بقَائِدٍ، وَإلَّا اعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا (٢). = على الوصول إلى مكة إمَّا راجلًا بغير كبير مشقة، أو راكبًا بشراء أوكراء، فقد وجب عليه الحج. ونقله في التوضيح. ا. هـ. من الحطاب. انتهى من أضواء البيان. (١) وقوله: إلا لأخذ ظالم ما قل لا ينكث على الأظهر، قال المواق: ابن يونس: قال ابن القصار: اختلف اصحابنا فيمن لا يمكنه الوصول إلى الحج إلا بإخراج المال إلى السلطان الجائر، فقال بعضهم: لا يجب عليه الحج. وقال شيخنا أبو بكر الأبهري: إن لم يمكنه إلا بإخراج المال الكثير، الذي يشق ويخرج عن العادة، لم يلزمه؛ كالثمن في ماء الطهارة، والثمن في رقبة الكفارة، وإن كان شيئًا قريبًا فالحج واجب عليه. ووجه القول الأول؛ أنه لا يؤمن أن يخفرهم ويأخذ أموالهم، فيصيرون قد غروا بانفسهم. ووجه القول الثاني؛ أنه يغلب من غالب عادته، أنه لا يخفر الناس ما عاهدهم عليه. قال أبو إسحاق: وهذا أشبه. ا. هـ. منه. بلفظه. قلت: وعجبي لا ينقضي ممن بلغني عنهم أنهم يفتون بسقوط فريضة الحج عمن يلزمه دفع مصاريف جواز السفر الحقيرة، وما إلى ذلك من أخذ إبر الوقاية اللازمة للسفر، فإن ذلك في نظري صد عن سبيل الله. والله الموفق. وها أنا أنقل كلامًا لابن العربي ذكره الحطاب هنا، قال: العجب ممن يقول الحج ساقط عن أهل المغرب، وهو يسافر من قطر إلى قطر، ويقطع المخاوف، ويخرق البحار في مقاصد دينية ودنيوية، والحال واحد في الخوف والأمن، والحلال والحرام وإنفاق المال وإعطائه في الطريق وغيره لمن لا يرضى. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ولو بلا زاد وراحلة ألخ. قد تقدم ما نقلته من كلام الإمام مالك حين سئل عن الاستطاعة من قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أهي الزاد والراحلة؟. فقال: لا والله، ما ذلك إلا طاقة الناس؛ الرجل يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على المسير، إلى آخره. علمًا بأنه وردت أحاديث عن =

стр. 525

وَإنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنىً أوْ مَا يُبَاعُ عِلى الْمُفَلَّسِ، أوْ بافْتِقَارِه، أو تَرْكِ وَلَدِهِ للِصَّدَقَةِ، إِنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، لَا بِدَيْنٍ أوْ عَطِيَّةٍ أوْ سُؤَالٍ مُطْلَقًا (١)، واعْتبِرَ مَا يُرَدُّ = النبي ﷺ بتفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، وذلك حجة الأكثرين الذين يشترطون لوجوب الحج وجود الزاد والراحلة، وهذه الأحاديث منها ما روي عن ابن عمر بسند لا ينهض، لوجود إبراهيم الخوزي به، وهو لا يحتج به، أخرجه ابن ماجه والترمذي عن طريقه، ومنها ما روي عن ابن عباس مرسلًا عن طريق الحسن البصري، وقد علمت ما تقول الحفاظ في مراسيل هذا الطود الشامخ. وحديث ابن عباس هذا رواه ابن ماجه في سننه: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا هشام بن سليمان القرشي، عن ابن جريج، قال: وأخبرنيه أيضًا عن ابن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ". يعني قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .. قال شيخنا في أضواء البيان: حديث ابن عباس عند ابن ماجه، لا يقل عن درجة الحسن. ا. هـ. منه، وهو مروي أيضًا عن أنس؛ فقد أخرجه الحاكم في المستدرك بسنده عن طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ في قوله ﵎: ﴿النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: قيل يا رسول الله، ما السبيل؟. قال: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ". ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لم يخرجاه. وذكر الحاكم متابعة حماد بن سلمة لرواية سعيد بن أبي عروبة. قال شيخنا في الأضواء: الظاهر أن حديث الزاد والراحلة، ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج به؛ لأن الطريقتين اللتين أخرجه بهما الحاكم في المستدرك عن أنس قال: كلتاهما صحيحة الإِسناد. وأقره الذهبي على صحتهما. ا. هـ. منه. (١) وقوله: أو ما يباع على المفلس، قال الحطاب: يعني أنه ليس من شروط الاستطاعة أن يكون عنده من الدنانير أو الدراهم ما يصرفه في حجه، بل يلزمه أن يبيع من عروضه ما يبيعه القاضي على المفلس في رَبْع وعقار وماشية وخيل ودواب وسلاح ومصحف وكتب علم. ا. هـ. منه. وقوله: أو بافتقاره أو ترك ولده للصدقة، قال المواق: سئل ابن القاسم عن الرجل تكون له القرية، ليس له غيرها، أيبيعها في حجة الإِسلام؟. قال: نعم، ذلك عليه، ويترك ولده للصدقة إن لم يخش هلاكًا. قال محمد بن رشد، وقول ابن القاسم: ويترك ولده في الصدقة، =

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذا إن أمن ضيعتهم. قال الحطاب هنا نقلًا عن ابن رشد: لأن الله تعالى أوجب عليه نفقتهم في ماله، كما أوجب عليه الحج فيه، فهما حقان لله تعينا عليه في ماله، فإذا ضاق عنهما ولم يحمل إلا أحدهما، وجب عليه أن يبدأ بنفقة الولد لئلا يهلكوا، لأن خشية الهلاك عليهم تسقط عنه فرض الحج، كما لو خشي الهلاك على نفسه. ا. هـ. منه. قلت: وهذا الاجتهاد تؤيده القاعدة العامة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: لا بدين أو عطية أو سؤال مطلقًا، قال الحطاب عند قول المؤلف: لا بدين أو عطية ما نصه: يعني أن من لا يمكنه الوصول إلى مكة، إلا بأن يستدين مالًا في ذمته، ولا جهة وفاء له، فإن الحج لا يجب عليه؛ لعدم استطاعته. وهذا متفق عليه. وأما من له جهة وفاء فهو مستطيع، إذا كان في تلك الجهة ما يمكنه به الوصول إلى مكة - إلى أن قال: وقوله: أو عطية يعني به أنه إذا أعطي له مال يمكنه به الوصول إلى مكة، على جهة الصدقة أو الهبة، فلا يقبله ويحج به؛ لأن الحج ساقط، وظاهر كلام صاحب الطراز أنه متفق عليه أيضًا لما في ذلك من تحمل المنة. قلت: بل لأن أسباب الوجوب لا يجب على أحد تحصيلها. قال في ألفية مراقي السعود، لشيخ مشائخنا الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ثم الشنقيطي: وما وجوبه به، لم يجب … في رأي مالك وكل مذهب وبالله تعالى توفيقي، عليه توكلت هو حسبي ونعم الوكيل. وقوله: أو سؤال مطلقًا، يعني أن من لم يمكنه وصول مكة إلا بسؤال الناس مطلقًا، إنه لا يعدّ بذلك مستطيعًا، ولا يجب عليه الحج. ويعني بالإطلاق في قوله: أو سؤال مطلقًا؛ سواء كان السؤال عادته في بلده أو لا، وسواء كان عادة الناس إعطاءه أو لا. قال شيخنا في أضواء البيان: ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (١). الآية. ومعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد ثبت في صحيح =

стр. 527

بِهِ إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا (١). وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ إلَّا أنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ أوْ يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلَاةٍ لِكَمَيْدٍ (٢). وَالْمَرْأةُ كَالرَّجُل إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ وَرُكُوبِ بَحْرٍ (٣)، إلَّا أن تَخْتَصَّ = البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون. فإذا قدموا المدينة سألوا الناس، فانزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). قال ابن حجر في كلامه على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى. انتهى من أضواء البيان بتصرف. (١) وقوله: واعتبر ما يرد به إن خشي ضياعًا، قال الحطاب: يعني أنه يعتبر في الاستطاعة ما يوصل المكلف إلى مكة، وما يرد به أن يخشى على نفسه الضياع في مكة. ومراده ما يرد به إلى أقرب المواضع مما يمكنه التمعيش فيه. كذا قال اللخمي وساقه على أنه المذهب. قلت: ولعله، إن حصل على إذن المقام بمكة في هذا الزمن، أن لا يعتبر ما يرد به، أما إن كان دخوله الحرم، بإذن الحج فقط، فإنه يتعين عليه ما يرد به إلى بلده؛ لما يترتب على بقائه بالحرم بدون إذن المقام من الضرر، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢). الآية. ولا يحل لامرئ مسلم أن يذل نفسه. وبالله تعالى التوفيق. (٢) وقوله: والبحر كالبر إلا أن يغلب عطبه أو يضيع ركن صلاة لكميد، يعني أن البحر طريق إلى الحج كالبر، فيجب سلوكه إذا تعين ولم يكن طريق سواه، كمن يكون في جزيرة، أو إن تعذر عليه سلوك البر لخوف أو نحوه. وإن لم يتعين سلوكه فيخير في سلوكه وفي سلوك البر. والدليل على جواز ركوب البحر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣). الآية. ونحوها. وبعيد جدًّا أن يمن الله على عباده بما حظره عليهم ولم يبحه لهم. ومن أدلة جواز ركوب البحر حديث أنس ﵁ المتفق عليه، أنه ﷺ نام عند أم حرام، ثم استيقظ وهو يضحك فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟. فقال: "أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأسِرَّةِ". الحديث. وما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر أنه ﵊ قال: "لَا =

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ". انظر الحطاب في هذا المحل. وأما قول المؤلف: إلا أن يغلب عطبه، فهو داخل في قول المؤلف قبل: وأمن على نفس ومال. وأما قوله: أو يضيع ركن صلاة لكميد، فمعناه أن شرط ركوب البحر - فأحرى لغيره - أن يعلم الراكب أنه يوفي بصلاته في أوقاتها، من غير أن يضيع شيئًا من فروضها، وهذا ليس خاصًا بالبحر، بل هو شرط في وجوب الحج مطلقًا. قال في المدخل. قال علماؤنا: إذا علم المكلف أنه تفوته صلاة واحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط الحج. ا. هـ. من الحطاب. قلت: والجو مثل البر والبحر في جواز ركوبه، واتخاذه وسيلة للوصول في أمن إلى مكة المكبرمة لأداء فريضة الحج، والاستئناس في ذلك بدلالة الاقتران في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). فإن اقتران الامتنان بهذا الخلق، الذي لا يعلم في ذلك الوقت بالامتنان بالمركوبات، يدل على أنه من جنس المركوبات، علمًا بأن ركوب الجو اليوم أقل خطرًا من ركوب سفن البر، إن لم نقل: وسفن البحر، وبإمكان الراكب أداء صلاته في الطائرة بكل أركانها. ولشيخنا محمد الأمين بن محمد المختار عليه رحمة الله تعالى، رسالة في جواز الصلاة بالطائرة. ومن التحدث بنعمة الله أن نقول: إنه لم يسبق أن ضاع لنا وقت فيها، على كثرة ركوبنا لها، والله المحمود على ذلك. وهو الموفق. وعجبي لا ينقضي من أناس بموريتانيا، معلوماتهم لا تخولهم جواز الفتيا، وتجاربهم محدودة جدًّا، يفتون العامة بعدم جواز ركوب الطائرة لأداء فريضة الحج؛ لاحتمال ضياع وقت للصلاة فيها، علمًا بإطلاقهم الإذن في ركوبها مطلقًا في الحوائج الدنيوية، وقد فات هؤلاء أن قول المرء على الله ما لا يعلم هو طاعة للشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). الآية. أما علم هؤلاء المفتون المفتنون أن الحجاج باستطاعتهم أن يشترطوا على شركة الطيران التي يجري التعاقد معها لنقل الحجاج، التوقف في محطة كذا لأداء الفريضة التي =

стр. 529

بِمَكَانٍ وزيادَةِ مَحْرَمٍ، أوْ زَوْجٍ لَهَا؛ كرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ (١)، وفِي الاكْتفَاء بِنِساءٍ أوْ رِجَالٍ أوْ بِالمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ. = تعرض، هذا بالإضافة إلى أن الراكب بإمكانه أداء فرضه بركوعه وسجوده، وكل ما يلزم من طمأنينة، على متن الطائرة. والتجربة خير دليل. وبالله تعالى التوفيق. (٣) وقوله: والمرأة كالرجل إلا في بعيد مشي الخ. قال الحطاب: يعني أن حكم المرأة كحكم الرجل في جميع ما تقدم؛ من وجوب الحج عليها مرة في العمر، وسنية العمرة كذلك، وفي فورية الحج وتراخيه، وشروط صحته وشروط وجوبه وغير ذلك، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وفي عموم قوله ﷺ : "بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ". الحديث إلا أنها لضعفها وعجزها اعتبر الشرع في حقها شروطًا أشار المصنف إليها بقوله: إلا في بعيد مشي ألخ. أي فلا يجب الحج عليها ماشية من المكان البعيد لخوف عجزها. ا. هـ. منه. قال المواق: ابن المواز: ليس النساء كالرجال وإن قوين؛ لأنهن عورة في مشيهن إلا المكان القريب؛ مثل أهل مكة وما حولها أقرب منها إذا أطلقن المشي، وكره مالك حج المرأة في البحر لأنها تنكشف. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وزيادة محرم أو زوج كرفقة مأمونة بفرض، يعني أنه يشترط في وجوب الحج على المرأة أيضًا وجود زوج أو محرم، فإن لم يكن لها محرم ولا زوج، فالمذهب وجوب الخروج عليها - لحجة الفرض - مع رفقة مأمونة، ودليل اشتراط المحرم في وجوب الحج على المرأة، ما رواه مالك في الموطإ عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا". وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم بروايات مختلفة. وقوله ﵊: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ". هو من قبيل التغليظ يريد - والله أعلم - أن مخالفة هذا ليس من أفعال من يؤمن بالله واليوم الآخر. وقال الباجي: والعلة في منعها من السفر مع غير ذي محرم هي كونها عورة يجب عليها التستر ويحرم عليها التبرج. ا. هـ. الحطاب. =

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفي الموطإ: وقال مالك: في الصرورة من النساء التي لم تحج قط: إنها إن لم يكن لها محرم يخرج معها، أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها، أنها لا تترك فريضة الله عليها في الحج. لتخرج مع جماعة النساء. ا. هـ. منه. وفي صحيح مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي نسعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ سَفَرًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا مَعَ ابْنِهَا، أَوْ أَبِيهَا، أَوْ أَخِيهَا، أَو زَوْجِهَا أَوْ ذِي مَحْرَمٍ". وفي حديث متفق عليه عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرأَةٍ. وَلَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ". فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي انطلقت حاجة؟. فقال: "انْطَلِقْ فَاحْجُجْ بِامْرَأَتِكَ". وقد تمسك بهذه الأحاديث من جعل المحرم شرطًا في وجوب الحج على المرأة. وهو قول النخعي والحسن البصري، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال أصحابنا: تخرج لأداء الفرض مع رفقة مأمونة، وهو مذهب الإِمام الشافعي، ويستأنس لهذا القول بما روي أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف. أخرجه البخاري في صحيحه في العمرة، باب حج النساء. قال الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة ج ٦/ ص ٢١ ما نصه: وأخرج ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: رأيت نساء النبي ﷺ حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة، يعني ابن شعبة في زمن ولايته على الكوفة، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها. وروى أحمد ج ٥/ ص ٢١٨. وأبو داود - ١٧٢٢ - من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه، أن النبي ﷺ قال لنسائه في حجة الوداع: "هذِهِ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصُرِ". وإسناده صحيح. وزاد ابن سعد من حديث أبي هريرة: فكن نساء النبي ﷺ يحججن إلا سودة وزينب. قالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ . ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق.
следующие страницы →