← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هذا إن أمن ضيعتهم. قال الحطاب هنا نقلًا عن ابن رشد: لأن الله تعالى أوجب عليه نفقتهم في ماله، كما أوجب عليه الحج فيه، فهما حقان لله تعينا عليه في ماله، فإذا ضاق عنهما ولم يحمل إلا أحدهما، وجب عليه أن يبدأ بنفقة الولد لئلا يهلكوا، لأن خشية الهلاك عليهم تسقط عنه فرض الحج، كما لو خشي الهلاك على نفسه. ا. هـ. منه. قلت: وهذا الاجتهاد تؤيده القاعدة العامة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: لا بدين أو عطية أو سؤال مطلقًا، قال الحطاب عند قول المؤلف: لا بدين أو عطية ما نصه: يعني أن من لا يمكنه الوصول إلى مكة، إلا بأن يستدين مالًا في ذمته، ولا جهة وفاء له، فإن الحج لا يجب عليه؛ لعدم استطاعته. وهذا متفق عليه. وأما من له جهة وفاء فهو مستطيع، إذا كان في تلك الجهة ما يمكنه به الوصول إلى مكة - إلى أن قال: وقوله: أو عطية يعني به أنه إذا أعطي له مال يمكنه به الوصول إلى مكة، على جهة الصدقة أو الهبة، فلا يقبله ويحج به؛ لأن الحج ساقط، وظاهر كلام صاحب الطراز أنه متفق عليه أيضًا لما في ذلك من تحمل المنة. قلت: بل لأن أسباب الوجوب لا يجب على أحد تحصيلها. قال في ألفية مراقي السعود، لشيخ مشائخنا الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي ثم الشنقيطي: وما وجوبه به، لم يجب … في رأي مالك وكل مذهب وبالله تعالى توفيقي، عليه توكلت هو حسبي ونعم الوكيل. وقوله: أو سؤال مطلقًا، يعني أن من لم يمكنه وصول مكة إلا بسؤال الناس مطلقًا، إنه لا يعدّ بذلك مستطيعًا، ولا يجب عليه الحج. ويعني بالإطلاق في قوله: أو سؤال مطلقًا؛ سواء كان السؤال عادته في بلده أو لا، وسواء كان عادة الناس إعطاءه أو لا. قال شيخنا في أضواء البيان: ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (١). الآية. ومعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد ثبت في صحيح =

стр. 527

بِهِ إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا (١). وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ إلَّا أنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ أوْ يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلَاةٍ لِكَمَيْدٍ (٢). وَالْمَرْأةُ كَالرَّجُل إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ وَرُكُوبِ بَحْرٍ (٣)، إلَّا أن تَخْتَصَّ = البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون. فإذا قدموا المدينة سألوا الناس، فانزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). قال ابن حجر في كلامه على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى. انتهى من أضواء البيان بتصرف. (١) وقوله: واعتبر ما يرد به إن خشي ضياعًا، قال الحطاب: يعني أنه يعتبر في الاستطاعة ما يوصل المكلف إلى مكة، وما يرد به أن يخشى على نفسه الضياع في مكة. ومراده ما يرد به إلى أقرب المواضع مما يمكنه التمعيش فيه. كذا قال اللخمي وساقه على أنه المذهب. قلت: ولعله، إن حصل على إذن المقام بمكة في هذا الزمن، أن لا يعتبر ما يرد به، أما إن كان دخوله الحرم، بإذن الحج فقط، فإنه يتعين عليه ما يرد به إلى بلده؛ لما يترتب على بقائه بالحرم بدون إذن المقام من الضرر، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢). الآية. ولا يحل لامرئ مسلم أن يذل نفسه. وبالله تعالى التوفيق. (٢) وقوله: والبحر كالبر إلا أن يغلب عطبه أو يضيع ركن صلاة لكميد، يعني أن البحر طريق إلى الحج كالبر، فيجب سلوكه إذا تعين ولم يكن طريق سواه، كمن يكون في جزيرة، أو إن تعذر عليه سلوك البر لخوف أو نحوه. وإن لم يتعين سلوكه فيخير في سلوكه وفي سلوك البر. والدليل على جواز ركوب البحر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٣). الآية. ونحوها. وبعيد جدًّا أن يمن الله على عباده بما حظره عليهم ولم يبحه لهم. ومن أدلة جواز ركوب البحر حديث أنس ﵁ المتفق عليه، أنه ﷺ نام عند أم حرام، ثم استيقظ وهو يضحك فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟. فقال: "أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأسِرَّةِ". الحديث. وما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر أنه ﵊ قال: "لَا =

стр. 528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ". انظر الحطاب في هذا المحل. وأما قول المؤلف: إلا أن يغلب عطبه، فهو داخل في قول المؤلف قبل: وأمن على نفس ومال. وأما قوله: أو يضيع ركن صلاة لكميد، فمعناه أن شرط ركوب البحر - فأحرى لغيره - أن يعلم الراكب أنه يوفي بصلاته في أوقاتها، من غير أن يضيع شيئًا من فروضها، وهذا ليس خاصًا بالبحر، بل هو شرط في وجوب الحج مطلقًا. قال في المدخل. قال علماؤنا: إذا علم المكلف أنه تفوته صلاة واحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط الحج. ا. هـ. من الحطاب. قلت: والجو مثل البر والبحر في جواز ركوبه، واتخاذه وسيلة للوصول في أمن إلى مكة المكبرمة لأداء فريضة الحج، والاستئناس في ذلك بدلالة الاقتران في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). فإن اقتران الامتنان بهذا الخلق، الذي لا يعلم في ذلك الوقت بالامتنان بالمركوبات، يدل على أنه من جنس المركوبات، علمًا بأن ركوب الجو اليوم أقل خطرًا من ركوب سفن البر، إن لم نقل: وسفن البحر، وبإمكان الراكب أداء صلاته في الطائرة بكل أركانها. ولشيخنا محمد الأمين بن محمد المختار عليه رحمة الله تعالى، رسالة في جواز الصلاة بالطائرة. ومن التحدث بنعمة الله أن نقول: إنه لم يسبق أن ضاع لنا وقت فيها، على كثرة ركوبنا لها، والله المحمود على ذلك. وهو الموفق. وعجبي لا ينقضي من أناس بموريتانيا، معلوماتهم لا تخولهم جواز الفتيا، وتجاربهم محدودة جدًّا، يفتون العامة بعدم جواز ركوب الطائرة لأداء فريضة الحج؛ لاحتمال ضياع وقت للصلاة فيها، علمًا بإطلاقهم الإذن في ركوبها مطلقًا في الحوائج الدنيوية، وقد فات هؤلاء أن قول المرء على الله ما لا يعلم هو طاعة للشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). الآية. أما علم هؤلاء المفتون المفتنون أن الحجاج باستطاعتهم أن يشترطوا على شركة الطيران التي يجري التعاقد معها لنقل الحجاج، التوقف في محطة كذا لأداء الفريضة التي =

стр. 529

بِمَكَانٍ وزيادَةِ مَحْرَمٍ، أوْ زَوْجٍ لَهَا؛ كرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ (١)، وفِي الاكْتفَاء بِنِساءٍ أوْ رِجَالٍ أوْ بِالمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ. = تعرض، هذا بالإضافة إلى أن الراكب بإمكانه أداء فرضه بركوعه وسجوده، وكل ما يلزم من طمأنينة، على متن الطائرة. والتجربة خير دليل. وبالله تعالى التوفيق. (٣) وقوله: والمرأة كالرجل إلا في بعيد مشي الخ. قال الحطاب: يعني أن حكم المرأة كحكم الرجل في جميع ما تقدم؛ من وجوب الحج عليها مرة في العمر، وسنية العمرة كذلك، وفي فورية الحج وتراخيه، وشروط صحته وشروط وجوبه وغير ذلك، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وفي عموم قوله ﷺ : "بُنِيَ الإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ". الحديث إلا أنها لضعفها وعجزها اعتبر الشرع في حقها شروطًا أشار المصنف إليها بقوله: إلا في بعيد مشي ألخ. أي فلا يجب الحج عليها ماشية من المكان البعيد لخوف عجزها. ا. هـ. منه. قال المواق: ابن المواز: ليس النساء كالرجال وإن قوين؛ لأنهن عورة في مشيهن إلا المكان القريب؛ مثل أهل مكة وما حولها أقرب منها إذا أطلقن المشي، وكره مالك حج المرأة في البحر لأنها تنكشف. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وزيادة محرم أو زوج كرفقة مأمونة بفرض، يعني أنه يشترط في وجوب الحج على المرأة أيضًا وجود زوج أو محرم، فإن لم يكن لها محرم ولا زوج، فالمذهب وجوب الخروج عليها - لحجة الفرض - مع رفقة مأمونة، ودليل اشتراط المحرم في وجوب الحج على المرأة، ما رواه مالك في الموطإ عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا". وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم بروايات مختلفة. وقوله ﵊: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ". هو من قبيل التغليظ يريد - والله أعلم - أن مخالفة هذا ليس من أفعال من يؤمن بالله واليوم الآخر. وقال الباجي: والعلة في منعها من السفر مع غير ذي محرم هي كونها عورة يجب عليها التستر ويحرم عليها التبرج. ا. هـ. الحطاب. =

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفي الموطإ: وقال مالك: في الصرورة من النساء التي لم تحج قط: إنها إن لم يكن لها محرم يخرج معها، أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها، أنها لا تترك فريضة الله عليها في الحج. لتخرج مع جماعة النساء. ا. هـ. منه. وفي صحيح مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي نسعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ سَفَرًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إِلَّا مَعَ ابْنِهَا، أَوْ أَبِيهَا، أَوْ أَخِيهَا، أَو زَوْجِهَا أَوْ ذِي مَحْرَمٍ". وفي حديث متفق عليه عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرأَةٍ. وَلَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحرَمٍ". فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي انطلقت حاجة؟. فقال: "انْطَلِقْ فَاحْجُجْ بِامْرَأَتِكَ". وقد تمسك بهذه الأحاديث من جعل المحرم شرطًا في وجوب الحج على المرأة. وهو قول النخعي والحسن البصري، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وقال أصحابنا: تخرج لأداء الفرض مع رفقة مأمونة، وهو مذهب الإِمام الشافعي، ويستأنس لهذا القول بما روي أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف. أخرجه البخاري في صحيحه في العمرة، باب حج النساء. قال الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة ج ٦/ ص ٢١ ما نصه: وأخرج ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: رأيت نساء النبي ﷺ حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة، يعني ابن شعبة في زمن ولايته على الكوفة، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها. وروى أحمد ج ٥/ ص ٢١٨. وأبو داود - ١٧٢٢ - من طريق واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه، أن النبي ﷺ قال لنسائه في حجة الوداع: "هذِهِ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصُرِ". وإسناده صحيح. وزاد ابن سعد من حديث أبي هريرة: فكن نساء النبي ﷺ يحججن إلا سودة وزينب. قالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ . ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 531

وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وعَصَى (١). وفُضِّلَ حَجٌّ عَلى غَزوٍ إلَّا لِخَوْفٍ (٢). ورُكُوبٌ، ومُقَتَّبٌ، وَتَطَوُّعُ وَليِّهِ عَنْهُ بِغَيْرهِ؛ كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ (٣). وإجَارَةُ ضَمَانٍ على بَلَاغٍ فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ، وتَعَيَّنَتْ فِي الإطْلَاقِ كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ (٤). (١) وقوله: وصح بالحرام وعصى، هذا مذهب الجمهور. قال به مالك والشافعي وأبو حنيفة خلافًا لابن حنبل. وإنما عبر المصنف بقوله: صح، ولم يقل: وسقط؛ ليشمل ذلك الفرض والنفل، فإن الحكم بالصحة يشملهما، والسقوط خاص بالفرض. والمأخذ هنا من مسائل الاجتهاد. قالوا: وجاز اجتماع الصحة والعصيان لانفكاك الجهة، لأن الحج أفعال بدنية، وإنما يطلب المال ليتوصل به إليه، فإذا فعله لم يقدح فيه ما تقدمه من التوصل إليه. وقال ابن حنبل: لا يجزئه لأنه سبب غير مشروع، وهذا جار على نحو ما تقدم عند قول المصنف في الصلاة: وعصى وصحت إن لبس حريرًا ألخ. ونقل الحطاب عن ابن فرحون في مناسكه قولًا عن مالك بعدم الإجزاء، وأنه وقف بالمسجد الحرام ونادى: أيها الناس. من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، من حج بمال حرام فليس له حج. أو كلام هذا معناه. ا. هـ. منه. تنبيه: يجب على من يريد الحج أن يحرص على أن تكون نفقته حلالًا لا شبهة فيها، وما أصعب ذلك اليوم، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٣) ولقوله ﷺ : "وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِللهُ الطَّيِّبَ". الحديث المتفق عليه. ولقوله ﷺ في صحيح مسلم: "إنَّ اللهَ تَعَالَى طَيِّبُ لَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ". ولما نقله الحطاب عن القرطبي في شرح مسلم أن الصديق ﵁ شرب جرعة لبن فيه شبهة وهولا يعلم، فلما علم استقاءها فأجهده ذلك، فقيل له: أكلّ ذلك في شربة لبن؟. فقال: والله لو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَولَى بِهِ". قال الحطاب: وإذا كانت الحال هذه، فسبيل المرء أن يتقي الله في سره وعلانيته، وأن =

стр. 532

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يحافظ على شروط قبول عبادته. وقد قال بعض العلماء: إن أعمال الجوارح في الطاعات، مع إهمال شروطها، ضحكة للشيطان؛ لكثرة التعب وعدم النفع. ا. هـ. منه. لذلك، يتجه القول بعدم قبول حج من حج بمال حرام؛ لاقتران عمله بالمعصية، وفقدان شرط قبول الطاعة؛ الذي هو التقوى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. الآية. ولله در القائل، وقيل إنه ابن حنبل الإِمام: إذا حججت بمال أصلُهُ سُحُتٌ … فما حججْتَ ولكن حجت العيرُ لا يقبلُ الله إلا كلَّ طيبةٍ … ما كل من حج بيت الله مبرورُ وبالله تعالى توفيقي، عليه توكلت. هو حسبي ونعم الوكيل. (٢) وقوله: وفضل حج على غزو إلَّا لخوف، قال الحطاب في هذا المحل ما نصه: وأصل هذه المسألة في الموازية، وفي رسم يوصى من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات من العتبية ونصها: وسئل مالك عن الغزو والحج أيهما أحب إليك؟. قال: الحج، إلَّا أن يكون سنة خوف. قيل: فالحج والصدقة؟. قال الحج إلا أن تكون سنة مجاعة. قيل له: فالصدقة العتق؟. قال: الصدقة. قال ابن رشد: قوله: الحج أحب إليَّ من الغزو إلا أن يكون خوف؛ معناه في حج التطوع لمن قد حج الفريضة. وإنما قال ذلك لقول النبي ﷺ : "الْعُمْرةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَة لِمَا بَيْنَهُمَا. وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ". أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأخرجه مالك في الموطإ. قال الحطاب: ولأن الجهاد - وإن كان فيه أجر عظيم - إذا لم يكن خوف، قد لا يفي أجره فيه بما عليه من السيئات عند الموازنة، فلا يستوجب به الجنة كالحج، وأما الغزو مع الخوف فلا شك أنه أفضل من الحج التطوع - والله أعلم - لأن الغازي مع الخوف قد باع نفسه من الله ، فاستوجب به الجنة والبشرى من الله بالفوز العظيم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١). الآية. ا. هـ. منه. =

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلت: وأين هذا التفضيل للحج على الجهاد، من منطوق الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟. قال: "إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولهِ". قيل: ثُم مَاذَا؟. قال: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". قيل: ثُمَّ مَاذا؟. قال: "ثُمَّ حَجُّ مَبْرُورُ". أخرجه البخاري ومسلم. وقد نص فيه رسول الله ﷺ أن الجهاد في سبيل الله أفضل من الحج المبرور. فهو مستند قوي لما روي عن ابن وهب أن تطرع الجهاد أفضل من تطوع الحج. قال الحطاب: قال ابن عرفة في أوائل الجهاد: ابن سحنون: وروى ابن وهب: تطوع الجهاد أفضل من تطوع الحج. ا. هـ. منه. وهو في نظري القاصر أجرى على الدليل من غيره. والله الموفق. (٣) وقوله: وركوب، ومقتَّب، يعني أن الركوب في الحج أفضل من المشي فيه. والمقتب - بالتشديد - اسم مفعول من باب التفعل، من أقتب بالبعير. قال الحطاب: وقياسه أن يقال: مقتب - بالتخفيف كمكرم - اسم مفعول من باب الإفعال. قال: ولعل المصنف وقف عليه، وعلى كل حال فهو على حذف مضاف، أي وفضل ركوب على مقتب - وهو الذي جعل له قتب - بفتح القاف المثناة الفوقية - هو رحل صغير على قدر السنام. أي والركوب على مقتب أفضل من الركوب على المحمل - كمجلس - وذلك لموافقة رسول الله ﷺ لأنه - بأبي هو وأمي - حج على رحله، وكان أصحابه ﵃ يحجون على رحالهم. وأول من ابتدع المحمل الحجاج بن يوسف فركب الناس سنته. قال الحطاب: وكان العلماء في وقته يتركونها ويكرهون الركوب فيها، إلى أن قال: وعن إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: صدرت مع ابن عمر ﵄ يوم الصدر، فمرت بنا رفقة يمانية رحالهم الأدم، فقال عبد الله بن عمر: من أراد أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت الحج العام برسول الله ﷺ وأصحابه إذا قدموا في حجة الوداع، فلينظر إلى هذه الرفقة. رواه البيهقي. قال: وفي منسك ابن جماعة: ويستحب الحج على الرحل - والمقتب دون المحمل لمن قوي على ذلك ولم يشق عليه - اقتداء برسول الله ﷺ ، وهو أشبه بالتواضع والمسكنة، ولا يليق بالحاج غير ذلك. وعن أنس ﵁ قال: حج النبيُّ ﷺ على رحل رث، وقطيفة تساوي أربعة دراهم =

стр. 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = - أو تسوى - ثم قال ﷺ : "اللَّهُمَّ حِجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةً". رواه ابن ماجة. وبعث رسول الله ﷺ مع عائشة أخاها عبد الرحمن ﵄، فأعمرها من التنعيم، وحملها على قتب. رواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم. ا. هـ. منه. قلت: الخلاف في أفضلية الركوب في الحج أو المشي، يتخرج على قاعدة أصولية؛ وهي أن أفعاله ﷺ التي تقتضيها الجبلّة البشرية، لا تدخل في حد السنة إلا في ملامح الصفة؛ مثل الأكل والشرب والركوب والاضطجاع، فإن الخلقة البشرية تطلب هذه الأمور، فليس لقائل أن يقول. الأكل سنة؛ لأنه ﷺ يأكل. بل السنة في ذلك ملامح صفات أكله؛ من حيث إنه ﷺ كان يأكل بيمينه، وبثلاثة أصابع، وربما استعان بالرابع، إلى غير ذلك. ولذلك كان كلما اقترنت عبادة بفعل من أفعاله الجبلّية، جرى الخلاف فيها؛ كالركوب في الحج، فمن قال: سنة. يقول: لأنه ﷺ ركب في حجه وقال: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". ومن قال: غير سنة. يقول: ركب لأن الطبيعة البشرية تقتضي ذلك. وهذا التفصيل هو ما عناه شيخ مشائخنا في ألفية مراقي السعود بقوله في كتاب السنة: وفعله المركوز في الجبلّه … كالأكل والشرب فليس مِلَّه فالحجُّ راكبًا عليه يجري … كضجعة بعد صلاة الفجر أي ويجري الخلاف بموجب هذه القاعدة، في أفضلية الركوب في الحج، وفي سنية الضجعة بعد صلاة ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، فمن يقول هي سنة، قال: لدوامه ﷺ عليها. ومن قال: هي غير سنة يقول: لأنها استراحة جبلية من تعب قيام الليل. وبالله التوفيق. ولذلك فقد جرى الخلاف وصار له وجه من النظر. قال القرطبي: لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلف في الأفضل منهما؛ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل، وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل. ولا خلاف أن الركوب في الموقف بعرفة أفضل. واختلفوا في الطواف والسعي؛ فالركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبي ﷺ . قال الحطاب: وكلامه الأخير يوهم أن الركوب =

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عند مالك في الطواف والسعي أفضل، وليس كذلك، بل المشي فيهما عنده من السنن المؤكدة، ومن واجبات الحج التي يجب بتركها دم. والله أعلم. ا. هـ. منه. واختار اللخمي وصاحب الطراز أن المشي أفضل؛ للآثار الواردة في فضله. وأجابا عن ركوبه بأجوبة وجيهة جدًّا؛ منها أن ركوبه كان ليظهر للناس فتأخذ عنه المناسك، ولذلك فقد طاف راكبًا على بعيره، وإن كان ذلك ممنوعًا لغيره. واستدل أهل هذا القول بما في البخاري: "مَا اغْبَّرتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ". حديث شريف، وبما روي عن ابن عباس: وددت أني حججت ماشيًا. وبأنه ورد عن جماعة من الأفاضل فعل ذلك؛ منهم الحسن بن علي ﵄، وبما روي عنه ﷺ أنه خرج لجنازة ماشيًا ورجع راكبًا، وبما رواه الترمذي عن علي: من السنة أن يخرج للعيدين ماشيًا، إلى غير ذلك. انظر المبحث في الحطاب. وقوله: وتطوع وليه عنه بغيره كصدقة ودعاء، يعني أنه يفضَّلُ تطوع ولي الميت عنه بغير الحج، كالصدقة عنه، والعتق عنه، والإِهداء عنه، والدعاء له على تطوعه عنه بالحج. ونص المدونة في ذلك: ومن مات وهو صرورة، ولم يوص أن يحج عنه أحد، فأراد أن يتطوع عنه بذلك ولد أو والد أو زوجة أو أجنبي، فليتطوع عنه بغير هذا؛ يهدي عنه أو يتصدق، أو يعتق. انتهى. وقوله: وهو صرورة، نبه به أن غير الصرورة أولى أن لا يحج عنه. ا. هـ. قلت: قد وردت أحاديث صحيحة صريحة في جواز النيابة في الحج عن الحي العاجز؛ الذي يعرف عند أصحابنا بالمعضوب - بالعين المهملة بعدها ضاد معجمة - وعن الميت، من ذلك حديث متفق عليه عن ابن عباس وأخرجه البغوي: ولفظه عنده: عن عبد الله بن عبَّاس أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟. قال: "نَعَمْ". وذلك في حجة الوداع. ا. هـ. وفي البغوي أيضًا بسنده إلى ابن العباس قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال له: إن أختي نذرت =

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن تحج، وإنها ماتت. فقال النبي ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكنتَ قَاضِيَةُ". قال: نعم. قال: "فَاقْضِ اللهَ فَهُوَ أحَقُّ بِالْقَضَاءِ". وقد أخرج البخاري هذا الحديث في الأَيمان والنذور. باب من مات وعليه نذر. وفي الحج في مواضع أخرى. غير أن إمامنا مالك بن أنس ومن وافقه، لم يعملوا بظاهر الأحاديث الدالة على جواز النيابة عن الحي العاجز ولا عن الميت؛ وذلك لأن هذه الأحاديث مخالفة عندهم لظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١). ولأنه تعالى يقول: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. والمعْضُوبُ والميت ليس واحد منهما يستطيع سبيلًا إلى الحج؛ لصدق قول من يقول: إنه غير مستطيع بنفسه، فلا فرض على واحد منهما أصلًا حتى تقع النيابة عنه. لذلك، فإن الحج عن هذين من مالهما لا يلزم عند أصحابنا إلا بوصية، فإن أوصى به، صحت الوصية بذلك من الثلث، وأما تطوع ولي الميت عنه بالحج فهو خلاف الأولى، بل مكروه، والأفضل عند مالك أن يجعل ذلك المال، الذي يحج به عنه، في غير الحج؛ كان يتصدق به عنه، أو يعتق به عنه ونحو ذلك، لكنه إن أحرم بالحج عنه انعقد إحرامه وصح حجه عنه. والحاصل أن النيابة عن الصحيح في الفرض عند مالك ممنوعة، وفي غير الفرض مكروهة، وأن العاجز عند مالك لا فرض عليه أصلًا. وبالله تعالى التوفيق. (٤) وقوله: وإجارة ضمان على بلاغ، فالمضمونة كغيره، قال المواق: عبد الوهاب: تصح الإجارة عندنا على الحج. القرافي: إنما صححناها لأنها محل اجتهاد فلا يقطع بالبطلان، وهي على ثلاثة أوجه: على وجه الجعالة، وهي أن لا يلزم نفسه شيئًا، ولكن إن حج كان له كذا وإلَّا فلا. والقسم الثاني: أن تكون بالنفقة، وتسمى البلاغ؛ وهو أن يدفع إليه مالًا ليحج به، فإن احتاج إلى زيادة رجع بها، وإن فضل شيء رده. والقسم الثالث: أن تكون بأجرة معلومة. قال محمد: وهذا أحب إليَّ من البلاغ. ا. هـ. منه. =

стр. 537

وَلَهُ بالْحِسَابِ إنْ مَاتَ وَلَوْ بِمكَّةَ أوْ صَدَّ، والْبَقَاءُ لِقَابِلٍ، واسْتُؤْجِرَ مِنَ الْانْتِهَاء، ولَا يَجُوزُ اشْتِراطُ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَليْهِ، وَصَحَّ إِنْ لَمْ يُعَينِ الْعَامَ، وَتَعَيَّنَ الْأوَّلُ وَعَلَى عَام مُطْلَقِ وَعَلَى الْجَعَالَةِ وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ وَجَنَى إنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى، وَالْبَلَاغُ إِعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ، وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبَهُمَا، وَرُجِعَ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ، وَاسْتَمَرَّ إنْ فَرَغَ، أوْ أحْرَمَ، أوْ مَرِضَ، وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ وَإِلَّا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ، إلَّا أنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ، فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثُهِ وَلَوْ قُسِمَ، وَأجْزَأ إنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ، أوْ تَرَكَ الزَيارَةَ وَرَجَعَ بِقِسْطِهَا، أوْ خَالَفَ إفْرادًا لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الميِّتُ وإِلَّا فَلَا؛ كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أوْ عَكْسِهِ، أوْ هُمَا بِإِفْرادٍ، أوْ مِيقَاتًا شُرِطَ، وَفُسِخَتْ إنْ عُيَّنَ العَامُ أوْ عُدِمَ كَغَيْرِهِ، وَقَرَنَ أوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ، وَأعَادَ إنْ تَمَتَّعَ، وَهَلْ تَنَفَسِخُ إنِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ، أوْ إلَّا أن يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِم عَنِ الْمَيتِ فَيُجْزِيهِ؟. تأوِيلَانِ. = وهذا الوجه الأخير هو الذي سماه المصنف إجارة ضمان، وفضَّلها على البلاغ لكونها أحوط؛ لوجوب محاسبة الأجير إذا لم يتم عمله لمانع من موت أو صد أو مرض، ولأن الأجرة فيها تتعلق بذمة الأجير إذا عجلت له. وقوله: فالمضمونة كغيره، يعني - والله أعلم - أن الإجارة المضمونة على الحج، كالإجارة على غير الحج في الضمان وعدمه، فيكون له الفضل والنقصان عليه. قال المواق: الإجارة المضمونة هو أن يستأجر الرجل على حجة مضمونة من مكان معلوم بأجرة معلومة، فيكون الفضل له والنقصان عليه، فإن مات قبل الفراغ من الحج كان له من الأجرة بحساب عمله، وأخذ الباقي من ماله. ابن شاس: وهي كالإجارة كلها. وقوله: وتعينت في الإطلاق، يعني أن الإجارة المضمونة تتعين في إطلاق الموصى؛ ذلك أنه إذا أوصى الميت أن يحج عنه، ولم يبين هل ذلك على البلاغ أو على ضمان، تعين أن تكون الإجارة على الضمان. =

стр. 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقوله: كميقات الميت، قال المواق في العتبية: من استؤجر على الحج عن ميت، فعليه أن يحرم من ميقات الميت. قال الحطاب: يعني أن من استؤجر على أن يحج عن ميت، من بلد ذلك الميت، فإنه يتعين عليه أن يحرم من ميقات الميت، وإن لم يشترط عليه ذلك في العقد. يريد: وكذلك أن استؤجر على أن يحج عن الميت من بلد غير بلد الميت، فإنه يتعين عليه الإحرام من ميقات ذلك البلد. قال اللخمي: ابن القاسم: ويحرم من ميقات الميت وإن لم يشترطوا ذلك عليه. ا. هـ. منه. قال مقيده - عفا الله عنه -: هذه صفحة ليس فيها إلا الاجتهاد لعدم النصوص في هذا المحل، غير أنه لما كان يصعب على من لم يمارس دروس المختصر حك ألفاظه عن وجادة أحببت أن أتعرض لمجرد حل هذه الألفاظ باختصار، وإن كان ذلك من غير ما التزمت به. فقوله: وله بالحساب إن مات، يعني؛ ولأجير الضمان من الأجرة - إن كان العقد متعلقًا بعينه بالحساب - إن مات قبل الإتمام، سواء كان ذلك قبل الإحرام أو بعده. مثال ذلك أن يقال: بكم يحج مثله في زمن الإجارة من موضع الاستئجار؟. فإن قيل: بعشرة. قيل: وكم يحج مثله في زمنها من موضع موت الأجير؟. فإن قيل: بثمانية. علمنا أن الأجير استحق من الأجرة خمسها، فيرد من تركته أربعة أخماس الأجرة إن كان قبضها، وإلا دفع لوارثه خمس الأجرة، أما إذا كانت أجرة الضمان تتعلق بذمته، ومات قبل التمام، فيقوم وارثه مقامه، فإن امتنع أخذ من تركة الميت أجرة حجة بالغة ما بلغت. نسبه جواهر الإكليل للمتيطي وسند. وقوله: ولو مات بمكة أو صُد، أي ولو كان موته بمكة فليس له في أجرة الضمان إلا بالحساب - إن كان موته وقع قبل التمام - خلافًا لابن حبيب، وأما أجير البلاغ فله ذلك بقدر ما أنفق، ولا شيء للمجاعل إن مات قبل التمام. وقوله: أو صُد، يعني وإن منع الأجير في الضمان من التمام - بمرض أو عدو - حتى فاته الحج، فله من الأجرة بالحساب ويتحلل، لكنه إن كان العام غير معين، يكون له الخيار دون مستأجره؛ بين فسخ الأجرة والأخذ بالحساب، وبين البقاء على عقد الإجارة لقابل، وإن كان =

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = العام معينًا وتراضيا على البقاء جاز أيضًا، وإلا فالقول لمن طلب فسخ الإجارة. وقوله: واستؤجر من الانتهاء، يعني أنه إن مات الأجير أو صد قبل التمام، استؤجر أجير على الحج من موضع الانتهاء من الأول، أي يبتدئ الأجير الثاني الحج من حيث استؤجر في المسافة لا العمل، فيبتدئه الثاني ولا يبني على ما سبق من عمل الأول، ولو لم يبق إلا طواف الإفاضة. وهذا إذا كان العام غير معين، فإن كان معينًا وحصل المانع بعد الوقوف، تعين الفسخ فيما بقي ورد حصته، فمحمل الاستئجار إذًا، حيث أمكن فعل الحج ولو في ثاني عام، لا إن كان العام معينًا، ولم تمكن الإعادة في ذلك العام. وقوله: ولا يجوز اشتراط كهدي تمتع عليه يريد به - والله أعلم - أنه لا يجوز للمستأجر في إجارة الضمان أن يشترط هدي التمتع أو القران على الأجير؛ ومحل هذا إذا تمتع أو قرنَ بإذن المستأجر، لما في ذلك من الجهل الحاصل في الأجرة للجهل بثمن الهدي، فإن تمتع الأجير أو قرن بغير إذن المستأجر فهو على الأجير. وقوله: وصح إن لم يعين العام وتعين الأول، يريد به - والله أعلم - وصح عقد الإجارة على الحج؛ إن لم يعين العام الذي يحج فيه الأجير، وحيث لم يعين العام، تعين على الأجير العام الأول للحج، فإن لم يحج فيه أثم ولزمه فيما يليه. وقوله: وعلى عام مطلق، يريد به - والله أعلم - وفُضِّل تعين العام الذي يراد الحج فيه، على عام مطلق من التعيين؛ لأن ذلك أحوط، لاحتمال موت الأجير، ونفاد المال الذي بيده، ولا تركة له. فالمفضل نحو: استأجرتك أن تحج عني، أو عن فلان في عام كذا. والثاني المفضول: نحو استأجرتك أن تحج عني، أو عن فلان في أي عام شئت. وقوله: وعلى الجُعالة. يريد به - والله أعلم - وفضلت الإجارة - سواء كانت إجارة ضمان أو إجارة بلاغ - على الجعالة لأنها أحوط. وقال الدسوقي: الصواب أن معنى كلام المصنف: وصح العقد على الجعالة. قال المواق هنا: ابن عرفة: النيابة بعوض إجارة إن كانت عن مطلق العمل، وجُعْلٌ إن كانت على تمامه، وبلاغٌ إن كانت بقدر نفقته. وقوله: وحج على ما فهم، يريد به - والله أعلم - وحج الأجير ضمانًا أو بلاغًا، على ما فهم =

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = من حال الموصي، بقرينة لفظية أو حالية من ركوب، فلا يركب إلا على ما كان يركبه الميت؛ لأنه كذلك أراد الميت أن يوصي، فلا ينبغي لمن أخذ أجرة الحجة أن يقضي بها دينه، أو يصنع بها ما أحب ويحج ماشيًا وكيفما تيسر له. كذا قاله الحطاب. ونسبه للخمي. ولذلك قال المصنف: وجنى إن وفَّى دينه ومشى، يريد - والله أعلم - وجنى الأجير، أي أثم إن قضى دينه بالأجرة ومشى في الحج. قال في جواهر الإكليل: فإن اطلع عليه قبل الحج، نزع المال من رب الدين، وألزم أن يحج به على ما فهم، أو يستأجر به غيره. وقوله: والبلاغ إعطاء ما ينفقه بدْءًا وعودًا بالمعروف، يريد به - والله أعلم - وحقيقة البلاغ - أي إجارة البلاغ - أنها إجارة على الحج؛ أجرتها إعطاء ما ينفقه الأجير على نفسه في سفره للحج بدْءًا - أي ذهابًا من البلد إلى مكة ومنى وعرفة - وعودًا: أي رجوعًا من مكة إلى البلد، حالة كون ذلك إنفاقًا بالعرف بين الناس، بلا إسراف ولا تقتير. قال الحطاب: قوله: بالعرف، أي بعد الوقوع. وأما أولًا، فينبغي أن يبين له النفقة بأن يقول له: حج عني وأدفع لك مائة دينار مثلًا، تنفق منها على نفسك كل يوم عشرة دراهم مثلًا. فإن لم يبين له ذلك أنفق بالعرف على نفسه. ا. هـ. جواهر الإكليل. وقوله: وفي هدي وفدية لم يتعمد موجبهما، تقرير معناه كما في الدردير: فإن لم يكفه ما أخذه، رجع بما أنفقه فيما يحتاج إليه. وفي هدْيٍ وفدية لم يتعمد موجبهما بل فعله سهوًا أو اضطرارًا، فإن تعمد موجبهما فلا رجوع. ا. هـ. وقوله: ورُجع عليه بالسرف - هو بالبناء للمفعول - أي ورجع على الأجير بعوض السرف الزائد على العرف، فيما أنفقه على نفسه من المال الذي دفع له، وهو ما لا يليق بحاله، وإن كان لائقًا بحال الموصي. وقوله: واستمر إن فرغ أو أحرم أو مرض، تقريره: واستمر أجير البلاغ إلى تمام الحج، إن فرغ ما أخذه من النفقة قبل الإحرام أو بعده، كان العام معينًا أو مطلقًا، ويرجع بما ينفقه على نفسه من ماله على الوصي الذي استأجره؛ لتفريطه بالعدول عن إجارة الضمان، لا على الموصي، إلا إذا كان أوصى بالبلاغ، ففي باقي ثلثه. أو أحرم ومرض أو صد حتى فاته الحج، =

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فإنه يستمر في الثلاثة إن كان العام غير معين وإن كان العام معينًا انفسخت الإجارة وسقطت أجرته عن مستأجره. وقوله: وإن ضاعت قبله رجع، وإلا فنفقته على آجره، إلا أن يوصي بالبلاغ، ففي بقية ثلثه، معناه - والله أعلم - وإن ضاعت النفقة من أجير البلاغ، وعلم بالضياع قبل الإحرام وأمكنه الرجوع، رجع للبلد الذي استؤجر منه. فإن خالف واستمر، فلا نفقة له اعتبارًا من الموضع الذي علم فيه بالضياع، إلى عوده إلى ذلك البلد، فإن وصله كانت نفقته على مستأجره منه - أي موضع الضياع - إلى بلده. ومحل هذا التفصيل إذا كان الميت لم يوص بالبلاغ، فإن كان أوصى به، استمر الأجير وله نفقته في بقية ثلث الموصي. وإن كانت النفقة ضاعت بعد إحرامه أو قبله، ولم بعلم بالضياع إلا بعد الإحرام، أو علم قبله ولم يمكنه الرجوع لعائق، فالواجب أن يستمر إلى تمام الحج، ونفقته على من استأجره لا على الموصي، إلا إذا كان أوصى بالبلاغ، فتلزم النفقة حينئذ في بقية الثلث، ولو كانت تركته قد قسمت بين ورثته. وقوله: وأجزأ إن قدم على عام الشرط، أو ترك الزيارة ورجع بقسطها، معناه - والله أعلم - وأجزأ حج الأجير إن شرط عليه عام معين وقدم الحج على عام الشرط، لأنه بمثابة دين قدم قضاؤه قبل حلول أجله، وأما إن أخره عن عام الشرط فلا يجزئ. وأجزأ أيضًا حج الأجير إن ترك زيارة النبي ﷺ المشترطة أو المعتادة، ورجع عليه بمقابلها من الأجرة، وكذا إن ترك العمرة. قال الدسوقي: ولا يطالب بالرجوع لذلك. نعم، يرجع عليه بقسطها، أي بعدل مسافتها. وقوله: أو خالف إفرادًا لغيره إن لم يشترطه الميت وإلا فلا، تقريره - والله أعلم - وإن خالف الأجير في حجه إفرادًا اشترطه عليه الوصي أو الوارث لقران أو تمتع، أجزأ حجه ذلك فيهما، ما لم يكن الميت حين وصيته أوصى أن يحج عنه إفرادًا مثلًا، فلا يجزئ إلا ما اشترط. وقوله: كتمتع بقران أو عكسه أو هما بإفراد أو ميقاتًا شرط، تقريره - والله أعلم - وشبه في عدم الإجزاء مخالفة تمتع مشترط وإبداله بقران، أو إبدال قران مشترط بتمتع، أو هو اشترط التمتع أو القران، فأبدل المشترط منهما بإفراد فلا يجزئ في شيء من ذلك. ولا فرق في ذلك بين كون الشرط من الوصي أو الموصي. قاله الإكليل. وإن خالف الأجير ميقاتًا شرط عليه الإحرام منه، =

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فأحرم من غيره، فلا يجزئه، وإن كان الذي أحرم منه ميقات الميت، وكذا الإحرام بعد الميقات المشترط. وقوله: وفسخت إن عُيِّن العام أو عدم، كغيره وقرن، أو صرفه لنفسه، أي وحيث قلنا بعدم الإجزاء في المسائل السابقة فسخت الإجارة فيها، بلاغًا كانت أو ضمانًا إن عُين العام ورد المال. وكذا إن عدم الحج بأن لم يأت به لمرض أو غيره؛ بأن فاته أو أفسده - والحال أن العام معين - فسخت الإجارة. كما تفسخ الإجارة في غير العام المعين، إذا خالف ما شرطه عليه الميت من إفراد، أو شرطه عليه الميت أو غيره من تمتع وقران. وكذا إذا اشترط عليه القران أو التمتع من الميت أو غيره فأفرد، وهذا مراده بقوله: كغيره أو قرن وأشار بقوله: أو صرفه لنفسه، إلى أنه إن أحرم عن الميت، ثم صرفه لنفسه لم يجز عن واحد منهما، ويفسخ مطلقًا عين العام أو لا ويرد الأجرة. وقال المواق عند قوله: كغيره، الجلاب: من استؤجر على أن يحج عن غيره فلا يجوز له أن يستأجر في ذلك غيره إلا بإذن من استأجره. والله أعلم. وقوله: وأعاد إن تمتع، يريد به - والله أعلم - وإن اشترط على الأجير قران أو إفراد فخالف بتمتع، أعاد الأجير الحج قارنًا أو مفردًا، ولا تنفسخ الإجارة إن تمتع بدلًا من القران أو الإفراد؛ لأن عداءه ظاهر يمكن الاطلاع عليه، بخلاف لو كانت مخالفته بالقران في شرط الإفراد عليه. قال جواهر الإكليل: ويؤخذ من هذا أن من خالف الميقات في غير معين لا تفسخ إجارته، ويجب أن يعيده من قابل من الميقات المشترط. وقوله: وهل تنفسخ إن اعتمر عن نفسه المعين، أو إلا أن يرجع للميقات فيحرم عن الميت فيجزئه؟. تاويلان. قال المواق هنا: الذي في المدونة: إذا استؤجر على الحج فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت، لم يجزه عن الميت وعليه حجة أخرى. ابن يونس: والذي أرى أنه إن رجع فأحرم من ميقات الميت فإنه يجزئه، لأنه منه تعدى فأحرم عن نفسه. - ا. هـ. - منه. =

стр. 543

وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ وإلَّا كُرِهَ؛ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَإجَارَةِ نَفْسِهِ، ونَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ؛ وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إنْ وَسِعَ وَقَالَ: يُحَجُّ بِهِ لَا مِنْهُ. وإلَّا فَمِيراثٌ كَوُجُوده بِأقَلَّ أوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ، وَهَلْ إلَّا أنْ يَقُولَ: يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟. تَأويلَانِ. وَدُفِعَ المُسَمَّى وَإنْ زَادَ عَلَى أجْرَتِهِ لِمُعَيَّنِ لَا يَرثُ فُهِمَ إعْطَاؤُهُ لَهُ، وإنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ - إن لَمْ يَرْضَ بأُجْرَةِ مِثْلِهِ - ثُلُثُهَا، ثُمَّ تَرَبَّصَ، ثُمَّ أُوجِرَ لِلضَرُورَةِ فَقَطْ، غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ وَإنِ امْرأَةً، وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهدًا. وَإنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ، حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّى إلَّا أنْ يَمْنَعَ فَمِيرَاثٌ، وَلَزِمَهُ الحَجُّ بِنَفْسِهِ لَا الإشْهَادُ، إِلَّا أن يُعْرَفَ، وقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأخُذُهُ فِي حَجَّةٍ، وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، ولَهُ أَجرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ. وقوله: ومنع استنابة صحيح في فرض وإلا كره، قال المواق: القرافي: قال سند: اتفق أرباب المذاهب أن الصحيح لا يجوز استنابته في فرض الحج، والمذهب كراهتها في التطوع، فإن وقعت صحت. ا. هـ. منه. وقال الحطاب: فرع: قال في شرح العمدة: النيابة في الحج إن كانت بغير أجرة فحسنة لأنه فعل معروف، وإن كانت بأجرة فاختلف المذهب فيها، والمنصوص عن مالك الكراهة؛ رأى أنه من باب أكل الدنيا بعمل الآخرة. ا. هـ. منه. وقد قدمنا الكلام على ذلك عند قول المصنف: وتطوع وليه عنه بغيره، بما فيه كفاية، فأغنى عن إعادته هنا. والحمد لله. وقوله: كبدء مستطيع به عن غيره، هو تشبيه في الكراهة، يقول: إن الصرورة المستطيع للحج يكره له أن يبدأ بالحج عن غيره، ولا تتصور هذه الكراهة إلا على القول المرجوح، من أن وجوبه على التراخي، أما على ما عليه الجمهور من أن وجوبه للفور فهو حرام؛ بدليل حديث ابن عباس عند أبي داود، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال "مَنْ شُبْرُمَهُ". قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: "حَجَجْتَ عَنْ =

стр. 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نَفْسِكَ"؟. قال: لا. قال: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". قال شيخنا في أضواء البيان: هذا الحديث صالح للاحتجاج، وفيه دليل على أن النائب في الحج لابد أن يكون قد حج عن نفسه. ا. هـ. منه. وقوله: وإجارة نفسه، أي يكره للمرء أن يؤجر نفسه في عمل طاعة من الطاعات، سواء في ذلك الحج أو غيره، لقول مالك: لأن يؤجر الرجل في عمل اللَّبن وقطع الحطب وسوق الإبل، أحب إلي من أن يعمل عملًا لله بأجرة. ومحل الخلاف في غير تعليم القرآن للأطفال والأذان؛ لجواز الإجارة على ذلك اتفاقًا. والله ولي التوفيق. وقوله: ونفذت الوصية به من الثلث، وحج عنه حجج إن وسع. وقال: يُحج به لا منه، أي: ونفذت الوصية بالحج من الثلث، سواء كان الموصي صرورة أو غير ذلك. ويُحج عن الموصي بذلك الثلث حجج، إن كان في وصيته سمى الثلث، وكان يسع ذلك، والحال أنه قال في وصيته: يحج به. أي بالثلث، لا إن قال: يحج عني منه. فإنه يحج عنه منه حجة واحدة؛ لأن مِنْ للتبعيض. وبالله التوفيق. وقوله: وإلا فميراث كوجوده بأقل أو تطوع غيرٌ، يريد به - والله أعلم - وإن لم يسع الثلث حججًا، أو وسع ذلك إلا أنه قال: يحج منه فالزائد على حجة يعتبر ميراثًا، كما يعتبر الزائد ميراثًا إن وجد الأجير بأقل مما سمى الموصي من مال لمن يحج عنه، وكان تطوع غير - من ولد أو والد أو قريب - بالحج عن الموصي بلا أجر، فإن ما أوصى به لمن يحج عنه يعتبر ميراثًا، سواء كان ثلثًا أو قدرًا معينًا من المال. وقوله: وهل إلا أن يقول: يحج عني بكذا فحجج تأويلان، مراده به أن أهل المذهب اختلفوا في الصورة التي يرجع فيها المال ميراثًا؛ قيل: يرجع ميراثًا إذا وجد بأقل مما سماه، ونعني الزائد عن المسمى. ويرجع جميعه ميراثا إذا تطوع أحد بالحج عنه، سواء قيد بالمرة أو أطلق. وقيل لا يرجع ميراثًا إلا إذا قيد بالمرة، بأن قال: يحج عني به حجة أو منه حجة. فإن أطلق بأن قال: يحج عني بكذا. فيحج عنه حجج حتى ينفذ، ولا يرجع الزائد ميراثًا. والله تعالى أعلم. =

стр. 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ونص مناسك المصنف: وإن سمى قدرًا حج عنه به، فإن وجد من يحج عنه بدونه كان الفاضل ميراثًا، إلا أن يفهم إعطاء الجميع. هذا إن سمى حجة، وإن لم يسم فكذلك عند ابن القاسم. وقال ابن المواز: يحج به حجج. ا. هـ. جواهر الإكليل. وقوله: ودفع المسمى وإن زاد على أجرته لمعين لا يرث فُهم إعطاؤه له، نقل المواق هنا عن ابن يونس ما نصه: من المدونة، قال ابن القاسم: إن قال: أعطوا فلانًا أربعين دينارًا يحج بها عني. فاستأجره بثلاثين، فحج عنه بها، فالعشرة الباقية ميراث؛ لأن مالكًا قال فيمن أوصى أن يشترى له غلام بمائة دينار فيعتق، فاشتروه بثمانين: إن البقية ميراث. قال ابن المواز: إنما هذا إذا عرف صاحب الغلام والذي يحج بما أوصى له به من الثمن فرضي بدونه، وإلا فالوصية نافذة. ونقل من الكافي: وإذا أوصى أن يحج عنه وارثه، فذلك جائز له، وله أجرة مثله، وما زاد على ذلك فهو وصية؛ إن أجاز الورثة جاز وإلا رجع ميراثًا. ونقل عن ابن شاس: إن وجدوا بدون ما أوصى به من يحج عنه كان الفاضل لهم، إلا أن يظهر من قصده أنه أراد إعطاء جملة ما عين من المال إلى رجل بعينه فيعطاه. ا. هـ. منه. وقوله: وإن عين غير وارث ولم يسم زِيد - إن لم يرض بأجرة مثله - ثُلُثُها، ثم تربص، ثم أوجر للصرورة فقط، غير عبد وصبي وإن امرأة، يريد به - والله أعلم - إن الموصي إن عين شخصًا غير وارث للحج عنه، فإن سمى له شيئًا فلا يزاد عليه، وإن لم يسم له شيئًا يدفع له في حجه عنه، فإن رضي بأجرة مثله أو أقل منها فالأمر واضح، وإن لم يرض بأجرة مثله، زيد عليها بقدر ثلثها، فإن رضي فواضح، فإن لم يرض انتظر قبل سنة، وقيل بالاجتهاد فإن استمر ممتنعًا، أجر للحج عن الموصي الصرورة - وهو الذي لم يحج قط حجة الإِسلام - من يحج عنه، حالة كونه ممن يجب عليهم الحج، وذلك مراده بقوله: غير عبد وصبي، وإن كان الأجير امرأة عن رجل لمشاركتها للرجل في وجوب الحج. وإن خالفته في بعض محرمات الإحرام، وفي الرمل في الطواف والسعي. وقوله: ولم يضمن وصي دفع لهما مجتهدًا، يريد به - والله أعلم - إن الوصي إن استأجر من يحج عن صرورة، ودفع المال، ثم ظهر الأجير رقيقًا أو صبيًا، لا ضمان عليه في ذلك المال =

стр. 546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الذي دفعه باجتهاده، حين كان يظن الرقيق حرًا؛ لبياضه وفصاحته مثلًا، أو يظن الصبي بالغًا لطوله وغلظه. والضمان هنا على العبد إن غر، ويكون جناية في رقبته. وإن لم يوجد أجير يحج عن الموصي بالمال الذي سماه، لمن يحل عنه به من محل موته، حُجَّ عنه من المكان الممكن الحج منه عنه بما سماه، إن لم يسم مكانًا، بل ولو سمى مكانًا للحج عنه، ولا يورث المال الذي سماه على كل حال، إلا أن يمنع الموصي أن يحج عنه من غير المكان الذي سماه؛ كان يقول: لا تحجوا عني إلا من مكان كذا. فالمسمى حينئذ ميراث ولا يحج عنه من المكان الممكن. وقوله: ولزمه الحج بنفسه، يعني أن الأجير للحج إن نص الموصي عليه بعينه؛ كاستأجرتك لتحج عني بنفسك. أو قامت قرينة على تعيينه؛ ككونه ممن يرغب فيه لعلمه أو لصلاحه، لا يجوز له استئجار غيره، ولا يقوم وارثه مقامه. وقوله: لا الإشهاد إلَّا أن يعرف، يريد به - والله أعلم - أنه لا يلزم أجير الحج الإشهاد عند إحرامه، على أنه أحرم عن فلان، إلا أن تجري العادة بين الناس بذلك، أو يشترط المستأجر ذلك، فيلزم الإشهاد حينئذ، ولا يصدق بدونه ولو أمينًا وحلف، فلا يستحق الأجرة ولو قبضها. وقوله: وقام وارثه مقامه فيمن ياخذه بحجة، يريد به - والله أعلم - أن المضونة بالذمة إذا مات الأجير فيها قبل التمام، قام وارثه مقامه في تتميم الحج أو استئجار من يتممه، في مثل فول الموصي: ادفعوا كذا دينارًا لمن يأخذه في حجة، فرضي إنسان فأخذه فيها ومات قبل تمام الحج، فلا ينفسخ العقد بموته ويقوم وارثه مقامه، فيحج بنفسه أو يستأجر من يحج، وله الفضل وعليه النقص، ويستأنف القائم بالإتمام الإحرام، سواء كان الوارث بنفسه أو من استأجره، ولا يكمل على ما فعله الأول، ويكون استئنافه من الموضع المشترط الإحرام منه، أو من ميقات المستأجر، حيث اتسع الوقت، وإلا فمن موضع يدرك منه. وقوله: ولا يسقط فرض من حُجَّ عنه، وله أجر النفقة والدعاء، يريد به - والله أعلم - أن من حُجَّ عنه - حيًا كان أوميتًا - لا يسقط عنه الفرض بذلك الحج، ولا يكتب له غير أجر النفقة التي أنفقها الأجير في الحج عنه، وله أجر حمله على الدعاء. قال ابن فرحون: ثواب الحج للحاج، وإنما للمحجوج عنه بركة الدعاء، وثواب المساعدة. =

стр. 547

وَرُكُنُهُمَا الْإِحْرَامُ، وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لآخِر الْحِجَّةِ، وَكُرِهَ قَبْلَهُ (١)، = قلت: عن ابن عباس أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمَّي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟. قال: "نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا. أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أكنْتِ قَاضِيَتَهُ؟. اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أحقُّ أنْ يقْضَى". أخرجه المنتقى وقال: رواه البخاري والنسائي بمعناه. وفي روايه لأحمد والبخاري بنحو ذلك وفيها قال: جاء رجل فقال: إن أختي نذرت أن تحج. قال المجد: وفيه صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره؛ حيث إنه لم يستفصله أوارث هو أو لا. وشبهه بالديْن. قال المجد في المنتقى: وعن ابن عباس قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإِسلام، أفأحج عنه؟. قال: "أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَبَاكَ تَرَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ أقَضَيْتَهُ عَنْهُ". قال: نعم. قال: "فَاحْجُجْ عَنْ أَبيكَ". رواه الدارقطني. إن هذه الأحاديث وغيرها، لتدل على أن من حج عنه وليه، أو استأجر من يحج عنه من ماله، سواء كان ذلك بوصية منه أو كان تطوعًا من الولي، سقطت عنه حجة الإِسلام؛ لأنه لا خلاف أن رسول الله ﷺ كان يعي ما يقول حين شبه ديْن الحج - الذي هو عمل بدني، والحق فيه لله تعالى - بدين مخلوق على ذلك الميت. ولا خلاف أن الدين الذي شبه به الحج، يسقط عن صاحبه بمجرد قضائه. وإذا قلنا برأي إمامنا ومن وافقه، أن هذه الأحاديث آحاد، وقد عارضت القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١). فهلا كان لنا أن نقول: إن ولد المرء هو من عمله الذي يجري عليه بعد موته، لقوله ﷺ عند الشيخين: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ". الحديث، وذكر منها: "وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ". وإذا، فإن حج الولد عن والده الصرورة، بعد موته أو في حياته، حين عجزه، يسقط عنه حجة الإِسلام، للأدلة البينة من السنة. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله ﵀: وركنهما الإحرام، يعني بالتثنية هنا الحج والعمرة. يقول: إن الأركان التي يتفقان فيها ثلاثة وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، ويزيد الحج بركن رابع ليس في العمرة، وهو الوقوف بعرفة. ويريد بالركن: ما لابد منه ولا يجزئ بدلًا عنه دم ولا غيره.=

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وهذه الأركان على ثلاثة أقسام: قسم يفوت الحج بتركه، ولا يؤمر بشيء من أجل تركه، وهو الإحرام. وقسم يفوت الحج بفواته، ويؤمر بالتحلل بعمرة من فاته، وبالقضاء في العام القادم، وهو الوقوف بعرفة. وقسم لا يفوت الحج بفواته، ولا يتحلل من الإحرام قبل فعله، ولو وصل أقصى المشرق أو المغرب قبل فعله رجع حتى يفعله، وهو طواف الإفاضة والسعي. والإحرام هو نية الدخول في حرمات الحج أو العمرة، المنسحبة حكمًا لآخر النسك. واختلفوا في وقت الإحرام؛ فقال قوم: يحرم إذا استوت به راحلته أهلَّ. ومستند هؤلاء حديث ابن عمر المتفق عليه أن النبي ﷺ لما استوت به ناقته، أهلَّ من عند مسجد ذي الحليفة. وقال قوم: يحرم بعد الصلاة، ولكنه إذا استوت به راحلته أهل بالتلبية. وروي في ذلك حديث عن خصيف بن عبد الرحمن الجزري فقال: فلما صلَّى في مسجد ذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا من شرف البيداء. وحديث خصيف هذا رواه عن ابن عباس. أخرجه أحمد وأبو داود. وهو ضعيف. قال البغوي: والعمل على هذا عند أهل العلم؛ يستحبون أن يكون إحرامه عقيب الصلاة، ثم منهم من يذهب إلى أنه يحرم في مكانه إذا فرغ من الصلاة، ومنهم من يقول: يحرم إذا ركب واستوت به ناقته، والله تعالى ولي التوفيق. وقوله: ووقته للحج شوال لآخر ذي الحجة، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١). قال ابن الجزي الكلبي هنا: التقدير أشهر الحج أشهر، أو الحج في أشهر؛ وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. وقيل العشر الأول منه. ويبنى على ذلك أن من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة فعليه دم، على القول بالعشر الأول، ولا شيء عليه على القول بجميع الشهر. ا. هـ. منه. =

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأخرج البغوي بسنده عن ابن جريج قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي أشهر الحج؟. فقال: نعم. كان يسمي شوالًا وذا القعدة، وذا الحجة. قلت لنافع: فإن أهل إنسان قبلهن؟. قال: لم أسمع منه في ذلك شيئًا. قال الأرناؤوط: أخرجه الشافعي، ومسلم بن خالد شيخ الشافعي كثير الأوهام، لكن أخرجه الطبري من طريق ابن بشار عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، وإسناده صحيح. قال البغوي: ويروى عن ابن عمر قال: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، علقه البخاري. وقوله: وكره قبله: قال ابن الجزي: واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه الأشهر، فأجازه مالك على كراهة، ولم يجزه الشافعي وداود، لتعيين هذا الاسم كذلك، فكأنها كوقت الصلاة. ا. هـ. منه. وقال المواق عند قول المؤلف: وكره قبله كمكانه: فيها كره مالك أن يحرم أحد قبل أن يأتي ميقاته، أو يحرم بالحج قبل أشهر الحج، فإن فعل في الوجهين جميعا لزمه ذلك. ابن عرفة: لا يحرم قبل ميقاته الزماني، فإن فعل انعقد .. ونقل اللخمي: لا ينعقد. ومال إليه، ومن الحج الأول لابن يونس: ومن أحرم من بلده وقبل الميقات فلا بأس بذلك، غير أنا نكره لمن قارب الميقات أن يحرم قبله. وقد أحرم ابن عمر من القدس. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة في المغني: فإن أحرم قبل أشهر الحج صح، وإذا بقي على إحرامه إلى وقت الحج جاز. نص عليه أحمد. وهو قول النخعي، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة وإسحاق. ا. هـ. وقال العيني في العمدة: والقول بصحة الإحرام في جميع السنة هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق. وهو مذهب إبراهيم النخعي، والثوري، والليث بن سعد. ا. هـ. قاله عنهما الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة: ج ٦/ ص ٣٤. قلت: ويمكن أن يستأنس للقول بجواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج بقوله تعالي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١). الآية، ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢). الآية، لاحتمال أن يكون المراد بالحج في =

стр. 550

كَمَكَانِهِ، وَفي رَابغٍ تَرَدُّدٌ (١)، وَصَحَّ وَللْعُمْرَةِ أَبَدًا (٢) إِلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ فَلِتَحَلُلِهِ، وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا، وَقَبْلَ غُرُوب الرَّابعِ (٣). وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ مَكَّةُ، وَنُدِبَ بِالْمَسْجِدِ (٤)، كَخُرُوجِ ذِي النَّفَسِ = الأشهر المعلومات، هو الحج الكامل الذي لا كراهة فيه، والذي في آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الحج الأعم من ذلك، الشامل للكامل والمكروه. قاله في جواهر الإكليل. (١) وقوله: وفي رابغ تردد، أي وفي كراهة الإحرام بالحج أو العمرة من رابغ - قرية بساحل البحر الأحمر - ذلك لأنها قبل الجحفة التي هي ميقات أهل الشام ومصر ونحوهم، وعدم الكراهة تردد لعدم نص في ذلك، والجحفة تحاذي رابغًا. (٢) وقوله: وصح للعمرة أبدًا، تحليل معناه، وصح - أي الإحرام بالحج أو العمرة - قبل الميقات الزمني والمكاني. وفي رابغ وإن كان ذلك مع الكراهة. ووقت الإحرام للعمرة أبدًا أي في أي وقت من السنة. قال المواق: قال القرافي: أما العمرة فجميع السنة وقت لها، لكن تكره في أيام منى لمن حج. (٣) وقوله: إلا لمحرم بحج فلتحلله، وكره بعدهما، وقبل غروب الرابع، قال المواق: الكافي: لا يعتمر أحد من الحاج حتى تغرب الشمس من آخر أيام التشريق، فإن رمى في آخر أيام التشريق، وأحرم بعمرة بعد رميه وقبل غروب الشمس لزمه الإحرام بها ومضى فيها، فإن أتمها قبل غروب الشمس لم تجزه، وإن أحرم بها قبل رميه لم يلزمه عملها ولا قضاؤها. قال مالك: وتجوز العمرة في أيام السنة كلها، إلا الحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو خرج حتى زالت الشمس من آخر أيام الرمي. ا. هـ. منه. (٤) وقوله: ومكانه للمقيم مكة وندب بالمسجد، يعني ومكان الإحرام بالحج بدون قران للمقيم بمكة - سواء كانت إقامته تقطع السفر أو لا، كما هو ظاهر المدونة - هو مكة بالذات، أي الموضع الذي هو به منها، وسواء في ذلك جميع من في حدود حرمة مكة؛ من أهل مني ومزدلفة وغير ذلك. ويندب الإحرام بالحج من نفس مسجد مكة؛ يحرم من الموضع منه الذي صلى به ركعتي الإحرام، ويلبي وهو به. =

стр. 551

لِمِيقَاتِهِ (١)، وَلَهَا، وَللْقِرَانِ الْحِل، وَالْجِعِرَّانَةُ أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمُ (٢)، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إِنْ حَلَقَ (٣). (١) وقوله: كخروج ذي النفس لميقاته، هو تشبيه منه على الندب، أي كما يندب للغريب المقيم بمكة، الذي بقي معه وقت يسافر فيه إلى ميقاته الأصلي، أن يسافر إليه، ويحرم ويعود إلى مكة قبل يوم التروية. قلت: قال المواق: فيها: إحرام أهل مكة ومن دخلها بعمرة من داخل الحرم، واجب لآفاقي حل بعمرة في أشهر الحج له نفس أن يحرم من ميقاته. ا. هـ -. منه. ولا يخفى ما في هذا الاستحباب من التعارض مع قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ". فإنه نص صريح بأن هذه المواقيت تكون مواقيت أصلية، لكل من مر عليهن من غير أهلهن. فهل يبقى بعد ذلك لمن يريد، من حل بعمرة بمكة، الرجوع إلى ميقاته الأصلي، إلا إرادة العسر والحرج على هذا الحاج؟. والله ولي التوفيق. (٢) وقوله: ولها وللقارن الحل، والجعرانة أولى ثم التنعيم، أي ومكان الإحرام للمعتمر وللقارن، وذلك بالنسبة لمن بمكة ممن يريد إنشاء إحرام بعمرة أو بقران - وهو الإحرام بالحج والعمرة معًا - مكان الإحرام بذلك الحل؛ وهو الأرض التي يجوز الاصطياد بها، ولا يجوز الإحرام بأحدهما في الحرم. قال الدردير: وانعقد إن وقع، ولا دم عليه، ولابد من خروجه للحل. والإحرام من الجعرانة أولى من الإحرام بها من باقي الحل؛ وذلك لاعتماده ﷺ منها في ذي القعدة حين قسم غنائم هوازان. ثم يلي الجعرانة - في ندب الإحرام بالعمرة منها - التنعيم؛ وذلك لاعتمار عائشة ﵂ منه، حين أرسلها رسول الله ﷺ مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ في حجة الوداع. (٣) وقوله: وإن لم يخرج أعاد طوافه وسعيه بعده وأهدى إن حلق، يريد به - والله أعلم - أن المقيم بمكة إن لم يخرج من الحرم، وأحرم بالعمرة من الحرم، انعقد إحرامه، ووجب عليه الخروج للحل قبل أن يطوف طواف العمرة، وقبل الخروج المني يوم التروية، بالنسبة للقارن، فإن لم يخرج وطاف وسعى للعمرة، فهما فاسدان، ويجب عليه الخروج إلى الحل وإعادة =

стр. 552

وَإِلَّا، فَلَهُمَا ذُو الْحُلَيْفَةِ، والجُحْفَةُ، وَيَلَمْلَمُ، وَقَرْنٌ، وَذَاتُ عِرْقٍ، وَمَسْكَنٌ دُونَهَا، وَحَيْثُ حَاذَى واحدًا أوْ مَرَّ وَلَوْ بِبِحْرٍ (١). إِلَّا كَمِصْريٍّ يَمُرُّ بِذي الْحُلَيْفَةِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ (٢)؛ = الطواف والسعي بعد الخروج للحل، هذا بالنسبة للمعتمر، وأما القارن إن خرج قبل الخروج إلى عرفة هو أولى، وإن لم يفعل أجزأه بخروجه إلى عرفة، لاندراج أعمال العمرة في الحج، وإن حلق المعتمر رأسه أو قصر بعد طوافه وسعيه الفاسدين، لزمته فدية من صيام أو صدقة أو نسك. والله تعالى أعلم بأدلة ذلك. (١) وقوله: وإلَّا، فلهما ألخ، يريد به - والله أعلم - وإلا يكن المحرم من المقيمين بمكة فمكان الإحرام لهما - أي للحج والعمرة - هو هذه المواضع. ودليل ذلك معروف؛ منه حديث ابن عمر المتفق عليه، أن رسول الله ﷺ قال: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". ومنه حديث ابن عباس المتفق عليه أيضًا قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، فهن لهن ولمن أتي عليهن من غير أهلهن، لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهلّه من أهله، وكذا وكذا حتى أهل مكة يهلون منها. ومنها حديث البخاري عن ابن عمر، وأخرجه البغوي أيضًا ولفظه: عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدَّ لأهل نجد قرن، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا. قال: انظروا حذوها من طريقكم. فحدَّ لهم ذات عرق. ا. هـ. (٢) وقوله: إلا كمصري يمر بذي الحليفة الخ، قال المواق: ابن عرفة: من مر بميقات غيره أحرم منه، إلا ذا ميقات الجحفة إن مر بذي الحليفة فهي أفضل له من أن يؤخر للجحفة. وإن لحيض رجي. في النوادر: إذا مرت الحائض بذي الحليفة وترجو أن يحصل لها الطهر قبل الجحفة، فإنها لا تؤخر إحرامها إلى الجحفة، والأولى لها أن تحرم من ذي الحليفة. قلت: قوله فهو أولى، تسامح منه ﵀ في نظري؛ لأن من مر بميقات، وهو من =

стр. 553

كَإِحْرَامِهِ أوَّلَهُ (١)، وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ (٢)، وَتَرْكِ اللَّفْظِ بِهِ (٣) والْمَارِّ بِهِ. إِنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ، = غير أهله، والحال أنه مر به يريد الحج، أصبح ذلك الميقات ميقاتًا بالنسبة إليه، أخذًا من منطوق قوله ﷺ المتفق عليه: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ". وبالله التوفيق. (١) وقوله: كإحرامه أوله، يريد به - والله أعلم - أن الإِحرام من أول الميقات أولى؛ لأن المبادرة إلى الطاعة مستحبة. قال الحطاب: في النوادر: ومن كتاب ابن المواز، قيل لمالك في ميقات الجحفة: أيحرم من وسط الوادي أو آخره؟. قال: كله مهل، وليحرم من أوله أحب إليَّ. ا. هـ. منه. وقال الحطاب أيضًا: تنبيه: يستثنى من هذا من أحرم من ذي الحليفة فإن الأفضل له أن يركع للإِحرام من مسجدها، ثم يحرم إذا خرج منه. إلى أن قال: وعن سفيان بن عيينة قال: قال رجل لمالك بن أنس: من أين أحرم؟. قال: أحرم من حيث أحرم رسول الله ﷺ . فأعاد عليه مرارًا وقال: فإن زدت على ذلك؟. قال: فلا تفعل: فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وما في هذه من الفتنة، إنما هي أميال أزيدها؟. فقال مالك: قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). قال: وأي فتنة في هذا؟. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت فضلًا قصر عنه رسول الله ﷺ . أو ترى أن اختيارك لنفسك في هذا خير من اختيار الله لك واختيار رسول الله ﷺ هـ. ا. هـ. منه بقليل تصرف. (٢) وقوله: وإزالة شعثه، الضمير فيه عائد إلى الذي يريد الإِحرام، يعني أن الأفضل للذي يريد الإِحرام، أن يزيل شعثه، بأن يقلم أظفاره، ويقص شاربه، ويحلق عانته، وينظف إبطه، وأن يزيل شعر بدنه إلا شعر رأسه، فالأفضل إبقاؤه طلبًا للشعث في الحج، والشعث: الدرن والوسخ. (٣) وقوله وترك اللفظ به، قال في المواق: فيها، يجزئ من أراد الإِحرام التلبية، وينوي بها ما أراد من حج أو عمرة وتكفيه النية في الإِحرام، ولا يسمي عمرة ولا حجة، ذلك أحب إلى =

стр. 554

أوْ كَعَبْدٍ فَلَا إِحْرَامَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ وَإِنْ أَحْرَمَ (١). إِلَّا الصَّرُورَةَ المُسْتَطِيعَ فتأْويلَان. وَمُرِيدُهَا إِنْ تَرَدَّدَ (٢) أَوْ عَادَ لَهَا لأَمْرٍ فَكَذلِكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الإِحْرَامُ. وأساء تارِكُهُ، ولا دَمَ إن لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا، = مالك من تسمية ذلك. ا. هـ. منه. وهذا لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". الحديث المتفق عليه. (١) وقوله: والمار به إن لم يرد مكة. أو كعبد فلا إحرام عليه ولا دم وإن أحرم، يعني به - والله أعلم - أن المار بالميقات إذا لم يرد دخول مكة بل كانت حاجته دونها، فإنه لا إحرام عليه، ولو بدا له بعد أن جاوز الميقات دخول مكة وأحرم بعد مجاوزة الميقات، لا دم عليه وهذا لا خلاف فيه. وكذا لا يجب الإحرام على من لا يخاطب بفريضة الحج؛ كالعبد، والجارية، والصبي، والمجنون، والمغمى عليه، ومن لا يصح منه الإِحرام به كالكافر، إلا الصرورة المستطيع الذي أحرم في أشهر الحج بعد مجاوزة الميقات حلالًا، وكان حال مروره غير مخاطب لعدم إرادته دخول مكة، فإن المؤلف أجرى قولين في إلزامه الدم وعدم ذلك. واللّه أعلم. بأدلة هذه التفاصيل. قلت: سألت شيخنا العلامة أمير المؤمنين في المعقول والمنقول في وقته، فضيلة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني ثم اليعقوبي عليه رحمة الله، سألته عن مسألة لا يدخل مكة إلا محرم فقال: أما الجمهور فإنهم على ذلك القول. والذي أراه أن الدليل مع من يقيد ذلك بإرادة الحج أو العمرة؛ لقوله ﷺ : "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ". وبالله التوفيق. (٢) وقوله: ومريدها إن تردد ألخ، يعني أن المتردد على مكة متسببًا بفاكهة أو حطب أو غير ذلك، والعائد إليها من مسافة فما دون القصر، بعد خروجه منها لا يريد العودة إليها، وذلك لأمر عاق عن متابعة سفره، هو كالمار بالميقات الذي لا يريدها في عدم لزوم الإحرام عليه، وعدم الدم إن أحرم. وأما من أرادها لنسك أو تجارة، أو لأنها بلده، فإنه يجب عليه الإحرام من الميقات - إن وصله - أو من دونه. وأثم إن لم يحرم ولا دم عليه إن لم يقصد نسكًا بحج أو عمرة. =

стр. 555

وَإِلَّا رَجَعَ وَإِنْ شَارَفَهَا، وَلَا دَمَ وَإِنْ عَلِمَ - مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا - فالدَّمُ؛ كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، وَلَوْ أَفْسَدَ لَا فَاتَ (١)، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ، وَلَا دَمَ وَإِنْ بِجِمَاعٍ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ، بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ، وَصَرَفَهُ لِحَجٍّ، والْقِياسُ لِقِرَانٍ، وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ (٢). = وقد تقدم لك أن الدليل إلى جانب من يقول: إن حرمة دخولها بغير إحرام هي في خصوص من يريدها لأحد النسكين. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: وإلا رجع وإن شارفها ألخ. يريد به - والله تعالى أعلم - وإلا، بأن قصد بدخوله مكه نسكًا، ولم يتردد وتعدى الميقات جهلًا به، أو عن قصد ولم يحرم به، وجب عليه الرجوع للميقات ليحرم منه، وإن قارب مكة، بل وإن دخلها كما هو ظاهر المدونة، ولا دم عليه إن رجع قبل إحرامه، فإن خاف برجوعه فواتًا لحجه أو لرفقته، وجب عليه الدم وسقط عنه الرجوع إلى الميقات، ويحرم من مكانه. قالوا: لأن محظورات الإِحرام تباح بالعذر. وقوله: كراجع بعد إحرامه، هو تشبيه منه في لزوم الدم على الذي تعدى الميقات بلا إحرام منه، بعد أن أحرم بعده. يقول: فإن الدم تخلد في ذمته، ولا يسقطه عنه رجوعه بعد إحرامه. ولو أفسد إحرامه بجماع أو إنزال، فيتمادى على إحرامه ذلك إلى تمام حجه ويقضيه، وعليه هديان؛ هدي لتعدي الميقات، وهدي للإفساد. أما إن تحلل من الحج بعمرة لأنه فاته. فإنه يسقط عنه دم التعدي؛ لأنه بتحلله صار بمنزلة من لم يحرم أصلًا. (٢) وقوله: وإنما ينعقد بالنية وإن خالفها لفظه، هو كقوله ﵀ في باب الصلاة: وإن تخالفا فالعقد. يقول: وإنما ينعقد الإحرام بحج أو عمرة بالنية؛ للدخول في عبادة الحج أو العمرة، وإن خالف لفظه نيته فالمعتبر نيته، ولا دم عليه لهذه المخالفة. ومعلوم أن دليل ذلك حديث عمر المتفق عليه: "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". الحديث. وقوله: وإن بجماع مع قول أو فعل تعلقا به بيّن أو أبهم، يريد به - واللّه أعلم - وينعقد الاحرام بالنية، وإن حصلت منه تلك النية حالة الجماع، لكنه ينعقد فاسدًا فيتمه ويقضيه ويهدي. =

стр. 556

وَنَوى الْحجَّ وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ، كَشَكِّهِ أفْرَدَ أوْ تَمَتَّعَ، وَلَغَا عُمْرةٌ عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أوْ عُمْرَتينِ، وَرَفْضُهُ، وَفي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ تَرَدُدٌ (١). = وقوله: مع قول أو فعل تعلقا به - أي بالإِحرام من تعلق الجزء بالكل - إذ كل من القول كالتلبية، أو الفعل كالتجرد من المخيط والإِشعار مثلًا، جزء من الإِحرام؛ لأنه عبارة عن النية مع قول أو فعل، علمًا بان الراجح أن الإِحرام هو النية فقط. وإن ما مشى عليه المصنف ضعيف، قاله الدردير، قال: وينعقد الإحرام بما ذكر سواء بيّن ما أحرم به من حج أو عمرة أو هما معًا، أو أبهم ما أحرم به كان يقول: أحرمت لله. لكنه لا يفعل شيئًا إلا بعد التعيين. ويندب عند أصحابنا صرفه لإفراد الحج، إن وقع الصرف قبل طواف القدوم، وقد أحرم في أشهر الحج. وإن كان إحرامه قبل أشهر الحج صرفه ندبًا للعمرة، وكره صرفه حينئذ للحج، فإن طاف صرفه للإِفراد. قال: والقياس صرفه للقران لأنه أحوط لاشتمالِه على النسكين. وإن عين ما أحرم به ونسيه، فلم يدر أحرم بإفراد أو بقران أو بعمرة، فقران، يعمل عمله لأنه أجمع، ويهدي له، لا إنه ينوي القران، بدليل قوله: ونوى الحج فقط، أي يحدث نيته ويعمل عمل القران احتياطًا. فإن كان أحرم أولًا بحج أو قران لم يضره ذلك، وإن كان أحرم بعمرة، فقد أردف الحج عليها، وبرئ من الحج فقط لا من العمرة؛ لاحتمال أن يكون إحرامه الأول بإفراد. والله تعالى أعلم بأدلة هذه التفاصيل. (١) وقوله: كشكه أفرد أو تمتع ألخ، هو تشبيه في براءته من الحج فقط؛ أي كما لو أحرم ثم شك: هل كان أحرم بإفراد أو بعمرة، وهو مراده بالتمتع؟. فإنه ينوي الحج ويبرأ منه فقط، ويأتي بالعمرة لاحتمال أن يكون أحرم أولا مفردًا. وقوله: ولغا عمرة، قال الدردير: لغا - بفتح اللام والغين المعجمة كرمى - فعل لازم بمعنى بطل، وعمرة فاعله. أي وبطلت عمرة أردفت عليه - أي على الحج - لضعفها وقوته. ثم شبه في البطلان بقوله: كالثاني في حجتين أو عمرتين؛ لأن الثاني حاصل بالأول، وأما لو أردف الحج على العمرة لصح؛ لقوته ووضعفها. وقوله: ورفضه، أي ولغا رفضه - أي رفض الإِحرام بالحج أو بالعمرة - بعد الفراغ أو في الأثناء، فيجب إتمامه صحيحًا، بنية متعلقة به، ولا يلزمه هدي بذلك الرفض. =

стр. 557

وَنُدِبَ إِفْرَادٌ (١) ثُمَّ قِرَانٌ (٢). بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا، أَو يُرْدِفُهِ بِطَوَافِهَا - إِنْ صَحَّتْ - وَكَمَّلَهُ وَلَا يَسْعَى وَتَنْدَرِجُ. وَكُرِهَ قَبْلَ الرُكُوعِ لَا بَعْدَهُ. وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ = وقوله: وفي كإِحرام زيد تردد، لا محل لهذا التردد لما ثبت في صحيح البخاري من إهلال علي وأبي موسى ﵄ حين قدما من اليمن، بما أهل به رسول الله ﷺ وأقرهما رسول الله ﷺ على ذلك، وأمر عليًا ﵁ بصرف إحرامه إلى حج لسوقه الهدي، وأمر أبا موسى بصرفه إحرامه لعمرة؛ لأنه لم يسق هديًا. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: ونُدِبَ إِفْرَادٌ، أي وندب الإِحرام بحج مفرد؛ لما ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله ﷺ بالحج، فأمَّا من أهل بعمرة فحلَّ، وأمَّا من أهل بالحج، أو جمع بين الحج والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك. وجاء في حديث جابر وهو يحدث عن حجة الوداع. قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا أتى البيداء، فنظرت مدَّ بصري من بين راكب وراجل؛ بين يديه وعن يمينه وعن شماله، ومن ورائه، كلهم يريد أن يأتم به، يلتمس أن يقول كما يقول رسول اللّه ﷺ لا ننوي إلا الحج، ولا نعرف غيره، فلما طفنا فكنا عند المروة قال: "أَيُّهَا النَّاسُ مَنَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيُ فَلْيَحْلِلْ، ولْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، ولو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أهْدَيْتُ". فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُن مَعَهُ هَدْيٌ. قال البغوي: هذا حديث صحيح. أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد في قصة حجة الوداع، وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ أفرد الحج. أخرجه الترمذي والدارقطني. وهو في مسلم من حديث يحيى بن أيوب، وعبد الله بن عون الهلالي، عن عباد بن عباد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج مفردًا. ا. هـ. الأرناؤوط. (٢) وقوله: ثم قران، أي ثم يلي الإِفراد في الفضل القران؛ لمشابهته الإِفراد في العمل. وقوله: بأن يحرم بهما، هو تفسير لصورة القران، وهو أن يحرم بالحج والعمرة معًا بنية =

стр. 558

وَحَرُمَ الْحَلْقُ وَأَهْدَى لِتَأخِيرِهِ، وَلَوْ فَعَلَهُ. ثُمَّ تَمَتَعَ بِانْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَإِنْ بِقِرَانٍ (١). = واحدة، وإذا كان ذلك بنيتين فذلك قوله: وقدمها أو يردفه، أي وقدم نيتها - أي العمرة - وجوبًا ليردف الحج عليها، أو يحرم بالعمرة وحدها ويردف الحج عليها، وقبل طوافها، أو أثناء طوافها قبل تمامه. ويشترط في الإرداف صحة العمرة، فإن فسدت لم يصح الإِرداف. وقوله: وكمله، يعني الطواف الذي أردف الحج أثناءه، وصلى ركعتين، ولا يسعى حينئذ للعمرة لاندراجها في الحج، ويؤخر السعي للإِفاضة، وتندرج العمرة في الحج أي يستغني بطوافه وسعيه وحلاقه عما وافق ذلك من عملها. وقوله: وكره قبل الركوع أي وكره الإِرداف بعد الطواف وقبل الركوع، ويصح إردافه إن وقع لا بعد الركوع. وقوله: وصح بعد سعي، أي وصح إحرامه بالحج بعد سعي العمرة، قبل أن يحلق وحينئذ وجب عليه الهدي؛ لتأخر الحلق عليه بموجب الإِحرام. (١) وقوله: ثم تَمَتُّعٌ بأن يحج بعدها وإن بقران، يعني ثم يلي القران في الفضل التمتع، وصورته أن يحرم بعمرة ويتممها في أشهر الحج، ثم يحج بعدها في عامه ذلك بإفراد أو بقران، فإن كان بقران صار متمتعًا قارنًا. وقال الدردير: وعليه هديان؛ هدي التمتع وهدي القران. قلت: ولعل الهدي لا يتكرر عليه هنا؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: إن تعدد السبب مع اتحاد الموجب، يكتفى فيه بموجب واحد. قال ميارة في تكميله: إن يتعدد سبب والموجب … متحدٌ كفى لهنَّ موجب ومعلوم أن هدي القارن لأنه أتى بعمرة في أشهر الحج وحج من عامه فهو هدي التمتع بعينه. والله تعالى أعلم وأحكم. وشرط وجوب دم القران ودم التمتع، هو عدم الإِقامة بمكة المكرمة وما في حكمها، مما هو في حدود حرم مكة والمعتبر في ذلك وقت فعلهما - أي الإحرام بالقران والعمرة - فلو قدم آفاقي بعمرة في أشهر الحج أو قارنًا ونيته السكنى بمكة المكرمة، ثم حج من عامه ذاك فعليه هدي التمتع؛ لأنه وقت إحرامه لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فالمقيم بمكة لا دم عليه. ودليل =

стр. 559

وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إِقَامَةٍ بِمَكَّةَ أوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا، وَإِنْ بِانْقِطَاع بِهَا، أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ لَا انْقَطعَ بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الإقَامَةَ. وَنُدِبَ لِذِي أهْلَيْنِ، وَهَلْ إلَّا أنْ يُقِيمَ بِأَحَدِهِمَا أكْثَرَ فَيُعْتَبرُ؟. تَأْوِيلَانِ. وحَجَّ مِنْ عَامه. وللْمُتَمَتِّعِ عَدَمُ عَوْدهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَلَوْ بِالحِجَاز، لا أقَلَّ، وَفعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا في وقْتِهِ. = وجوب دم التمتع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). وأما الدليل على أن دم التمتع ليس على أهل المسجد الحرام، وكذلك دم القران، فهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). قال البغوي: والعبرة بالمقام لا بالمولد والمنشإ، حتى أن المكي إذا كان مقيمًا بالعراق فخرج وتمتع، وجب عليه الدم، ولو أقام عراقي بمكة فلا دم عليه. ا. هـ. منه بتصرف قليل. وقوله في القارن: ولا يسعى، هو ما عليه جمهور العُلماء بأن القارن يكفيه سعي واحد وطواف واحد لحجه وعمرته. قال به مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات عنه. ودليله ما ثبت في صحيح مسلم قال: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وهب، حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ : "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ". الحديث، ففيه التصريح بأنها كانت محرمة أولًا، ومنعها الحيض من الطواف، فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، ومع ذلك قال لها ﷺ أنها يكفيها طواف لعمرتها وحجها. وفي حديث جابر في صفة حجة الوداع قال: ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول اللهُ ﷺ على عائشة فوجدها تبكي فقال: "مَا شَأْنُكِ"؟. قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحْلِلْ ولم أطُفْ بِالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال: "إِنَّ هذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلي ثُمَّ أهلِّي بِالْحَجِّ". ففعلت ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة. ثم قال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ جَميعًا". قالت يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججتُ. قال: "فَاذَهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرحْمنِ فَأعمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". وذلك ليلة الحصبة. وهذا الحديث =

стр. 560

وَفي شَرْطِ كَوْنهِمَا عَنْ وَاحِدٍ تَرَدُّدٌ. وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَأجْزَأَ قَبْلَهُ. ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا سَبْعًا بِالطُّهْرَيْنِ والسَّتْرِ (١). وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ، وَجَعْلِ صحيح. وهو دليل على أن القارن يكفيه طواف واحد بعد الوقوف بعرفة. يروى عن ابن عمر أنه أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إنا نخاف أن يصدوك. فقال: إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة. ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: أشهدكم أني قد أوجبت حجًا مع عمرتي. فطاف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا حتى حل منهما جميعًا. ا. هـ. البغوي. قال الأرناؤوط: أخرجه مالك في الموطإ جـ ١/ ص ٣٦٠ في الحج، باب ما جاء فيمن أحصر بعدو. وأخرجه البخاري جـ ٣/ ص ٣٩٥، ٣٩٦ في الحج، باب طواف القارن، وباب إذا أحصر المعتمر. إلى غير ذلك. ا. هـ. والقول بأن القارن يكتفي بطواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، هو قول عطاء، مجاهد، والحسن، وطاوس. وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: ثم الطواف لهما سبعًا بالطهرين والستر، دليل وجوب الطواف قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١). قال ابن الجزي الكلبي: المراد هنا طواف الإِفاضة عند جميع المفسرين؛ وهو الطواف الواجب. وكيف الطواف يبينه حديث ابن عمر المتفق عليه: عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة - أول ما يقدم - سعى ثلاثة، ومشى أربعًا ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة. ا. هـ. وأما اشتراط الطهارة في صحة الطواف، واشتراط ستر العورة، فمن ذلك حديث عائشة: إن أول شيء بدأ به رسول الله ﷺ حين قدم، أنه توضأ ثم طاف بالبيت. متفق عليه. وحديث أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يَطوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ". متفق عليه أيضًا. ومن =

стр. 561

الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ (١)، وخُروجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنِ الشَّاذَرْوانِ وسِتَّةِ أذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، ونَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ داخِلَ الْمَسْجِدِ، وِلَاءً، وابْتَدَأ إنْ قَطَعَ لِجَنَازَةٍ أوْ نَفَقَةٍ، أوْ نَسِيَ بَعْضَهُ، إنْ فَرَغَ سَعْيُهُ، وَقَطَعَهُ لِلْفريضَةِ. ونُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ، وَبَنَى إنْ رَعَفَ أوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ، وأعَادَ ركْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ، وعلى الأقَلِّ إنْ شَكَّ، وَجَازَ = ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنىً: "لا يَحُجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفُ بالبيت عُريان" الحديث. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. ومن ذلك أيضًا ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض؛ لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي". (١) وقوله: وجعل البيت عن يساره، دليله حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاسْتَلَمَهُ، ثم مَشَى عَنْ يَمينِه، فَرَمَل ثَلَاثًا، ومَشَى أَرْبَعًا، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم. وقوله: وخروج كل البدن عن الشاذروان، قال الحطاب: الشاذروان - بفتح الذال المعجمة وسكون الراء - هو بناء لطيف جدًّا ملصق بحائط الكعبة. قاله النووي. واعتمد المُصَنِّف فيه ما قاله صاحب الطراز وابن شاس ومن تبعهما؛ قال صاحب الطراز في شرح قوله في المدونة: وسئل عن ممر الطائف في الحجر فقال: قال مالك: ليس بطواف. ويلغيه ويبني على ما طاف. وهذا أبين لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعًا، فإذا سلك في طواف الحجر، أو على جداره، أو على شاذوران البيت لم يعتد بذلك. وهو قول الجمهور؛ لأنه لم يطف بجميع الكعبة. وقد حيز ذلك بالحواجز لاستكمال الطواف. وعند أبي حنيفة يجزئه. ا. هـ. قال: وهذا هو المعتمد عند الشافعية. وقد أنكر جماعة من العُلماء المتأخرين - من المالكية والشافعية - كون الشاذروان من البيت. منهم من المالكية العلامة الخطيب أبو عبد الله بن رشيد - بضم الراء وفتح الشين - ذكر ذلك في رحلته، وبالغ في إنكاره وقال: لا توجد هذه التسمية، ولا ذكر مسماها في حديث صحيح ولا سقيم، ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت. ولا لها ذكر عند =

стр. 562

بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلَّا أعَادَ وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ وَلَا دَمَ، وَوَجَبَ كالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ (١)، وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ. = الفقهاء المالكيين المتقدمين والمتأخرين، إلا ما وقع في جواهر ابن شاس، وتبعه ابن الحاجب. ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية. وأقدم من ذكره - فيما وقفت عليه - المزني. ووقع لها ذكر مقتطف في كتاب التصريح من شرح الصحيح للقاضي أبي بكر بن العربي، من غير تعرض لبيان حكم، وهو أقدم من ابن شاس، إلى أن قال: انعقد إجماع أهل العلم، قبل طرو هذا الاسم الفارسي، على أن البيت متمم على قواعد إبراهيم من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي ﷺ دون الآخرين. ا. هـ. محل الغرض منه باختصار. قلت: وحديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه قال: لم أرَ رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين - وهو متفق عليه - دليل على أن الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم، لم يبق من البيت من جهتهما شيء؛ لأن عبد الله بن عمر قال: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى - يعني رسول ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇. وهذا حديث في الموطإ، واتفق الشيخان عليه. فلو أن الشاذروان من قواعد إبراهيم قصرت النفقة عن إدخاله في البيت لما كان النبي ﷺ يستلم الركنين اليمانيين. وهو وجيه في نظري. والله أعلم وأحكم. (١) وقوله ووجب كالسعي قبل عرفة إن أحرم من الحل، ولم يراهق، ولم يردف بحرم، تقريره، ووجب الطواف على من دخل مكة المكرمة محرمًا بالحج مفردًا أو قارنًا، وليس حائضًا ولا نفساء ولا مجنونًا ولا مغمى عليه ولا ناسيًا. ويسمى هذا الطواف الواجب طواف القدوم، وشبه في الوجوب فقال: كالسعي، أي كما يجب تقديم السعي - الذي هو ركن - قبل وقوف عرفة؛ إن كان الإِحرام وقع بالحج وحده، أو مع العمرة من الحل، فإن كان أحرم بالحج وحده من الحرم لإقامته به، فلا يجب عليه طواف القدوم. ودليل وجوب طواف القدوم حديث متفق عليه، ولفظه عند البغوي: عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حجَّ النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أنه أول =

стр. 563

ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة؛ مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّةُ وَالْعَوْدُ أُخْرَى (١). = شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم حجّ أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره. ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟. ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم، من الطواف بالبيت ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان. وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها، والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى، وهذا الحديث أخرجه في الحج البخاري ومسلم. قلت: ويكفي منه دليلًا قوله: قد حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به - حين قدم - أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وذلك بضميمته إلى قوله ﷺ في حجة الوداع: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". وتواتر الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة من الأنصار والمهاجرين على فعل ذلك، دليل آخر على وجوب هذا الفعل. والله الموفق. وأما الدليل على أن من راهق لا طواف قدوم عليه، فهو ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان إذا دخل مكة مراهقًا، خرج إلى عرفة قبل أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يطوف بالبيت بعد أن يرجع. أخرجه مالك في الموطإ بلاغًا وقال بعده: وذلك واسع إن شاء الله. ورواه البغوي في شرح السنة. جـ ٦/ ص ١٠٣. والدليل على أن من أحرم بالحرم، لا طواف عليه بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع، هو ما رواه نافع أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى. أخرجه البغوي. قال في التعليق: أخرجه مالك في الحج. وإسناده صحيح. (١) وقوله: ثُمَّ السعي سبعًا الخ: هو معطوف على الإِحرام في قوله: وركنها الإِحرام؛ يعني =

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن الركن الثالث من الأركان التي تشترك فيها الحج والعمرة هي السعي، وهو آخر أركان العمرة. وصفته أن يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة، حالة كونه مؤديًا بينهما سبعة أشواط؛ يقف على هذه أربعًا وعلى هذه أربعًا. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). قال البغوي: قال الأزهري: الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام بها. والدليل من السنة فعل النبي ﷺ كما جاء في حديث جابر وفيه: ثم استلم الركن، ثم خرج فقال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ نَبْدَأ بِمَا بَدَأ اللهُ بِهِ". فأتى الصفا، ورقي عليه حتى بدا له البيت، ثم وحَّد الله وكبَّره، وقال: "لَا إِلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَريكَ لَه، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ". ثم مشى حَتَّى إذا انصبت قدماه، سعى حتى إذا أصعدت قدماهُ، مشى حتى أتى المروة، ففعل عليها كما فعل على الصفا حتى قضى طوافه. الحديث. وفي حديث أخرجه البغوي في السنة عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة قال: أخبرتني بنت أبي تِجْرَاةَ - إحدى نساء بني عبد الدار - قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حُسين، ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة؛ فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ". وإخرج البغوي أيضًا بسنده عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك، إليك. ا. هـ. والحاصل أنه بموجب هذه الأدلة الثابتة من فعله ﷺ وضميمة ذلك إلى قوله ﷺ : "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". ثبت وجوب الطواف بين الصفا والمروة في الحج والعمرة. وقال بعض أهل العلم: إنه ركن لا يتحلل المحرم بالحج ولا بالعمرة إلا به، وأنه لا يجبر بشيء. وهذا قول عائشة وابن عمر، وجابر، وبه قال الحسن، وإليه ذهب مالك والشافعي وإسحاق، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: على من تركه مِن دم. وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ =

стр. 565

وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ، وَنَوَى فَرْضِيتَهُ (١)، وَإِلَّا فَدَمٌ. وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرة حِرْمًا، وافْتَدَى لِحَلْقِهِ. وَإنْ أحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارِنٌ (٢)؛ = بِهِمَا﴾ (١). قالوا: ورفع الحرج يدل على الإِباحة لا على الوجوب. والله أعلم وأحكم. (١) وقوله: وصحته بتقدم طواف ونوى لرضيته، يعني أن شرط صحة السعي أن يتقدمه طواف. قال ابن عبد السلام: وذلك متفق عليه. قال ابن عرفة: والمذهب شرط كونه بعد طواف، فلو سعى من غير طواف لم يجزه ذلك السعي بلا خلاف. وقوله ونوى فرضيته وإلا فدم، يعني ويجب في الطواف الذي سعى بعده أن يكون فرضًا، فإن أوقع السعي بعد طواف ليس بفرض فعليه دم. قال المواق: من المدونة: لا يجزئ السعي إلا بعد طواف ينوي فرضه. قال أبو عمر: لا يجوز السعي بين الصفا والمروة إلا بنية لما قصد له من حج أو عمرة، ولا يجوز إلا بعد طواف الدخول، أو بعد طواف الإِفاضة، فإن لم يصل سعيه بأحد هذين الطوافين حتى أتى بلده أجزأه سعيه، وكان عليه دم. قلت: الخلاف في وجوب طواف القدوم وسنيته معروف بين أصحاب المذاهب، ولا خلاف بين هؤلاء أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يسعون بعد طواف القدوم، ولم ينقل إلينا أن أحدًا أهدى لسعيه بعد هذا الطواف - على فرض عدم وجوبه - فمن أين جاء اشتراط نية وجوب الطواف الذي يسبق السعي إذًا؟. الله تعالى أعلم بذلك. وهو العليم الحكيم. (٢) وقوله: ورجع إن لم يصح طواف عمرته حرامًا وافتدى لحلقه، قال المواق هنا: فيها: من طاف لعمرته على غير وضوء، فذكر بعد أن حل منها بمكة أو ببلده، فليرجع حرامًا كما كما كان، وهو بمثابة من لم يطف، فيطوف بالبيت ويرجع ويسعى ولا دم عليه إذا لم يطأ وإن كان قد حلق بعد طوافه افتدى. وقوله: وإن أحرم بعد سعيه بحج فقارن، يعني وإن أحرم هذا الذي لم يصح طواف عمرته، بعد سعيه الذي سعاه بعد ذلك الطواف الفاسد، وكان إحرامه بحج، فإنه يعتبر قارنًا؛ لأن طوافه الفاسد كالعدم. وإذا كان سعيه بعده كالعدم لأنه فقد شرط صحته - وهو صحة الطواف قبله - فلم يبق معه إلا مجرد الإحرام، والإرداف عليه صحيح. والله أعلم وأحكم.
следующие страницы →