← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ (١)، وخُروجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنِ الشَّاذَرْوانِ وسِتَّةِ أذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، ونَصَبَ الْمُقَبِّلُ قَامَتَهُ داخِلَ الْمَسْجِدِ، وِلَاءً، وابْتَدَأ إنْ قَطَعَ لِجَنَازَةٍ أوْ نَفَقَةٍ، أوْ نَسِيَ بَعْضَهُ، إنْ فَرَغَ سَعْيُهُ، وَقَطَعَهُ لِلْفريضَةِ. ونُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ، وَبَنَى إنْ رَعَفَ أوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ، وأعَادَ ركْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ، وعلى الأقَلِّ إنْ شَكَّ، وَجَازَ = ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنىً: "لا يَحُجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوفُ بالبيت عُريان" الحديث. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه. ومن ذلك أيضًا ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض؛ لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي". (١) وقوله: وجعل البيت عن يساره، دليله حديث جابر أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاسْتَلَمَهُ، ثم مَشَى عَنْ يَمينِه، فَرَمَل ثَلَاثًا، ومَشَى أَرْبَعًا، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم. وقوله: وخروج كل البدن عن الشاذروان، قال الحطاب: الشاذروان - بفتح الذال المعجمة وسكون الراء - هو بناء لطيف جدًّا ملصق بحائط الكعبة. قاله النووي. واعتمد المُصَنِّف فيه ما قاله صاحب الطراز وابن شاس ومن تبعهما؛ قال صاحب الطراز في شرح قوله في المدونة: وسئل عن ممر الطائف في الحجر فقال: قال مالك: ليس بطواف. ويلغيه ويبني على ما طاف. وهذا أبين لأن الطواف إنما شرع بجميع البيت إجماعًا، فإذا سلك في طواف الحجر، أو على جداره، أو على شاذوران البيت لم يعتد بذلك. وهو قول الجمهور؛ لأنه لم يطف بجميع الكعبة. وقد حيز ذلك بالحواجز لاستكمال الطواف. وعند أبي حنيفة يجزئه. ا. هـ. قال: وهذا هو المعتمد عند الشافعية. وقد أنكر جماعة من العُلماء المتأخرين - من المالكية والشافعية - كون الشاذروان من البيت. منهم من المالكية العلامة الخطيب أبو عبد الله بن رشيد - بضم الراء وفتح الشين - ذكر ذلك في رحلته، وبالغ في إنكاره وقال: لا توجد هذه التسمية، ولا ذكر مسماها في حديث صحيح ولا سقيم، ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت. ولا لها ذكر عند =

стр. 562

بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلَّا أعَادَ وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ وَلَا دَمَ، وَوَجَبَ كالسَّعْي قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أحْرَمَ مِنَ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ (١)، وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الإِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ. = الفقهاء المالكيين المتقدمين والمتأخرين، إلا ما وقع في جواهر ابن شاس، وتبعه ابن الحاجب. ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية. وأقدم من ذكره - فيما وقفت عليه - المزني. ووقع لها ذكر مقتطف في كتاب التصريح من شرح الصحيح للقاضي أبي بكر بن العربي، من غير تعرض لبيان حكم، وهو أقدم من ابن شاس، إلى أن قال: انعقد إجماع أهل العلم، قبل طرو هذا الاسم الفارسي، على أن البيت متمم على قواعد إبراهيم من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي ﷺ دون الآخرين. ا. هـ. محل الغرض منه باختصار. قلت: وحديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه قال: لم أرَ رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين - وهو متفق عليه - دليل على أن الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم، لم يبق من البيت من جهتهما شيء؛ لأن عبد الله بن عمر قال: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ما أرى - يعني رسول ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇. وهذا حديث في الموطإ، واتفق الشيخان عليه. فلو أن الشاذروان من قواعد إبراهيم قصرت النفقة عن إدخاله في البيت لما كان النبي ﷺ يستلم الركنين اليمانيين. وهو وجيه في نظري. والله أعلم وأحكم. (١) وقوله ووجب كالسعي قبل عرفة إن أحرم من الحل، ولم يراهق، ولم يردف بحرم، تقريره، ووجب الطواف على من دخل مكة المكرمة محرمًا بالحج مفردًا أو قارنًا، وليس حائضًا ولا نفساء ولا مجنونًا ولا مغمى عليه ولا ناسيًا. ويسمى هذا الطواف الواجب طواف القدوم، وشبه في الوجوب فقال: كالسعي، أي كما يجب تقديم السعي - الذي هو ركن - قبل وقوف عرفة؛ إن كان الإِحرام وقع بالحج وحده، أو مع العمرة من الحل، فإن كان أحرم بالحج وحده من الحرم لإقامته به، فلا يجب عليه طواف القدوم. ودليل وجوب طواف القدوم حديث متفق عليه، ولفظه عند البغوي: عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حجَّ النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أنه أول =

стр. 563

ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة؛ مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّةُ وَالْعَوْدُ أُخْرَى (١). = شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم حجّ أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم معاوية وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره. ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره. ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه؟. ولا أحد ممن مضى ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم، من الطواف بالبيت ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان. وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها، والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى، وهذا الحديث أخرجه في الحج البخاري ومسلم. قلت: ويكفي منه دليلًا قوله: قد حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به - حين قدم - أنه توضأ ثم طاف بالبيت. وذلك بضميمته إلى قوله ﷺ في حجة الوداع: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". وتواتر الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة من الأنصار والمهاجرين على فعل ذلك، دليل آخر على وجوب هذا الفعل. والله الموفق. وأما الدليل على أن من راهق لا طواف قدوم عليه، فهو ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان إذا دخل مكة مراهقًا، خرج إلى عرفة قبل أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يطوف بالبيت بعد أن يرجع. أخرجه مالك في الموطإ بلاغًا وقال بعده: وذلك واسع إن شاء الله. ورواه البغوي في شرح السنة. جـ ٦/ ص ١٠٣. والدليل على أن من أحرم بالحرم، لا طواف عليه بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع، هو ما رواه نافع أن ابن عمر كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى. أخرجه البغوي. قال في التعليق: أخرجه مالك في الحج. وإسناده صحيح. (١) وقوله: ثُمَّ السعي سبعًا الخ: هو معطوف على الإِحرام في قوله: وركنها الإِحرام؛ يعني =

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن الركن الثالث من الأركان التي تشترك فيها الحج والعمرة هي السعي، وهو آخر أركان العمرة. وصفته أن يبدأ من الصفا وينتهي بالمروة، حالة كونه مؤديًا بينهما سبعة أشواط؛ يقف على هذه أربعًا وعلى هذه أربعًا. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). قال البغوي: قال الأزهري: الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام بها. والدليل من السنة فعل النبي ﷺ كما جاء في حديث جابر وفيه: ثم استلم الركن، ثم خرج فقال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ نَبْدَأ بِمَا بَدَأ اللهُ بِهِ". فأتى الصفا، ورقي عليه حتى بدا له البيت، ثم وحَّد الله وكبَّره، وقال: "لَا إِلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَريكَ لَه، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ". ثم مشى حَتَّى إذا انصبت قدماه، سعى حتى إذا أصعدت قدماهُ، مشى حتى أتى المروة، ففعل عليها كما فعل على الصفا حتى قضى طوافه. الحديث. وفي حديث أخرجه البغوي في السنة عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة قال: أخبرتني بنت أبي تِجْرَاةَ - إحدى نساء بني عبد الدار - قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حُسين، ننظر إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة؛ فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه. وسمعته يقول: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ". وإخرج البغوي أيضًا بسنده عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك، إليك. ا. هـ. والحاصل أنه بموجب هذه الأدلة الثابتة من فعله ﷺ وضميمة ذلك إلى قوله ﷺ : "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". ثبت وجوب الطواف بين الصفا والمروة في الحج والعمرة. وقال بعض أهل العلم: إنه ركن لا يتحلل المحرم بالحج ولا بالعمرة إلا به، وأنه لا يجبر بشيء. وهذا قول عائشة وابن عمر، وجابر، وبه قال الحسن، وإليه ذهب مالك والشافعي وإسحاق، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: على من تركه مِن دم. وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ =

стр. 565

وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ، وَنَوَى فَرْضِيتَهُ (١)، وَإِلَّا فَدَمٌ. وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرة حِرْمًا، وافْتَدَى لِحَلْقِهِ. وَإنْ أحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ فَقَارِنٌ (٢)؛ = بِهِمَا﴾ (١). قالوا: ورفع الحرج يدل على الإِباحة لا على الوجوب. والله أعلم وأحكم. (١) وقوله: وصحته بتقدم طواف ونوى لرضيته، يعني أن شرط صحة السعي أن يتقدمه طواف. قال ابن عبد السلام: وذلك متفق عليه. قال ابن عرفة: والمذهب شرط كونه بعد طواف، فلو سعى من غير طواف لم يجزه ذلك السعي بلا خلاف. وقوله ونوى فرضيته وإلا فدم، يعني ويجب في الطواف الذي سعى بعده أن يكون فرضًا، فإن أوقع السعي بعد طواف ليس بفرض فعليه دم. قال المواق: من المدونة: لا يجزئ السعي إلا بعد طواف ينوي فرضه. قال أبو عمر: لا يجوز السعي بين الصفا والمروة إلا بنية لما قصد له من حج أو عمرة، ولا يجوز إلا بعد طواف الدخول، أو بعد طواف الإِفاضة، فإن لم يصل سعيه بأحد هذين الطوافين حتى أتى بلده أجزأه سعيه، وكان عليه دم. قلت: الخلاف في وجوب طواف القدوم وسنيته معروف بين أصحاب المذاهب، ولا خلاف بين هؤلاء أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يسعون بعد طواف القدوم، ولم ينقل إلينا أن أحدًا أهدى لسعيه بعد هذا الطواف - على فرض عدم وجوبه - فمن أين جاء اشتراط نية وجوب الطواف الذي يسبق السعي إذًا؟. الله تعالى أعلم بذلك. وهو العليم الحكيم. (٢) وقوله: ورجع إن لم يصح طواف عمرته حرامًا وافتدى لحلقه، قال المواق هنا: فيها: من طاف لعمرته على غير وضوء، فذكر بعد أن حل منها بمكة أو ببلده، فليرجع حرامًا كما كما كان، وهو بمثابة من لم يطف، فيطوف بالبيت ويرجع ويسعى ولا دم عليه إذا لم يطأ وإن كان قد حلق بعد طوافه افتدى. وقوله: وإن أحرم بعد سعيه بحج فقارن، يعني وإن أحرم هذا الذي لم يصح طواف عمرته، بعد سعيه الذي سعاه بعد ذلك الطواف الفاسد، وكان إحرامه بحج، فإنه يعتبر قارنًا؛ لأن طوافه الفاسد كالعدم. وإذا كان سعيه بعده كالعدم لأنه فقد شرط صحته - وهو صحة الطواف قبله - فلم يبق معه إلا مجرد الإحرام، والإرداف عليه صحيح. والله أعلم وأحكم.

стр. 566

كَطَوَافِ الْقُدُومِ إنْ سَعَى بَعْدَهُ واقْتَصَرَ (١) والْإِفَاضَةِ إِلَّا أنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ (٢). وَلَا دَمَ (٣)، حَلَالًا إِلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ (٤). (١) وقوله: كطواف القدوم إن سعى بعده واقتصر، يعني أن من طاف للقدوم، ولم يصح طوافه لفقد شرط من شروطه؛ فإنه يرجع لذلك إن كان أوقع السعي بعده، واقتصر على ذلك السعي، وهو في الحقيقة إنما يرجع للسعي. وقوله: واقتصر، احترز به مما لو ذكر أن طواف قدومه لم يصح، فأعاد السعي بعد طواف الإفاضة، فلا شيء عليه، ولا يلزمه دم لترك طواف القدوم، لأنه لم يتعمد تركه. قاله في المدونة. ويدخل فيه أيضًا ما لو أعاد السعي بعد إفاضته مع عدم علمه ببطلان طواف القدوم ثم علم بذلك، فإن ابن يونس نقل عن بعض شيرخه أنه يجزئه. قال: وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه؛ لأن السعي لا يكون إلا في حج أو عمرة. قال ابن يونس: والذي أراه أنه يجزئه؛ لأنه كان عليه أن يأتي به فقد أتى به، وإنما عدم النية فيه. انتهى. من الحطاب. (٢) وقوله: والإِفاضة، إلا أن يتطوع بعده، يعني أن من طاف للإِفاضة، ثم تبين له أن طوافه غير صحيح، لفقد شرط من شروطه، فإنه يرجع لذلك من بلده، إلا أن يكون طاف بعد طواف الإِفاضة طوافًا صحيحًا تطوعًا أو لوداع، فإنه لا يرجع حينئذ لطواف الإِفاضة، ويجزئه ما طافه تطوعًا من طواف الإفاضة. قال في المدونة: ومن طاف للإِفاضة على وضوء، رجع لذلك من بلده فيطوف للإِفاضة، إلا أن يكون قد طاف بعد ذلك تطوعًا، فيجزئه عن طواف الإِفاضة. انتهى من الحطاب. (٣) وقوله: ولا دم، راجع لقوله: ورجع إن لم يصح طواف عمرة حرامًا، ولقوله: كطواف القدوم إن سعى بعده واقتصر. ولقوله: والإِفاضة. هكذا قاله الدسوقي والذي يقتضيه ما شرح عليه الدردير أن قوله: ولا دم، راجع لقوله: إلَّا أن يتطوع بعده، أي فإن تطوع بعده أجزأه، ولا دم عليه لما تركه من النية، لأن هذا التطوع في الحقيقة هو طواف الإفاضة، فلا يلزمه دم لملاحظة كونه. ا. هـ. الدسوقي. (٤) وقوله: حلَالًا إلا مِن نساء، هو حال من فاعل يرجع المقدر بعد الكاف، أي يرجع حلالًا من ممنوعات الإحرام؛ لأن كلًا منهما حصل له التحلل الأول برمي جمرة العقبة، فيكمل ما =

стр. 567

وَاعْتَمَرَ، وَالأكْثَرُ إِنْ وَطِئَ (١)، وللْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ، أوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوالِ، أوْ أخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ، لَا الْجَاهِلُ، = عليه بإحرامه الأول، ولا يجدد إحرامًا لأنه باق على إحرامه الأول فيما بقي عليه. فالذي لم يصح طواف قدومه، يعيد طواف الإِفاضة ثم يسعى، والذي لم يصح طواف إفاضته يعيد الإِفاضة، ولا يحلق واحد منهما لأنه حلق بمنى، ولا يلبي حال رجوعه لأن التلبية قد انقضت. ا. هـ. الدردير. وقوله: إلا من نساء وصيد، أي لأنهما لا يحلان إلا بالتحلل الأكبر، الذي لا يقع إلا بعد الإِفاضة والسعي، والإِفاضة باقية عليه. وقوله: وكره الطيب، استدل المانعون من الطيب بعد الرمي، بما أخرجه الحاكم عن ابن الزبير أنه قال: إذا رمى الجمرة الكبرى، حل له كل شيء حرم عليه إِلَّا النساء والطيب. حتى يزور البيت. وقال إن ذلك من سنة الحج. ا. هـ. واحتجوا أيضًا بما أخرجه النسائي عن ابن عمر أنه قال: إذا رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذين الأثرين لا يصلحان لمعارضة أحاديث الباب. يريد بذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كنت أطيّب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك. متفق عليه. وللنسائي: طيب رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم، ولحله بعد ما رمى جممهة العقبة، قبل أن يطوف بالبيت. ولأحمد: وعن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ". فقال رجل: والطيب. فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول اللّه ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟. ا. هـ. قال الشوكاني: حديث ابن عباس رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، من حديث الحسن العرني عنه، قال في البدر المنير: إسناده حسن. كما قاله المنذري. ا. هـ. منه. (١) وقوله: واعتمر، والأكثر إن وطئ، يعني إن لم يصح طواف قدومه أو إفاضته، ورجع حلالًا وأكمل ما كليه، فإنه يطلب من بعد ذلك الإِتيان بعمرة، سواء حصل منه وطء قبل إكماله أم لا. وإن الأكثر من العُلماء قال: إنه يعتمر إن كان وطئ قبل إكمال ما عليه، فإن لم يكن وطئ فلا عمرة عليه. قال الحطاب: ومن هذا الأكثر الذي يقول: لا عمرة عليه، سعيد بن المسيب، =

стр. 568

كَبَطْنِ عُرْنَةَ، وَأَجْزأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ، وَصَلَّى وَلو فَاتَ (١). = والقاسم بن محمد، وعطاء. قال: وقال أبو إسحاق: والأشبه ما قال جل الناس: أنه لا عمرة عليه، وإنما روى مالك ذلك عن ربيعة، وحكى عن ابن عباس، ولابن عباس خلافه؛ أنه ينحر بدنة. وقال ابن المسيب والقاسم وعطاء: ليس عليه إلا نحر بدنة. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وللحج، حضور جزء عرفة ساعة ليلة النحر، هذا هو الركن الرابع بالنسبة إلى الحج خاصة دون العمرة، وهو الوقوف بعرفة، أي الاستقرار بقدر الطمأنينة في أي جزء من أجزائها، والوقوف في المكان الذي وقف فيه رسول الله ﷺ أفضل، وذلك عند الصخرات العظام المفروشة في أسفل جبل الرحمة. ودليل وجوب الوقوف بعرفة من القرآن العظيم هو قوله تعالى في البقرة: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١). وروت عائشة ﵂ في سبب نزول هذه الآية قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون بالحُمْسِ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام، أمر الله نبيه ﵇ أن يأتي عرفات ثم يقفَ بها، ثم يفيضَ منها، وذلك قوله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وهذا الحديث متفق عليه. أخرجه البخاري في التفسير وفي الحج. وأخرجه مسلم في الحج. وقوله: جزء عرفة، دليله قوله ﷺ : "وَقَفْتُ هَا هُنَا وعَرَفةُ كُلُهَا مَوْقِفٌ". أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁. وقوله: ساعة ليلة النحر، هو في تحديد وقت الوقوف، الذي هو ركن، ودليله فعل النبي ﷺ وقوله؛ أما فعله فقد ثبت في حديث جابر عند مسلم أن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غابت الشمس. وأما قوله: فهو ما رواه ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ". بهذا اللفظ أخرجه ابن قدامة في المغني. وفي الموطإ عن مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة - قبل أن يطلع الفجر - فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة - من =

стр. 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قبل أن يطلع الفجر - فقد أدرك الحج. وفيه أيضًا: عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: من أدركه الفجر من ليلة المزدلفة، ولم يقف بعرفة، فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة، قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج. ومعلوم أن هذا مما لا مجال للرأي فيه، وإذًا فإن له حكم الرفع. وبالله تعالى التوفيق. وقوله: ولو مرّ، قال المواق هنا: قال ابن القاسم: من مر بعرفة مارًا بعد دفع الإِمام ولم يقف بها، أجزأه إن نوى بمروره وقفًا. قال ابن المواز: ولو كان وقوفه بها وهو لا يعرفها لم يجزه. من ابن يونس. قلت: ولعل حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي، يرد على ابن المواز، فيما عزاه لابن يونس لأن في لفظه: أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟. فهذا اللفظ ظاهر في كونه لا يعرف عرفة، ويسأل: هل إن وقف بها بالصدفة في وقت الوقوف، يكون مجزيًا عنه في حجه؟. ومعلوم أن رسول الله ﷺ قال له: "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِه، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ". رواه أصحاب السنن الأربعة، وأحمد. وهو حجة من قال أن نهار يوم عرفة وقت للوقوف. والله تعالى أعلم وأحكم. وقوله: أو أخطأ الجم بعاشر فقط، يريد - والله تعالى أعلم - أنه إذا أخطأ جميع أهل الموقف، فوقفوا بعاشر ذي الحجة في نفس الأمر ظانين أنه التاسع، وتبين بعد ذلك أنه العاشر، فإنه يجزئهم، ومحل الإِجزاء إن كان الخطأ واقعًا من الجميع، وكان الوقوف واقعًا بالعاشر فقط، لا بالثامن ولا بالحادي عشر. قلت: والله تعالى أعلم، إن هذا اجتهاد في محل النص، مقدوح فيه بالقادح المعروف بفساد الاعتبار، الذي تقدمت الإِشارة إليه في كتابنا هذا المبارك عدة مرات. وإن مراقي السعود عقده بقوله: والخلفُ للنص أو اجماع دعا … فساد الاعتبار كلُّ من وعى يتحصل أنه ورد النص من رسول الله ﷺ أنه إذا أخطأ الناس العدد؛ فوقفوا في غير ليلة عرفة =

стр. 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أجزأهم ذلك. لما روى الدَّارقُطْنِي بإسناده عن عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعَرِّفُ فِيهِ النَّاسُ". وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: "فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ". رواه الدار قطني. انتهى من مغنى ابن قدامة. قال في تحفة الأشراف: حديث: الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، رواه النسائي في الصوم عن محمد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن المنذر، عن إسحاق بن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأحنسي عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وقال: حسن غريب. ا. هـ. منه. وقد تقدم كلامي على هذا الموضوع عند قول المُصَنِّف: فإن لم ير بعد ثلاثين صحوًا كذبا، وذلك في الصوم، وبينت هناك أن هذا الحديث أخرجه البغوي وقال،: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وهذه المسألة مما يكثر في البلاد التي دأبت على الفوضى، ولم تكن فيها حكومات تعتني بالشعائر الإِسلامية وإظهارها؛ مثل الحكومات التي هي وليدات الإِستعمار، وإنه لمن المؤسف جدًّا أن ترى البلد الواحد، بل القرية، بل العائلة الواحدة، بعضها يقيم شعائر العيد، وبجنبه من هو صائم لا يعتبر ما أفطرت به جماعة الناس، وما ذلك في نظري إلا نتيجة جهله وإعجابه بنفسه، اللذان يؤولان به إلى شق عصا المسلمين، وإلى ارتكاب كبيرة صوم يوم العيد، المنهي عنها شرعًا على لسان رسول الله ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾. (١) الآية. وقوله: كبطن عرنة، هو تشبيه في عدم الإِجزاء، أي كما لايجزئ الوقوف ببطن عرنة - بضم العين المهملة وفتح الراء والنون، واد بين العلمين اللذين على طرف الحرم، واللذين على طرف عرفة - فليس هو من الحرم ولا من عرفة، ولا يجزئ الوقوف به. قال شعيب في تعليقه على شرح السنة للبغوي: قال ابن عبد البر فيما نقله عنه ابن قدامة في المغني: أجمع العُلماء على أن من وقف به لا يجزئه. وحكي عن مالك أنه يهريق دما وحجه تام. ا. هـ. وقال البغوي: واختلفوا فيمن وقف ببطن عرنة؛ فقال الشافعي: لا يجزئ حجه. =

стр. 571

والسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ، وَلَا دَمَ، ونُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفيِّ وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائضٍ مَكَّةَ بِطُوَى وللْوُقُوفِ (١)، وَلُبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ ونَعْلَيْنِ (٢)، وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ ثُمَّ إشْعَارُه (٣). ثُمَّ رَكْعَتان، والْفَرْضُ مُجْزٍ (٤). = وقال مالك: حجه صحيح وعليه دم. ا. هـ. قال: الذي به الفتوى عند أصحابنا هو عدم إجزاء الوقوف به. فهذا خليل يقول في مختصره: كبطن عرنة، مشبهًا في عدم الإِجزاء. وفي الموطإ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرنَةَ". الحديث. وعن مالك، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول: اعلموا أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة. الحديث، ولا أعلم أن لمالك مؤلفًا في متناول أيدي الناس اليوم إلا الموطإ. ولعل هذه النسبة إليه أنه يقول بصحة حج من وقف بعُرنَةَ، شبيهة بمسألة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، مع الفارق الذي يظهر في كون خليل نصر السدل في مختصره، وصرح بعدم إجزاء الوقوف بعرنة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهو حسبنا ونعم الوكيل. وقوله: وأجزأ بمسجدها بكره، يعني أنه يجزئ الوقوف بمسجد عرفة. والهاء في مسجدها راجع إلى عرنة، نسبة إليها لقربه منها؛ لأن حائطه القبلي - الذي يلي جهة الحرم - لو سقط لسقط في بطن عرنة. ومعلوم أن الإِضافة تقع بأدنى سبب، وإلا فهو من عرفة. وكرهوا الوقوف به لشدة قربه من عرنة. وباللّه تعالى التوفيق. (١) وقوله: والسنة غسل متصل، يريد به - والله أعلم - أن السنة لمن أراد الإِحرام بحج أو عمرة أن يغتسل غسلًا متصلًا بالإِحرام، ويغتفر الفصل اليسير كإصلاح المتاع مثلًا. ويستوي في ذلك الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والحائض والنفساء. وقال: ولا دم، مبينًا به أن من ترك الغسل ولو عمدًا، لا شيء عليه. روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ تجرَّد لإِهلاله واغتسل. ذكره البغوي في شرح السنة. وقال شعيب في التعليق: أخرجه الترمذي في الحج وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي الموطإ عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة ولوقوفه عشية بعرفة. =

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ودليل استحباب الغسل للمحرمة النفساء ونحوها، حديث جابر عند مسلم في حجة النبي ﷺ قال: فلما كنا بذي الحليفة، ولدت أسماء بنت عميس، فأمرها النبي ﷺ بالغسل والإِحرام. وفي الموطإ عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول اللهُ ﷺ فقال: "مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتُهِلَّ". قال البغوي: الغسل للإحرام مستحب؛ لأن النبي ﷺ أمر أسماء بالغسل في حال نفاسها، مع أن الغسل لا يبيح لها شيئًا حرمه النفاس عليها، فالطاهر به أولى. وكذلك الحائض يستحب لها الغسل للإحرام. قلت: محل ذلك ما لم تخشيا ضررًا به؛ مثل أن يسبب لهما استعمال الماء نزيفًا ونحو ذلك، وقد يقع. والله تعالى أعلم وأحكم. وقوله: وندب بالمدينة للحليفي، يريد به - والله أعلم - أن من أراد أن يحرم بحج أو عمرة من ذي الحليفة، ندب له أن يتجرد من المخيط، ويغتسل بالمدينة المنورة؛ وذلك اقتداءً بفعله ﷺ فإذا وصل ذا الحليفة صلى ركعتي الإِحرام وأحرم. وقوله: ولدخول غير حائض مكة بذي طوى وللوقوف، يريد - والله أعلم - أنه يندب بالغسل لكل من أراد دخول مكة بإحرام، ولا يدخل في ذلك الحائض ولا النفساء؛ لأن الغسل هنا في الحقيقة للطواف وهم ليستا من أهله، وندب أن يكون الغسل لدخول مكة من ذي طوى. ويندب الغسل أيضًا للوقوف بعرفة، قالوا: ولو حائض ونفساء. ووقته بعد الزوال. وقد تقدم من دليل ذلك الأثر الذي أخرجه في الموطإ عن ابن عمر أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، وللوقوف عشية عرفة. (٢) وقوله: ولبس إزار ورداء ونعلين، يريد به - والله أعلم - أن خصوصية هذه الهيئة من إزار رداء ونعلين مستحبة؛ لأنها فعل رسول الله ﷺ ، ولو لبس غير ذلك أجزأه؛ كما لو التحف برداء أو بكساء. أما التجرد من المخيط، فلا ينبغي عده من المستحبات؛ لأنه من واجبات الإِحرام التي يأثم فاعلها بدون عذر والتي تجبر بالدم، وهو يجب عند إرادة الإحرام قبل الإحرام؛ لأن المحرم ممنوع من لبس المخيط. =

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تنبيه: يجوز لبس النعال كيفما كان بدون حرج، وذلك لما أجاز ﷺ لمن لم يجد النعلين إن يلبس الخفين، وأن يقطعهما أسفل من الكعبين. علمنا أنه ليس شيء من النعل المتعارف يبلغ مبلغ الخف المقطوع من أسفل الكعبين، في تغطية القدم. والله تعالى أعلم وأحكم. (٣) وقوله: وتقليد هدي وإشعاره، يريد به - والله أعلم - أنه يسن لمن أراد الإِحرام وكان معه هدي، أن يقلده بعد غسله وتجرده من المخيط وقبل الإِحرام، وقد تبع في ذلك مذهب المدونة، ولمالك في المبسوط أن الركوع مقدم على التقليد والإِشعار. والهدي مستحب، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). والهدي - بتخفيف الدال، والهدي بكسرها وتشديد الياء - هو ما يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها. الواحدة: هدْيةٌ - بسكون الدال - وهدِيَّة - بكسر الدال وتشديد الياء - قال البغوي: أهل الحجاز يخففون الهدي، وتميم يثقلون الياء، وفي الصحيحين من حديث مجاهد عن أبي ليلى أن عليًّا حدثه قال: أهدى النبي ﷺ مائة بدنة، فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها. فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها. وزاد عبد الكريم بن الجزري في روايته عن مجاهد: وأمرني أن لا أعطي الجزار منها. قال: نحن نعطيه من عندنا. قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة عن عبد الكريم بن الجزري. وقال شعيب: أخرجه البخاري في الحج في مواضع، وأخرجه مسلم في الحج، باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها. (٤) وقوله: ثم ركعتان والفرض مجز، قال المواق هنا: من أتى الميقات فليحرم أي وقت شاء، ولا يحرم إلا بأثر صلاة نافلة، أو بأثر فريضة كان بعد نافلة أم لا، وأحب إليَّ أن يحرم إثر النافلة. وقال ابن قدامة: المستحب أن يحرم عقيب صلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا وأحرم عقيبها. استحب ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، ا. هـ. منه.

стр. 574

فَيُحْرِمُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى (١)، وتَلْبِيَة، وَجُدَّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ (٢)، وَخَلْفَ صَلَاةٍ. وَهَلْ لِمَكَّةَ أو لِلطَّوَافِ خِلَافٌ، وَإنْ تُرِكَتْ أوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ، وَتَوسُّطٌ فِي عُلُوَّ صَوْتِهِ وَفِيهَا. (١) وقوله: فيحرم الراكب إذا استوى، والماشي إذا مشى، هو لتبيين الوقت الذي يحرم فيه، ندبًا بعد فعل ما تقدم. فقال: يحرم الراكب إذا استوى على ظهر دابته، ولا يتوقف ذلك على سيرها. ويحرم الماشي إذا استوى ماشيًا، ولا ينتظر الخروج إلى البيداء، وقد روي عن الإِمام أحمد: أن الإِحرام عقيب الصلاة، وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير؛ كل ذلك سواء لأن الجميع قد روي عن النبيِّ ﷺ من طرق صحيحة. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: أيُّما أحب إليك؟. الإِحرام في دبر الصلاة، أو إذا استوت به راحلته؟. فقال: كل ذلك قد جاء: في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به راحلته. فوسَّع في ذلك كله. قال ابن عباس: ركب النبي ﷺ راحلته حتى إذا استوت على البيداء أهلَّ هو وأصحابه. وقال أنس: لما ركب راحلته واستوت به أهلَّ. وقال ابن عمر: أهلَّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة. رواهن البخاري. والْأوْلى الإحرام عقيب الصلاة لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلالَ رسول اللهُ ﷺ فقال: أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته، ثم خرج، فلما ركب رسول اللهُ ﷺ راحلته واستوت به قائمة أهلَّ، فأدرك ذلك منه قوم. فقالوا: أهل حين استوت به الراحلة؛ وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا البيداء، فأهَلَّ، فأدرك ذلك قوم فقالوا: أهل حين علا البيداء. رواه أبو داود، والأثرم واللفظ للأثرم. ا. هـ. من مغني ابن قدامة. قلت: وهذا بيان وجيه جدًّا يمكن به الجمع بين الروايات المختلفة في ظاهرها فيتعين حمل الأمر عليه. وهو على سبيل الاستحباب، وكيف ما أحرم جاز، لا نعلم أحدًا يخالف في ذلك. (٢) وقوله: وتلبية، وجددت لتغيير حال وخلف صلاة، أي واتصال تلبية بالإحرام، ويستحب تجديدها لتغير حال؛ كقيام وقعود، وصعود وهبوط، وركوب وملاقاة رفاق، وعقيب صلاة ولو نافلة، ويوهم عدها هنا مع السنن أنها في المذهب سنة، وليس الأمر كذلك، فهي عند =

стр. 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = أصحابنا واجب يجبر بدم. ولفظ تلبية رسول الله ﷺ كما روي عن عبد الله بن عمر هي: "لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ". وهذا الحديث متفق عليه. قال البغوي: قوله: لبيك اللهم لبيك، فيه أربعة أقوال: أحدها: إجابتي لك يا رب، وإقامتي معك. مأخوذ من: ألَبَّ بالمكان، إذا أقام به. ومعنى التثنية فيه أي إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة. كما يقال: حنانيك، أي رحمة بعد رحمة. والثاني: اتجاهي إليك وقصدي، من قولهم: داري تَلُبُّ دَارَ فلان أي تواجهها. والتثنية فيه للتأكيد. والثالث: محبتي لك. من قول العرب: امرأة لَبَّةٌ: إذا ما كانت محبة لولدها. والرابع: إخلاصي لك، من لب الطعام ولبابه، ثم قلبت الباء الثانية ياء طلبًا للخفة؛ كما قالوا: تظنيت. وأصلها تظننت. ا. هـ. منه. وقوله: وإن تركت أوله فدم إن طال، يريد - والله أعلم - وإن تركت التلبية أولًا أي بأن ترك اتصالها بالإحرام - عمدًا أو سهوًا - وجب الدم إن طال زمن الفصل بينها وبين وقت الإِحرام. وهذا يقضي أن اتصال التلبية بالإِحرام ليس سنة كما درج عليه المُصَنِّف أولًا، وإنما ذلك واجب؛ بدليل أنه يجبر بدم. والله أعلم. ودليل وجوب التلبية ووجوب إردافها على الإِحرام، فعل رسول اللّه ﷺ في حجته وقد قال: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". والأمر حقيقة في الوجوب. وقوله: وتوسط في علو صوته وفيها: يعني وندب توسط في رفع صوت الملبي بالتلبية، فلا يسرها ولا يبالغ في رفعه. وندب كذلك التوسط فيها - أي في التلبية - فلا يكثرها جدًّا حتى يملها، ولا يقللها؛ ففي الموطإ في الحج، باب رفع الصوت بالإِهلال، وفي شرح السنة، باب رفع الصوت بالتلبية، واللفظ له، عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمرَني أَنْ آمُرَ أصْحَابِيَ، أَوْ مَنْ مَعِيَ، أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيةِ، أَوْ بِالْإهْلَالِ". يريد أحدهما. قال البغوي: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ثم قال: ورفع الصوت بالإِهلال مشروع في المساجد وغيرها. وقال مالك: لا يرفع صوته بالإِهلال في =

стр. 576

وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ، وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ لِرَواحِ مُصَلّى عَرَفَةَ وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ (١)، وَمُعْتَمِرُ المِيقَاتِ وَفَائتِ الْحَجِّ لِلحَرَمِ، وَمنَ الجِعِرَّانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ، وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ وَلَمْ يُعِدْهُ، وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أوَّلَهُ. وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ (٢) وَللزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ ثُمَّ عُودٍ وَوُضِعَا على فِيهِ ثُمَّ كَبَّرَ. = مساجد الجماعات، ليسمع نفسه ومن يليه، إلا في المسجد الحرام، ومسجد منى فإنه يرفع صوته فيهما. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وعاودها بعد سعي وإن بالمسجد لرواح مصلى عرفة، يعني - والله أعلم - أن على الحاج أن يعاود التلبية بعد فراغه من السعي، وهذا إن كان مفردًا أو قارنًا، وإن كان الملبي بالمسجد الحرام. وعليه أن يداوم عليها حتى يروح أي يذهب من مصلى عرفة، أي حتى بعد الزوال. قلت: قد ورد الخبر في وقت انتهاء التلبية؛ فقد روى ابن المنذر، وسعيد بن منصور، عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي ﵃ أن الملبي يقطع التلبية، إذا راح إلى الموقف. وقيده مالك بزوال الشمس يوم عرفة. وهو قول الأوزاعي، والليث. وقال قوم: يستمر الحاج ملبيًا حتى يرمي جمرة العقبة. وحجتهم حديث الفضل بن العباس الصحيح قال: كنت رديف رسول الله ﷺ من جمع إلى منى، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ا. هـ. وروى عطاء عن ابن عباس قال يرفع الحديث: إنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر. رواه الترمذي وصححه. وروى أبو داود أيضًا عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَّتَى يَسْتَلِمَ الْحَجَر". وهذه أدلة ثابتة عن رسول الله ﷺ لا ينبغي العدول عنها إلى قول كائن من يكون، لأنه القدوة والأسوة الحسنة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (٢) وقوله: وللطواف المشي وإلا فدم لقادر لم يعده، هو شروع منه في تعداد سنن الطواف؛ فقال أن منها المشي لقادر عليه، وهو واجب، بدليل أن من طاف راكبًا، وتعذرت عليه الإعادة، عليه أن يجبر ذلك بدم. ومن سنن الطواف تقبيل الحجر الأسود في ابتداء الطواف، =

стр. 577

والدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ. وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأوَلِ وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبيًّا حُمِلَا، وللْزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ. = وكذا يسر استلام الركن اليماني، ويستحب في بقية الطواف فعل ذلك. فإذا زوحم الطائف عن تقبيل الحجر لمسه بيده أو بعصى، ويضع ما لمسه به على فمه من غير تقبيل، فإن تعذر اللمس باليد أو بالعود كبَّر من غير إشارة بيده. ومن سنن الطواف الدعاء بلا حد، والأولى أن يكون بالمأثور. ومن سنن الطواف - وهي مخصوصة بالقادم من الميقات بحج أو عمرة - الرمل للرجال دون النساء، في الأشواط الثلاثة الأول فقط. أما دليل الرمل؛ فهو حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة - أول ما يقدم - سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعًا. الحديث المتفق عليه. وحديث جابر عند مسلم: رأيت رسول الله ﷺ يرمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف. ا. هـ. وأما دليل استلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود، فهو حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه قال: لم أرَ رسول الله يمسح من البيت إلا الركنين اليمانيين. متفق عليه، وحديث الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة، قال: رأيت عمر بن الخطاب استقبل الحجر ثم قال: إني لأعلم أنك حجر، لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. ثم تقدم فقبله. قال البغوي: هذا حديث صحيح متفق عليه. أخرجه محمد عن محمد بن كثير عن سفيان، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية كلاهما عن الأعمش. ا. هـ. وأما دليل استحباب الدعاء في الطواف، هو ما رواه ابن جريج عن يحيى بن عبيد، مولى السائب، عن أبيه عن عبد الله بن السائب، أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". قال شعيب: هذا الحديث رواه أحمد ج ٣/ ص ٤١١. وأبو داود في المناسك، باب الدعاء بين الطواف. وعبد الرزاق. ا. هـ. منه. وأما دليل استلام الركن بعود، فهو الحديث الصحيح المتفق عليه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت على راحلته، واستلم الركن بمحجنه. وأما دليل الإِشارة إلى الحجر مع التكبير، إذا لم يتيسر استلامه ولو بعود، هو الحديث =

стр. 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الصحيح المروي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير، كلما أتى على الركن، أشار إليه بشيء في يده وكبَّر، قال البغوي: هذا حديث صحيح. وقال شعيب: هو في صحيح البخاري في الحج، باب المريض يطوف راكبًا. ا. هـ. أما القول بسنية الطواف ماشيًا للقادر على المشي، ولزوم الدم للقادر على المشي إذا طاف راكبًا ولم يعد طوافه، فهو بالاجتهاد. قالوا: لا يطوف راكبًا إلا المعذور. وأجابوا عما ورد من طوافه ﷺ راكبًا، بأنه لأجل أن يتبلغ الناس من رؤيته ليتعلموا منه ماسكهم، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم عن عبد بن حميد عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله ﷺ لا يُضربُ الناس بين يديه، فلما كثر عليه ذلك ركب، والمشي أفضل. ا. هـ. شرح السنة. قلت: هناك سنة خامسة من سنن الطواف ينبغي عدها، على رغم أنف المذهب، وذلك لما رواه يعلى بن أمية قال: طاف رسول الله ﷺ مُضطبعًا ببردٍ أخضر. أخرجه البغوي في شرح السنة. وقال شعيب: أخرجه أحمد، وأبو داود في المناسك، باب الاضطباع في الطواف، وأخرجه الترمذي في الحج، باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا، وأخرجه ابن ماجة، ورجاله ثقات. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى أبو داود من حديث حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى. وإسناده قوي. ا. هـ. منه بلفظه. ولهذا، فإني لا أتحرج أن أقول: إن الاضطباع من سنة الطواف لثبوته عن رسول الله ﷺ كما علمت. وصفته: أن يشتمل الطائف بردائه على منكبه الأيسر من تحت منكبه الأيمن، فيكون منكبه الأيمن مكشوفًا، فلا يزال كذلك حتى يفرغ من الطواف والسعي بين الصفا والمروة. والله الموفق.

стр. 579

وَللسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ، وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا، كَامْرَأةٍ إِنْ خَلَا، وَإسْرَاعٌ بَيْنَ الْأخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ، وَدُعَاءٌ (١)، وَفي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَوُجُوِبهِمَا تَرَدُدٌ، وَنُدِبَا كَالإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ وَالإِخْلَاصِ، وبِالْمَقَامِ (٢)، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ (٣)، واسْتِلَامُ الْحَجَرِ والْيَمَانيِ (٤) بَعْدَ الأوَّلِ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرسُولِ ﷺ (٥)، (١) وقوله: وللسعي تقبيل الحجر ألخ. هو تعداد لسنن السعي، ولا يكون السعي إلا ركنًا لحج أو عمرة فقال: والسنة الأولى من سننه تقبيل الحجر الأسود بعد الفراغ من الطواف وركعتيه، وقبل الشروع فيه. قال الدردير: وندب أن يشرب من زمزم، وأن يخرج إلى الصفا من باب الصفا. والسنة الثانية من سنن السعي رقي الساعي الذكر على الصفا والمروة كلما وصل إلى واحدة منهما. كما يستحب للمرأة الرقي عليهما إن كان المحل خاليًا من زحمة الرجال، وإلا اكتفت بالوقوف أسفلهما. والثالثة: الإِسراع بين الميلين الأخضرين، اللذين هما على حدّي بطن المسيل للدلالة على موضع الإِسراع. قال المواق: وشرع الرجال دون النساء في المشي في بطن المسيل. والسنة الرابعة هي الدعاء أثناء سعيه بلا حد وعلى الصفا والمروة. ودليل ذلك حديث جابر عند مسلم في صفة حجة رسول الله ﷺ قال: ثم استلم الركن، ثم خرج فقال: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ". فأتى الصفا ورَقيَ عليه حتَّى بدا له البيت، ثم وحَّد الله وكبره، وقال: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ". ثم مشى حتى إذا انصبت قدماه، سعى حتى إذا أصعدت قدماه، مشى حتى أتى المروة، ففعل عليها كما فعل على الصفا حتى قضى طوافه. الحديث. (٢) وقوله وفي سنية ركعتي الطواف ألخ. دليل صلاة ركعتي الطواف وقراءة فيهما بسورتي الإِخلاص ما روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. أخرجه مسلم في الحج باب حجة النبي ﷺ . وأخرجه النسائي في الحج، باب القراءة في ركعتي الطواف. وأما التحقيق من الخلاف في المذهب في وجوبهما وسنيتهما هو أنهما سنة مؤكدة، والدليل على عدم وجوبهما قوله ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعَبْدِ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ =

стр. 580

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الْجَنَّةَ" الحديث، وهذه ليست منها، ويدل على عدم وجوبهما حديث ضمام بن ثعلبة ﵁، لما سأل النبي ﷺ عن الفرائض، فذكر له الصلوات الخمس، قال: هل عليَّ غيرها؟. قال: "لَا إِلَّا ان تَطَّوَّعَ". وأما استحباب صلاتهما خلف المقام؛ فلأنه ﷺ كذلك فعل في حجته وقال: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". قال جابر في حديثه الصحيح: فطاف بها سبعًا؛ رمل فيها ثلاثًا ومشى أربعًا ثم قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١). فصلى ركعتين، جعل المقام بينه وبين البيت. الحديث. ويجوز أن يصلي المرء ركعتي الطواف خارج المسجد بالحرم، ففي الموطإ عن مالك عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أخبره أنه طاف مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح، فلما قضى عمر طوافه نظر فلم ير الشمس طلعت فركب حتى أناخ بذي طوى، فصلى ركعتين سنة الطواف. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق. (٣) وقوله: ودعاء بالملتزم يعني بالملتزم ما بين الركن والمقام من البيت. قال أبو عمر: كان ﷺ يضع صدره ووجهه بالملتزم. كذا في جواهر الإِكليل. (٤) وقوله: واستلام الحجر واليماني، يعني أنه يندب استلام وتقبيل الحجر الأسود بكل شوط غير الأول، وندب لمس الركن اليماني بآخر كل شوط بعد الشوط الأول، بعد مرور الطائف على الركنين الشاميين المقابلين للحجر - بكسر فسكون - قال شيخنا في أضواء البيان: لا خلاف بين العُلماء في استحباب استلام الحجر الأسود للطائف، وجماهيرهم على تقبيله، وإن عجز وضع يده عليه وقبلها خلافًا لمالك قائلًا: إنه يضعها على فيه من غير تقبيل. وقال النووي: أجمع المسلمون على استحباب استلام الحجر الأسود - إلى أن قال - وأما الركن اليماني ففيه للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: إنه يستحب استلامه باليد، ولا يقبل بل تقبل اليد بعد استلامه. وهذا مذهب الشافعي. قال النووي: ويروى عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة. =

стр. 581

ودُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا والْبَيْتِ، وَمنْ كَدَاءٍ لِمَدَنِيٍّ، والمسْجِدِ مِنْ بَاب بَنِي شَيْبَةَ، وخروجُه مِنْ كُدىً (١) وَرُكُوعُهُ للطَّوَافِ بَعْدَ المَغْرِب قَبْلَ تَنَفُّلِهِ (٢) وَبِالْمَسْجِدِ، وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كالتَّنْعِيمِ = الثاني: إنه يستلمه ولا يقبل يده بعده، بل يضعها على فيه من غير تقبيل. وهذا مشهور مذهب مالك، وأحمد. وعن مالك رواية أنه يقبل يده بعد استلامه. والقول الثالث: إنه يقبله. وهو مروي عن أحمد. ا. هـ. منه باختصار. (٥) وقوله: واقتصار على تلبية النبي ﷺ دليله الحديث المتفق عليه؛ عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ". أخرجه الموطأ، والبخاري، ومسلم. ومعلوم أنه صح عنه ﷺ قوله: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". قال ابن مفلح الحنبلي في المبدع: قال الطحاوي والقرطبي: أجمع العُلماء على هذه التلبية. ا. هـ. منه. والأمر ظاهر في أن ذلك لاختياره ﷺ لهذا اللفظ، وهو القدوة والأسوة. (١) وقوله: ودخول مكة نهارًا، والبيت، ومن كداء لمدني، والمسجد من باب بني شيبة، وخروجه من كدى، هو لما ثبت عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية السفلى، متفق عليه. وثبت عن عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ لما جاء مكة دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها، متفق عليه أيضًا. وقوله: والبيت، أي يستحب دخول البيت من غير تقييد بليل ولا نهار، أما دخولها نهارًا فقد ثبت عنه ﷺ أنه دخل البيت نهارًا. قال الحطاب: فقد أخذ جواز دخولها ليلًا من كونه ﷺ جاء إلى عثمان بن شيبة بالسيدة عائشة ليفتحها لها ليلًا، فاعتذر له بأنه لم يفتحها ليلًا لا في الجاهلية ولا في الإِسلام، فوافقه ﷺ وجاء بها إلى الحجر وقال لها: "صَلِّي فيه". ولا يقال: يؤخذ من موافقته له ﷺ على ذلك كراهة دخولها ليلًا، وأنه خلاف الأولى، لأنه ﷺ إنما وافقه تطييبًا لقلبه وتأليفًا له؛ بدليل إتيانه بها إلى الحجر. ا. هـ. منه بلفظه. وقوله: ومن كداء لمدني إلى آخره، هو ظاهر المدونة والرسالة، غير أن هذا الفرع وأمثاله هو مما يتخرج على الخلاف الواقع في أفعاله ﷺ المركوزة في الجبلة البشرية إذا اقترنت بالعبادة، هل =

стр. 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تعتبر سنة أو لا؟. نحو الضجعة بعد صلاة ركعتي الفجر، والركوب في الحج، والخروج إلى المصلى. يوم العيد من طريق والرجوع من آخر، ونحو ذلك. والتحقيق إن شاء الله في ذلك أنه لا يعتبر من ذلك سنة إلا ملامح الوصف؛ فلا يقال: الأكل سنة لأن النبي ﷺ أكل. ولكن يقال: الأكل باليمين سنة؛ لأنه ﷺ كان يأكل بيمينه، ونحو ذلك. وقد تقدم مرارًا التنبيه على ذلك، وعلى أن شيخ مشائخنا سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، عقد ذلك في مراقي السعود بقوله: وفعله المركوز في الجبلّة … كالأكل والشرب فليس ملة فالحج راكبًا عليه يجري … كضجعة بعد صلاة الفجر وبالله تعالى التوفيق. (٢) وقوله: وركوعه للطواف بعد المغرب قبل تنفله، قال المواق هنا: روى ابن القاسم: إن طاف بعد العصر صلى ركعتي الطواف بعد أن يصلي المغرب، وإن ركعهما قبل المغرب فجائز، وبعد المغرب أحب إلينا. القرافي: إن طاف بعد الصبح، فالمشهور يؤخر الركوع حتى تطلع الشمس. ا. هـ. منه بلفظه. قلت: هذا المذهب. وقد قدمنا في الكلام على أوقات النهي الدليل على أن الطائف يصلي ركعتي الطواف في أي وقت طاف فيه، وسنة رسول الله ﷺ أحق بالمراعاة لأنه الأسوة والقدوة - بأبي وأمي هو - ﷺ . وقوله: وبالمسجد، يريد به - والله تعالى أعلم - أنه يستحب للطائف أن يصلي ركعتي الطواف بالمسجد الحرام، أو بمكة، وذلك لأنه ثبت أنه ﷺ صلاهما بالمسجد خلف المقام، وقد قدمنا أن عمر بن الخطاب ﵁ طاف بعد صلاة الصبح، وسافر حتى طلعت الشمس فصلاهما بذي طوى. وقوله: ورمل محرم من التنعيم أو بالإِفاضة لمراهق، لا تطوع، يريد به - والله تعالى أعلم - أن الرمل في حق من أحرم من التنعيم أو من الجعرانة مثلًا مستحب، سواء أحرم بحج أو بعمرة أو =

стр. 583

أوْ بِالإفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ، لَا تَطَوُّع، وَوَدَاعٍ، وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ ونَقْلُهُ (١)، = بقران، وفي حق المراهق الذي لم يطف طواف القدوم يستحب له أن يرمل في طواف الإِفاضة، وكذا يستحب لمن أحرم بحج من مكة مكيًا كان أو آفاقيًا؛ ذلك أن النبي ﷺ ثبت عنه في صحيح مسلم من طريق جعفر في الحج أنه رمل ثلاثًا ومشى أربعًا. وكذا أخرجه مسلم أيضًا من طريق مالك. وفي صحيح ابن خزيمة أن العلة التي من أجلها رمل ﷺ أن أهل مكة قالوا: إن محمدًا وأصحابه قد وهنتهم حمّى يثرب. فقال رسول اللّه ﷺ لأصحابه: "ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَكُمْ". فلما رملوا. قال المشركون: ما وهنتهم. والرمل من الحجر إلى الحجر لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، وهو في صحيح ابن خزيمة: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، أخبرنا مالك، وحدثنا علي بن خشرم، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر، أن رسول ل لله ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر زاد علي: ثلاثًا ومشى أربعًا. ا. هـ. قال مالك في الموطإ: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. ا. هـ. منه. (١) وقوله: وكثرة شرب زمزم ونقله، دليله ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: باب استحباب الشرب من ماء زمزم بعد الفراغ من طواف الزيارة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا حاتم بن إسماعيل، ثنا جعفر عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فذكر الحديث بطوله وقال: ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت - يعني يوم النحر - فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: "انْزِعُوا بَني عَبْدِ الْمُطلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ". فناولوه دلوًا فشرب مه. ا. هـ. مه. بلفظه. والحديث في مسلم من حديث جابر في الحج. وقد ورد في الحديث: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ". قال الحطاب: قال فيه الحافظ السخاوي: رواه الحاكم وقال فيه: إنه صحيح الإِسناد. وقد صحح هذا الحديث من المتقدمين ابن عيينة، ومن المتأخرين الحافظ الدمياطي قال: وقد رأيت لابن حجر كلامًا جوابًا لسؤال سئل فيه عن هذا الحديث، قال في آخره بعد أن ذكر طرق هذا الحديث قال: إذا تقرر هذا فمرتبة هذا الحديث عند الحفاظ بإجماع هذه الطرق أنه يصلح للاحتجاج به على ما عرف من قواعد الحديث. انتهى مه بلفظه. وقد أخرج عبد الرزاق في المُصَنِّف، عن ابن جريج قال: =

стр. 584

ولِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلاةِ (١)، وخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْر السَّابعِ بِمَكَّةَ؛ وَاحِدَةٌ يُخْبِرُ فِيهَا بالْمَنَاسِكَ (٢)، وخُرُوجُهُ لِمِنىً قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الطهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، ونُزُولُهُ بِنَمِرَةَ، وخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، ثُمَّ أُذِّنَ وجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنَ إثْرَ الزَّوَالِ، وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ، وَوُقُوفُهُ بِوُضوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ، ثُمَّ قِيامٌ إلَّا لِتَعَبٍ، وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ، وَجَمَعَ وَقَصَرَ إِلَّا أهْلَهَا كَمِنىً وَعَرَفَةَ، وَإنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ إنْ نَفَرَ مَعَ الإِمَامِ، وَإلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ، وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أعَادَهُمَا، وَارْتحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ مُغَلِّسًا، وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلإسْفَارِ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ، وَلَا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَ الصُّبْحِ، وإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَرَمْيُهُ العَقَبَةَ حِينَ وُصولِهِ وَإنْ رَاكِبًا، وَالْمَشْيُ = حدثني ابن أبي حسين أن النبي ﷺ كتب إلى سهيل بن عمر: إن جاءك كتابي هذا ليلًا فلا تصبحن، أو نهارًا فلا تمسين حتى تبعث إليَّ ماء من زمزم. قال الأعظمي: أصله في الطبراني الكبير والأوسط عن ابن عباس. قال: وهو مرسل أخرجه الأزرقي من طريق عثمان بن ساج عن ابن جريج. ا. هـ. (١) وقوله: وللسعي شروط الصلاة، يريد به - والله تعالى أعلم - أنه يستحب للسعي شروط الصلاة؛ من طهارة حدث وخبث وستر عورة، دون استقبال القبلة فإنه غير ممكن. فقد استحب مالك لمن انتقض وضوؤه أن يتوضأ ويبني، فإن لم يتوضأ فلا شيء عليه. قال الحطاب: ومن العتبية، قال مالك: ومن أحدث في سعيه فتمادى فلا إعادة عليه، وأحسن ذلك أن يتوضأ ثم يتم. انتهى. ونحوه في الطراز عن الواضحة. انتهى منه بلفظه. (٢) وقوله: وخطبة بعد ظهر السابع بمكة واحدة يخبر فيها بالمناسك، دليله ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، باب خطبة الإِمام يوم السابع من ذي الحجة ليعلم الناس مناسكهم، قرأت على أحمد بن أبي سُريج الرازي: أن عمرو بن مجمع أخبرهم، عن موسى بن عقبة عن نافع، عن =

стр. 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم. ا. هـ. وهو حديث قال البيهقي: إسناده ضعيف. أخرجه في السنن الكبرى، عن طريق أبي قرة عن موسى بن عقبة. ا. هـ. وقوله: وخروجه لمنىً قدر ما يدرك فيها الظهر، هو للاقتداء بفعل رسول الله ﷺ . قال ابن خزيمة: حدثنا عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان، عن يحيى قال: سمعت القاسم يقول: سمعت ابن الزبير يقول: من سنة الحج - وقال مرة من سنة الإِمام - أن يصلي الظهر والعصر والغروب والعشاء والصبح بمنى. قال محمد المصطفى الأعظمي تعليقًا على هذا الحديث: إسناده صحيح. أشار الحافظ في الفتح جـ ٣/ ص ٥٠٨ إلى رواية ابن خزيمة، وأسند ابن خزيمة أيضًا حديثًا عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى خمس صلوات بمنى. قال الأعظمي في التعليق: إسناده صحيح لغيره. رواه الترمذي في الحج من طريق الأعمش، وهو في المستدرك. ا. هـ. وعلى كل حال فإن قوله: وخروجه لمنى إلى آخره كأنه يروي به حديث جابر ﵁، الذي يروي حجة رسول الله ﷺ عند مسلم، ونص هذا المحل منه: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منىً، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر، والعصر والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوَعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ =

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ". ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب رسول اللّه ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﷺ وقد شَنَقَ للقصواء الزِّمام، حتَّى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ". كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا. ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتَّى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاهُ وكبَّرَهُ وهلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس - وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا - فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات؛ يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. ا. هـ. محل الغرض منه. وهكذا بتتبع ألفاظ هذا الحديث يتبين لك دقة متابعة ألفاظ المختصر له. فلله دره عليه رحمة الله.

стр. 587

فِي غَيْرِهَا، وَحَل بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ (١)، وَكُرِهَ الطِّيبُ (٢) وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَتَتَابُعُهَا، ولَقْطُهَا، وَذَبْحٌ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ لِيَحْلِقَ، ثُمَّ حَلْقُهُ وَلَوْ بِنُورَةٍ إنْ عَمَّ رَأْسَهُ والتَّقْصِيرُ مُجْزٍ، وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ تَأْخُذُ قَدْرَ الأنْمُلَةِ، والرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أصْلِهِ (٣) ثُمَّ يُفِيضُ، وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ إنْ حَلَقَ (٤). (١) وقوله: ورميه العقبة حين وصوله وإن راكبًا، هو لدليل حديث جابر عند مسلم قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذِهِ". ا. هـ. وقوله: والمشي في غيرها، أي ويمشي إلى الرمي في سائر الأيام، هو لما روي عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة - بعد يوم النحر - ماشيًا ذاهبًا وراجعًا، يخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، أخرجه البغوي في شرح السنة وقال شعيب: هو في أبي داود في المناسك. وقوله: وحل بها غير نساء وصيد، دليله حديث ابن عباس عند الإِمام أحمد وأبي داود، والنسائي وابن ماجة، من حديث الحسن العرني عنه، قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ كُل شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ". فقال رجل: والطيب؟. فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟!. كذا لفظ منتقى الأخبار. وقال: رواه أحمد. (٢) وقوله: وكره الطيب، هو لما أخرجه الحاكم عن ابن الزبير أنه قال: إذا رمى الجمرة الكبرى، حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب، وأخرج النسائي أيضًا عن ابن عمر مثل ذلك. وحيث إن هذين الأثرين ليس لهما قوة معارضة، لما ورد من صحيح الأخبار من أنه ﷺ تضمخ بالطيب بعد رمي الجمرة قبل الإِفاضة، فقد حمل أهل المذهب الأمر في هذين الأثرين على كراهة الطيب احتياطًا. وهو مذهب عمر بن الخطاب. فقد روي عنه أنه يحل له كل شئ إلا النساء والطيب. قالوا لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة. قاله ابن قدامة في المغني. =

стр. 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٣) وقوله: ثم حلقه ولو بنورة إن عم رأسه والتقصير مجز، هو لما ثبت في الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (١). وقال ﷺ : "رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ رُؤُوَسهُمْ" ثلاثًا. قالوا: يا رسول اللّه، والمقصرين؟. في كل مرة من المرات، فقال بعد الثالثة: "والمُقَصِّرِينَ". فقد أشار المختصر بقوله: والتقصير مجز، إلى أنه نسك غير أن الحلق أفضل منه. كما علمت. وقوله: وهو سنة المرأة تأخذ قدر الأنملة، قال ابن قدامة في المغني: والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق، لا خلاف في ذلك. قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم؛ وذلك أن الحلق في حقهن مُثْلَةٌ. وقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ لْحَلْقُ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ". رواه أبو داود. وعن عليٍّ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تحلق المرأة رأسها. رواه الترمذي. وكان أحمد يقول: تقصر من كل قرن قدر الأُنملة. وهو قول ابن عمر، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، انتهى محل الغرض منه. (٤) وقوله: ثم يفيض وحل به ما بقي، يريد به - والله تعالى أعلم - أن الحاج إن رمى الجمرة ونحر وحلق، يفيض إلى مكة لطواف الإِفاضة، فإذا فرغ منه رجع إلى منى. وسمي هذا الطواف طواف الإِفاضة؛ لأنه يأتي به بعد إفاضته من منىً إلى مكة، وهو ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به، لا خلاف في ذلك. قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. (٢) قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك. وقوله ﷺ : "أَحابِسَتُنَا هِي"؟!. دليل على أنه لابد منه. ووقت هذا الطواف المفضل يوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق لفعله ﷺ كما يبينه حديث جابر. قال: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فإن أخر الإِفاضة إلى الليل فلا بأس، فإن أبا داود والترمذي أخرجا عن عائشة وابن عباس أن النبي ﷺ أخر طواف الزيارة إلى الليل. وقال الترمذي في كل واحد منهما: حديث حسن. واختلف في آخر وقت طواف الإِفاضة، قال ابن ندامة في المغني: والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما =

стр. 589

وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَه فَدَمٌ، بِخلَافِ الصَّيْدِ، كَتَأْخِير الْحَلْقِ لِبَلَدِهِ أوْ الإِفَاضَةِ لِلْمُحَرَّمِ، وَرَمْيُ كُلِّ حَصَاةٍ أو الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ، وإِنْ لِصَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيِ، أوْ عَاجِزٍ، وَيَسْتَنِيبُ فَيَتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْي ويُكَبِّرُ. وَأَعَادَ إنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوب مِنَ الرَّابعَ، وقَضَاءُ كُلٍّ إلَيْهِ (١). = الخلاف في وجوب الدم، وعدم ذلك أظهر، فإنه متى أتى به صح ولا شيء عليه. وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم، إلا أنه لا رمل فيه ولا اضطباع، والنية شرط فيه؛ ينوي الحاج ول طواف الإِفاضة لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". الحديث، خلافًا للشافعي وأصحاب الرأي. وإذا طاف المرء طواف الإِفاضة، حل له كل شيء حرم عليه بالإِحرام. روي عن ابن عمر ﵄: لم يحل النبي ﷺ من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر وأفاض بالبيت، ثم حل له كل شيء حرمه. متفق عليه. وعن عائشة نحوه متفق عليه أيضًا. وبالله التوفيق. تنبيه: يحل الحاج بطواف الإِفاضة التحلل الثاني، إذا كان قدم السعي مع طواف القدوم، أما من عليه السعي فإنه لا يتحلل إلا بعد الفراغ من سعيه. (١) قوله: وإن وطئ قبله فدم، الضمير في قبله يعود على الحلق، يريد به - والله أعلم - أن من وطئ بعد أن أفاض وقبل الحلق، عليه دم، بخلاف اصطياده في الحل، بعد الإِفاضة وقبل الحلق، فإنه لا دم فيه عليه لخفته بالنسبة للوطء. وأما لو وطئ أو صاد قبل السعي، فإنه يجب عليه الدم، كما لو أخر الحلق لبلده ولو سهوًا، ولو قرب بلده، فدم. وكذا لو أخر الحلق حتى خرجت أيام التشريق، ولو كان مقيمًا بمنىً. وإن أخر الإِفاضة أو السعي إلى أن انقضى شهر ذي الحجة ودخل المحرم، فعليه دم، وإن أخر حصاة من العقبة أو غيرها، أو أخر جميع الحصيات عن وقت أدائها بالنهار، إلى أن دخل الليل فدم، ولو كان التأخير لصغير لا يحسن الرمي أو مجنون، أخره وليهما والدم على الولي، أو من عاجز والدم واجب في ماله، وله أن يستنجب من يرمي عنه، فإذا فعاد، تحرى وقت رمي النائب عنه ويكبر لكل حصاة، ويتحرى وقت دعاء نائبه =

стр. 590

والَّليْلُ قَضَاءٌ، وَحُمِلَ مُطِيقٌ وَرَمَى. ولَا يْرمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ. وتَقْدِيمِ الْحَلْقِ أو الإفَاضَةِ على الرَّمْي لَا إِنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ، وَعَادَ لِلمَبِيتِ بِمِنىً فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثًا (١). وإنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ، أوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ، وَلَوْ بَاتَ بِمَكَّةَ أوْ ويدعو، فإن صح العاجز قبل فوات وقت الرمي أعاد رميه قبل الفوات الحاصل بغروب شمس اليوم الرابع. وينتهي قضاء رمي كل الجمار إلى غروب اليوم الرابع. ورمي كل عقبة بليل عقب كل يوم، قضاء لذلك اليوم يجب به الدم. وحمل للرمي مريض مطيق له ورمى بنفسه وجوبًا، ولا يجزئ عنه رمي الحصاة في كف غيره ليرميها عنه. وكتقديم الحلق أو الإِفاضة على الرمي، فإن فيه الفدية لوقوعه قبل التحلل؛ فإذا رمى العقبة بعد ذلك أمرّ موسى على رأسه، لأن حلقه الأول وقع قبل محله، ولا يلزمه شيء إن خالف الترتيب السابق في غير تقديم الحلق أو الإِفاضة على الرمي؛ كحلقه قبل النحر ونحره قبل الرمي وإفاضته قبل النحر أو الحلق، فلا دم عليه في صورة من هذه الصور، لخبر حجة الوداع: فما سئل ﷺ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". قلت: كل هذه الأمور المتقدمة قبل قوله: ولا إن خالف في غير، هي أمور بمحض الاجتهاد، لم يرد فيها نص يرجع إليه. ومعلوم أن مذهب أصحابنا احتياطات وسد ذرائع ونحو ذلك. أثاب الجميع ووفقه إلى السداد. (١) وقوله: وعاد للمبيت فوق العقبة ثلاثًا، هو لما روي عن القاسم، عن عائشة قال: أفاض رسول اللّه ﷺ من آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منىً فمكث بها ليالي أيام التشريق. الحديث. أخرجه الإِمام أحمد وأبو داود. وقوله: فوق العقبة، هو لما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا يبيتنَّ أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. أخرجه مالك في الموطإ. وإسناده صحيح. وأما صفة رمي الجمرات فقد ورد فيها ما روي عن ابن عمر أنه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يقوم طويلًا ويدعو، ويرفع يديه حتى يرمي الوسطى، ثم يأخذ بذات الشمال فيسهل، ثم يقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا، ثم =

стр. 591

مَكِّيًّا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنَ الثاني، فَيسْقُطُ عنه رَمْيُ الثَّالِثِ. وَرُخِّصَ لِرَاعٍ - بَعْدَ الْعَقَبَةِ - أنْ يَنْصَرِفَ وَيأتي الثَّالِثَ فَيَرْمِيَ لِلْيَوْمَيْنِ (١). وتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ (٢) فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ، وتَرْكُ التَّحْصِيبِ لِغَيْرِ مُقْتَدىً بِهِ (٣)، ورَمَى كُلَّ يَوْمٍ الثَلَاثَ وَخَتَمَ بالْعَقَبَةِ، مِنَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ، وصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الخَزفِ. وَرَمَى وَإنْ بِمُتَنَجِّسٍ عَلَى الْجَمْرَةِ وَإنْ أصَابَتْ غَيْرَهَا إنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ، تَرَدُّدُ. وبَتَرَتُّبِهِنَّ وَأَعادَ = يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها. ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. رواه البخاري. (١) وقوله: ورخص لراعٍ بعد العقبة ألخ. دليله ما أخرجه الموطأ والبغوي واللفظ له أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاة الإِبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين. والمذهب عندنا والاختيار أنه يرمي يوم النحر، ويترك يوم القر، ثم يرمي النفر الأول لليوم الذي مضى، وللذي فيه، لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه أولًا. وهو المذهب عند الشافعية أيضًا. (٢) وقوله: وتقديم الضعفة، هو لما روى مالك في الموطإ، عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر، أن أباهما كان يقدم نساءه - صبيانه ونساءه - من المزدلفة إلى منى حتى يصلوا الصبح بمنى، ويرموا قبل أن يأتي الناس. وفي صحيح مسلم في الحج باب استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهن، من حديث سالم بن عبد اللّه بن عمر، أن أباه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإِمام. وقيل: أن يدفع. فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك. فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله ﷺ . ا. هـ. شعيب. (٣) وقوله: وترك التحصيب لغير مقتدى به: التحصيب، هو أنه إذا نفر من منى إلى مكة للتوديع - بعد الفراغ من الرمي - أن يقيم بالعب الذي يخرجه إلى الأبطح، حتى يرقد ساعة من =

стр. 592

مَا حَضَرَ بَعْدَ المنْسِيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ، وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ، فَإِنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ اعْتَدَّ بَالْخَمْسِ الأوَلِ. وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنَ الأولَى، وَأجْزَأ عَنْهُ وعَنْ صَبيٍّ وَلَوْ حَصَاةً حَصَاةً، وَرَمَى الْعَقَبةَ أوَّلَ يَوْمٍ، طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَإِلَّا إثْرَ الزَّوالِ قَبْلَ الظُهْرِ، وَوُقُوفُهُ إِثْرَ الأُولَيَيْنِ، قَدْرَ إسْرَاعِ الْبَقَرَةِ، وتَيَاسُرُهُ فِي الثَّانِيَةِ (١). = الليل، ثم يدخل مكة، فكان ابن عمر يراه سنة. روى نافع عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح. ولذلك فإن جماعة ذهبوا إلى أن التحصيب سنة. والمذهب عند أصحابنا كذلك. وسوف يقول المُصَنِّف بعد قليل: وتحصيب الراجع ليصلي أربع صلوات، غير أنه هنا يقول: أن غير المقتدى به يجوز له ترك التحصيب، وذلك - في نظري - مراعاة لقول القائلين بعدم سنيته، وهو قول عائشة: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. أخرجه البخاري ومسلم. قلت: وهذا الخلاف مبني على ما تقدمت الإِشارة إليه مرارًا؛ من أن فعله ﷺ الذي تقتضيه الجبلة البشرية ليس داخلًا في حد السنة، فإن اتفق أن اقترنت عبادة بذلك الفعل، جرى الخلاف فيها؛ فمن يقول: سنة، قال: لفعله ﷺ . ومن يقول: ليس بسنة، يقول: فعل فعله لأن الجبلة البشرية تقتضيه، ولذلك قالت عائشة ما تقدمت الإِشارة إليه. وروي عن ابن عباس: التحصيب ليس بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري ومسلم. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: ورمى كل يوم الثلاث إلى آخره، هو تفصيل يبين فيه كيفية ووقت الرمي. أما أدلة وقت الرمي؛ فإنه بالنسبة لجمرة العقبة؛ أخرج مسلم في صحيحه، وأخرج البخاري تعليقًا بصيغة الجزم والبغوي - وهذا اللفظ له - عن جابر قال: رمى النبي ﷺ الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعده فإذا زالت الشمس. ا. هـ. ويعني بقوله: بعده، أي بعد يوم النحر، فهو توقيت منه لرمي الجمار أيام التشريق. وفي ذلك أخرج الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا نرمي الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس. وهو في شرح السنة للبغوي. وأخرج البغوي أيضًا بسنده عن مسعر عن وبرة، قال: =

стр. 593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟. قال: إذا رمى إمامك فارمه. فأعدت عليه المسألة فقال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. وأما صفة رمي الجمار؛ فقد روي فيها ما أخرجه البخاري في صحيحه. والبغوي، وهذا لفظه: عن سالم عن ابن عمر أنه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه حتى يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله. ا. هـ. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد وقع تفسيره لهذا الطول فيما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء قال: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة. ا. هـ. قلت: وذلك ما عناه المختصر بقوله هنا: ووقوفه إثر الأوليين قدر إسراع البقرة، أي قدر إسراع قراءة سورة البقرة. وأما من أين يأتي جمرة العقبة، فقد ورد فيه حديث متفق عليه أن الأعمش قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ثم قال: من ههنا - والذي لا إله غيره - قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. وأما صفة الحصى التي يقع الرمي بها، فقد ورد فيها ما رواه مسلم في صحيحه والبغوي عن جابر، أن النبي ﷺ رمى الجمار مثل حصى الخَذْفِ. قال البغوي: هذا حديث صحيح مسلم، عن محمد بن حاتم، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج. وأخرج البغوي بسنده عن سلمان بن عمرو بن الأحوص الأزدي، عن أمه قالت: سمعت النبي ﷺ وهو في بطن الوادي وهو يرمي الجمرة، وهو يقول: "أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، إِذَا رَمَيْتُمْ الْجِمَرَةَ، فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ". قال شعيب: أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. ا. هـ. وبالله التوفيق.

стр. 594

وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ لِيُصَلِّيَ أرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ (١) إنْ خرجَ لِكَالْجُحْفَةِ لَا كالتَّنْعِيمَ وَإنْ صَغيرًا. وَتَأَدَّى بالإفَاضَةِ وَالْعُمْرَة، وَلَا يَرْجِعُ القَهْقَرَى. وَبَطَلَ بِإِقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ بِمَكَةَ، لَا بِشُغْلٍ خَفَّ، وَرَجَعَ لَهُ إنْ لَمْ (١) وقوله: وطواف وداع، أي ومن المستحب طواف الوداع - ويقال له: طواف الصدَر - ودليله قوله ﷺ : "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ". رواه مسلم في صحيحه. وهو في شرح السنة للبغوي بهذا اللفظ عن ابن عباس. قال: كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال النبي ﷺ الحديث. والدليل على أن الأمر فيه ليس عزيمة، كونه ﷺ رخص للحائض والنفساء في تركه. قالوا: ولم يرخص في ترك واجب، فلم يرخص في تركه إلا لأن الأمر للإِستحباب. والله تعالى أعلم وأحكم. وإذا فرغ من طواف الوداع يستحب له أن يقف في الملتزم بين الركن والباب ويقول: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني، فازدد عليّ رضى، وإلا فمن الآن قبل أن ينأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيرَيْ الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ ، لأن الدعاء لا يرد حيث يقترن بها. وقوله ولا يرجع القهقرى، قال الحطاب: لأنه خلاف السنة، وكثير من الناس يفعل ذلك هنا في مسجده ﷺ ، ولا أصل لذلك في الشرع الشريف، وأدت هذه البدعة إلى أن صاروا يفعلونها مع مشائخهم، وعند المقابر التي يحترمونها، ويزعمون أن ذلك من الأدب. انتهى منه بلفظه. تنبيه: في طواف الرجال والنساء معًا، أخرج عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أنه منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، فأخبرني وقال: كيف يمنعهن الطواف؟. وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟. قلت: أبعد الحجاب؟. قال: أي =

стр. 595

يَخَفْ فَوَاتَ أصْحَابِهِ، وَحُبِسَ الْكَرِيُّ وَالْوَليُّ لِحَيْضٍ أوْ نِفَاسٍ قَدْرَهُ (١)، وَقُيِّدَ إنْ أَمِنَ والرُّفْقَةُ فِي كَيَوْمَيْنِ؛ وَكُرِهَ رَمْيٌ بِمَرْمِيٍّ بِهِ، كَانْ يُقَالُ لِلإِفَاضَةِ: طَوَافُ الزيارَةِ. أوْ زُرْنَا قَبْرَهُ ﷺ . ورُقيُّ الْبَيْتِ أَوْ عَلَيْهِ أوْ عَلَى مِنْبَرِه ﵊ بِنَعْلٍ (٢)، بِخِلَافِ الطَّوَافِ والْحِجْرِ، وَإنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولهِ لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأجزأ السَّعْيُ عَنْهُمَا كَمَحْمُولَيْنِ فِيهِمَا. = لعمري، أدركت لعمري بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟. قال: لم يكن يفعلن، كانت عائشة تطوف حَجِزَةً من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة معها: انطلقي بنا يا أمَّ المؤمنين نستلم، فجذبتها وقالت: انطلقي عنك. وأبت أن تستلم. وكن يخرجن متسترات بالليل يطفن مع الرجال، لا يخالطْنَهُمْ، قال: ولكنهن إذا دخلن البيت سترن حين يدخلن، ثم أخرج عنه الرجال. قال: وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير، وهي مجاورة في جوف ثبير. قلت: فما حاجبها حينئذ؟. قال: هي في قبة لها تركية؛ عليها غشاء لها بيننا وبينها. قال: ولكن قد رأيت عليها درعًا معصفرًا وأنا صبي. ا. هـ. بلفظه. قال المعلق على هذا الأثر: أخرجه البخاري من طريق أبي عاصم عن ابن جريج دون قوله: وأنا صبي. (١) وقوله: وحبس الكري والولي لحيض أو نفاس قدره، دليله حديث عائشة أم المؤمنين المتفق عليه؛ أن صفية بنت حيٍّ - زوج النبي ﷺ حاضت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ"؟ فقيل له: إنها قد أفاضت. فقال: "فَلَا إِذًا". قال البغوي بعد أن ساق هذا اللفظ: هذا حديث متفق على صحته، أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف عن مالك. وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن سفيان. كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم. ففي قوله ﷺ : "أَحَابِسَتُنَا هِيَ"؟. حين أخبر أنها حائض، دليل على وجوب طواف الإِفاضة، وأنه لا يمكن التحلل بدونه، وأن الطهارة من الحيض شرط في أدائه، فلا يمكنها أداؤه قبل أن تطهر. وفيه دليل أيضًا أن طواف الإِفاضة قابل للتأخير؛ حيث جعلها ﷺ حابسة لهم إلى أن تطهر، مهما كان موعد ذلك الطهر. والله ولي التوفيق. (٢) وقوله في مجال المكروهات: كأن يقال للإِفاضة طواف الزيارة، أو زرنا قبره ﷺ . قال الحطاب: =

стр. 596

محرمات الإِحرام والحرم حَرُمَ بِالإحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَسَتْرُ وَجْهٍ (١)، إلَّا لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ. وعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بِعُضْوٍ، وإنْ بِنَسْجٍ، أوْ زَرٍّ أوْ عَقْدٍ كَخَاتَمٍ وَقبَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا، = استعظم مالك ﵀ إطلاق هذه اللفظة في حقه ﷺ . وفي حق بيت اللهُ تعالى؛ من حيث إنها إنما تستعمل بين الأكفاء، وفي السعي غير الواجب، ويعد الزائر متفضلًا على من زاره. ولا يقول من ذهب إلى السلطان لإقامة ما يجب من حقه: أتيت السلطان لأزوره. ولا زرت السلطان. ا. هـ. محل الغرض منه. (١) وقوله: حرم بالإحرام على المرأة لُبْس قفاز وستر وجه، اختلف أهل العلم في جواز لبس المرأة للقفازين، فأظهر قولي الشافعي جوازه، وأنه لا شيء عليها في ذلك. والمذهب عند أصحابنا حرمة ذلك عليها؛ لما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال: ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين. أخرجه في الموطإ بإسناد صحيح. أما ستر وجهها فلا خلاف بين العُلماء في حرمة ستر وجه المحرمة؛ فإن المرأة حُرْمُها في وجهها، لا يجوز لها ستر وجهها ويجوز لها ستر رأسها. قال الحطاب: قال في الطراز: للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال، فإن أمكنها بشيء في يديها، كالمروحة وشبهها فحسن، وإن لم يمكنها وكان لها جلباب، سدلته على رأسها، فإن لم يكن لها جلباب، فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيدها، ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها، فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها، فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسها فتسدله على وجهها فعلته. انتهى منه. ولعل الدليل على ذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا. وقالت: لا تلثَّمْ ولا تتبرقعْ. وهذا الحديث أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله البيهقي. وقد قال تسدل الثوب: مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق كما في البغوي. =

стр. 597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والعجب كل العجب من بعض متأخري الحنابلة، الذين يحاولون الحكم على وجه المرأة بأنه عورة، أخذًا من حديث أم المؤمنين آنف الذكر الذي أخذ منه الجهابذة الأعلام جواز سدل الثوب للمحرمة، بينها وبين الرجال، فإذا جاوزوها كشفت، على أن هذا الدليل يتطرقه الاحتمال، بأنه من الأحكام التي تختص بها أمهات المؤمنين، ومعلوم أن لهن أحكامًا تخصهن، والمقرر في فن الأصول في مباحث الألفاظ، أن وقائع الأحوال إذا تطرقها الإِحتمال كساها ثوب الإِجمال، فيسقط بها الإِستدلال. على أني لا أمانع في أن الفاتنة عليها أن تستر وجهها عن الرجال على سبيل الاحتياط، كما ذهب إليه ابن خويزمنداد من أصحابنا، ومن وافقه على رأيه هذا. وقولي: على سبيل الإِحتياط؛ هو لأن الله أباح لها كشفه، وخاطب الرجال بأنهم إن صادفوا منظرًا استهواهم، فعليهم الغض من أبصارهم. كما خاطب النساء بأنهن إن أبصرن منظرًا يستهويهن، مما أبيح للرجال كشفه، فعليهن أن يغضضن من أبصارهن، وقد تقدم بعض البحث في عورة المرأة الحرة عند قول المختصر: ومع أجنبي، غير الوجه والكفين. ولعلي هنا أنقل قول جهابذة الحنابلة في وجوب كشف المحرمة وجهها. قال ابن مفلح في المبدع في شرح المقنع جـ ٣/ ص ١٦٨ ما نصه: فصل والمرأة إحرامها في وجهها، فيحرم عليها تغطيته ببرقع أو نقاب أو غيره، لما روي عن ابن عمر مرفوعًا "لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ". رواه البخاري. وقال ابن عمر: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه. رواه الدَّارقُطْنِي بإسناد جيد؛ يجب عليها تغطية رأسها كله، ولا يمكنها إلا بجزء من الوجه، ولا يمكنها كف جميع وجهها إلا بجزء من الرأس، والمحافظة على ستر الرأس أولى الأنه آكد لوجوب ستره مطلقًا، وألحق أبو الفرج به الكفين. وحكاه في المبهج رواية، فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، جاز أن تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها، لفعل عائشة. رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وشرط القاضي في الساتر أن لا يصيب بشرتها، فإن أصابها ثم ارتفع بسرعة فلا شيء عليها، وإلا فدت؛ لاستدامة الستر. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وفي المغني لابن قدامة عند قول الخرقي: والمرأة إحرامها في وجهها، فإن احتاجت سدلت على وجهها، ما نصه: وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرا على الرجل تغطية رأسه، لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة، فلا يكون اختلافًا. قال ابن المنذر. وكراهِية البرقع ثابتة =

стр. 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عن سعد، وابن عمر، وابن عباس وعائشة، ولا نعلم أحدًا خالف فيه. وقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ". فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها، على وجهها، روي ذلك عن عثمان، وعائشة، وبه قال عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لما روي عن عائشة ﵂، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه أبو داود والأثرم. ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإِطلاق كالعورة. وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن وجهها، حيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها، كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي ثم عاد بسرعة، لا تبطل الصلاة، فإن لم ترفعه مع القدرة افتدت، لأنها استدامت الستر. انتهى منه محل الغرض بلفظه. لطيفة: إن مما يدعو إلى السخرية بهؤلاء، تقريرهم أن وجه المرأة عورة إلا في الحج والصلاة، فهل من المعقول جواز كشف العورة في الصلاة - التي يشترط في صحتها ستر العورة؟ عذيري من هؤلاء!!. لقد تعرض لي بعضهم في دائرة الطواف، ومعي أهلي محرمة، فقال: المرأة التي معك، مرها لتغطي وجهها. فأحسنت به الظن ودعوت له بخير وقلت له: إنها محرمة. فقال لي: وإن كانت. وهددني بإخراجها من دائرة الطواف إن هي تمادت على كشف وجهها حالة إحرامها، وكأنها تطوف ببيت أبيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هو حسبنا ونعم الوكيل. والحاصل أن كون وجه الحرة غير عورة هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحاب هؤلاء، ومن اقتدى بهم، وهو الذي تقتضيه سماحة هذا الدين الحنيف، الذي جاء بالسماحة واليسر. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وبالله تعالى التوفيق. =

стр. 599

وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ، بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا، كَطِينٍ (١). ولَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ وَإِنْ بِلَا عُذْرٍ وَاحْتِزَامٍ وَاسْتِثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ. وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ (٢)، أوْ غُلُوِّهِ فاحِشًا، واتِّقَاءُ شَمْسٍ أوْ رِيحٍ بِيَدٍ، أوْ مَطَر بِمُرْتَفِعٍ، وَتَقْلِيمُ = فائدة: ذكر الحطاب أن المرأة تخالف الرجل في عشرة أشياء في الحج هي: تغطية الرأس، وحلقه، ولبس المخيط، ولبس الخفين، وعدم رفع الصوت بالتلبية، وعدم الرمل في الطواف والخبب في السعي بين الصفا والمروة، وفي الوقوف بعرفة والركوب، فالقيام أفضل للرجل والقعود أفضل للنساء، وفي البعد من البيت في الطواف، والقرب منه أفضل للرجال والبعد أفضل للنساء، وفىِ الإِرتقاء على الصفا والمروة. ا. هـ. (١) وقوله: وستر وجه ورأس، قال المواق: ابن شاس: إحرام الرجل في رأسه ووجهه؛ فيحرم عليه أن يستر رأسه بما يعد ساترًا من خرقة أو رداء. مالك: ولا يستر المحرم على رأسه ولا على وجهه من الشمس بعصا فيها ثوب فإن فعل افتدى. ا. هـ قلت: أما وجوب عدم ستر رأس المحرم فلا خلاف فيه؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر المتفق عليه: "لَا يَلْبَسُ - المحرم - القُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ". الحديث، فهو دليل على أنه لا يجوز تغطية رأس المحرم، لا بمعتاد اللباس ولا بنادره. أما تغطية وجه الرجل المحرم فقد جرى الخلاف في ذلك؛ قال الشافعي: يجوز لحديث الموطإ؛ أن عثمان بن عفان ﵁ غطى وجهه وهو محرم. وقال الإِمام مالك: لا يجوز تغطية وجه المحرم، لما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم. أما ما نسبه المواق للإِمام هنا من عدم جواز الإِستظلال للمحرم من الشمس، يرد عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي عن طريق عبده بن سليمان عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر قال: خرجت مع عمر، فكان يطرح النطع على الشجرة فيستظل به. يعني وهو محرم. ا. هـ. وأيضًا فإن في حديث جابر الصحيح في صفة حجة رسول الله ﷺ : فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزلها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له. . الحديث. (٢) وقوله: وجاز خُفٌّ قطع أسفل من كعب لفقد نعل، هو لدليل الحديث المتفق عليه، عن =

стр. 600

ظُفُرٍ انْكَسَرَ (١) وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ، وَفِي كُرْهِ السَّرَاويلِ رِوَايَتَانِ (٢)، وَتَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ وَخِبَاءٍ وَمَحَارَةٍ (٣). لَا فِيهَا، كَثَوْبٍ بِعَصَا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلَافٌ، وَحَمْلٌ = عبد الله بن عمر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟. ومن بعض فقرات هذا الحديث قال: "وَلَا يَلْبَسُ الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبِسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ". الحديث. (١) وقوله: وتقليم ظُفر انكسر، هو لما أخرجه مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم، أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسرت وهو محرم، فقال سعيد: اقطعه. ا. هـ. قال أصحابنا: محل جواز قطع هذا الظفر المنكسر هو إذا تدلى وصار يتأذى به، وذلك لما رواه ابن وهب: أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي مريم، قال: انكسرت ظفري وأنا محرم فتعلق فآذاني، قال: فذهبت إلى سعيد بن المسيب فسألته فقال: اقطعه. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. ففعلت، اهـ. المنتقى للباجي. (٢) وقوله: وفي كره السراويل روايتان، الذي في الموطإِ، قال يحيى: سئل مالك عما ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّراوِيلَ". فقال: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل، لأن النبي ﷺ نهى عن لبس السراويلات، فيما نهى عنه من لبس الثياب، التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها كما استثنى في الخفين. ا. هـ. قلت: قد تبين لك من خلال ألفاظ الإِمام في الموطإِ أنه لم تبلغه رواية ابن عباس المتفق عليها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا لَبِسَ السَّراوِيلَ". وإذًا، فإن النهي الوارد عن السراويلات؛ في حديث ابن عمر، محله لواجد الإِزار، وإن الإِذن في لبس السراويل، الوارد في رواية ابن عباس، محله لمن لم يجد الإِزار، وعليه فلا إشكال في الموضوع. وبالله تعالى التوفيق. (٣) وقوله: وتظلل ببناء وخباء ومحارة، هو منه لبيان الجائز، وذلك قول جابر عند مسلم: فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزلها حتى زاغت الشمس. الحديث. والمحارة، ذكر جواهر الإِكليل أن في القاموس: المحارة شبه الهودج. قال: والهودج مركب للنساء.
следующие страницы →