محرمات الإِحرام والحرم
حَرُمَ بِالإحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَسَتْرُ وَجْهٍ (١)، إلَّا لِسَتْرٍ بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ. وعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بِعُضْوٍ، وإنْ بِنَسْجٍ، أوْ زَرٍّ أوْ عَقْدٍ كَخَاتَمٍ وَقبَاءٍ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا،
= استعظم مالك ﵀ إطلاق هذه اللفظة في حقه ﷺ . وفي حق بيت اللهُ تعالى؛ من حيث إنها إنما تستعمل بين الأكفاء، وفي السعي غير الواجب، ويعد الزائر متفضلًا على من زاره. ولا يقول من ذهب إلى السلطان لإقامة ما يجب من حقه: أتيت السلطان لأزوره. ولا زرت السلطان. ا. هـ. محل الغرض منه.
(١) وقوله: حرم بالإحرام على المرأة لُبْس قفاز وستر وجه، اختلف أهل العلم في جواز لبس المرأة للقفازين، فأظهر قولي الشافعي جوازه، وأنه لا شيء عليها في ذلك. والمذهب عند أصحابنا حرمة ذلك عليها؛ لما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال: ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين. أخرجه في الموطإ بإسناد صحيح.
أما ستر وجهها فلا خلاف بين العُلماء في حرمة ستر وجه المحرمة؛ فإن المرأة حُرْمُها في وجهها، لا يجوز لها ستر وجهها ويجوز لها ستر رأسها.
قال الحطاب: قال في الطراز: للمرأة أن تستر وجهها عن الرجال، فإن أمكنها بشيء في يديها، كالمروحة وشبهها فحسن، وإن لم يمكنها وكان لها جلباب، سدلته على رأسها، فإن لم يكن لها جلباب، فلها أن تنصب بعض ثوبها تجاهها بيدها، ولها أن تلقي كمها على رأسها وتسدل بعضه على وجهها، فإن لم تجد إلا خمارها الذي على رأسها، فإن كان فيه فضل ترفعه على رأسها فتسدله على وجهها فعلته. انتهى منه.
ولعل الدليل على ذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا. وقالت: لا تلثَّمْ ولا تتبرقعْ. وهذا الحديث أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله البيهقي. وقد قال تسدل الثوب: مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق كما في البغوي. =
стр. 597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والعجب كل العجب من بعض متأخري الحنابلة، الذين يحاولون الحكم على وجه المرأة بأنه عورة، أخذًا من حديث أم المؤمنين آنف الذكر الذي أخذ منه الجهابذة الأعلام جواز سدل الثوب للمحرمة، بينها وبين الرجال، فإذا جاوزوها كشفت، على أن هذا الدليل يتطرقه الاحتمال، بأنه من الأحكام التي تختص بها أمهات المؤمنين، ومعلوم أن لهن أحكامًا تخصهن، والمقرر في فن الأصول في مباحث الألفاظ، أن وقائع الأحوال إذا تطرقها الإِحتمال كساها ثوب الإِجمال، فيسقط بها الإِستدلال. على أني لا أمانع في أن الفاتنة عليها أن تستر وجهها عن الرجال على سبيل الاحتياط، كما ذهب إليه ابن خويزمنداد من أصحابنا، ومن وافقه على رأيه هذا. وقولي: على سبيل الإِحتياط؛ هو لأن الله أباح لها كشفه، وخاطب الرجال بأنهم إن صادفوا منظرًا استهواهم، فعليهم الغض من أبصارهم. كما خاطب النساء بأنهن إن أبصرن منظرًا يستهويهن، مما أبيح للرجال كشفه، فعليهن أن يغضضن من أبصارهن، وقد تقدم بعض البحث في عورة المرأة الحرة عند قول المختصر: ومع أجنبي، غير الوجه والكفين. ولعلي هنا أنقل قول جهابذة الحنابلة في وجوب كشف المحرمة وجهها. قال ابن مفلح في المبدع في شرح المقنع جـ ٣/ ص ١٦٨ ما نصه: فصل والمرأة إحرامها في وجهها، فيحرم عليها تغطيته ببرقع أو نقاب أو غيره، لما روي عن ابن عمر مرفوعًا "لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ". رواه البخاري. وقال ابن عمر: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه. رواه الدَّارقُطْنِي بإسناد جيد؛ يجب عليها تغطية رأسها كله، ولا يمكنها إلا بجزء من الوجه، ولا يمكنها كف جميع وجهها إلا بجزء من الرأس، والمحافظة على ستر الرأس أولى الأنه آكد لوجوب ستره مطلقًا، وألحق أبو الفرج به الكفين. وحكاه في المبهج رواية، فإن احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، جاز أن تسدل الثوب فوق رأسها على وجهها، لفعل عائشة. رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وشرط القاضي في الساتر أن لا يصيب بشرتها، فإن أصابها ثم ارتفع بسرعة فلا شيء عليها، وإلا فدت؛ لاستدامة الستر. انتهى محل الغرض منه بلفظه.
وفي المغني لابن قدامة عند قول الخرقي: والمرأة إحرامها في وجهها، فإن احتاجت سدلت على وجهها، ما نصه: وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها، كما يحرا على الرجل تغطية رأسه، لا نعلم في هذا خلافًا، إلا ما روي عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة، فلا يكون اختلافًا. قال ابن المنذر. وكراهِية البرقع ثابتة =
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن سعد، وابن عمر، وابن عباس وعائشة، ولا نعلم أحدًا خالف فيه. وقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ". فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها، على وجهها، روي ذلك عن عثمان، وعائشة، وبه قال عطاء، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لما روي عن عائشة ﵂، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. رواه أبو داود والأثرم. ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره على الإِطلاق كالعورة. وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن وجهها، حيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها، كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلي ثم عاد بسرعة، لا تبطل الصلاة، فإن لم ترفعه مع القدرة افتدت، لأنها استدامت الستر. انتهى منه محل الغرض بلفظه.
لطيفة: إن مما يدعو إلى السخرية بهؤلاء، تقريرهم أن وجه المرأة عورة إلا في الحج والصلاة، فهل من المعقول جواز كشف العورة في الصلاة - التي يشترط في صحتها ستر العورة؟ عذيري من هؤلاء!!.
لقد تعرض لي بعضهم في دائرة الطواف، ومعي أهلي محرمة، فقال: المرأة التي معك، مرها لتغطي وجهها. فأحسنت به الظن ودعوت له بخير وقلت له: إنها محرمة. فقال لي: وإن كانت. وهددني بإخراجها من دائرة الطواف إن هي تمادت على كشف وجهها حالة إحرامها، وكأنها تطوف ببيت أبيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هو حسبنا ونعم الوكيل.
والحاصل أن كون وجه الحرة غير عورة هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحاب هؤلاء، ومن اقتدى بهم، وهو الذي تقتضيه سماحة هذا الدين الحنيف، الذي جاء بالسماحة واليسر. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وبالله تعالى التوفيق. =
стр. 599
وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ، بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا، كَطِينٍ (١). ولَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ وَإِنْ بِلَا عُذْرٍ وَاحْتِزَامٍ وَاسْتِثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ. وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ (٢)، أوْ غُلُوِّهِ فاحِشًا، واتِّقَاءُ شَمْسٍ أوْ رِيحٍ بِيَدٍ، أوْ مَطَر بِمُرْتَفِعٍ، وَتَقْلِيمُ
= فائدة: ذكر الحطاب أن المرأة تخالف الرجل في عشرة أشياء في الحج هي: تغطية الرأس، وحلقه، ولبس المخيط، ولبس الخفين، وعدم رفع الصوت بالتلبية، وعدم الرمل في الطواف والخبب في السعي بين الصفا والمروة، وفي الوقوف بعرفة والركوب، فالقيام أفضل للرجل والقعود أفضل للنساء، وفي البعد من البيت في الطواف، والقرب منه أفضل للرجال والبعد أفضل للنساء، وفىِ الإِرتقاء على الصفا والمروة. ا. هـ.
(١) وقوله: وستر وجه ورأس، قال المواق: ابن شاس: إحرام الرجل في رأسه ووجهه؛ فيحرم عليه أن يستر رأسه بما يعد ساترًا من خرقة أو رداء. مالك: ولا يستر المحرم على رأسه ولا على وجهه من الشمس بعصا فيها ثوب فإن فعل افتدى. ا. هـ
قلت: أما وجوب عدم ستر رأس المحرم فلا خلاف فيه؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر المتفق عليه: "لَا يَلْبَسُ - المحرم - القُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ". الحديث، فهو دليل على أنه لا يجوز تغطية رأس المحرم، لا بمعتاد اللباس ولا بنادره. أما تغطية وجه الرجل المحرم فقد جرى الخلاف في ذلك؛ قال الشافعي: يجوز لحديث الموطإ؛ أن عثمان بن عفان ﵁ غطى وجهه وهو محرم. وقال الإِمام مالك: لا يجوز تغطية وجه المحرم، لما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم.
أما ما نسبه المواق للإِمام هنا من عدم جواز الإِستظلال للمحرم من الشمس، يرد عليه ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي عن طريق عبده بن سليمان عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر قال: خرجت مع عمر، فكان يطرح النطع على الشجرة فيستظل به. يعني وهو محرم. ا. هـ.
وأيضًا فإن في حديث جابر الصحيح في صفة حجة رسول الله ﷺ : فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزلها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له. . الحديث.
(٢) وقوله: وجاز خُفٌّ قطع أسفل من كعب لفقد نعل، هو لدليل الحديث المتفق عليه، عن =
стр. 600
ظُفُرٍ انْكَسَرَ (١) وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ، وَفِي كُرْهِ السَّرَاويلِ رِوَايَتَانِ (٢)، وَتَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ وَخِبَاءٍ وَمَحَارَةٍ (٣). لَا فِيهَا، كَثَوْبٍ بِعَصَا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلَافٌ، وَحَمْلٌ
= عبد الله بن عمر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟. ومن بعض فقرات هذا الحديث قال: "وَلَا يَلْبَسُ الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبِسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ". الحديث.
(١) وقوله: وتقليم ظُفر انكسر، هو لما أخرجه مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم، أنه سأل سعيد بن المسيب عن ظفر له انكسرت وهو محرم، فقال سعيد: اقطعه. ا. هـ.
قال أصحابنا: محل جواز قطع هذا الظفر المنكسر هو إذا تدلى وصار يتأذى به، وذلك لما رواه ابن وهب: أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي مريم، قال: انكسرت ظفري وأنا محرم فتعلق فآذاني، قال: فذهبت إلى سعيد بن المسيب فسألته فقال: اقطعه. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. ففعلت، اهـ. المنتقى للباجي.
(٢) وقوله: وفي كره السراويل روايتان، الذي في الموطإِ، قال يحيى: سئل مالك عما ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّراوِيلَ".
فقال: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل، لأن النبي ﷺ نهى عن لبس السراويلات، فيما نهى عنه من لبس الثياب، التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها كما استثنى في الخفين. ا. هـ.
قلت: قد تبين لك من خلال ألفاظ الإِمام في الموطإِ أنه لم تبلغه رواية ابن عباس المتفق عليها، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا لَبِسَ السَّراوِيلَ". وإذًا، فإن النهي الوارد عن السراويلات؛ في حديث ابن عمر، محله لواجد الإِزار، وإن الإِذن في لبس السراويل، الوارد في رواية ابن عباس، محله لمن لم يجد الإِزار، وعليه فلا إشكال في الموضوع. وبالله تعالى التوفيق.
(٣) وقوله: وتظلل ببناء وخباء ومحارة، هو منه لبيان الجائز، وذلك قول جابر عند مسلم: فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزلها حتى زاغت الشمس. الحديث. والمحارة، ذكر جواهر الإِكليل أن في القاموس: المحارة شبه الهودج. قال: والهودج مركب للنساء.
стр. 601
لِحَاجَةٍ أو فَقْرٍ (١) بِلَا تَجْرٍ، وَإبْدَالُ ثَوْبِهِ أوْ بَيْعُهُ، بِخِلَافِ غَسْلِهِ إلا لِنَجَسٍ، فَبِالْمَاءِ فَقَطْ، وَبَطُّ جُرْحِهِ، وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ (٢)، وفَصْدٌ إن لَمْ يَعْصِبْهُ، وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ، وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ، وإلَّا ففديةٌ؛ كَعَصْبِ جُرْحِهِ أوْ رَأْسِهِ، أوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ - كَدِرْهَمٍ - أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ أوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أوْ قِرطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ، أوْ تَرْكِ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ، أو رَدِّهَا لَهُ، وَلِمَرْأَةٍ خَزٌّ وَحُلِيٌّ (٣). وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أو فَخِذِهِ، وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدىً بِهِ (٤)، وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ، ومُكْثٌ بِمَكَانٍ فِيهِ طِيبٌ، واسْتصْحَابُهُ، وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ، وغَمْسُ
(١) وقوله: وحمل لحاجة أو فقر، هو أحد فروع القاعدة العامة العظيمة: الضرورات تبيح المحظورات. المأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١). وهذه القاعدة مظهر عظيم من مظاهر يسر هذا الدين وسماحته.
(٢) وقوله: وبط جرحه - وفي بعض نسخ المختصر: وربط جرحه - قال في الموطإ: قال مالك: ولا بأس أن يبط المحرم خراجه، ويفقأ دمله، ويقطع عرقه، إذا احتاج إلى ذلك. قال الباجي: وهو مباح للضرورة كالحجامة، وقد احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم. ا. هـ. منه.
وقوله: وحكّ ما خفي برفق، أخرج في الموطإ عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تسأل عن المحرم: أيحكّ جسده؟. فقالت: نعم. فليحككه. ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت. ا. هـ.
(٣) وقوله: ولامرأة خز وحلي، أخرج البيهقي: سئلت عائشة: ما تلبس المرأة في إحرامها؟. قالت: تلبس من خزها وقزها وأصباغها وحليها. ا. هـ.
(٤) وقوله ومصبوغ لمقتدىً به، هو لما جاء في الموطإ عن نافع أنه سمع مولى عمر بن الخطاب يحدث عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا وهو محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب يا طلحة؟. فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر. فقال عمر. إنكم أيها =
стр. 602
رَأْسٍ أَوْ تَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ، وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ (١)، ولُبْسُ مَرْأةٍ قَباءً مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِمَا دَهْنُ اللِّحْيَةِ والرَّأسِ وَإنْ صَلَعًا، وإبانَةُ ظُفُرٍ أوْ شَعَرٍ أوْ وَسَخٍ إلَّا غَسَلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ، وَتَسَاقُطَ شَعَرٍ لِوُضُوءٍ أوْ رُكُوبٍ،
وَدَهْنُ الْجَسَدِ كَكَفٍّ وَرِجْلٍ بِمُطيِّبٍ، أوْ لِغْيرِ عِلَّةٍ، وَلَهَا، قَوْلَانِ اخْتُصِرَتْ عَلَيْهِمَا، وتَطَيُّبٌ بِكَوَرْسٍ وَإنْ ذَهَبَ رِيحُهُ، أوْ لِضَرُورَةِ كُحْلٍ وَلَوْ فِي طَعَامٍ، أوْ لَمْ يَعْلَقْ، إلَّا قَارُورَةً سُدَّتْ، ومَطْبُوخًا وبَاقيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ، ومُصِيبًا مِنْ إلْقَاءِ ريحٍ أوْ غَيْرهِ، أوْ خَلُوقِ كَعْبةٍ، وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيِرهِ، وَإلَّا افْتدَى إنْ تَراخى.
= الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب فقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإِحرام، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. ا. هـ.
قال الباجي: وهذا أصل في أن الإِمام المقتدى به يلزمه أن يكف عن بعض المباح المشابه للمحظور، ولا يفرق بينهما إلا أهل العلم، لئلا يقتدي به من لا يعرفه. ا. هـ. منه.
وقوله: وشم كريحان ومكث بمكان فيه طيب واستصحابه، هذه المكروهات بمحض الإِجتهاد للإِحتياط في الدين، ولا فدية فيها عند أصحابنا. والله أعلم.
(١) وقوله: ونظر بمرآة، فقد ثبت في الموطإ عن مالك عن أيوب بن موسى أن عبد الله بن عمر نظر في المرآة، لشكو كان بعينيه وهو محرم؛ ا. هـ. ونقل الباجي في المنتقى. قال: وروى محمد عن مالك: ليس من شأن المحرم النظر في المرآة إلا من وجع. قال: ومعنى ذلك أن النظر في المرآة إنما يكون غالبًا لإِصلاح الوجه وتزيينه، وإزالة ما فيه من شعث. وذلك من ممنوعات الإِحرام، فإذا نظر فيه لوجع فلا بأس بذلك؛ لأنه قد قصد به ما هو مباح له. ا. هـ. منه.
وقوله: ولبس امرأة قباء مطلقًا، أي سواء كانت محرمة أو كانت حلالًا، وسواء كانت حرة أو أمة؛ لما في القباء من وصف أجسامهن، وإثارة الفتنة بذلك. وقد عمت به البلوى اليوم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومحل منع لبس القباء على المرأة، إذا لم يكن عليه شيء كالعباءة والملحفة، وإلا جاز كالسراويل، فلهن لبس السراويل - محرمات كن وغير محرمات - وفي =
стр. 603
كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ نَائِمًا، ولَا تُخَلَّقُ الْكَعْبَةُ أيَّامَ الْحَجِّ، ويُقَامُ الْعَطَّارُونَ فِيهَا مِن المَسْعَى، وافْتَدَى الْمُلْقِي الْحِلُّ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ بِلَا صَوْمٍ، وإنْ لَمْ يَجِدْ فلْيفْتَدِ الْمُحْرِمُ، كأنْ حَلَقَ رَأسَهُ وَرَجَعَ بِالْأقَلِّ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِصَوْمٍ، وعَلَى المُحْرِمِ الْمُلقي فِدْيتَانِ على الأَرْجَحِ، وإنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بإذْنٍ، فَعَلَى المُحْرِمِ وَإلَّا فَعَلَيْهِ، وإنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أطْعَمَ، وهَلْ حَفْنَةٌ أوْ فِدْيَةٌ؟. تأويلَانِ. وفِي
= الصحيح عنه ﷺ : "رَحِمَ اللهُ الْمُتَسَرْوِلَاتِ مِنْ أُمَّتِي". لكن بشرط أن يكون لبسهن لها من تحت العباءة أو الملحفة، وإلا كان أشد فتنة من القباء؛ لها يصف من أجسامهن.
قال الحطاب: ويجوز للمرأة لبسه - يعني القباء - في بيتها وبين يدي زوجها، وبين من يجوز لها أن تكشف بدنها عليه، إن كانت في أرض ذلك زي نسائها، وإلا فيكره للمرأة أن تشبه بالرجال في زيهم. ا. هـ. منه.
وقوله: وإلا فيكره أن تتشبه. ألخ. هذه الكراهة للتحريم قطعًا، لقوله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّساءِ".
قلت: وقد عمت البلوى اليوم في العالم الإِسلامي بتشبه نسائه بالأزياء الأفرنجية الوقحة؛ من لبس الضيق الواصف لمحاسنهن، والقاصر عن سترهن، والرقيق الشفاف الواصف للبشرة من تحته. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا شك أنه تتجلى في ذلك إحدى علامات نبوته ﷺ من ظهور إخباره بالأمور الغيبية؛ حيث إنه قد صح عنه - بأبي هو وأمي - قوله ﷺ : "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ". قالوا: آليهود والنصارى؟. قال: "فمن .. ؟.". ولله در المرحوم خالنا وابن عمنا الشيخ محمد حبيب الله بن مايابا، لقد أجاد في كلامه على هذا الحديث المتفق عليه، في كتابه - فتح المنعم على زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم - فليراجعه من شاء في هذا المحل. وبالله تعالى التوفيق.
أما الطيب، فإنه يحرم على المحرم والمحرمة التطيب بالطيب المؤنث، والمراد به ما يظهر أثره وريحه معًا؛ كالورس، والزعفران، والمسك، والكافور، والعنبر، والعود. وتجب الفدية باستعمال ذلك. واستعمال المحرم الطيب الممنوع منه هو إلصاقه له باليد أو بالثوب. فإن علقت رائحة الطيب بالمحرم دون =
стр. 604
الظُّفُرِ الْوَاحِدِ لَا لإِمَاطَةِ الْأذَىَ حَفْنَةٌ كَشَعْرَةٍ أوْ شَعَرَاتٍ أوْ قَمْلَةٍ أوْ قَمْلَاتٍ وَطَرْحِهَا، كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ إلَّا أن يَتَحَقَّقَ نَفْيَ الْقَمْلِ، وتَقْرِيدِ
= عينه وذلك بجلوسه مثلًا في حانوت عطار، أو في بيت تجمر أهله، فلا فدية عليه، مع كراهة التمادي على ذلك. انظر الحطاب.
ومحل ما تقدم إن كان تطيب وهو محرم، فعليه الإِثم والفدية معًا، وهذا لا خلاف فيه، وإن تطيب عند إحرامه قبل أن يحرم، ثم أحرم وبقي به أثر الطيب، فهذا لا يجوز عند أصحابنا، خلافًا لأكثر الصحابة رضوان الله عليهم، وللشافعي، وأحمد، وإسحاق من أصحاب المذاهب، والدليل على ما ذهب إليه الإمام مالك هو ما رواه في الموطإ عن نافع، عن أسلم مولى عمر أن عمر وجد ريح طيب من معاوية وهو محرم، فقال له عمر: ارجع فاغسله. وقد استدل القائلون بجواز الطيب قبل الإِحرام بما يبقى أثره بعد الإِحرام بحديث عائشة المتفق عليه. قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاث من إحرامه. فهو نص في الموضوع يجب الرجوع إليه في نظري. وما أجاب به أبو الوليد هنا عما ثبت من أن عائشة ﵂ قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف؛ بأنه يحتمل أن تكون طيبته بطيب لا تبقى رائحته، يرد عليه حديثها المتفق عليه: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد ثلاث من إحرامه. فلم يبق لهذا الاحتمال أثر ولا عيثر، كما يرتفع احتماله الثاني الذي أجاب به؛ من أنه يحتمل أن يكون خاصًا به ﷺ ، بأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال، والأصل عدم الخصوصية، فلا بد من ثبوتها نصًا، علمًا بأن عمل كثير من الصحابة بذلك - بعد وفاة رسول الله ﷺ دليل على أن ذلك حكم عام، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وابن الزبير، وعائشة، وروى الشافعي في المسند والأم: رئي ابن عباس محرمًا وعلى رأسه مثل الرُبِّ من الغالية. وسائغ جدًا أن يجاب عن أمر عمر بن الخطاب لمعاوية بغسل أثر الطيب، بأنه لم يبلغه حديث عائشة المتفق عليه. وقد اتفق البخاري ومسلم على إنكارها على ابن عمر قوله: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا؛ لأن أطلى بقطران أحب إليَّ من أن أفعل ذلك. فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا. وفي لفظ لهما: كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا. ا. هـ. والله ولي التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 605
بَعِيرِهِ (١)، لَا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أوْ بُرْغُوثٍ، والْفِدْيةُ فِيمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ أوْ يزيلُ أذى، كَقَصِّ الشَّارِبِ أوْ ظُفُرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ، وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءٍ وَإنْ رُقْعَةً إنْ كَبُرَتْ وَمُجَرَّدُ حَمَّامٍ عَلَى المُخْتَارِ، واتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الإِبَاحَةَ، أوْ تعدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ، أوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ، وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أو بَرْدٍ، لَا إنْ نَزَعَ مَكَانَهُ. وَفِي صَلَاةٍ قَوْلَانِ، وَلَمْ يأْثَمْ إنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ، وَهِيَ نُسُكُ شَاةٍ فأعْلَى، أوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ كَالْكَفَارةِ، أوْ صِيامُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ (٢)، وَلَوْ
(١) وقوله: وتقريد بعيره، الذي في الموطإ: حدثني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن أبي عبد الله بن الهدير أنه رأى عمر بن الخطاب يقرد بعيرًا له في طين بالسقيا وهو محرم. قال مالك: وأنا أكرهه.
قلت: لم يتبين وجه وجوب الإِطعام على من قرد بعيره من غير قتل القراد، طالما أن ذلك سنة عمرية، وقد علمت شدة عمر في الدين، وحرصه على المتابعة لرسول الله ﷺ ، كما علم أن رسول الله ﷺ أمر بالاقتداء به ﵁ في قوله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي". أو كما قال ﷺ وفي حديث آخر قال ﷺ : "اقَتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". أو كما قال ﷺ . فلا وسع الله على من لم يسعه ما وسع عمر.
(٢) وقوله: وهي نسك شاة فأعلى أو إطْعَامُ سِتَّةِ مساكين لكل مدّان كالكفارة، أو صيام ثلاثة أيام، أصل ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). أي فمن كان منكم مريضًا أو به أذىً من رأسه فحلق، فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك. قال ابن جزي: نزلت في كعب بن عجرة، حين رآه رسول الله ﷺ فقال له: "لَعَلَّكَ يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ". قال ابن جزي: وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء، التي يمنع الحاج منها إلا الصيد والوطء. وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس. ا. هـ. منه. =
стр. 606
أيَّامَ مِنىً، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِزمَانٍ أوْ مَكَانٍ إلَّا أنْ يَنْويَ بِالذِّبْحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ، ولَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْن. وَالجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ (١)، وأفْسَدَ مُطْلَقًا
= وقوله: نسك شاة، أي ذَبْحُ شاة. يقال: نسك ينسُك نَسْكًا، أي ذَبَح.
وقوله: لكل مدان هو لحديث كعب بن عجرة المتفق عليه، فإن في بعض ألفاظه: مما أخرجه مسلم، مما رواه أبو قلابة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ وَأَطْعِمْ فَرَقًا بِيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ". والفرق ستة آصع. الحديث. وفي رواية له أخرى عن عبد الله بن مغفل قال: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ".
قال البغوي في هذا الحديث: إنه إن اختار الإِطعام؛ يطعم كل مسكين نصف صاع، سواء أطعم حنطة أو شعيرًا، أو تمرًا، أو زبيبًا، خلافًا للثوري وأصحاب الرأي قالوا: إذا تصدق بالبر أطعم كل مسكين نصف صاع، وإذا تصدق بتمر أو زبيب ونحو ذلك أطعم كل واحد صاعًا. ا. هـ. منه بتصرف.
وقال البغوي أيضًا. وفي الحديث دليل على أن فدية الأذى مخيرة؛ يخير الرجل فيها بين الهدي الإِطعام والصيام، على ما نطق به القرآن. ا. هـ. منه.
هذا، ولا نص في كتاب الله. وعن رسول الله ﷺ في فدية شيء من محرمات الإِحرام غير ما تقدم لك في قول ابن جزي: وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاج من فعلها إلا الصيد الوطء، غير أني أنقل هنا ما أفتى به مالك في الموطإ، تحت عنوان: جامع الفدية، قال مالك فيمن أراد أن يلبس شيئًا من الثياب التي لا ينبغي له أن يلبسها وهو محرم، أو يقصر شعرًا ويمس طيبًا من غير ضرورة، يسارة مئونة الفدية عليه، قال: لا ينبغي لأحد أن يفعل ذلك، وإنما أرْخِصُ فيه للضرورة على أن فعل لك عليه الفدية. وسئل مالك عن الفدية من الصيام أو الصدقة أو النسك، أصاحبه بالخيار؟. وما النسك؟. وكم الطعام؟. وبأي مُدٍّ هو؟. وكم الصيام؟. وهل يؤخر شيئًا من ذلك، أم يفعله في فوره لك؟. قال مالك: كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا أو كذا، فصاحبه مخير في ذلك أيُّ شيء حبَّ أن يَفْعَلَ ذلك فَعَلَ. قال: وأمَّا النُّسك فشاةٌ وأما الصيام فثلاثة أيام، وأما الطعام فيطعم ستة مساكين كل مسكين مدَّان بالمدِّ الأول؛ مدِّ النبي ﷺ .
(١) وقوله: والجماع ومقدماته وأفسد مطلقًا، يعني ومن محظورات الإِحرام، ويترتب عليه الفساد والقضاء والهدي. ومن محظوراته أيضًا مقدمات الجماع؛ وهي الاستمتاع بما دون الفرج =
стр. 607
كاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ وَإنْ بِنَظَرٍ، وَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا أوْ بَعْدَه، إن وَقَعَ قَبْلَ إفَاضةٍ وَعَقَبَةٍ، يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَهَدْيٌ؛ كَإِنْزالِهِ ابْتِداءً، وَإِمْذَائِهِ وَقُبْلَتِهِ وَوُقوعِهِ بَعْدَ سَعْي في عُمْرَتِهِ وإلَّا فَسَدَتْ. وَوَجَبَ إتْمَامُ الْمُفْسَدِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ وَإنْ أحْرَمَ وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثَةٍ، وَفَوْريَّةُ الْقَضَاءِ وَإنْ تَطوُّعًا، وقَضَاءُ القَضَاءِ، وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي القَضَاءِ واتَّحَدَ وإنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ بِخِلَافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ، وأجْزأ إنْ عَجَّلَ، وَثَلَاثَةٌ إِنْ أفْسَدَ قَارنًا ثُمَّ فَاتَهُ وقَضَى، وَعُمْرَةٌ إنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَإحْجَاجُ مُكْرَهَةٍ وإنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهَا إنْ أعْدَمَ، وَرَجَعَتْ عَلَيْهِ كالمتَقَدِّمِ، وَفَارَقَ مَنْ أفْسَدَ مَعَهُ مِنْ إحْرامِهِ لِتَحَلُّلِهِ. ولَا يُراعَى زَمَنُ إحْرامِهِ بِخلَافِ مِيقَاتٍ إنْ شُرِعَ، وإنْ تَعَدَّاهُ فَدَمٌ. وَأجْزَأ تَمَتُّعٌ عَنْ إفْرادٍ وَعَكْسُهُ، لَا قِرانٌ عَنْ إفْرادٍ أوْ تَمَتُّعٍ وعَكْسُهُمَا، وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ، وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمِلِ، ولِذلِكَ اتُّخِذَتِ السَّلَالِمُ، ورُؤْيَة ذِراعَيْهَا لَا شَعَرِهَا وَالْفَتْوىَ فِي أمُورِهِنَّ.
= وهو مكروه، وإن نتج عنه إنزال أفسد الحج. أما ما ورد في ذلك فإليك منه ما في الموطإ: عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعليَّ بن أبي طالب وأبا هريرة، سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج فقالوا: ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي. قال: قال علي بن أبي طالب: وإذا أهلَّا بالحج من عام قابل، تفرَّقا حتى يقضيا حجهما. ا. هـ. ثم ذكر مثل هذه الفتيا عن سعيد بن المسيب، ثم قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج، ما بينه وبين أن يدفع من عرفة ويرمي الجمرة: إنه يجب الهدي وحج قابل. قال: فإن كانت إصابته أهله بعد رمي الجمرة فإنما عليه أن يعتمر ويهدي، وليس عليه حجٌّ قابل. قال مالك: والذي يفسد الحج أو العمرة حتى يجب عليه في ذلك هدي في الحج أو العمرة، التقاء الختانين وإن لم يكن ماء دافق. قال: ويوجب ذلك الماء الدافق إذا كان من مباشرة. أما رجل ذكر شيئًا حتى خرج منه ماء =
стр. 608
وَحَرُمَ بِهِ وِبِالْحَرَمَ (١) - مِنْ نَحْو الْمَدِينَةِ أرْبَعَةُ أمْيالٍ أوْ خَمْسَةٌ لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنَ الْعِراقِ ثَمَانِيةٌ لِلْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِنْ جُدَّةَ عَشَرَةٌ لآخِر الْحُدَيْبِيَةِ.
= دافق فلا أرى عليه شيئًا. ولو أنَّ رجلا قبَّل امرأته ولم يكن من ذلك ماء دافق، لم يكن عليه في القبلة إلا الهدي، وليس على المرأة التي يصيبها زوجها وهي محرمة مرارًا في الحج أو العمرة، وهي له في ذلك مطاوعة إلَّا الهدي وحجٌّ قابلٌ إن أصابها في الحج، وإن كان أصابها في العمرة فإنما عليها قضاء العمرة التي أفسدت الهدي. ا. هـ.
والبغوي أخرج بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أنه كان في حلقة مع ابن عباس، فجاء رجل، فذكر أنه وقع على امرأته وهو محرم، فقال له: لقد أتيت عظيمًا. قال: والرجل يبكي. فقال: إن كانت توبتي أن آمر بنار فأججها، ثم ألْقِي نفسي فيها فعلت. فقال: إن توبتك أيسر من ذلك، اقضيا نُسُكَكُمَا، ثم ارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قابل، فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرقا، فلا تلتقيا حتى تقضيا نسككما، واهديا هديًا. ا. هـ. قال شعيب: أخرجه البيهقي في سننه ورجاله ثقات، وإسناده صحيح. ا. هـ.
(١) وقوله: وحرم به وبالحرم، فاعله قوله بعد: تعرض بري، وهذا أوان التعرض لحرمة صيد الحرم وحرمة صيد المحرم. قال المواق: والسابع من محظورات الحج والعمرة إتلاف الصيد، قال: والصيد يحرم بسببين؛ بالإحرام وبالحرم. ثم لما كان الحرم محرمًا للصيد ولو على الحلال، شرع المصنف يبين لك حدود الحرم الذي يمنع التعرض فيه للصيد البري. فقال: من نحو المدينة أربعة أميال وخمسة للتنعيم، ومن العراق ثمانية للمقطع، ومن عرفة تسعة ومن جدة عشرة لآخر الحديبية.
قال الحطاب: سمَّاه التادلي منقطع الأعشاش، يعني الحديبية. قال: وزاد المصنف في مناسكه حدين آخرين، أحدهما مما يلي اليمن سبعة أميال إلى موضع يقال له: أضاة - بفتح الهمزة والضاد المعجمة، على وزن قناة - وقال التادلي: أضاة لِبْنِ - بكسر اللام وسكون الباء - في ثنية لِبْنٍ، والحد الثاني من طريق الجعرانة تسعة أميال، وسماه التادلي شعب أبي عبد الله بن خالد. ا. هـ. منه.
قلت: وفي أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار لأبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي ما يلي: =
стр. 609
وَيقِفُ سَيْلُ الحل دُونَهُ - تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ وَإنْ تَأنَّسَ أوْ لَمْ يُؤْكَلْ، أوْ طَيْرِ مَاءٍ وَبَيْضِهِ وَجُزْئِهِ، ولْيُرْسِلْهُ، بيدِه، أوْ رُفْقَتِهِ، وزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ لا بِبَيْتِهِ وَهَلْ وإنْ أحْرَمَ مِنْهُ؟. تأويلَانِ؛ فَلَا يَسْتَجِدُ مِلْكَهُ وَلَا يَسْتَودِعُهُ، وَرَدَّهُ إِنْ وَجَدَ مُودِعَهُ، وَإِلَّا بُقِّي. وَفِي صِحَّةِ شِرائهِ قَوْلَانِ، إلَّا الْفَأرَةَ، والحيَّةَ، والْعَقْرَبَ، مُطْلَقًا وغُرابًا، وحِدْأةً، وفي صَغيرهِما خِلَافٌ، كَعَادِيِّ سَبُعٍ؛ كَذِئْبٍ إنْ كَبُرَ، كَطيْرٍ خِيفَ إلَّا بِقَتْلِهِ، وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ؛ كَإنْ عَمَّ الْجَرادُ، واجْتَهَدَ. وإلَّا فَقيمَتُهُ وَفِي الواحدة حَفْنَةٌ.
= ذكر حدود الحرم الشريف: من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت غفار على ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن، طرف أضاة لِبْنٍ في ثنية لِبْنٍ، على سبعة أميال، ومن طريق جدة، منقطع الأعشاش على عشرة أميال، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة، على أحد عشر ميلًا، ومن طريق العراق، على ثنية خل بالمقطع على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد، على تسعة أميال. ا. هـ. منه. جـ ٢/ ص ١٣٠/ ١٣١.
قال المصنف: ويقف سيل الحل دونه. قال الحطاب: كذا نقل في النوادر عن ابن القاسم وكذا ذكر الأزرقي في تاريخه مكة - إلى أن قال: ورأيت في تاريخ الشيخ سراج الدين عمر بن فهر من أهل المائة التاسعة، في ترجمة الشيخ شمس الدين محمد بن عزم، ومما أنشدنيه من نظمه:
إن رمت للحرم المكي معرفة … فاسمع وكن واعيًا قولي وما أصفُ
واعلم بأن سيول الحل قاطبة … إذا جرت نحوه فدونه تقف
ا. هـ. منه.
قال المصنف ﵀: وحرم به - أي بالإِحرام - وبالحرم - أي وحرم بدخول حدود الحرم - على الحلال غير المحرم، تعرض صيد بري، يحترز به من صيد البحر فهو حلال للحلال والحرام، وأصل ذلك قوله تعالى في المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). قال ابن جزي الكلبي: الصيد هنا يحتمل أن يراد به المصدر =
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أو الشيء المصيد أو كلاهما، فنشأ من هذا أن ما صاده المحرم، فلا يحل له أكله بوجه، ونشأ الخلاف فيما صاده غيره. ا. هـ. منه.
ولنضرب الذكر صفحًا عن تتبع ألفاظ المختصر المنبثقة عن الإِجتهاد البحت، والتي لم نلتزم بحلها، غير أني سوف أبذل ما في وسعي من الكلام على صيد المحرم، من حيث بيان ما يجتنب من الصيد، وجواز أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد من أجله ولم يأمر به، وما يجوز للمحرم قتله من الوحش، ثم على جزاء الصيد بالنسبة للمحرم والحلال، فأقول وبالله توفيقي:
إنه يجب على المحرم أن يتجنب الصيد؛ قتله وأكله بتاتًا. أما وجوب تجنب قتله عليه فلدليل قوله تعالى في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) الآية. وقوله: حُرُمٌ، جمع حرام. يقال رجل مُحْرمٌ، وحَرَامٌ، وحِرْمٌ، ومُحِلٌّ، وحَلَالٌ، وحِلٌّ. وأما وجوب تجنب أكله فهو لحديث الصعب بن حثامة ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء أو بودَّان، فرده عليه رسول الله ﷺ . قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما في وجهه قال: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" متفق عليه.
وقال مالك في الموطإ، بعد أن ساق حديث الصعب بن حثامة المتقدم: عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عثمان بن عفَّان بالعرج وهو محرم، في يوم صائف، قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أو لا تأكل أنت؟. فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي. ا. هـ
وفي الموطإ أيضًا: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى أكل الميتة وهو محرم، أيصيد الصيد فيأكله أم يأكل الميتة؟. فقال: بل يأكل الميتة؛ وذلك بأن الله تعالى لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا في أخذه في حال من الأحوال، وقد أرخص في الميتة في حال الضرورة. قال مالك: وأما ما قتل المحرم أو ذبح من الصيد، فلا يحل أكله لحلال ولا لمحرم لأنه ليس بذكيٍّ - كان خطأ أو عمدًا - فأكله لا يحل، وقد سمعت ذلك من غير واحد. =
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، فهو ما لم يصد من أجله ولم يأمر به. دليل ذلك حديث أبي قتادة بن ربعي الأنصاري أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حمارًا وحشيًا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه وشدَّ على الحمار فقتله. فأكل منه بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأبى بعضهم. فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك، فقال: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ". ا. هـ. وهو بهذا اللفظ للبغوي. وفي بعض روايات هذا الحديث عن عبد الله ابن أبي قتادة عن أبيه قال: فبصر أصحابي بحمار وحشي، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه الفرس فطعنته، قال عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال - يعني النبي ﷺ : "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ"؟. قلنا: معنا رجله. فأخذها النبي ﷺ فأكلها. ا. هـ. أخرج هذه الرواية مسلم. وفي البخاري بلفظ: فخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألناه عن ذلك، فقال: "مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ"؟. فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكلها حتى نفدها وهو محرم. ا. هـ. شعيب على شرح السنة.
وفي الموطإ: أخرج مالك، حديث أبي قتادة بن ربعي هذا بروايتيه، أعني قوله ﷺ : "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ". وقوله ﷺ : "هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ"؟. وأخرج عن هشام بن عروة عن أبيه، أن الزبير بن العوام كان يتزود صفيف الظباء وهو محرم. قال مالك: والصفيف القديد.
وأخرج مالك بسنده عن البهزيِّ أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ". فجاء البهزيُّ - وهو صاحبه - إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار. فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فزعم أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزه. ا. هـ.
وسئل مالك عما يوجد من لحوم الصيد على الطريق هل يبتاعه المحرم؟. فقال: أما ما كان =
стр. 612
وَإِنْ فِي نَوْمٍ كَدُودٍ، وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ وَإنْ لِمَخْمَصَةٍ وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ، وتَكَرَّرَ كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ، وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَريقُهُ، أوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ، أوْ أرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ، وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ، وَرَمْيٍ مِنْهُ أوْ لَهُ، وتَعْريضِهِ لِلتَّلَفِ، وجَرْحِهِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُه وَلَوْ بِنَقْصٍ، وكَرَّرَ إنْ أخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تُحُقِّقَ مَوْتُهُ كَكُلٍّ مِنْ المشْتَرِكِينَ، وبإِرْسَالٍ لِسَبُعٍ أوْ نَصْبِ شَرَكٍ له، وبِقَتْلِ غُلَامٍ أُمِرَ بِإِفْلَاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ، وهَلْ إِنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أوْ لَا؟. تأْويلان، وَبِسَبَبٍ وَلَو اتّفَقَ كَفَزعِهِ
= من ذلك يعترض به الحاجُّ ومن أجلهم صيد، فإني أكرهه وأنهي عنه، فأما أن يكون عند رجل لم يرد به المحرمين، فوجده محرم فلا بأس به. ا. هـ. منه.
وأما ما يجوز للمحرم قتله من الوحش
ففي الموطإ ما نصه: مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، والْحِدَأَةُ، والْعَقْرَبُ، والْفَأْرَةُ، والْكَلْبُ الْعَقُورُ". ورواه بهذا اللفظ أيضًا عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر وعن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ والْغُرَابُ، والْحِدَأَةُ والْكَلْبُ الْعَقُورُ".
وعن مالك عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب أمر بقتل الحَيَّات في الحرم. وقال مالك في الكلب العقور، الذي أمر بقتله في الحرم: إِنَّ كُلَّ ما عقر الناس وعَدَا عليهم وأخافهم؛ مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو الكلب العقور. وأما ما كان من السباع لا يعدو مثلُ الضَّبُعَ والثعلب والهر وما أشبههن من السباع، فلا يقتلهن المحرم، فإن قتله فداه. وأما ما ضر من الطير فإن المحرم لا يقتله، إلا ما سمَّى النبي ﷺ : الغرابُ والحِدَأةُ، وإن قتل المحرم شيئًا من الطير سواهما فداه. ا. هـ. منه.
وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن إبراهيم بن نافع قال: سمعت الحسن بن مسلم يقول: سئل طاوس عن الجعل والوزغ يقتله المحرم، قال: لا بأس به. =
стр. 613
فَمَاتَ، والأظهر والأصَحُّ خِلَافُهُ؛ كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لماء، وَدِلَالَةِ مُحْرِمٍ أوْ حِلٍّ وَرَمْيِه عَلَى فَرْعٍ أصْلُهُ بِالْحَرَمِ أوْ بِحِلٍّ، وَتَحَامَل فَمَاتَ بِه، إِنْ أنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وكذا إنْ لَمْ يُنْفِذْ عَلَى الْمُخْتَارِ، أوْ أمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ. وَإِلَّا فَعَلَيْهِ وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الأَقَلَّ. وَللْقَتْلِ شَرِيكَانِ. وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ كَبَيْضِهِ وَفِيهِ الْجَزاءُ إنْ عَلِمَ وأكَلَ لَا فِي أكْلِهَا. وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ وإنْ سَيُحْرِمُ، وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ، ولَيْسَ الإِوَزُّ والدَّجَاجُ بِصَيْدٍ بِخِلَافِ الْحَمامِ.
= وحدثنا وكيع عن إبراهيم قال: سألت عطاء عن الوزغ يقتل في الحرم قال: إذا آذاك فلا بأس به.
وحدثنا أبو بكر قال: نا حفص عن ليث عن مجاهد، عن ابن عمر قال: اقتل الوزغ في الحل والحرم. ا. هـ. بلفظه.
وأمَّا جزاء الصيد
فقد جاء في ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (١).
قال مالك في الموطإ: والذي عليه الأمر عندنا أن من أصاب الصيد، وهو محرم، حكم عليه بالجزاء. قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه؛ أن يقوّم الصيد الذي أصاب فينظر كم ثمنه من الطعام؟. فيطعم كل مسكين مدًّا، أو يصوم مكان كل مد يومًا، وينظر كمْ عِدَّةُ المساكين؟. فإن كانوا عشرة صام عشرة أيَّام، وإن كانوا عشرين مسكينًا، صام عشرين يومًا. عددهم ما كانوا، وإن كانوا أكثر من ستين مسكينًا. قال مالك: سمعت أنه يحكم على من قتل الصيد في الحرم وهو حلال، بمثل ما يحكم به على المحرم الذي يقتل الصيد في الحرم وهو محرم. ا. هـ. منه. =
стр. 614
وَحَرُمَ بِهِ قَطْعُ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ والسَّنَا كَمَا يُسْتَنْبَتُ وَإنْ لَمْ يُعَالَجْ، وَلَا جَزَاءَ كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْحِرَارِ وشَجَرِهَا بَريدًا فِي بَرِيدٍ. وَالجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقيهَيْنِ بِذلِكَ، مِثْلُهُ مِنَ النِّعَمِ أوْ إطْعَامٌ بِقِيمَة الصَيْدِ يَوْمَ التَّلَفِ، بِمَحَلِّهِ وَإلَّا فَبِقُرْبِهِ، وَلَا يُجْزئُ بِغَيْرِهِ، ولَا زَائِدٌ عَلى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ إلَّا أنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلَانِ. أوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ، وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ، فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ، والْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ، وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرُه، بَقَرَةٌ، والضَّبُعُ والثَّعْلَبُ شَاةٌ.
= وقد ورد في بعض الصيد تقدير اللازم فيه عن بعض الصحابة - ومنهم من يرفع ذلك إلى النبي ﷺ فمن ذلك ما روي عن ابن أبي عمار. قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟. فقال: نعم. فقلت: أيؤكل؟. فقال: نعم. فقلت سَمِعْتَهُ من رسول الله ﷺ ؟. قال: نعم. ا. هـ. هذا الحديث رواه الشافعي، وأخرجه أبو داود، والنسائي، والدارقطني، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. والبغوي، وهذا اللفظ له.
وفي البغوي أيضًا بسنده عن مالك عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَناق، وفي اليربوع بجفرة. قال شعيب في تعليقه: أخرجه الموطأ في الحج، وعبد الرزاق، وفيه عنعنة أبي الزبير، ومع ذلك فقد صححه الحافظ في التلخيص. وروي عن عروة بن الزبير أنه قال: في بقرة الوحش بقرة، وفي الشاة من الظباء شاة. قال شعيب: هو في الموطإ، وإسناده صحيح.
قال البغوي: قال مالك؛ ولم أزل أسمع أن في النعامة - إذا قتلها المحرم - بدنة. وهذا كله دليل على أن المثل المجهول في الصيد، إنما هو من طريق الخلقة لا من طريق القيمة. فإن هذه الأعيان من الغنم جزاء لما أصابه من هذه الصيود سواء وفت بقيمتها أو لم تف بها، ولو كان الأمر موكولًا إلى الاجتهاد لأشبه أن لا يكون بدله مقدرًا. ا. هـ. منه.
وقول المصنف: والجزاء بحكم عدلين فقيهين، وهو لقوله تعالى في المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). الآية. =
стр. 615
كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا بِلَا حُكْمٍ، وَلِلْحِلِّ. وَضَبٍّ وأرْنَبٍ ويَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ، الْقيمَةُ، طَعَامًا. والصَّغيرُ والْمَرِيضُ والْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ، وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَا وَإنْ رُوِيَ فِيهِ فِيهِ، وَلَهُ أنْ يَنْتَقِلَ إلَّا أن يَلْتَزِمَ فتأوِيلَانِ، وَإن اخْتَلَفَا ابْتُدِئَ، والأوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إنْ تَبيَّنَ الْخَطَأُ. وَفِي
= قال الحطاب في هذا المحل من شرحه لخليل ما نصه: يعني أنه يشترط في الجزاء حكم حكمين، وتشترط فيهما العدالة، ويشترط فيهما الفقه بأحكام الصيد. قال ابن جزي الكلبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١). قال: مفهوم الآية يقتضي أن جزاء الصيد على المتعمد لا على الناسي. وبذلك قال أهل الظاهر. وقال جمهور الفقهاء: المتعمد والناسي سواء في وجوب الجزاء. قالوا: الجزاء على المتعمد ثبت بالقرآن، والجزاء على الناسي ثبت بالسنة. قال ومعنى الآية عند مالك والشافعي: إن من قتل صيدًا وهو محرم، أن عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيد في الخلقة والمنظر؛ ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة شاة. فالمثلية على هذا هي في الصورة والمقدار، فإن لم يكن له مثل أطعم أو صام.
قال: وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه، فعليه إعادته بالحكم، إلَّا حمام مكة فإنه لا يحتاج إلى حكمين. قاله مالك.
قلت: لما روي عن ابن عباس أن غلامًا من قريش قتل حمامة من حمام مكة، فأمر أن يفدي عنه بشاة. قال شعيب: أخرجه الشافعي، وإسناده صحيح. وأخرج عبد الرزاق أن عمر وابن عباس حكما في حمام بشاة. وروي مثل ذلك عن عثمان. ا. هـ.
قال ابن جزي: ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه لعموم الآية. وقال الشافعي: يكتفى في ذلك بما حكمت به الصحابة. ا. هـ. منه.
стр. 616
الجَنِينِ والْبَيْضِ عُشُرُ دِيَة الأمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ، وَدِيَتُهَا إن اسْتَهَلَّ. وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ والصَّيْدِ مُرَتَّبٌ (١)، هَدْيٌ، ونُدِبَ إِبِلٌ فَبَقَرٌ، ثم صِيامُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ مِنْ إحْرَامِهِ؛ وَصَامَ أيَّامَ مِنىً بِنَقْصٍ بِحَجٍّ، إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنىً. وَلَمْ تُجْزِ إنْ قُدِّمَتْ عَلى وُقُوفِهِ، كَصَوْمٍ أيْسَرَ قَبْلَهُ، أوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ، وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَوُقُوفُه بِهِ الْمَوَاقِفَ، وَالنَّحْرُ بِمِنىً إنْ كانَ فِي حَجٍ، وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أوْ نائِبُهُ كَهُوَ بأيَّامِهَا وَإلَّا فَمَكَّةُ، وَأجْزَأَ إِنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ، كَإِنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا ونُحِرَ، وَفي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ، وَإِنْ أرْدَف لِخَوْفِ فَوَاتٍ أوْ لِحَيْضٍ أجْزَأ التَّطَوُّعُ لِقِرانِهِ؛ كأن سَاقَهُ فيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ وتُؤُوِّلَتْ أيْضًا بِمَا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ، والْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ، وكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِه، كالْأضْحِيَةِ.
(١) وقوله: وغير الفدية والصيد مرتب، يريد به - والله أعلم - أن غير جزاء الصيد وما يلزم من الفدية، وذلك هو ما يلزم من نية القران أو التمتع، أو من ترك واجب في حج أو عمرة، مرتب مرتبتين لا ثالث لهما، لا ينتقل عن المرتبة الأولى منهما إلا بعد عجزه عنها؛ وهما لزوم الدم أولًا، ثم صيام عشرة أيام.
وقوله: هدي وندب إبل، يريد به - والله أعلم - أن غير الفدية والصيد يقال له: الهَدْيُ، وإنه يندب أن يكون إبلًا، لمن قدر على ذلك، بمعنى أن الأفضل أن يكون الهدي إبلًا فيلي ذلك البقر، فالضأن، فالمعز.
قال البغوي: قال علي وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. (١) هي بدنة أو بقرة. قال: والهَدْيُ والْهَدِيُّ ما يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها. الواحد هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ؛ أهل الحجاز يخففون الهدي، وتميم يثقلون الياء. وفي الحديث المتفق عليه عن علي =
стр. 617
وَإنْ مَاتَ مُتَمتِّعٌ فالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ، وسِنُّ الْجَمِيع وعَيْبُهُ كالضَّحِيَّةِ، والمُعْتَبَرُ حِينَ وُجُوبِه وتَقْلِيدِهِ، فَلَا يُجْزئ مُقَلَّدٌ بِعَيْبٍ ولَوْ سَلِمَ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ إنْ تَطَوَّعَ، وَأرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إن بَلَغَ، وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهِ. وفي
= ﵁: أن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة؛ فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها. ا. هـ.
قال البغوي: وهذا الحديث دليل على أن ما ذبح قربة لله تعالى لا يجوز بيع شيء منه، فإنه ﷺ لم يجوّز أن يعطى الجزار شيئًا من لحم هديه في مقابلة عمله، وكذلك ما ذبح لله تعالى من أضحاة وعقيقة ونحو ذلك، ولا مانع من أن يعطى الجزار شيئًا من لحومها يتصدق به عليه، أما لأجل عمله فلا.
وقال مالك: يجوز أن يأكل المتمتع من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه، إلا من فدية الأذى، وجزاء الصيد، والمنذور. وقال الشافعي: يأكل من هدي التطوع فقط، ومن تطوع الأضحية، أما ما كان واجبًا بالشرع من الهدي؛ مثل دم التمتع، والقران، والواجب بإفساد الحج، وفواته، وجزاء الصيد، فلا يجوز له أن يأكل منه شيئًا. وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، بل يتصدق بجميع ذلك.
وقد ورد في أكل لحوم الهدي قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (١). الآية.
ومن حديث جابر عند مسلم والبخاري: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فرخص لنا النبي ﷺ فقال: "كُلُوا وَتَزَوَّدُوا". فأكلنا وتزودنا. وورد في الهدي إذا عطب، ما رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه، أن صاحب هَدْي رسول الله ﷺ قال لرسول الله ﷺ : كيف أصنع بما عطب من الهدي؟. فقال له رسول الله ﷺ : "انْحَرْهَا ثُمَّ أَلْقِ قِلَادَتَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا يَأْكُلُونَهَا". وروى عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الخزاعي، قال: قلت: يا رسول الله، كيف أصنع بما عطب من البدن؟. قال: "انْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا يَأْكُلُونَهَا". =
стр. 618
الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ في غَيْرٍ. وسُنَّ إشْعَارُ سُنُمِهَا مِنَ الأَيْسَرِ لِلْرَّقَبَةِ مُسَمِّيًا، وتَقْلِيدٌ. وَنُدِبَ نَعْلَانِ بِنَبَاتِ الأَرْضِ، وتَجْلِيلُهَا وَشَقُّهَا إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ. وقُلِّدَتِ الْبَقَرُ فَقَطْ إلَّا بأسْنِمَةٍ، لَا الْغَنَمُ، ولَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقًا، عَكْسُ الْجَمِيعِ، فَلَهُ إِطْعَامُ الْغَنِيِّ والْقَرِيبِ، وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ إِلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، والْفِدْيَةَ والجزاءَ بَعْدَ الْحِلِّ وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ إِنْ عَطِبَ قَبْل مَحَلِّهِ، فَتُلْقَى قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ ويُخَلَّى لِلنَّاسِ، كرَسُولِهِ، وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ بِأَخْذِ شَيْءٍ؛ كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ، بَدَلَهُ، وَهَلْ إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ فَقَدْرُ أَكْلِهِ؟. خِلَافٌ، والخطَامُ والْجِلَالُ كاللَّحْمِ، وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ أجْزَأَ، لَا قَبْلَهُ، وَحُمِلَ الْوَلَدُ عَلى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا، وإلَّا، فإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ فكالتَّطَوُّعِ. وَلَا يَشْرَبُ مِنَ اللَّبَنِ وَإِنْ فَضَلَ. وغَرِمَ إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الأُمَّ أوِ الْوَلَدَ، مُوجَبَ فِعْلِهِ، ونُدِبَ عَدَمُ رُكُوبهَا بلا عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ النُّزولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ، وَنَحْرُهَا قائمَةً أوْ مَعْقُولةً، وأجْزأ إن ذَبَحَ غَيْرُهُ عَنْهُ مُقَلَّدًا، وَلَوْ نَوى عَنْ نَفْسِهِ إِنْ غَلِطَ. وَلَا يُشْتَركُ فِي هَدْيٍ. وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ إِنْ قُلِّدَ، وقَبْلَ نَحْرِهِ، نُحِرَا مَعًا إنْ قُلِّدَا وَإِلَّا بِيعَ واحد.
= وجاء في ركوب الهدي حديث أبي هريرة عند مسلم: بينما رجل يسوق بدنة مقلدة، فقال له رسول الله ﷺ : "ارْكَبْهَا". فقال: إنها بدنة يا رسول الله. قال: "وَيْلَكَ ارْكَبْهَا. وَيْلَكَ ارْكَبْهَا". قال البغوي: وفيه دليل على أن من ساق بدنة هديًا، جاز له ركوبها غير مضرّ بها ويحمل عليها. وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
والسنة أن يذبح هديه بيده إن قدر عليه؛ لما روى جابر قال: ساق رسول الله ﷺ مائة بدنةٍ، فنحر منها ثلاثًا وستين بيده. ا. هـ.
والسنة نحر الإِبل قيامًا مقيدة؛ للحديث المتفق عليه عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيدة، سنة محمد ﷺ . ا. هـ.
стр. 619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما ضياع الهدي أو موته، فقد ورد فيه ما روي عن ابن عمر أنه قال: مَن أهدى بدنة فضلّت أو ماتت، فإنها إن كانت نذرًا أبدلها، وإن كانت تطوعًا؛ فإن شاء أبدلها، وإن شاء تركها. وهو في الموطإ في الحج، باب العمل في الهدي إذا عطب أو ضل.
وقوله: والخطام والجلال كاللحم، هو لحديث علي المتفق عليه الذي تقدم آنفًا. ولما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه كان يجلِّلُ بدنه القباطيَّ والأنماط والحلل، ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها. وسأل مالك عبد الله بن دينار: ما كان عبد الله بن عمر يصنع بجلال بُدُنِه حين كسيت الكعبة هذه الكسوة؟. قال: كان يتصدق بها. ا. هـ. وهو في الموطإ أيضًا.
وقوله: ولا يشرب من اللَّبن وإن فضل ألخ، قال عروة بن الزبير: إذا اضطررت إلى بدنتك، فاركبها ركوبًا غير فادح. وإن اضطررت إلى لبنها فاشرب ما بعد ريِّ فصيلها، فإذا نحرتها فانحر فصيلها معها. أخرجه مالك في الموطإ.
وقوله: وحمل الولد على غير ثم عليها ألخ. قال عبد الله بن عمر: إذا أنتجت البدنة، فليحمل ولدها حتى ينحر معها، فإن لم يوجد له محمل فليحمل على أمه حتى ينحر معها. أخرجه مالك في الموطإ أيضًا.
وقوله: ولا يشرك في هدي، قال البغوي: الهدي الواجب بالشرع أو بالنذر المطلق مختص بالنعم؛ وهي الإِبل والبقر والغنم. فإن نذر أن يهدي شيئًا آخر من ثوب أو متاع يلزم، وعليه حمله إلى مكة والتصدق به على مساكينها، فإن لم يمكن نقله، باعه وتصدق بثمنه على مساكين الحرم.
أما عدم الإِشراك في الهدي، إن كان المصنف يريد به في الشاة الواحدة، فهو كما قال؛ فإنه لا تجوز الشاة في الهدي إلا عن واحد، وإن كان يريد به الإِطلاق، فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرةً بينهن. أخرجه أبو داود في المناسك، باب هدي البقر. وابن ماجه في الأضاحي. باب عن كم تجزئ البدنة والبقرة.
وفي الموطإ، والبخاري، ومسلم من حديث عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة تقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس ليال بقين من ذي القعدة، ولا نرى إلا أنه الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة =
стр. 620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أن يحل. قالت عائشة: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟. فقالوا: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه.
وقوله قبْلُ: وسن إشعاره ألخ، هو لما أخرجه أبو مصعب، عن مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة، قلده وأشعره بذي الحليفة؛ يقلد قبل أن يشعره في مكان واحد، وهو موجهه للقبلة؛ يقلِّدُه نعلين ويشعره من الشِّقِّ الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف بعرفة بين الناس، ثم يدفع به، فإذا قدم منى غداة النحر، نحره قبل أن يحلق أو يقصر. وكان ينحر هديه بيده؛ يصفهّن قيامًا، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل ويطعم. أخرجه الموطأ، باب العمل في الهدي حين يساق. قال البغوي: قال نافع: كان إذا وخز في سنام بُدُنه قال: بسم الله، والله أكبر. قال مالك: من اشترى الهدي بمكة يخرجه إلى الحل ثم يسوقه إلى مكة فينحر بها.
تنبيه: اختلف العلماء؛ متى تقطع التلبية؟. قال مالك فيمن أحرم بالعمرة من بعض المواقيت؛ فإنه يقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم. ومن أحرم من التنعيم يقطعها حين يرى البيت. وقال مالك فيمن أحرم بالحج: يلبي حتى تزول الشمس من يوم عرفة، فإذا زالت الشمس قطعها. ويروى ذلك عن علي ﵁، وعن عائشة ﵂، أنها كانت تترك التلبية إذا راحت إلى الموقف. قاله البغوي.
غير أنه اتفق الشيخان عن عبد الله بن عباس قال: أخبرني الفضل بن عباس أن رسول الله ﷺ أردفه من جمع إلى منى، فلم يزل يلبِّي حتَّى رمى الجمرة. قال البغوي: هذا حديث متفق عليه، أخرجه محمد عن الضحاك بن مخلد، وأخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، كلاهما عن ابن جريج. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم عن أصحاب النبي ﷺ فمن بعدهم؛ أن الحاج لا يزال يلبي حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر ثم يقطعها، غير أنهم اختلفوا، فقال بعضهم: يقطعها مع أول حصاة. وبه قال الثوري والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أحمد وإسحاق: يلبي حتى يرمي الجمرة، ثم يقطعها.
وأما المعتمر، فقد ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأكثر أهل العلم: يلبي المعتمر حتى يفتتح الطواف، مستلمًا وغير مستلم. =
стр. 621
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وروي عن ابن عمر أنه كان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحرم. وروي مثل ذلك عن عروة بن الزبير. اهـ. أنظر البغوي. وبالله التوفيق.
تتمة: في الكلام على شجر حرم مكة وقول المؤلف: وحرم به قطع ما ينبت بنفسه إلا الإِذخر والسنا ألخ قال الحطاب: أي وحرم بالحرم قطع الذي جنسه ينبت بنفسه، ولو استنبته الناس؛ كما لو استنبتت البقول البرية وشبه ذلك. وظاهر كلام المصنف أن الاحتشاش في الحرم حرام. وقد صرح في المدونة أنه مكروه. قال فيها: وجائز الرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر، وأكره أن يحتش في الحرم - حلال أو حرام خيفة قتل الدواب - وكذلك المحرم في الحل - فإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم. وأكره لهم ذلك. ا. هـ. منه.
وقال المواق: ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئًا يبس أو لم ييبس - من حرم مكة أو من حرم المدينة - فإن فعل فليستغفر الله ولا جزاء فيها. وفيها: ولا بأس بقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرمان والفاكهة كلها والبقل كله، والكراث، والخس، والسلق، وشبهه، والقثاء، والإِذخر. ابن يونس: لأن ما أنبته الناس إنسي مثل إنسي الحيوان.
وقول المصنف: ولا جزاء، يقرر به أنه لا جزاء على من قطع في الحرم ما يحرم قطعه. قيل: لأن الجزاء قدر زائد على التحريم فلا فيه من دليل، ولا دليل، فليس فيه إلا الاستغفار. وبذلك قال مالك، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، قال: لا أجد دليلًا أوجب به في شجر الحرم فرضًا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: يستغفر الله. أنظر ابن قدامة في المغني.
وقول المصنف رحمة الله عليه: والسنا، يعني النبت المعروف المدر للصفراء والمسهل. قال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السَّنا يستمشى به ولا ينزع من أصله. ورخص فيه عمرو بن دينار. ا. هـ. منه بلفظه.
الكلام على حرم المدينة، وعلى صيده وشجره
قول المؤلف عليه رحمة الله: كصيد المدينة بين الحرار، وشجرها، بريدًا فىِ بريد. قال المواق: الاصطياد في حرم المدينة حرام، فإن صاد، ففي المدينة لا جزاء فيه. والأقيس أن فيه =
стр. 622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الجزاء ولا يؤكل. قال: وفي الموطإ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا". قال الباجي: يريد حرتيها. واللابة: الحرة. وهاتان الحرتان؛ إحداهما حيث ينزل الحاج، والأخرى تقابلها شرقي المدينة. قال ابن نافع: وحرتان أخريان أيضًا من ناحية القبلة والجرف. قال ابن نافع: فما بين هذه الحرار في الدور كله يحرم أن يصاب فيه صيد، وحرم قطع الشجر منها على بريد من كل شق حولها كلها. ا. هـ. من بتصرف قليل.
وفي مغني ابن قدامة، قال أحمد: ما بين لابتيها حرام بريدٌ في بريدٍ، كذا فسر مالك بن أنس. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ جعل حول المدينة اثني عشر ميلًا حمىً. رواه مسلم. ا. هـ.
قال ابن قدامة: فمن فعل مما حُرِّم عليه شيئًا ففيه روايتان: إحداهما: لا جزاء فيه وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو قول مالك والشافعي في الجديد؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلم يجب فيه جزاء كصيد وَجٍّ.
والثانية: يجب فيه الجزاء. روي ذلك عن ابن أبي ذئب، وهو قول الشافعي في القديم وابن المنذر؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "إِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ". فوجب في هذا الحرم الجزاء كما وجب في ذلك، إذ لم يظهر بينهما فرق. ا. هـ. قال: ويفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين:
الأول: إنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف؛ لما روى الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ لما حرّم المدينة قالوا: يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخِّصْ لنا. فقال: "الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَة وَالْعَارِضَةُ وَالْمَسْنَدُ، فَأَمَّا غَيْرُ ذلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ". قال خارجة. رواه عنه إسماعيل بن أويس. المسند: مرود البكرة. فاستثنى ذلك وجعله مباحًا كاستثناء الإِذخر بمكة.
الثاني: أن من صاد صيدًا خارج المدينة، ثم أدخله إليها لا يلزمه إرساله؛ لقوله ﷺ : "يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ"؟. فقد أقره على اللعب به. ا. هـ. منه بتصرف. =
стр. 623
موانع الحج والعمرة الطارئة بعد الإِحرام
وَإن مَنَعَهُ عَدُوٌّ، أوْ فِتْنَةٌ، أوْ حَبْسٌ لَا بِحَقٍّ، بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ - إن لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وأيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَلَا دَمَ - بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ، وَلَا دَمَ إنْ أخَّرَهُ (١). وَلَا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مَخُوفٌ، وَكُرِهَ إِبْقَاءُ إحْرَامِهِ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أوْ دَخَلَهَا، وَلَا يَتَحَلَّلُ إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ، وإلَّا، فثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَلَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ، وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَن الْبَيْتِ فَحَجُّهُ تَمَّ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا بالْإِفاضَةِ، وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتِ مِنىً وَمُزْدلِفَةَ هَدْيٌ؛ كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ. وَإِنْ حُصِرَ عَنِ الْإِفَاضَةِ أوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ؛ كَمَرَضٍ أوْ خَطَإ عَدَدٍ، أوْ حَبْسٍ
= قلت: ويفارق حرم المدينة حرم مكة بشيء ثالث، وهو وجود النص على جواز أخذ سلب من وجد يقطع شيئًا من شجر حرم المدينة، وعدم وجود ذلك بالنسبة لحرم مكة؛ فقد روى مسلم بإسناده عن عامر بن سعد، أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا ويخبطه، فسلبه. فلما رجع سعد جاء أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم. فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ . فأبى أن يرد عليهم. ا. هـ. المغني.
(١) وقوله: وإن منعه عدو أو فتنة، أو حبس، لا بحق، بحج أو عمرة، فله التحلل - إن لم يعلم به، وأيس من زواله قبل فوته، ولا دم - بنحر هديه وحلقه ولا دم إن أخره. قال المواق: لا خلاف فيمن أحصر بعدو، وهو محرم بحج أو عمرة، أن له أن يحل ولا قضاء عليه إذا لم تكن حجة الإِسلام. قال: وفيها لمالك: والمحصر بعدو غالب، أو فتنة، في حج أو عمرة يتربص مارجا كشف ذلك، فإذا أيس فليحل بموضعه حيث كان من البلاد؛ في الحرم أو في الحل، ولا هدي عليه، إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك، ويحلق ويقصر ويرجع إلى بلده، ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة، إلا أن يكون صرورة فلا يجزئه ذلك لحجة الإِسلام. وإن أخر حلاق رأسه حتى رجع لبلده حلق، ولا دم عليه. =
стр. 624
بِحَقٍّ، لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ، وَلَا يَكْفِي قُدُومُه، وحَبسَ هَدْيَهُ مَعَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَوَاتٍ، وَخَرَجَ لِلْحِلِّ إِنْ أحْرَمَ بِحَرَمٍ، أو أرْدَفَ، وأخَّر دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَضَاءِ، وَأجْزَأ إِنْ قُدِّمَ، وَإن أفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أوْ بالْعَكْسِ، وإنْ بِعُمْرةِ التَّحَلُّلِ، تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ دُونَهَا وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ، لَا دَمُ قِرَانٍ ومُتْعَةٍ لِلْفَائِتَ، ولا يُفِيدُ لِمَرَضٍ أوْ غَيْرِهِ، نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ. وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ
= ا. هـ. منه. ودليل ذلك القرآن والسنة. أما القرآن فقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). الآية قال ابن جزي في تفسيره: المشهور في اللغة: أحصره المرض - بالألف - وحصره العدو. وقيل: بالعكس. وقيل: هما بمعنى واحد. فقال مالك: هنا أحصرتم بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه الهدي، ولم يوجبه على من حصره عدو. وقال الشافعي وأشهب: يجب الهدي على من حصره العدو، وعمل الآية على ذلك، واستدل بنحر النبي ﷺ بالحديبية. ا. هـ منه.
وقد ثبت في الصحيح عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قد أحصر رسول الله ﷺ ، فحلق، وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا. قال البغوي: هذا حديث صحيح. قلت: هو في البخاري في الحج، إذا أحصر المعتمر.
وقوله: ولا يسقط عنه الفرض، قال البغوي: ثم المحصر إن كان حجه حج فرض قد استقر عليه، فذلك الفرض في ذمته، وإن كان هذا أول سنة الوجوب، أو كان تطوعًا، فهل يجب عليه القضاء؟. اختلف أهل العلم فيه؛ فذهب جماعة إلى أن لا قضاء عليه. وهو قول مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أن عليه القضاء، محتجين بما روي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروه عام الحديبية، في عمرة القضاء. قال شعيب: أخرجه أبو داود، وفيه عنعنة ابن إسحاق.
وقوله: وإن أحصر عن الإِفاضة، إلى قوله: لم يحل إلا بفعل عمرة، قال البغوي: لو أحصر عن الوقوف بعرفة، وعن دخول مكة، ثم انكشف العدو بعد الفوات لوقت الوقوف بعرفة، قبل أن يتحلل،=
стр. 625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فعليه أن يتحلل بعمل العمرة. وفي وجوب القضاء عليه قولان؛ فإن أوجبنا عليه القضاء، فعليه دم شاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام كما في التمتع، واستدل على ذلك بما رواه سالم عن ابن عمر أنه كان يقول: أليس حَسْبَكُمْ سُنَّةُ رسول الله ﷺ إن حبس أحدُكم عن الحج، طاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج عامًا قابلًا؛ فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا. ا. هـ. وهو في البخاري، باب الإِحصار في الحج.
وقول المصنف: ولا يفسد بوطء، هو لفتوى الإِمام في المبسوطة: من حل له التحلل فلم يفعل حتى أتى النساء، إنه إن نوى أن يحل فلا شيء عليه، وإن نوى أن يقيم إلى إحرامه لقابل، فسد حجه وعليه القضاء. انتهى.
وقوله: وإن وقف وحصر عن البيت فحجه تم ألخ. قال المواق: قال ابن القاسم: إن أحصر بعد أن وقف بعرفة، في كتاب محمد؛ إنه إن أحصر بمرض فقد تم حجه، ويجزئه عن حجة الإِسلام، ولا يحله إلا طواف الإِفاضة. وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار والمبيت بمزدلفة وبمنى هديٌ واحد؛ كمن ترك ذلك ناسيًا حتى زالت أيام منى. قال ابن المواز: ولو كان بعدو لم يهد. ا. هـ. منه. والله تعالى أعلم وأحكم.
وقوله: أو فاته الوقوف بغير كمرض أو خطإ عدد ألخ. هو لأن الحج عرفات، أي معظم الحج عرفات؛ يعني الوقوف بها. وقوله بغير - بالتنوين - أي بغير عدو وفتنة وحبس بغير حق، قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن الحاج إذا فاته الوقوف بعرفة في وقته فقد فاته الحج، ووقته ما بين الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر. قال مالك عن نافع: إن عبد الله بن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة، فأتاه قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج. أخرجه في الموطإ. فمن فاته الوقوف في هذا الوقت يجب عليه التحلل بعمل العمرة، من غير أن يكون ذلك محسوبًا عن العمرة، وعليه قضاء الحج من قابل، وعليه دم شاة، فإن لم يجد، صام ثلاثة أيام في الحج - في القضاء - وسبعة أيام إذا رجع. قاله البغوي.
وقوله: أو خطإ عددٍ يشير به إلى ما رواه مالك عن نافع، عن سليمان بن يسار، أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر - وعمر بن الخطاب ينحر هديه - فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا العِدَّة؛ كنا نظن أن =
стр. 626
مَالٍ لِحَاصِرٍ إِنْ كَفَّرَ، وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا تَرَدُّدٌ، وللْوَليِّ مَنْعُ سَفِيهٍ كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ، وَإِنْ لَمْ يَأذَنْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ وعَلَيْهَا القَضَاءُ، كَعَبْدٍ. وَأثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَلَهُ مُباشَرَتُهَا، كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ المِيقاتِ، وإلَّا فَلَا إِنْ دَخَلَ، وَللْمُشْتَرِي - إن لَمْ يعلم - رَدُّهُ لَا تَحْلِيلُهُ، وَإنْ أذِنَ فَأفْسَدَ لَمْ يَلْزَمْهُ إذنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الأصَحِّ، وَمَا لَزِمَهُ عَنْ خَطَإ أوْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ أذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الإِخْرَاجِ وَإلَّا صَامَ بِلَا مَنْعٍ، وَإِنْ تَعَمَّدَ فَلَهُ مَنْعُهُ إنْ أضَرَّ بِه في عَمَلِهِ.
= هذا اليوم يوم عرفة. فقال له عمر: اذهب إلى مكة، فطف أنت ومن معك بالبيت، واسعوا بين الصفا والمروة، وانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا فإن كان عام قابلٍ فحجوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. ا. هـ. وفي الموطإ أن عمر ﵁ قال مثل ذلك لأبي أيوب الأنصاري ﵁.
قال المواق هنا: المنع لسبب عام فله حكم الحصر، وإن كان بسبب خاص - كالمسجون في ديْن والمريض ومن ضل عن الطريق أو أخطأ العدد - فلا يحل إلا بالبيت، إلى أن قال: ولو أقام سنين فيتحلل بأفعال العمرة عن إهلاله الأول، ولا يعتبر بما فعله قبل الحصر، ويعيد من غير تجديد إحرام. ا. هـ. منه. والله أعلم وأحكم.
وقوله: ولولي منع سفيه، قال المواق: قال مالك: لا يحج السفيه إلا بإذن وليه، إن رأى ذلك نظرًا أذن وإلَّا فلا، وإن حلله الولي فلا قضاء عليه.
وقوله: كزوج في تطوع وإن لم يأذن فله التحلل، قال المواق أيضًا: عد القرافي من موانع الحج الزوجية. ابن شاس: المستطيعة لحجة الإِسلام ليس للزوج منعها من الخروج؛ لها إن قلنا: إن الحج على الفور. وإلا فقولان للمتأخرين، إلى أن قال: فأما لو أحرمت بالتطوع من غير إذنه، لكان له منعها وتحليلها؛ فتتحلل كالمحصر، فإن لم تفعل فللزوج مباشرتها والإِثم عليها دونه، وعليها القضاء. ا. هـ. منه.
وقوله: كالعبد، قال الحطاب: يعني أن العبد إذا لم يأذن له سيده في الإِحرام فله أن يحلله، ويجب عليه القضاء، يعني إذا عتق أو أذن له السيد على المشهور. ا. هـ. منه. =
стр. 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قلت: وهذا ليس مما التزمت به؛ لأنها مسائل اجتهادية بحتة لا نص فيها. فالله أعلم بها. وجزى الله أئمة الاجتهاد خير الجزاء.
تذييل: تأمل قول المصنف - رحمة الله عليه - في الركن الرابع من الحج: وللحج حضور جزء عرفة ساعة لية النحر، ولو مر إن نواه، أو بإغماء قبل الزوال، أو أخطأ الجم بعاشر فقط، يريد بقوله: فقط: إنه إن كان وقوفهم وقع خطأ في الثامن، فإنه لا يجزئهم. وقد وقفت على نص المقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل في الموضوع. قال: وإن أخطأ الناس؛ فوقفوا في غير يوم عرفة، أجزأهم. قال ابن مفلح في المبدع في شرح المقنع هنا: وإن أخطأ الناس في غير يوم عرفة؛ كالثامن والعاشر، أجزأهم. نص عليه؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: "يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ". قال: وذكر الشيخ تقي الدين خلافًا في مذهب أحمد؛ هل هو يوم عرفة باطنًا، على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء، أو لما يراه الناس ويعلمونه؟. والثاني الصواب؛ ويدل عليه لو أخطؤوا لغلط في العدد، أو في الطريق ونحوه، فوقفوا العاشر، لا يجزئهم إجماعًا، ا. هـ. منه.
انظر - رحمك الله - إلى أين وصل التناقض بين المذهبين في هذه المسألة. أمَّا أصحابنا فإنهم قد قصروا الإِجزاء على المخطئ الواقف بالعاشر فقط، وأمَّا السادة الحنابلة فقد حكى بعضهم الإِجماع على بطلان من وقف بالعاشر وإن كان الجم الغفير. أليس الخيار أن يتبع في ذلك ما ورد فيه سند إلى رسول الله ﷺ ؟. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) الآية. أما الكتاب فلم يرد فيه شيء في محل النزاع، وأما السنة فقد أخرج الدارقطني في سننه ما نصه: نا أحمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الجنيد، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن السفاح بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ". وحدثنا محمد بن عمرو بن البختري، نا أحمد بن الخليل، نا الواقدي، نا ابن أبي سبرة، عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي، عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "عَرَفَةُ يَوْمَ يُعَرِّفُ =
стр. 628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= النَّاسُ". وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا العباس بن محمد بن هارون وعلي بن سهل، قالا: نا إسحاق بن عيسى الطباع، عن حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِروُنَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ".
وحدثنا ابن صاعد ومحمد بن هارون أبو حامد قالا: نا أزهر بن جميل، نا محمد بن سواء، ثنا روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ".
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، نا أبو هشام الرفاعي، نا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة، قال أبو هشام، أظنه رفعه، قال: "الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحِّي النَّاسُ".
قال في التعليق المغني على سنن الدارقطني: أما حديث "عَرَفَةُ يَوْمَ يُعَرِّفُ النَّاسُ". أي يعرف فيه. وهذا الحديث مرسل. قلت: ونحن ممن يحتج بالمراسيل. قال: كذا ما بعده، وفيه الواقدي وهو ضعيف جدًا - يعني حديث زيد بن طلحة التيمي. قلت: وإن كان ضعيفًا فقد تابعه غيره.
قال وقوله: "فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ". يعني حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة. قال: إسناده صحيح وكذا ما بعده، والحديث أخرجه أبو داود أيضًا من حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "الْفِطْر يَوْمَ تُفْطِروُنَ، والْأضْحَى يَوْمَ تضَحُّونَ". وابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، ورواه الترمذي من حديث المقبري عنه، وابن ماجه من حديث ابن سيرين عنه، ورواه مجاهد بن إسماعيل عن سفيان عن ابن المنكدر عن عائشة مرفوعًا بلفظ: "عَرَفَةُ يَوْمَ يُعَرِّفُ الْإِمَامُ". تفرد به مجاهد. قاله البيهقي. قال: ومحمد بن المنكدر عن عائشة مرسل. كذا قال. وقد نقل الترمذي عن البخاري أنه سمع منها، وإذا ثبت سماعه منها أمكن سماعه من أبي هريرة، فإنه مات قبلها. ا. هـ. منه. بلفظه.
قلت: قد تقدم مني الكلام في هذا الكتاب المبارك على هذه المسألة، عند قول المصنف في الحج: أو أخطأ الجم الغفير بعاشر فقط، وفي الصوم عند قول المصنف: فإن لم ير بعد ثلاثين صحوًا كذبا. وها أنا تكلمت عليها هنا، والله يعلم أنه ما حملني على الاهتمام بها هذا الاهتمام، إلا ما شاهدته من =
стр. 629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تلاعب الشيطان ببعض إخواني في بعض أقطار الإِسلام، من عدم اعتبار إعلان السلطات الشرعية إعلانًا شرعيًا؛ يجب به الفطر، والوقوف بعرفة، وتضحي بموجبه الناس. ولا يخفى عند من له أدنى مسكة من علم، أن السلطان التي تجب طاعته، هو صاحب السلطة، سواء تقلدها ببيعة أو بتغلب، وإنه لا يشترط في طاعته ووجوبها إِلا الإِسلام فقط، اللهم إلا إذا أمر بمعصية الله.
قال في النوازل:
ومن تغلب وعمَّت طاقتُه … قد وجبت على الجميع طاعته
لذلك، فإني أرى أن من بلغه إعلان السلطات الفطر، وأصبح صائمًا على الرغم من ذلك، إنه عاصٍ بصومه ذلك؛ لأنه صام العيد المحرم صومه إجماعًا. وقد شق عصا المسلمين المحرم شقها إجماعًا، وصدق فيه أنه ممن ورد فيهم: "وَإِعْجَابُ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرأْيِهِ". فالله أرجو التوفيق والسداد لي ولجميع المسلمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 630
باب الذكاة (١)
الذَّكَاةُ قَطْعُ مُمَيِّزٍ يُنَاكَحُ (٢)، تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْن، مِنَ الْمُقَدَّمِ (٣)، بِلَا رَفْعٍ قَبْلَ التَّمَامِ (٤)، وَفِي النَّحْرِ طَعْنٌ بِلَبَّةٍ (٥)، وشُهِّرَ أيْضًا الاكْتِفَاءُ بِنِصْفِ الْحُلْقُومِ والْوَدَجَيْنِ.
(١) قوله: باب الذكاة، الذكاة اسم مصدر بمعنى المصدر. يقال: ذكَّى الشاة. تذكية، أي ذبحها. فهو من باب فعل - مضعف العين - فمصدره تفعيل، لكنه معتل اللام؛ فتحذف لام التفعيل منه ويعوض عنها التاء، فيصير مصدره على تفعلة. قال ابن مالك:
وزكّه تزكية وأجملا … وغير ذي ثلاثة مقيسُ
. . . . . . . الخ … مصدره كقدس التقديس
محل الشاهد منه قوله: وزكّه تزكية، والإِسم من هذا الفعل الذكاة، والمذبوح ذكيٌّ، فهو فعيل بمعنى مفعول.
وهذا الباب هو أول الربع الثاني من المختصر. قال الحطاب: وافتتحه بكتاب الذكاة، ثم بكتاب الضحايا لأنهما كالتتمة لكتاب الحج؛ لأن المحرم يطلب بذبح هديه أو نحره، فهو محتاج إلى معرفة كيفية الذكاة. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله الذكاة قطع مميز يناكح، يعني أن الذكاة التي هي السبب الشرعي لإِباحة أكل لحم الحيوان المباح هي أربعة أقسام منها الذبح، وهو قطع اشترط فيه شروطًا منها: أهلية الذابح لذلك؛ بأن يكون عاقلًا، ليصح منه قصد التذكية، لأنه ﷺ يقول: "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ". الحديث، وأن يكون مسلمًا أو كتابيًا، وذلك قصده بقوله: يناكح؛ أي يجوز لنا نكاح أنثاه؛ لأن الكتابي يجوز أكل ذبيحته، بدليل قوله تعالى في المائدة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١) الآية. قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم: ذبائحهم. =
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) وقوله: تمام الحلقوم، أي من الحيوان المقدور عليه، والحلقوم الوهدة التي تربط أصل العنق بالرأس. قال ابن مفلح الحنبلي: ولا يجوز في غير ذلك إجماعًا. قال عمر: النحر في اللبة والحلق لمن قدر. احتج به أحمد. وروى سعيد والأثرم عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ بُدَيل بن ورقاء يصيح في فجاج منى (١): ألا إنَّ الذكاة في الحلق واللبة. رواه الدارقطني بإسناد جيد. قال: وأما حديث أبي العشراء عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أما تكون الذكاة في الحلق واللبة؟. قال: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأجْزَأَكَ". رواه أحمد، وقال: أبو العشراء ليس بمعروف، وحديثه غلط. وقال البخاري: في حديثه واسمه، وسماعه من أبيه نظر. وقال المجد في أحكامه: هذا فيما لم يقدر عليه. وقال ابن مفلح: واختص الذبح بالمحل المذكور، لأنه مجمع العروق فتنسفح بالذبح فيه الدماء السيالة، ويسرع زهوق الروح، فيكون أطيب للحم وأخف على الحيوان. انتهى منه بتصرف.
وقوله: والودجين، يعني العرقين اللذين في صفحتي العنق، يتصل بهما أكثر عروق البدن، ويتصلان بالدماغ. ودليل قطعهما ما استدل به ابن مفلح الحنبلي في المبدع، قال: نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج. رواه أبو داود. وقال سعيد: ثنا إسماعيل بن زكريا، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس قال: إذا أهريق الدم وقطع الودج فكل. إسناده حسن. انتهى منه.
وقوله: من المقدم، هذا الشرط لا نص فيه فهو بمحض الاجتهاد. قالوا: لأن من ذبح من القفا يقطع النخاع في الرقبة، قبل أن يصل إلى موضع الذبح، فيكون بفعله ذلك قد قتل البهيمة. بقطع نخاعها، قبل أن يذكيها في موضع ذكاتها. والله تعالى أعلم وأحكم.
(٤) وقوله: بلا رفع قبل التمام، قد قيدوه بأنه بحيث لو تركها بعد رفع يده لا تعيش؛ لإِنفاذ مقتلها. والله تعالى أعلم. غير أن إطلاقهم هنا مشكل ولا دليل عليه، ولأنه قد يضطر لرفع يده ليحد الشفرة، أو لغلبة المذبوح له ونحو ذلك، وعلى كل حال فالسبيل إلى ذلك محض الاجتهاد. والله الموفق.
وقوله: وشهر أيضًا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين، في المواق ما نصه: الكافي: وينبغي أن =
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تكون الغلصمة إلى الرأس، فإن لم تكن فلا بأس. ونقل البرزلي عن ابن عرفة أن الفتوى بتونس منذ مائة عام بجواز أكل المغلصمة، وبهذا كان يفتي أشياخنا أيضًا. انتهى منه بلفظه.
قال الصنعاني: وعن مالك يشترط قطع الحلقوم والودجين؛ لقوله ﷺ : "مَا أنْهَرَ الدَّمَ". وإنهاره: إجراؤه؛ وذلك يكون بقطع الأوداج لأنها مجرى الدم. ا. هـ. منه.
ولهذا قال في المختصر: وشهر أيضًا لاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين؛ لأن المقصود إنهار الدم، وهو حاصل بفريها ولو لم يكمل قطعها. وحيث حصل إنهار الدم، وذكر اسم الله، جاز أكل الذبيحة؛ لحديث رافع بن خديج المتفق عليه: "مَا أنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ". الحديث. وبالله تعالى التوفيق.
(٥) وقوله: وفي النحر طعن بلبة، اللبة: هي الحفرة التي في الصدر في أصل العنق. قالوا. ويجزئ من النحر ما أنهر الدم؛ لما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن غلامًا من بني حارثة كان يرعى لقحة لنا، فأتاها الموت وليس معه ما يذكيها به، فأخذ وتدًا فنحرها، فسأل النبي ﷺ . فأمره بأكلها. ا. هـ. منه. وفي رواية لأبي داود: فأخذ وتدًا فوجأها به في لبتها حتى أهريق دمها، ثم جاء إلى النبي ﷺ فأمره بأكلها.
حاصل الأمر أنه يشترط في الآلة التي تجري الذكاة بها شرطان حسب منطوق النص: أن تكون محددة تقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها، وأن لا تكون سنًا ولا ظفرًا؛ وذلك لقوله ﷺ : "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفُرًا". متفق عليه. يعني سواء كان حديدًا أو حجرًا أو خشبًا أو غير ذلك. وأنه لا يجوز الذبح في غير الحلق واللبة بالإِجماع. قال ابن قدامة: وقد روي في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: "الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللُّبَّةِ". أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة، وقد تقدم قريبًا. والله الموفق.
وقال ابن قدامة: وقال أحمد: الذكاة في الحلق واللبة، واحتج بحديث عمر، وهو ما رواه سعيد والأثرم بإسنادهما عن الفرافصة، قال: كنا عند عمر فنادى: إن النحر في اللبة والحلق لمن قدر.
قلت: وهو في مصنف ابن أبي شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون أنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي معرور، عن أبي الفرافصة، الحديث. =
стр. 633
وَإنْ سَامِرِيًّا أوْ مَجُوسِيًّا تَنصَّرَ، وَذَبَحَ لِنَفْسِهِ مُسْتَحَلَّهُ، وَإنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ (١) إنْ لَمْ يَغِبْ، لَا صَبِيٍّ ارْتَدَّ، وَذِبْحٍ لِصَنَمٍ، أوْ غَيْرِ حِلٍّ لَهُ - إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا - وإلَّا كُرِهَ، كجزارَتِهِ، وَبَيْعٍ، وَإجَارَةٍ لِعيدِهِ، وَشِرَاءِ ذِبْحِهِ، وتَسَلُّفِ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَبَيْعٍ بِهِ، لا أخذِهِ قَضَاءً، وشَحْمِ يَهُودِيٍّ، وذِبْحٍ لِصَلِيبٍ أوْ عِيسَى، وقَبُولِ مُتَصَدَّقٍ بِهِ لِذلِكَ، وذكاة خُنْثَى وخَصِيٍّ وَفَاسِقٍ. وَفِي ذَبْحِ كِتَابِيٍّ لِمُسْلِمٍ
= تنبيه: ينبغي حمل حديث أبي العشراء: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأجْزَأَكَ". أنه وارد فيما لم يقدر عليه من هذه الأنعام، وذلك على فرض جواز الاحتجاج به، فقد تقدم لك كلام الإِمامين أحمد بن حنبل والبخاري فيه. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه: الدليل على صحة ذكاة المرأة - وبذلك قال جمهور علماء الأمة - هو ما أخرجه البخاري وغيره من حديث كعب بن مالك أن جارية لهم - وفي رواية ابن أبي شيبة. أن جويرية لهم سوداء - ذبحت شاة بمروة. وفي رواية أخرى للحديث: بحجر، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها. ا. هـ. وبالله التوفيق.
(١) وقوله: وإن سامريًا، يعني صنفًا من اليهود ينكرون البعث. قال جواهر الإِكليل: انكروا نبوة ما عدا موسى وهارون ويوشع بن نون من أنبياء بني إسرائيل، ويزعمون أن بيدهم توراة فيها أمور بدلها أحبار اليهود، ولا يرون لبيت المقدس حرمة، وينكرون الميعاد الجسماني، ويحرمون الخروج من جبال نابلس.
وقوله: أو مجوسيًا تنصر، المجوس قوم يعبدون النار ويزعمون أن للعالم إلهين؛ نور وظلمة، فالنور عندهم إله الخير، والظلمة إله الشر. ويعتقدون تاثير النجوم وأنها فعالة. يعني أن من كان هذا اعتقاده إن انتقل عنه إلى النصرانية أو اليهودية أكلت ذبيحته لأنه صار كتابيًا. والله تعالى يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١).
وقوله: وذبح لنفسه مستحله، احترز به عن ذبحه لمسلم، فسيأتي الكلام عليه، وكان ذبحه =
стр. 634
قَوْلَانِ. وَجَرْحُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ (١) وَحْشِيًّا، وَإِنْ تَأَنَّسَ، عَجَزَ عَنْهُ إلَّا بِعُسْرٍ،
= واقعًا لما يراه حلالًا في شرعه، فإن ذبح لنفسه ما يعتقد حرمته عليه لم يجز أكله؛ كأن يذبح ذات ظفر وهو يهودي. والله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾. الآية.
وقوله: إن ثبت بشرعنا، قال الحطاب: كذي ظفر. قال ابن عرفة عن الباجي: هي الإِبل وحمر الوحش والنعام، والإِوز، وما ليس بمشقوق الخف، ولا منفرج القائمة. ا. هـ. وقال الثعالبي في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ يريد به الإِبل والنعام، والإِوز، ونحوه من الحيوان الذي هو منفرج الأصابع وله ظفر. وقال في الشحوم: هي الثروب، وشحم الكلى، وما كان شحمها خالصًا خارجًا عن الاستثناء الذي في الآية في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (١). قال: يريد ما اختلط باللحم في الظهر والأجناب ونحوه. قال السدي: الأليات مما حملت ظهورهما. والحوايا: ما تحوى في البطن واستدار؛ وهي المصارين والحشوة ونحوها. انتهى. منه.
قال المواق: قيل يجوز الشحم لأن الذكاة لا تبعض.
وقوله: وذبح لصليب أو عيسى، قال ابن المواز: كرهه مالك لأنه خاف أن يكون داخلًا في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٢). ولم يستطع تحريمه لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣). أما ما ذبح لصنم فإنه لم تتردد في تحريمه؛ لدخوله بدون خلاف فيما أهل به لغير الله. ا. هـ. الحطاب.
تنبيه: ذبيحة الصبي المميز تؤكل عندنا إن أطاق الذبح وعرفه وكذلك صيده؛ فالذكاة معتبرة شرعًا من الذكر والأنثى، ومن البالغ والصبي المميز المطيق. ومن الحر والعبد، وسواء كان مسلمًا أو كتابيًا بالشروط المتقدمة. هذا إذا كان المذكى مذبوحًا أو منحورًا، وأما إذا كانت الذكاة عقرًا فهي
(١) وجرح مسلم مميز وحشيًا. فخرج بالتقييد هنا جرح الكافر فإنه لا يؤكل عند مالك لدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤). الآية.
ولقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (٥). ففي المدونة: يؤكل ما ذبحه أهل الكتاب ولا =
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يؤكل ما صادوه لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (١). قال علماؤنا: وافترق صيد الكتابي عن ذبحه ونحره؛ لأن في الصيد نوعًا من التعبد وللوقوف أيضًا مع الإسناد في الآية، فإنه تعالى قال في صدر الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢). فخرج عنهم أهل الكتاب. وخالف الجمهور في ذلك. قال ابن قدامة في المغني: وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم. قال ذلك عطاء، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدًا حرم صيد أهل الكتاب إلا مالكًا، فإنه أباح ذبائحهم وحرم صيدهم. ا. هـ. منه. ودليل إباحة صيدهم عند الجمهور قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣). وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما أباحت أكل طعامهم، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه.
قال القرطبي في تفسيره: وهذا الجواب بناءً على أن الصيد ليس مشروعًا عند أهل الكتاب، فلا يكون من طعامهم، فأما إن كان مشروعًا عندهم في دينهم، فإنه يلزمنا أكله لتناول اللفظ له حينئذ، لأنه من طعامهم. ا. هـ. منه بتصرف قليل.
قلت: وهذا أول الكلام على الصيد، والأصل في إباحة الصيد كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، أما الكتاب فقد قال تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤). وقال تعالى في المائدة أيضًا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٥). وقال تعالى في سورة المائدة أيضًا: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٦). فقوله: الجوارح، جمع جارحة، لأنها تجرح الصيد، أي تكسبه. ومن ذلك الاستعمال قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٧). أي ويعلم ما كسبتم بالنهار. وقوله: مكلبين، جمع مكلب، وهو الذي يسلط الكلاب على الصيد. =