. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الآية: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يضيفه، ولا يقريه، فلا بأس أن يقول: لم يضيفني، ولم يقرني. أخرجه الطبري. قالوا: والأولى حمل الآية على عمومها، فيدخل فيها من لم يقر، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم في نفسه، أو ماله، أو عرضه.
وعن عقبة بن عامر أنه قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا، فننزل بالقوم، فلا يقروننا فما ترى؟. فقال لنا رسول الله ﷺ : "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ". متفق عليه، وظاهر هذا الحديث يدل على أن قرى الضيف واجب. وهو مذهب الليث. وقال الإِمام أحمد: قرى الضيف واجب على أهل البادية دون القرى. وقال الجمهور: الضيافة سنة مؤكدة. وأجابوا عن الحديث بأنه محمول على المضطرين - أحسن ما قيل فيه - وقيل فيه غير ذلك، غير أن أبا داود أخرج من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ مَحْرُومًا، كَانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ". وإسناده صحيح. قال ابن حجر في تلخيص الحبير: إسناده على شرط الصحيح.
ويستحب للضيف إذا فرغ من الأكل أن يدعو لصاحب الطعام، ففي أبي داود أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاءه بخبز وزيت، فأكل، ثم قال النبي ﷺ : "أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائمُون، وأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ". قال شعيب: وإسناده صحيح. ا. هـ.
ويستحب الأكل بثلاث أصابع، لما روى كعب بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها. رواه الإِمام أحمد. وروي عن أحمد أنه أكل خبيصًا بكفه كلها. وروي عن عبد الله بن بريدة أنه كان ينهى بناته أن يأكلن بثلاث أصابع وقال: لا تشبَّهن بالرجال.
ويستحب للرجل عدم القيام عن السفرة، وعدم رفع اليد حتى يرفع القوم؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُمْ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ، ولَا يَرْفَعْ يَدَهُ وَإِنْ شَبعَ، حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ. فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَليسَهُ فَيَقْبِضَ يَدَهُ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ". =
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولا بأس أن يدخر الرجل لأهله قوت سنتهم، فقد كان ﷺ يدخر لأهله قوت السنة.
(٥) وقوله وفي كره القرد والطين ومنعه قولان؛ أما القرد، فقد نقل الحطاب: أجمع أهل العلم أن لحم القرد لا يؤكل. ونقل الجزولي عن ابن يونس: ثمن القرد حرام كاقتنائه. وقال في المتيطية في باب البيوع: ما لا يصح ملكه لا يصح بيعه بإجماع؛ كالحر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة وما أشبه ذلك. ا. هـ. منه بلفظه.
وقال ابن قدامة في المغني: لا يباح القرد. وكرهه عمر، وعطاء، ومجاهد، ومكحول، والحسن، ولم يجيزوا بيعه. وقال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافًا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه؛ وروي عن الشعبي أن النبي ﷺ نهى عن لحم القرد، ولأنه سبع فيدخل في الخبر، وهو مسخ أيضًا فيدخل في الخبائث المحرمة. ا. هـ. منه بلفظه.
وأما الطين، فقال الحطاب: القول بمنع الطين نقل تشهيره في المدخل. وذكر ابن عرفة عن ابن الماجشون التحريم، ولم يحك غيره. ا. هـ. منه.
قلت: والقاعدة الفقهية أن أصل كل ما يضر البدن حرام. قال شيخنا في مراقي السعود:
وأصل كل ما يضر المنع
والله الموفق
стр. 668
الضَّحَايَا والْعَقِيقَةِ
باب:
سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ بِمِنىً ضَحِيَّةٌ لَا تُجْحِفُ (١)،
باب في الضحايا: جمع أضحية - بضم الهمزة وتشديد الياء، وسمع كسر همزتها - وتجمع أيضًا على أضاحي - بتشديد الياء - ويقال: الضحية - بفتح الضاد المشددة - وتجمع على ضحايا، ويقال أيضًا: أضاح جمع أضحاة. ويقال في جمعها: أضاحي أيضًا.
قالوا: سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى وقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة في ذلك الوقت. والضحاء - بالمد - اسم للشمس، يقال: ضحى الرجل إذا تعرض للشمس. ومنه قول ابن أبي ربيعة:
رأت رجلًا أيما إذا الشمس عارضت … فيضحى وأيما بالعشي فيخصر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (١). الآية.
(١) قوله: سن لحر غير حاج بمنى ضحية لا تجحف، قال المواق: من المدونة، قال مالك: الأضحية سنة واجبة، لا ينبغي تركها لقادر عليها من أحرار المسلمين إلا الحاج، فليست عليهم أضحية، وإن كان من سكان منى. ومن لم يشهد الموسم من أهل مكة وغيرها فهم في ضحاياهم. وفي الحطاب: وقال الشيخ زروق في شرح قول الرسالة: والأضحية سنة واجبة. يعني أنها سنة يجب العمل بها. لو اتفق أهل بلد على تركها قوتلوا لامتناعهم عنها. قال: وما ذكر هو كذلك في التلقين، والكافي، والمعلم، والمقدمات. ا. هـ. منه.
قلت: الأصل في مشروعية الأضحية الكتاب والسنة والإِجماع؛ فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢). قال بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية بعد صلاة العيد. وأما السنة، فقد روى أنس قال: ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما. متفق عليه. وأما الإِجماع، فقد أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية.
وأما حكمها: فقد ذكر ابن قدامة في المغني عن ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، =
стр. 669
وَإِنْ يَتِيمًا (١)، بِجَذَعِ ضَأْنٍ، وَثَنِيِّ مَعْزٍ، وَبَقَرٍ وَإِبِلٍ ذِي سَنَةٍ وثَلَاثٍ،
= والليث، وأبي حنيفة أنهم يقولون: هي واجبة، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا". وعن مَحْنِفِ ابن عُلَيْم أن النبي ﷺ قال: "يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أَضْحَاةً وعَتِيرةً". فأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه أحمد وابن ماجه. وأما حديث مَحْنِف فهو لأحمد والبيهقي وأصحاب السنن الأربعة.
قال: وأكثر أهل العلم يرون أنها سنة مؤكدة. روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري ﵃. وبه قال سويد بن غفلة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، واحتجوا بما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ". وفي رواية: "الْوَتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ". ولأن النبي ﷺ قال: "مَنْ أرَادَ أنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شيئًا". رواه مسلم. ا. هـ. منه.
والَّذِي في الموطإ: قال مالك: "الضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَلَا أُحِبُّ لِأحَدٍ مِمَّنْ قَوِيَ عَلَى ثَمَنِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا". ا. هـ. ولعلهم حملوا الأحاديث الدالة على الوجوب، على تأكيد الاستحباب، مثل ما ورد في غسل الجمعة: "وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". أخرجه مالك، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ومثل ما ورد من قوله ﷺ : "مَنْ أكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا". أصله في الشيخين.
وقوله: لا تجحف، قال ابن بشير: لا يؤمر بها من تجحف بماله. قاله المواق. ولعل ذلك لما ورد عنه ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ" الحديث. فإن فحواه أن من لم تكن له سعة غير مطالب بها. وأيضًا فإن قول مالك: وما أحب لأحد ممن قدر على ثمنها أن يتركها. يفيد بفحواه أيضًا أن من لم يقو على ثمنها غير مطالب بها. والله الموفق.
(١) قوله: وإِنْ يتيمًا، قال المواق: وسئل مالك عن اليتيم يكون له ثلاثون دينارًا أيُضَحِّي عنه وليه بالشاة، بنصف دينار ونحوه؟. قال: نعم، ورزقه على الله.
قلت: لم أقف على أمر تعبدي بالتضحية عن اليتيم من ماله، وأما القياس فإنه يدل على عدم ذلك؛ لأنها إن كانت واجبة، فالصبي ليس من أهل الخطاب حتى يبلغ، وإن كانت تطوعًا، فأحرى =
стр. 670
وَخَمْسٍ (١)، بِلَا شِرْكٍ إِلَّا فِي الْأجْرِ، وإنْ أكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ، إنْ سَكَنَ مَعَهُ وقَرُبَ لَهُ وَأنْفَقَ عَلَيْهِ وَإنْ تَبَرُّعًا (٢).
= أن يتطوع غيره من ماله، اللهم إلا إذا كان الإمام يرى أنها حق واجب في المال كالزكاة. وبالله تعالى التوفيق.
(١) بجذع ضأن وثنيِّ معز وبقر وإبل؛ ذي سنة وثلاث وخمس، أخرج مسلم بن الحجاج في صحيحه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ". ففي هذا الحديث دليل على أن الأضحية لا تكون إلا بمسنة، وإنها إن تعسرت فجذعة من الضأن، قال شيخنا في أضواء البيان: ما عليه جمهور أهل العلم - منهم المذاهب الأربعة وغيرهم - أنه لا يجزئ في الأضحية الجذع إِلَّا من الضأن خاصَّة، ومن غير الضأن، وهو المعز، والإِبل والبقر، لا يجزئ إلا الثني فما فوق. والذكر والأنثى سواء في الهدايا والأضاحي. وذكر شيخنا أن الجذع من الضأن يجزئ ضحية، ولو لم يعذر غيره، بدليل حديث أبي هريرة ﵁ عند الإِمام أحمد والترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ - أَو نِعْمَتْ - الْأضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ". وذكر أحاديث أخرى تدل على ذلك. ا. هـ. منه. والمذهب أن المجزئ في الأضحية: جذع الضأن وثني الماعز والبقر والإِبل. وإن الجذع من الضأن ما أكمل سنة على المشهور، وثني المعز ما أكمل سنة ودخل في الثانية دخولًا بينًا، وثني البقر ابن ثلاث سنين، وثني الإبل ابن خمس سنين، والذكورة والأنوثة وصفي طردي هنا. والله الموفق.
(٢) وقوله: بلا شرك إلا في الأجر، قال في الموطإ: وأحسن ما سمعت في البدنة والبقرة والشاة؛ أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته البدنة، ويذبح البقرة والشاة الواحدة، هو يملكها ويذبحها عنهم ويشركهم فيها، أمَّا أن يشتري النفر البدنة أو البقرة أو الشاة؛ يشتركون فيها في النسك والضحايا، فيخرج كل إنسان منهم حصة من ثمنها، ويكون له حصة من لحمها، فإن ذلك يكره، وإنما سمعنا الحديث أنه لا يشترك في النسك وإنما يكون عن أهل البيت الواحد. وعن مالك عن ابن شهاب أنه قال: ما نحر رسول الله ﷺ عنه وعن أهل بيته إلا بدنة واحدة، أو بقرة واحدة. قال مالك: لا أدري أيتهما قال ابن شهاب. ا. هـ. =
стр. 671
وَإنْ جَمَّاءَ وَمُقْعَدَةً لِشَحْمٍ، ومَكْسُورَةَ قَرْنٍ (١)، لَا إِنْ أدْمَى كَبَيِّنِ مَرَضٍ وَجَرَبٍ، وَبَشَمٍ، وجُنُونٍ وَهُزَالٍ، وَعَرَجٍ وَعَوَرٍ، وفَائِتِ جُزْءٍ غَيْرِ خِصْيَةٍ، وصَمْعَاءَ جِدًّا (٢).
= قال ابن قدامة في المغني: لا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة أو بقرة أو بدنة. نص عليه أحمد، وبه قال مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق. وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة. قال صالح: قلت لأبي: يُضَحَّى بالشاة عن أهل البيت؟. قال: نعم، لا بأس، ذبح النبي ﷺ كبشين؛ فقرب أحدهما فقال: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ هذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ". وقرب الآخر فقال: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ هذَا مِنْكَ لَكَ عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِي". ا. هـ. منه. وهذا الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس. وروى ابن ماجه عن أبي أيوب قال: كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته؛ فيأكلون ويطعمون الناس.
وقوله: إن سكن معه وقرب له وأنفق عليه وإن تبرعًا، قال المواق: قال مالك: يعني بأهل بيته أهل نفقته، قليلًا كانوا أو كثيرًا. زاد محمد عن مالك: وولده ووالديه الفقيرين. قال ابن حبيب: وله أن يدخل معه في أضحيته من بلغ من ولده، وإن كان غنيًا، وأخاه وابن أخيه وقريبه إن كانوا في نفقته وأهل بيته، فأباح ذلك بثلاثة أسباب: القرابة والمساكنة، والإِنفاق عليه. قال محمد: وله أن يدخل زوجته في أضحيته لأن الزوجية آكد القرابة. قال : ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). وقال مالك: وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته إلا أن يشاء بخلاف الفطرة. قلت: ولعل هذا يتأولون به ما جاء في الحديث: "عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ". والله الموفق.
(١) وقوله: وإن جماء، لا خلاف في إجزاء التضحية بالجماء خلقة؛ لأن ذلك لا يعد نقصًا فيها، غير أن القرناء أفضل منها، فإن كانت جماء لاستئصال قرنيها من غير إدماء، اختلف ابن حبيب وابن المواز في جواز التضحية بها، ومناط الخلاف بينهما: هل يعد ذلك نقصًا فيها؟. أما التي أقعدها الشحم ولا عيب فيها، فماذا ينتقد فيها؟. وأما التي كسر قرنها من غير إدماء، قال المواق: من المدونة: يجزئ في الهدايا والضحايا المكسورة القرن إلا أن يكون يدمى، فلا يجوز لأنه مرض.
(٢) وقوله: لا إن أدمى كبيّن مرض ألخ. من المواق: قال ابن يونس: نهى ﷺ عن المريضة =
стр. 672
وذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ، وَبَتْرَاءَ وَبَكْمَاءَ، وبَخْرَاءَ، ويابِسَةِ ضَرْعٍ، ومَشْقُوقَةِ أُذُنٍ، ومَكْسُورةِ سِنٍّ لِغَيْرِ إثْغَارٍ أوْ كِبَرٍ، وذَاهِبَةِ ثُلُثِ ذَنَبٍ، لَا أُذنٍ، مِنْ ذَبْحِ الإِمَامِ لِآخِرِ الثَّالِثَ. وَهَلْ هُوَ العَبَّاسِيُّ أوْ إمَامُ الصَّلَاةِ قَوْلَانِ (١)، وَلَا يُراعَى قَدْرُهُ فِي غَيْرِ
البين مرضها. ولأن المرض يفسد اللحم ويضر بمن يأكله. ومن المدونة: قال مالك: لا تجزئ المريضة البين مرضها، ولا الحمرة وهي البشمة؛ يريد الذي أصابها التخمة من الأكل؛ لأن ذلك مرضًا بها. قال: وكذلك الجربة إن كان ذلك مرضًا لها. ولا تجزئ ذات الدبرة الكبيرة.
قلت: والعلة في النهي عن كل هذه المنهيات؛ إلى قوله وذاهبة ثلث ذنب، هو النقص فإنه لا ينبغي أن يعمد إلى ناقصة فيتقرب بها إلى الله تعالى؛ وذلك لقوله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ (١). الآية. ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢) الآية. فإنها تدل على ما سيذكره من الأنداب وبالله تعالى التوفيق.
وفي حديث رواه النسائي عن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء ولا شرقاء. ا. هـ.
(١) وقوله: من ذبْح الإِمام لآخر الثالث، هو بيان منه ﵀ لوقت الذبح. وفي المواق: من المدونة، قال مالك: الأيام التي يضحى فيها: يوم النحر ويومان بعده إلى غروب الشمس من اليوم الثالث، فقد انقضى الذبح وفات. ولا يضحَّى بليل في شيء من هذه الأيام. قال مالك: ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر. قال ابن المواز: ووقت الذبح منه بعد صلاة العيد، وبعد ذبح الإمام بيده.
وفي الموطإ ما نصه: النهي عن ذبح الضحية قبل انصراف الإِمام: حدثني يحيى عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار أن أبا برة بن نيار ذبح ضحية قبل أن يذهب رسول الله ﷺ يوم الأضحى، فزعم أن رسول الله ﷺ أمره أن يعود بضحية أخرى. وأخرج في الموطإ مثله عن عباد بن تميم أنه وقع لعويمر بن أشقر. وعلى هذا مذهب مالك، والحسن، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وإسحاق. وهو ظاهر الرواية عن أحمد. قالوا: لما روي عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ =
стр. 673
الأوَّلِ، وَأعَادَ سَابِقُهُ إلَّا الْمُتَحَرِّيَ أقْرَبَ إمَامٍ، كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا، وَتَوَانَى بِلَا عُذْرٍ، قَدْرَهُ، وَبِهِ، انْتُظِرَ لِلزَّوَالِ، وَالنَّهَارُ شَرْطٌ (١)، وَنُدِبَ إبْرَازُهَا، وجَيِّدٌ، وسَالِمٌ وغَيْرُ خَرْقَاءَ وشَرْقَاءَ ومُقَابَلَةٌ، ومَدَابَرَةٌ، وَسَمِينٌ،
= صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى". متفق عليه. وفي لفظ: "إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هذَا الصَّلَاةُ ثُمَّ الذَّبْحُ. قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأهْلِهِ وَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ". متفق عليه. ا. هـ. بواسطة نقل ابن قدامة.
وآخر وقت الذبح هو غروب شمس ثاني أيام التشريق. وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وبه أخذ مالك وأحمد، وأبي حنيفة، والثوري.
وقال الشافعي، وبه قال عطاء والحسن: آخره آخر أيام التشريق؛ لما روي عن جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "أَيَّامُ منىً كُلُّهَا مَنْحَرٌ". انظر مغني ابن قدامة.
وقوله: وهل هو العباسي أو إمام الصلاة خلاف؛ لما كانت الخلافة العباسية بقيت إلى أيامه، أصابته غفلة الصالحين فظن أنها باقية. فقال: وهل الإمام الذي لا يجوز الذبح قبل ذبحه، هو إمام الطاعة ذو السلطان - وهو ما يعنيه بالعباسي - أو إمام الصلاة؟. قال الحطاب: وجزم ابن رشد في نوازله بأن المعتبر إمام الصلاة الذي صلى بهم صلاة العيد، فمن ذبح منهم قبل أن يذبح إمامه لم يجزه. والله أعلم.
(١) وقوله: والنهار شرط، قد تقدم قول المدونة: ولا يضحى بليل في شيء من هذه الأيام. وروي هذا القول عن عطاء، وهو المذهب عند أحمد، ودليله فحوى قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١).
وقال المتأخرون من أصحاب مذهب أحمد، وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن الذبح يجوز ليلًا. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: وندب إبرازها، قال المواق: من المدونة قال مالك: والشأن أن يخرج الإِمام أضحيته إلى المصلى. قال ابن المواز: ولو أن غير الإِمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإِمام جاز، وقد فعله =
стр. 674
وَذَكَرٌ وأقْرَنُ وأبْيَضُ، وفَحْلٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْخصِيُّ أسْمَنَ (١)، وَضَأْنٌ ثُمَّ مَعْزٌ مُطْلَقًا، ثُمَّ هَلْ بَقَرٌ - وهُوَ الْأظْهَرُ - أَوْ إبِلٌ؟. خِلَافٌ (٢). وَتَرْكُ حَلْقٍ وقَلْمٍ لِمُضَحٍّ عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ (٣).
= ابن عمر، قال الباجي: ولأنها من القرب المسنونة العامة، فالأفضل إظهارها لأن فيه إحياء سننها. ا. هـ. منه.
(١) وقوله: وجيد وسالم، إلى قوله: وفحل إن لم يكن الخصي أسمن، هذه الأوصاف كلها للمبالغة في تعظيم هذه الشعيرة عملًا بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). ولأن ذلك أعظم لأجرها. قالوا: والأفضل في الأضحية من الغنم ما في لونه بياض؛ لما رواه أحمد قال: قال رسول الله ﷺ : "دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ". وروي عن أبي هريرة: "دَمُ بَيْضَاءَ أحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ". قالوا: ولأنه لون أضحية النبي ﷺ . ا. هـ. انظر المغني.
(٢) وقوله: وضأن ثم معز مطلقًا، ثم هل بقر - وهو الأظهر - أو إبل خلاف، قال المواق: قال مالك: فحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول المعز أفضل من إناثها. قال ابن شعبان: وإناثها أفضل من ذكور الإِبل، ثم ذكور البقر ثم إناثها. وقال عبد الوهاب: البقر أفضل من الإِبل. انتهى منه.
وحجة مالك على أفضلية التضحية بالغنم من الإِبل فعله ﷺ ، فقد جاء في السنة أنه كان يضحي بالغنم، لا بالإِبل ولا بالبقر، فقد جاءت أحاديث صحيحة بأنه كان يضحي بالغنم. منها ما ورد في الصحيحين، أنه ضحى بكبشين أقرنين أملحين. ومنها ما ثبت في الصحيح؛ أنه ضحى بكبش أقرن؛ يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد. قالوا: وهو ﷺ ما كان ليضحي - مكررًا ذلك عامًا بعد عام - إلا بما هو الأفضل في الأضحية، فلو كانت التضحية بالإِبل والبقر أفضل لفعل ذلك الأفضل ﷺ . =
стр. 675
وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ (١)، وَذَبْحُهَا بِيَدِهِ وَلِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا، وَجَمْعُ أكْلٍ
= قال شيخنا في أضواء البيان: ودليل الجمهور ظاهر، لكن دليل مالك أخص في محل النزاع لأنه ﷺ لم يضح إلا بالغنم. والخير كله في اتباعه في أقواله وأفعاله؛ وما جاء عنه من تفضيل البدنة ثم البقرة، ثم الكبش الأقرن، لم يأت في خصوص الأضحية، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). ا. هـ. بلفظه.
(٣) وقوله: وترك حلق وقلم في عشر ذي الحجة، وهو المذهب عند الشافعي، ورواية عن بعض أصحاب أحمد؛ فقد حملوا النهي الوارد في حديث أم سلمة ﵂ على الكراهة، وهو قوله ﷺ : "إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعَرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّي". رواه مسلم. وذلك بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي. متفق عليه.
(١) وقوله: وضحية على صدقة وعتق، هو قول ربيعة وأبي الزناد والإِمام أحمد، ويستدل له بعمل النبي ﷺ والخلفاء بعده، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، وأيضًا بما روي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ الْنَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِرَاقَةِ الدَّمِ، وَإِنَّهُ لَيؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا". رواه ابن ماجه. قالوا: ولو قدمت الصدقة على الأضحية لأدى ذلك إلى إماتة سنة سنها رسول الله ﷺ .
وقوله: وذبحها بيده، دليل استحبابه فعل النبي ﷺ لأنه ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر، ووضَع رجله على صفاحهما. أخرجه مسلم عن أنس، وقد نحر ست بدن بيده، ونحر من بدنه التي أهداها في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة بيده ولأنه فعل قربة، فالأولى مباشرته من الاستنابة فيه، فإن أناب من يذبح عنه جاز ذلك لفعله ﷺ ، لأنه أناب عليًا لينحر باقي بدنه بعد أن نحر هو منها ثلاثًا وستين.
ويستحب لمن أناب على ذبح أضحيته أن يحضر ذبحها؛ لما روي من حديث ابن عباس: =
стр. 676
وصدَقَةٍ وإعْطَاءٍ بِلَا حَدٍّ (١). والْيَوْمُ الأوَّلُ، وَفِي أَفْضَلِيَّةِ أوَّلِ الثَّالِثِ عَلَى آخر الثَّانِي تَرَدُّدٌ.
وَذَبْحُ وَلَدٍ خَرَجَ قَبْلَ الذَّبْحِ (٢)، وبَعْدَهُ جُزْءٌ، وكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ إنْ لَمْ يَنبُتْ لِلذَّبحْ، وَلَمْ يَنْوِهِ حِينَ أخْذِهَا، وَبَيْعُهُ، وَشُرْبُ لَبَنٍ،
= " وَاحْضُرُوهَا إِذَا ذَبَحْتُمْ لِأنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا". وروى البزار عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "احْضُرِي أُضْحِيَّتَكِ يُغْفَرْ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا". ا. هـ. انظر المغني.
(١) وقوله: وجمع أكل وصدقة وإعطاء بلا حد، في المواق: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا، أن ليس في الضحايا والنذر والتطوع قسم موصوف ولا حد معلوم. ا. هـ. غير أنه ورد عن ابن عباس في صفة أضحية النبي ﷺ قال: "وُيطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فَقَرَاء جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَّدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ". قال في المغني: رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال: حديث حسن ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر، ولم نعرف لهم مخالفًا من الصحابة، فكان إجماعًا، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. قال: والقانع: السائل. يقال: قنع قُنوعًا، إذا سأل، وقنع قناعة، إذا رضي. قال الشَّماخُ:
كَمالُ المرء يُصْلِحه فيُغْنِي … مَفَاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
قال: والمعتر: الذي يعتريك. أي يتعرض لك لتطعمه فلا يسأل. ا. هـ. منه.
وقوله: واليوم الأول أفضل ألخ، قال الحطاب: يعني أن اليوم الأول أفضل من اليوم الثاني، وقيل: أول الثاني أفضل من آخر الأول. وهو قول مالك في الواضحة، بل صرح بكراهته بعد الزوال. وعلى كل فليس هناك نص. والله تعالى أعلم وأحكم.
(٢) وقوله: وذبح ولد خرج قبل الذبح، قال الحطَّاب: قال في المدونة: وإذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم يكن عليه واجبًا؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت. قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: امح واترك إن ذبحه معها فحسن. ا. هـ.
فائدة: قال الحطاب هنا: وهذه إحدى محوات المدونة. وذكر أن لها أربع محوات: هذه، والثانية: إذا حلف لا يكسو امرأته، فافتك لها ثيابها من رهن. قال مالك، أولًا: يحنث. ثم أمر =
стр. 677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بمحوه وقال: لا يحنث. والثانية: نكاح المريض إذا صح، كان مالك يقول: يفسخ. ثم أمر بمحو الفسخ. والرابعة: من سرق ولا يمين له، أو له يمين شلاء، فقال مالك: تقطع رجله اليمنى. ثم أمر بمحوه وقال: تقطع يده اليسرى. قال: قاله في التوضيح. ونظمها بعضهم فقال:
المحو في الأيمان والأضاحي … وفي كتاب القطع والنكاح اهـ
ومما جاء دليلًا على ذبح ولد الأضحية معها، ما رواه سعيد بن منصور، يرفعه إلى علي ﵁ أن رجلًا سأله فقال: يا أمير المؤمنين، إني اشتريت هذه البقرة لأضحي بها، وإنها وضعت هذا العجل؟. فقال علي: لا تحلبها إلا فضلًا عن تيسير ولدها - أي إلا ما زاد عن حاجة ولدها - فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة. ا. هـ. المغني.
وقوله: وكره جز صوفها قبله، أي قبل الذبح، المواق: من المدونة: قال مالك: لا يجز صوف الأضحية قبل الذبح. قال ابن المواز: إلا في الوقت البعيد الذي ينبت فيه مثله قبل الذبح. وسمع ابن القاسم: وله أن يجزه بعد الذبح.
قال ابن قدامة: فإن كان جزه أنفع لها؛ مثل أن يكون في زمن الربيع؛ تخف بجزه وتسمن، جاز جزه، ويتصدق به، وإن كان لا يضر بها لقرب مدة الذبح، أو كان بقاؤه أنفع لها؛ لكونه يقيها الحر والبرد، لم يجز له أخذه، كما أنه ليس له أخذ بعض أجزائها. ا. هـ. المغني.
وقوله: وشرب لبن، قال الحطاب: يعني أنه يكره له شرب لبن الأضحية؛ يريد، وإن لم يكن لها ولد، قال في المدونة: ولم أسمع من مالك في لبنها شيئًا إلا ما أخبرتك أنه كره لبن الهدي. وقد روي في الحديث: "لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ مِنْهُ بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا". فإن لم يكن للضحية ولد، فأرى ألا يشربه إلا أن يضر بها بقاؤه، فليحلبه وليتصدق به، ولو أكله لم أرَ عليه شيئًا، وإنما أنهاه عنه كما أنهاه عن جز صوفها قبل ذبحها. ا. هـ. منه.
قلت: وقد تقدم حديث علي ﵁ في شرب لبن الأضحية، وأيضًا فإن اللبن متولد من علفها وغذائها وصاحبها قائم به، فيجوز صرفه إليه من جهة النظر، لأن المرتهن إذا علف الرهن =
стр. 678
وَإطْعَامُ كَافِرٍ، وَهَلْ إنْ بُعِثَ له، أوْ ولَوْ فِي عِيَالِهِ؟. تَرَدُّدٌ. والتَّغَالِي فِيهَا وَفِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ، كَعَتِيرَةٍ، وإبْدَالُهَا بِدُونٍ، وَإنْ لاخْتِلَاطٍ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَجَازَ أخْذُ الْعِوَضِ إنِ اخْتَلَطَتْ بَعْدَهُ عَلَى الأحْسَنِ، وَصَحَّ إِنابَةٌ بِلَفْظٍ، إنْ أسْلَمَ، وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، أوْ نَوَى عَنْ نَفْسِه أوْ بِعَادَةٍ كقَريبٍ وإلَّا فَتردُّدٌ. لَا إنْ غَلِطَ فَلَا تُجْزئٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَمُنِعَ البَيْعُ وإنْ ذَبَحَ قَبْلَ الإِمَامِ، أوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ أوْ قَبْلَهُ، أوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا، والإِجَارَةُ والْبَدَلُ إلَّا لِمُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ، وفُسِخَتْ، وَتُصُدِّقَ بِالْعِوضِ فِي الفَوْتِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ غَيْرٌ بِلَا إذْنٍ، وصَرْفٍ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ كأرْشِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ.
= كان له أن يحلب ويركب. والله تعالى الموفق.
وقوله: وإطعام كافر، قال المواق نقلًا عن ابن المواز: كره مالك أن يطعم من لحم أضحيته جاره النصراني، أو الظئر النصرانية عنده. وسئل مالك عن النصرانية تكون ظئرًا للرجل، فيضحي، فتريد أن تأخذ فروة أضحية ابنها؟. فقال: لا بأس بذلك أن توهب لها الفروة وتطعم من اللحم. قال ابن القاسم: ورجع مالك فقال: لا خير فيه. والأول أحب قوليه إليَّ.
وقوله: والتغالي فيها، قالوا: لأنه يؤدي إلى المباهاة. قال اللخمي: يستحب استفراهها لقوله ﷺ : "أَفْضَلُ الرِّقَابِ أَغْلَاهَا". ونقل الجوزي بسنده عن بعض التابعين، أنه كان لا يماكس في ثمن الأضحية ويقول: يماكس في شيء ويتقرب به إلى الله؟. ا. هـ. المواق.
وقوله: وفعلها عن ميت، في الحطاب: قال في التوضيح: وقال مالك في الموازية: ولا يعجبني أن يضحي عن أبويه الميتين. قال: وإنما كره أن يضحي عن الميت لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف. وأيضًا فإن المقصود بذلك غالبًا المباهاة والمفاخرة. ا. هـ.
ومحل كراهة التضحية عن الميت، إذا لم يعدَّها الميت، أما إذا كان أعدها ومات قبل ذبحها، فقد تقدم في النص أنه يستحب للوارث تنفيذها. ا. هـ.
وقوله: كعتيرة، الحطاب: قال مالك: العتيرة شاة كانت تذبح في رجب يتبررون بها =
стр. 679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= - كانت في الجاهلية - وقد كانت في الإِسلام ولكن ليس الناس عليها، يعني كانت في الإِسلام معمولًا بها كالضحايا، فروي عنه ﷺ أنه قال بعرفة: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ كُلَّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً. هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟. قال: هِيَ النَّاسُ يَقُول النَّاسُ الرَّجَبِيَّةُ".
قال: وقوله ولكن ليس عليها الناس اليوم، يريد أنها نسخت بقوله ﷺ : "لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ". والفرع: أنهم كانوا في الجاهلية يذبحون أول ولد تلده الناقة أو الشاة؛ يأكلون ويطعمون. وقال رسول الله ﷺ فيه لما سئل عنه: "أَنْ تَدَعَهُ حَتَّى يَكُونَ شَعَرِيًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَنْحَرَهُ فَيَلْصَحِقُ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ وَتُكْفِئُ إِنَاءَكَ، وَتُوَلِّهُ نَاقَتَكَ".
قال الحطاب: وقد اختلف في قول النبي ﷺ : "لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ". فقيل: إن ذلك نهي عنهما فلا بر في فعلهما. وقيل: إن ذلك نسخ للوجوب؛ فبقي المرء مخيرًا فيهما بين الفعل والترك. واحتج من ذهب إلى هذا بما روى الحارث بن عمر التيمي أنه لقي النبي ﷺ في حجة الوداع قال: فقلت يا رسول الله، الفرائع والعتائر؟. قال: "مَنْ شَاءَ أَفْرَعَ وَمَنْ شَاءَ أَعْتَرَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفْرِعْ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُعْتِرْ". وبما روى لقيط بن عامر، من حديث وكيع أنه سأل النبي ﷺ : فقال: إنا كنا نذبح ذبائح في رجب فنطعم من جاءنا؟. فقال النبي ﷺ : "لَا بَأْسَ". قال وكيع: لا أدعها أبدًا إلى أن قال: وذكر ابن العربي في العارضة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "نَسَخَ الْأضْحَى كُلَّ ذبْحٍ، وَنَسَخَ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلَّ صَوْمٍ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ كُلَّ غُسْلٍ، وَالزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ". ا. هـ. الحطاب بتصرف.
وقوله: وإبدالها بدون، من المدونة: قال ابن القاسم: من اشترى أضحية وأراد أن يبدلها، قال مالك: لا يبدلها إلا بخير منها. فإن باعها؟. قال ابن القاسم: إن لم يجد بالثمن شاة فليرد عليه من عنده حتى يشتري مثلها.
وقوله: ومنع البيع إن ذبح قبل الإمام ألخ. قال ابن المواز عن مالك: من اشترى أضحية فقام عليه غريمه، فله بيعها عليه في دينه، ولو ضحى بها لم تبع. ومن المدونة، قيل لابن القاسم: فجلد الأضحية وصوفها وشعرها، هل يشتري به متاعًا للبيت؟. قال مالك: لا يبيعه ولا يشتري به شيئًا، ولا يبدل جلدها بمثله ولا بخلافه، ولكن يتصدق به. قال: ولا يعطى الجزار على جزره الهدايا والضحايا =
стр. 680
وَإِنَّمَا تَجِبُ بالنَّذْرِ والذَّبْحِ، فَلَا تُجْزِئُ إنْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَهُ، وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ؛ كَحَبْسِهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ، إلَّا أَنَّ هذَا آثِمٌ. ولِلْوَارثِ الْقَسْمُ ولَوْ ذُبِحَتْ، لَا بَيْعٌ بَعْدَهُ فِي دَيْنٍ، وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ تُجْزئُ ضَحِيَّةً في سَابِعِ الْوِلَادَةِ (١) نَهَارًا، وألْغِيَ
= والنسك من لحومها ولا من جلودها شيئًا. قال الباجي: وهل يجوز له بيع لحم الشاة التي ذبحها قبل الصلاة؟. الظاهر أن ذلك لا يجوز للحديث: "هِيَ خَيْرُ نُسُكٍ".
قلت: وهذه فروع بالاجتهاد لم يرد في أكثرها شيء عن النبي ﷺ والله تعالى أعلم.
تنبيه: ثبت عن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: "بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ". وفي حديث أنس: كان إذا ذبح كبر وسمى. قال ابن قدامة: ولا نعلم في استحباب هذا خلافًا. قال: وإن زاد فقال: اللهم هذا منك وإليك، اللهم تقبل مني، أو من فلان فحسن. وبذلك قال أكثر أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ أتى بكبش له ليذبحه، فأضجعه ثم قال: "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى". رواه مسلم. وفي حديث جابر - أخرجه أبو يعلى بسند حسن - أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ". ثم ذبح. قال ابن قدامة: وهذا نص لا يعرج على خلافه. ا. هـ.
الكلام على العقيقة
قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود. وجمعها عقائق. ومن ذلك قول امرئ القيس:
يا هند لا تنكحي بُوَّهةً … عليه عقيقته أحسَبا
ثم إن العرب أطلقت العقيقة على الذبيحة التي تذبح عند حلق شعر المولود، من باب المجاز المرسل، علاقته السببية. ثم شاع هذا الاستعمال حتى صار حقيقة عرفية، فلا يفهم من العقيقة عند الإِطلاق إلا الذبيحة.
وقال قوم: العقيقة فعيلة من العق وهو الذبح. ووجه ذلك أن العق أصله القطع، ومنه سمي العاق لوالديه لقطعه لهما، والذبح قطع الحلقوم والودجين وهو وجيه.
(١) وقوله: وندب ذبح واحدة تجزئ ضحية في سابع الولادة، قال ابن قدامة: والعقيقة سنة في قول عامة أهل العلم منهم: ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار، إلَّا =
стр. 681
يَوْمُهَا إنْ سُبِقَ بِالْفَجْرِ، والتَّصَدُّقُ بِزنَةِ شعَرِهِ، وجاز كَسْرُ عِظامِهَا، وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً، ولَطْخُهُ بِدَمِهَا وخِتَانُه يَوْمَهَا.
= أصحاب الرأي قالوا: هي من أمر الجاهلية. قال: روى سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وعن أبي هريرة مثله. قال أحمد: إسناده جيد.
ومن أدلة استحباب العقيقة ما روي أن أبا الزناد كان يقول: العقيقة من أمر الناس، كانوا يكرهون تركه. وقال أحمد: العقيقة سنة رسول الله ﷺ فقد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه بعده.
وقوله: ندب ذبح واحدة، هو مذهب مالك وابن عمر، لما روي أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين عن كل واحد منهما شاة واحدة، لذلك قال ابن عمر: شاة عن الغلام وعن الجارية، لما رواه أبو داود: عق عن الحسن شاة وعن الحسين شاة. ا. هـ.
وقال ابن عباس، وعائشة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، لحديث أم كرز أنها سمعت رسول ﷺ يقول: "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَلَا بَأْسَ أنْ تَكُونَ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا". رواه سعيد وأبو داود، قالوا: ولأن العقيقة تجري مجرى الأضحية، فإن الأفضل الذكر، لأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين بكبش كبش، وضحى بكبشين أقرنين.
وقوله: والتصدق بزنة شعره، هو لما روي أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسن: "احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعَرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَاْلأوْفَاضِ". يعني بالأوفاض أهل الصفة. رواه أحمد. وروى سعيد في سننه عن محمد بن علي أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين بكبش كبش، وأنه تصدق بوزن شعورهما ورِقًا، وأن فاطمة كانت إذا ولدت ولدًا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورِقًا. ا. هـ.
تنبيه: وإن سماه في يوم ولادته جاز؛ لأن النبي ﷺ قال: "وُلِدَ اللَّيْلَةَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيمَ". ولأنه سمى الغلام الذي جاءه به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبد الله. =
стр. 682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنبيه: ويستحب للوالد تحسين اسم ولده، لأنه ﷺ روي عنه أنه قال: "إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ". وقال ﵇: "أَحَبُّ الْأسْمَاءِ عَلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ". وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "أَحَبُّ الْأسْمَاءِ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَسْمَاءُ الْأنْبِيَاءِ". قال النبي ﷺ : "تَسَمُوا بِإِسْمِي وَلَا تَكَنُوا بِكُنْيَتِي". رواه أحمد.
وقوله: وكره لطخه بدمها، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وابن المنذر، خلافًا لقتادة والحسن، ودليل الجمهور قول النبي ﷺ : "مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ فَهَرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأذَى". رواه أبو داود. قالوا: وحيث إن الدم أذى، فإن هذا الحديث يقتضي أن لا يمس دمًا.
وروى يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "يُعَقُّ عَنِ الْغُلَامِ وَلَا يُمَسَّ رَأْسُهُ بِدَمٍ" قال مهنا: ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال: ما أظرفه. ورواه ابن ماجه ولم يقل عن أبيه؛ قالوا: ولأن هذا تنجيس له فلا يشرع، كلطخه بغيره من النجاسات. ا. هـ. المغني.
تنبيه: يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد؛ لما روى عبد الله بن رافع عن أمه، أن النبي ﷺ أذَّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ولد له ولد، أخذه في خرقة فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وسماه. ا. هـ.
ويستحب أن يهنأ والد المولود فيقال له: بورك في الموهوب، وشكرت الواهب. وبلغ أشده، ورزقت بره. روي ذلك عن الحسن بن علي ﵄.
ويستحب أن يذهب بالمولود إلى صالح يحنكه. لما روي أن النبي ﷺ كان يحنك أولاد الأنصار التمر، روى أنس قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ حين ولد، قال: "هَلْ مَعَكَ تَمْرٌ"؟. فناولته تمرات، فلاكهن ثم فغر فاه ثم مجه فيه فجعل يتملظ، فقال رسول الله ﷺ : "حَبُّ الْأنْصَارِ التَّمْرُ". وسماه عبد الله. ا. هـ. المغني.
وقول المختصر: تجزئ ضحية، لما أخرجه مالك في الموطإ: فمن عق عن ولده فإنما هي بمنزلة النسك. والضحايا لا يجوز فيها: عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء، ولا جلدها. ويكسر عظامها، ويأكل أهلها من لحمها، ويتصدقون منها. ولا يمس الصبي بشيء من دمها. ا. هـ. منه.
стр. 683
كِتَابُ الْأيْمَانِ (١)
الْيَمينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْر اسْمِ اللهِ أوْ صِفَتِهِ: كَبِاللهِ، وهَا اللهِ، وَأيْمُ اللهِ، وَحَقِّ اللهِ، والْعَزِيزِ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وإرَادَتِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَكَلَامِهِ، والْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ (٢).
كتاب الأيمان
(١) نقل المواق عن ابن شاس، قال: فيه ثلاثة أبواب: الأول في نفس اليمين. والثاني، في الاستثناء والكفارة. والثالث فيما يقتضي البر والحنث. ا. هـ.
والأيمان جمع يمين؛ وهي مشتقة أو مأخوذة من اليمين التي هي العضو؛ ذلك أن العرب كانوا إذا حلف أحدهم وضع يمينه في يمين صاحبه، فلذلك سميا الحلف يمينًا. كذا عزاه الحطاب للذخيرة، وقال: وقيل: اليمين القوة؛ فسمي العضو يمينًا لوفور قوته بالنسبة لليسار. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (١). أي بالقوة. قال: ولما كان الحلف يقوي الخبر وجودًا وعدمًا، سمي يمينًا. ا. هـ. منه بتصرف.
قال المواق: والأيمان ثلاثة:
ممنوعة: وهي الأيمان بالمخلوقات كقوله: والنبي: والكعبة، والآباء. فمن حلف بها فليستغفر الله، ولا كفارة عليه.
وجائزة: وهي اليمين بأسماء الله تعالى كقوله: واللهِ، والرحمنِ، والعزيزِ. وكل يمين بالذات فجائزة، وإن اختلفت الأسماء.
ومختلف فيها: وهي اليمين بصفة الله، بعزته وقدرته، والمشهور في المذهب الجواز، وإن كفارتها كفارة يمين بالله تعالى. ا. هـ. منه.
(٢) قوله: اليمين تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله ألخ. أي اليمين الموجبة للكفارة هي أن يقصد بها تحقيق شيء غير معلوم الثبوت، ماضيًا كان أو مستقبلًا، منفيًا كان أو مثبتًا، ممكنًا =
стр. 684
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كان أو مستحيلًا. فالقسم عبارة عن العقد على النفس بحق من له حق، غير أنه لما كان لا حق على الحقيقة إلا لله تعالى، امتنعت اليمين بغير الله؛ لأن ما سواه باطل. وحكم اليمين بالله تعالى الجواز. وقال ابن حجر في شرح البخاري في كتاب الإِيمان في باب أحب الدين إلى الله أدومه: فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين، أو حث عليها، أو تنفير من محذور. ا. هـ. بنقل الحطاب، قال: وفي المدخل: وتكثير الحلف لغير ضرورة من البدع الحادثة بعد السلف ﵃، بل كان بعضهم يتوقى أن يذكر اسم الله إلا على سبيل الذكر حتى إنهم إذا اضطروا إلى الدعاء إلى من أحسن إليهم مكافأة له يقولون: جزيت خيرًا. ا. هـ. منه.
والدليل على عدم جواز الحلف بغير الله، ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ". وحديث عمر بن الخطاب عند الصحيحين وغيرهما؛ أن رسول الله ﷺ أدركه - وهو في ركب - وهو يحلف بأبيه فقال: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَسْكُتْ". هذا لفظ أبي داود.
وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن المبارك، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب، وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ".
وأخرج أبو داود قال: سمع ابن عمر رجلًا يحلف: لا والكعبة. فقال ابن عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ". وفي الموطإ عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب ﵁، وهو يسير في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ".
قال العلماء: والسر في النهي عن الحلف بغير الله هو أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، وإنما العظمة حقيقة لله وحده لا شريك له، فلا يضاهى به غيره. =
стр. 685
وَإنْ قَالَ: أرَدْتُ: وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأتُ لَأفْعَلَنَّ دُيِّنَ (١)، لَا بِسَبْقِ لِسَانِهِ، وَكَعِزَّةِ اللهِ، وَأمَانَتِهِ وعهده، وعَلَى عَهْدُ اللهِ، إلَّا أنْ يُرِيدَ المَخْلُوقَ، وَكَأحْلِفُ وأُقْسِمُ وأَشْهَدُ - إنْ نَوىَ - بِاللهِ وَأعْزِمُ - إِنْ قَالَ - بِاللهِ، وفِي: أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلَانِ، لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا، وعَزَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ وَحَاشَ لِلَّهِ، ومَعَاذَ اللهُ، واللهُ رَاعٍ أوْ كَفِيلٌ، والنَّبيِّ والْكَعْبَةِ، وكَالْخَلْقِ وَالإِمَاتَةِ أوْ هُوَ يَهُودِيٌّ.
= قلت: لذلك، فإن أي حلف بغير الله لا تنعقد به اليمين، ولا تلزم الكفارة به، ولا يلزم صاحبه إلا الاستغفار، والتوبة إلى الله من تعظيم غير الله. والله الموفق.
وقوله: وأيم الله. يقال: أيمُنُ الله، وأيمُ الله، ومُنُ الله وَمُ اللهِ. ا. هـ. الحطاب.
وقال في الصحاح: وأيمن الله اسم وضع للقسم هكذا - بضم الميم والنون - وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين.
قال ولم يجئ في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها. وقيل: ألف قطع. وهو جمع يمين. انظر الحطاب.
(١) وقوله: وإن قال: أردت: وثقت بالله، ثم ابتدأت لأفعلن. دين؛ لأن المدار على النية، لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
غير أن قول المصنف بعد هذا: لا بسبق لسانه إلى اليمين فتلزمه اليمين، قالوا: لعدم احتياج اليمين إلى النية، لا بد أن فيه تناقضًا بعض الشيء، لأنه إن كان يدين في المسألة الأولى لكون المدار على النية، لا بد أن يكون غير مؤاخذ بالكفارة في سبق لسانه؛ لعدم وجود النية أيضًا كما هو رأي اللخمي، كما ذكره المواق.
وقوله: وكعزة الله وأمانته وعهده - إلا أن يريد المخلوق - قال ابن المواز: نحن نكره اليمين بأمانة الله، فإن حلف بها فعليه الكفارة مثل العهد والذمة. قال أشهب: إن حلف بأمانة الله - التي هي صفة من صفاته - فهي يمين، وإن حلف بأمانة الله، التي بين العباد، فلا شيء =
стр. 686
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عليه. وكذلك قال في عزة الله التي هي الصفة، وأما العزة التي جعلها الله في خلقه فلا شيء عليه. وكذلك تكلم سحنون في قوله : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١). قال: إنها العزة التي هي غير صفة خلقها الله في خلقه. انتهى من المواق.
تنبيه: يجب على من حلف على شيء أن يبر في يمينه؛ بأن يقوم بالوفاء بذلك، فإن لم يفعل وجب عليه ما يقوم مقام ذلك وهو الكفارة.
أما إبرار قسم من حلف عليك، فهو مستحب مع عدم المعارض الشرعي، فإن وجد معارض شرعي عمل بمقتضاه، كما ثبت أن أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة رسول الله ﷺ فقال: "أَصْبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا". فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: "لَا تُقْسِمْ". ولم يخبره. ا. هـ. الحطاب.
تنبيه: قال النووي في الأذكار: يكره منع من سأل بالله وتشفع به، روينا في سنن النسائي بأسانيد الصحيحين عن أبي عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنَ سَأَلَ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ بِهِ فَادْعُوا اللهَ لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ".
ويكره أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة، لما في سنن أبي داود، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يُسْألُ بوَجْه اللهِ إلَّا الجَنَّةُ".
وفي الترغيب والترهيب من حديث أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ، مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا". رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة. انتهى بنقل الحطاب.
ولقد جاء في الحديث النهي عن الحلف بالأمانة؛ ففي أبي داود ما نصه: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِالْأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا".
стр. 687
وَغَمُوسٍ بِأنْ شَكَّ أوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلَا تَبَيُّنِ صِدْقٍ (١)، وَلْيَسْتَغْفِر اللهَ، وَإِنْ قَصَدَ - بِكَالعُزَّى - التَّعْظِيمَ فَكُفْرٌ (٢)، وَلَا لَغْوَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ (٣)، وَلَمْ
(١) وقوله: وغموس بأن شك أو ظن وحلف بلا تبين صدق، من المدونة: قال مالك: الغموس الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، وهو أعظم من أن تكفره الكفارة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١). ا. هـ. المواق.
وقال مالك في الموطإ: فأما الذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب، وهو يعلم ليرضي به أحدًا، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه، أو ليقتطع به مالًا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة. ا. هـ. منه.
وفي أبي داود: حدثنا محمد بن الصباح البزاز، ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام بن حسان. عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ منَ النَّارِ".
وأخرج أبو داود: باب فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا لأحد: حدثنا محمد بن عيسى وهناد بن السري، المعنى، قالا: حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ".
(٢) وقوله: وإن قصد - بكالعزى - التعظيم فكفر، هذا لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بَالنِّيَّات وَإِنَّمَا لِكلِّ امْرِئ مَا نَوَى". وفي الحديث عند أبي داود، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ".
(٣) وقوله: ولا لغو على ما يعتقده فظهر نفيه، قال في الموطإ: اللغو في اليمين، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول: لغو اليمين قول الإِنسان: والله لا والله. قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإِنسان على =
стр. 688
يُفِدْ فِي غَيْرِ اللَّهِ؛ كَالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ - إِنْ قَصَدَهُ - كَإِلَّا أنْ يَشَاءَ اللهُ، أوْ يُريدَ، أو يقضيَ عَلَى الأظْهَرِ،
وَأَفَادَ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ إن اتَّصَلَ، إلَّا لِعَارِضٍ، وَنَوَى الاسْتِثْنَاءَ وقَصَدَ ونَطَق بِهِ، وَإنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لسَانٍ (١).
= الشيء؛ يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك، فهو اللغو. ا. هـ.
وفي أبي داود: باب لغو اليمين: حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، ثنا حسان، يعني ابن إبراهيم، ثنا إبراهيم، يعني الصانع عن عطاء في اللغو في اليمين قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: "هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِىِ بَيْتِهِ كَلَّا وَاللهِ وَبَلَى وَاللهِ". ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: ولم يفد في غير الله كالاستثناء: بإن شاء الله، قال في المدونة: لا لغو في طلاق ولا في مشي أو صدقة، وإنما يكون اللغو والاستثناء والكفارة في اليمين بالله، أو بشيء من أسمائه أو صفته، أو نذر لا مخرج له، وكذلك في العهد والميثاق. وفي المدونة أيضًا: وقال مالك: من قال: لله عليَّ المشي إلى مكة، إِلَّا أن يبدو لي، أو أرى خيرًا من ذلك. فعليه المشي، ولا ينفعه استثناؤه. ا. هـ. المواق.
قلت: يريبني عده عليَّ المشي إلى مكة. في الأيمان؛ لأن اليمين الشرعية لا تكون إلا باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته العلية، والنذر لا يكون إلا فيما ندب إلى فعله الشارع وطلبه طلبًا غير جازم. قال في المختصر: وإنما يلزم فيما ندب، فإذا تقرر ذلك، أشكل عده لهذه الصيغة في الأيمان؛ لأنها لا يتناولها تعريفه للنذر الذي يجب الوفاء به، وذلك على ما مشى عليه في المختصر في باب الحج؛ حيث عد الركوب في الحج في المستحبات، فتبين أن المشي في الحج غير مستحب حتى يلزم نذره، وغير غني أن يقال: إن هذه الصيغة ليست من الأيمان في شيء؛ لما عرفت من أن اليمين هي تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته.
هذا، ولا يرد استشكالي هذا على من يرى أفضلية المشي في الحج. والله الموفق.
(١) وقوله: وأفاد بكإلا في الجميع إن اتصل ألخ. في أبي داود: باب الاستثناء في اليمين، حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، يبلغ به النبي ﷺ قال: =
стр. 689
إلَّا أنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أوَّلًا كَالزَّوْجَةِ فِي: الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ. وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ (١).
= " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى". وحدثنا عيسى ومسدد، وهذا حديثه، قالا: ثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ".
وقوله: إن اتصل، فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال لي عطاء: إذا حلف ثم استثنى على أثر ذلك، عند ذلك، كأنه يقول: ما لم يقطع اليمين ويتركه. وأخرج عبد الرزاق عن الثوري قال: إن اتصل الكلام فله استثناؤه، وإن قَطَعه وسكت ثم استثنى فلا استثناء له، والناس عليه.
وأخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن الحسن قال: ثنياه ما لم يكن بين ذلك كلام، إذا اتصل.
قلت: وقوله قبل: ولم يفد في غير الله، يرد عليه ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في الرجل يقول: امرأته طالق إن شاء الله، إن لم أفعل كذا وكذا. ثم لا يفعله، قال: لا تطلق امرأته ولا كفارة عليه. قال معمر: قال ذلك حماد. ا. هـ.
قلت: وبه قال طاوس، والشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي والإِمام القرطبي من المالكية، وهو الذي يؤيده الدليل.
وقوله: ونوى الاستثناء وقصد، هو لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
وقوله: ونطق به وإن سرًا بحركة لسان، هو لما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن إبراهيم قال: إذا استثنى في نفسه فليس بشيء، حتى يظهره بلسانه. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق أيضًا قال: أخبرنا معمر عن قتادة عن الحسن، قال: إذا حرك لسانه أجزأ عنه في الاستثناء. ا. هـ.
(١) وقوله: إلا أن يعزل في يمينه أولًا، أي ابتداء قبل شروعه في اليمين، فتكفي النية وحدها دون حركة اللسان، لأن المحاشاة بالنية فقط، وذلك ما دعاه أن يقول: إلا أن يعزل الحالف شيئًا بنيته في يمينه، أي يخرجه عن يمينه، ثم يصدرها على سوى ذلك الذي أخرجه بنيته من غير =
стр. 690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لفظ، فإن ذلك الإِخراج بالنية هو المعروف عند الفقهاء بالمحاشاة، وهو عندهم من العام الذي أريد به الخصوص؛ لأن عمومه لم يرد، لا تناولًا ولا حكمًا، بخلاف العام الذي يخصصه الاستثناء؛ فإنه عام مخصوص؛ لأن عمومه مراد تناولًا لا حكمًا، لقرينة التخصيص. لكن تمثيل المصنف هنا للمحاشاة بقوله: كالزوجة في الحلف بالحلال على حرام، فيه مأخذ عليه - عليه رحمة الله - وهو نفس المأخذ عليه في قوله فيما بعد: وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو، ذلك أنه إخراج بدون دليل، وليس لأحد أن يفعله، وسوف أعطي هذه المسألة عناية أبحثها بإذن الله تعالى على ضوء الكتاب والسنة، لعل الله يوفقني لما فيه القول الفصل في ذلك. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
اعلم أولًا أنه لا يوجد نص صريح من كتاب الله ولا عن رسول الله ﷺ في هذه المسألة يتعين الرجوع إليه، وذلك هو ما أدَّى إلى هذا القيل والقال فيه، وسبب الاختلاف فيه بين علماء الأمة. غير أننا - ولله الحمد - لم نترك هملًا عند الاختلاف، فقد وضع الله تعالى لنا قانونًا نرجع إليه وجوبًا في اختلافاتنا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١). وإذا امتثلنا ذلك - ولا بد لنا - وجدنا أنه لا نص يصرح في الموضوع من الكتاب ولا من قول رسول الله ﷺ ، إلا أننا نجد عمومات قرآنية تشمل الزوجة والأمة قطعًا؛ فقد قال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). والزوجة من الطيبات ومما أحل الله، وقد نهى الله تعالى أن يوصف ما أحل الله بالحرام، وقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (٣). الآية. وقال ﵎ في سورة يونس: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٤). إن منطوق هذه الآيات =
стр. 691
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= القرآنية قاطع على أن ما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه، وأنه لا يصير حرامًا بتحريم أحد، ولم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لما أحله الله عليه: هو عليَّ حرام. وإنما امتنع عن مارية ﵂ ليمين تقدمت لإِرضاء حفصة، فقال لها: "وَاللهِ لَا أَقْرَبُهَا بَعْدَ الْيَوْمِ". فعاتبه الله تعالى على ذلك بقول : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). الآية. فقد أخرج الدارقطني في سبب نزولها، عن ابن عباس، عن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها، فقالت له: تدخلها بيتي؟!. ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: "لَا تَذْكُرِي هذَا لِعَائِشَةَ فَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرُبْتُها". قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟!. فحلف لها أن لا يقربها، وقال النبي ﷺ : "لَا تَذْكُرِيهِ لِأحَدٍ". فذكرته لعائشة فآلى لا يدخل على نسائه شهرًا، فاعتزلهن تسعًا وعشرين ليلة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢). الآية. ا. هـ. بنقل القرطبي.
أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين؟. يعني أقدمْ على ما أحل الله لك وكفر عن يمينك. والعجب من مسارعة المفتين اليوم إلى التحريم والتحليل على خلاف سنة السلف الصالح. قال القرطبي: أسند الدارمي أبو محمد في مسنده، أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش. قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون كذا، وكانوا يستحبون كذا. وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن فتيا الناس أن يقولوا: هذا حلال، وهذا حرام. ولكن كانوا يقولون: إياكم وكذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. ومعنى هذا أن التحريم والتحليل إنما هو لله تعالى، وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون الباري تعالى يخبر عن ذلك. قال: وكذلك كان يفعل مالك اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى. قال: فإن قيل: قد قال فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام. أنها حرام، ويكون ثلاثًا. فالجواب: إن مالكًا لما سمع عليَّ بن أبي طالب يقول: إنها حرام. اقتدى به. ا. هـ. منه. قلت: وستقف بإذن الله فيما بعد
стр. 692
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على عدم صحة نسبة ذلك لعلي ﵁ بإسناد الإِمامين أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني.
والحاصل أن الزوجة والأمة من المباح الطيب، بكتاب الله تعالى، وأن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١). يشملهما تناولًا، لذلك فإن إخراجهما من هذا العموم، يحتاج إلى مخصص منفصل ثابت من الكتاب أو السنة، ولا يوجد ذلك. فإن قال أصحابنا: لقد أباح الله له أن يحرمهما عليه، فيتناولهما لفظ التحريم. فالجواب: إنه أباح له ذلك بألفاظ تعبدية، لا ينبغي العدول عنها وهي، عند أصحابنا مادة الطاء، واللام، والقاف، في الزوجة. وثبت أنه أبغض الحلال على الله، هذا بالنسبة للزوجة، لا تنفصم عصمتها ما دامت تؤمن بالله واليوم الآخر بدون ذلك، وأما بالنسبة للأمة فإن تحريمها العتق، لا يحرمها عليه من الألفاظ سوى ذلك. ومعلوم أن الأمور التعبدية قاصرة عن القياس عليها.
فإذا تقرر ذلك، فهاك بعض ما ورد في حكم المسألة، من فتيا الصحابة والتابعين فمن دونهم: فقد ذكر القرطبي فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ حرام. قال: هي يمين يكفّرها. أفتى بذلك أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃ أجمعين. وقال به الأوزاعي. وهو مقتضى الآية. يعني قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). الآية. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمين يكفرها. وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣). الآية. يعني أن النبي ﷺ كان قد حرم جاريته، فقال الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٤). إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٥). فكفر عن يمينه. وصيَّر الحرام يمينًا. خرجه الدارقطني. ا. هـ. بنقل القرطبي.
وأفتى الشعبي في ذلك، ومسروق، وربيعة شيخ مالك، وأبو سلمة، وأصبغ، قالوا: لا =
стр. 693
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= شيء على من قال ذلك، هو كتحريم الماء والطعام. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١). قالوا: والزوجة من الطيبات، ومما أحل الله، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٢). وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حرامًا. ا. هـ. بنقل القرطبي.
وقال الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق: في المسألة كفارة الظهار. وبه أفتى عثمان ﵁.
قلت: وقد نصر القول بأنها ظهار، شيخنا في أضواء البيان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٣). في المسألة الرابعة، قال: وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق. وإيضاح ذلك أن قوله: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي. معناه: أنت علي حرام. وقد صرح القرآن بلزوم الكفارة في قوله: أنت علي كظهر أمي. ولا يخفى أن: أنتِ عليَّ حرام. مثلها في المعنى كما ترى.
قال: وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن، القول بكفارة اليمين والاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤). بعد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) ا. هـ. منه.
قلت: وقد كنت سألته أيام دراستي للتفسير عن هذا الموضوع، وعن رأيه في ترجيح هذه الأقوال التي سردها أبو عبد الله القرطبي عند كلامه على هذه الآية، فذكر لي أن أجراها على الدليل عنده، هو القول بأن في المسألة كفارة ظهار، كما قرره بعد في الأضواء، وأن أجراها على القواعد الفقهية كونها تحسب طلقة واحدة بائنة، لا يملك الرجوع فيها إلا بعقد جديد برضاها وبرضا وليها، حملًا للفظ التحريم على أول ما صدقه، جريًا على ما عقده في مراقي السعود بقوله: =
стр. 694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والأخذ بالأول لا بالآخر … منحتم في مقتضى الأوامر
وما سواه ساقط أو مستحب … لذاك الاطمئنان والدلك انجلب
فذكرت له أنه يبدو لي - على قصوري - أن أجرى هذه الأقوال على ظاهر القرآن، هو اعتبار لزوم كفارة يمين في المسألة، بدليل آية التحريم واستطراد سبب نزولها، فذكر لي أنه لو لم يختلف المفسرون والمحدثون في سبب نزول هذه الآية، لتعين القول بأن في المسألة كفارة يمين، غير أن المحدثين - وبطرق أصح - ذكروا أن سبب نزول الآية ما ثبت في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا. قالت: فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا جاءها رسول الله ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافيرًا؟. فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنَ أَعُودَ لَهُ". فنزل قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. الآيات. قال الشيخ: ولولا هذا الخلاف في سبب النزول لما كان في المسألة إلا كفارة اليمين. غير أنه يبدو لي - على قصوري وسعة علمه - أنه لا مانع من تعدد سبب النزول، فعوتب ﷺ على عزمه على ترك العسل، وعلى عزمه على ترك مارية ﵂، فتكون الآية نصًا في الموضوع، وأما القول بكفارة الظهار فلا يخفى أنه بقياس: أنت علي حرام، على: أنت علي كظهر أمي. وقد وقفت آنفًا على ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس في أنها كفارة يمين، وها أنا أنقل لك ما وقفت عليه من الآثار الواردة في هذا الموضوع:
أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يقول لامرأته: أنت عليَّ حرام؟. قال: يمين. ثم تلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية. قلت: وإن كان أراد الطلاق؟. قال: قد علم مكان الطلاق. قال: وإن قال: أنت عليَّ كالدم أو كلحم الخنزير، فهو كقوله: أنت عليَّ حرام.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. قال: إن قال: هي علي كالدم أو كلحم الخنزير، فهي كقوله: هي علي حرام. =
стр. 695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني داود بن أبي هند، عن ابن المسيب قال: هي يمين. وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير وأيوب، عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال: هي يمين. وهذا الحديث أخرجه البيهقي عن طريق الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة. وأخرجه سعيد بن منصور عن هشيم، عن خالد عن عكرمة. وأخرجه عن طريق جويبر عن الضحاك أن أبا بكر وعمر وابن مسعود قالوا: في الحرام يمين. ا. هـ. الأعظمي في التعليق.
وأخرج عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن عبد الكريم أن عمر بن الخطاب وابن عباس قالا: هي يمين. وأخرج عبد الرزاق: سمعت عمر بن راشد يحدث عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي يمين. قال: وقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). قال الأعظمي: والأثر أخرجه الشيخان من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير.
وعن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: إن قال: كل الحلال عليَّ حرام فهي يمين. وكان قتادة يفتي به.
عبد الرزاق عن معمر عن عاصم بن سليمان عن الشعبي أن مسروقًا قال: ما أبالي أحرمتها أو حرمت جفنة من ثريد. وعن عبد الرزاق عن ابن جريج. قال: أخبرني عبد الكريم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: ما أبالي أحرمتها أو حرمت ماء النهر.
عبد الرزاق عن الثوري عن صالح بن مسلم عن الشعبي قال: إن قال: أنت عليَّ حرام. فهي أهون عليَّ من نعلي. وعن عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: سمعته يقول: أنا أعلمكم بما قال عليٌّ في الحرام، قال: لا آمرك أن تقدِّم، ولا آمرك أن تؤخِّر.
وفي مصنف ابن أبي شيبة المتوفي سنة ٢٣٥ هـ. ما نصه: حدثنا أبو بكر قال: نا عبد الله ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن عمر، قال: الحرام يمين. وحدثنا أبو بكر قال: نا ابن =
стр. 696
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن عمر مثله. وحدثنا أبو بكر قال: نا عبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عن عطاء، عن عائشة قالت: يمين. وحدثنا أبو بكر قال: نا عبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنهم قالوا: الحرام يمين. وحدثنا أبو بكر قال: نا عبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عن أبي سلمة قال: ما أبالي إياها حرمت أو قرابًا. وحدثنا أبو بكر، نا الثقفي عن برد، عن مكحول وسليمان بن يسار قالا: الحرام يمين.
وحدثنا أبو بكر قال: نا علي بن مسهر، عن إسماعيل، عن الشعبي عن مسروق قال: ما أبالي حرمتها أو حرمت جفنة من ثريد. وحدثنا أبو بكر قال: نا عبد الرحيم بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك أن أبا بكر، وعمر، وابن مسعود قالوا: من قال لامرأته: هي عليَّ حرام، فليست عليه بحرام، وعليه كفارة يمين. وحدثنا أبو بكر قال: نا عبدة بن سليمان، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: إذا قال الرجل لامرأته أنت علي حرام، فليس بشيء. وحدثنا أبو بكر قال: نا يعلى بن إسماعيل قال: قال عامر: زعم أناس أن عليًا كان يجعلها عليه حرامًا حتى تنكح زوجًا غيره، والله ما قالها عليّ قط، ولا أنا أعلم بها من الذي قالها، إنما قال: ما أنا بمحلها ولا بمحرمها عليه، إن شاء فليتقدم وإن شاء فليتأخر. ا. هـ. منه.
قلت: هذه الآثار كلها والفتاوى فيمن قال: أنت عليَّ حرام، فما بال من يقول: عليَّ الحرام؟. إن قلت: نذر. قلنا: إنما يلزم فيما ندب دون ما أبيح فقط، فكيف تلزمونه في معصية الله؟. أخرج أبو داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأبلي، عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِى اللهَ فَلَا يَعْصِهِ". ا. هـ. وإن قلت: هو يمين. قلنا: إنها لا تلزم إلا باسم الله أو صفاته العلية، ولم يترك رسول الله ﷺ مجالًا لأحد يحلف بغير الله. قال: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ". فلم يجعل للحالف قسيمًا ثانيًا حتى نلزم صاحبه به، وإذا كان الحالف تعمده على غير ما عليه أمرنا، قلنا: هو رَدٌّ على صاحبه، بدليل قوله ﷺ المتفق عليه: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ". =
стр. 697
وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ، واليمين، والْكَفارَة.، والمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ - بإِنْ فَعَلْتُ، ولَا فَعَلْتُ - أو حِنْثٍ - بلأَفْعَلَنَّ أوْ إِنْ لَمْ أفْعَلْ، إنْ لَمْ يُؤجِّلْ - إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدٌّ، ونُدِبَ بِغَيْرِ المَدِينَةِ زِيَادَةُ ثُلُثِهِ أوْ نِصْفهِ، أوْ رطْلَانِ خُبْزًا بأُدْمٍ كَشِبَعِهِمْ (١)،
= فأين إذًا مستند هؤلاء المفتين الذين يحرمون على المرء زوجته بموجبه؟. أين مستند هؤلاء الذين يسارعون بفتواهم إلى النار؟. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (١). فليتق الله هؤلاء، وليجعلوا هذه الآية نصب أعينهم فإنها نعم الوازع. والله حسبنا ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
(١) وقوله: وفي النذر المبهم واليمين والكفارة ألخ. نقل الحطاب: قال أبو الحسن: قال ابن وهب: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". قال: ولما في مسلم: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". قال في التوضيح: ولا يمكن حمله على نذر يمين، لأنه لو كان نذر طاعة، لزم أن يأتي بالطاعة التي نذر، فتعين حمله على ما لا مخرج له. ا. هـ. منه. وفي المدونة: ومن قال: عليَّ يمين إن فعلت كذا. ولا نية له، فعليه كفارة يمين كقوله: عليَّ نذر أو عهد. ا. هـ.
تنبيه: الحنث في اليمين مباح، والحلف بالله مباح. قال في الجواهر: ولا يحرم الحنث باليمين، ولكن الأولى أن لا يحنث؛ إلا أن يكون الخير في الحنث. ا. هـ. من الحطاب، قال بعضهم:
الحنث في اليمين لا نحرمه … لكنَّ الأوْلى في اليمن عدمه
قلت: قد يكون الأولى الصواب الحنث؛ إذا رأى أن غير ما حلف عليه خير مما حلف عليه، بدليل قوله ﷺ : "إِنِّي وَاللهِ إنْ شَاءَ اللهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ". رواه أبو داود عن سليمان بن حرب. ثنا حماد، ثنا غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: الحديث. =
стр. 698
أوْ كِسْوَتُهُمْ؛ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ ولِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أهْلِهِ، والرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا، أوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، ولَا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ، ومُكَرَّرٌ لمِسْكِينٍ، وناقِصٌ؛ كَعِشْرينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ إلَّا أنْ يُكَمِّلَ. وَهَلْ إن
= وفي الحطاب أن اليمين المنعقدة على بر، هي التي يكون الحالف فيها بأثر يمينه موافقًا لما كان عليه من البراءة الأصلية، وإن اليمين المنعقدة على حنث، هي ما يكون الحالف فيها مخالفًا لما كان عليه في البراءة الأصلية.
قال الحطاب في الذي يوافق ما كان عليه في البراءة الأصلية: إنه هو الذي لا يطالب في بر يمينه بفعل يفعله، بخلاف صيغة الحنث؛ فإنه يطلب في بر يمينه بأن يأتي بما حلف عليه، وإلا فلا يمكن أن يكون الحالف موافقًا لما كان عليه في البراءة الأصلية؛ لأنه قبل اليمين لا حرج عليه في الفعل أو الترك بخلاف حاله بعد اليمين، فإنه إن فعل ما حلف على تركه حنث. ا. هـ. منه. واعلم أن الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفارة، وقسمان لا كفارة فيهما. خرج الدارقطني في سننه قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عيثر عن ليث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: الأيمان أربعة: يمينان يكفَّران ويمينان لا يكفَّران؛ فاليمينان اللذان يكفران: فالرجل يحلف: والله لا أفعل كذا وكذا فيفعله. والرجل يقول: والله لأفعلنَّ كذا وكذا فلا يفعل. واليمينان اللذان لا يكفران؛ فالرجل يحلف: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل. والرجل يحلف: لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله. ا. هـ بنقل القرطبي.
وقوله: إطعام عشرة مساكين لكل مد، أصل ذلك قوله تعالى في المائدة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
قال القرطبي: لا بد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج إليهم، يدفع إليهم =
стр. 699
بَقِيَ؟. تَأويلَانِ. وَلَهُ نَزْعُهُ إنْ بَيَّنَ بالقُرْعَةِ، وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إنْ أخْرَجَ وَإلَّا كُرِهَ، وَإنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ، وأجْزَأتْ قَبْلَ حِنْثِهِ، وَوَجَبَتْ بِهِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ.
= حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ (١). قال ابن الماجشون من أصحابنا وفاقًا لأبي حنيفة: لو غدَّاهم وعشاهم جاز لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢). قال: فبأي وجه أطعمه دخل في الآية.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٣). قال القرطبي: هو هنا منزلة بين منزلتين، ونصفًا بين طرفين. ومنه الحديث: "خَيْرُ الْأمُورِ أَوْسَطُهَا".
وقوله: لكل مد: هو الإِطعام عند مالك، إن كان بالمدينة. وبذلك قال مالك والشافعي وأهل المدينة. قال سليمان بن يسار: أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين، أعطوا مُدًّا من حنطة بالمد الأصغر، ورأوا ذلك مجزئًا عنهم. قال القرطبي: وهو قول ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه قال عطاء بن أبي رباح.
قال: وقال ابن القاسم: إذا كان بغيرها أجزأه المد. وقال ابن المواز: أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف، وأفْتى أشهب وثلث، قال: وقال أبو حنيفة: يخرج من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعًا، محتجًا بحديث عبد الله بن ثعلبة بن صُعير عن أبيه قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا فأمر بصدقة الفطر؛ صاعٍ من تمر، أو صاع من شعير عن كل رأس، أو صاع بر بين اثنين. قال: به أخذ سفيان، وابن المبارك، وروي عن عليّ وعمر، وابن عمر، وعائشة ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب. وهو قول عامة فقهاء العراق؛ محتجين أيضًا بما رواه ابن عباس قال: كَفَّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر الناس بذلك، فمن لم يجد فنصف صاع من بر من: ﴿أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٤). خرجه ابن ماجه في سننه. ا. هـ. بنقل القرطبي.
تنبيه: قال ابن العربي: يخرج الرجل مما يأكل هو، وقد زلت جماعة من العلماء فقالوا: يخرج مما يأكل الناس لا مما يأكل هو، وهذا سهوٌ بيِّنٌ، فقد قال ﷺ : "صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، صَاعًا مِنْ
стр. 700
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= شَعِيرٍ". ففصَّل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل، وهذا مما لا خفاء فيه. ا. هـ. من القرطبي بتصرف.
تنبيه: خير الله بين الخلال الثلاث، وعقب عند عدمها بالصيام، وبدأ بالطعام لأنه الأفضل لغلبة الحاجة إليه، ولا خلاف أن كفارة اليمين على التخيير. قال ابن العربي: والذي عندي أن تكون بحسب الحال فإن علمت محتاجًا كان الطعام أفضل. ا. هـ.
وقوله: ومكرر لمسكين، يعني أنه لا يجوز عند أصحابنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد. وبه قال الشافعي - خلافًا لأبي حنيفة - قال: يجزئه ذلك لأن المقصود بالآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه، ودليل أصحابنا نص الآية على العشرة، فلا يجوز العدول عنه، وأيضًا فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يومًا واحدًا، فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك تعالى ودعائه، فيغفر للمكفر بسبب ذلك. ا. هـ.
وقوله: أو كسوتهم للرجل ثوبٌ وللمرأة درع وخمار، قال القرطبي: والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد، فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة، وهو الدرع والخمار. قال ابن العربي: ما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد، كما أن عليه طعامًا يشبعه من الجوع. ا. هـ. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى عنه ثوبين ثوبين. وبه قال الحسن وابن سيرين. قال القرطبي: وهذا معنى ما اختاره ابن العربي. والله أعلم.
تنبيه: لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة عند أصحابنا وعند الشافعي، خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: تجزئ القيمة في الزكاة، فكيف في الكفارة؟!. قال ابن العربي: وعمدته أن الغرض سد الخلة ورفع الحاجة، فالقيمة تجزئ فيه. قلنا: إن نظرتم إلى سدِّ الخلة فأين العبادة؟!. وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؟!.
وقوله: والرضيع كالكبير فيهما: هو فيه تبع لما قاله ابن القاسم في العتبية: تكسى الصغيرة كسوة كبيرة، والصغير كسوة كبير قياسًا على الطعام. ا. هـ. بنقل القرطبي. =
стр. 701
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: أو عتق رقبة كالظهار، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). ولا يجوز عند أصحابنا إلا عتق رقبة مؤمنة؛ لأنها قربة واجبة، فلا يكون الكافر محلًا لها، قياسًا على الزكاة. وأيضًا لحمل المطلق هنا على المقيد في كفارة القتل خطأ؛ قال في مراقي السعود:
وحمل مطلق على ذاك وجب … إن فيهما اتحد حكم والسبب
ولا يجوز عتق إلا رقبة كاملة ليس فيها شرك لغيره، ولا عتق بعض، ولا عتق إلى أجل، ولا كتابة ولا تدبير، ولا أم ولد، ولا من يعتق عليه، ولا رقبة هرمة؛ سليمة غير معيبة، ودليلنا على عدم إجزاء المشتركة. قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وبعض الرقبة ليس رقبة، وإنما قلنا: لا يكون فيها عقد عتق؛ لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم، وإنما اشترطنا أن تكون سليمة لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. فإن الإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة، والعمياء ناقصة، وأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعْتِقُ امْرَءًا مُسْلِمًا إِلَّا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ؛ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِعُضْوٍ مِنْها، حَتَّى الفرج بالفرج". وهذا نص في الموضوع.
وقوله ثم صيام ثلاثة أيام، بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). أي فمن لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة؛ من الإطعام، أو الكسوة، أو عتق الرقبة، بالإِجماع على أنه لا يكفر بالصوم، إلا في حالة عدم إحدى هذه الخصال الثلاث، وعدمها يعتبر بوجهين؛ إمَّا بمغيب ماله عنه، وإما بعدم مال عنده أصلًا، وقد قالوا في: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ قيل: من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته وليس عنده فضل يطعمه. وبه قال الشافعي، واختاره الطبري، وهو مذهب مالك وأصحابه، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم، وقال أحمد وإسحاق: إذا كان عنده قوت يومه وليلته أطعم ما فضل عنه.
تنبيه: لا يجب تتابع هذا الصوم عند أصحابنا، وأحد قولي الشافعي؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص، وقد عدما. وقال أبو حنيفة - وهو الرواية الأخرى عن الشافعي، واختاره المزني - يجب تتابعه قياسًا على كفارة الظهار، واعتبارًا بقراءة ابن مسعود: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ. ا. هـ. =
стр. 702
وفِي: عَلَيَّ أشَدُّ مَا أَخَذَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ، وعِتْقُهُ، وصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ وَكَفَّارَةٌ، وَزيدَ في: الأيْمَانُ تَلْزَمُنِي. صَوْمُ سَنَةٍ إن اعْتِيدِ حَلِفٌ بِهِ، وفِي لزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَردُّدٌ (١)، وتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزوجَة والأمَة لَغْوٌ، وَتَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الحِنْثِ، أوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَركِ الْوِتْرِ، أو نَوىَ كفَّارَاتٍ، أوْ قَالَ: لَا ولَا. أوْ حَلَفَ أنْ لَا يَحْنَثَ، أوْ بِالقُرْآنِ، والْمَصْحَفِ، والكِتَابِ، أوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أوْ: بِكُلَّمَا، أوَ مَهْمَا. لَا: مَتَى مَا، وَوَاللَّهِ ثُمَّ واللَّهِ. وإنْ قصده.
= تنبيه: قد اتفق أهل العلم أن كفارة اليمين تلزم الحر المسلم، واختلفوا في العبد؛ فقد قال الشافعي، وسفيان الثوري وأصحاب الرأي: ليس عليه الصوم. واختلف فيه قول مالك؛ روى ابن نافع عنه أنه قال: لا يكفر العبد بالعتق. وحكى ابن قاسم أنه قال: إن أطعم وكسا بإذن سيده مما هو بالبين، وفي نفسي منه شيء. ا. هـ. القرطبي.
(١) وقوله: وفي: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد إلى قوله: وفي لزوم شهري ظهار تردد، نقل الباجي عن ابن وهب أن من قال: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد. فيه يمين بالله. قال: ووجهه أنه لا يمين أعظم من اليمين بالله تعالى، ولا إثم أعظم من إثم من اجترأ على الحنث فيها. وما مشى عليه المصنف هو فتوى ابن القاسم، وفي رأي أنه تأباه سماحة الإسلام، ورفع الحرج في الدين. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). ولا ينقضي عجبي من قول المصنف - عليه رحمة الله -: وزيد في: الأيمان تلزمني. صوم سنة إن اعتيد حلف به، وصدق الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). إنه من المعلوم أن الأيمان جمع يمين، وقد تقدم منه تعريف اليمين؛ بأنه تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته، ويعلم أنه صح عن رسول الله ﷺ : "مَنْ =
стр. 703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أوْ ليَصْمُتْ". فكيف إقحامه لصوم السنة حتى تشمله لفظ الأيمان؟. ثم كيف تقييده بجريان العادة بالحلف به؟. وهل يجوز الحلف بغير الله؟. بعد ما قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أو لِيَصْمُتْ". وهل إذا اعتيد حلف بلفظ لم تأذن السنة بالحلف به، يسوغ الاعتياد ارتكاب تلك المخالفة؟. فلله در صاحب التلخيص حيث يقول:
وجامع الأيمان ما قال خليل … فيه من الأحكام خالٍ من دليل
وقد نقل المواق عن ابن عرفة قال: في الأيمان اللازمة اضطراب. قال الأبهري وأبو عمر: لا شيء فيها إلا الاستغفار. وعنه كفارة يمين. وقال الطرطوشي: فيها ثلاث كفارات بالله. ا. هـ. منه.
ونقل الحطاب عن البرزلي في مسائل الأيمان، عن ابن الحاج فيمن حلف بأيمان المسلمين تلزمه؛ إنه يلزمه ما يلزم في الأيمان اللازمة. قال البرزلي: قلت: أمَّا إلزامه - يعني ابن الحاج - في أيمان المسلمين ما يلزم في الأيمان اللازمة، فقد رأيت لابن علوان - أحد المفتين بتونس - أنه لا يلزمه فيها إلا ثلاث كفارات، لأن أيمان المسلمين الجارية الجائزة هي الأيمان بالله. ا. هـ. منه.
مع أن الحلف بالمشي، وإن قال بلزومه مالك وأبو حنيفة، فقد قال الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور: فيه كفارة يمين. وقال ابن عبد البر من أصحابنا: أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله . وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين، وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد، وذكر له أنه قول الليث بن سعد. والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة، إلا بالمشي لمن قدر عليه. وهو قول مالك. وقال ابن المسيب والقاسم بن محمد: لا شيء عليه.
وأمَّا الحلف بالصدقة بالمال، وإن قال مالك: يلزم إخراج ثلثه، فقد قال الشافعي: عليه كفارة يمين. وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وهو مروي عن عمر، وعائشة ﵄. وقال الشعبي وعطاء وطاوس: لا شيء عليه.
وأمَّا الحلف بالعتق، وإن قال مالك والشافعي وغيرهما: يلزمه عتق من حلف بعتقه، فقد =
стр. 704
والْقُرآنِ، والتَّوْراةِ، والْإِنْجِيلِ، ولَا كَلَّمَهُ غَدًا وبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا، وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وسَاوَتْ في اللَّهِ وغَيْرِهَا، كَطلَاقٍ، كَكَوْنِها مَعَهُ فِي: لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا. كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ؛ كَسَمْنِ ضَأنٍ فِي: لَا آكُلُ سَمْنًا. أوْ: لَا أُكَلِّمُهُ. وكَتوكِيلِهِ فِي: لَا يَبيعُهُ،
= روي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة أنه يكفر كفارة يمين، ولا يلزمه العتق. وقال عطاء: يلزمه أن يتصدق بشيء. ا. هـ. انظر القرطبي جـ ٦/ ص ٢٨٤/ ٢٨٥.
وقوله: وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو، فقد أشبعنا الكلام عليه في الكلام على المحاشاة، فليرجع إليه من شاء.
وقوله: وخصصت نية الحالف وقيدت أالخ. هذا ابتداء منه ﵀ في الكلام على مقتضيات البر والحنث، وهي هنا خمسة أمور ذكرها المصنف، منها: النية، والبساط، والعرف القولي، والمقصد اللغوي، والمقصد الشرعي. فبدأ الكلام على النية. فقال: وخصصت نية الحالف ألخ. يعني أن نية الحالف تخصص لفظ العام، أي تقصره على بعض أفراده، والعام لفظ يستغرق الصالح له بلا حصر، أي يشمل جميع ما يصلح له دفعة واحدة، فخرج بقيد بلا حصر أسماء الأعداد، فإنها تستغرق ما تصلح له دفعة مع حصره، فهي نص في معناها فلا تقبل التخصيص بالنية ونحوها. فلو قال مثلًا له: عليَّ عشرة. وقال: نويت تسعة مثلًا، فلا تقبل نيته لكنها تقبل التخصيص بالاستثناء نحو: له علي عشرة إلا تسعة. ونحو: طالق ثلاثًا لا اثنتين. فمعنى تخصيص العام: إذا هو قصره على بعض أفراده زمانًا أو مكانًا أو صفة، كأن تقول مثلًا: والله لا أكلم زيدًا، ناويًا في الليل، أو في المسجد، أو حال كونه جاهلًا. وللعام صيغ تفيده كثيرة معلومة في محلها.
وقوله: وقيدت، أي نية الحالف تصرف لفظة المطلق إلى بعض أفراده التي يحتملها على البدلية. والمطلق: هو ما دل على الماهية من حيث هي هي، فإن دل اللفظ على الماهية بإضافة وصف لها زائد على الماهية، كان ذلك الوصف هو القيد، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. في مواضع لكنه ذكر في موضع آخر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالإِيمان هنا وصف زائد على الرقبة =
стр. 705
أوْ لَا يَضْرِبُهُ إلَّا لِمُرافَعَةٍ وَبينَةٍ أوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ وعِتْقٍ فَقَطْ، أوْ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وثيقَةِ حَقٍّ لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ، أوْ كَذِبٍ فِي: طَالِقٌ أوْ حُرَّةٌ أوْ حَرَامٌ، وَإنْ بَفَتْوى، ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ، ثُمَّ عُرْفٌ قَوْليٌّ ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَويٌّ ثُمَّ شَرْعيٌّ، وحَنَثَ - إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ - بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لمَانِعٍ شَرْعيٍّ، أوْ سَرِقَةٍ، لَا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي: لَيَذْبَحَنَّهُ.
= قيدت به.
وقوله: إن نافت. أصله نافيت، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين؛ ومعناه أن شرط النية المخصصة أن تكون منافية -أي مخالفة - لمقتضى اللفظ؛ بمعنى أن يكون لفظ الحالف يقتضي ثبوت الحكم لصور، والنية تريد نفي ذلك الحكم عن تلك الصور؛ لأن شرط المخصص منافاة حكم الخاص لحكم العام.
وقوله: وساوت: أي ومن شرط النية المقيدة للمطلق مساوية، بأن يكون لفظ الحالف يحتمل ما نواه وغيره على السواء فتقبل نيته في تقييد المطلق؛ كأن تقول: أحد عبديَّ حر. ويريد سالمًا مثلًا. أو أن يقول: والله لا أركب جملًا. ويريد أبيض. ونحو ذلك. ودليل هذه النصوص من المختصر، مداره على حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه: "إِنَّما الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
وقوله: ثم بساط - بكسر الموحدة - وهو السبب الحامل على اليمين، يعني أنه إن فقدت النية، ولم يضبطها الحالف، وكانت اليمين مما ينوى فيها، فإنه ينتقل إلى تخصيص العام، وتقييد المطلق بالبساط، وإنما يعدل إليه لكونه مظنة النية. ومثلوا له بمن حلف لا يشرب ماء لرجل، بسبب أنه امتنَّ عليه بما يأخذه منه، فإنه يحنث ولو بخيط يخيط به.
وقوله: ثم عرف قولي: يعني أنه إذا فقدت النية والبساط، توصل إلى مراد الحالف من لفظه. والمشهور أنه يحمل على العرف القولي؛ لأنه غالب قصد الحالف، لأن كل متكلم بلغة يجب حمل كلامه على المعنى الذي يستعمل أهل تلك اللغة فيه ذلك اللفظ، كأن يكون عرف =