. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: أو عتق رقبة كالظهار، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١). ولا يجوز عند أصحابنا إلا عتق رقبة مؤمنة؛ لأنها قربة واجبة، فلا يكون الكافر محلًا لها، قياسًا على الزكاة. وأيضًا لحمل المطلق هنا على المقيد في كفارة القتل خطأ؛ قال في مراقي السعود:
وحمل مطلق على ذاك وجب … إن فيهما اتحد حكم والسبب
ولا يجوز عتق إلا رقبة كاملة ليس فيها شرك لغيره، ولا عتق بعض، ولا عتق إلى أجل، ولا كتابة ولا تدبير، ولا أم ولد، ولا من يعتق عليه، ولا رقبة هرمة؛ سليمة غير معيبة، ودليلنا على عدم إجزاء المشتركة. قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وبعض الرقبة ليس رقبة، وإنما قلنا: لا يكون فيها عقد عتق؛ لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم، وإنما اشترطنا أن تكون سليمة لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. فإن الإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة، والعمياء ناقصة، وأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعْتِقُ امْرَءًا مُسْلِمًا إِلَّا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ؛ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِعُضْوٍ مِنْها، حَتَّى الفرج بالفرج". وهذا نص في الموضوع.
وقوله ثم صيام ثلاثة أيام، بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢). أي فمن لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة؛ من الإطعام، أو الكسوة، أو عتق الرقبة، بالإِجماع على أنه لا يكفر بالصوم، إلا في حالة عدم إحدى هذه الخصال الثلاث، وعدمها يعتبر بوجهين؛ إمَّا بمغيب ماله عنه، وإما بعدم مال عنده أصلًا، وقد قالوا في: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ قيل: من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته وليس عنده فضل يطعمه. وبه قال الشافعي، واختاره الطبري، وهو مذهب مالك وأصحابه، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم، وقال أحمد وإسحاق: إذا كان عنده قوت يومه وليلته أطعم ما فضل عنه.
تنبيه: لا يجب تتابع هذا الصوم عند أصحابنا، وأحد قولي الشافعي؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص، وقد عدما. وقال أبو حنيفة - وهو الرواية الأخرى عن الشافعي، واختاره المزني - يجب تتابعه قياسًا على كفارة الظهار، واعتبارًا بقراءة ابن مسعود: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ. ا. هـ. =
стр. 702
وفِي: عَلَيَّ أشَدُّ مَا أَخَذَ أحَدٌ عَلَى أحَدٍ، بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ، وعِتْقُهُ، وصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ وَكَفَّارَةٌ، وَزيدَ في: الأيْمَانُ تَلْزَمُنِي. صَوْمُ سَنَةٍ إن اعْتِيدِ حَلِفٌ بِهِ، وفِي لزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَردُّدٌ (١)، وتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزوجَة والأمَة لَغْوٌ، وَتَكَرَّرَتْ إنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الحِنْثِ، أوْ كَانَ الْعُرْفُ كَعَدَمِ تَركِ الْوِتْرِ، أو نَوىَ كفَّارَاتٍ، أوْ قَالَ: لَا ولَا. أوْ حَلَفَ أنْ لَا يَحْنَثَ، أوْ بِالقُرْآنِ، والْمَصْحَفِ، والكِتَابِ، أوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أوْ: بِكُلَّمَا، أوَ مَهْمَا. لَا: مَتَى مَا، وَوَاللَّهِ ثُمَّ واللَّهِ. وإنْ قصده.
= تنبيه: قد اتفق أهل العلم أن كفارة اليمين تلزم الحر المسلم، واختلفوا في العبد؛ فقد قال الشافعي، وسفيان الثوري وأصحاب الرأي: ليس عليه الصوم. واختلف فيه قول مالك؛ روى ابن نافع عنه أنه قال: لا يكفر العبد بالعتق. وحكى ابن قاسم أنه قال: إن أطعم وكسا بإذن سيده مما هو بالبين، وفي نفسي منه شيء. ا. هـ. القرطبي.
(١) وقوله: وفي: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد إلى قوله: وفي لزوم شهري ظهار تردد، نقل الباجي عن ابن وهب أن من قال: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد. فيه يمين بالله. قال: ووجهه أنه لا يمين أعظم من اليمين بالله تعالى، ولا إثم أعظم من إثم من اجترأ على الحنث فيها. وما مشى عليه المصنف هو فتوى ابن القاسم، وفي رأي أنه تأباه سماحة الإسلام، ورفع الحرج في الدين. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). ولا ينقضي عجبي من قول المصنف - عليه رحمة الله -: وزيد في: الأيمان تلزمني. صوم سنة إن اعتيد حلف به، وصدق الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). إنه من المعلوم أن الأيمان جمع يمين، وقد تقدم منه تعريف اليمين؛ بأنه تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته، ويعلم أنه صح عن رسول الله ﷺ : "مَنْ =
стр. 703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أوْ ليَصْمُتْ". فكيف إقحامه لصوم السنة حتى تشمله لفظ الأيمان؟. ثم كيف تقييده بجريان العادة بالحلف به؟. وهل يجوز الحلف بغير الله؟. بعد ما قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أو لِيَصْمُتْ". وهل إذا اعتيد حلف بلفظ لم تأذن السنة بالحلف به، يسوغ الاعتياد ارتكاب تلك المخالفة؟. فلله در صاحب التلخيص حيث يقول:
وجامع الأيمان ما قال خليل … فيه من الأحكام خالٍ من دليل
وقد نقل المواق عن ابن عرفة قال: في الأيمان اللازمة اضطراب. قال الأبهري وأبو عمر: لا شيء فيها إلا الاستغفار. وعنه كفارة يمين. وقال الطرطوشي: فيها ثلاث كفارات بالله. ا. هـ. منه.
ونقل الحطاب عن البرزلي في مسائل الأيمان، عن ابن الحاج فيمن حلف بأيمان المسلمين تلزمه؛ إنه يلزمه ما يلزم في الأيمان اللازمة. قال البرزلي: قلت: أمَّا إلزامه - يعني ابن الحاج - في أيمان المسلمين ما يلزم في الأيمان اللازمة، فقد رأيت لابن علوان - أحد المفتين بتونس - أنه لا يلزمه فيها إلا ثلاث كفارات، لأن أيمان المسلمين الجارية الجائزة هي الأيمان بالله. ا. هـ. منه.
مع أن الحلف بالمشي، وإن قال بلزومه مالك وأبو حنيفة، فقد قال الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور: فيه كفارة يمين. وقال ابن عبد البر من أصحابنا: أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله . وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين، وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبد الصمد، وذكر له أنه قول الليث بن سعد. والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة، إلا بالمشي لمن قدر عليه. وهو قول مالك. وقال ابن المسيب والقاسم بن محمد: لا شيء عليه.
وأمَّا الحلف بالصدقة بالمال، وإن قال مالك: يلزم إخراج ثلثه، فقد قال الشافعي: عليه كفارة يمين. وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وهو مروي عن عمر، وعائشة ﵄. وقال الشعبي وعطاء وطاوس: لا شيء عليه.
وأمَّا الحلف بالعتق، وإن قال مالك والشافعي وغيرهما: يلزمه عتق من حلف بعتقه، فقد =
стр. 704
والْقُرآنِ، والتَّوْراةِ، والْإِنْجِيلِ، ولَا كَلَّمَهُ غَدًا وبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا، وخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وسَاوَتْ في اللَّهِ وغَيْرِهَا، كَطلَاقٍ، كَكَوْنِها مَعَهُ فِي: لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا. كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ؛ كَسَمْنِ ضَأنٍ فِي: لَا آكُلُ سَمْنًا. أوْ: لَا أُكَلِّمُهُ. وكَتوكِيلِهِ فِي: لَا يَبيعُهُ،
= روي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة أنه يكفر كفارة يمين، ولا يلزمه العتق. وقال عطاء: يلزمه أن يتصدق بشيء. ا. هـ. انظر القرطبي جـ ٦/ ص ٢٨٤/ ٢٨٥.
وقوله: وتحريم الحلال في غير الزوجة والأمة لغو، فقد أشبعنا الكلام عليه في الكلام على المحاشاة، فليرجع إليه من شاء.
وقوله: وخصصت نية الحالف وقيدت أالخ. هذا ابتداء منه ﵀ في الكلام على مقتضيات البر والحنث، وهي هنا خمسة أمور ذكرها المصنف، منها: النية، والبساط، والعرف القولي، والمقصد اللغوي، والمقصد الشرعي. فبدأ الكلام على النية. فقال: وخصصت نية الحالف ألخ. يعني أن نية الحالف تخصص لفظ العام، أي تقصره على بعض أفراده، والعام لفظ يستغرق الصالح له بلا حصر، أي يشمل جميع ما يصلح له دفعة واحدة، فخرج بقيد بلا حصر أسماء الأعداد، فإنها تستغرق ما تصلح له دفعة مع حصره، فهي نص في معناها فلا تقبل التخصيص بالنية ونحوها. فلو قال مثلًا له: عليَّ عشرة. وقال: نويت تسعة مثلًا، فلا تقبل نيته لكنها تقبل التخصيص بالاستثناء نحو: له علي عشرة إلا تسعة. ونحو: طالق ثلاثًا لا اثنتين. فمعنى تخصيص العام: إذا هو قصره على بعض أفراده زمانًا أو مكانًا أو صفة، كأن تقول مثلًا: والله لا أكلم زيدًا، ناويًا في الليل، أو في المسجد، أو حال كونه جاهلًا. وللعام صيغ تفيده كثيرة معلومة في محلها.
وقوله: وقيدت، أي نية الحالف تصرف لفظة المطلق إلى بعض أفراده التي يحتملها على البدلية. والمطلق: هو ما دل على الماهية من حيث هي هي، فإن دل اللفظ على الماهية بإضافة وصف لها زائد على الماهية، كان ذلك الوصف هو القيد، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. في مواضع لكنه ذكر في موضع آخر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. فالإِيمان هنا وصف زائد على الرقبة =
стр. 705
أوْ لَا يَضْرِبُهُ إلَّا لِمُرافَعَةٍ وَبينَةٍ أوْ إقْرَارٍ فِي طَلَاقٍ وعِتْقٍ فَقَطْ، أوْ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وثيقَةِ حَقٍّ لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ، أوْ كَذِبٍ فِي: طَالِقٌ أوْ حُرَّةٌ أوْ حَرَامٌ، وَإنْ بَفَتْوى، ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ، ثُمَّ عُرْفٌ قَوْليٌّ ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَويٌّ ثُمَّ شَرْعيٌّ، وحَنَثَ - إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ - بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لمَانِعٍ شَرْعيٍّ، أوْ سَرِقَةٍ، لَا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي: لَيَذْبَحَنَّهُ.
= قيدت به.
وقوله: إن نافت. أصله نافيت، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين؛ ومعناه أن شرط النية المخصصة أن تكون منافية -أي مخالفة - لمقتضى اللفظ؛ بمعنى أن يكون لفظ الحالف يقتضي ثبوت الحكم لصور، والنية تريد نفي ذلك الحكم عن تلك الصور؛ لأن شرط المخصص منافاة حكم الخاص لحكم العام.
وقوله: وساوت: أي ومن شرط النية المقيدة للمطلق مساوية، بأن يكون لفظ الحالف يحتمل ما نواه وغيره على السواء فتقبل نيته في تقييد المطلق؛ كأن تقول: أحد عبديَّ حر. ويريد سالمًا مثلًا. أو أن يقول: والله لا أركب جملًا. ويريد أبيض. ونحو ذلك. ودليل هذه النصوص من المختصر، مداره على حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه: "إِنَّما الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
وقوله: ثم بساط - بكسر الموحدة - وهو السبب الحامل على اليمين، يعني أنه إن فقدت النية، ولم يضبطها الحالف، وكانت اليمين مما ينوى فيها، فإنه ينتقل إلى تخصيص العام، وتقييد المطلق بالبساط، وإنما يعدل إليه لكونه مظنة النية. ومثلوا له بمن حلف لا يشرب ماء لرجل، بسبب أنه امتنَّ عليه بما يأخذه منه، فإنه يحنث ولو بخيط يخيط به.
وقوله: ثم عرف قولي: يعني أنه إذا فقدت النية والبساط، توصل إلى مراد الحالف من لفظه. والمشهور أنه يحمل على العرف القولي؛ لأنه غالب قصد الحالف، لأن كل متكلم بلغة يجب حمل كلامه على المعنى الذي يستعمل أهل تلك اللغة فيه ذلك اللفظ، كأن يكون عرف =
стр. 706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أهل بلده أن يستعملوا لفظ الدابة على الحمار، فإن يحلف لا ركب دابة، وعدمت النية والبساط، حمل لفظه على العرف القولي، فيحنث بركوب الحمار.
وقوله: ثم مقصد لغوي، يعني أنه إن فقدت النية، والبساط، والعرف القولي، حمل اللفظ على ما يقتضيه لغة. قالوا: وهذا في المظنون، وأمَّا في مثل قوله له: والله لأرينك النجوم في النهار. فإنه لا خلاف في حمل مثل ذلك على ما يقتضيه من المبالغة، دون الحقيقة. والله أعلم.
وقوله: ثم شرعي، يعني أنه إذا فقد الأربعة المتقدمة، حمل اللفظ على ما يقتضيه شرعًا. قال الحطاب: وهذا إنما يصح إذا كان المتكلم صاحب الشرع، وكذلك إن كان الحالف على شيء من الشرعيات، مثل أن تقول: والله لأصلينَّ. أو: لا أصلي. فهذا يحمل على الصلاة الشرعية. وهكذا.
قلت: أنظر أين يقع هذا الترتيب في محامل اللفظ، الذي جاء به هنا في اليمين؟. من قول مراقي السعود في كتاب القرآن ومباحث الألفاظ:
واللفظ محمول على الشرعي … إن لم يكن فمطلق العرفيِّ
فاللغوي على الجلي ......
وقوله: وبدوام ركوبه ولبسه في: لا أركب وألبس. هذا الفرع بناه على شرط القاعدة الفقهية المعروفة التي هي: هل الدوام على الشيء كابتدائه أو لا؟. وعقدها في المنهج المنتخب بقوله:
وهل دوامٌ كابتدا كمن حلف … أو صحَّ أو أحدث والَّذْ لم يقف الخ
يعني أنه يبنى على هذه القاعدة فروع منها: من حلف: لا أدخل الدار. وهو فيها، هل يحنث إن لم يبادر الخروج منها؟. أو لا يحنث ما دام فيها؟. ومن حلف لا يركب دابة، وهو راكب عليها، فهل يحنث إن لم يبادر النزول عنها، أو لا يحنث ما دام راكبًا عليها؟. ومن حلف لا يلبس ثوبًا، وهو لابسه حال يمينه، فهل يحنث إن لم يبادر إلى فسخه؟. أو لا يحنث ما دام لابسه؟. وقد مشى المصنف هنا على الشطر الأول من القاعدة. وهو: إن الدوام كالابتداء؛ فيحنث بدوام فعله الذي حلف لا يفعله وهو متلبس به. =
стр. 707
وبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ، وبِالنِّسْيَانِ إنْ أطْلَقَ، وبِالبَعْضِ، عَكْسُ البِرِّ، وبسويق أوْ لَبَنٍ فِي: لَا آكُلُ. لَا ماءٍ ولا بِتَسَحُّرٍ فِي: لا أتَعَشَّى، وذَواقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ، وبِوُجُودِ أكْثَرَ فِي: لَيْسَ مَعِي غَيْرُهِ، لِمُتَسَلِّفٍ، لَا أقَلَّ، وبِدَوامِ رُكُوبِهِ ولُبْسِهِ فِي: لَا أرْكَبُ وألْبَسُ لَا فِي كَدُخُولٍ، وبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ، وَبِجَمْعِ الأَسْواطِ. فِي: لَأضْرِبَنَّهُ كَذا. وبِلَحْمِ الْحُوتِ وَبْيضِهِ، وعَسَلِ الرَّطْبِ فِي
= وقوله: وبجمع الأسواط في: لأضربنه كذا، تبع فيه مذهب المدونة ونص ما فيها: أرأيت لو أن رجلًا حلف ليضربن عبده مائة سوط، فجمعها فضربه بها ضربة واحدة؟. قال مالك: لا يجزئه ذلك، ولا يخرجه من يمينه.
قلت: قال الله تعالى في سورة ص: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١). قال ابن الجزي الكلبي في تفسير هذه الآية: الضغث: القبضة من القضبان، وكان أيوب ﵇ قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط إذا برئ من مرضه، وكان سبب ذلك ما ذكرته له من لقاء الشيطان، وقوله لها: إن سجد لي زوجك أذهبت ما به من المرض. فأمره أن يأخذ ضغثًا فيه مائة قضيب، فيضربها به ضربة واحدة، فيبر في يمينه. وقد ورد مثل هذا عن نبينا ﷺ في حد رجل زنى وكان مريضًا، فأمر رسول الله ﷺ بعذق من نخلة فيه شماريخ مائة، فضرب به ضربة واحدة. ذكر ذلك أبو داود والنسائي. وأخذ به بعض العلماء، ولم يأخذ به مالك ولا أصحابه. ا. هـ. منه بلفظه.
وقال ابن الجوزي في زاد المسير عند الكلام على هذه الآية ما نصه: وهل ذلك خاص له أم لا؟. فيه قولان: أحدهما أنه عام، وبه قال ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وابن أبي ليلى. والثاني: أنه خاص لأيوب. قاله مجاهد. واختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط، فجمعها كلها وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك والليث بن سعد: لَا يَبر. وبه قال أصحابنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه في الضربة الواحدة كل واحد منها، فقد بَرَّ. واحتجوا بعموم قصة أيوب ﵊. ا. هـ. منه بلفظه. =
стр. 708
مُطْلَقِهَا، وبِكَعْكٍ وخَشْكِنَانٍ وهَرِيسَةٍ وإطْرِيَةٍ فِي خُبْزٍ لَا عَكْسِهِ، وبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ ودَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ ودَجَاجٍ لَا بأَحَدِهِمَا فِي آخَرَ، وَبِسَمْنٍ اسْتُهْلِكَ فِي سَوِيقٍ، وبزعْفَرانٍ فِي طَعَامٍ، لَا بِكَخَلٍّ طُبِخَ، وباسترخَاءٍ لَهَا فِي: لَا قَبَّلْتُكِ. أوْ: قَبَّلْتِني، وبِفِرَارِ غرِيمِهِ فِي: لَا فَارَقْتُكَ، أوْ فَارَقْتَنِي إلَّا بِحَقِّي، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ وَإِنْ أحَالَهُ، وِبالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لَا الْعَكْسِ،
= وقد نسب القرطبي القول - بأنه عام للناس - لمجاهد الذي ذكر ابن الجوزي عنه القول بالخصوص، وقال: ذكره ابن العربي، وذكر عنه أيضًا لقول بخصوص هذا الحكم لأيوب عن عطاء، الذي ذكر ابن الجوزي عنه القول بأن هذا الحكم عام، وقال القرطبي: وحكى المهدوي عن عطاء بن أبي رباح أنه ذهب إلى أن ذلك الحكم باق، وأنه إذا ضرب بمائة قضيب ونحوه ضربة واحدة برَّ. وروي نحوه عن الشافعي، وروي نحوه عن النبي ﷺ في المُقْعَدِ الذي حملت منه الوليدة، وأمر أن يضرب بعثكول فيه مائة شمراخ ضربة واحدة. وقال القشيري: قيل لعطاء هل يعمل بهذا اليوم؟. فقال: ما أنزل القرآن إلا ليعمل به ويتبع. قال: وروى أبو زيد عن ابن القاسم، عن مالك: من حلف ليضربن عبده مائة، فجمعها فضربه بها ضربة واحدة لم يبرَّ. قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١). أي أن ذلك منسوخ بشرعنا. ا. هـ. منه.
قلت - وعلى الله توكلت: إن الذي تقتضيه الأصول، العمل بهذا الحكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. والقول بالخصوصية لأيوب لا بد فيه من دليل، فالخصوصية لا تثبت بالاحتمال. وإنما قلت بعموم هذا الحكم جريًا على أصول مذهب الإمام الأصبحي؛ لأنها قضية جرت في شرع من قبلنا، ومعلوم أن مسألة: هل شرع من قبلنا شرع لنا؟. ذات طرفين وواسطة؛ طرفها الأول، شرع من قبلنا فيه شرع لنا بلا خلاف؛ وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ونص لنا في شرعنا أنه شرع لنا كما كان شرعًا لهم؛ مثل الصوم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢). ومثل القصاص. وطرفها الثاني، شرع من قبلنا فيه =
стр. 709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ليس شرعًا لنا قطعًا؛ وهو ما لم يثبت بشرعنا أصلًا أنه كان شرعًا لهم، ولو ادعوا أنه كان شرعًا لهم، وما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، إلا أنه نص لنا في شرعنا أنه ليس شرعًا لنا؛ مثل قتل النفس توبة من الذنب، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١). ومثل ما ثبت أنهم كانوا يقرضون النجاسة بالمقراض. فإن مثل هذه الآصار قد وضع عنا بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ (٢). الآية. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما تلا: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٣). الآية، قال الله تعالى: "قَدْ فَعَلْتُ".
أمَّا الواسطة فهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، ولم ينص لنا في شرعنا على أنه شرع لنا، ولا على عدم ذلك. وقد جرى الخلاف في مثل ذلك، ومنه مسألتنا هذه التي هي موضع البحث، فقال مالك وأحمد وأبو حنيفة: شرع من قبلنا. - والحالة هذه - شرع لنا، بدليل قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٤). وبدليل قوله تعالى؛ بعد أن ذكر الأنبياء في سورة الأنعام قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٥). قالوا: ولم تذكر لنا قصصهم إلا للإِعتبار بها، وفائدة الإِعتبار العمل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٦).
وخالف الشافعي عليه رحمة الله محتجًا بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٧). ومجيبًا عن آية الأنعام بأنه إنما أمر بالإِقتداء بهم في التوحيد، فهو المقصود بالهدى بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. وقال: إن الدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾. كذلك المراد به التوحيد.
وقد يخفى على الفطن الصواب؛ إذْ خفي على أبي عبد الله القرطبي حتى قال: قال علماؤنا يريد مالكًا في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وهي الآية التي يحتج بها =
стр. 710
وَبَفَرْعٍ فِي: لَا آكُلُ مِنْ كَهذَا الطَّلْعِ، أوْ هذَا الطَّلْعَ، أوْ طَلْعًا إلَّا نَبِيذَ زَبيبٍ، وَمَرَقَةَ لَحْمٍ أوْ شَحْمِهِ، وخُبْزَ قَمْحٍ، وعَصِيرَ عِنَبٍ، وَبِمَا أنْبَتَتِ الحِنْطَةُ - إنْ نَوَى المَنَّ - لَا لِرَدَاءةٍ أوْ لِسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ، وبالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ، أوْ دَارِ جَارِه، أوْ بَيْتِ شَعَرٍ كَحَبْسٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، لَا بِمَسْجِدٍ، وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ، لَا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ، وَبِتَكْفِينِهِ فِي: لَا
= الشافعي على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا. وقد أجاب الجمهور عن احتجاجه بها بأن المراد بهذه، نسخ بعض ما في شريعة هذا وزيادة في شريعة الآخر ما لم يشرع في الأخرى، كما أجابوا عن تخصيص الهدى والدين في الآيتين بالتوحيد. ودعوى ذلك، بما أخرجه البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص؟. فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فسجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ . فهو نص صحيح صريح على أن سجود التلاوة داخل في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. وسجود التلاوة فرع شرعي قطعًا.
والحاصل أن هذا الفرع يلزم القول ببقائه جريًا على أصول الجمهور. علمًا بأن الشافعي ﵀، يقول ببقائه خلافًا لقواعده. ولعل ذلك لورود النص من السنة على أنه شرع لنا؛ فقد أخرج أبو داود قال: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أضْنَى، فعاد جلدةً على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فإني قد وقعت على جارية دخلت عليَّ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. ا. هـ. بنقل القرطبي.
فهذا الحديث وإن تكلم في سنده، فقد أخذ به الشافعي، ولا يأخذ به إلا وهو صالح =
стр. 711
نَفَعَهُ حَيَاتَهُ. وبأكْلٍ مِنْ تَركَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا في: لَا أَكلْتُ طَعَامَهُ. إنْ أوصَى أوْ كَانَ مَدِينًا، وبِكتَابٍ إنْ وَصَلَ أوْ رَسُولٍ في: لَا كَلَّمَهُ. وَلَمْ يُنَوِّ فِي الكِتَابِ فِي الْعِتْقِ والطَّلَاقِ، وبالإِشارة له وَبِكَلَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَا قِرَاءَتِهِ بِقَلْبِهِ أَوْ قِرَاءَةِ أحَدٍ عَلَيْهِ بِلَا إذْنٍ، ولَا بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ، وَلا كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرأَ عَلَى الأَصْوَبِ وَالْمُخْتَارِ، وَبِسَلَامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أنَّه غيره. أو في جَمَاعَةٍ إِلَّا أنْ يُحَاشِيَهُ.
وَبِفَتْحٍ عَلَيْهِ وَبِلَا عِلْمِ إذْنِهِ في: لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإذْنِي. وبِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي: لا أُعَلِّمَنَّهُ وَإنْ بِرَسُولٍ. وهل إلَّا أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَلِمَ؟. تَأْوِيلَانِ، أو عَلِمَ والٍ ثانٍ في حَلِفِهِ لأوَّلَ فِي نَظَرٍ. وَبِمَرْهُونٍ في: لا ثَوْبَ لي. وَبِالْهِبَةِ والصَّدَقَة فِي: لَا أعَارَهُ. وَبالْعَكْسِ، وَنُوِّيَ إلَّا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ، وببَقَاءٍ ولَوْ لَيْلًا فِي: لَا سَكَنْتُ، لَا فِي: لأنْتَقِلَنَّ. ولَا بِخَزْنٍ وانْتَقَل فِي: لَا سَاكَنَهُ - عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ أوْ ضَرَبَا جِدَارًا وَلَوْ جَريدًا - بِهذِهِ الدَّارِ، وبالزِّيارَةِ إنْ قَصَدَ التنَحِّيَ، لَا لِدُخُولِ عِيَالٍ إنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا ويَبِتْ بِلَا مَرَضٍ. وسَافَرَ الْقَصْرَ فِي: لأُسَافِرنَّ. ومَكَثَ
للإحتجاج به، وذلك ما دعاه ﵀، إلى ترك أصله هنا؛ لأنه لا يرى أن شرع من قبلنا شرع لنا، فكيف لا نعمل نحن بهذا الفرع، وقواعدنا تقتضي أن نأخذ به، لو لم تكن مؤيدة بالدليل، الذي هو الحديث آنف الذكر؟. هذا، والله حسبنا ونعم الوكيل.
أما بقية كتاب اليمين فكلها تحقيق مناط فيما يرجع إلى نية الحالف، أو إلى بساطه، أو إلى العرف القولي، أو المقصد اللغوي أو الشرعي. ومعلوم أن ما يدور حول النية دليل مأخذه: "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وقد تقدم ذكره مرارًا، فهو إحدى أمهات الفقه.
كل هذه المسائل تحقيقات مناط كما قدمت، تحوم حول النية، وبساط اليمين، والمقاصد؛ القولية، واللغوية، والشرعية. =
стр. 712
نِصْفَ شَهَرٍ ونُدِبَ كَمَاله؛ كَأنْتَقِلَنَّ وَلَوْ بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ، لا بِكَمسْمَارٍ. وهَلْ إنْ نَوى عَدَمَ عَوْدهِ تَرَدُّدٌ. وباسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ أوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الأجَلِ، وبَيعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ إنْ لَمْ تَفِ، كأنْ لَمْ يَفُتْ على المُخْتَارِ. وبِهِبَتهِ لَهُ، أوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ، وَإنْ مِنْ مَالِهِ. أوْ شَهَادَة بيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ، إلا بِدَفْعِهِ ثُمَّ أخْذِهِ، لَا إنْ جُنَّ ودفع الحاكم، وَإنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلَانِ وبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي: لَأقْضِيَنَّك غَدًا يَوْمَ الجُمُعَةِ. ولَيْسَ هو، لَا إن قَضَى قبله. بِخِلافِ: لآكُلَنَّهُ. ولَا إنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا وبَرَّ إن غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ أوْ مُفَوَّضٍ، وهَل ثَمَّ وَكيلُ ضَيْعَةٍ أوْ إنْ عُدِمَ الحَاكِمُ وعَلَيهِ الأكثَرُ؟. تأويلان. وبرئ في الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ جَوْرَهُ، وإلَّا برَّ كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ، ولَهُ يَومٌ ولَيْلَةٌ فِىِ رَأسِ الشَّهْرِ أو عند رَأسِهِ، أوْ إذَا اسْتَهَلَّ، أوْ إلى رَمَضانَ، أوْ لاسْتِهْلَالِهِ شَعَبانُ، وبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَباءً أوْ عِمَامَةً فِي: لَا ألْبَسُهُ. لَا إنْ كَرهَهُ لِضِيقِهِ وَلا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ، وبدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ
= وقوله: وفي بره في: لأَطَأَنَّهَا. فوَطِئَهَا حائضًا، جرى الخلاف فيه على شطري القاعدة الفقهية: هل المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا، أو لا؟. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
هَلْ غَالِبٌ أَوْ ما بِشَرْعٍ قَدْ عُدِمْ … أَوْ ضِدُّهُ كما بِتَحْقِيقٍ عُلِمْ
كالسُّؤْرِ وَالصَّيْدِ وَكَالْوَطِءِ رُعَافْ … تَيَمُّمٍ وَكَإِمَامٍ واصْطِراف
ومحل الشاهد في البيت الثاني هو قوله: وكالوطء؛ أي ومما يبنى على هذه القاعدة من الفروع من حلف ليطأن زوجته، فوطئها وهي حائض، أو صائمة، هل يبر يمينه بناء على أنه فعل؟. أو هو لا يزال على حنث لأن فعله ذلك لا وجود له شرعًا؛ لأن الشرع لم يأذن فيه، والمعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
وحيث تقل المسائل المدللة في هذا الباب المنصرم، فإن المصنف ركز فيه على جمع نظائر يراها أمثلة لما قرره من مقتضيات البر والحنث الخمسة، فصار كلما أتى بالباء يعني به: ويقع =
стр. 713
فِي: لَا أدْخُلُهُ. إنْ لَمْ يَكْرَهْ ضِيقَهُ. وبِقِيامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَبِمُكْتَرىً فِي: لَا أدْخُلُ لفُلَانٍ بَيْتًا. وبأكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وبالْكَلَامِ أبَدًا فِي: لَا كَلَّمَهُ الأيَّامَ أو الشُّهُورَ. وَثَلَاثَةٌ فِي كَأيَّام. وَهَلْ كَذلِكَ فِي: لأهْجُرَنَّهُ، أوْ شَهْرٌ قَوْلَانِ. وسَنَةٌ فِي: حِينٍ وزَمَانٍ وعَصْرٍ ودَهْرٍ بِمَا يُفْسَخُ. أَوْ بِغَيرِ نِسَائِهِ فِي: لأَتَزَوَّجَنَّ. وَبِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي: لَا أتَكَفَّلُ. إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الغُرْمِ. وَبِهِ لو كِيلٍ فِي: لَا أَضْمَنُ لَهُ إنْ كان مِنْ ناحِيَتِهِ. وَهَلْ إنْ عَلِمَ؟. تَأويلَانِ. وبِقَوْلِهِ: مَا ظَنَنْتُهُ قَالَهُ لِغَيْري، فِي: لَيُسِرَّنَّهُ. وبِاذْهَبِي الآن. إثْرَ: لَا كَلَّمْتُكِ حَتَّى تَفْعَلِي. ولَيْسَ قَوْلُهُ: لَا أبَالِي. بَدْءًا لِقَوْلٍ آخَرَ: لَا كَلَّمْتُكَ حَتَّى تَبْدَأَنِي. وبالإِقَالَةِ فِي: لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إنْ لَمْ تَفِ. لَا إنْ أخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ. ولَا إنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي:
= الحنث بكذا، وكلما أتى بـ: لا. يعني به: لا يقع الحنث إن فعل كذا، إلى أن أتى على نهاية الباب. ولذلك رأيت أن آتي ببعض ما ورد في السنة من أدلة اليمين، فأقول، وبالله تعالى توفيقي، ناقلًا بعض كلام البغوي في شرح السنة أولًا:
قال ﵀: اليمين إنما تنعقد بالله، أو باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفات ذاته. واليمين به أن يقول: والذي لا إله غيره. والذي أعبده. وكان النبي ﷺ يقول: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ.
واليمين بأسمائه كقوله: واللهِ، والرحمنِ، والرحيمِ، والخالق، والبارئ، والرازق، والربِّ، والعزيز، والسميع، والبصير، وفالق الإِصباح. قال ابن عمر: كانت يمين رسول الله ﷺ : "لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ". فهذا كله يمين، سواء أراد المرء به اليمين، أو أطلق، أو أراد غير اليمين.
واليمين بصفات الذات لازمة كقوله: وعظمةِ الله، وجلالِ الله، وعزةِ الله، وقدرةِ الله، وكبرياءِ الله، وعلمِ الله، وكلامِ الله، فهذا كله يمين. سواء أراد به اليمين أو أطلق. قال: وكذا =
стр. 714
أخَذْتِهِ. وبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي: لَا خَرَجْتِ إلَّا بإذْنِي. لا إنْ أذِنَ لأمْرٍ فَزادَتْ بِلَا علْمٍ. وبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلكِ آخَرَ فِي: لَا سَكَنْتُ هذِهِ الدَّارَ، أوْ دَارَ فُلَانٍ هذِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ، مَا دَامَتْ لَهُ، لَا دَارَ فُلَانٍ وَلا إِنْ خَرِبَتْ وصَارَتْ طَرِيقًا، إنْ لَمْ يأمُرْ بِهِ، وفِي: لَا بَاعَ مِنْهُ، أوْ لَهُ. بالوَكيلِ إنْ كَانَ مِنْ ناحِيَتِهِ، وإنْ قَالَ حِينَ البَيْعِ: أنَا حَلَفْتُ. فَقَالَ: هُو لِي: ثُمَّ صَحَّ أنَّه ابْتاعَ لَهُ حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، أجَزأ تَأخِيرُ الْوارِثِ فِي: إلَّا أنْ تُؤخِّرَني، لَا فِي دُخولَ دَارٍ، وتأخِيرُ وَصِيٍّ النَّظَرِ، ولَا دَيْنَ وَتَأخِيرُ غَرِيمٍ إنْ أحَاطَ وأبْرَأ، وَفِي بِرِّهِ فِي: لأَطَأنَّهَا. فَوَطِئَهَا حائضًا، وفي: لَتَأكُلِنَّهَا. فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ، فَشَقَّ جَوْفَهَا، وَأُكِلَتْ. أوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلانِ، إلَّا أنْ تتَوانَى. وفيهَا الحِنْثُ بأحَدِهِمَا فِي: لَا كَسَوْتُهَا. ونيتُهُ الجَمْعُ اسْتُشْكِلَ.
= لو قال: وأيمُ الله، أو لعمرُ الله، فهو يمين إن أراد به اليمين أو أطلق، قال النبي ﷺ في زيد بن حارثة: "وأيْمُ اللهِ إنْ كَانَ لَخَلِيقًا بِالْأمَارَةِ". وإن أراد غير اليمين فليس بيمين. وكذلك جميع صفات الذات، ولو قال: عليَّ عهد الله وميثاقه. فليس بيمين إلا أن يريد به اليمين. وكذلك لو قال: شهدت بالله، أو أشهد بالله، أو عزمت بالله، أو أعزم بالله، فلا يكون يمينًا إلا أن يريده. ولو قال: أقسمت بالله، أو حلفت بالله، أو أقسم بالله، أو أحلف بالله، فإن أراد بالأول إخبارًا عن يمين في الماضي، أو أراد بالثاني وعد يمين في المستقبل، فليس بيمين، وإن أراد بهما يمينًا في الوقت فهو يمين، وإن أطلق، ففيه قولان. قال: وقال إبراهيم: كان أصحابنا ينهوننا - ونحن غلمان - أن نحلف بالشهادة، والعهد، قال: ولو قال: وخلْقِ الله، ورزْقِ الله، فليس بيمين. قال الشافعي: ومن حلف بغير الله فهو يمين مكروهة، وأخشى أن تكون معصية؛ لأن النبي ﷺ قال: "أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ ان تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". فإن قيل: أليس قد أقسم الله ببعض مخلوقاته؟. =
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (١). وقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (٢). وقال: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٣). فالجواب، إن فيه إضمارًا هو: ورب السماء، ورب الشمس، كما جاء مصرحًا به في موضع آخر، قال : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (٤). وقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٥).
قلت: بل القول الفصل في ذلك أن لله أن يقسم بما شاء كيف يشاء، وليس لأحد أن يقسم إلا بالله تعالى؛ لقوله ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أو لِيَصْمُتْ".
قال: فإن قيل: أليس أن النبي ﷺ قال في حديث الأعرابي الذي سأله عن الإِسلام، قال بعد ما بيّن له: لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال ﵇: "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ"؟! فالجواب: إن تلك كلمة جرت على لسانه، على عادة العرب في الكلام الجاري على ألسنتها، لا على قصد القسم، بل كانت تستعملها كثيرًا في خطابها، تؤكد بها الكلام لا على وجه التعظيم، والنهي إنما وقع إذا كان ذلك واقعًا على وجه التوقير والتعظيم له، فالحالف بالله يقصد بذكر الله في يمينه التعظيم، ومعلوم أنه لا يحلف بأبي الغير لقصد التعظيم والتوقير. وقيل: فيه إضمار معناه، ورب أبيه، كما سبق في تأويل الآية، وإنما نهاهم عنه لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم، وإنما كانوا يحلفون تعظيمًا لأبائهم. والله أعلم.
قال: وروي عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا، والكعبة. فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أو أشْرَكَ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وروي عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِالْأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا". أخرجه أبو داود، وأحمد وإسناده صحيح كما قال شعيب. ومن حديث متفق عليه عن ثابت بن الضحاك أن النبي ﷺ قال: "وَمَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ". قال البغوي: ذهب جماعة من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن من قال: إن
стр. 716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فعل كذا فهو يهودي أو نصراني، أو بريء عن الإِسلام، ففعل، قالوا: عليه كفارة يمين. وبه قال النخعي، والأوزاعي، والثوري. وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق.
وقال قوم: قد أتى هذا على أمر عظيم ولا كفارة عليه. وهو قول أهل المدينة. وبه أخذ مالك، والشافعي، وأبو عبيد، مستدلين بقوله ﷺ من حديث أبي هريرة: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى: فَلْيَقُلْ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ". وهو من حديث متفق عليه.
وروي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا". أخرجه أبو داود في الأَيمان والنذور، وابن ماجه في الكفارات. قال شعيب: وإسناده لا بأس به.
تنبيه: اليمين مكروهة إلا فيما فيه لله طاعة. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (١). أي لا تجعلوا الله مانعًا لكم عن البر؛ فإن حلف على ترك مستحب أو على فعل مكروه، فالأفضل له أن يحنث نفسه، ويكفّر، وإلا فحفظ اليمين أولى. قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢). أي احفظوها بعد ما حلفتم من الحنث. وقيل معناه: لا تحلفوا. وهذا قول الجمهور.
وقال قوم: من حلف على معصية وجب عليه الحنث، ولا كفارة عليه. يروى ذلك عن سعيد بن جبير. ودليل هذا القول ما أخرجه أبو داود بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: نزل بنا أضياف، وكان أبو بكر يتحدث مع رسول الله ﷺ بالليل، فقال: لا أرجعن إليك حتى تنتهي من ضيافة هؤلاء ومن قراهم. فأتاهم بقراهم فقالوا: لا نطعمه حتى يأتي أبو بكر. فجاء فقال: ما فعل أضيافكم؟. أفرغتم من قراهم؟. قالوا: لا. قلت: قد أتيتهم بقراهم فأبوا وقالوا: والله لا نطعمه حتى يجيء. فقالوا: صدق، قد أتانا به فأبينا حتى تجيء. قال: فما =
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منعكم؟. قالوا: مكانك. قال: والله لا أطعمه الليلة. قال: فقالوا: ونحن والله لا نطعمه حتى تطعمه. قال: ما رأيت في الشر كالليلة قط. قال: قربوا طعامكم. قال: فقرب طعامهم. فقال: بسم الله، فطعم وطعموا، فأخبرت أنه أصبح فغدا على النبي ﷺ فأخبره بالذي صنع وصنعوا. قال: "بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ". وفي رواية أخرى لأبي داود زيادة: ولم يبلغني كفارة. ا. هـ.
стр. 718
النَّذْرُ (١)
فصل:
النَّذْرُ الْتِزَامُ (٢) مُسْلِمٍ كُلِّفَ (٣) - وَلَوْ غَضْبَانَ (٤) - وَإنْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي، أوْ أرَى خَيْرًا مِنْهُ.
فصل في النذر
(١) قوله: فصل في النذر، قال المواق: كتاب النذر والنظر في أركان النذر وأحكامه. أما أركانه فهي: الملتزِم، والملتزَم، وصيغة الالتزام. وأما أحكامه فالملتزمات أنواع: الصوم، والحج، وإتيان المساجد، والضحايا، والهدايا.
(٢) وقوله: النذر التزام، أي هو عبارة عن التزام المرء وإيجابه على نفسه فعل قربة لم تكن واجبة قبل ذلك عليه. أو أن يوجب على نفسه ترك أمر لم يكن تركه واجبًا عليه. مثل أن يلزم نفسه صلاة شفعتي الضحى، أو يلزم نفسه عدم الكلام بعد صلاة الصبح إلى حلول النفل؛ لأنه إنما يلزم بالنذر فعل الطاعة المستحبة، كما لا يلزم بالنذر إلا ما يستحب تركه، وذلك لحديث: "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ".
(٣) وقوله: مسلم مكلف، المواق: يشترط للنذر التكليف والإِسلام. قال ابن عرفة: قال ابن رشد: أداء ما التزمه الكافر بعد إسلامه عندنا مندوب.
قلت: فقد ثبت في الحديث أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله ﷺ : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فأمره بالوفاء بنذره. وقد تقدم لفظه وتخريجه في باب الاعتكاف. ولله الحمد.
(٤) وقوله: ولو غضبان، في المواق: قال ابن بشير: إن التزام الطاعات يلزم عندنا - كان على وجه الرضا أو على سبيل اللجاج - وهذا هو المشهور. وقد حكى الأشياخ أنهم وقفوا على قولة لابن القاسم علقت أنه ما كان من هذا القبيل على سبيل اللجاج والحرج، تكفي فيه كفارة يمين، وهذا أحد أقوال الشافعي. =
стр. 719
بِخِلَافِ: إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ. وإنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ (١). كَلِلَّهِ عَلَيَّ، أوْ عَليَّ ضَحِيَّةٌ. ونُدِبَ الْمُطْلَقُ وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ (٢)، وفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ. وَلَزِمَ البَدَنَةُ
= قال: وكان من لقيناه من الشيوخ يميل إلى هذا المذهب، ويعدونه نذرًا في معصية، فلا يلزمه الوفاء به.
قال: وقد تقدم عن الشيخ ابن لب هذا المعنى في الصوم، وأن كفارة ذلك كفارة يمين. ورشحه ابن عبد البر قائلًا: الحالف بالطاعة عند اللجاج والغضب، عن قصد العبادة بمعزل. وقد قال مالك للقائل لناقته: أنت بدنة: أزَجْرَهَا قصدت؟. قال: نعم، قال: لا شيء عليك. قال ابن رشد لأنه لم يقصد القربة.
وقوله: ولو قال: إلا أن يبدو لي أو أرى خيرًا منه، قال في المدونة: من قال عليَّ المشي إلى بيت الله، إلا أن يبدو لي. أو إلا أن أرى خيرًا من ذلك. فعليه المشي ولا ينفعه استثناؤه؛ يريد إلا أن يضمن يمينه بفعل، فينفعه قوله: إلا أن يبدو لي؛ يريد إلا أن يبدو لي في الفعل. قال المواق: وقد رشح ابن يونس أن قوله: إلا أن يبدو لي. كقوله: إلا أن يشاء فلان. وهذا لا شيء عليه حتى يشاء فلان، فكذلك إذا لم يشأ هو. ا. هـ.
(١) وقوله: وإنما يلزم فيما ندب، في المواق: إن قال: لله عليَّ إن فعلت كذا. فعليَّ طلاق زوجتي، وعتق أمتي. ففعل، فبين الزوجة والأمة فرق؛ فإن الطلاق لا يلزمه لأنه غير قربة، ويؤمر بعتق الأمة ولا يجبر على ذلك. نقل ذلك من النوادر من سماع عيسى. قال: قال ابن رشد: النذر المستحب هو المطلق؛ الذي يوجبه الرجل على نفسه شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليه فيما مضى أو لغير سبب، وذلك أن يقول الرجل: لله عليَّ كذا وكذا. أو لله عليَّ نذر أن أفعل كذا. أو نذر أن لا أفعل كذا.
(٢) وقوله: وندب المطلق وكره المكرر، قال الحطاب: النذر ثلاثة أقسام: مستحب؛ وهو النذر المطلق الذي يوجبه الرجل على نفسه شكرًا لله تعالى على ما كان ومضى. ا. هـ. ومن المدونة: من نذر صوم كل خميس يأتي، لزمه، فإن أفطر منه خميسًا متعمدًا قضاه. وكره مالك أن ينذر صوم يوم بعينه.
وقوله: وفي كره المعلق تردد، نقل المواق عن الباجي: لا خلاف في جواز النذر، وأما =
стр. 720
بِنَذْرِهَا، فإنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ. ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ. وَصِيامٌ بِثَغْرٍ، وثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ، إلَّا أنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِي بِمَالِي فِي سَبِيلِ اللهِ؛ وَهُوَ الجِهَادُ والرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ، وأنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ.
= حديث النهي عنه، وأنه يستخرج به من البخيل، فإنما معناه أن ينذر لأمر من أمور الدنيا. قال الحطَّاب: قال في التلقين. ويلزم عند وجود شرطه، سواء كان شرطه مباحًا أو محظورًا أو طاعة أو معصية، كان فعلًا للناذر أو لغيره من العباد، أو من فعل الله تعالى. ا. هـ.
قال القرطبي: ورد في صحيح مسلم عنه ﵊ أنه قال: "لَا تَنْذرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا". قال القرطبي: محل النهي أن يقول: إن شفى الله مريضي فعليَّ عتق أو صدقة ونحوه؛ ووجهه أنه لما وقف فعل القربة على حصول غرض عاجل، ظهر أنه لم تتمحض فيه نية التقرب إلى الله تعالى، بل سلك سبيل المعاوضات، وهذا حال البخيل الذي لا يخرج من ماله إلا بعوض عاجل أكثر منه، ثم ينضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل ذلك الغرض لأجل النذر، وإليهما الإشارة بقوله ﷺ : "فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا". فالأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صراح. وإذا تقرر هذا، فهل النهي محمول على التحريم أو على الكراهة؟. فالمعروف من مذاهب العلماء الكراهة. قال الحطاب: والذي يظهر لي التحريم، في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرمًا، وتكون الكراهة في حق من لم يعتقد ذلك. ا. هـ. منه
قلت: فأين الصفة التي قرر الحطاب تحريمها من النذر، لرجل غني جدًا، اعتادت العامة النذر له، معتقدين أنه لا ينذر له في شيء إلا حصل، وشاع الأمر حتى فوض المذكور جباة يجبون له نذوره، بمستندات عليها صورهم الشمسية، وكثيرًا ما يعترضون المسافرين عندما تتوقف السيارات لدى مركز من مراكز الشرطة أو الجمارك، قائلين: من عنده شيء من نذر فلان؟. إن هذه الصورة في نظري مفسدة لعقيدة العوام، وتتنافى كل التنافي مع قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). الآية. إن النذر عبادة، وإن صرفها لمخلوق لا يخفى على موحد ما فيه. والعياذ بالله. =
стр. 721
إلَّا لِمُتَصَدَّقٍ بِهِ على مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ، وكَرَّرَ إنْ أخْرَجَ وإلَّا فَقَولَانِ. وما سمَّى وإنْ مُعَيَّنًا أتَى عَلى الجَمِيعِ. وبَعْثُ فَرسٍ وسِلَاحٍ لِمَحَلِّهِ إنْ وَصَلَ، وإنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وعُوِّضَ كَهَدْيٍ ولَوْ مَعِيبًا عَلَى الأصَحِّ، ولَهُ فِيهِ إذَا بِيعَ الإِبْدَالُ بِالأفْضَلِ، وإنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ وَكُرهَ بَعْثُهُ وأهْدِيَ بِهِ. وهَل اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُه أوْ لَا؟. أو نَدْبًا، أو التَّقْوِيمُ إذَا كَانَ بِيَمِينٍ؟. تأويلاتٌ.
وقوله: ولزم البدنة بنذرها، فإن عجز فبقرة، ثم سبع شياه؛ فقد روى مالك، عن عمرو بن عبيد الأنصاري أنه سأل سعيد بن المسيب عن بدنة جعلتها امرأة عليها، فقال سعيد: البدن من الإِبل، ومحل البدن البيت العتيق، إلا أن تكون سمت مكانًا من الأرض، فلتنحرها حيث سمت، فإن لم تجد بدنة فبقرة، فإن لم تجد بقرة فعشرًا من الغنم. ثم جئت سالم بن عبد الله فسألته فقال: مثل ما قال سعيد، غير أنه قال: فإن لم تجد بقرة فسبعًا من الغنم. ثم جئت خارجة بن زيد فقال مثل ما قال سالم، ثم جئت عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، فقال مثل ما قال سالم. ا. هـ. شرح السنة للبغوي.
وقوله: وثلثه حين يمينه ألخ. فقد تقدم الكلام على الحلف بالصدقة بالمال، على الكلام على قول المتشدق: عليه أشد ما أخذ أحد على أحد، فأغنى عن إعادته هنا. والحمد لله.
ودليل مالك في لزوم الثلث فيمن جعل ماله صدقة، قضية أبي لبابة بن عبد المنذر، حين تاب الله عليه من هفوته في بني قريظة، قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من جميع مالي في سبيل الله. فقد ثبت أن رسول الله ﷺ أشار عليه بأن يتصدق بثلثه. ا. هـ.
وقوله: وبعث فرس وسلاح لمحله وإن لم يصل بيع وعوض، ذكر في المدونة قال مالك: من جعل عبده صدقة، أو في سبيل الله، في يمين فحنث ولا مال ولا غيره، ففي الصدقة يبيعه ويتصدق بثمنه، وفي السبيل يدفع ثمنه إلى من يغزو عنه من موضعه إن وجد، وإن لم يجد فليبعث بثمنه، وإن كان فرسًا أو سلاحًا أو شيئًا من آلات الحرب، جعله في السبيل في يمين فحنث، أو في غير يمين، فليبعث بثمنه فيجعل في مثل المبيع من كراع أو سلاح أو غيره، بخلاف البقر الهدي، تباع إذا لم تبلغ؛ فيجوز أن يشتري بثمنها إبلًا، لأن ذلك كله للأكل، وهذا تختلف =
стр. 722
فَإنْ عَجَزَ عُوِّضَ الأدْنَى، ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ، يُصْرَفُ فِيهَا إن احْتَاجَتْ وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهِ. وأعْظَمَ مَالِكٌ أنْ يَشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لأنَّهَا ولَايَةٌ مِنْهُ ﵊، والْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلَاةٍ، وخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأتَى بِعُمْرَةٍ، كَمَكَّةَ أو الْبَيتِ أوْ جُزئِهِ لَا غَيْرُ، إنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا مِنْ حَيْثُ نَوَى، وإلَّا حَلَفَ، أوْ مِثْلِهِ إنْ حَنِثَ بِهِ، وتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اعْتِيدَ، وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، ولِحَاجَةٍ كَطريقٍ قُرْبَى اعْتِيدَتْ، وبَحْرًا اضْطُرَّ لَهُ لَا اعْتيدَ، عَلَى الأرْجَح.
= منافعه. ا. هـ. من المواق.
وقوله: ثم لخزنة الكعبة، يصرف فيها إن احتاجت، وإلا تصدق به، يعني به أنه إن عجز ثمن ما لا يهدي، عن قيمة أدنى الهدي وهو الشاة، يدفع ذلك المال لخزنة الكعبة، يصرف فيها إن احتاجت إليه. وإن لم يحتج إليه فيتصدق به. قال في المدونة: وإن لم يبلغ ثمن هدي وأدناه شاة، أو فضل منه ما لا يبلغ ذلك قال مالك: يبعثه إلى خزنة الكعبة ينفق عليها. وقال ابن القاسم: أحب إليَّ أن يتصدق به حيث شاء. قالوا: لأن الكعبة لن تكون في حاجته. قال مالك: فالكعبة لا تنقض فتبنى، ولا يكسوها إلا الملوك، ويأتيها من الطيب ما فيه كفاية. قال: ومكانسها خوص لا تساوي إلا ما لا بال له، فلم يبق إلَّا أن تأكله الحجبة، وليس ذلك من قصد صاحب النذر في شيء.
لطيفة: ذكر الحطاب هنا نبذة تتعلق بحجبة بيت الله الحرام، نختصرها فيما يلي طلبًا للفائدة إن شاء الله، وإن كانت ليست من النذر في شيء وإنما جاءت استطرادًا لذكر الخزنة. قال: الخزنة جمع خازن. وخزنة الكعبة بنو شيبة، يقال لهم: خزنة، وحجبة. ومهنتهم يقال لها: حجابة، وسدانة، وخزانة.
قال المحب الطبري: الحجابة منصب بني شيبة، ولّاهم رسول الله ﷺ إياها، كما ولى عمه العباس السقاية ﵁. وصح في الحديث أنه ﷺ قال: "أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَسِدَانَةَ الْبَيْتِ". وروي أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح قال لعثمان بن طلحة: "ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ". فأتاه به، ثم دفعه إلى عثمان فيما بعد =
стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقال: "خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ". ثم ذكر الحطاب بحثًا في أن هؤلاء درجوا أو أنهم باقون رجح فيه بقاءهم إلى أيامه وقال: إنه كان في سنة تسعمائة وأربعين هجرية. بل قال: إن في الحديث المتقدم إشارة إلى أن هذه العائلة باقية، لقوله ﷺ : "خَالِدَةً تَالِدَةً" فقد قال أهل العلم: لا يجوز نزع السدانة منهم. بل أعظم مالك أن يشرك غيرهم معهم لأنها ولاية ولاها إياهم رسول الله ﷺ . قال المحب الطبري: هذا إذا حافظوا على حرمة البيت، ولازموا في خدمته الأدب، أما إذا لم يحفظوا حرمته، فلا يبعد أن يجعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته.
قال: وربما نزع البليد بقوله ﷺ : "وَكُلُوا بِالْمَعْرُوفِ". فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك، وأنه من أشنع البدع وأقبح الفواحش. وهذه اللفظة إن صحت، يستدل بها على إقامة الحرمة لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، وإنما الإِشارة - والله أعلم - إلى ما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر فلهم أخذه لا محالة، أو إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته والقيام بمصالحه فلا يحل لهم من ذلك إلا بقدر ما يستحقونه.
ونقل الحطاب قال: وما ذكره المحب الطبري من أنهم يمنعون من هتك حرمته، هو الحق الذي لا شك فيه، لا كما يعتقده بعض الجهلة من أنه لا ولاية لأحد عليهم، وأنهم يفعلون في البيت الشريف ما شاؤُوا، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين، وإنما المحرم نزع المفتاح منهم، وأما إجراء الأحكام الشرعية عليهم، ومنعهم مما فيه انتهاك لحرمة البيت أو قلة أدب، فهذا واجب لا يخالف فيه أحد من المسلمين، وما ذكره من تحريم أخذ الأجرة على فتح البيت أيضًا ظاهر لا يشك فيه، ووجهه أن أخذ الأجرة إنما يجوز على ما يختص الإِنسان بمنفعته والانتفاع به، والبيت لا يختص به أحد دون أحد، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فتحه، وإنما لهم الولاية على فتحه وإغلاقه في الأوقات التي جرت العادة بفتحه فيها، ولا يجوز لهم إغلاقه ومنع الناس منه دائمًا. والله أعلم. ا. هـ. منه.
قلت: وهذا ما جعل أولياء الأمور اليوم يجعلون لرئاسة شئون الحرمين الإشراف على ذلك - والله =
стр. 724
لِتَمَامِ الإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا، وَرَجَعَ وَأهْدَى إنْ رَكِبَ كَثيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ أو الْمَنَاسِكَ وَالإِفَاضَةَ؛ نَحْوُ المِصْرِيِّ قَابِلًا فَيَمْشِي مَا رَكِبَ فِي مِثْلِ المُعَيَّنِ، وإلَّا فَلَهُ المُخَالَفَةُ إنْ ظَنَّ أوَّلًا القُدْرَةَ، وإلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وأهْدَى فَقَطْ؛ كأنْ قَلَّ وَلَوْ قَادِرًا كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ، وَكَعَامٍ عُيِّنَ ولْيَقْضِهِ أوْ لَمْ يَقْدِرْ، وَكَإفْرِيقِيٍّ، وكَأن فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، وفِي لُزُومِ الجمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ ورُكُوبِ أخْرَى تأويلان.
= تعالى أعلم - فإن هذه الرئاسة لا توكل إلا إلى عالم من علماء المسلمين المعروفين. وبالله تعالى التوفيق.
وقال الحطاب: ولقد جرت عادة الشيْبيين بتقديم الأكبر منهم فالأكبر في السن، في كون المفتاح عنده. بل الظاهر أن ذلك كان من أول الإسلام؛ لأن النبي ﷺ دفع المفتاح إلى عثمان بن طلحة مع وجود عمه شيبة بن عثمان، ولما مات عثمان ولي شيبة المفتاح، قال: والظاهر أنهم يقضى لهم بذلك، فإن كان الأكبر غير مرضي، وأين المرضي منهم اليوم، قال: فيجعل معه من يشرف على تصرفاته. ا. هـ. بتصرف.
ونقل الحطاب عن الفاكهي أن النبي ﷺ لما أخذ المفتاح من عثمان فتح الكعبة بيده، وقد كانوا يقولون: لا يفتح الكعبة إلا الحجبة. وذكر الفاكهي أيضًا أن النبي ﷺ لما دفع المفتاح إلى عثمان كان مضطبعًا عليه رداؤه مغيبًا له، ودفعه إليه من وراء الثوب وقال: "غَيِّبُوهُ". قال الزهري: ولذلك يغيب المفتاح. قال: ولذلك - والله أعلم - يرخون ستر الباب حين فتحه وحين إغلاقه. ا. هـ.
وقوله: والمشي لمسجد مكة ألخ. روي عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُهادي بين اثنين، فقال: "مَا هذَا"؟. قالوا: نذر أن يمشي إلى البيت. فقال: "إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هذَا نَفْسَهُ". ثم أمره فركب.
هذا الحديث أخرجه البغوي في شرح السنة واللفظ له، وهو في البخاري وفي مسلم.
قال البغوي: أخرجه محمد عن ابن سلام، وأخرجه مسلم عن ابن أبي عمر، كلاهما عن مروان الفزاري عن حميد عن ثابت عن أنس. =
стр. 725
والْهَدْيُ واجب إلَّا فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ، ولَوْ مَشى الْجَمِيعَ، وَلَوْ أفْسَدَ أتَمَّه وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنَ المِيقَاتِ، وإنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وركبَ فِي قَضَائِهِ، وَإنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أوْ قَارِنًا أجْزَأ عَنِ النَّذْرِ، وَهَلْ إنْ لَمْ يَنْذُرْ حجًا؟. تأويلان.
= وروي عن عكرمة عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسئل النبي ﷺ عنها، فقيل: إنها لا تطيق ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "لِتْركَبْ وَلْتَهْدِ بَدَنَةً". ويروى: "وَلْتَهْدِ هَدْيًا" قال شعيب: أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والبيهقي. ا. هـ.
وعن عقبة بن عامر الجهني أن أخته نذرت أن تَمْشِيَ إلى البيت حافية غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتَخْتَمِرْ، ولْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ". الحديث أخرجه البغوي واللفظ له. وهو في أبي داود، والنسائي، والترمذي وحسنه.
قال البغوي: نذرها ترك الاختمار معصية لأن ستر الرأس واجب على المرأة، فلم ينعقد فيه نذرها، وكذلك الحفاء. ولو نذر رجل أن يحج حافيًا، فلا يلزم الحفاء أيضًا لما فيه من إتعاب الجسد. قال: ولو نذر أن يحج ماشيًا يلزمه المشي إلا أن يعجز، فيركب من حيث عجز، ويلزمه المشي من دويرة أهله - وقيل: من الميقات - وإذا ركب لعجز هل يلزمه شيء أو لا؟. اختلف أهل العلم في ذلك؛ فذهب أكثرهم إلى أن عليه دم شاة، وهو قول مالك، وأظهر قولي الشافعي وأصحهما. وقيل: لا يجب عليه شيء إلا على وجه الاحتياط؛ لحديث أنس أنه أمره بالركوب مطلقًا، ولم يأمره بفدية، وحيث أمر فللاستحباب كما روي: "وَلْتَهْدِ بَدَنَةً". ا. هـ. منه بتصرف.
قال البغوي: ولو نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، يلزمه أن يأتيه ماشيًا حاجًا، أو معتمرًا؛ كما لو صرح بالحج أو العمرة. وعليه المشي في الحج حتى تحل له النساء عقدًا ووطءًا وهو بعد التحللين، وفي العمرة حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق. وكذلك لو نوى إتيان بيت الله الحرام، فعليه الحج أو العمرة، غير أنه لا يلزمه المشي. وكذلك لو نذر أن يأتي موضعًا من الحرم وسماه، وفيه قول آخر: أنه لا يلزمه الحج والعمرة إذا نذر المشي إليه، وإتيانه إذا لم يصرح بواحد منهما، بل إذا أتاه فحج أو اعتمر أو اعتكف في المسجد الحرام، أو صلى فيه =
стр. 726
وَعَلَى الصَّرُورَة جَعْلُهُ فِي عُمْرةٍ، ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَجَّلَ الإِحْرَامَ فِي: أنَا مُحْرِمٌ، أوْ: أحْرِمُ. إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا كالعُمْرةِ، مُطْلِقًا إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً. لا الْحَجِّ والمَشْيِ فَلِأشْهُرِهِ إنْ وَصَلَ، وإلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ عَلَى الأظْهَرِ، ولَا يَلْزَمُ فِي: مَالِي فِي الكَعْبَةِ، أوْ بَابِهَا، أوْ كُلُّ مَا أكْتَسِبُهُ، أوْ هَدْيٌ لِغَيْر مَكَّةَ، أوْ مَالُ غَيْرٍ. إنْ لَمْ يُرِدْ إِنْ مَلكَهُ. أوْ: عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ، وَلَوْ قَرِيبًا، إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْي، أوْ يَنْوِهِ، أوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْراهِيمَ، والْأحَبُّ حِينئِذٍ - كَنَذْرِ
= ركعتين، خرج من نذره قال: ولو نذر إتيان مسجد رسول الله ﷺ أو الأقصى يلزمه، على أصح القولين؛ كما لو نذر إتيان المسجد الحرام ثم إذا أتاه يعتكف فيه، أو يصلي، أو إذا أتى مسجد رسول الله ﷺ زار قبره ﷺ . قال: وفيه قول آخر أنه لا يلزمه الإِتيان، كما لو نذر أن يأتي مسجدًا آخر، سوى هذه المساجد الثلاثة، لا يلزمه الإِتيان لا خلاف فيه، بخلاف المسجد الحرام، لأنه مخصوص من بين سائر المساجد بوجوب المصير إليه بأصل الشرع للحج أو العمرة. والأول أصح، لأن النبي ﷺ خص هذه المساجد الثلاثة من بين سائر المساجد في قوله: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسْجِدِي هذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأقْصَى". أو كما قال ﷺ . فعلى هذا لو نذر المرء أن يصلي في مسجد من هذه المساجد الثلاثة، لزمه النذر والوفاء به، لمزية الصلاة فيها على غيرها.
قلت: وفي هذا الحديث دلالة اقتضاء واجبة التقدير، لتوقف صدق الكلام على تقديرها، والمقام مقام وجوب الصدق، لأن المتكلم بهذا الحديث: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). وتقدير الكلام: لا تشد الرحال - إلى مسجد للصلاة فيه - إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى. أي وذلك لمزية الصلاة فيها على غيرها، كما يبينه قوله ﷺ : "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ". ولذلك فقد قال العلماء أن من نذر أن يصلي في موضع غير هذه الثلاثة، لا يلزمه شيء لعدم تفاوت =
стр. 727
الْهَدْي - بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ، كَنَذْرِ الحَفَاءِ أوْ حَمْلَ فُلَانٍ إنْ نَوَى التَّعَبَ وإلَّا رَكِبَ وحَجَّ بِهِ بِلَا هَدْي. ولَغَا: عَليَّ المَسِيرُ والذَّهَابُ والرُّكُوبُ لمَكَّةَ، ومُطْلَقُ المَشْيِ وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وإنْ لا اعْتِكَافٍ، إلَّا الْقريبَ جِدًّا فَقَوْلَانِ، تَحْتَمِلُهُمَا، وَمَشْيٌ لِلْمَدِينةِ، أوْ إيلِيَاءَ، إنْ لَمْ يَنْو صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا، أوْ يُسَمِّهِمَا فَيَرْكَبُ. وَهَلْ إنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أوْ إلَّا لِكَوْنِهِ بأفْضَلَ؟. خِلَافٌ. والمدينَةُ أفْضلُ، ثُمَّ مَكَّةُ.
= الصلاة حينئذ، وحتى أنهم قرروا أنه لو نذر أن يصلي في المفضول من هذه المساجد وهو في الفاضل أثناء نذره، خرج من نذره بالصلاة في المكان الذي هو فيه. واستدلوا بما رواه عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين. قال: "صَلِّ ههُنَا". ثم عاد عليه فقال: "صَلِّ ههُنَا". ثم عاد عليه فقال: "شَأْنُكَ إِذًا". أخرجه أبو داود، وإسناده قوي.
ومعلوم في فن الأصول في مباحث الألفاظ في الكلام على المنطوق غير الصريح أن منه الدلالات الثلاث: دلالة الاقتضاء، ودلالة الإِشارة ودلالة الإِيماء والتنبيه. قال في مراقي السعود:
. . . . . والمنطوق هلْ … ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالة اقتضاء إِن يدل … لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم مثل ذات … إشارة كذاك الإِيماءات
. . . . . . . . . . … . . . . . . . . الخ
لذلك، فقد يجب تقدير هذا اللفظ، الذي يتوقف عليه صدق الكلام هنا، والمقام مقام وجوب الصدق، تمامًا مثل ما وجب تقديره في جوابه ﷺ لذي اليدين حين قال: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟. قال: "كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَقَعْ". فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك. فعندها قال رسول الله ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ"؟. قالوا: نعم يا رسول الله. الحديث. فوجب تقدير الاقتضاء هنا لتوقف صدق الكلام عليه، والمقام مقام صدق. =
стр. 728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قالوا: يجب تقدير - في ظنِّي. ومن الاقتضاء تقدير صحيحة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (١). قالوا: وكان ابن عباس يقرؤها: كل سفينة صحيحة صالحة.
وإذا لم نقدر هذا الاقتضاء، فكيف جوابنا عن قوله ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَلا يَجِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ"؟. وكيف جوابنا عن شده هو ﷺ الرحال غازيًا في سبيل الله؟. وشد أصحابه الرحال كذلك في سراياه؟. وكيف جوابنا عن قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢).
والحاصل أن حديث: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ". وارد بفضل هذه المساجد على غيرها من المساجد، لأنه لا مضاعفة للأجور إلا فيها، وأنه لا تفاوت للصلاة بغيرها، فالصلاة في مسجد من مساجد الرياض مثلًا، أو من مساجد بغداد، أو أي مدينة من مدائن المسلمين، لا تفاوت بينها في الفضيلة، بحيث يطلب الناذر بنذره حصوله على ذلك الأجر، لذلك فإن من نذر أن يصلي بواحد من المساجد غير الثلاثة، تحلل من نذره بالصلاة في أي مكان من الأرض، بخلاف ما لو نذر الصلاة في واحد من هذه الثلاثة، لو وجب عليه الوفاء بنذره ما لم يكن نذر الصلاة في المفضول منها، حالة وجوده في الفاضل، كما تقدم الكلام عليه آنفًا. وبالله تعالى التوفيق.
تتمة: لا ينعقد النذر في المعصية، ولا يلزمه فيه شيء؛ كمن نذر أن يصوم يوم العيد، ومن نذر نحر ولد. ذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم ابن عمر، وبه أخذ مالك والشافعي. وقال آخرون: تلزم فيه كفارة يمين، وبه أخذ أحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، واستدلوا بأن امرأة أتت إلى ابن عباس فقالت: إني نذرت أن أنحر ولدي، فقال: لا تنحري ولدك، وكفري عن يمينك. أخرجه مالك في الموطإ. واستدلوا بحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". أخرجه أبو داود والبغوي، والترمذي وغيرهم. أما أصحابنا والشافعية فإن من أدلتهم حديث عمران بن حصين؛ أن قومًا أغاروا فأصابوا امرأة من =
стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأنصار، وناقة للنبي ﷺ ، فكانت المرأة والناقة عندهم، ثم انفلتت المرأة، فركبت الناقة، فأتت المدينة، فعرفت ناقة النبي ﷺ فقالت: إني نذرت لئن أنجاني الله عليها لأنحرنَّها. فقال النبي ﷺ : "بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا أَنْ نَجَّاكِ اللهُ عَلَيْهَا أَنْ تَنْحَرِيهَا. لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ". وأخذ النبي ﷺ ناقته. وهذا الحديث رواه مسلم، ولم يأمر النبي ﷺ فيه بكفارة.
واعلم أن النذر على الرغم مما ورد في ذمه، ونهى رسول الله ﷺ عنه؛ كحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلكِنَّ النَّذْرَ يَوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيَخْرُجُ بِذلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ". متفق عليه. وكحديثه الآخر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَنْذُرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا وإنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ". متفق عليه أيضًا. فإن الله تعالى قد أنزل في كتابه العزيز الثناء على قوم يوفون بنذورهم، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (١). وأخرجه الدارمي في سننه بسنده عن ابن عباس، أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فجاء أخوها إلى رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك فقال له رسول الله ﷺ : "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ"؟. قال: نعم. قال: "فَاقْضُوا النَّذْرَ فَالنَّذْرُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ".
وفي الموطإ والبخاري من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِى اللهَ فَلَا يَعْصِهِ". وقد نقل البغوي عن الخطابي قال: معنى نهيه عن النذر إنما هو التأكيد لأمره، وتحذير من التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل، لكان إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، إذا صار معصية، وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًا، ولا يرد شيئًا قضاه الله، فكأنه يقول: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو تصرفون عن أنفسكم شيئًا جرى القضاء به عليكم، وإذا فعلتم ذلك فاخرجوا منه بالوفاء، فإن الذي تنذرونه يلزمكم. قال: هذا معنى الحديث ووجهه. وقد أجمع المسلمون على وجوب الوفاء بالنذر إذا لم يكن معصية. ا. هـ. منه. والله الموفق. =
стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقول المصنف: والمدينة أفضل ثم مكة، وفي بعض النسخ زيادة ثم إيلياء، قال في جواهر الإِكليل: والمدينة المنورة بأنواره ﷺ أفضل من مكة المشرفة، ثم يلي مكة في الفضل إيلياء. قال: ويدل على ما رواه الدارقطني والطبراني من حديث رافع بن خديج ﵁: "الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ". نقله في الجامع الصغير، وقال ابن وهب وابن حبيب: مكة أفضل. قال ابن عرفة: ومسجده ﷺ والمسجد الحرام أفضل من مسجد إيلياء، ثم يلي المدينة في الفضل مكة المشرفة، ثم يلي مكة في الفضل بيت المقدس - أعاده الله دار إسلام، وطهره من أدران اليهود - فهو أفضل ولو من المساجد المنسوبة له ﷺ كمسجد قباء، ومسجد الفتح، ومسجد العيد، ومسجد ذي الحليفة، ا. هـ. منه بتصرف.
وقال الحطاب هنا ما نصه: هذا هو المشهور، وقيل: مكة أفضل من المدينة بعد إجماع الكل أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض. قال: وقال السمهودي في تاريخ المدينة: نقل عياض وقبله أبو الوليد الباجي وغيرهما الإِجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة على الكعبة، بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنها أفضل من العرش. قال: وقال النووي: الجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة. وأجمعوا بعد على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا فيهما، والخلاف فيما عدا الكعبة فهي أفضل من بقية المدينة اتفاقًا. ا. هـ. منه.
وقال الدسوقي: والمدينة أفضل؛ أي لما رواه الطبراني والدارقطني من حديث رافع بن خديج: "الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ". نقله في الجامع الصغير. قال: وحيث كانت المدينة أفضل، فيكون الثواب المترتب على العمل في مسجدها من صلاة أو اعتكاف، أكثر من الثواب المترتب على العمل في مسجد مكة. قال عليش في التعليق: في عدة أحاديث في الجامع الصغير التصريح بخلافه؛ منها ما رواه البيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي الدرداء قال رسول الله ﷺ : "فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرهِ مِائَةُ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلَاةٍ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةِ".
قال عليش: قالوا: هذه ميزة نظير فضل الصلاة في منى يوم التروية ونحوه، على الصلاة في =
стр. 731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= مكة. والله أعلم. ا. هـ. الدسوقي ج ٢/ ص ١٧٣.
هذا، وقد ورد في فضل المدينة وحب النبي ﷺ إياها ودعائه لها أحاديث كثيرة، منها: حديث أنس بن مالك المتفق عليه، أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: "هذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا".
ومنها حديث أنس أيضًا عند البخاري أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر، فنظر إلى جدرات المدينة، أوْضَعَ راحلته، وإن كان على دابة حرَّكها من حُبِّها.
ومنها حديث أبي هريرة عند مسلم والموطإ أنه قال: كان الناس إذا رأوْا أول الثمر جاؤُوا به إلى رسول الله ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا. اللَّهُمَّ إِنَّ ابْرَاهيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وإنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهُ مَعَهُ". ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر.
ومنها حديث سفيان بن أبي زهير عند البخاري ومسلم والموطإ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".
ومنها، حديث أبي هريرة عند مسلم والترمذي، أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأواءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيامَةِ أَو شَهِيدًا".
ومنها الحديث المتفق عليه: "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرَزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرَزُ الْحَيَّة إِلَى جُحْرِهَا". ومنها، حديث ابن عمر عند البغوي والترمذي، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا".
من أدلة مالك على فضل المدينة مذهب عمر، ففي الموطإ أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ سماه - قدم المدينة في خلافة عمر بن الخطاب، فقرب مجلسه وقال: أهلًا بصاحب =
стр. 732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= رسول الله. فلما انصرف الرجل قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا الذي يقول: مكة أفضل من المدينة. فقال: ردوه عليّ. فلببه ورفع الدرة على رأسه وقال: أأنت القائل مكة أفضل من المدينة؟. فقال الرجل: أنا القائل مكة حرم الله وأمنه وفيها بيته. فأعادها عمر عليه ثلاثًا وهو يجيب بمثل جوابه الأول. فأرسله. ووجه الاستدلال به هو أن عمر بن الخطاب ﵁ ما كان ليرفع الدرة على أحد إلا إذا قال أو فعل منكرًا، لا سيما إذا كان واحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ .
ومن أدلة مالك على أن المدينة أفضل حديثه في الموطإ عن يحيى بن سعيد قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا وقبر يحفر بالمدينة، فاطلع رجل في القبر فقال: بئس مضجع المؤمن: فقال النبي ﷺ : "بِئْسَ مَا قُلْتَ". فقال الرجل: إني لم أرد هذا يا رسول الله، إنما أردت القتل في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : "لَا مِثْلَ لِلقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مَا عَلَى الْأرْضِ بُقْعَةٌ هِيَ أحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْري بِهَا مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". يعني المدينة. ا. هـ.
وعلى كل حال فهما فضليان، ولكل منهما أدلة تفضيلها، حرسهما الله تعالى، وأرجع بيت المقدس دار إسلام.
وقدمًا قال بعض الأفاضل: إنهما عينان في وجه واحد. ومن لطيف المنقول عن الإِمام مالك أنه كان يباحثه أحد أضرابه في التفضيل بين المكتين، وقال: هما عينان في وجه واحد. فقال مالك: إن كانتا عينين فالمدينة اليمنى. وبالله تعالى التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 733
كِتابُ الْجهَادِ (١)
الْجِهَادُ - فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ، وَإنْ خَافَ مُحَارِبًا، كَزِيارَةِ الْكَعْبَةِ - فَرْضُ كِفَايةٍ (٢) - وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ (٣) - عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ (٤)؛ كَالْقِيامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، والفَتْوَى، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ، وَالْإِمَامَةِ والأمر بِالْمَعْرُوفِ، والْحِرَفِ المُهِمَّةِ، وَردِّ السَّلَامِ، وتَجْهِيزِ المَيِّتِ وَفَكِّ الْأسِيرِ (٥).
الجهاد
(١) الجهاد: أصله في اللغة التعب والمشقة؛ فهو مأخوذ من الجهد. وإذا فإنه في الشرع المبالغة في إتعاب النفس في سبيل الله وهو أربعة أقسام:
الأول: جهاد بالقلب؛ وحقيقته أن يجاهد الشيطان، والنفس، عن الشهوات والمحرمات.
الثاني: جهاد باللسان؛ وهو حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه.
الثالث: جهاد باليد؛ أن يزجر ذوو الأمر أهل المناكر عن المنكر، بالأدب والضرب، بما يؤدي إليه الاجتهاد في ذلك. قالوا: ومن هذا الباب إقامة الحدود الشرعية.
والرابع: جهاد بالسيف؛ وهو قتال المشركين لتكون كلمة الله هي العليا.
فكل من أتعب نفسه في سبيل الله، في مسألة من هذه المسائل، فقد جاهد في سبيل الله. إلا أن الجهاد إذا أطلق انصرف أولًا وقبل كل شيء على مجاهدة الكفار بالسيف؛ وهو أن يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا به من الكفر إلى الإسلام، لا على أن تكون الغلبة له، ولا للذود عن الوطن؛ كما جاهد قزمان الظفري، فقد جاء عنه أنه قال لقتادة بن النعمان - وهو يجود بنفسه: والله ما قاتلنا عن دين، ولكن لئلا تطأ قريش سعفنا. ومعلوم قوله ﷺ في قزمان: "هذَا إِلَى النَّارِ".
قال المواق: فينبغي للمجاهد أن يعقد نيته أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ابتغاء ثواب الله، فإذا عقد نيته على هذا فلا تضره الخطرات التي تقع في القلب إن شاء الله، وذلك لحديث =
стр. 734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= معاذ، قال: يا رسول الله، ليس في بيت سلمة إلا مقاتل؛ منهم من القتال طبيعته، ومنهم من يقاتل رياء، ومنهم من يقاتل احتسابًا، فأَيُّ هؤلاء الشهيد؟. فقال رسول الله ﷺ : "يَا مُعَاذُ، مَنْ قَاتَلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هذِهِ الْخِصَالِ وَأَصْلُ أَمْرِهِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
وروي أن رجلًا قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيخفيه، فيطلع عليه الناس، فيسره؟. فقال رسول الله ﷺ : "لَهُ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ".
(٢) وقوله: الجهاد فرض كفاية، دليله ما أخرجه أبو داود قال: باب في نسخ نفير العامة بالخاصة، ثم ساق سنده إلى عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ - إلى قوله - يَعْمَلُونَ﴾ (٢). نسختها الآية التي تليها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٣).
قال الحطاب: قال أبو عمر في الكافي: فرض على الإِمام إغزاء طائفة للعدو في كل سنة، يخرج هو بها أو من يثق به. وفرض على الناس في أموالهم وأنفسهم الخروج المذكور، لا خروجهم كافة. والنافلة منه إخراج طائفة بعد أخرى، وبعث السرايا وقت الغرة والفرصة. وعلى الإِمام رعي النصفة في المناوبة بين الناس. ا. هـ. منه.
وقال المواق: قال ابن بشير: الجهاد فرض كفاية إذا كان يكفي فيه قيام طائفة من المسلمين ولم يعين الإِمام أحدًا. ا. هـ. منه.
وقوله: كزيارة الكعبة، يعني به إقامة موسم الحج، وليس المراد زيارتها لطواف فقط أو عمرة. وقد أفرد المصنف زيارة الكعبة عن نظائرها الآتية؛ لمشاركة زيارة الكعبة الجهاد في الوجوب كل سنة، وتنبيها على أنه لا يسقطها خوف المحاربين. قال في جواهر الإِكليل عليه ما مر من قوله: وأمن على نفس ومال، لأنه شرط في فرض العين، وما هنا في فرض الكفاية، أي يخاطب الناس بقتال المحارب، وإقامة الموسم، ففرض الكفاية على الناس كافة لا على أهل قطر فقط. ا. هـ. منه بتصرف. =
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فائدة: فإن قيل: كيف يتوجه غضب رسول الله ﷺ على من تخلف عن غزوة تبوك، وقد تقرر أن الجهاد فرض على الكفاية؟. فالجواب ما قاله السهيلي في الروض الأنف في حديث الثلاثة الذين خلفوا: إن الجهاد كان بالنسبة للأنصار فرض عين، وعلى ذلك بايعوا رسول الله ﷺ ، وبذلك يكون تخلفهم كبيرة. انظر الحطاب.
قلت: ويحتمل أنه ﷺ عزم على كافة المسلمين الحاضرين بالخروج لهذه الغزوة فيكون التخلف عنها كبيرة لخلاف أمره ﷺ . والله الموفق.
(٣) وقوله: ولو مع وال جائر، قال مالك في المدونة: يقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة. ورجع عن كراهة ذلك لما كان من زمن عمر، وما صنع الروم بغارتهم على الإِسلام وقال: لا بأس بالجهاد معهم، ولو ترك لكان ضررًا على الإِسلام. قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالغزو معهم، وإن لم يضعوا الخمس موضعه، ولم يوفوا بعهد، وإن عملوا ما عملوا. قال: وقاله الصحابة حين أدركوا من الظلم فكلهم قال: اغْزُ معهم على حظك من الآخرة، ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة. ا. هـ. بنقل المواق.
(٤) وقوله: على كل حر ذكر مكلف قادر، يريد به - والله تعالى أعلم - أن الجهاد وجوبَه له ستة شروط لا يجب حتى تتوفر، فإذا انخرم واحد منها سقط وجوبه. وهي: الإِسلام، والحرية، والذكورة، والبلوغ، والعقل، والاستطاعة بصحة البدن وما يحتاج إليه من المال. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ (١). وقال ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ". الحديث. ومنهم الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق. وأما النساء، فقد قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢). الآية. وأما العبد فإنه لا يجد ما ينفق والله تعالى يقول: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (٣). الآية.
(٥) وقوله: كالقيام بعلوم الشرع ألخ. جمع المصنف هنا نظائر من فروض الكفاية، لكن قبل أن نتكلم عليها بالتفصيل، لننتهز الفرصة لنبين لطالب العلم الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية، فإن ذلك مما يحتاج إليه طلبة العلم. =
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= إعلم أن الأفعال قسمان: قسم تتكرر المصلحة بتكرره، وقسم لا تتكرر المصلحة بتكرره. فإن الذي تتكرر المصلحة بتكرره، شرعه صاحب الشرع على كل نفس تكثيرًا للمصلحة بتكرره؛ فهو فرض العين، ومثاله: صلاة الظهر فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه، ومناجاته جل وعلا، والتذلل له، والتفهم لخطابه، والتأدب بآدابه، وهذه المصلحة تكثر كلما تكررت الصلاة.
وأما الذي لا تتكرر المصلحة بتكرره، فقد شرعه صاحب الشرع على الكفاية، نفيًا للعبث في الأفعال. ومثاله: إنقاذ الغريق من البحر، فإن النازل في الماء بعد انتشال الغريق لا يحصل له أية فائدة، وإذًا، فإن مصلحة هذا النزول إلى الماء لا تتكرر بتكرره، وفعل ما ليس فيه مصلحة عبث، فإذا علمت ذلك، فاعلم أن من فروض الكفاية القيام بعلوم الشرع، يعني طلب العلم والنفقة في الدين، إلا ما لا يسع الإِنسان جهله؛ من صفة الوضوء والصلاة والصوم والزكاة، إن كان ممن تجب عليهم الزكاة، فإن معرفة ذلك على الإِنسان من فروض العين. قالوا: ومن كانت فيه أهلية الإِمامة والاجتهاد فطلب العلم واجب في حقه قال المواق: وسئل مالك: أواجب طلب العلم؟. فقال: أما على كل الناس فلا.
ومن ذلك: الفتوى، فهي من فروض الكفاية على المتأهلين، إذا كان السؤال عن الأمر المهم المحتاج إلى بيانه، وجب الجواب كما يجب السؤال. قال شيخ مشائخنا الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني: وتتعين على المفتي الفتوى بأربعة شروط: كون السائل سأل عن واقعة دينية يخاف فواتها، وانفرد المفتي، ومعرفته الجواب الصحيح عن اجتهاد أو عن تقليد، فإن انخرم واحد منها كان الجواب فرض كفاية. ا. هـ.
ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ (١). الآية. فهو فرض إسلامي على الكفاية، إذا توفرت شروط وجوبه. قال ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ". فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب إن أمن الآمر على نفسه وظن فائدة، وعلم أن الذي يأمر به معروف، وأن الذي ينهى عنه منكر قال تعالى: ﴿قُلْ =
стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١). الآية. وليس على الآمر بالمعروف التجسُّسُ، واقتحام بيوت الناس بالظنون، بل إن عثر على منكر غيره جهده. قال مالك: ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله، فإن عصوا كانوا شهودًا على من عصى. ا. هـ.
وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون ذلك منه بالحكمة أخذًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٢). الآية، نقل المواق أن ابن هرمز مر على بعض الأقدار، فأنكر عليه وقوفه مع امرأة على الطريق. فقال ذلك الرجل لعبيده: طؤُوا بطنه. ففعلوا حتى حمل إلى منزله، فعاده الناس، وفيهم مالك بن أنس، فجعل يشكو والناس يدعون له ومالك ساكت، ثم تكلم فقال: إن هذا لم يكن لك؛ نأتي الرجل من أهل القدر؛ على باب داره ومعه حشمه ومواليه. فقال ابن هرمز: فتراني أني أخطأت؟. فقال مالك: أي والله. ا. هـ. منه.
ومن دواعي قبول قول الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن لا يُرى حيث نهى، وأن لا يفقد حيث أمر، فإن ذلك أدعى أن يقبل منه ما يقول؛ لقوله ﵎ حكاية عن عبده الصالح شعيب ﵊: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (٣). الآية.
ومن دواعي قبول قوله كذلك: صبره على ما يصله من الأذى في سبيل دعوته إلى الله تعالى، عملًا بقوله تعالى عن عبده الصالح لقمان ﵇: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). الآية. ومن فروض الكفاية، القيام بالحرف المهمة التي تتعلق بها المصالح الدنيوية؛ كالحرث والغزل والنسج ونحو ذلك، فإن فاعل ذلك إن نوى به ابتغاء وجه الله، أعطي أجره. ومن فروض الكفاية رد السلام، وابتداؤه سنة، وإذا سلم واحد على الجماعة أجزأ عنها رد الواحد منها. ومن فروض الكفاية تجهيز الميت، وقد تقدم الكلام عليه في الجنائز. ومنها فك الأسير، =
стр. 738
وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ، وَإنْ عَلَى امرأةٍ (١)، وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا، وبِتَعْيِينِ الإِمَامِ (٢).
= وسيأتي مزيد كلام عليه إن شاء الله.
قلت: قد نظم علي الزقاق فروض الكفاية بالعد، بعد أن ذكر تعريف فرض الكفاية، والفرق بينه وبين فرض العين فقال:
وفرض عينٍ الذي تكررا … نفعٌ به، غيرٌ كفائِيٌّ يرى
في زُرْ، وجاهد قم بشرع، واشهدِ … واقْضِ وأُمْ، وأْمر بعُرْفٍ وارْدُد
سَلامًا افْتِ، واحْتَرِفْ وادْرأْ وَمُنْ .. مَيْتًا وَرَابِطْ، افْدِ، أوثِقْ تؤْتَمَنْ
(١) وقوله: وتعين بفجء العدو وإن على امرأة، قال أبو عمر: يتعين على كل أحد إن حل العدو بدار الإِسلام محاربًا لهم؛ فيخرج إليه أهل تلك الدار خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج؛ من مقاتل أو مكتر. وإن عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم، كان على من جاورهم أن يخرجوا، على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك من علم أيضًا بضعفهم وإمكانياتهم لزمه أيضًا الخروج، ذلك أن المسلمين كلهم يد واحدة على من سواهم. ا. هـ بنقل المواق.
وإذا قاتلت المرأة وقاتل العبد والصبي أسهم لهم حينئذ في الغنيمة؛ لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة. أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. وهو في سنن البيهقي، وبهذا القول أخذ مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وقال: من دخل الدرب أسهم له.
قلت: وأما قتال النساء - إن دهم العدو - فقد ثبت بسنة رسول الله ﷺ ، فقد قاتلت أم عمارة - نسيبة بنت كعب الأنصارية - وأقرها رسول الله ﷺ على ذلك. وثبت أيضًا من سنة المسلمين؛ فقد ثبت أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام ﵂ قتلت - يوم مرج الصفر - سبعة من المشركين بعمود الفسطاط الذي أعرس بها فيه زوجها الشهيد ذلك اليوم خالد بن سعيد بن العاص ﵁، انظر الإِصابة لابن حجر.
(٢) وقوله: وبتعيين الإِمام، يريد به - والله أعلم - أن الحج فرض كفاية في حق من يعينه =
стр. 739
وَسَقَطَ بِمَرَضٍ، وَصِبًا، وجُنُونٍ، وَعَمىً، وعَرَجٍ، وأنُوثَةٍ، وعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ وَرِقٍّ (١)، وَدَيْنٍ حَلَّ، كَوَالِديْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ (٢).
بِبَحْرٍ أوْ خَطَرٍ، لَا جَدٍّ (٣)، والْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ (٤)، ودُعُوا للإِسْلَامِ، ثُمَّ
= الإِمام في السرية، أما من يعينه الإِمام للغزو، فإنه يجب عليه الخروج.
(١) وقوله: وسقط بمرض ألخ، يريد به - والله أعلم - أن الجهاد ساقط عن هؤلاء، ولو فاجأ العدو بيضة المسلمين، ويظهر في الكلام عدم استقامة نوعًا ما؛ ذلك أن الصبي والأعمى والأعرج والمجنون، لم يجب الجهاد عليهم أولًا حتى يسقط عنهم، وأما المرأة والرقيق فقد تقدم أن الجهاد في حقهما واجب إذا دوهمت بيضة المسلمين.
(٢) وقوله: وديْن حلّ، أي والحال أنه قادر على الوفاء به. قال سحنون: ومن عليه دين قد حل، وعنده به قضاء، فلا ينفر ولا يرابط، ولا يعتمر، ولا يسافر حتى يقضي دينه، وإن كان دين لم يحل، أو لا وفاء له به، فإن له أن ينفر. ا. هـ. المواق.
وقوله: كوالدين في فرض كفاية، يريد به - والله أعلم - أن كل فرض كفاية منع من أدائه أحد الوالدين أو كلاهما، يسقط وليس عليه فعله دون إذنهما، فإذا كان الولد يريد أداء فرض عين أمضاه على الرغم منهما. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١). الآية.
(٣) وقوله: لا جدٍّ، قال سحنون: بر الجدة والجد واجب، وليسا كالأبوين، أحب أن يسترضيهما ليأذنا له في الجهاد، فإن أبيا فله أن يخرج، ولا شيء عليه في عم ولا عمة، ومن له إخوة وأخوات وعمة أو عمات، إن كان هو القائم عليهم، ويخاف ضيعتهم بخروجه، فمقامه أفضل، وإلا فخروجه. ا. هـ. المواق. والله تعالى أعلم بمستنده في ذلك.
(٤) وقوله: والكافر كغيره في غيره، تقريره، أن الوالد الكافر كالوالد المسلم؛ في ترك كل فرض كفاية غير الجهاد، أما الجهاد فلا يتركه لوالديه الكافرين، لاتهام الوالد الكافر بمنعه ولده منه توهينًا للإِسلام. لكن في المواق تقييد كلام المصنف؛ بعلمه أن منعهما له من الجهاد لكراهتهما =
стр. 740
جِزيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قَوتِلُوا وقُتِلُوا (١)، إلَّا المَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا، والصَّبيَّ والمَعْتُوهَ؛ كَشَيخٍ فَانٍ، وَزمِنٍ، وَأعْمَى، ورَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيرٍ أوْ صَوْمَعَةٍ، بِلَا رأي، وتُرِكَ لَهُمُ الكِفَايَةُ فَقَطْ، واسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ (٢)؛
= إعانة المسلمين، فإن كان لشفقتهما عليه فقط سقط عنه الجهاد. والله أعلم.
(١) وقوله: ودعوا للإِسلام ألخ، دليل ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع من حديث بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سَرِيَّة أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمْهُمْ أنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ، فَأَعلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَ أَعْرابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَقَاتِلْهُمْ". الحديث، وهو في البغوي وهذا لفظه، وأخرجه أبو داود في الجهاد: باب دعاء المشركين.
وبهذا الحديث أخذ إمام دار الهجرة؛ أنه لا يقاتل المشركون، إلا بعد دعوتهم إلى الإِسلام، ويؤذنوا أيضًا بالقتال.
وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: إنما الدعوة استحباب، ويجوز قتالهم قبل ذلك، لأن الدعوة بلغتهم، واستدلوا بقتل ابن أبي الحقيق، وبما اتفق عليه من حديث أنس أن النبي ﷺ كان يغير عند صلاة الصبح، فإذا سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار.
وبما اتفق عليه من حديث ابن عمر أنه ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون.
وبما روي أنه ﵊ قال لأسامة: "أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ". رواه أبو داود وابن ماجه. =