← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إعلم أن الأفعال قسمان: قسم تتكرر المصلحة بتكرره، وقسم لا تتكرر المصلحة بتكرره. فإن الذي تتكرر المصلحة بتكرره، شرعه صاحب الشرع على كل نفس تكثيرًا للمصلحة بتكرره؛ فهو فرض العين، ومثاله: صلاة الظهر فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه، ومناجاته جل وعلا، والتذلل له، والتفهم لخطابه، والتأدب بآدابه، وهذه المصلحة تكثر كلما تكررت الصلاة. وأما الذي لا تتكرر المصلحة بتكرره، فقد شرعه صاحب الشرع على الكفاية، نفيًا للعبث في الأفعال. ومثاله: إنقاذ الغريق من البحر، فإن النازل في الماء بعد انتشال الغريق لا يحصل له أية فائدة، وإذًا، فإن مصلحة هذا النزول إلى الماء لا تتكرر بتكرره، وفعل ما ليس فيه مصلحة عبث، فإذا علمت ذلك، فاعلم أن من فروض الكفاية القيام بعلوم الشرع، يعني طلب العلم والنفقة في الدين، إلا ما لا يسع الإِنسان جهله؛ من صفة الوضوء والصلاة والصوم والزكاة، إن كان ممن تجب عليهم الزكاة، فإن معرفة ذلك على الإِنسان من فروض العين. قالوا: ومن كانت فيه أهلية الإِمامة والاجتهاد فطلب العلم واجب في حقه قال المواق: وسئل مالك: أواجب طلب العلم؟. فقال: أما على كل الناس فلا. ومن ذلك: الفتوى، فهي من فروض الكفاية على المتأهلين، إذا كان السؤال عن الأمر المهم المحتاج إلى بيانه، وجب الجواب كما يجب السؤال. قال شيخ مشائخنا الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني: وتتعين على المفتي الفتوى بأربعة شروط: كون السائل سأل عن واقعة دينية يخاف فواتها، وانفرد المفتي، ومعرفته الجواب الصحيح عن اجتهاد أو عن تقليد، فإن انخرم واحد منها كان الجواب فرض كفاية. ا. هـ. ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ (١). الآية. فهو فرض إسلامي على الكفاية، إذا توفرت شروط وجوبه. قال ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ". فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب إن أمن الآمر على نفسه وظن فائدة، وعلم أن الذي يأمر به معروف، وأن الذي ينهى عنه منكر قال تعالى: ﴿قُلْ =

стр. 737

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ (١). الآية. وليس على الآمر بالمعروف التجسُّسُ، واقتحام بيوت الناس بالظنون، بل إن عثر على منكر غيره جهده. قال مالك: ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله، فإن عصوا كانوا شهودًا على من عصى. ا. هـ. وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون ذلك منه بالحكمة أخذًا بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (٢). الآية، نقل المواق أن ابن هرمز مر على بعض الأقدار، فأنكر عليه وقوفه مع امرأة على الطريق. فقال ذلك الرجل لعبيده: طؤُوا بطنه. ففعلوا حتى حمل إلى منزله، فعاده الناس، وفيهم مالك بن أنس، فجعل يشكو والناس يدعون له ومالك ساكت، ثم تكلم فقال: إن هذا لم يكن لك؛ نأتي الرجل من أهل القدر؛ على باب داره ومعه حشمه ومواليه. فقال ابن هرمز: فتراني أني أخطأت؟. فقال مالك: أي والله. ا. هـ. منه. ومن دواعي قبول قول الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن لا يُرى حيث نهى، وأن لا يفقد حيث أمر، فإن ذلك أدعى أن يقبل منه ما يقول؛ لقوله ﵎ حكاية عن عبده الصالح شعيب ﵊: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (٣). الآية. ومن دواعي قبول قوله كذلك: صبره على ما يصله من الأذى في سبيل دعوته إلى الله تعالى، عملًا بقوله تعالى عن عبده الصالح لقمان ﵇: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤). الآية. ومن فروض الكفاية، القيام بالحرف المهمة التي تتعلق بها المصالح الدنيوية؛ كالحرث والغزل والنسج ونحو ذلك، فإن فاعل ذلك إن نوى به ابتغاء وجه الله، أعطي أجره. ومن فروض الكفاية رد السلام، وابتداؤه سنة، وإذا سلم واحد على الجماعة أجزأ عنها رد الواحد منها. ومن فروض الكفاية تجهيز الميت، وقد تقدم الكلام عليه في الجنائز. ومنها فك الأسير، =

стр. 738

وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ، وَإنْ عَلَى امرأةٍ (١)، وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا، وبِتَعْيِينِ الإِمَامِ (٢). = وسيأتي مزيد كلام عليه إن شاء الله. قلت: قد نظم علي الزقاق فروض الكفاية بالعد، بعد أن ذكر تعريف فرض الكفاية، والفرق بينه وبين فرض العين فقال: وفرض عينٍ الذي تكررا … نفعٌ به، غيرٌ كفائِيٌّ يرى في زُرْ، وجاهد قم بشرع، واشهدِ … واقْضِ وأُمْ، وأْمر بعُرْفٍ وارْدُد سَلامًا افْتِ، واحْتَرِفْ وادْرأْ وَمُنْ .. مَيْتًا وَرَابِطْ، افْدِ، أوثِقْ تؤْتَمَنْ (١) وقوله: وتعين بفجء العدو وإن على امرأة، قال أبو عمر: يتعين على كل أحد إن حل العدو بدار الإِسلام محاربًا لهم؛ فيخرج إليه أهل تلك الدار خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج؛ من مقاتل أو مكتر. وإن عجز أهل تلك البلاد عن القيام بعدوهم، كان على من جاورهم أن يخرجوا، على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، وكذلك من علم أيضًا بضعفهم وإمكانياتهم لزمه أيضًا الخروج، ذلك أن المسلمين كلهم يد واحدة على من سواهم. ا. هـ بنقل المواق. وإذا قاتلت المرأة وقاتل العبد والصبي أسهم لهم حينئذ في الغنيمة؛ لأن الغنيمة لمن شهد الوقعة. أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. وهو في سنن البيهقي، وبهذا القول أخذ مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وقال: من دخل الدرب أسهم له. قلت: وأما قتال النساء - إن دهم العدو - فقد ثبت بسنة رسول الله ﷺ ، فقد قاتلت أم عمارة - نسيبة بنت كعب الأنصارية - وأقرها رسول الله ﷺ على ذلك. وثبت أيضًا من سنة المسلمين؛ فقد ثبت أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام ﵂ قتلت - يوم مرج الصفر - سبعة من المشركين بعمود الفسطاط الذي أعرس بها فيه زوجها الشهيد ذلك اليوم خالد بن سعيد بن العاص ﵁، انظر الإِصابة لابن حجر. (٢) وقوله: وبتعيين الإِمام، يريد به - والله أعلم - أن الحج فرض كفاية في حق من يعينه =

стр. 739

وَسَقَطَ بِمَرَضٍ، وَصِبًا، وجُنُونٍ، وَعَمىً، وعَرَجٍ، وأنُوثَةٍ، وعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ وَرِقٍّ (١)، وَدَيْنٍ حَلَّ، كَوَالِديْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ (٢). بِبَحْرٍ أوْ خَطَرٍ، لَا جَدٍّ (٣)، والْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ (٤)، ودُعُوا للإِسْلَامِ، ثُمَّ = الإِمام في السرية، أما من يعينه الإِمام للغزو، فإنه يجب عليه الخروج. (١) وقوله: وسقط بمرض ألخ، يريد به - والله أعلم - أن الجهاد ساقط عن هؤلاء، ولو فاجأ العدو بيضة المسلمين، ويظهر في الكلام عدم استقامة نوعًا ما؛ ذلك أن الصبي والأعمى والأعرج والمجنون، لم يجب الجهاد عليهم أولًا حتى يسقط عنهم، وأما المرأة والرقيق فقد تقدم أن الجهاد في حقهما واجب إذا دوهمت بيضة المسلمين. (٢) وقوله: وديْن حلّ، أي والحال أنه قادر على الوفاء به. قال سحنون: ومن عليه دين قد حل، وعنده به قضاء، فلا ينفر ولا يرابط، ولا يعتمر، ولا يسافر حتى يقضي دينه، وإن كان دين لم يحل، أو لا وفاء له به، فإن له أن ينفر. ا. هـ. المواق. وقوله: كوالدين في فرض كفاية، يريد به - والله أعلم - أن كل فرض كفاية منع من أدائه أحد الوالدين أو كلاهما، يسقط وليس عليه فعله دون إذنهما، فإذا كان الولد يريد أداء فرض عين أمضاه على الرغم منهما. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١). الآية. (٣) وقوله: لا جدٍّ، قال سحنون: بر الجدة والجد واجب، وليسا كالأبوين، أحب أن يسترضيهما ليأذنا له في الجهاد، فإن أبيا فله أن يخرج، ولا شيء عليه في عم ولا عمة، ومن له إخوة وأخوات وعمة أو عمات، إن كان هو القائم عليهم، ويخاف ضيعتهم بخروجه، فمقامه أفضل، وإلا فخروجه. ا. هـ. المواق. والله تعالى أعلم بمستنده في ذلك. (٤) وقوله: والكافر كغيره في غيره، تقريره، أن الوالد الكافر كالوالد المسلم؛ في ترك كل فرض كفاية غير الجهاد، أما الجهاد فلا يتركه لوالديه الكافرين، لاتهام الوالد الكافر بمنعه ولده منه توهينًا للإِسلام. لكن في المواق تقييد كلام المصنف؛ بعلمه أن منعهما له من الجهاد لكراهتهما =

стр. 740

جِزيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قَوتِلُوا وقُتِلُوا (١)، إلَّا المَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا، والصَّبيَّ والمَعْتُوهَ؛ كَشَيخٍ فَانٍ، وَزمِنٍ، وَأعْمَى، ورَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيرٍ أوْ صَوْمَعَةٍ، بِلَا رأي، وتُرِكَ لَهُمُ الكِفَايَةُ فَقَطْ، واسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ (٢)؛ = إعانة المسلمين، فإن كان لشفقتهما عليه فقط سقط عنه الجهاد. والله أعلم. (١) وقوله: ودعوا للإِسلام ألخ، دليل ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع من حديث بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على سَرِيَّة أو جيش، أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمْهُمْ أنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ، فَأَعلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ مِثْلَ أَعْرابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَقَاتِلْهُمْ". الحديث، وهو في البغوي وهذا لفظه، وأخرجه أبو داود في الجهاد: باب دعاء المشركين. وبهذا الحديث أخذ إمام دار الهجرة؛ أنه لا يقاتل المشركون، إلا بعد دعوتهم إلى الإِسلام، ويؤذنوا أيضًا بالقتال. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: إنما الدعوة استحباب، ويجوز قتالهم قبل ذلك، لأن الدعوة بلغتهم، واستدلوا بقتل ابن أبي الحقيق، وبما اتفق عليه من حديث أنس أن النبي ﷺ كان يغير عند صلاة الصبح، فإذا سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار. وبما اتفق عليه من حديث ابن عمر أنه ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون. وبما روي أنه ﵊ قال لأسامة: "أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ". رواه أبو داود وابن ماجه. =

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قالوا: وأما من لم تبلغه الدعوة من الكفار، ممن بعدت داره ونأى محله، فإنه لا يقاتل حتى يدعى إلى الإِسلام، فإن قتل منهم واحد قبل الدعوة، وجبت فيه الكفارة والدية. وبالله تعالى التوفيق. (٢) وقوله: وقتلوا إلا المرأة إلا في مقاتلتها، قال المواق: ولو قال إلا المرأة والصبي إلا في مقاتلتهما لكان أبين. قال ابن عرفة: يقتل كل مقاتل حال قتاله: ولو كان شيخًا كبيرًا. وفي الحطاب، قال الرجراجي: إذا غنم من العدو ذوي القوة من الرجال فالإِمام مخير فيهم في خمسة أشياء: القتل، أو الجزية، أو الفداء، أو المن، أو الاسترقاق. وأما النساء، فإن كففن أذاهن عن المسلمين ولزمن قعر بيوتهن، فلا خلاف في تحريم قتلهن - وإن شعرن في مدح القتال وذم الفرار - فإن قاتلن وباشرن القتال، فلا خلاف في جواز قتلهن في حين القتال في المسايفة؛ لوجود المعنى المبيح لقتلهن. وكذلك يباح قتلهن بعد الأسر إذا قَتلْن؛ فإن رمين بالحجارة ولم يظهرن النكاية، ولا قتلن أحدًا، فلا يقتلن بعد الأسر اتفاقًا. قال: والمراهق كالنساء في جميع ما ذكر. واختلف فيه إذا أنبت ولم يحتلم. وفي مسلم والبغوي من حديث ابن بريدة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ إذا بعث جيشًا قال: "أُغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنَ كَفَرَ بِاللهِ، لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا وَليدًا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا. وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ مَدِينَةٍ أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ، فَادْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ شَهِدُوا أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلَهُمْ مَا لَكُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْكُمْ، فَإِنْ أَبوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ يُعْطُونَكُمْ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ". قال البغوي: هذا حديث صحيح. أخرجه مسلم عن حجاج بن الشاعر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة. قلت: وقد صحت الرواية أنه ﷺ قتل فيمن قتل من بني قريظة، المرأة التي رضخت أحد أصحابه بحجر دحرجته عليه من فوت الحصن. وفي ذلك الدليل على أنها إن قَتلت قُتلت ولو بعد الأسر. والله الموفق. قال البغوي: واختلفوا في الشيوخ، والزمنى، والعميان، والرهبان؛ فذهب قوم إلى أنهم لا =

стр. 742

كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ، والرَّاهِبُ والرَّاهِبَةُ حُرَّانِ، بِقَطْعِ مَاءٍ وآلَةٍ، وَبِنَارٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا، وَلَمْ يكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَإنْ بِسُفُنٍ، وبِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وتَغْريقٍ، مَعَ ذُرِّيَّةٍ، وإنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا إلَّا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ = يقتلون. وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي وروي عن الصديق أنه نهى عن قتلهم. قال: وذهب الشافعي في أظهر قوليه إلى أنهم يقتلون. قلت: فإن كان هؤلاء ممن يستعان برأيهم في الحرب قتلوا. انظر المواق هنا. وقوله: وترك لهم الكفاية فقط. قال في المدونة: يترك للرهبان من أموالهم ما يعيشون به، ولا تؤخذ كلها فيموتون. قال سحنون: والشيخ الكبير مثل الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة. وقوله: واستغفر قاتلهم، أي لأنه قتل ما نهى النبي ﷺ عن قتله؛ هذا إذا كان قتله في دار الحرب، قبل أن يصير في المغنم، وإلا فعليه جعل قيمة من قتل في المغنم. ا. هـ. كما يفيده قوله فيما بعد. وإن حيزوا فقيمتهم. قلت: وما ذهب إليه مالك ومن وافقه؛ من النهي عن قتل هؤلاء أجرى على الدليل، أما بالنسبة للنساء والصبيان، فلا خلاف فيه إلا إذا قاتلوا؛ فقد أخرج مالك في الموطإ وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. قال البغوي: والعمل على هذا عند أهل العلم إلا أن يقاتلوا فيدفعوا بالقتل. وأما بالنسبة للراهب والهرم ونحو ذلك فقد أخرج في الموطإ عن مالك أن أبا بكر ﵁ قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان: ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم، فدعهم وما زعموا وستجد قومًا فحصوا من أواسط رؤوسهم من الشعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف. وإنِّي موصيك بعشر: لا تقتلنَّ امرأة، ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعن شجرًا مثمرًا، ولا تخربن عامرًا، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعيرًا إلَّا لمأكلة، ولا تغرقنَّ نخلًا ولا تحرقنَّه، ولا تَغْلُلْ، ولا تجبُنْ. ا. هـ. =

стр. 743

يُقْصَدِ التُّرْسُ إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ المُسْلِمِينَ، وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ، واسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ (١) إلَّا لِخِدْمَةٍ، وإرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ، وسَفَرٌ بِهِ لأرْضِهِمْ، كَمَرْأَةٍ إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ (٢)، وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ المُسْلِمُونَ النَّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا إلَّا تَحَرُّفًا وتَحَيُّزًا إنْ خِيفَ (٣)، والمُثْلَةُ (٤)، وحَمْلُ رَأسٍ لِبَلَدٍ أوْ والٍ، وخِيانَةُ أسِيرٍ ائتُمِنَ طَائعًا وَلَوْ عَلى نَفْسِهِ، = (١) وقوله: واستعانة بمشرك إلا لخدمة، من المدونة، قال ابن القاسم: لا يستعان بالمشركين في القتال؛ لقوله ﷺ : "لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ". ولا بأس أن يكونوا نواتية وخدمة. قال ابن رشد: ولا بأس أن يستعار منهم السلاح. قال المواق: لعله مأخوذ من قوله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَاتِلُوا مَعَنَا أَوْ أَعِيرُونَا سِلَاحَكُمْ". قال أبو عمر: حديث: "لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْركٍ". مختلف في إسناده. قلت: أما استعارة السلاح؛ فقد ثبت في السنة الصحيحة أنه ﷺ استعار أدراعًا وسلاحًا محمولًا من صفوان بن أمية ﵁، لما فتح الله عليه مكة وخرج به إلى الطائف. وأما حديث: "لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْركٍ". فقد ذكره الواقدي في غزوة بدر الكبرى؛ أن رسول الله ﷺ لما بلغ العقيق، عرف خبيب بن يساف وقيس بن محرث - وكانا خرجا كافرين - فردهما من العقيق وقال: "إِنَّا لا نَسْتَعِينُ بِمُشْركٍ". ولعل هذا هو الوجه الذي قال فيه أبو عمر أنه متكلم في سنده؛ لما في رواية الواقدي. والله الموفق. أما الاستعانة بالكافر في الخدمة، فلا خلاف في جوازها، ولا دليل على ذلك أوضح من استعانته ﷺ بحرِّيته في الهجرة عبد الله بن الأريقط الدؤلي. ولا عطر بعد عروس. وبالله تعالى التوفيق. (٢) وقوله: وإرسال مصحف لهم وسفر به لأرضهم، كامرأة، إلا في جيش آمن، قال الحطاب نقلًا عن ابن عبد السلام قال: وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي أن يقرأ عليهم القرآن، وأن يبعث إليهم بالكتاب، فيه آيات من القرآن قال: والأحاديث كثيرة قال: وسيقول المؤلف: واحتجاج عليهم بقرآن، وبعث كتاب فيه كآية. =

стр. 744

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قلت: ويستدل له بكتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر مع دحية بن خليفة، وفيه قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (١). الآية وهو نص البخاري. وأما السفر بالمرأة إلى أرضهم، قال ابن القاسم في المدونة: لا يخرج النساء إلى دار الحرب إلا أن يكون ذلك في عسكر عظيم، فلا يخاف عليهم، أما الخروج بهن في الجيش الغازي فقد ثبت في السنة الصحيحة؛ ففي الحديث المتفق عليه عن الرُّبيِّع بنت مُعَوَّذٍ قالت: كنا نَغْزُو مع النبي ﷺ فنسقي القوم، ونَخدمُهُم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة. ا. هـ. وأخرج مسلم عن أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أخلفهُم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى. (٣) وقوله: وفرار إن بلغ المسلمون النصف، دليل منع الفرار على المقاتلين في سبيل الله قوله تعالى في الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). ودليل وجوب مصابرة الواحد من المسلمين اثنين من المشركين قوله تعالى في سورة الأنفال أيضًا: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣). وقوله: ولم يبلغوا اثني عشر ألفًا، قال جواهر الإِكليل: إذا بلغ المسلمون اثني عشر ألفًا حرم الفرار ولو بلغ الكافرون ما بلغوا، ما لم تختلف كلمة المسلمين. قال: وذلك لخبر: لن يغلب اثنا عشر من قلة، إلا أن تختلف كلمتهم. قال المواق: أنكر سحنون قول العراقيين: لا يفر أكثر من اثني عشر ألفًا من عدو ولو كثروا قال: وقد عزا ابن رشد قول العراقيين لأكثر أهل العلم، وقال به وما ذكر إنكار سحنون أصلًا. ا. هـ. (٤) وقوله: والمثلة، أي والمثلة محرمة في السنة المجمع عليها. وهذا بعد الظفر، وأما قبل =

стр. 745

وَالْغُلُولُ، وأدِّبَ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ (١). وجَازَ أخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا وحِزَامًا وإبْرَةً وطَعَامًا (٢)، وإنْ نَعَمًا وعَلَفًا؛ كَثَوْبٍ وسِلَاحٍ ودَابَّةٍ لِيُرَدَّ، وَرَدَّ الْفَضْلَ وَإنْ كَثُرْ، فَإنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ، ومَضَت المُبَادَلَةُ بَيْنَهُمْ، وببَلَدِهِمْ إقَامَةُ الحَدِّ، وتَخْريبٌ، وَقَطْعُ نَخْلٍ، وَحَرْقٌ إنْ أنْكَى أوْ لَمْ تُرْجَ، والظَّاهِرُ أنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ، وَوْطءُ أسِيرٍ زَوْجَةً أوْ أمَةً سَلِمَتَا، وَذَبْحُ حَيوانٍ وَعَرْقَبَتُهُ وَأُجْهِزَ عَلَيْهِ، وَفِي النَّحْلِ - إنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا - روايتَانِ. = الظفر قلنا: قتل الكافر بأي مثلة أمكننا. وقد جاء في السير أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب، حين قال له: دعني أنزع ثنايا سهيل بن عمرو؛ يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا بعدها. قال له النبي ﷺ : "لَا أُمَثِّلُ فَيُمَثِّلُ اللهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا". أو كما قال ﷺ . (١) وقوله: والْغُلُول، وأدِّبَ إن ظهر عليه، قال الحطاب: قال في التمهيد: أجمع العلماء على أن على الغال أن يرد ما غل لصاحب المقسم، إن وجد السبيل إلى ذلك، وإنه إن فعل ذلك فهو توبة له وخروج عن ذنبه. وقد ورد في الغلول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١). الآية. وقوله: يغل - بالبناء للفاعل - معناه، أن يخون. يقال: غَلَّ يَغُلُّ غُلُولًا: إذا سرق من الغنيمة. ومن قرأ يُغَلَّ بالبناء للمجهول معناه: وما كان لنبي أن يُخَانَ. ونهى ﷺ أصحابه أن يخونوه. وقيل: معناه أن يُخَوَّنَ؛ أي أن ينسب إلى الخيانة. قال البغوي: وسميت الخيانة غلولًا لأن الأيدي مغلولة منها؛ أي ممنوعة منها. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه، أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلَّا الأموال، والثياب، والمتاع، قال: فوجَّه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد وَهَبَ لرسول الله ﷺ عبدًا أسود يقال له: مِدْعَمٌ، فخرجنا حتى إذا كنا بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ ، إذ جاءهُ سهم عائر فأصابه فقتله، فقال

стр. 746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الناس: هنيئًا له الجنة. فقال رسول الله ﷺ : "كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَ يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا". فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ. أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ". وفي البغوي، وأحمد، والترمذي، والدارمي، وابن ماجه، من حديث ثوبان: قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ، وَالْغُلُولِ، وَالدَّيْنِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ". وقوله: وأدب إن ظهر عليه، أصله ما روي في عقوبة الغال عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ". رواه الترمذي وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ورواه أبو داود، وفي سنده رجل ضعيف، فذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي إلى حمل هذا الحديث - إن ثبت - على الزجر والوعيد دون الإِيجاب، وقالوا: يعزر على سوء فعله. (٢) وقوله: وجاز أخذ محتاج نعلًا وحزامًا وإبرة وطعامًا، قال البغوي اتفق أهل العلم على أنه إذا كان في الغنيمة طعام، يجوز للغزاة أكله قبل القسمة على قدر الحاجة، ما داموا في دار الحرب، وأنه لا يخمَّسُ في جملة ما يخمَّسُ من الغنيمة، فهو مخصوص بالسنة كالسب للقاتل، ورخص أكثر أهل العلم في علف الدواب، ورأوه في معنى الطعام للحاجة إليه. وقال مالك: أرى الإِبل، والبقر، والغنم، بمنزلة الطعام، يؤكل منها إذا دخلوا أرض العدو. وقال الشافعي: إن أكل فوق الحاجة أدَّى ثمنه في المغنم، وكذلك إن شرب شيئًا من الأدوية، والأشربة التي تجري مجرى الأقوات. وقد ورد في أصل ذلك ما روي في الصحيح؛ فقد أخرج البخاري من حديث ابن عمر قال: كُنَّا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه. ا. هـ. وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مغفل قال: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فَالْتَزَمْتُهُ، فقُلتُ: لَا أُعْطِي اليومَ أحدًا من هذا شيْئًا. قال: فَالتَفَتُّ، فإذا رسول الله ﷺ مُتَبَسِّمًا. ا. هـ. وفي صحيح مسلم، من حديث أبي سعيد الخدري قال: لم نعد أن فتحت خيبر، فوقعنا =

стр. 747

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = - أصحاب رسول الله ﷺ في تلك البقلة الثوم، والناس جياعٌ، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول الله ﷺ الريح فقال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّا فِي الْمَسْجِدِ". فقال الناس: حُرِّمَتْ. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "يأَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحلَّ اللهُ لِي، وَلكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا". وقوله: كثوب وسلاح ودابة لترد، في المدونة، قال مالك: وللرجل أن يأخذ من المغنم دابة يقاتل عليها، أو يركبها إلى بلده إن احتاجها، ثم يردها إلى الغنيمة. قال ابن القاسم: فإن كانت الغنيمة قسمت، باعها وتصدق بثمنها، وكذلك إن احتاج إلى سلاح يقاتل به، أو ثياب من الغنيمة يلبسها حتى يرجع إلى أهله، وذلك بمنزلة الدابة. ا. هـ. بنقل المواق. قلت: هذه الفتوى من الإِمام، قد ورد في السنة ما تخالفه؛ فقد أخرج البغوي من حديث رويفع بن ثابت عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم حنين: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ". وقال شعيب في التعليق: أخرجه أحمد وأبو داود، والدارمي، وإسناده قوي. ا. هـ. فلم يبق إلا أن نحسن الظن بالإِمام فنقول: إما أنه لم يبلغه هذا، وإمَّا أنه بلغه فاطلع على علة فيه لم يطلع عليها غيره، وهو الثبت والطود الشامخ. عليه رحمة الله. والله الموفق. وقوله: ورد الفضل إن كثر فإن تعذر تصدق به، قال مالك: إذا خرج إلى بلده ومعه فضلة طعام، أكله إن كان يسيرًا، ويتصدق بالكثير. قال اللخمي والباجي: إنما يتصدق به إن افترق الجيش، وإلا رده للقسم. ونحو هذا لأبي عمر. ا. هـ. المواق. وقوله: ومضت المبادلة بينهم، في المدونة، وقال مالك: إذا أخذ هذا عسلًا، وهذا لحمًا، وهذا طعامًا فيبدلونه، ويمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله، فلا بأس به، وكذلك العلف. وقال مالك: ومن أخذ طعامًا فأكل منه ثم استغنى عنه، فليعطه إلى صاحبه بغير بيع ولا قرض. قال ابن القاسم: فإن أقرضه فلا شيء على المستقرض. ا. هـ. من المواق. وقوله: وببلدهم إقامة الحد، في المدونة: إن سرق مسلم من حربي دخل إلينا بأمان قطع، =

стр. 748

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وإن سرق الحربي وقد دخل بأمان قطع. ويقيم أمير الجيش الحدود ببلد الحرب على أهل الجيش في السرقة وغيرها، وذلك أقوى على الحق. ا. هـ. المواق. وقوله: وتخريب، وقطع نخل، وحرق إن أنكى أو لم ترج، والظاهر أنه مندوب كعكسه، في المواق ما نصه: قال ابن رشد: روي أن رسول الله ﷺ أمر بقطع نخل بني النضير، وروي أنهم لما قطعوا بعضًا وتركوا بعضًا سألوا رسول الله ﷺ : هل لهم أجر فيما قطعوا؟. وهل عليهم وزر فيما تركوا؟. فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ (١). الآية، فهي دالة على إباحة القطع، وأن لا حرج في الترك قال: وتوقف مالك في الأفضل من ذلك. والأظهر أن القطع أفضل من الترك؛ لما فيه من إذلال العدو وإصغارهم ونكايتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ (٢). الآية. إلا أن يكون بلدًا يرجى أن يصير للمسلمين، فيكون التوقف عن القطع أفضل، بدليل نهي أبي بكر جيوشه إلى الشام عن ذلك، لما علم أن المسلمين سيفتحونها؛ لقوله ﷺ : "وَتُفْتَحُ الشَّامُ" إلى قوله: "وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانَوا يَعْلَمُونَ". ا. هـ. منه بلفظه. وقوله: ووطء أسير زوجة أو أمة سلمتا، قال ابن القاسم: للأسير وطء زوجته وأمته المأسورتين معه، إن أمن من وطئهما العدو، وإنما أكرهه خوف بقاء ذريته بأرض الحرب، ولو ترك وطء الأمة كان أحب إليَّ؛ لأن العدو قد ملكها ملكًا لو أسلم عليها لم تنزع منه بخلاف الحرة. ا. هـ. المواق. وقوله: وذبح حيوان وعرقبته وأجهز عليه، عبارته في التوضيح: إذا عجز المسلمون عن حمل مال الكفار، أو عن حمل بعض متاعهم، فإنهم يتلفونه لئلا ينتفع به العدو، سواء الحيوان وغيره على المشهور المعروف، ثم إنهم اختلفوا فيما يتلف به الحيوان؛ فالمصريون - وإياهم تبع المصنف - يرون إتلافه بأي طريقة كانت ذبحًا أو عرقبة أو أن يجهز عليه. وكره المدنيون من أصحاب مالك ذبحها وعرقبتها، وقالوا: يجهز عليها. أي الأنعام. ولا نص في الموضوع. والله أعلم. =

стр. 749

وَحُرِقَ إنْ أكَلُوا الْمَيْتَةَ كمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ، وَجَعْلُ الدِّيوانِ، وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ إنْ كَانَا بِديوانٍ، وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ وَكُرِهِ التَّطْرِيبُ، وقتلُ عَيْنٍ وَإِنْ أمِّنَ، والمُسْلِمُ كالزِّنْدِيقِ وقَبُولُ الإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ، وَهِيَ لَهُ إنْ كَانَتْ = وقوله: وحرق إن أكلوا الميتة، يريد به - والله أعلم - أن العدو إن كان ممن يأكل الميتة، حرقت الحيوانات لئلا ينتفعوا بها. وقوله: وجعل ديوان، الديوان: كشف أسماء المعدين لقتال العدو بعطاء، وأول من دون الدواوين عمر بن الخطاب. نقل المواق عن الأوزاعي قال: أوقف عمر بن الخطاب الفيء وخراج الأراضين للمجاهدين، ففرض للمقاتلة والعيال والذرية، فصار سنة لمن بعده. ا. هـ. منه. وفي البغوي من حديث عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن عليّ، أن عمر بن الخطاب لما دوَّن الدواوين قال: بِمَ ترون أن أبدأ؟. فقيل له: ابدأ بالأقرب فالأقرب بك: قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله ﷺ . وقوله: وجُعل من قاعد لمن يخرج عنه إن كانا بديوان، قال البغوي: اختلف أهل العلم في جواز أخذ الجعل على الجهاد، فرخص في ذلك الزهري ومالك، وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لِلْغَازِي أَجْرُهُ وللْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي". رواه البغوي، وأخرجه أحمد، وأبو داود قال شعيب: وإسناده صحيح. وكره الشافعي أن يغزو الرجل بجعل، قال: فإن أخذه فعليه رده. وفي المواق عن مجاهد أنه قال لابن عمر: أريد الغزو. فقال: إني أريد أن أعينك بطائفة من مالي قلت: قد أوسع الله عليَّ. قال: إن غناك لك. وإني أحب أن يكون من مالي في هذا الوجه. ا. هـ. منه. وقوله: ورفْع صوت مرابط بالتكبير وكره التطريب، قال في المدونة: لا بأس بالتكبير في الرباط، والحرس على البحر، ورفع الصوت به بالليل والنهار، وأنكر التطريب. وقال في المدخل: يستحب للمرابطين - إذا صلوا الخمس - أن يكبروا جهرًا؛ يرفعون أصواتهم ليرهبوا العدو. ا. هـ بنقل المواق في الأول، والحطاب في الأخير. =

стр. 750

مِنْ بَعْضٍ لِكقَرابَةٍ، وفَيْءٌ إنْ كَانَتْ مِنَ الطَّاغِيةِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ، وَقِتَالُ رومٍ وَتُرْكٍ، واحْتِجَاجٌ عَلَيْهمْ بِقُرْآنٍ، وبَعْثُ كِتَابٍ فِيهِ كَالآيَةِ، وَإقْدامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثيرٍ، إنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةٍ على الأظْهَرِ، وانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لِآخَرَ، وَوَجَبَ = وقوله: وقتل عين وإن أمن، يعني بالعين الجاسوس. وحكمه إن كان كافرًا حربيًا القتل. حكى النووي في شرح مسلم الإِجماع على ذلك. وإن كان معاهدًا؛ فإن مالكًا يرى أنه صار بتجسسه ناقضًا للعهد، فيجوز قتله، وإن رأى الإمام استرقاقه فعل. ودليل جواز قتل الجاسوس، حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عند البخاري ومسلم واللفظ له، قال سلمة: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقًا من حقبه، فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر؛ وفينا ضعفة، ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذا خرج يشتد، فأتى جمله فاطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت اشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى صرت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبتيه في الأرض، اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل، فندر، ثم جئت بالجمل أقوده؛ عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ"؟. قالوا: ابن الأكوع قال: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ". ا. هـ. وقوله: والمسلم كالزنديق، في المواق، وسئل مالك عن الجاسوس من المسلمين يؤخذ، وقد كاتب الروم، وأخبرهم خبر المسلمين. فقال: ما سمعت فيه بشيء، وأرى فيه اجتهاد الإِمام. وقال ابن القاسم: أرى أن تضرب عنقه. قال ابن رشد: قول ابن القاسم هذا صحيح؛ لأنه أضر بالمسلمين من المحارب. قلت: ولعل المسألة تكون ذات تفصيل؛ فإن من فعل ذلك وهو على ثبات من دينه، ولكن لأجل غرض دنيوي، وأبدى عذرًا ظاهرًا، والحال أنه لم يكن من أهل الريب، يقبل عذره، كما كان الحال في قضية حاطب بن أبي بلتعة ﵁. فإن اختل شيء من ذلك، فهو عين للمشركين يسعى بالفساد في الأرض، يجري فيه ما تقدم من أقوال الأئمة. وبالله تعالى التوفيق. =

стр. 751

إنْ رَجَا حَيَاةً أوْ طُولَهَا، كَالنَّظَرِ فِي الأسْرى بِقَتْلٍ، أوْ مَنٍّ، أوْ فِدَاءٍ، أوْ جِزْيَةٍ، أوْ اسْتِرقَاقٍ، ولا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرُقَّ إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ، والْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ. وبأمَانِ الإِمَامِ مُطْلَقًا (١)؛ كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ، وإنْ أعِينَ بإذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ، وَلِمَنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلهَا إذا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الإِعَانَةُ، وأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ؛ إنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ، وإلَّا نَظَر الإِمَامُ، كَتأمِينِ غَيْرِهِ إقْلِيمًا، وإلَّا فَهَلْ يَجُوزُ؟. وَعَلَيْهِ الأكْثَرُ، أوْ يُمْضَى مِنْ مُؤمِّنٍ مُمَيِّزٍ وَلَوْ صَغيرًا، = وقوله: كالنظر في الأسرى بقتل، أو مَنٍّ، أو فداء أو جزية أو استرقاق، قال ابن رشد: ذهب مالك وجمهور أهل العلم أن الإِمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء؛ فإما أن يَقتُل، وإما أن يأسر ويستعبد، وإما أن يعتق، وإما أن يأخذ فيه فداء، وإما أن يعقد عليه الذمة ويضرب عليه الجزية. وإنما يقع هذا التخيير على حسب ما هو أصلح للمسلمين، لا بحكم الهوى. قال تعالى في سورة القتال: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١). الآية. وقد فعل ﷺ فيما وقفت عليه - أنه قتل النضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط صبرًا، ومَنَّ على أبي عزة الجمحي - الشاعر الخبيث الذي غدر - وأمكنه الله منه يوم حمراء الأسد فقتله. ومنَّ على ثمالة بن أُثال، سيد بني حنيفة ﵁. وعقد الذمة وضرب الجزية على أكيدر بن عبد الملك، ملك دومة الجندل، لما أتاه به خالد بن الوليد أسيرًا. وأخذ الفدية من أسرى بدر. واسترق بنت أم قرفة الفزارية؛ أعطاها لخاله يستولدها. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: وبأمان الإِمام مطلقًا، قال ابن بشير بنقل المواق عنه: لا خلاف بين أئمة المسلمين أن لأمير الجيش أن يعطي الأمان مطلقًا أو مقيدًا ولا ينبغي أن يكون ذلك إلا بالنظر إلى ما فيه مصلحة المسلمين.

стр. 752

أو امْرأَةً أو رقًّا أو خَارجًا على الإِمَامِ، لَا ذِميًّا أوْ خائفًا مِنْهُمْ؟. تأويلان. وسقط القَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الفَتْحِ، بِلَفْظٍ أوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ إِنْ لَمْ يَضُرَّ، وإنْ ظَنَّهُ حَرْبيٌّ فَجَاءَ، أوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا، أوْ نَسُوا، أوْ جَهِلُوا، أوْ جَهلَ إِسْلَامَهُ لا إمْضَاءَهُ، أُمْضِيَ، أوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ، وإنْ أخِذَ مُقْبِلًا بأرْضِهِمْ وقال: جِئْتُ أطْلُبُ الأمَانَ. أوْ بأرْضِنَا، وقال: ظَنَنْتُ أنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ. أوْ بَيْنَهُمَا، رُدَّ لِمَأْمَنِهِ، وإنْ قَامَتْ قَرينَةٌ فَعَلَيْهَا، وإنْ رُدَّ بِرِيحٍ فَعَلَى أمَانِهِ حتى يصل، وإنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ = وأما الأفراد من المؤمنين فإن أمانهم نافذ، إن كان لأفراد محصورين، وسواء في ذلك الرجل والمرأة والعبد، خلافًا لأبي حنيفة في العبد قال: لأنه لم يكن مأذونًا في الجهاد؛ وذلك لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ". أخرجه البغوي، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وقد أمنت زينب بنت رسول الله ﷺ أبا العاص بن الربيع، فنادت والناس في صلاة الصبح: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فقال رسول الله ﷺ : "نَعَمْ، لكِنْ لَا يَقْرَبُكِ، إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكِ". أو كما قال ﷺ . وأجارت أم هانئ بنت أبي طالب حموين لها يوم الفتح، فقال ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أمَّ هَانِئٍ". وهو حديث في الموطإ والبخاري ومسلم والبغوي، ولفظه من حديث أبي مرة، مولى أم هانئ بنت أبي طالب أنه سمعها تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقالت: فسلمت، وقال: "مَنْ هذِهِ". فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئ". فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات؛ ملتحفًا في ثوب واحد ثم انصرف، فقلت له: يا رسول الله، زعم ابن أمِّي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلًا أجرتُه؛ فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ أجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئ". وذلك ضحى. قال البغوي: هذا الحديث متفق على صحته. ا. هـ. وكل هذه التفاصيل التي ذكرت في الأمان، دليلها: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١). الآية. =

стр. 753

فَيْءٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ، ولِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ، وإلَّا أرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لوارثه كَوَدِيعَتهِ. وَهَلْ وَإنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكةٍ أوْ فَيْءٌ؟. قَوْلَانِ. وَكُرِهَ لِغَيْر الْمَالِكِ اشْتِراءُ سِلَعِهِ، وفَاتَتْ بِهِ وبِهِبَتِهِمْ لَهَا، وانْتُزِعَ ما سُرِقَ، ثُمَّ عِيدَ بِهِ لِبَلَدِنَا عَلَى الأظْهَرِ، لَا أحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ، وملك بإسْلَامِهِ غَيْرَ الحُرِّ المُسْلِمِ. وَفُدِيَتْ أمُّ الْوَلَدِ، وَعُتِقَ المُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ، ومُعْتَقٌ لأجَلٍ بَعْدَه ولَا يُتَّبَعُونَ بِشَيْءٍ، ولَا خِيارَ لِلْوَارِثِ، وَحُدَّ زَانٍ وسَارِقٌ إن حِيزَ المَغْنَمُ (١)، وَوُقِفَتِ الأرْضُ؛ كَمِصْرَ والشَامِ والعِرَاقِ (٢)، وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أوجِفَ عَلَيْهِ (٣). = (١) وقوله: وحدّ زان وسارق إن حيز المغنم، هذا قول ابن القاسم وأشهب، والذي يؤيده الدليل عدم حدّهما لقوله ﷺ : "إِدْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ". وهذا زنى بمن له فيها شبهة ملك، على القول بأن الغنيمة تملك بالفتح، ومعلوم أن العلماء اختلفوا في ذلك؛ هل تملك الغنيمة بالفتح، أو هي تملك بالقسم؟. كما عقده على الزقاق في المنهج المنتخب بقوله: . . . . . . . هل ما غُنِمْ … يُمْلَكُ بالفتح أو إن كان قسم (٢) وقوله: ووقفت الأرض كمصر والشام والعراق، قال المواق. نقلًا عن ابن شاس: أراضي الكفار المأخوذة بالاستيلاء قهرًا عنوة تكون وقفًا. قال في جواهر الإِكليل: ووقفت. أي حبست الأرض غير الموات؛ وهي الصالحة للزراعة. أي صارت وقفًا على مصالح المسلمين بمجرد الاستيلاء عليها، بلا صيغة من الإِمام. قلت: وقد نزع الإِمام بهذا الفرع إلى سنة عمر بن الخطاب ﵁ التي أوصى رسول الله ﷺ بالاقتداء بها من بعده بقوله: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". ففي البخاري: حدثنا صدقة، أخبرنا عبد الرحمن، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال عمر ﵁: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر. قال العيني في عمدة القاري على البخاري: واحتج عمر ﵁ في ترك قسمة الأرض بقوله =

стр. 754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١). الآية قال عمر: هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم، فلم يبق أحد منهم إلا وله في هذا المال حق، حتى الراعي بعدي. وقال أبو عبيد: وإلى هذه الآية ذهب عليّ ومعاذ رضي الله تعالى عنهما. وأشار عمر بإقرار الأرض لمن يأتي بعده. قال: وقد اختلف العلماء في حكم الأرض، قال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرض ثلاثة أحكام: أرض أسلم أهلها عليها؛ فهي لهم ملك؛ وهي أرض عشر لا شيء فيها غيره. وأرض افتتحت صلحًا على خراج معلوم؛ فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه. وأرض أخذت عنوة؛ وهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلهم سبيل الغنيمة؛ فيكون أربعة أخماسها حصصًا بين الذين افتتحوها خاصة، والخمس الباقي لمن سمى الله. قال ابن المنذر: وهذا قول الشافعي، وأبي ثور، وبه أشار الزبير بن العوام على عمرو بن العاص حين افتتح مصر. قال أبو عبيد: بل حكمها والنظر فيها إلى الإِمام؛ فإن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها. كما فعل النبي ﷺ فذلك له. وإن رأى أن يجعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا، كما فعل عمر بالسواد فذلك له. وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، والثوري فيما حكاه الطحاوي، وقال مالك: يجتهد فيها الإِمام، وقال في القنية: العمل في أرض العنوة على فعل عمر رضي الله تعالى عنه أن لا تقسم وتقر بحالها، وقد ألح بلال وأصحاب له على عمر في قسم الأرض بالشام، فقال: اللهم اكفنيهم. فما أتى الحول وقد بقي منهم أحد. ا. هـ. منه. وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث في كتاب الحرث والمزارعة: تأول عمر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢). فرأى أن للآخرين أسوة بالأولين، فخشي - لو قسم ما يفتح - أن تكمل الفتوح فلا يبقى لمن يجيء بعد ذلك حظ في الخراج، فرأى أن توقف الأرض المفتوحة عنوة، ويضرب عليها خراج يدوم نفعه للمسلمين. قال: وقد اختلف =

стр. 755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نظر العلماء في قسمة الأرض المفتوحة عنوة على قولين شهيرين - كذا قال - قال: وفي المسألة أقوال أشهرها ثلاثة: فعنْ مالك: تصير وقفًا بنفس الفتح. وعن أبي حنيفة والثوري: يتخير الإِمام بين قسمتها ووقفيتها. وعن الشافعي، يلزمه قسمتها إلَّا أن يرضى بوقفيتها مَنْ غَنمها. قال: وسيأتي بقية كلام عليه في أواخر الجهاد إن شاء الله تعالى. قلت: ذلك هو قوله في الكلام على نفس الحديث في كتاب فرض الخمس ما نصه: ووجه أخذه من الترجمة، أن عمر في هذا الحديث أيضًا قد صرح بما يدل على هذا الأثر، يعني "الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ". إلا أنه عارض عنده حسن النظر لآخر المسلمين، فيما يتعلق بالأرض خاصة، فوقفها على المسلمين، وضرب عليها الخراج الذي يجمع لمصلحتهم، وتأول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) الآية. وروى أبو عبيد في كتاب الأموال، من طريق ابن إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن عمر، أنه أراد أن يقسم السواد، فشاور في ذلك، فقال له عليٌّ: دعهم يكونوا مادة للمسلمين. فتركهم. ومن طريق عبد الله بن أبي قيس أن عمر أراد قسمة الأرض فقال له معاذ: إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم يبتدرون، فيصير إلى الرجل الواحد أو المرأة، ويأتي القوم يسدون من الإِسلام مسدًّا فلا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم، فاقتضى رأي عمر تأخير قسم الأرض، وضرب الخراج عليها للغانمين ولمن يجيء بعدهم، فبقي ما عدا ذلك على اختصاص الغانمين به - وبه قال الجمهور - إلى أن قال: قال ابن المنير: وجه احتجاج عمر بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أن الواو عاطفة فيحصل اشتراك من ذكر في الإِستحقاق، والجملة في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ في موضع الحال؛ فهي كالشرط للإِستحقاق. والمعنى أنهم يستحقون في حالة الإِستغفار. قال: ولو أعربناها بأنها استئنافية؛ للزم أن كل من جاء بعدهم يكون مستغفرًا لهم، والواقع بخلافه، فتعين الأول. ا. هـ. منه. وواضح من تفسير ابن جزي الكلبي جعل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ في موضع الحال، قال: وقيل: يعني من جاء بعد الصحابة؛ وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة. وعلى هذا حملها =

стр. 756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مالك فقال: إن من قال في أحد الصحابة قول سوء، فلا حظ له في الغنيمة والفيء؛ لأن الله وصف الذين جاؤُوا بعد الصحابة بأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١). فمن قال ضد ذلك، فقد خرج عن الذين وصفهم الله به. ا. هـ. منه. وقال ابن كثير في تفسيره: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء؛ وهم المهاجرون، والأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان. كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٢). فالتابعون لهم بإحسان؛ هم المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة. الداعون لهم في السر والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال: وما أحسن ما استنبط الإِمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة: إن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب؛ لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ا. هـ. منه. قال في جواهر الإِكليل: وأما الموات فللإِمام تمليكها لمن شاء. ومثل الأرض الصالحة للزراعة، الدور في الحكم. وقيل: الدور للغانمين. وقيل: يخير الإِمام في وقفها وقسمها. وعلى الأول لا يؤخذ لها كراء بخلاف أرض الزراعة. قال القرافي بعد ذكر الخلاف في دور مكة: المشهور منع كرائها لفتحها عنوة، إلى أن قال: والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إن

стр. 757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم، تعين ذلك القول وارتفع الخلاف؛ فإذا قضى حاكم بثبوت ذلك في أرض العنوة، ارتفع الخلاف وتعين ما حكم به، وهذا يطرد في مكة ومصر وغيرهما. ا. هـ. منه (٣) وقوله: وخمس غيرها إن أوجف عليه، الإِيجاف: سرعة السير. وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ (١). أي شديدة الاضطراب. يريد المصنف؛ أن غير الأرض يخمس خمسة أقسام متساوية من سائر أموال الحربيين - مثليات كانت أو مقومات - يجعل خمس منها في بيت المال، والأخماس الأربعة للغانمين إن أوجف؛ أي قوتل عليه بخيل أو ركاب، أما ما انجلى عنه أهله دون قتال، فذلك عندنا لا يخمس ويصرف في مصالح المسلمين كما كان النبي ﷺ يفعل فيما أخذ من بني النضير، وعلى هذا أكثر أهل العلم. قالوا: إن الفيء لا يخمس. والفيء هو ما صار إلى المسلمين من أموال الكفار من غير إيجاف خيل ولا ركاب. وإلى ذلك ذهب عمر ﵁. قال الزهري: قال عمر: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (٢). هذه لرسول الله ﷺ خاصة؛ قرى عربية فدك وكذا وكذا. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٣). و ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٤). ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٥). و ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٦). فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق، إلا بعض من تملكون من أرقائكم. قال البغوي: فذهب عمر إلى أن هذه الآيات منسوقة بعضها على بعض، وأن جملة الفيء لجميع المسلمين يصرفها الإِمام إلى مصالحهم على ما يراه من الترتيب. وهو قول أكثر أهل الفتوى. ا. هـ. منه. وقوله عن القرافي في دور مكة: المشهور منع كرائها لفتحها عنوة. التحقيق إن شاء الله، أن =

стр. 758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مكة فتحت عنوة ثم منَّ رسول الله ﷺ على أهلها، فردَّها عليهم ولم يقسمها. وقد منَّ عليهم بأنفسهم حيث قال لهم - وهم مقهورون، تحيط بهم خيل الله، تمعج ما بين الخندمة إلى الحجون - قال ﷺ : "يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَا تُظُنُّونَ أنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ"؟. قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت. قال ﷺ : "اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقَاءُ". فهل يطلق إلا من أسر؟. وهل يخالف أحد في أن مسلمة الفتح كانوا يعرفون بالطلقاء لقول رسول الله لهم: "اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقَاءُ". وأيضًا فقد ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الْأنْصَارَ". قال: فدعونهم فجاؤا يهرولون. فقال: "يَا مَعْشَر الْأنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ"؟. قالوا: نعم!. قال: "انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا". وقال: "مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا". قال: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه. الحديث. وكونها فتحت عنوة هو ما ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأبو عبيد ورواية عن أحمد بن حنبل. وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحًا، قال: لأن النبي ﷺ بذل لهم الأمان بقوله: "مَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ". ولكن. فهل ألقوا السلاح كلهم فأمنوا؟. أو هل أغلقوا أبوابهم جميعهم فأمنوا؟. وكيف يتفق دخولها صلحًا مع لباسه المغفر وهو يطوف بالبيت؟. صلوات الله وسلامه عليه. فالحق أنه ﷺ دخلها مقاتلًا مستحلًا وقال: "إنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ". أما القول بمنع بيع دورها وكرائها؛ فللقول بأنها حرة كالمساجد. فقد أخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: لا يحل بالبيع دور مكة ولا كراؤها. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق أيضًا عن ابن جريج قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم. وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن تبوّب دور مكة؛ لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوَّبَ داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر في ذلك. فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين، إني كنت امرءًا تاجرًا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان ظهري. قال: فذلك إذًا. وأخرج عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن منصور، عن مجاهد، أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل =

стр. 759

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابًا؛ لينزل البادي حيث شاء. قال: وأخبرني منصور عن مجاهد قال: نهى عن إجارة بيوت مكة، وبيع رباعها. قال: وأخبرني معمر، وأخبرني بعض أهل مكة، قال: لقد استخلف معاوية وما لدار بمكة باب. قال معمر: وأخبرني من سمع عطاء يقول: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١). قال: ينزلون حيث شاؤوا. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قرأت كتابًا من عمر بن عبد العزيز إلى عبد العزيز بن عبد الله يأمره أن لا يكرى بمكة شيء. وأخرج الحاكم والدارقطني عن إسماعيل بن إبراهيم عن مهاجر عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "مَكَّةُ مُنَاخٌ؛ لَا يُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُؤاجَرُ بُيُوتُهَا". قال شعيب: وإسماعيل بن إبراهيم ضعيف. وأخرجه الحاكم أيضًا عن أبي حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "مَكَّةُ حَرَامٌ. وَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَحَرَامٌ أَجْرُ بُيُوتِهَا". قال شعيب: وعبيد الله بن أبي زياد فيه ضعف خفيف. وفي المغني لابن قدامة ج ٤/ ص ٢٦١: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ في مكة: "لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا". رواه الأثرم بإسناده. وأخرج أبو عبيد في الأموال، من حديث وكيع عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو قال: من أكل من أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم. وفي شرح السنة للبغوي: وقال أحمد بن حنبل: إني لأتوقى الكراء، أما الشراء فقد اشترى عمر دارًا للسجن. وقال إسحاق: بيعها وشراؤها وإجارتها مكروه، ولكن الشراء أهون. ا. هـ. قلت: الذي يظهر من هذا البحث أن ما كان منها من دور مملوكة ذلك اليوم، فهو لأصحابه بكامل التصرف، لأن رسول الله ﷺ منَّ عليهم بأنفسهم وأموالهم؛ فرد عليهم دورهم ولم يقسمها - وله ذلك - وأما ما لم يكن مملوكًا ذلك اليوم، فليس لأحد ملكه ولا بيعه ولا إجارته. قال البغوي: قال أبو عبيد: إن مكة فتحت عنوة، ثم منَّ النبي ﷺ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها، وكان هذا خاصًا برسول الله ﷺ في مكة، ليس لأحد من الأئمة أن يفعل ذلك في شيء =

стр. 760

فَخَراجُهَا والخُمُسُ والجزْيةُ لآلِهِ ﵊ ثُمَّ لِلمَصَالِح (١). وبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمُ الْمَالُ، وَنُقِلَ لِلأْحْوَجِ الأكْثَرِ (٢)، ونَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ. مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ (٣)، ومَضَى إِنْ لمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ المَغْنَمِ، ولْلمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ اعْتِيدَ، لَا سِوَارٌ وصَلِيبٌ وعَيْنٌ ودَابَّةٌ، وإنْ لَمْ من البلدان غيرها وذلك لأنها مسجد لجماعة المسلمين، وهي مناخ من سبق، وأجور بيوتها لا تطيب، ولا تباع رباعها، وليس هذا لغيرها من البلدان. ا. هـ. منه. (١) وقوله: فخراجها والخمس والجزية لآله ﵊ ثم للمصالح. قال المواق نقلًا عن ابن عرفة: الفيء ما سوى الغنيمة، والمختص فيها خراج الأرض، والجزية، وما افتتح من أرض بصلح، وخمس الغنيمة والركاز. قال: وما صولح عليه أهل الحرب، وما أخذ من تجارهم. قال مالك: والخمس والفيء سواء يجعلان في بيت المال، ويعطي الإِمام أقرباء رسول الله ﷺ بقدر الاجتهاد، ولا يعطون من الزكاة. قال ابن حبيب: لما كثر المال دون عمر للعطاء ديوانًا، ففاضل فيه بين الناس وقال: ابدؤوا بقرابة رسول الله ﷺ ثم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله. فآل محمد ﷺ الذين لهم الأسبقية في الفيء والخمس هم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لحديث جبير بن مطعم قال: قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط منه أحدًا من بني عبد شمس، ولا بني نوفل شيئًا، أخرجه الشافعي، وأخرجه البخاري في المغازي وفي الجهاد. وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ : "أمَّا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هكَذَا". وشبك بين أصابعه. هكذا لفظ البغوي "شيء" بدون فاء، والذي تقتضيه القواعد العربية مجيء فاء بأولها أي "فشيء". وذلك لما عقده ابن مالك بقوله: أما كمهما يك من شيء وفا … لتلو تلوها وجوبًا ألفا لذلك فإن لفظ الحديث في نظري هو: "أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فَشَيءٌ وَاحِدٌ". والله تعالى أعلم. وهذا الحديث أخرجه البغوي وأبو داود وابن ماجه، والنسائي وأخرجه البخاري من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب. كذا قال شعيب. وفي هذا دليل على ثبوت سهم ذوي القربى من خمس الغنيمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّ =

стр. 761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١). وقد اختلف أهل العلم في بقاء سهم ذوي القربى بعد وفاة رسول ﷺ ؛ فذهب جماعة إلى أنه ثابت. منهم: مالك والشافعي. خلافًا لمذهب أبي حنيفة؛ فإن الخمس يقسم عندهم على ثلاثة أصناف فقط: على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. واحتج الجمهور على أنه باق بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيت عليَّ بن أبي طالب عند أحجار الزيت فقلت له: بابي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس؟. فقال عليٌّ: أما أبو بكر فلم يكن في زمانه أخماسٌ، وما كان فقد أوفاناه. وأما عمر فلم يزل يعطينا حتى جاءه مال السوس والأهواز - أو قال: الأهواز، أو قال: فارس. شك الراوي - فقال في المسلمين خَلَّةٌ، فإن أحببتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين، حتى يأتينا مال فأوفيكم حقكم منه. الحديث، وقد رواه الشافعي وأبو داود، والبغوي. وقال: فيه دليل على أن سهم ذوي القربى باق بعد رسول الله ﷺ ؛ لأن الخلفاء أعطوهم عوضًا عن الصدقة، وتحريم الصدقة عليهم باق، فليكن سهمهم باقيًا؛ ولأنه عطاء باسم القرابة، والقرابة باقية كالميراث. قال الشافعي: ولا يفضل فيه فقير على غني، ويعطى منه الرجل سهمين والمرأة سهمًا. ا. هـ. منه بتصرف. وبعد إخراج حق ذوي القربى، بدأ الإِمام بمصالح المسلمين؛ يبدأ بالمقاتلة، ثم بالأهم فالأهم. وعن مالك بن أوس بن الحدثان قال: ذكر عمر بن الخطاب ﵁ يومًا الفيء فقال: ما أنا أحق بهذ الفيء منكم، وما أحد منا أحق به من أحد، إلا أننا على منازلنا من كتاب الله وقسم رسول الله ﷺ ، والرجل وقَدمُهُ، والرجل وبلاؤُه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته. رواه البغوي وأبو داود. وكان عمر يفضل بالسابقة والنسب، فكان يفضل أقران ابنه على ابنه. ويقول: هاجر بك أبوك. وكان يفضل عائشة على حفصة ويقول: إنها كانت أحب إلى رسول الله ﷺ منكِ، وأبوها كان أحب إليه من أبيك. وروى نافع عن ابن عمر قال: فرض عمر لأسامة بن زيد أكثر مما فرض لي، فقلت: إنما هجرتي وهجرة أسامة واحدة. قال: إن أباه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وإنه كان أحبَّ

стр. 762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إلى رسول الله ﷺ منك، وإنما هاجر بك أبوك. أخرجه البخاري. (٢) وقوله بدئ بمن فيهم المال ونقل للأحوج الأكثر، أي يبدأ بالبلد الذي جبي منه المال. قال في المدونة: فإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطى البلد الذي فيهم المال من ذلك، ونقل الأكثر إلى البلد المحتاج، كما فعل عمر أعوام الرمادة. ا. هـ. بنقل المواق. وقوله: ونفل منه السلب لمصلحة. النفل - بفتح الفاء وسكونها - هو زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم، يفضله الإِمام لرأي يراه مما يؤديه إليه اجتهاده. وفي المدونة قال ابن القاسم: من قتل قتيلًا فهل يكون له سلبه؟. قال: قال مالك: لم يبلغني أن ذلك كان إلا يوم حنين، وإنما ذلك إلى الإِمام يجتهد فيه. ا. هـ. المواق. (٣) وقوله: ولم يجز - إن لم ينقض القتال - من قتل قتيلًا فله سلبه. ففي المدونة، قال ابن القاسم: لا يجوز عند مالك نفل قبل الغنيمة، ويجوز النفل في أول المغنم وفي آخره على وجه الاجتهاد. قال اللخمي: النفل جائز ومكروه؛ فالجائز ما كان بعد القتال، والمكروه ما كان قبلُ. يقول والي الجيش مثلًا: من قتل فلانًا فله سلبه. أو من جاء بشيء من العين فله ربعه. قال: هذا ممنوع ابتداؤه؛ لأنه قتال للدنيا، ولأنه يؤدي إلى التحامل على القتال. وقد قال عمر ﵁: لا تقدموا جماجم الرجال إلى الحصون، فلمسلم أستبقيه أحب إليَّ من حصن أفتحه. قلت: قد ورد في الحديث عن أبي قتادة الأنصاري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه ضربة قطعت الدرع. قال: واقبل عليَّ فضمَّني ضَمَّة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب ﵁، فقلت له: ما بال الناس؟. قال: أمر الله. قال: ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ". قال أبو قتادة: فقمت، ثم قلت: مَنْ يَشْهَدُ لي؟. ثُمَّ جَلَسْتُ. ثم قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ قتيلًا لَه عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ". قال أبو قتادة: فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟. ثم جلست. ثم قال ذلك الثالثة، فقال رسول الله ﷺ : "مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟. فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق =

стр. 763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي فأرضِهِ عنه. فقال أبو بكر ﵁: لا، هالله إذًا لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : "صَدَق فَأَعْطِهِ إيَّاهُ". قال أبو قتادة: فأعطانيه، فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا في بني سَلمَةَ، فإنَّه لأول مال تأثَّلْتهُ في الإِسلام. هذا لفظ البغوي وقال: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه البخاري ومسلم كلاهما بالسند إلى مالك. وقد اختلف أهل العلم في السلب: فالمذهب عند أصحابنا ما تقدم؛ من أنه إذا نادى الإِمام أن من قتل قتيلًا فله سلبه، كان له ذلك على وجه التنفيل، ولا يستحقه بدون ذلك. وإلى هذا ذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي. وقال أحمد بن حنبل إنما يستحق السلب من قتل قرنه في المبارزة دون غيرها. وقال قوم - منهم الشافعي - أن جميع سلب المقتول لقاتله، وإن لم يكن إلا نادى به. ولا يخمس السلب عند هؤلاء. ويشترط الشافعي أن يكون الكافر قتل مقبلًا لا مدبرًا فارًا. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن السلب الذي يستحقه القاتل، هو كل ما كان على المقتول من ثوب، سلاح، ومنطقة، وفرسه الذي هو راكبه، أو ممسكه. هكذا قال الشافعي. وقال الأوزاعي: له فرسه الذي قاتل عليه، وسلاحه، وسرجه، ومنطقته، وخاتمه، وما كان في سرجه وسلاحه من حليه، ولا يكون له الهميان ولا الدراهم والدنانير التي لا يتزين بها للحرب، بل هي غنيمة. والمذهب عندنا أن السلب هو المعتاد لبس المقاتل له دون غير المعتاد، مما يلبسه عظماء الروم؛ من التيجان والصلبان والإِسورة ونحو ذلك. وأما النفل فهو اسم لزيادة يعطيها الإِمام بعض الجيش على القدر المستحق. ومنه سميت النافلة لما زاد على الفرائض من الصلوات. وهو جائز شرعًا بدليل الحديث المتفق عليه، عن ابن عمر أن رسول ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش. واختلفوا من أي شيء يخرج النفل؟. قال قوم: هو من الخمس، وقالوا: كان النبي ﷺ يعطيه من ذلك. وقال ﷺ : "مَالِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ". وقال قوم: هو من الغنيمة بعد إخراج الخمس لما روى أبو داود بإسناد صحيح: روى حبيب بن سلمة الفهري قال: كان رسول الله ﷺ ينفل الثلث بعد الخمس.

стр. 764

يَسْمَعْ أوْ تَعَدَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَتيلًا وَإلَّا فالأولُ. وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ إنْ لَمْ تُقَاتِلْ (١) كالإِمَامِ إنْ لَمْ يَقُلْ: مِنْكُمْ. أوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ، وَلَهُ البَغْلَةُ إنْ قَالَ: عَلَى بَغْلٍ، لَا إنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ وَقَسَمَ الأرْبَعَةَ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ، كتاجِرٍ وَأجِيرٍ، إنْ قَاتَلا أوْ خَرَجَا بِنيَّةِ غَزْوٍ (٢)، لَا ضِدَّهُمْ وَلَوْ قَاتَلُوا (٣). إلَّا الصَّبي فَفِيهِ = وقال قوم: هو من أصل الغنيمة قبل التخميس؛ لما روى نافع عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد، فخرجت معها، فأصبنا نعمًا كثيرًا، فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرًا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله ﷺ بالذي أعطانا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيرًا. أخرجه أبو داود في الجهاد. ا. هـ. وقال مالك: أمر ذلك إلى اجتهاد الإِمام، سواء أعطاه من أول الغنيمة أو آخرها. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: ولم يكن لكامرأة إن لم تقاتل، يريد به - والله أعلم - أن قول الإِمام: من قتل قتيلًا فله سلبه. يكون نافذًا إذا قتل ما يجوز له قتله، وليس له سلب من قتل ممن لا يجوز له قتله؛ من امرأة أو صبي أو زمن أو راهب. إلا أن يقاتل هؤلاء، فإن قاتلوا كان له سلبهم لجواز قتلهم حينئذ. والله أعلم. (٢) وقوله: وقسم الأربعة لحر مسلم عاقل بالغ حاضر كتاجر وأجير إن قاتلا أو خرجا بنية غزو، يريد به - والله أعلم - أن من كملت فيه هذه الصفات استحق الغنيمة وهي: الإِسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والذكورة، والصحة. قيل: وحضور الواقعة فعلًا، أما التاجر والأجير، فإنه لا يسهم لهما في الغنيمة إلا إذا قاتلا، أو كانا خرجا أصلًا بنية الغزو، فإنه يسهم لهما وإن لم يقاتلا. ففي المدونة أن الأجير والتاجر إذا قاتل يسهم له، وإن لم يقاتل فلا يسهم له، وأما إن كان خروجه للغزو، غير أن معه تجارة، فهذا يسهم له قاتل أو لم يقاتل. انظر المواق. (٣) وقوله: لا ضدهم ولو قاتلوا: ففي صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن يزيد بن هرمز. أن نجدة =

стр. 765

إنْ أجِيزَ وقَاتَلَ خِلَافٌ. وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ كمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ وَأعْمَى وَأعْرَجَ، وأشَلَّ، ومُتَخَلفٍ لِحَاجَةٍ - إنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالجيْشِ - وضَالٍّ بِبَلَدِنا، وَإنْ بِرِيحٍ، بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ، ومَريضٍ شَهِدَ كَفرَسٍ رَهِيصٍ، أوْ مَرِضَ بَعْدَ أنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وإلَّا فَقْولَانِ. ولِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ (١) وإنْ بِسَفِينَةٍ (٢)، أو بِرْذَوْنًا، وهَجينًا، = كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال، فقال ابن عباس: إن ناسًا يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني أخاف أن أكتم علمًا لم أكتب إليه. كتب نجدة إليه: أما بعد، فأخبرني، هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟. وهل كان يضرب لهن بسهم؟. وهل كان يقتل الصبيان؟. ومتى ينقضي يتم اليتيم؟. وعن الخمس لمن؟. فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟. وقد كان يغزو بهن؛ يداوين المرضى، ويحْذَيْنَ من الغنيمة. وأما السهم، فلم يضرب لهن بسهم. وإن رسول الله ﷺ لم يقتل الولدان، فلا تقتلهم إلا أن تكون تعلم منهم ما علم الخضر من الصبي الذي قَتَلَ، فتميِّز بين المؤمن والكافر، فتقتل الكافر وتدع المؤمن. . . الحديث هذا اللفظ أخرجه البغوي، وقال: وأخرجه عن محمد بن حاتم عن بهز، عن جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن يزيد بن هرمز، وقال: وسألت عن المرأة والعبد: هل كان لهما سهم معلوم إذا حضروا البأس؟. وإنهم لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم. قال البغوي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ أن العبيد، والصبيان، والنسوان، إذا حضروا، القتال، يرضخ لهم ولا يسهم لهم. وقال الأوزاعي: يسهم لهم؛ لأن النبي أسهم للصبيان والنسوان بخيبر. رواه البيهقي. قال البغوي: وإسناده ضعيف لا تقوم به حجة. ومذهب مالك أنه لا يسهم للمرأة ولا يرضخ لها. (١) وقوله: وللفرس مثلا فارسه وإن بسفينة، في المواق: من المدونة، قال مالك: يسهم للفرس سهمان وسهم لفارسه، وللراجل سهم. قال ابن سحنون: وما علمت أن من علماء الأمة من قال: للفرس سهم ولفارسه سهم إلا أبو حنيفة، وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن علَّاق. =

стр. 766

وصَغيرًا يُقْدَرُ بِها عَلى الْكرِّ والْفَرِّ، ومَرِيضٍ رُجِيَ، ومُحَبَّسٍ، ومَغْصُوبٍ مِنَ الْغَنيمَةِ، أوْ مِنْ غَيْرِ الجيْشِ، ومنه لِرَبِّهِ، لَا أعْجَفَ أو كبِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وبَغْلٍ، وبَعِيرٍ، وَثانٍ، وَالمُشتَرَكُ للمُقَاتِل وَدَفَعَ أجْرَ شرِيكِهِ. = (٢) وقوله: وإن بسفينة، قال ابن القاسم في المدونة: إذا لقوا العدو في البحر، ومعهم الخيل في السفن، فإنه يسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم. قال ابن رشد: لا خلاف في هذا لأنه يسهم لمن شهد القتال وإن لم يقاتل، فكذلك يسهم لفرس من شهد بفرسه وإن لم يقاتل عليه. وقوله: أو برذونًا، قال في المدونة: قال مالك: والبراذين إن أجازها الإِمام كانت كالخيل. وقوله: أو هجينًا أو صغيرًا، من الموطإ: قال مالك: لا أرى الهجين إلَّا من الخيل. قال ابن حبيب: الهجين الذي أبوه عربي وأمه من البراذين، قال: إذا أشبهت الخيل في القتال عليها والطلب بها أسهم لها. قال مالك: وأما صغار الخيل لا مركب فيها فلا يسهم لها. ومن المدونة: قال مالك: ولا يسهم لبغل ولا حمار ولا بعير وصاحبه راجل. ا. هـ. انظر المواق. قلت: وفي حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم؛ سهمًا له وسهميْن لفرسه. أخرجه البخاري ومسلم في الجهاد. قال البغوي: وهذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد قالوا: للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم. وخالف أبو حنيفة قال: للفارس سهمان: تنبيه: لا يسهم إلا لفرس واحد، ولا يسهم لغير الفرس من الدواب. ا. هـ.

стр. 767

وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ، وَإلَّا فَلَهُ كَمُتَلَصِّصٍ (١). وخَمَّسَ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا عَلَى الْأصَحِّ لَا ذِمِّي وَمَنْ عَمِلَ سَرْجًا أوْ سَهْمًا. والشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ (٢). وَهَلْ يَبِيعُ لِيقْسِمَ قَوْلَانِ (٣). وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إنْ أمْكَنَ عَلَى الأرْجَحِ (٤)، وأخَذَ مُعَيَّنٌ وإنْ ذِمِّيًّا مَا عُرفَ لَهُ قَبْلَهُ مَجَّانًا (٥) وَحَلَفَ أنَّهُ مِلْكُهُ، وَحُمِلَ لَهُ إنْ كَانَ خَيْرًا، وَإلَّا (١) وقوله: والمستند للجيش كهو وإلا فله، يريد به - والله أعلم - أن المسلم الغائب عن الجيش واحدًا كان أو متعددًا، إذا كان يستند للجيش في دخوله أرض العدو، كهو: أي كالجيش في القسم؛ فيقسم الجيش عليه ما غنموه في غيبته، ويقسم على الجيش ما غنمه في غيبتهم؛ لأنه إنما توصل له بسببه وقوته. وإن لم يستند للجيش الغائب عنه ولم يتقو به؛ بأن دخل أرض الحرب وحده، فله ما غنمه يختص به دون الجيش. والله تعالى أعلم. (٢) وقوله: والشأن القسم ببلدهم، من المدونة، قال مالك: والشأن أن تقسم الغنائم وتباع ببلد الحرب، وهم أولى برخصها، وروى الأوزاعي أن رسول الله ﷺ والخلفاء لم يقسموا غنيمة قط إلا في دار الشرك. (٣) وقوله: وهل يبيع ليقسم قولان، في المواق: ظاهر المدونة أن قسم الغنيمة هو بيعها وقسم ثمنها. وقال الباجي: قال محمد: إن رأى الإِمام أن يقسمها خمسة أخماس بالسوية، بأن يجعل خمسة وصفاء في كل سهم وصيف، وكذلك كل جنس حتى يعدل، ثم يسهم بينها فيخرج أحدها، والأربعة الأخماس للجيش، وإن رأى أن يبيع الجميع ويقسم الثمن فعل. قال: والأظهر قسمه ذلك دون بيع لظاهر الأحاديث. وقول ابن المسيب: كان الناس يعدلون البعير بعشرة شياه يقتضي تكرار ذلك من الصحابة، ولا نعلم مخالفًا لهم، فكان إجماعًا. انتهى من المواق. (٤) وقوله: وأفرد كل صنف إن أمكن على الأرجح، قال ابن المواز: صفة القسمة أن يقسم كل صنف على خمسة أجزاء، فإذا اعتدلوا واجتهد في ذلك، برأي أهل البصيرة والمعرفة بالقيمة والاقتسام، كتب في ورقة: هذا لرسول الله ﷺ ، فيقرع، وحيث وقع سهم الخمس كان للإِمام لا رجعة فيه لأحد، ثم يبيع الإِمام الأربعة الأخماس ويقسمها عليهم، فإن رأى بيع الجميع والخمس فعل. ا. هـ. بنقل المواق. والله أعلم. (٥) وقوله: وأخذ معين وإن ذميًا عرف له قبله مجانًا، في المواق: روى ابن وهب أن رسول =

стр. 768

بِيعَ لَهُ، وَلَمْ يَمْضِ قَسْمُهُ إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الأحْسَنِ، لَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، بِخِلَافِ اللُّقْطَةِ، وبيِعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لأجَلٍ، ومُدَبَّرٍ وكِتَابَةٌ، لَا أمُّ وَلَدٍ، ولَهُ بَعْدَهُ أخْذُهُ بِثَمَنِهِ، وبالْأوَّل إنْ تَعَدَّدَ، وأُجْبِرَ فِي أمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ، وَاتُّبِعَ بِهِ إنْ أعْدَمَ إلَّا أنْ تَمُوتَ هِيَ أوْ سَيِّدُهَا، ولَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ لأجَلٍ، ومُدَبَّرٍ لِحَالِهِمَا وَتَرْكُهُمَا مُسَلِّمًا لِخِدْمَتِهِمَا، فَإنْ مَاتَ السَّيِّدُ المُدَبِّرُ قَبْلَ الاسْتيفَاءِ فَحُرٌّ، إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، واتُّبعَ بِمَا بَقِي كَمُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ قُسِمَا، وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِمَا بأمْر، وَإنْ حَمَلَ بَعْضَهُ رُقَّ بَاقِيهِ، وَلا خِيارَ لِلْوارِثِ، بِخِلافَ الْجِنَايَةِ. وَإنْ أدَّى المُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى = الله ﷺ قال للذي وجد بعيره في المغنم: "إِنْ وَجَدْتَهُ لَمْ يُقْسَمْ فَخُذْهُ وإنْ قُسِمَ فَأنْتَ أحَقُّ بِهِ بالثَّمَنِ إنْ أَرَدْتَهُ". وفي المدونة قال مالك: ما أحرزه المشركون من مال مسلم أو ذمي، من عرض أو غيره أو أبق إليهم ثم غنمناه. فإن عرف ربه قبل أن يقسم كان أحق به بغير شيء، وإن غاب أوقف له، وإن لم يعرف ربه بعينه، أو عرف أنه لمسلم أو ذمي خُمِّس وقسم، ثم إن جاء ربه كان أحق به بالثمن ما بلغ، ولا يجبر على فدائه، فهو مخير، فإن أراد أخذه، لم يكن لمن بيده أن يأبى عليه. ا. هـ. بنقل المواق. وفي صحيح البخاري، وابن ماجه، والبغوي، واللفظ له من حديث ابن عمر قال: ذهبت فرس له، فأخذها العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ . وأبق عبدٌ له، فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فردَّ عليه خالد بن الوليد بعد النبي ﷺ . قال البغوي: فيه دليل على أن الكفار إذا أحرزوا أموال المسلمين، واستولوا عليها لا يملكونها، وإذا استنقذها المسلمون من أيديهم تردُّ إلى ملَّاكها، سواء كان بعد القسمة أو قبلها عند الشافعي. وقال مالك، والأوزاعي، والثوري: إن أدركه صاحبه قبل القسمة أخذه، وإن أدركه بعد القسمة كان أحق به بالقيمة. وقد تقدم لك دليل مالك في ذلك قريبًا من حديث ابن وهب. قال البغوي: أما العبد، أو الفرس، إذا أبق، أو عاد إليهم، كان صاحبه أولى به بعد القسمة وقبلها، واتفقوا على أنهم لا يملكون بالاستيلاء رقاب أحرار المسلمين، وأمهات أولادهم، ويملك المسلمون منهم جميع ذلك. ا. هـ. منه. =

стр. 769

حَالِهِ، وإلَّا فَقِنٌّ أُسْلِمَ أوْ فُدِيَ. وعلى الآخِذِ إنْ عَلِمَ بِمِلْكِ مُعَيَّنٍ، تَرْكُ تَصَرُّفٍ لِيُخيِّرهُ، وإنْ تَصَرَّفَ مَضَى كالمُشْتَري مِنْ حَرْبِيٍّ بِاسْتيلَادٍ، إنْ لَمْ يَأخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ، وإلَّا فقولَانِ. وفِي المؤجَّلِ تَرَدُّدٌ، وَلِمُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ أخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ مَجَّانًا، وبِعِوَضٍ بِهِ إنْ لَمْ يُبَعْ، فَيَمْضِي وَلِمَالِكِهِ الثَّمَنُ أوْ الزَّائِدُ، والأحْسَنُ فِي المَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أخْذُهُ بِالْفِدَاءِ، وإنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْوُهُ اسْتُوفِيتْ خِدْمَتُهُ. ثُمَّ هَلْ يُتَّبَعُ إنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أوْ بِمَا بَقِيَ؟. قَوْلَانِ، وَعبْدُ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ = تنبيه: وإذا أسلم الكافر بعد ما سبي ماله فلا يجب رده عليه، أما إذا أسلم قبل أن يقع في الأسر، فقد أحرز ماله وولده قال ﷺ لصخر بن الغيلة: "إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ". أخرجه الدارمي وأبو داود. ودليل عدم وجوب رد المال إذا أسلم بعد أن سبي هو ما رواه عروة بن الزبير عن مروان والمسور بن مخرمة أنهما أخبراه أن رسول الله حين جاء وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ. وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ". وكان أنظرهم رسول الله ﷺ بضعَ عشرة لَيْلَةً حين قفل من الطائف، فلما تبين أن رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول الله ﷺ في المسلمين؛ فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذلِكَ فَلْيَفْعَلْ". فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ". فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا أو أذنوا. قال: هذا الذي بلغني عن سبي هوازن. ا. هـ. لفظ البغوي. والحديث في صحيح البخاري في المغازي، باب قول الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (١). والله ولي التوفيق.

стр. 770

حُرٌّ إنْ فَرَّ أوْ بَقِيَ حَتَّى غُنِمَ (١)، لَا إنْ بَعْدَ إسْلَامِ سَيِّدِهِ أوْ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ، وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إلَّا أنْ تُسْبَى وتُسْلِمَ بَعْدَهُ (٢)، وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا، لَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ أوْ مُسْلِمَةٍ. وَهَلْ كبَار المُسْلِمَةِ فَيْءٌ أوْ إنْ قاتَلُوا؟. تَأويلَانِ. وولد الأمَةِ لمالكها. (١) وقوله: وعبد الحربي يسلم حر إن فرّ أو بقي حتى غنم، في المواق، من المدونة، قال ابن القاسم: من أسلم من عبيد الحربيين لم يزل ملك سيده عليه، إلا أن يخرج العبد إلينا، أو ندخل نحن بلادهم فلنغنمه وهو مسلم وسيده مشرك فيكون حرًا، ولا يرد لسيده إن أسلم سيده بعد ذلك. (٢) وقوله: وهدم السبي النكاح إلا أن تسبى وتسلم بعده، مراده به - والله أعلم - أن السبي منا معشر المسلمين لزوجين كافرين يقطع النكاح بينهما، سواء سبيا معًا أو مترتبين، أو سبيت هي فقط، أو هو فقط، وعليها حينئذ الاستبراء بحيضة لأنها أمة. قال المواق: قال ابن علَّاق: قوله السبي يهدم النكاح يشمل ثلاث صور؛ أن تسبى الزوجة وحدها ويبقى الزوج بدار الحرب، وأن يسبى الزوج أولًا ثم تسبى هي بعد ذلك، وأن يسبيا معًا. وظاهر المدونة أن السبي هدم النكاح في الصور الثلاث. ا. هـ. منه. والله تعالى أعلم. قال الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). الآية. قال البغوي: قوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾. قيل: عن ذل واعتراف بأن دين الإِسلام عال على دينهم. وقيل: عن إنعام عليهم من المسلمين بقبول الجزية. وقيل: عن نقدٍ لا نسيئة. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. الصغار هو الذل، يعني بالصاغرين أذِلَّاءَ يعطون الجزية عن قيام، والقابض جالس. ا. هـ. وقال ابن جزي الكلبي في تفسيره: ﴿عَنْ يَدٍ﴾. فيه تأويلان: أحدهما دفع الذمي لها بيده؛ =

стр. 771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = لا يبعثها مع أحد ولا يمطل بها كقولك: يدًا بيد. والثاني: عن استسلام وانقياد كقولك: ألقى فلان يده. ا. هـ. واتفقت الأمة على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتابين - وهم اليهود والنصارى - إذا لم يكونوا عربًا؛ لآية التوبة هذه، واختلفوا في أخذ الجزية من أهل الكتاب إن كانوا عربًا، والدليل إلى جانب أخذها منهم؛ لأخذه ﷺ الجزية من أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل. ومذهب مالك أخذها من جميع الكفار إلا المرتد منهم. وهو مذهب الأوزاعي. واتفقوا أيضًا على أخذ الجزية من المجوس، لثبوت أخذها منهم بالسنة؛ لحديث عمرو بن دينار أنه سمع بَجالَةَ يقول: لم يكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذَ الجزية من المجوس، حتَّى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر. رواه البغوي واللفظ له. وهو في البخاري، والأموال لأبي عبيد. ا. هـ. وعن جعفر بن محمد عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ". رواه البغوي. وهو في الموطإ. وقال الحطاب: فائدة: قال في فتح الباري: قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإِسلام، مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإِسلام. قال: واختلف في سنة مشروعيتها؛ فقيل في سنة ثمان، وقيل في سنة تسع. ا. هـ. منه.

стр. 772

الجزية فَصْلُ: عَقْدُ الجِزيةَ إذْنُ الإِمَامِ لِكَافِرٍ صَحَّ سِباؤُهُ، مُكَلَّفٍ، حُرٍّ، قَادِرٍ، مُخَالِطٍ، لَمْ يَعْتِقْهُ مُسْلِمٌ، سُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ والْمَدِينَةِ والْيَمَنِ (١). وَلَهُمُ الْاجتِيازُ (٢) بِمَالٍ، لِلْعَنَوِيِّ أرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أوْ أرْبَعُونَ دِرْهمًا فِي سَنَةٍ (٣)، (١) قوله: عقد الجزية إذن الإِمام لكافر صح سباؤه مكلف حر قادر مخالط لم يعتقه مسلم سكنى غير مكة والمدينة واليمن، قال ابن عرفة في حد الجزية: هي ما لزم الكافر من مال لأمنه، باستقراره تحت حكم الإِسلام، وصونه. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن عقد الذمة من الإِمام لكافر صح أسره، مكلف، فلا تؤخذ من صبي، حر؛ فلا جزية على الرقيق، قادر، على أدائها، فلا تؤخذ من العاجز عنها، مخالط لأهل دينه ولو راهب كنيسة أو شيخًا فانيًا؛ فلا تؤخذ من راهب منعزل بديره لا رأي له. وقوله صح أسره، خرج به المرتد عن دينه، والمعاهد قبل انقضاء مدته، والراهب والراهبة الحران. وقوله سكنى غير مكة والمدينة، مفعول قوله إذن الإِمام، أي إذن الإِمام له في سكنى غير مكة والمدينة واليمن، أي في سكنى غير جزيرة العرب، التي قال النبي ﷺ فيها: "لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرةِ الْعَرَبِ". قال أبو عبيدة: وحدها ما بين حفير أبي موسى الأشعري - وهو آخر العراق - وأول الشام إلى أقصى اليمن طولًا، وعرضها ما بين تبريز وهي آخر اليمن، إلى منقطع السماوة، وهو آخر حد الشام من جهة اليمن؛ وهي آخر بلاد سبإ. وكان يخرج المسافر من هذه بلا زاد وهي مسيرة شهر وعشرين يومًا. كذا في جواهر الإِكليل. وقال البغوي: قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عدن أبَينَ إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض؛ فمن جُدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. والدليل على عدم جواز سكنى المشركين لجزيرة العرب حديث جابر بن عبد الله قال: أخبرني =

стр. 773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا". أخرجه البغوي ومسلم في صحيحه. (٢) وقوله: ولهم الاجتياز، قال البغوي: جملة بلاد الإِسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام: أحدها الحرم؛ فلا يجوز لكافر أن يدخل الحرم؛ ذميًا كان أو لم يكن؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). فإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإِمام، وهو في الحرم، خرج إليه الإِمام، أو بعث إليه من يستمع منه رسالته. والقسم الثاني: الحجاز وما في حكمه من جزيرة العرب؛ فيجوز للكافر دخولها بإذن، ولكن لا يجوز أن يقيم بها أكثر من إقامة السفر، وهي ثلاثة أيام. فإن عمر ﵁ لما أجلاهم أجل لمن يقدم منهم تاجرًا ثلاثة أيام. القسم الثالث: سائر بلاد الإِسلام، فيجوز للإِمام عقد الذمة مع أهل الكتاب ليقيموا فيها، ويجوز لأهل الحرب دخولها بالأمان، والإِقامة فيها إلى انقضاء مدة الأمان. ا. هـ. منه بتصرف. (٣) وقوله: بمال للعنوي؛ أربعة دنانير أو أربعون درهمًا في سنة، أي إذن الإِمام للكافر في سكنى بلاد الإِسلام في مقابل مال يدفعه، قدره - للذي فتحت بلاده عنوة - أربعة دنانير لأهل الذهب، وأربعون درهمًا لأهل الفضة. ودليل هذا التقدير ما روي أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. أخرجه في الموطإ، وأخرجه أبو عبيد في الأموال من حديث أبي مسهر ويحيى بن بكير عن مالك. قال شعيب: وإسناده صحيح.

стр. 774

وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا، ونُقِّصَ الفَقيرُ (١) لِوُسْعِهِ وَلَا يُزَادُ، ولِلصُّلْحِيِّ مَا شُرِطَ (٢)، وَإنْ أطْلِقَ فَكَالْأوَّلِ، والظَّاهِرُ إنْ بَذَلَ الأوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الإِهَانَةِ عِنْدَ أخْذِهَا، وَسَقَطَتَا بِالإِسْلَامِ (٣) كأرْزَاقِ المُسْلِمِينَ، وإضَافَةِ المُجْتَازِ ثلاثًا لِلْظُّلْمِ، والْعَنَوِيُّ حُرٌّ وَإِنْ مَاتَ أوْ أسْلَمَ فَالأرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمينَ. (١) وقوله ونقص الفقير، يعني أن الفقير ان عجز عن أداء الأربعة دنانير مثلًا، أخذ منه ما يقدر عليه، ويسقط عنه ما ليس بوسعه. وإذا علمت بأن أصل قدر الجزية اختلف فيه، وأن بعضهم ذهب إلى أن أقل الجزية دينار على كل بالغ في كل سنة، أخذًا من حديث معاذ بن جبل ﵁ عند الترمذي، وأبي داود، وأحمد، والنسائي، والبغوي. ونصه بلفظ البغوي: عن معاذ بن جبل قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن. فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا، أو عِدْلَهُ مَعَافِرَ. ا. هـ. والمعافر نوع من الثياب يكون باليمن، إذا علمت ذلك زال عنك استشكال جواز النقص عن الفقير كما ذكره المصنف. (٢) وقوله وللصلحي ما شرط، قال المواق: لا حد للجزية الصلحية، إذ لا يجبرون عليها، فإنما هي على ما يراضيهم عليه الإِمام، من قليل أو كثير، على أن يقروا في بلادهم، على دينهم، إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام الإِسلام، وتؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. قال البغوي: روي عن ابن عباس قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة؛ النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين. وعارية ثلاثين درعًا وثلاثين قوسًا وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون فيها. الحديث. وفيه أيضًا: وروي أن النبي ﷺ ضرب على نصارى إيلة ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثًا، وأن لا يغشوا مسلمًا. (٣) وقوله: وسقطتا بالإِسلام، لحديث ابن عباس عند البغوي، والترمذي، وأحمد، وأبي داود، والدارقطني قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أرضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ". =

стр. 775

وَفِي الصُّلْحِ إنْ أُجْمِلَتْ فَلَهُمْ أرْضُهُمْ، والْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ وَوَرِثُوهَا، وإنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فِهيَ لَهُمْ، إلَّا أنْ يَمُوتَ بِلا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ، وَوَصِيَّتُهُمْ في الثُّلُثِ وَإنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَراجُهَا عَلَى الْبَائِعِ، ولِلْعَنَوِيِّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ إِنْ شُرِطَ، وَإلَّا فَلَا؛ كَرَمِّ المَنْهَدِمِ. ولِلِصُّلْحِيِّ الإِحْدَاثُ (١)، وبَيْعُ عَرْصَتِهَا، أوْ حَائطٍ، لَا بِبَلَدِ الإِسْلامِ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أعْظَمَ. وَمُنِعَ رُكُوبَ الْخَيْلِ والْبِغَالِ والسُّرُوجِ وجَادَّةَ الطَّريقِ، وأُلْزِمَ = وتؤوّل هذا على وجهين: الأول، إن معناه أن الأرض المفتوحة صلحًا، وعلى أن تكون لأهلها، وضرب عليها خراج معلوم، فهو جزية. فإذا أسلم أهلها سقط عنهم ذلك، كما تسقط الجزية عن أنفسهم، بخلاف ما إذا كان وقع الصلح على أن الأرض للمسلمين، فإنهم إذا أسلموا لا يسقط الخراج عمن يزرعها لأنه أجرة الأرض. الوجه الثاني: هو أن الذميَّ إذا تم عليه الحول، فأسلم قبل أداء جزية ذلك الحول، تسقط عنه تلك الجزية، وهو محل خلاف؛ ذهب أكثرهم إلى سقوطها. وروي ذلك عن عمر. وقال الشافعي: لا تسقط بالإِسلام ولا بالموت؛ لأنه دين حل عليه أجله كسائر الديون. (١) وقوله: وللصلحي الإِحداث، قال الحطاب: في المدونة في كتاب الجعل والإِجارة: ولهم أن يحدثوها - أي الكنائس - في بلد صولحوا عليها. انتهى. قال ابن عرفة: ويجوز لهم الإِحداث بأرض الصلح إن لم يكن بها معهم مسلمون، وإلا ففي جوازه قولان: القول بالجواز لابن القاسم، والقول بالمنع لابن الماجشون قائلًا: ويمنعون من رمّ قديمها إلا أن يكون شرطًا فيوفى. قال المواق: وتبين بهذا أن للصلحي الإِحداث - كرمّ المنهدم - على قول ابن القاسم. ا. هـ. لطيفة: حكى الحطاب عن المتيطي أن الوليد بن عبد الملك هدم كنيسة للروم، كان أبوه قد أذن لهم فيها بوجه اقتضى ذلك، فكتب ملكهم إلى الوليد يقول: إن أباك قد أذن لنا في البناء لوجه اقتضى ذلك، وأنت هدمتها، فإما أن أباك كان مصيبًا وأخطأت، وإما أن تكون أصبت وأخطأ أبوك. قال: فأشكل على الوليد الجواب، وطلبه من أهل الفطنة، حتى تكلم في ذلك مع =
следующие страницы →