. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لا يبعثها مع أحد ولا يمطل بها كقولك: يدًا بيد. والثاني: عن استسلام وانقياد كقولك: ألقى فلان يده. ا. هـ.
واتفقت الأمة على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتابين - وهم اليهود والنصارى - إذا لم يكونوا عربًا؛ لآية التوبة هذه، واختلفوا في أخذ الجزية من أهل الكتاب إن كانوا عربًا، والدليل إلى جانب أخذها منهم؛ لأخذه ﷺ الجزية من أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل. ومذهب مالك أخذها من جميع الكفار إلا المرتد منهم. وهو مذهب الأوزاعي.
واتفقوا أيضًا على أخذ الجزية من المجوس، لثبوت أخذها منهم بالسنة؛ لحديث عمرو بن دينار أنه سمع بَجالَةَ يقول: لم يكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذَ الجزية من المجوس، حتَّى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر. رواه البغوي واللفظ له. وهو في البخاري، والأموال لأبي عبيد. ا. هـ.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ". رواه البغوي. وهو في الموطإ.
وقال الحطاب:
فائدة: قال في فتح الباري: قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم يحملهم على الدخول في الإِسلام، مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإِسلام. قال: واختلف في سنة مشروعيتها؛ فقيل في سنة ثمان، وقيل في سنة تسع. ا. هـ. منه.
стр. 772
الجزية
فَصْلُ:
عَقْدُ الجِزيةَ إذْنُ الإِمَامِ لِكَافِرٍ صَحَّ سِباؤُهُ، مُكَلَّفٍ، حُرٍّ، قَادِرٍ، مُخَالِطٍ، لَمْ يَعْتِقْهُ مُسْلِمٌ، سُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ والْمَدِينَةِ والْيَمَنِ (١). وَلَهُمُ الْاجتِيازُ (٢) بِمَالٍ، لِلْعَنَوِيِّ أرْبَعَةُ دَنَانِيرَ أوْ أرْبَعُونَ دِرْهمًا فِي سَنَةٍ (٣)،
(١) قوله: عقد الجزية إذن الإِمام لكافر صح سباؤه مكلف حر قادر مخالط لم يعتقه مسلم سكنى غير مكة والمدينة واليمن، قال ابن عرفة في حد الجزية: هي ما لزم الكافر من مال لأمنه، باستقراره تحت حكم الإِسلام، وصونه. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن عقد الذمة من الإِمام لكافر صح أسره، مكلف، فلا تؤخذ من صبي، حر؛ فلا جزية على الرقيق، قادر، على أدائها، فلا تؤخذ من العاجز عنها، مخالط لأهل دينه ولو راهب كنيسة أو شيخًا فانيًا؛ فلا تؤخذ من راهب منعزل بديره لا رأي له.
وقوله صح أسره، خرج به المرتد عن دينه، والمعاهد قبل انقضاء مدته، والراهب والراهبة الحران.
وقوله سكنى غير مكة والمدينة، مفعول قوله إذن الإِمام، أي إذن الإِمام له في سكنى غير مكة والمدينة واليمن، أي في سكنى غير جزيرة العرب، التي قال النبي ﷺ فيها: "لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرةِ الْعَرَبِ". قال أبو عبيدة: وحدها ما بين حفير أبي موسى الأشعري - وهو آخر العراق - وأول الشام إلى أقصى اليمن طولًا، وعرضها ما بين تبريز وهي آخر اليمن، إلى منقطع السماوة، وهو آخر حد الشام من جهة اليمن؛ وهي آخر بلاد سبإ. وكان يخرج المسافر من هذه بلا زاد وهي مسيرة شهر وعشرين يومًا. كذا في جواهر الإِكليل. وقال البغوي: قال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عدن أبَينَ إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض؛ فمن جُدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.
والدليل على عدم جواز سكنى المشركين لجزيرة العرب حديث جابر بن عبد الله قال: أخبرني =
стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا". أخرجه البغوي ومسلم في صحيحه.
(٢) وقوله: ولهم الاجتياز، قال البغوي: جملة بلاد الإِسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام: أحدها الحرم؛ فلا يجوز لكافر أن يدخل الحرم؛ ذميًا كان أو لم يكن؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). فإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإِمام، وهو في الحرم، خرج إليه الإِمام، أو بعث إليه من يستمع منه رسالته.
والقسم الثاني: الحجاز وما في حكمه من جزيرة العرب؛ فيجوز للكافر دخولها بإذن، ولكن لا يجوز أن يقيم بها أكثر من إقامة السفر، وهي ثلاثة أيام. فإن عمر ﵁ لما أجلاهم أجل لمن يقدم منهم تاجرًا ثلاثة أيام.
القسم الثالث: سائر بلاد الإِسلام، فيجوز للإِمام عقد الذمة مع أهل الكتاب ليقيموا فيها، ويجوز لأهل الحرب دخولها بالأمان، والإِقامة فيها إلى انقضاء مدة الأمان. ا. هـ. منه بتصرف.
(٣) وقوله: بمال للعنوي؛ أربعة دنانير أو أربعون درهمًا في سنة، أي إذن الإِمام للكافر في سكنى بلاد الإِسلام في مقابل مال يدفعه، قدره - للذي فتحت بلاده عنوة - أربعة دنانير لأهل الذهب، وأربعون درهمًا لأهل الفضة. ودليل هذا التقدير ما روي أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. أخرجه في الموطإ، وأخرجه أبو عبيد في الأموال من حديث أبي مسهر ويحيى بن بكير عن مالك. قال شعيب: وإسناده صحيح.
стр. 774
وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا، ونُقِّصَ الفَقيرُ (١) لِوُسْعِهِ وَلَا يُزَادُ، ولِلصُّلْحِيِّ مَا شُرِطَ (٢)، وَإنْ أطْلِقَ فَكَالْأوَّلِ، والظَّاهِرُ إنْ بَذَلَ الأوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الإِهَانَةِ عِنْدَ أخْذِهَا، وَسَقَطَتَا بِالإِسْلَامِ (٣) كأرْزَاقِ المُسْلِمِينَ، وإضَافَةِ المُجْتَازِ ثلاثًا لِلْظُّلْمِ، والْعَنَوِيُّ حُرٌّ وَإِنْ مَاتَ أوْ أسْلَمَ فَالأرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمينَ.
(١) وقوله ونقص الفقير، يعني أن الفقير ان عجز عن أداء الأربعة دنانير مثلًا، أخذ منه ما يقدر عليه، ويسقط عنه ما ليس بوسعه.
وإذا علمت بأن أصل قدر الجزية اختلف فيه، وأن بعضهم ذهب إلى أن أقل الجزية دينار على كل بالغ في كل سنة، أخذًا من حديث معاذ بن جبل ﵁ عند الترمذي، وأبي داود، وأحمد، والنسائي، والبغوي. ونصه بلفظ البغوي: عن معاذ بن جبل قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن. فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا، أو عِدْلَهُ مَعَافِرَ. ا. هـ. والمعافر نوع من الثياب يكون باليمن، إذا علمت ذلك زال عنك استشكال جواز النقص عن الفقير كما ذكره المصنف.
(٢) وقوله وللصلحي ما شرط، قال المواق: لا حد للجزية الصلحية، إذ لا يجبرون عليها، فإنما هي على ما يراضيهم عليه الإِمام، من قليل أو كثير، على أن يقروا في بلادهم، على دينهم، إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام الإِسلام، وتؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون.
قال البغوي: روي عن ابن عباس قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلة؛ النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها إلى المسلمين. وعارية ثلاثين درعًا وثلاثين قوسًا وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون فيها. الحديث.
وفيه أيضًا: وروي أن النبي ﷺ ضرب على نصارى إيلة ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثًا، وأن لا يغشوا مسلمًا.
(٣) وقوله: وسقطتا بالإِسلام، لحديث ابن عباس عند البغوي، والترمذي، وأحمد، وأبي داود، والدارقطني قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أرضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ". =
стр. 775
وَفِي الصُّلْحِ إنْ أُجْمِلَتْ فَلَهُمْ أرْضُهُمْ، والْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ وَوَرِثُوهَا، وإنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فِهيَ لَهُمْ، إلَّا أنْ يَمُوتَ بِلا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ، وَوَصِيَّتُهُمْ في الثُّلُثِ وَإنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَراجُهَا عَلَى الْبَائِعِ، ولِلْعَنَوِيِّ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ إِنْ شُرِطَ، وَإلَّا فَلَا؛ كَرَمِّ المَنْهَدِمِ.
ولِلِصُّلْحِيِّ الإِحْدَاثُ (١)، وبَيْعُ عَرْصَتِهَا، أوْ حَائطٍ، لَا بِبَلَدِ الإِسْلامِ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أعْظَمَ. وَمُنِعَ رُكُوبَ الْخَيْلِ والْبِغَالِ والسُّرُوجِ وجَادَّةَ الطَّريقِ، وأُلْزِمَ
= وتؤوّل هذا على وجهين: الأول، إن معناه أن الأرض المفتوحة صلحًا، وعلى أن تكون لأهلها، وضرب عليها خراج معلوم، فهو جزية. فإذا أسلم أهلها سقط عنهم ذلك، كما تسقط الجزية عن أنفسهم، بخلاف ما إذا كان وقع الصلح على أن الأرض للمسلمين، فإنهم إذا أسلموا لا يسقط الخراج عمن يزرعها لأنه أجرة الأرض.
الوجه الثاني: هو أن الذميَّ إذا تم عليه الحول، فأسلم قبل أداء جزية ذلك الحول، تسقط عنه تلك الجزية، وهو محل خلاف؛ ذهب أكثرهم إلى سقوطها. وروي ذلك عن عمر. وقال الشافعي: لا تسقط بالإِسلام ولا بالموت؛ لأنه دين حل عليه أجله كسائر الديون.
(١) وقوله: وللصلحي الإِحداث، قال الحطاب: في المدونة في كتاب الجعل والإِجارة: ولهم أن يحدثوها - أي الكنائس - في بلد صولحوا عليها. انتهى.
قال ابن عرفة: ويجوز لهم الإِحداث بأرض الصلح إن لم يكن بها معهم مسلمون، وإلا ففي جوازه قولان: القول بالجواز لابن القاسم، والقول بالمنع لابن الماجشون قائلًا: ويمنعون من رمّ قديمها إلا أن يكون شرطًا فيوفى. قال المواق: وتبين بهذا أن للصلحي الإِحداث - كرمّ المنهدم - على قول ابن القاسم. ا. هـ.
لطيفة: حكى الحطاب عن المتيطي أن الوليد بن عبد الملك هدم كنيسة للروم، كان أبوه قد أذن لهم فيها بوجه اقتضى ذلك، فكتب ملكهم إلى الوليد يقول: إن أباك قد أذن لنا في البناء لوجه اقتضى ذلك، وأنت هدمتها، فإما أن أباك كان مصيبًا وأخطأت، وإما أن تكون أصبت وأخطأ أبوك. قال: فأشكل على الوليد الجواب، وطلبه من أهل الفطنة، حتى تكلم في ذلك مع =
стр. 776
بِلُبْسٍ يُمَيِّزُهُ، وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ، وظُهُورِ السُّكْرِ وَمُعْتَقَدِهِ، وَبَسْطِ لِسَانِهِ، وأرِيقَتْ الخَمْرُ وَكُسِرَ الناقُوسُ، وَيَنْتَقِضُ بِقِتَالٍ، وَمَنْعِ جِزْيَةٍ، وتَمَرُّدٍ على الأحْكَامِ (١) وَبِغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلمَةٍ (٢) وغُرُورِهَا، وتَطَلُّعِهِ عَلى عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ، وَسَبِّ نَبِيٍّ بِمَا لَمْ يَكْفُرْ بِهِ. قَالُوا: كَلَيْسَ بنبيٍّ. أوْ: لَمْ يُرْسَلْ. أوْ: لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أوْ تَقَوَّلَهُ. أوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا. أوْ: مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يخْبِرُكُمْ أنَّهُ فِي الْجَنَّةِ،
= الفرزدق. فقال له: الجواب ما حكاه الله في قصة سليمان وداود. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١). الآية، فاستحسن الوليد ذلك، وأتحفه بهدية. وحاصل هذا الجواب هو أنا لا نسلم انحصار القسمة في إصابة أحدهما وخطإ الآخر، حتى تكون قضية مانعة الجمع والخلو، وذلك لجواز إصابتهما معًا؛ لنظر ورأي رآه كل منهما. ا. هـ.
(١) وقوله: وينتقض بقتال ومنع جزية ألخ. نقل المواق عن ابن رشد قال: اتفق أصحاب مالك على اتباع قوله في أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد، ومنعوا الجزية، وخرجوا من غير عذر، أنهم يصيرون حربًا وعدوًا، فيسبون ويقتلون إلا على شروط. أشهب: وما اتفق عليه مالك وأصحابه أصح في النظر؛ وذلك كالصلح ينعقد من أهل الحرب على شروط، فإذا لم يوفوا بها انتقض الصلح. ا. هـ. قال: وينقض العهد بالتمرد على الأحكام الشرعية، ومنع الجزية.
(٢) وقوله: وغصْب حرة مسلمة، فقد قتل عمر ﵁ نصرانيًا اغتصب مسلمة. قال ابن حبيب: وصداقها في ماله، والولد مسلم لا أب له.
وقوله: وتطلعه على عورات المسلمين، نقل المواق عن سحنون قال: إن وجدنا بارض الإِسلام ذميًا، كاتب أهل الشرك بعورات المسلمين، قتل ليكون نكالًا لغيره.
وقوله: وسب نبي، نقل المواق عن عياض: وأما الذمي إذا صرح بسبه، أو عرض، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم. قال مالك وغيره فيمن شتم نبينا ﷺ أو أحدًا من الأنبياء: قتل إلا أن يسلم. ا. هـ.
стр. 777
مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أكَلَتْهُ الكِلَابُ؟. وَقُتِلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ، وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ إِنْ لَمْ يُظْلَمْ، وَإِلَّا فَلَا؛ كَمُحَارَبَتِهِ، وإنْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وحَارَبُوا، فكالمُرْتَدِّينَ. ولِلإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمصْلحَةٍ إنْ خَلَا عَنْ كَشَرْط بَقَاءِ مُسْلِمٍ (١) وَإنْ بِمَالٍ إلَّا لِخَوْفٍ وَلَا حَدَّ.
(١) وقوله: وللإِمام المهادنة لمصلحة، ويجوز للإِمام أو نائبه فقط المهادنة؛ وهي صلح الحربي على ترك قتاله مدة، ليس هو فيها تحت حكم الإِسلام، فخرج الأمان والاستئمان. ومن شرط المهادنة خلوها من شرط فاسد؛ كشرط ترك مسلم في أيديهم. قال ابن شاس: لا يحل شرط ذلك في رجال ولا نساء، فإن وقع لم يجز ردهما. قال ابن العربي: وفعله ﷺ ذلك خاص به؛ لما علم في ذلك من الحكمة وحسن العاقبة. وقال المازري: لا يهادن العدو بمال يعطى له؛ لأن ذلك عكس مصلحة أخذ الجزية منهم، إلا لضرورة التخلص من خوف استيلاء العدو على المسلمين. قال: ولو لم يكن ذلك جائزًا ما شاور رسول الله ﷺ في إعطاء المشركين يوم الأحزاب. ولا حد لمدة الهدنة عند أصحابنا، فهي حسب نظر الإِمام، غير أنه يندب أن تزيد عن مدة أربعة أشهر لقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١). وقد أعطى رسول الله ﷺ لصفوان بن أمية مهلة أربعة أشهر.
وقوله: وإن استشعر - من قوم - خيانتهم نبذهم وأنذرهم ووجب الوفاء، قال البغوي: وإذا هادن الإِمام قومًا، فليس له أن يسير إليهم قبل انقضاء المدة، فيحل بساحتهم، حتى إذا انقضت المدة أغار عليهم، وذلك بدليل قوله ﷺ : "مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود في الجهاد وإسناده صحيح وأخرجه أحمد، وهو من حديث عمرو بن عنبسة.
فإن أحسَّ منهم خيانة قبل انقضاء المدة، نبذ إليهم على سواء، أي أعلمهم أنه يريد غزوهم، وإن الصلح الذي كان قد ارتفع، فيكون الفريقان في علم ذلك على سواء. فإن نقض أهل الهدنة عهدهم جاز للإِمام أن يسير إليهم على غفلة منهم كما فعل النبي ﷺ بأهل مكة. ودليل
стр. 778
وَنُدِبَ أنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، وإنِ اسْتَشْعَرَ خِيانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأنْذَرَهُمْ. وَوَجَب الْوَفَاءُ وإنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ وَلَوْ أسْلَمُوا؛ كَمَنْ أسْلَمَ وَإنْ رَسُولًا إنْ كَانَ ذَكَرًا، وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ المُسْلِمينَ، ثُمَّ بِمَالِهِ وَرَجَعَ بِمِثْلِ المِثْلِيِّ وقيمَة غَيْرِهِ عَلَى المليء والمُعْدِمِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً، وَلَمْ يُمْكِنِ الخَلَاصُ بِدُونِهِ إلَّا مَحْرَمًا أوْ زَوْجًا، إنْ عَرَفَهُ أوْ عَتَقَ عَلَيْهِ، إلَّا أنْ يأمُرهُ بِهِ وَيَلْتَزِمَهُ.
نبذ العهد - إن استشعر منهم الخيانة - هو قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (١).
وقوله: ووجب الوفاء وإن بردّ رهائن ولو أسلموا؛ كمن أسلم وإن رسولًا إن كان ذكرًا، يريد به - والله أعلم - أن الإِمام يجب عليه الوفاء لهم بما عاهدهم عليه، وإن كان ذلك العهد برد كفار رهائن عندنا، باقين على كفرهم، بل ولو أسلموا. وهذا قول مالك وابن القاسم، خلافًا لابن حبيب، وكذا يرد إليهم من أسلم عندنا منهم ولم يكن رهنًا، ولو كان ذلك الذي أسلم رسولًا لهم أرسلوه إلينا. ومحل وجوب الوفاء برد هؤلاء، هو كونهم ذكورًا، فإن كانوا إناثًا؛ فلا ترد الإِناث المسلمات إليهم ولو شرطوا ردهن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢). الآية. وأما دليل رد رسولهم إليهم ولو أسلم، هو ما روي عن أبي رافع قال: أقبلت بكتاب من قريش إلى النبي ﷺ فلما رأيته ألقي في قلبي حب الإِسلام، فقلت: يا رسول الله، والله لا أرجع إليهم. فقال النبي ﷺ : "إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ وَلكِنْ ارْجِعْ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ". أخرجه أبو داود. قال شعيب: وإسناده صحيح.
تنبيه: ومن دخل إلينا رسولًا منهم فله الأمان حتى يؤدي الرسالة، ويرجع إلى مأمنه، بدليل قوله ﷺ لابن النواحة: "لَوَلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ". أخرجه أحمد وأبو داود. قال شعيب: وإسناده حسن. والله الموفق.
تتمَّةٌ: في بعض آداب القادم من السفر، فإن من ذلك أن المسافر إذا طال سفره، كان من آدابه أن لا يأتي أهله ليلًا؛ وذلك للحديث المتفق عليه، من حديث جابر بن عبد الله رضى الله =
стр. 779
وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الْعَدَدِ، إنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ، وَالْقَوْلُ لِلأسِيرِ فِي الفِدَاءِ أوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ. وَجَازَ بالأسْرَى المقَاتِلَةِ وَالْخَمْرِ وَالخِنْزِيرِ على الأحْسَنِ، ولا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ. وفي الْخَيْلِ وآلَةِ الحَرْبِ قَولان.
= عنهما. قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الْغَيْبَةَ عَنْ أَهْلِهِ فَلَا يَأْتِي أَهْلَهُ طُرُوقًا". وفي لفظه آخر عنه ﵁، وهو متفق عليه أيضًا، قال: أن النبيَّ ﷺ قال: "إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا، فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِكَ حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمَغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ".
قلت: وقد تقدمت إشارة المختصر إلى هذا الفرع في كتاب الصلاة؛ في صلاة المسافر، وهو قوله: وندب تعجيل الأوبة والدخول ضحى، يريد بذلك الاقتداء بسنته ﷺ ، فقد روى أنس: كان رسول الله ﷺ لا يطرق أهله. كان لا يدخل إلا غدوة أو عَشيةً. متفق عليه.
ومن آداب القادم من السفر، عمل وليمة يأكل منها من حضر، اقتداء بفعل رسول الله ﷺ ؛ عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة. وقال معاذ عن شعبة: فلما قدم صرارًا أمر ببقرة، فذبحت، فأكلوا منها، رواه البخاري. قال شعيب: وصرار موضع بظاهر المدينة على ثلاث أميال منها إلى جهة المشرق.
وكان ﷺ إذا قدم من سفر ضحى، دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس. متفق عليه من حديث كعب.
ومن آداب المسافر إذا همّ بالخروج في بعض شأنه، أن يخرج يوم الخميس؛ لما ثبت في صحيح البخاري أنه ﷺ كان يحب أن يخرج يوم الخميس. رواه عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه.
ويكره للمسافر السير أول الليل؛ لما رواه جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تُرْسِلُوا مَواشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْعَثُ جُنودَهُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ". رواه مسلم. وفي الحديث: "عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ فَإِنَّ الْأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ". رواه أبو داود، وسنده مقال، لكن صححه الحاكم، وأقره الذهبي. =
стр. 780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ويستحب البكور في السفر؛ لما روى البغوي بسنده عن صخر الغامدي عن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأمَّتِي فِي بُكُورِهَا". قال البغوي: وزاد بعضهم في الحديث عن هشيم: وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم في أول النهار. وهذا الحديث أخرجه الدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، كلهم عن يعلى بن عطاء، عن عمارة بن حديد، عن صخر الغامدي. وعمارة بن حديد متكلم فيه.
ويكره للمسافر أن يسافر وحده؛ لما روي عن ابن عمر يبلغ به النبي ﷺ قال: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ". أخرجه البخاري، وفي الموطإ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ". هذا، وفي الباب زيادة لمن أراد الوقوف عليها بالمطولات. والله الموفق.
стр. 781
باب المسابقة (١)
الْمُسَابَقَةُ بِجُعْلٍ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَبَيْنَهُمَا والسَّهْمِ (٢)، إِنْ صَحَّ بَيْعُهُ. وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ والْغَايَةُ، والْمَرْكَبُ، والرَّامِي، وعَدَدُ الإِصابَةِ، وَنَوْعُهَا مِنْ خَزْقٍ أوْ غَيْرِهِ. وأخْرَجَهُ مُتَبَرِّعٌ أوْ أحَدُهُمَا، فإنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أخَذَهُ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَلِمَنْ حَضَرَ، لَا إنْ أخْرَجَا لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ، ولو بِمُحَلِّلٍ يُمْكِنُ سَبْقُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّهْمِ وَالْوَتَرِ، وَلَهُ مَا شَاءَ، وَلا مَعْرِفَةُ الجَرْيِ والرَّاكِبِ.
(١) يقال السبْقُ - بسكون الباء - والسبَقُ - بفتح المهملة والموحدة - فالذي بسكون الباء هو المصدر، والذي بفتحها هو الذي يوضع لذلك. قال ابن قدامة: السبق بسكون الباء المسابقة، والسبقُ بفتحها الجعل المخرج في المسابقة.
(٢) وقوله: المسابقة بجعل في الخيل والإِبل وبينهما والسهم، نقل المواق، قال أبو عمر: جواز المسابقة مما خص من باب القمار، ومن باب تعذيب البهائم للحاجة إلى تأديبها وتدريبها. والمسابقة جائزة باتفاق على الرهان وعلى غير رهان. وهي على ثلاثة أوجه: وجه جائز اتفاقًا؛ وهو أن يُخرج أحد المتسابقين جعلًا، لا يرجع إليه بحال، ولا يخرج من سواه شيئًا، فإن سبق غير من أخرج الجعل كان الجعل للسابق، وإن سبق من أخرج الجعل كان الجعل طعمة لمن حضر، وإن كانوا جماعة كان الجعل لمن جاء سابقًا بعده منهم. ومثل هذا الوجه في الجواز إخراج الإِمام الجعل، فيجعله لمن سبق من المتسابقين، فهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم.
ووجه لا يجوز باتفاق؛ وهو أن يخرج كل واحد من المتسابقين جعلًا على أنه من سبق أحرز جعله وأخذ جعل صاحبه. فهذا لا يجوز باتفاق؛ لأنه من الغرر والقمار والميسر.
ووجه اختلف فيه أصحابنا؛ وهو أن يخرج كل منهما شيئًا، مثل ما يخرجه صاحبه، ويدخلان بينهما محللًا لم يخرج شيئًا، وتكافئ فرسه فرسيهما، على أن من سبق من الثلاثة أخذ الجميع. فهذا لا يراه مالك، وقد أجازه الجمهور لما روي عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، فَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ =
стр. 782
ولم يُحمَل صَبِيٌّ ولَا اسْتِوَاءُ الجُعْلِ أوْ مَوْضِعُ الإِصَابَةِ أوْ تَسَاوِيهِمَا وَإِنْ عَرَضَ لِلْسَّهْمِ عَارِضٌ أو انْكَسَرَ، أو للْفَرَسِ ضَرْبُ وَجْهٍ، أَوْ نَزْعُ سَوْطٍ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا، بِخِلَافِ تَضيِيعِ السَّوْطِ أوْ حَرَنِ الفَرَسِ، وجَازَ فيما عَدَاهُ مَجَّانًا، والافْتِخَارُ عِنْدَ الرَّمْيِ، وَالرَّجَزُ والتَّسْمِيَةُ والصّياحُ، والأحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى، لَا حَدِيثُ الرَّامِي، وَلَزِمَ الْعَقْدُ كالإِجَارَةِ.
= يَسْبِقَ فَلَا بَأْسَ بِهِ". وفي بعض الروايات: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرسَيْنِ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أمِنَ أنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ".
قال القرافي: المسابقة مستثناة من ثلاث قواعد: من القمار، وتعذيب الحيوان لغير أكله، ومن حصول العوض والمعوض لشخص واحد.
(٢) وقوله: في الخيل والإِبل والسهم، قال الحطاب: لما كانت هذه الأشياء مما يستعان بها على الجهاد في سبيل الله، الذي هو الطريق إلى إظهار دين الله ونصرته، جاز لما فيه من منفعة الدين، وما يؤدي إلى عبادة، أو يستعان به في عبادة، فهو عبادة. وقد أثنى رسول الله ﷺ على المتصفين من الرجال بأوصاف الكمال، إذْ بالناس حاجة إليه، فقال: "مَنْ رَكِبَ وَعَامَ وَخَطَّ وَخَاطَ وَرَمَى بالسِّهَامِ فَذلِكَ نِعْمَ الْغُلَامُ". وقال ﷺ : "كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُوهُ الْمُؤْمِنُ فَهُو بَاطِلٌ إِلَّا لَهْوَهُ بِفَرَسِهِ أَوْ قَوْسِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ". ا. هـ. من الحطاب. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَو خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ". قال البغوي: هذا حديث صحيح. وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي قد أضمرت، من الحيفاء إلى ثنية الوداع، وكان أمدها ثنية الوداع. وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق. وكان عبد الله فيمن سابق بها. متفق عليه.
وعن أنس بن مالك قال: كانت العضباء لا تُسبقُ، فجاء أعرابي على قَعُودٍ فسابقها فسبقها، فاشْتَدَّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِع مِنَ الدُّنْيا شَيْءٌ إِلَّا وَضَعَهُ". أخرجه البغوي في صحيحه. =
стр. 783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأما الرمي، ففي صحيح مسلم، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقرأ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (١). الآية. "أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ". أخرجه في بلوغ المرام وقال: رواه مسلم. وقد أفاد هذا الحديث تفسير القوة في الآية بالرمي بالسهام؛ لأن ذلك هو الرمي المعتاد في عصر النبوة.
قلت: وإذا كان العلة في استحباب الرمي بالسهم إعداد القوة للجهاد في سبيل الله، فإنه - بتحقيق المناط - يشمل الرمي بالبنادق للتدريب على الجهاد، وإعداد النفس لذلك. فيؤخذ من الحديث شرعية التدريب على الرمي بالبنادق الخفيفة والرشاشة، بل وعلى الإِصابة في المدافع الثقيلة، وعلى استعمال الدبابات الثقيلة، وعلى الطائرات المقاتلة الاعتراضية والهجومية، وعلى استعمال وسائل الدفاع الجوية، والتدريب على إصابة الأهداف بالقذائف، سواء كانت أرض - جو، أو كانت أرض - أرض أو كانت جو - جو. لكنه مع الأسف قل من يتدرب على ذلك اليوم ممن يلاحظ التعبد به. والله المستعان. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وروى الدارقطني بسنده في صفة المسابقة حديثًا عن علي ﵁، أن النبي ﷺ قال لعلي: "يَا عَلِيُّ قَدْ جَعَلْتُ إِلَيْكَ هذِهِ السَّبْقَةَ بَيْنَ النَّاسِ". فخرج علي ﵁، فدعا سراقة بن مالك، فقال: يا سراقة، إني قد جعلت إليك ما جعل النبي ﷺ في عنقي من هذه السبقة في عنقك، فإذا أتيت الميطان، فصُفَّ الخيل ثم نادِ ثلاثًا: هل من مصلح للجام؟. أو حامل لغلام؟. أو طارح لجل؟. فإذا لم يجبك أحد فكبر ثلاثًا، ثم خلها عند الثالثة، يسعد الله بسبقه ما شاء من خلقه. فكان علي يقعد عند منتهى الغاية، ويخط خطًا يقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط، طرفه بين إبهامي أرجلهما، وتمر الخيل بين الرجلين، ويقول لهما: إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه يطرف أذنيه، أو أذن أو عذار، فاجعلوا السبقة له، فإن شككتما فاجعلا سبقهما نصفين، فإذا قرنتم ثنتين فاجعلوا الغاية من أصغر الثنتين. ولا جلَبَ ولا جنب، ولا شغار في الإِسلام. قال ابن قدامة: وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث، في ابتداء الإِرسال وانتهاء الغاية، من أحسن ما قيل في هذا. وهو مروي عن أمير المؤمنين علي ﵁ في قضية أمره =
стр. 784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بها رسول الله ﷺ وفوضها إليه، فينبغي أن يتبع ويعمل بها.
فائدة: وهذه أسماء خيل الحلبة: الأول هو المُجَلِّي - والثاني: المُصَلِّي. والثالث: التَّالي. والرابع: النَّازِعُ. والخامس: المُرْتاحُ. والسادس: الحَظِيُّ. والسابع: الْعَاطِفُ. والثامن: المؤمِّلُ. والتاسع: اللِّطِيمُ. والعاشر: السُّكَيْتُ، والأخير: الْفِشْكِلُ.
لطيفة: يحكى أن أسماء بنت عميس لما تزوجها عليٌّ ﵁ ومعلوم أنها كانت قبله تحت أبي بكر ﵁، فولدت منه محمد بن أبي بكر. وكانت قبل ذلك تحت جعفر بن أبي طالب، فولدت منه محمدًا وعبد الله وعونًا، فلما تزوجها علي رضي الله عن الجميع - قالت له: إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار. فقال علي لابنيها: إن أمَّكم فَشْكَلَتْنِي. يريد: جعلتني آخر خيل الحلبة. وقد احتج بهذه الحكاية من يقول: أن هذه الأوصاف ليست خاصة بخيل الحلبة. ومعلوم أن أسماء بنت عميس ولدت لعلي يحيى بن علي رضي الله عن الجميع.
تنبيه: قال ابن قدامة في المغني: يشترط لصحة المسابقة في الرمي شروط: منها أن يكون عدد الرِّشْق معلومًا - يريد عدد الرمي - لأنه لو كان ذلك مجهولًا لأفضى إلى الخلاف. ومنها أن يكون عدد الإِصابة معلومًا؛ بأن يتفق الجميع بأن من أصاب خمس مرات من عشرين مثلًا. ومنها: أن يتفق المتسابقان أو المتسابقون، على أن أي واحد فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين مثلًا من عشرين طلقة فقد سبق.
والرابعة: في وصف الإِصابة؛ كأن يتفقا على أن تكون الإِصابة قرطسة، وأن الحوابي لا تعد إصابة. يقال قرطس: إذا أصاب الهدف مباشرة. ويقال حوابي: إذا وقع بين يدي الهدف، ثم وثب إليه.
والخامس: في وصف الهدف والاتفاق على حجمه ونوعه، ويسمى هدفًا، وغرضًا، ويسمى أيضًا شَارة.
والسادس: معرفة البعث والاتفاق على قدره، ومهما اتفقا عليه جاز.
والسابع: تعيين المشاركين في المسابقة من الرماة، فلا يصح مع الإِبهام، لأن الغرض معرفة حذف الرامي بعينه. =
стр. 785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الثامن: أن تكون المسابقة معقودة على الإِصابة، لا على بعد الرمية، لأن الغرض من الرمي إما قتل العدو أو جرحه، أو الصيد أو نحو ذلك.
قال: والمناضلة على ثلاثة أضرب:
الأول يُسمى المبادرة، وهو أن يقولا: من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية مثلًا هو السابق، فأيهما سبق إليها هو السابق. وإن أصاب كل منهما خمسًا من عشرة فقد سبق كل منهما ولا حاجة إلى إتمام الرشق.
الثاني: أن يقولا: أينا فضل صاحبه بإصابة أو إصابتين أو ثلاث من عشرين رمية فقد سبق. ويسمى هذا الضرب منها المفاضلة.
والضرب الثالث أن يقولا: أينا أصاب خمسًا من عشرين، فهو السابق. فمتى أصاب أحدهما خمسًا من العشرين، ولم يصبها الآخر، فالأول السابق. وهذه هي المحاطة، ويلزم فيها إتمام الرشق ما دام في إتمامه فائدة. فهذه نبذة مختصرة من أحكام المناضلة، وهي المسابقة في الرمي. ومن أراد الوقوف على أكثر من ذلك فليرجع إلى مغني ابن قدامة. والله الموفق.
* * * * *
هنا انتهى الجزء الثاني من مواهب الجليل من أدلة خليل، ويليه بإذن الله تعالى الجزء الثالث أوله كتاب النكاح: باب خُصّ النبي ﷺ بوجوب الضحى ألخ. . والله حسبنا ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه.
стр. 786
مَواهب الجَليل
من أدلة خليل
تأليف
الشيخ أحمد بن أحمد المختار الجكيني الشنقيطي
الجزء الثالث
عني بمراجعته خادم العلم
عَبد الله إبَراهيم الأنصَاري
من مطبوعات
إِدارة إِحياء التراث الإِسلامي بدولة قطر
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م
стр. 787
رقم الإِيداع بدار الكتب القطرية
٤٤٣ لسنة ١٩٨٦
стр. 788
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ النِّكاحِ (١)
بَابٌ
خُصَّ النَّبيُّ ﷺ بِوُجُوبِ الضُّحَى (٢) والْأضْحَى والتَّهَجُّدِ والْوِترِ بَحَضَرٍ، والسِّوَاكِ (٣) وتَخْييرِ نِسَائِهِ فِيهِ (٤)، وطَلَاقِ مَرْغُوبَتِهِ (٥).
(١) قوله: كتاب النكاح، قال الحطاب: طريقة المتأخرين من المالكية أنهم يجعلون النكاح وتوابعه في الربع الثاني والبيع وتوابعه في الربع الثالث. وقد ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى كتاب النكاح بالخصائص، تبعًا لابن شاس، وهو تبع في ذلك الشافعية. قالوا: ذلك أنه ﷺ خص في باب النكاح بخصائص متعددة، لم يجتمع مثلها في باب من أبواب الفقه، وفائدة ذكر هذه الخصائص التنبيه على ذكرها وخصوصها لئلا يعتقد فيما يخصه ﷺ أنه مشروع لنا، مع ما في ذلك من التنويه بعظيم فضله وشريف قدره، قال: واعتمد ابن شاس في عد هذه الخصائص كلام القاضي أبي بكر بن العربي في أحكام القرآن، وعليه اعتمد القرطبي في تفسيره وزاد عليه بعض زيادة، قال: والذي خص به ﷺ خمسة أنواع:
الأول: ما وجب عليه ﷺ دون غيره، تشريفًا له وتكثيرًا لثوابه. قال بعض أهل العلم: أن ثواب الواجب يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة.
الثاني: ما وجب له ﷺ على غيره.
الثالث: ما حرم عليه ﷺ دون غيره تشريفًا له أيضًا.
الرابع: ما حرم على غيره لأجله ﷺ .
الخامس: ما أبيح له ﷺ دون غيره من الناس.
قال: وهذه الخصائص منها ما ورد في القرآن، ومنها ما ورد في السنة، ومنها ما هو مختلف فيه، ومنها ما هو متفق عليه.
стр. 789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٢) قوله: خص النبي ﷺ بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر، أما دليل وجوب الثلاثة دون التهجد، فهو حديث رواه البيهقي وهو قوله ﷺ : "ثَلَاثٌ عَليَّ فَرْضٌ وَعَلَيْكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ، وَاْلوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الضُّحَى". وفي بعض الروايات: "كُتِبَ عَلَيَّ الأُضْحِيَةُ وَصَلاةُ الضُّحَى وَالْوِتْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ". ودليل وجوب التهجد قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). الآية، وقوله: بحضر؛ يحتمل رجوعه للوتر والتهجد معًا، ويستأنس لذلك بأنهم استدلوا على عدم وجوب الوتر والتهجد عليه في السفر ﷺ بكونه كان - بأبي هو وأمي - يوتر على راحلته ويتهجد عليها. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته.
(٣) وقوله: والسواك: قال ابن العربي: وجب عليه ﷺ السواك، فقال ﷺ : "أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأمَرتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". قال الحطاب: لم يبين المصنف ولا غيره من المالكية - فيما علمت - ما هو الذي كان فرضًا عليه ﷺ من السواك، ورأيت للشافعية أنه كان فرضًا عليه لكل صلاة. والله تعالى أعلم. اهـ. منه.
(٤) وقوله: وتخيير نسائه، قال ابن العربي: خص ﷺ بالتخيير لنسائه؛ فلا تصحبه امرأة تكره البقاء معه، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
قالوا في سبب نزولها أن أزواج النبي ﷺ تغايرن حتى غمه ذلك، وقيل طلبن منه الملابس ونفقات كثيرة، وكن يومئذ تسع نسوة؛ خمس منهن من قريش هن: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وأم مسلمة هند بنت أبي أمية، وأربع من غير قريش هن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي من بني إسرائيل، =
стр. 790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، فنزلت الآية فاستدعاهن، فبدأ بعائشة فاختارت البقاء في عصمته، ثم تبعنها على ذلك، فلم يقع طلاق. وفي الحديث عن عائشة: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، ولم يعد ذلك طلاقًا. اهـ.
(٥) وقوله: وطلاق مرغوبته، قال جواهر الإِكليل: طلاقنا الزوجة التي رغب في نكاحها نبينا ﷺ لوقع ذلك، لكنه لم يقع منه ﷺ أنه رغب نكاح زوجة أحد من أصحابه. وأما تزويجه ﷺ زوجة غيره، بعد أن قضى منها وطرًا وطلقها، فقد وقع ذلك بأمر الله تعالى في زينب بنت جحش ﵂ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ (١) الآية، وإنما أبدى رغبته لزيد في بقائها معه زوجة له، خوفًا من قول المنافقين: تزوج زوجة ابنه وقد منع الناس من ذلك؛ وذلك لتبنيه زيدًا. وكان الذي أخفاه رسول الله ﷺ فعوتب عليه بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٢). هو أن الله أوحى إليه بأن يتزوجها إذا طلقها زيد، فأخفى رسول الله ﷺ ذلك خشية تطرق ألسن المنافقين إليه بأنه تزوج زوجة ابنه، فكان لهذا الموجب يقول له، كلما استشاره في طلاقها: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، وذلك خشية وجوب تزويجها عليه إذا طلقها زيد فنزل عليه العتاب بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. فالذي أخفى رسول الله ﷺ في نفسه؛ هو أن الله كان أوحى إليه أن يتزوج زينب بعد طلاق زيد لها، ليظهر بذلك بطلان ما كان في الجاهلية، من حرمة تزوج زوجة من تبناه الواحد منهم. قالت عائشة: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه.
стр. 791
وَإِجَابَةِ الْمُصَلِّي (١)، والمُشَاوَرَةِ (٢)، وقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ (٣)، وإِثْباتِ عَمَلِهِ (٤)، ومُصابَرَةِ الْعَدُوِّ الكَثيرِ (٥)، وتَغْييرِ الْمُنْكَرِ (٦)، وحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ (٧)، وَأكْلِهِ كَثُومٍ، أَوْ مُتَّكِئًا (٨)، وَإِمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَتَبَدُّلِ أزْوَاجِهِ (٩)، وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ (١٠) والأَمَةِ، وَمَدْخُولِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ (١١)، ونَزْعِ لَأمَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ (١٢).
(١) وقوله: وإجابة المصلي، ومن خصائصه أنه يجب على من دعاه رسول الله ﷺ وهو في الصلاة أن يجيبه بقوله: لبيك. عمدًا، ولا تبطل صلاته. ودليله حديث أُبي عند مسلم والموطإ وفيه: لما دعا أبيًا في الصلاة ولم يجبه، فقال له ﵇ "أَلَمْ يَقُلِ الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " (١). قال الحطاب: ومثله في البخاري عن أبي سعيد رافع بن المعلى، قال ابن العربي: قال الشافعي: في حديث أُبي دليل على أن الفعل الفرض والقول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا يبطلها؛ لأمره ﷺ بالإِجابة وإن كان في صلاة، قال: وقال القرطبي: وفيه دليل للأوزاعي في قوله: إن المصلي لو أبصر غلامًا يريد أن يسقط في بئر، فصاح به وانتهره، وانصرف إليه لم يكن بذلك بأس.
تنبيه: ذكر النووي - بنقل الحطاب - إن من خصائصه ﷺ أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ولا يخاطب غيره من الناس. اهـ.
(٢) وقوله: والمشاورة، أي ووجب عليه مشاورة ذوي الأحلام تطييبًا لنفوسهم، ورفعًا لأقدارهم، وتألفًا لهم على دينهم، وإن كان الله أغناه عن رأيهم، وليقتدى به في ذلك.
قال الحطاب: ووجه خصوصيته ﷺ بوجوب المشاورة - والله أعلم - أنه وجب عليه ذلك مع كمال علمه ومعرفته، وإلا فقد قال القرطبي. قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحروب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والعمال والوزراء، فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. اهـ.
(٣) وقوله: وقضاء دين الميت المعسر، لقوله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ". قال ابن =
стр. 792
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حجر في شرح هذا الحديث. قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين. اهـ.
ووجه خصوصيته بوجوب قضاء دين المعسر، إذا كان يقضيه من خالص ماله مما أفاء الله به عليه، أما إذا كان يقضيه من مال مصالح المسلمين، فالظاهر أنه لا خصوصية حينئذ. فقد نقل الحطاب عن أبي عمر بن عبد البر في التمهيد قال: والأحاديث الواردة في الحبس عن الحبة بالدين منسوخة، بما جعله الله من قضاء الدين على السلطان، وكان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات. اهـ.
(٤) وقوله: وإثبات عمله، يعني به المداومة عليه؛ أي إذا عمل عملًا أثبته، أي داوم عليه. أي وخص بوجوب إثبات عمله، أي عدم تركه بالكلية لدلالة ذلك على نسخه. وليس المراد أنه يفعله في كل وقت، فلا ينافي ذلك ما ورد من أنه ﷺ كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، وكذا في الصوم؛ فيصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. ا. هـ.
(٥) وقوله: ومصابرة العدو الكثير، قال ابن العربي: كلف رسول الله ﷺ وحده من الجهاد ما كلف الناس أجمعون لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) الآية. وما حمل من تبليغ الرسالة. ولقوله تعالى. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). الآية. ا. هـ.
(٦) وقوله: وتغيير المنكر، ووجه الخصوصية فيه أنه كان عليه ﷺ فرض عين، ولا يشترط فيه بالنسبة إليه ما يشترط في حق غيره؛ من أمنه على نفسه وظنه تأثير ذلك، وهو في حق غيره من فروض الكفاية. قال القرطبي: كان يجب عليه ﷺ إذا رأى منكرًا أن ينكره ويظهر إنكاره؛ لأن إقراره على ذلك يدل على جوازه. ا. هـ. =
стр. 793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٧) وقوله: وحرمة الصدقتين عليه وعلى آله، قال الحطاب: لا خلاف في حرمة الصدقة المفروضة عليه ﷺ وعلى بني هاشم، الذين هم آله على المشهور، وعلى مواليهم، كما صرح به القرطبي في سورة براءة.
قلت: وقد تقدم ما فيه كفاية من أدلة ذلك في هذا الكتاب المبارك في الكلام على قول المصنف: عدم بنوة لهاشم في باب الزكاة.
وأما صدقة التطوع، فإن المصنف هنا تبع في حكمها مذهب مطرف وابن الماجشون وابن نافع من أنها تحرم عليه وعلى آله ﷺ وشهره ابن عبد السلام، ومذهب ابن القاسم، وابن عبد البر، أنها لا تحرم عليهم. قال الحطاب: وهو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الصحيح عندنا. وصرح القرطبي أيضًا في سورة براءة أنه هو الصحيح. وبالله تعالى التوفيق.
(٨) وقوله: وأكله كثوم أو متكئًا، يعني وغير الثوم من الأطعمة الكريهة الرائحة؛ كالبصل والكرات والفجل، وهذا النيء فيها، وأما ما طبخ من ذلك، فقد صح أنه ﷺ أكل طعامًا طبخ ببصل ذكره الزركشي من الشافعية. اهـ بنقل الحطاب. وقوله: أو متكئًا، فلحديث البخاري: "أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا". قال عياض: الاتكاء هو التمكن من الأرض، والتقعدد في الجلوس؛ كالتربع وشبهه. فإن الجلوس على هذه الهيئة يستدعي الاستكثار. وفي الحديث قال ﷺ : "إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ". قال عياض: وليس معنى الاتكاء في الحديث، الميل على شق عند المحققين قال: واعترضه الفاكهاني فقال: والتحقيق أنه الميل على الشق لأنه الذي يسبق إلى الذهن من لفظ الاتكاء، ولأنه غير الجلوس، وقد قال الراوي في الحديث: وقد كان متكئًا فجلس. فيلزم على ما قال عياض أن يكون معنى الكلام: وكان جالسًا فجلس. قال الحطاب: وبما فسره به عياض فسره الخطابي قبله، وأقره عيه البيهقي في سننه. ا. هـ.
(٩) وقوله: وتبدل أزواجه، لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. الآية. قال ابن عباس: إنه لا يحل لك أن تطلق امرأة من أزواجك =
стр. 794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وتنكح غيرها. قال الحطاب: وحرم تبدل أزواجه، والتزويج عليهن، مكافأة لهن على حسن صنيعهن لما خيرهن فاخترنه. والله تعالى أعلم. ا. هـ. منه.
وقوله: وإمساك كارهته، أي وخص بحرمة إمساك الغيْرى، التي تكره البقاء معه لما ابتلاها الله به من الغيرة الجبليّة، التي لا قدرة لها على تركها لا لذاته ﷺ . وذلك لحديث القائلة: أعوذ بالله منك. فقال ﷺ : "لَقَدِ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ". رواه البخاري.
(١٠) وقوله: ونِكَاحِ الكتابِيَّةِ والأمة، قال الحطاب: وكذا وطؤها بملك اليمين. على ما اختاره ابن العربي: وقال الشارح: إن التسري بها حلال على الأصح.
قلت: قصته ﷺ مع ريحانة شاهد لما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي. والله الموفق.
(١١) وقوله: ومدخولته لغيره، أي وخص ﷺ بحرمة زوجته - التي دخل بها ومات عنها - على غيره إجماعًا، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (١) الآية. وأما مطلقته قبل البناء بها فإنها تجوز لغيره ﷺ على الصحيح من الخلاف، لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله ﷺ تزوجها عكرمة بن أبي جهل، وقيل: الأشعث بن قيس الكندي، وقيل: مهاجر بن أبي أمية، ولم ينكر ذلك أحد. فدل على أنه إجماع. اهـ، القرطبي.
(١٢) وقوله: ونزع لأمته حتى يقاتل، صوابه أن يقول: حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. يعني أن من خصائصه ﷺ أنه إن لبس آلة حربه، حرم عليه نزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، قالوا: والصواب أن يقول: ونزع لأمته حتى يقاتل، أو يحكم الله بينه وبين محاربه. ا. هـ. =
стр. 795
وَالْمَنَّ لِيَسْتَكْثِرَ (١)، وخَائِنَةِ الْأعْيُنِ (٢)، والْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ (٣)، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ (٤)، ونِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الحُجْرَةِ (٥)، وَبِاسْمِهِ (٦)، وإبَاحَةِ الْوصَالِ (٧)، وَدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ، وبِقِتَالٍ (٨)، وَصَفِيِّ المَغْنَمِ، والخُمُسِ (٩)، ويُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ، ومَنْ شَاءَ، وبِلَفْظِ الْهِبَةِ (١٠)، وزَائِدٍ عَلى أرْبَعٍ، وبِلَا مَهْرٍ وَوَلِيٍّ وشُهُودٍ، وبِإِحْرامٍ وبِلَا قَسْمٍ، وَيَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحْمِي له، ولا يُوَرثُ (١١).
(١) وقوله: والمن ليستكثر، هو لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (١) الآية. قال الحطاب، وفي معناه ستة أقوال. قيل: لا تعط عطية تطلب أكثر منها. وقيل: لا تعط الأغنياء فتصيب منهم أضعافها. وقيل: لا تعط عطية تنظر ثوابها. وقيل: لا تمنن بعملك على ربك. وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة تأخذ أجرًا منهم عليها. وقيل: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه. والله أعلم. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وخائنة الأعين، أي وخص بحرم إظهار خلاف ما في ضميره. قال الحطاب: أو ينخدع عما يجب. قال النووي: هي الإِيماء إلى المباح؛ من قتل أو ضرب، على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال. ودليل حرمتها عليه قوله ﷺ : "مَا كَانَ لِنَبيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأعْيُنِ". صححه الحاكم على شرط مسلم. قالوا: وأبيح له ﷺ إذا أراد سفرًا أن يوري بغيره. والله الموفق.
(٣) وقوله: والحكم بينه وبين محاربه، أي حرم على غيره أن يحكم بينه وبين من يخاصمه؛ لأن ذلك فيه افتئات على الله ورسوله. والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) الآية. قال مجاهد في تفسير الآية: لا تفتاتوا على رسول الله حتى يقضي الله على لسان رسوله. ذكره البخاري. اهـ. من ابن العربي بنقل الحطاب.
(٤)(٥) وقوله: ورفع الصوت عليه وندائه من وراء الحجرة، وباسمه، يعني إن من خصائصه ﷺ أنه لا يجوز لأحد أن يرفع صوته عليه، ولا أن يناديه من وراء الحجرات، ولا أن يناديه باسمه فيقول: يا محمد. بل يقول: يا نبي الله. يا رسول الله. قالوا: وحرمته ميتًا كحرمته حيًا، وكلامه =
стр. 796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المأثور بعد موته كالمسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته ولا يعرض عنه، وإلى ذلك الإِشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (١) الآية. فإن كلامه من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا في معان مستثناة. اهـ. نقل الحطاب لكلام الأقفهسي. قال: ومثله لابن العربي والقرطبي. ودليل هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٣).
(٦) وأما قوله: وباسمه، فإن دليل ذلك استقراء القرآن، فإنه لم يناد ﷺ في القرآن باسمه، بخلاف غيره من الأنبياء؛ فما نودي إلا بِـ: يَا أَيُّها النَّبِيُّ، يَا أَيُّها الرَّسُولُ، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.
قالت عمتي أم الخيرات بنت أحمد في نظمها لخصائص النبي ﷺ :
وإنه في الذكر لم يُخاطَبِ … إلا بِيا أيُّها الرسولُ، والنبي
أو المدثر، أو المزمل … صلى عليه الله ما النور تُلِي
تنبيه: يكره لقارئ حديث رسول الله ﷺ القيام لأحد؛ فقد نقل ابن الصلاح في النوع السابع والعشرين من علوم الحديث: روينا أو بلغنا عن محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه أنه قال: القارئ لحديث رسول الله ﷺ إذا قام لأحد فإنه يكتب عليه خطيئة. اهـ. بنقل الحطاب.
(٧) وقوله: وإباحة الوصال، قال الإِبّي: قال النووي: الوصال صوم يومين فأكثر دون فصل بينهما. وقال عياض: كرهه مالك والجمهور لعموم النهي، وأجازه جماعة قالوا: النهي رحمة وتخفيف، فمن قدر فلا حرج. واختار اللخمي جوازه إلى السحر لحديث: "مَنْ وَاصَلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ". قال الخطابي: هو من خصائصه ﷺ وحرام على أمته، قال الإِبي: قال النووي: الأصح عندنا أن النهي للتحريم. انتهى بنقل الحطاب بتصرف. =
стр. 797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٨) ودخول مكة بلا إحرام وبقتال، قال ابن العربي: أباح الله تعالى له ﷺ القتال في الحرم؛ فقد قتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. وفي الحديث: "فَقُولُوا إنَّ اللهَ أَحَلَّهَا لِنَبِيِّهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكُمْ". وفي حديث آخر: "إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ".
قلت: وأما دخول مكة بلا إحرام فلا أرى أنها تخص به ﷺ لأن الدليل إلى جانب من يشترط الإِحرام لمريد الحج أو العمرة، وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الحج.
(٩) وقوله: وصفيّ المغنم والخمس، قال ابن العربي: من خواصه ﵇ صفي المغنم، والاستبداد بخمس الخمس، أو الخمس. وقال المواق: نقل ابن عطية في تفسيره: خص النبي ﷺ من الغنيمة بخمس الخمس، وكان له صفي يأخذه قبل قسمة الغنيمة؛ دابة أو سيف. اهـ. وقد نقلت عن ابن العربي بواسطة نقل الحطاب. والله الموفق.
(١٠) وقوله: ويزوج من نفسه، ومن شاء، وبلفظ الهبة، قال ابن العربي: ومما خص به ﷺ نكاح الموهوبة، ونكاح بتزويج الله إياه، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (١). الآية، وأنه يزوج المرأة من شاء بغير إذنها ولا إذن وليها. قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣).
وقوله: وزائد على أربع، وقد تقدم أنه توفي عن تسع نسوة، تقدمت تسميتهن ﵅. قيل: والحكمة في تعدد زوجاته هي حاجة الأمة إلى معرفة أحكام النساء، التي تختص بهن؛ كأحكام الحيض والنفاس والاستحاضة ونحو ذلك.
(١١) وقوله: وبلا قسم، أي ومن خصائصه أنه جعل أمر القسْم بين نسائه إليه، إن شاء قسم وإن شاء ترك، وذلك لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (٤)، قال القاضي أبو بكر بن العربي: لكنه كان يقسم من قبل نفسه، دون أن يفرض ذلك عليه، تطييبًا لنفوسهن، وصونًا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. اهـ بنقل القرطبي في تفسيره. =
стр. 798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: ويحكم لنفسه، أي لعصمته من الجوْر.
وقوله: ويحمي له - أي لنفسه - يحمي الموات ولا ينقض حماه، وقد ثبت أنه حمى النقيع - بالنون - وقال: "لَا حِمَى إلَّا لِلّهِ وَرَسُولِهِ". قال الحطاب: ولعل القائل بالاختصاص حمله على ظاهره، وهو خلاف ما فسر به الباجي إذ قال: يريد أنه ليس لأحد أن ينفرد عن المسلمين بمنفعة تخصه، وإنما الحمى لحق الله ولرسوله، أو من يقوم مقامه من خليفة؛ وذلك إنما هو في سبيل الله، والنظر في دين نبيه. ذكره في جامع الموطإ عند قول عمر ﵁: والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل في سبيل الله ما حميت عليهم في بلادهم شبرًا. ا. هـ. الحطاب.
وقوله: ولا يورث، ومن خصائصه دون أمته أنه لا يورث، وليس خاصًا بذلك دون الأنبياء. ولفظ الحديث: "إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرِّثُ. مَا تَرْكَنَاهُ صَدَقَةٌ". أو كما قال ﷺ . قالوا: والحكمة في عدم إرث الأنبياء؛ هي خشية أن يتمنى الوارث موتهم فيكفر؛ لأن من تمنى موت النبي ﷺ كفر. ا. هـ حطاب.
تنبيه: ومن خصائصه أنه يحكم وهو غضبان، بخلاف غيره، ودليل ذلك حديث البخاري أنه حكم للزبير على الأنصاري الذي أحفظه إذْ قال: أن كان ابن عمتك. وفي صحيح مسلم، عن سفيان أن نومه ﷺ لا يوجب وضوءًا. ومن خصائصه أنه يباح له أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١). ومن خصائصه أنه يجب على كل مسلم أن يقيه بنفسه. إلى غير ذلك من المعجزات الباهرات التي تخصه ﷺ .
стр. 799
فَصْلٌ
نُدِبَ (١) لِمُحْتَاجٍ ذِي أهْبَةٍ نِكَاحُ بكْرٍ، ونَظَرُ وَجْهِهَا وكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ (٢). وَحَلَّ لَهُمَا حَتَّى نَظَرُ الفَرْجِ كَالْمِلْكِ، وتَمَتُّعٌ بِغَيْرِ دُبُرٍ (٣).
(١) قوله: ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر، قال ابن حجر: النكاح: الضم والتداخل. قال الحطاب: ويطلق في الشرع على العقد والوطء، وأكثر استعماله في العقد. والصحيح أنه لا يطلق على الصداق. وقيل: ورد في معنى الصداق في قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (١) الآية. ولم يرد لفظ النكاح في القرآن غير هذه إلا ويراد به العقد، إلا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢). الآية. فإنها واردة في النكاح بدليل قوله ﷺ : "لا، حَتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". الحديث المتفق عليه. قيل: وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ (٣) الآية. المراد به الوطء أيضًا. فإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح عقد على مجرد المتعة بالتلذذ بالآدمية، بشروط سوف تعرفها فيما بعد.
وقوله: لمحتاج، هو الذي تتوق نفسه إليه، وإن عدم آلته كالخصي.
وقوله: ذي أهبة، الأهبة: العدة والمئونة. المراد بها هنا مؤن النكاح؛ من صداق وغيره. وذلك هو المراد من قوله ﷺ المتفق عليه: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلطَّرْفِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". فقوله: الباءة؛ يريد المال الموصل إلى الوطء؛ ولا يريد به الوطء؛ بدليل قوله: "فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ". واعلم أن وصف حكم النكاح بالندب - كما فعل المصنف - فيه تسامح منه ﵀، فالنكاح تعتريه الأحكام الخمسة: يجب النكاح على من يخاف على نفسه العنت، ولم يمكنه التسري، ويستحب في حق المحتاج ذي الأهبة؛ الذي لا يخشى العنت، أو كان لا أرب له في النساء، ويصح منه النسل، ومباح لمن كان لا أرب له في النساء، ولا يرجو نسلًا، إذا لم يقطعه عن عبادة، ولكن بشرط أن يعلم المرأء بحاله، إلا العقم فإنه لا يشرط أن يعلمها به لأنه أمر غيب. فقد يولد له منها، ومن يدري؟ ويحرم على من لم يخش عنتًا، وعلم من نفسه المضرة بالمرأة؛ من عدم قدرته =
стр. 800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على نفقتها، أو عدم مقدرته على الوطء، أو عدم مقدرته على الكسب. ويكره في حق من لا يشتهيه ويقطعه عن عبادته.
وقوله: نكاح بكر، ليست البكارة في الزوجة قيدًا في استحباب النكاح، بل هو مستحب آخر. قال الحطاب: فلو قال: ندب نكاح وبكر لكان أوضح. قال في العارضة: لو لم يكن في البكر إلا أنها كل ما فعلْته ترى أنه المقصود المحبب الذي لا ينبغي سواه، فإذا كانت ثيبًا قارنت فعلك مع ما تقدم معها من فعل غيرك وفاضلت بينكما. ويستحب نكاح البكر لما ورد في الصحيح من حديث جابر: "فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا ". ولقوله ﷺ من حديث عويم بن ساعدة الأنصاري عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالْأبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ".
لطيفة: نسب الحطاب إلى عمر ﵁ قوله: بنت عشر سنين تسر الناظرين، وبنت عشرين لذة للمعانقين، وبنت ثلاثين ذات شحم ولين، وبنت أربعين ذات بنات وبنين، وبنت خمسين عجوز في الغابرين. اهـ.
تنبيه: ينبغي لمن يريد النكاح اعتبار الدين أول أساس لاختياره شريكة حياته، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (١). وقد صح عنه ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "الدُّنْيا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ". أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". متفق عليه. والله تعالى أسأل التوفيق.
(٢) وقوله: ونظر وجهها وكفيها فقط، بعلم، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (٢). قال: في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها؛ وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي ﷺ : "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا". وقال لآخر: "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإنَّ في أَعْيُنِ الْأنْصَارِ شَيْئًا" أخرجه في الصحيح.
قال: والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهه الإِرشاد إلى المصلحة، فلعله إذا نظر إليها، يرى منها ما يرغبه في نكاحها. ومما يدل على ذلك ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن =
стр. 801
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ". فقوله: "فَإِنِ اسْتَطَاعَ. . . فَلْيَفْعَلْ" لا يقال مثله في الواجب. وبهذا قال جمهور الفقهاء والشافعي والكوفيون وأهل الظاهر وغيرهم. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة لقولهم للأحاديث الصحيحة ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (١). وقال سهل بن أبي حيثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بنت الضحاك، على إجَّار من أجاجير المدينة، فقلت له: أتفعل هذا؟ قال: نعم! قال النبي ﷺ "إذَا ألْقَى اللهُ في قَلْبِ أَحَدِكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا".
وقوله: ونظر وجهها وكفيها فقط بعلم، هذا المذهب عندنا، فإن العلماء اختلفوا فيما يجوز أن ينظر إليه منها؛ فقال مالك: ينظر إلى وجهها وكفيها ولا ينظر إلا بعلمها. وقال الشافعي وأحمد: ينظر بإذنها وبغير إذنها إن كانت متسترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد، وينظر مواضع اللحم منها. وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها تمسكًا بظاهر اللفظ. والله تعالى أعلم بالصواب في ذلك.
(٣) قوله وحل لهما حتى نظر الفرج، قال المواق: روى الشيخ: لا بأس بنظر فرجها، زاد أصبغ، ولحسه بلسانه تحقيقًا لإِباحة النظر؛ لاعتقاد العوام حرمته. وحكى ابن القاسم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن الكلام عند الجماع، فقال: إذا خلوتم فافعلوا ما شئتم. وقال المتيطى: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). قال الحسن: على الرجل إذا فرغ أن ينتظرها حتى تفرغ ثم قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٣). وقال ابن عباس: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي.
وقوله: كالملك، أي المستقل؛ فإنه يبيح لصاحبه من مملوكته ما يحل له من زوجته، إذا لم تكن محرمة عليه بعارض كالرضاع، أو تلذذ والده بها، ونحو ذلك.
وقوله: وتمتع بغير دبر، لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٤). فقوله: حَرْثٌ لَكُمْ: أي موضع حرث. وذلك تشبيه للجماع في إبقاء النطفة وانتظار الولد، بالحرث =
стр. 802
وَخُطْبَةٌ بِخِطْبَةٍ وَعَقْدٍ وتَقْلِيلُهَا، وإعْلَانُهُ (١)، وتَهْنِئَتُهُ والدُّعَاءُ لَهُ (٢)، وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ بِعَقْدِهِ (٣). وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ، ولَا حَدَّ إنْ فَشَا، ولَوْ عَلِمَ (٤).
= في إلقاء البذر وانتظار الزرع. وقوله. أَنَّى شِئْتُمْ، أي كيف شئتم من الهيئات، وليس المراد بها أين شئتم؛ لأنه يوهم جواز إتيان المرأة في دبرها. وقد بين هذا الإِجمال قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١). أي فأتوهن في القبل طلبًا للولد، كما تقدم في السورة نفسها، وهو الأمر المحال إليه بقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. وذلك قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) الآية. التحقيق أنه الولد يبتغى بالجماع. قال ابن جزي الكلبي: وقد افترى من نسب جوازه - يعني جواز إتيان الرجل امرأته في دبرها - إلى مالك، وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع. ا. هـ. منه.
وقد وردت أحاديث كثيرة تؤيد ما فسرنا به الآية في مسلم، وأبي داود، وأحمد، والترمذي وغيرهم. ولا معول على غير ذلك. ولا يجوز الاستمتاع بالدبر وإن روي عن أشهب وابن القاسم جوازه. وقد ذكر الحطاب أن جواز ذلك منسوب إلى مالك فيما أسماه: كتاب السر. قال: وقال ابن فرحون: وقفت عل كتاب السر، فوجدت فيه من الغض من الصحابة، والقدح في دينهم - خصوصًا عثمان ﵁ ومن الحط من العلماء والقدح فيهم، ونسبتهم إلى قلة الدين، خصوصًا أشهب، ما لا أستبيح ذكره. وورع مالك ودينه ينافي ما اشتمل عليه كتاب السر. ا. هـ.
(١) وقوله: وخطبة بخطبة وعقد، الخطبة - بالضم - واحدة الخطب. وهي مشروعة في الخطبة وفي العقد. قال مالك: ما قل منها أفضل. وندب أن تشتمل على حمد الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ وآية من كتاب، وحديث من السنة يتعلقان بموضوع النكاح ثم يقول: أما بعد فإن فلانًا يرغب فيكم، ونحو ذلك، ومثل ذلك عند العقد.
وقوله: وإعلانه، قال أبو عمر: من فروض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب. يستحب إعلان النكاح. =
стр. 803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٢) وقوله: وتهنئته والدعاء له: أي وتستحب تهنئة العروس، والدعاء له. وكان مما يقال: بالرفاء والبنين، بارك الله لكل منكما في صاحبه. والرفاء: الملاءمة. يقال رفأت الثوب: إذا لاءمت بين طرفيه. قال الحطاب: وذكر النووي في الأذكار كراهة أن يقال بالرفاء والبنين. ولم أر لأحد من المالكية كراهته. ا. هـ.
فائدة: روي عن النبي ﷺ فيمن ابتنى بزوجته، أن يأمرها أن تصلي خلفه ركعتين، ثم يأخذ بناصيتها ويدعو بالبركة.
وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ قال: "إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَها عَلَيْهِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ". ا. هـ.
(٣) وقوله: وإشهاد عدلين غير الولي بعقده، قال المواق ما نصه: قال أبو عمر: ينعقد النكاح بغير شهود، كما ينعقد البيع؛ إذا رضي الزوج والمرأة، وكانت مالكة أمرها، أو يتيمة مالكة بعضها، وكان ذلك بإذن ولي، ويشهدون فيما يستقبلون. وقال ابن عرفة: البينة على العقد. نقل الأكثر عن المذهب أنها مستحبة، وهي شرط في البناء. وشهادة الولي لغو. وقال المتيطي: يصح النكاح دون الإِشهاد. ومعنى: لا يتم إلا بالإِشهاد، إنما ذلك عند المناكرة. انظر تعليقة السيوري تطلع على بسط هذا المعنى. ا. هـ. منه بلفطه.
قال ابن مفلح الحنبلي: روت عائشة مرفوعًا: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ". رواه ابن حبان وصححه. وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لَا بُدَّ في النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: الْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ وَالشَّاهِدَانِ". رواه الدارقطني. والمعنى فيه الاحتياط للإِبضاع وصيانة الأنكحة من الجحود. فلا ينعقد إلا بشاهدين دون غيره من العقود؛ لما فيه من تعلق غير المتعاقدين؛ وهو الولد، لئلا يجحد أبوه. ا. هـ.
(٤) وقوله: وفسخ إن دخلا بلاه، ولا حد إن فشا ولو علم، قال المواق: قال مالك: لو دخل الزوج قبل أن يشهد، فرق بينهما بطلقة بائنة، وخطب إن أحبَّ بعد استبرائها بثلاث حيض. قال ابن حبيب: ولا يحد إن كان أمرهما فاشيًا. ا. هـ.
стр. 804
وَحَرُمَ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرِ فَاسِقٍ، لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ (١)، وَفُسِخَ إن لَمْ يَبْنِ، وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ، ومُوَاعَدَتُهَا كَوَلِيِّهَا كَمُسْتَبْرَأَةٍ (٢) مِنْ زِنًا، وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْء (٣)، وَإنْ بِشُبْهَةٍ، وَلَوْ بَعْدَهَا، وَبِمُقَدِّمَتِه فيها، أوْ بِمِلْكٍ كَعَكْسِهِ لَا بعَقْدٍ أوْ بِزنًا أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ أوْ مَبتُوتَةٍ قَبْلَ زَوْجٍ كَالمَحْرَمِ، وَجَازَ تَعْريضٌ:
(١) وقوله: وحرم خطبة راكنة، الحطاب، قال في التوضيح لقول ﷺ : "لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ". قال: واشتراط الركون، لكونه ﷺ أباح خطبة فاطمة بنت قيس لأسامة، وقد كانت خطبها معاوية وأبو الجهم. قال: وأيضًا فإنها لما ذكرت لرسول الله ﷺ أن معاوية وأبا جهم خطباها لم ينكر ذلك. ومن العادة أنهما لا يخطبان دفعة واحدة، فدل ذلك على جواز الخطبة على الخطبة. ا. هـ.
وقال المواق: قال ابن عرفة: خطبة رجل على خطبة آخر قبل مراكنة المخطوب إليه جائزة.
وقوله: ولو لم يقدر صداق، يرد به قول ابن نافع: لا تحرم خطبة الراكنة قبل تقدير الصداق. قال المواق: ومقتضى قول ابن عرفة أن كلا القولين مشهور.
(٢) وقوله: وصريح خطبة معتدة ومواعدتها، أي ويحرم التصريح بخطبة المعتدة ومواعدتها، سواء كانت عدتها من طلاق أو وفاة، وصريح خطبة المعتدة حرام إجماعًا، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (١). فتضمنت الآية جواز التعريض، وما يضمر في النفس، والمنع من المواعدة، والنكاح. وقد اختلف العلماء في معنى قوله: [سِرًّا]. وأشهر ما قيل في ذلك قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والشعبي، والسدي وقتادة، وسفيان: لا يأخذ ميثاقها وهي في عدتها أن لا تتزوج غيره. ا. هـ الحطاب.
وقوله: كوليها، قال الحطاب: ينبغي أن يقيد بالمجبر، وبذلك قطع ابن رشد فقال: وإن واعد وليها بغير علمها، وهي مالكة أمرها فهو وعد لا مواعدة، فلا يفسخ به النكاح، ولا يقع به تحريم إجماعًا. ثم بحث الحطاب، وتلخص من بحثه أن قال: والحاصل أن مواعدة الولي المجبر =
стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كمواعدة المرأة. وفي مواعدة غير المجبر ثلاثة أقوال: المنع للباجي عن ابن حبيب مع ظاهر المدونة. والجواز لأبي حفص. والكراهة لابن المواز. والله أعلم وهو الموفق.
وقوله: كمستبرأة من زنا، قال الحطاب: لو قال: وإن من زنا لكان أحسن؛ ليشمل أنواع الاستبراء. وسواء كان هو الزاني بها، أو زنى بها غيره، فإنه لا يجوز له أن يتزوجها حتى يستبرئها من الزنا، وإن تزوجها في مدة الاستبراء فسخ النكاح. قال في النكاح الأول من المدونة: ولا بأس أن ينكح الرجل امرأة كان زنى بها بعد الاستبراء. وعلى كل حال فالله تعالى أعلم.
(٣) وقوله: وتأبد تحريمها بوطء، قال المواق، قال أبو عمر: من عقد على معتدة نكاحًا في عدتها، فهو مفسوخ على كل حال؛ فسخ بلا طلاق ولا ميراث بينهما. فإن فرق بينهما قبل الدخول جاز له خطبتها بعد انقضاء العدة، وإن دخل بها في عدتها لم يحل له نكاحها أبدًا عند مالك وأصحابه، فإن عقد عليها في عدتها ولم يدخل بها إلا بعد انقضاء عدتها؛ فروي عن مالك أنه كمن وطئها في عدتها؛ لا ينكحها أبدًا، وهو تحصيل المذهب. واختاره ابن القاسم. وقوله: وإن بشبهة، يعني إن الوطء بنكاح أو بملك أو بشبهة في عدة نكاح أو شبهة يحرم.
وفي الموطإ، ومصنف عبد الرزاق والبغوي - واللفظ له - عن عمر أنه قال: أيُّما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا. قال سعيد بن المسيب - وهو الراوي عن عمر: ولها مهرها بما استحل منها. ا. هـ.
قال البغوي في قوله: ثم لم ينكحها أبدًا: هذا قول تفرد به عمر؛ أن من نكح امرأة في عدة الغير يفرق بينهما، ثم لا تحل له أبدًا. وعامة أهل العلم على أنها تحل له بعد الخروج من عدة الأول. ا. هـ منه بلفظه. شرح السنة جـ ٩ ص ٣١٦.
قلت: وقد وقعت نازلة بناحيتنا في امرأة تزوجت بشاب، ثم توفى عنها بعد أن بان بها الحمل، ثم بعد وفاة الزوج نام الولد، وهي في وسط مجتمع غير ملم بالفقه، فظنت براءة رحمها واستعدت، فتزوجت بأحد بني عمومتها، فظهر حملها بمجرد الدخول، وأتت بمولود قبل ستة أشهر =
стр. 806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من دخول الثاني، فطالب أولياء الميت بالمولود، وأفادوا علمهم بأن ميتهم توفي عن حمل، وبعد مدة من المطالبة بالمولود - وهو أنثى - أعلن قاضي الناحية حكمه بإلحاق البنت بالميت - وهو الزوج الأول - وأن الثاني تزوج في عدة. وأن عليه لذلك فراقها، وأن أولاده منها له للشبهة، وأن المرأة حرام عليه أبدًا. لقول خليل: وتأبد تحريمها بوطء. فأذعن للفراق، وسألني عن الموضوع، وقد علمت بأخبار الناس عنه أنه يخشى العنت منها، فأجبته بأن الذي حكم به القاضي هو مذهب مالك، إن كان ملتزمًا به، فلا سبيل إلى رجوعها إليه أبدًا، وأما المذاهب الأخرى فإنه فيها أسوة الخطباء.
فكان بعض التعريض بي من أجل ذلك؛ لأني أفتيت بقول خارج المذهب. والحقيقة أن هذا الحكم - الذي هو المذهب - مبني على القاعدتين الأصوليتين اللتين: المعاملة بنقيض القصد الفاسد، التي عقدها في المنهج بقوله.
وبنقيض القصد عاملْ إن فسد … في قاتل موصٍ كذا الذي قصد
فسادًا أْو إفاتة في البيع … نهج عياضٍ ذا بدا لا الرِّبْعي.
والثانية هي قولهم: من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وقد عقدها في المنهج بقوله:
وشبه ما ذكر والَّذْ قدَّما … شيئًا قبيل وقته قد حرّما
كمتزوج بعدَّة ومَنْ … خلَّقَ في رأي وشِبْهٍ اعلمنْ
فإن كان المدار في هذا الفرع يدور على القصد الفاسد - وهو كذلك بالنسبة لكل شيء - فإنما المدار فيه على النية؛ لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وقد علمنا بما لا مجال للشك فيه، بأن الرجل إنما تزوج بالمرأة بعد إعلان العدة، المبنية على تتابع العادة في ميعادها المعروف، وبعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجها، وهي غرة جاهلة، لا قصد لها، فكيف طبق عليهما أنهما استعجلا شيئًا قبل أوانه؟ وأنهما يجب أن يعاملا بنقيض قصدهما الفاسد، والحال أنهما لا يوجد لهما قصد فاسد؟! وعلى كل حال فالقول بتأبيد التحريم هو المذهب، وخلاف ذلك للجمهور. وبالله تعالى التوفيق. وسوف يأتي مزيد كلام على هذا الموضوع بمحله في العدد بإذن الله تعالى.
стр. 807
كَفِيكِ رَاغِبٌ. والإِهْدَاءُ وتَفويضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ وذِكْرُ المَساوِي، وَكُرِهَ عِدَةٌ مِن أحَدِهِمَا، وَتَزَوُّجُ زانِيَةٍ (١) أوْ مُصَرَّحٍ لَهَا بَعْدَهَا، ونُدِبَ فِرَاقُهَا، وَعَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ. وَرُكْنُهُ وَلِيٍّ (٢)، وَصَدَاقٌ (٣)، وَمَحَلٌّ (٤)، وصيغَةٌ (٥) بأنْكَحْتُ، وزَوَّجْتُ، أوْ: بِصَدَاقٍ وهَبْتُ وَهَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ
(١) وقوله: وتزوج زانية، أي وجاز تزوج امرأة معروفة بأنها معروفة بأنها زانية وعلى ذلك الجمهور. وهو منقول عن أبي بكر وعمر، وابن عباس. وبه قال الأئمة الأربعة. روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوج بها فقال: "أَوَّلُهَ سِفَاحٌ وَآخِرُهُ نِكَاحٌ، وَالْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ". أخرجه الطبراني والدارقطني. وفي أحكام القرآن لابن العربي جـ ٣/ ١٣٣١: روي عن ابن عمر أنه قال: بينما أبو بكر الصديق في المسجد، إذ جاء رجل فلاث عليه لوثًا من كلام، وهو دهش، فقال لعمر: قم فانظر في شأنه، فإن له شأنًا. فقام إليه عمر، فقال: إن ضيفًا استضافه وزنى بابنته. فضرب عمر في صدره وقال: قبحك الله ألا سترت على ابنتك؟. فأمر بهما أبو بكر فضربا الحد، ثم زوَّج أحدهما بالآخر، وغربهما حولًا.
قالوا: وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (١) منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢) رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال ابن العربي: هذا ليس بنسخ، وإنما تخصيص عام، وبيان لمحتمل، كما تقتضيه الألفاظ وتوحيه الأصول، من فسر النكاح بالوطء أو بالعقد، وتركيب المعنى عليه. ا. هـ. والله أعلم.
(٢) وقوله: وركنه ولي، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣). أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. قال القرطبي: في هذه الآية دليل بالنص على أنه لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله. ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ". وقد روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن =
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوري: وابن أبي ليلى، وابن شبرُمة، وابن المبارك، والشافعي، وعبيد الله بن الحسن وأحمد، وإسحاق وأبو عبيد. قال: وهو قول مالك، وأبي ثور، والطبري. قال أبو عمر: حجة من قال: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ". أن هذا الحديث رواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا، فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله. قال: وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضًا؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة، منهم إسرائيل، وأبو عوانة. كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ . وإسرائيل ومن تابعه حفاظ، والحافظ تقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضدها أصول، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١). وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار، إذْ عضل أخته عن مراجعة زوجها. قاله البخاري قال: ولولا أن له حقًا في الإِنكاح لما نهي عن العضل. وقال تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٢). وقال تعالى في سورة النور: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣). فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرهن. وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ (٤) وقال تعالى في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٥).
وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".
وقال: حديث صحيح. وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ". قال القرطبي: وهذا حديث صحيح. ولا اعتبار بقول ابن عُليَّة عن ابن جريج أنه قال: سألت عنه الزهري فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج إلا ابن عُليَّة، فقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا ذلك. قالْ: ولو ثبت هذا من الزهري لم تكن فيه حجة، لأنه قد نقله عنه ثقات، منهم سليمان بن =
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= موسى، وهو ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهري لا يضره ذلك؛ لأن النسيان لا يعصم منه ابن آدم، وفي الحديث: "نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ". وكان ﷺ ينسى، فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن حفظ حجة على من نسي - هذا لو صح ما حكى ابن عُليَّةَ عن ابن جريج - فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك، ولم يعرجوا عليه؟.
قال القرطبي: وقد روى ابن حبان البستي، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْر ذلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". قال: وإذا ثبت هذا، فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي، فلا معنى لما خالفهما. ا. هـ. من القرطبي بتصرف. والله ولي التوفيق.
(٣) وقوله: وصداق، قال الله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١)، وأراد بالأجر الصداق، وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢).
وفي الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة. فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا. فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَصْدُقُهَا إِيَّاهُ"؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ : "إنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمسْ شيئًا". فقال: ما أجد. قال: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ"؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سمَّاها - فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". ا. هـ. والغرض منه إثبات أنه لا بد من صداق، بالغ ما بلغ، وسوف يأتي الكلام على ذلك في بابه. والله الموفق.
(٤) وقوله: ومحل: أي زوج وزوجة خاليان من الموانع؛ كالإِحرام فيهما أو في أحدهما، والعدة، والاستبراء إلى غير ذلك.
(٥) وقوله: وصيغة، وهي الدليل على إيقاع الشيء، كقول الولي: زوجتك، أو أنكحتك. =
стр. 810
الْحَياةِ؟ كَبِعْتُ. كَذلِكَ تَرَدُّدٌ؛ وَكَقَبِلْتُ، وبزوّجْنِي فَيَفْعَلُ، ولَزِمَ وإنْ لَمْ يَرْض (١).
= وكقول الزوج: قبلت، أو رضيت ونحو ذلك. وعليه يشكل عندي عد الصيغة من أركان النكاح، لأن ركن الماهية جزؤها، ودليل الماهية خارج منها. قال ميارة في تكميلة:
الشرط عن ماهية قد خرجا … والركن جزؤها فيها قد ولجا
وصيغة دليلها فالعدُّ … لها من الأركان فيه بُعْد
وقوله: وهل كل لفظ يقتضي البقاء؟ كبعت. كذلك تردد؛ ذهب ابن القصار، وعبد الوهاب في الأشراف، والباجي، وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد بكل لفظ يقتضي التأبيد دون توقيت. وقال الباجي: أن ذلك قول مالك. قال: واستدلوا بما في الصحيحين من قوله ﵊: "مَلَّكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ".
تنبيه: فإن قلت: لم اشترطوا لفظ الصداق مع نحو: وهبت، وتصدقت. ولم يشترطوا ذلك في نحو: أبحتها لك، وأحللتها، وملكتها؟ فالجواب: إن هذه الألفاظ كما لا تدل على اشتراط العوض، لا تدل على نفيه، بخلاف لفظ وهبت، وتصدقت، فإنهما يدلان ظاهرًا على نفيه، ولذلك احتيج إلى ذكر العوض معهما؛ لما يتبادر إلى الذهن من لفظيهما. انظر الحطاب. والله الموفق.
(١) وقوله: وَلَزِمَ وَإنْ لَمْ يرض، في المدونة: إن قال لأبي البكر أو الوليِّ: فوضت إليه، زوجني. وليتك بكذا. فقال: فعلت. فقال: لا أرضى. لزمه، بخلاف البيع؛ لأن ابن المسيب قال: ثلاث هزلهن جد: النكاح والطلاق والعتق. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.