. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= من دخول الثاني، فطالب أولياء الميت بالمولود، وأفادوا علمهم بأن ميتهم توفي عن حمل، وبعد مدة من المطالبة بالمولود - وهو أنثى - أعلن قاضي الناحية حكمه بإلحاق البنت بالميت - وهو الزوج الأول - وأن الثاني تزوج في عدة. وأن عليه لذلك فراقها، وأن أولاده منها له للشبهة، وأن المرأة حرام عليه أبدًا. لقول خليل: وتأبد تحريمها بوطء. فأذعن للفراق، وسألني عن الموضوع، وقد علمت بأخبار الناس عنه أنه يخشى العنت منها، فأجبته بأن الذي حكم به القاضي هو مذهب مالك، إن كان ملتزمًا به، فلا سبيل إلى رجوعها إليه أبدًا، وأما المذاهب الأخرى فإنه فيها أسوة الخطباء.
فكان بعض التعريض بي من أجل ذلك؛ لأني أفتيت بقول خارج المذهب. والحقيقة أن هذا الحكم - الذي هو المذهب - مبني على القاعدتين الأصوليتين اللتين: المعاملة بنقيض القصد الفاسد، التي عقدها في المنهج بقوله.
وبنقيض القصد عاملْ إن فسد … في قاتل موصٍ كذا الذي قصد
فسادًا أْو إفاتة في البيع … نهج عياضٍ ذا بدا لا الرِّبْعي.
والثانية هي قولهم: من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وقد عقدها في المنهج بقوله:
وشبه ما ذكر والَّذْ قدَّما … شيئًا قبيل وقته قد حرّما
كمتزوج بعدَّة ومَنْ … خلَّقَ في رأي وشِبْهٍ اعلمنْ
فإن كان المدار في هذا الفرع يدور على القصد الفاسد - وهو كذلك بالنسبة لكل شيء - فإنما المدار فيه على النية؛ لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وقد علمنا بما لا مجال للشك فيه، بأن الرجل إنما تزوج بالمرأة بعد إعلان العدة، المبنية على تتابع العادة في ميعادها المعروف، وبعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجها، وهي غرة جاهلة، لا قصد لها، فكيف طبق عليهما أنهما استعجلا شيئًا قبل أوانه؟ وأنهما يجب أن يعاملا بنقيض قصدهما الفاسد، والحال أنهما لا يوجد لهما قصد فاسد؟! وعلى كل حال فالقول بتأبيد التحريم هو المذهب، وخلاف ذلك للجمهور. وبالله تعالى التوفيق. وسوف يأتي مزيد كلام على هذا الموضوع بمحله في العدد بإذن الله تعالى.
стр. 807
كَفِيكِ رَاغِبٌ. والإِهْدَاءُ وتَفويضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ وذِكْرُ المَساوِي، وَكُرِهَ عِدَةٌ مِن أحَدِهِمَا، وَتَزَوُّجُ زانِيَةٍ (١) أوْ مُصَرَّحٍ لَهَا بَعْدَهَا، ونُدِبَ فِرَاقُهَا، وَعَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ. وَرُكْنُهُ وَلِيٍّ (٢)، وَصَدَاقٌ (٣)، وَمَحَلٌّ (٤)، وصيغَةٌ (٥) بأنْكَحْتُ، وزَوَّجْتُ، أوْ: بِصَدَاقٍ وهَبْتُ وَهَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ
(١) وقوله: وتزوج زانية، أي وجاز تزوج امرأة معروفة بأنها معروفة بأنها زانية وعلى ذلك الجمهور. وهو منقول عن أبي بكر وعمر، وابن عباس. وبه قال الأئمة الأربعة. روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوج بها فقال: "أَوَّلُهَ سِفَاحٌ وَآخِرُهُ نِكَاحٌ، وَالْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ". أخرجه الطبراني والدارقطني. وفي أحكام القرآن لابن العربي جـ ٣/ ١٣٣١: روي عن ابن عمر أنه قال: بينما أبو بكر الصديق في المسجد، إذ جاء رجل فلاث عليه لوثًا من كلام، وهو دهش، فقال لعمر: قم فانظر في شأنه، فإن له شأنًا. فقام إليه عمر، فقال: إن ضيفًا استضافه وزنى بابنته. فضرب عمر في صدره وقال: قبحك الله ألا سترت على ابنتك؟. فأمر بهما أبو بكر فضربا الحد، ثم زوَّج أحدهما بالآخر، وغربهما حولًا.
قالوا: وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (١) منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢) رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال ابن العربي: هذا ليس بنسخ، وإنما تخصيص عام، وبيان لمحتمل، كما تقتضيه الألفاظ وتوحيه الأصول، من فسر النكاح بالوطء أو بالعقد، وتركيب المعنى عليه. ا. هـ. والله أعلم.
(٢) وقوله: وركنه ولي، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٣). أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. قال القرطبي: في هذه الآية دليل بالنص على أنه لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله. ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ". وقد روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن =
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوري: وابن أبي ليلى، وابن شبرُمة، وابن المبارك، والشافعي، وعبيد الله بن الحسن وأحمد، وإسحاق وأبو عبيد. قال: وهو قول مالك، وأبي ثور، والطبري. قال أبو عمر: حجة من قال: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ". أن هذا الحديث رواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا، فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله. قال: وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضًا؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة، منهم إسرائيل، وأبو عوانة. كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ . وإسرائيل ومن تابعه حفاظ، والحافظ تقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضدها أصول، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١). وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار، إذْ عضل أخته عن مراجعة زوجها. قاله البخاري قال: ولولا أن له حقًا في الإِنكاح لما نهي عن العضل. وقال تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٢). وقال تعالى في سورة النور: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣). فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرهن. وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ (٤) وقال تعالى في سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٥).
وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".
وقال: حديث صحيح. وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ". قال القرطبي: وهذا حديث صحيح. ولا اعتبار بقول ابن عُليَّة عن ابن جريج أنه قال: سألت عنه الزهري فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج إلا ابن عُليَّة، فقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا ذلك. قالْ: ولو ثبت هذا من الزهري لم تكن فيه حجة، لأنه قد نقله عنه ثقات، منهم سليمان بن =
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= موسى، وهو ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهري لا يضره ذلك؛ لأن النسيان لا يعصم منه ابن آدم، وفي الحديث: "نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ". وكان ﷺ ينسى، فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن حفظ حجة على من نسي - هذا لو صح ما حكى ابن عُليَّةَ عن ابن جريج - فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك، ولم يعرجوا عليه؟.
قال القرطبي: وقد روى ابن حبان البستي، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْر ذلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". قال: وإذا ثبت هذا، فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي، فلا معنى لما خالفهما. ا. هـ. من القرطبي بتصرف. والله ولي التوفيق.
(٣) وقوله: وصداق، قال الله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١)، وأراد بالأجر الصداق، وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢).
وفي الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة. فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا. فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَصْدُقُهَا إِيَّاهُ"؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله ﷺ : "إنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمسْ شيئًا". فقال: ما أجد. قال: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ"؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سمَّاها - فقال رسول الله ﷺ : "قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". ا. هـ. والغرض منه إثبات أنه لا بد من صداق، بالغ ما بلغ، وسوف يأتي الكلام على ذلك في بابه. والله الموفق.
(٤) وقوله: ومحل: أي زوج وزوجة خاليان من الموانع؛ كالإِحرام فيهما أو في أحدهما، والعدة، والاستبراء إلى غير ذلك.
(٥) وقوله: وصيغة، وهي الدليل على إيقاع الشيء، كقول الولي: زوجتك، أو أنكحتك. =
стр. 810
الْحَياةِ؟ كَبِعْتُ. كَذلِكَ تَرَدُّدٌ؛ وَكَقَبِلْتُ، وبزوّجْنِي فَيَفْعَلُ، ولَزِمَ وإنْ لَمْ يَرْض (١).
= وكقول الزوج: قبلت، أو رضيت ونحو ذلك. وعليه يشكل عندي عد الصيغة من أركان النكاح، لأن ركن الماهية جزؤها، ودليل الماهية خارج منها. قال ميارة في تكميلة:
الشرط عن ماهية قد خرجا … والركن جزؤها فيها قد ولجا
وصيغة دليلها فالعدُّ … لها من الأركان فيه بُعْد
وقوله: وهل كل لفظ يقتضي البقاء؟ كبعت. كذلك تردد؛ ذهب ابن القصار، وعبد الوهاب في الأشراف، والباجي، وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد بكل لفظ يقتضي التأبيد دون توقيت. وقال الباجي: أن ذلك قول مالك. قال: واستدلوا بما في الصحيحين من قوله ﵊: "مَلَّكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ".
تنبيه: فإن قلت: لم اشترطوا لفظ الصداق مع نحو: وهبت، وتصدقت. ولم يشترطوا ذلك في نحو: أبحتها لك، وأحللتها، وملكتها؟ فالجواب: إن هذه الألفاظ كما لا تدل على اشتراط العوض، لا تدل على نفيه، بخلاف لفظ وهبت، وتصدقت، فإنهما يدلان ظاهرًا على نفيه، ولذلك احتيج إلى ذكر العوض معهما؛ لما يتبادر إلى الذهن من لفظيهما. انظر الحطاب. والله الموفق.
(١) وقوله: وَلَزِمَ وَإنْ لَمْ يرض، في المدونة: إن قال لأبي البكر أو الوليِّ: فوضت إليه، زوجني. وليتك بكذا. فقال: فعلت. فقال: لا أرضى. لزمه، بخلاف البيع؛ لأن ابن المسيب قال: ثلاث هزلهن جد: النكاح والطلاق والعتق. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 811
وَجَبَرَ مَالِكٌ أَمَةً وعَبْدًا بِلَا إضْرَارٍ (١)، لَا عَكْسُهُ (٢)، وَلَا مَالِكُ بَعْضٍ وَلَهُ الْولَايَةُ والرَّدُّ، والْمُخْتَارُ ولَا أُنْثَى بِشَائِبةٍ ومُكَاتَبٍ، بخِلَافِ مُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لأَجَلٍ إنْ لَمْ يَمْرَضِ السَّيِّدُ وَيَقْرُب الْأجَلُ (٣)، ثُمَّ أبٌ (٤). وَجَبَرَ المجنُونَةَ والْبِكْرَ وَلَوْ عَانِسًا إلا بكَخَصيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ، والثَّيِّبَ إِنْ صَغُرَتْ أوْ بِعَارِضٍ أوْ بِحَرَامٍ. وَهَلْ إنْ لَمْ تُكَرِّرِ الزنا؟ تَأوِيلَانِ، لَا بِفَاسِدٍ وَإِنْ سَفِيهَةً، وَبِكْرًا رُشِّدَتْ، أوْ أَقامَتْ بِبَيتِهَا سَنَةً وأنْكَرَتْ.
(١) قوله ﵀: وجبر مالك أمة وعبدًا بلا إضرار، قال في جواهر الإِكليل: وجبر المالك الحر المسلم، والعبد المأذون له في التجارة - ذكرًا كان أو أنثى - أمة وعبدًا على النكاح بلا إضرار، فلا يجبرهما مع الإِضرار. .. إلى أن قال: يندب للمالك تزويجه إلا أن يخشى الزنا؛ فيجبر على تزويجه أو بيعه لخبر: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). ا. هـ.
قلت: هذا مسلم بالنسبة للأمة. قال الخرقي: وإذا زوج أمته بغير إذنها فقد لزمها النكاح. كبيرة كانت أو صغيرة. قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا. لأن منافعها مملوكة له، والنكاح عقد على منفعتها. ا. هـ. منه.
وأما بالنسبة للعبد الذكر، فإن العلماء اختلفوا في جبره، فقد قال أصحابنا ومذهب أبي حنيفة؛ يجوز للمالك جبر عبده البالغ العاقل على النكاح. وهو قول للشافعي. والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (١). قالوا: ولأنه يملك رقبته، فملك إجباره على النكاح كالأمة. ولأنه يملك إجارته. وخالف الحنابلة، قال الخرقي: ومن زوج عبده وهو كاره لم يجز الا أن يكون صغيرًا. قال ابن قدامة: لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر. ولأن النكاح خالص حقه، ونفعه له. وأجابوا عن الآية؛ بأن الأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه، بدليل عطفه على الأيامى؛ وإنما يزوجن عند الطلب.
(٢) وقوله ﵀: لا عكسه، مراده به - والله تعالى أعلم - أن الرقيق لا يجبر مالكه على تزويجه. وقد تقدم خبر: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). وهو دليل على أن العبد إن تضرر بعدم التزويج =
стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= - كأن خشي الزنا - يجبر مالكه على تزويجه أو بيعه. والله أعلم.
(٣) وقوله: ولا مالك بعض، إلى قوله: إن لم يمرض السيد ويقرب الأجل؛ طريقه الاجتهاد المحض، فالله تعالى أعلم بمستنده فيه.
(٤) وقوله ﵀: ثم أبٌ الخ، دليله ما في الموطإ عن مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن. قال مالك: وذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار.
قلت: اتفق أهل العلم على أن للأب تزويج ابنته الصغيرة لحديث عائشة ﵂ قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي وأنا بنت تسعٍ؛ وكنت ألعب بالبنات، وكنَّ جواري يأتينني، فإذا رأين رسول الله ﷺ ينقمعن منه، فكان النبي ﷺ يُسرِّبُهُنَّ إِليَّ. هذا لفظ البغوي. وقال: هذا حديث متفق عليه.
وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب وغيره، عن عكرمة، أن عليَّ بن أبي طالب أنكح ابنته - جارية تلعب مع الجواري - عمر بن الخطاب.
غير أنه من الأجدر أن تستأذن، فذلك الأكمل، لقوله ﷺ من حديث ابن عباس: "تُسْتَأْذَنُ الْبِكْرُ وَإِذْنُها صُمَاتُهَا". رواه الدارمي. وهو في صحيح مسلم، وفي سنن البيهقي. وفي رواية للبخاري: "لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قيل: يا رسول الله، كيف إذنها؟. قال: "إِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا". قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن مسلم بن إبراهيم. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن هشام الدستوائي. وقوله رحمة الله عليه: والثيب إن صغرت، قد تقدم لك آنفًا الحديث المتفق عليه: "لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ". وفي صحيح مسلم: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا في نَفْسِهَا. وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا". فلم أر وجهًا لإِطلاق الجبر على الثيب الصغيرة، بدون نص من رسول الله ﷺ يخصص أو يقيد ما سبق ذكره، اللهم إلا إذا كان المراد أنه إنْ أنكحها بغير إذنها ورضيت بذلك، أنَّ النكاح نافذ لا يضره عدم استثارتها عليه أو لا. والله تعالى أعلم. وأما قوله: أو بعارض. . . إلى قوله: وأنكرت؛ فالله أعلم بمستنده فيه. هو ولي التوفيق.
стр. 813
وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَه أَبٌ بِهِ، أوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ (١)، وَإلّا فَخِلَافٌ، وَهُوَ فِي الثَّيِّبِ وَلِيٌّ، وَصَحَّ: إنْ مِتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي. بِمَرَضٍ (٢). وَهَلْ إِنْ قَبِلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ، تَأوِيلَانِ. ثُمَّ لَا جَبْرَ، فَالْبَالِغُ (٣) إلَّا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا وَشُووِرَ الْقَاضِي وإِلَّا صَحَّ إِنْ دَخَلَ وَطَالَ (٤).
(١) وقوله - عليه رحمة الله: وجبر وصي أمره أبٌ به أو عين له الزوج، اختلف العلماء في الوصي؛ هل يزوج بنات الموصي؛ - باسم الفاعل؟. قال أكثرهم: لا ولاية له، وإن فوض إليه.
قال الشعبي: ليس إلى الأوصياء من النكاح شيء، إنما ذاك إلى الأولياء. وقال حماد بن أبي سليمان: للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ: وحكي ذلك عن شريح، وأجازه مالك إذا فوض إليه الأب. ا. هـ. من شرح السنة للبغوي بتصرف قليل.
قلت: حديث ابن عمر عند أحمد والدارقطني دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصي ولا غيره. ولفظ الحديث كما في منتقى الأخبار:
وعن ابن عمر قال: توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون. قال عبد الله: وهما خالاي، فخطبتُ إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني إلى أمها، فأرغبها في المال فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي، أوصى بها إليَّ فزوجتها ابن عمتها، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها. قال: فقال رسول الله ﷺ : "هِيَ يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا". قال: فانتزعت والله مني بعد ما ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة. ا. هـ.
فإذا كان رسول الله ﷺ رد نكاح ابن عمر لابنة خاله عثمان بن مظعون بولاية عمها ووصي أبيها، فكيف يبقى احتمال لجبر وصي ليتيمة بعد ذلك؟!
(٢) وقول المصنف: وصح: إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض ألخ، كيف تصور صحة هذا النكاح بالوصية؟. فإن ابنته إن كانت صغيرة، كانت بعد موته يتيمة، وقد صح الخبر بأن اليتيمة لا =
стр. 814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تنكح حتى تستأمر، وإن كانت كبيرة فإن والدها مأمور باستئذانها، فكيف يتصور تزويجه لها من بعد موته بدون إذنها؟!.
(٣) وقوله عليه رحمة الله: ثم لا جبر، فالبالغ؛ مراده به أنه بعد المالك والأب ووصيه لا جبر لأحد من الأولياء، فالبالغ تزوج بإذنها، ويقبل قولها في بلوغها. وسيأتي للمصنف في باب الحجر قوله: وصدق في دعوى البلوغ إن لم يُرب.
(٤) وقوله: إلا يتيمة خيف فسادها ألخ، هو استثناء من مفهوم البالغ. قال: إلا يتيمة صغيرة مات أبوها، فتزوج إذا خيف عليها الفساد؛ بفقر أو زنا، فإنها تزوج بهذه الشروط: إن بلغت عشر سنين، واستشير القاضي في زواجها ليثبت عنده يتمها وفقرها، وأن يكون الزوج كفؤًا لها في الدين والحال، وأن يصدقها مهر مثلها.
قلت: قد تقدم حديث عبد الله بن عمر أنه تزوج ابنة خاله عثمان بن مظعون، وبولاية عمها قدامة، وهو وصي أبيها عليها، وأن المسألة لما رفعت إلى رسول الله ﷺ وثبت له عدم رضى اليتيمة، رد النكاح، فتزوج بها المغيرة بن شعبة الذي رضيته. وهو حديث إسناده قوي. أخرجه أحمد والدارقطني والبغوي والحاكم وصححه. ووافقه الذهبي. فهو حجة على أنه لا سبيل إلى تزويج اليتيمة إلا بإذنها؛ لأن النبي ﷺ قال: "لَا تُنْكِحُوا اليَتَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ، فَإِذَا سَكَتْنَ فَهُوَ إِذْنُهُنَّ". ا. هـ. بلفظ البغوي. وفي سنن الدارمي ما نصه: باب في اليتيمة تزوج نفسها. أخبرنا أبو نعيم، ثنا يونس بن أبي إسحاق، حدثني أبو بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ في نَفْسِهَا فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ". وهذا الحديث أخرجه البيهقي أيضًا بهذا اللفظ عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه.
وعلى كل حال فالمسألة اختلف العلماء فيها؛ فالشافعي ومن وافقه يقول بعدم زواج اليتيمة الصغيرة حتى تبلغ، وإن وقع النكاح فهو مردود. وقال في قوله ﷺ : "الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ" قال معناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر. قاله البغوي. وذهب الإِمام أحمد إلى أن اليتيمة إذا بلغت تسع سنين جاز تزويجها برضاها، ولا خيار لها. قال البغوي: ولعله قال ذلك لما علم أن كثيرًا من نساء العرب يدركن إذا بلغن هذه السن. قالت عائشة: وإذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. ا. هـ. =
стр. 815
وَقُدِّمَ ابْنٌ فابْنُهُ، فأبٌ، فَأخٌ فابنهُ، فَجَدٌّ، فَعَمٌّ فابنه، وقُدِّمَ الشَّقيقُ على الأصَحِّ (١) والمُخْتَارُ فَمَوْلىً. ثُمَّ هَل الأسْفَلُ وَبِهِ فُسِّرَتْ؟ أو لا؟ وَصُحِّحَ،
= ونقل ابن التركماني في الجوهر النقي - الذي ذيل به السنن الكبرى للبيهقي - نقل عن الاستذكار قال: زوج عروة بن الزبير ابنة أخيه - وهي صبية - من ابنه، والناس يومئذ متوافرون. قال: وفيه أيضًا قال أبو حنيفة ومحمد والحسن وعطاء وطاوس وعمر بن العزيز، وقتادة، وابن شبرمة والأوزاعي: يزوج اليتيمة الصغيرة وليها. قال: وفي أحكام القرآن للرازي، روي عن علي وابن مسعود، وابن عمر وزيد بن ثابت، وأم سلمة والحسن وطاوس وعطاء في آخرين، جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة، ولا نعلم أحدًا من السلف منع ذلك. قال: وقد ذكر البيهقي في باب: اليتيمة تكون في حجر وليها. عن عائشة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (١). وعزاه للصحيحين. قال: وفيه دليل على أن للأولياء إنكاح اليتامى قبل بلوغهن، إذ لا يتم بعد الاحتلام. وأيضًا فلو كن بالغات لكان أمر الصداق إليهن، فلا وجه لنهي الأولياء أن ينكحوهن إلا أن يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق.
وقال: وقد دل على هذا أيضًا ما أخرجه الطحاوي في مشكل الحديث بسنده، أن عليًا أتي برجل، فقالوا: وجدناه في خربة مراد، ومعه جارية مخضب قميصها بالدم. فقال له: ويحك ما هذا الذي صنعت؟. قال: أصلح الله أمير المؤمنين، كانت بنت عمي، ويتيمة في حجري، وهي غنية في المال، وأنا رجل قد كبرت وليس لي مال، فخشيت إن هي أدركت ما يدرك النساء، أن ترغب عني فتزوجتها. قال: وهي تبكي. فقال: أتزوجته؟ فقائل من القوم عنده يقول لها: قولي نعم. وقائل يقول لها: قولي: لا. فقالت: نعم، تزوجته. فقال: خذ بيد امرأتك. انتهى منه بتصرف.
يتحصل من البحث أن أصحابنا لم يشترطوا لتزويج اليتيمة هذه الشروط، الا على سبيل الاحتياط في المحافظة عليها ومراعاة يتمها؛ ولا بد من إذنها وظهور ميلها إلى الزوج، وكونه كفؤًا أمهرها مهر مثلها. والشروط العشرة معروفة. وقد نظمها بعضهم. وبالله التوفيق.
(١) وقوله: وقدم ابن فابنه ألخ. في تفسير القرطبي في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا =
стр. 816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (١). في المسألة الخامسة، ما نصه: واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم؛ فكان مالك يقول: أولهم البنون وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم الإِخوة للأب والأم، ثم للأب، ثم بنو الإِخوة للأب والأم، ثم بنو الإِخوة للأب، ثم الأجداد للأب وإن علوْا، ثم العمومة على ترتيب الإِخوة، ثم بنوهم على ترتيب بني الإِخوة وإن سفلوا، ثم المولى، ثم السلطان أو قاضيه، إلى أن قال: وقال الشافعي: لا ولاية لأحد مع الأب، وإن مات فالجد، ثم أبُ أبِ الجد؛ لأنهم كلهم آباء والولاية بعد الجد للإِخوة، ثم الأقرب، إلى أن قال: وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها. ثم الإِبن ثم الأخ ثم ابنه. ثم العم وقال إسحاق: الإِبن أولى من الأب. كما قاله مالك، واختاره ابن المنذر؛ لأن عمر بن أبي سلمة زوج أم سلمة بإذنها من رسول الله ﷺ . قال القرطبي: عمر بن أبي سلمة قيل أنه كان يوم قبض رسول الله ﷺ ابن تسع سنين، ومن كان سنه هكذا لا يصلح أن يكون وليًا، ولكن ذكر أبو عمر أن لأبي سلمة من أم سلمة ابنًا آخر اسمه سلمة، وهو الذي عقد لرسول الله ﷺ على أمه أم سلمة. قلت: وهو الذي زوجه رسول الله ﷺ ابنة حمزة بن عبد المطلب وقال له ﷺ : "خُزِيتَ أوْ كُفِيتَ سَلَمَةُ". أو كما قال ﷺ .
قال أهل السير: يريد بذلك أنه جازاه على تزويجه إياه أمه أن زوجه ابنة عمه. والله تعالى أعلم.
أما الدليل على ولاية الأب؛ فمنه تزويج أبي بكر ﵁ عائشة ﵂ لرسول الله ﷺ ، وتزويج خويلد أمنا خديجة من رسول الله ﷺ ، وتزويج رسول الله ﷺ من أمنا سودة بنت زمعة. قال البيهقي: قالت خولة بنت حكيم: ثم انطلقت إلى سودة، وأبوها شيخ كبير قد جلس عن المواسم، فحييته بتحية أهل الجاهلية فقلت: أنعم صباحًا. قال: من أنت؟. قلت: خولة بنت حكيم. قالت: فرحب بي وقال ما شاء الله أن يقول. قالت: قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر سودة بنت زمعة.
فقال: كفؤ كريم، ما تقول صاحبتك؟ قلت: نعم، تحب. قال: فقولي له فليأت. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فملكها. وقدم عبد بن زمعة فجعل يحثو التراب على رأسه؛ أن تزوج =
стр. 817
فكافِلٌ، وَهَلْ إنْ كَفَلَ عشْرًا أوْ أرْبَعًا أوْ مَا يُشْفِقُ؟. تَرَدُّدٌ. وظَاهِرُها شَرْطُ الدَّنَاءَةِ (١)، فَحَاكِمٌ فَوِلَايَةُ عَامَّةِ مُسْلِمٍ.
= رسول الله ﷺ سودة ا. هـ. منه.
وأما دليل ولاية الأخ، فما جاء في صحيح البخاري أن معقل بن يسار زوج أخته رجلًا، فطلقها تطليقة فبانت منه، ثم جاء يخطبها فأبى عليه وقال: أفرشتك كريمتي ثم طلقتها، ثم جئت تخطبها! لا والله لا أزوجكها. وكانت المرأة قد هويت أن تراجعه، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١). فلولا أن له حقًا في الإِنكاح ما نهي عن العضل.
وأما دليل ولاية ابن العم ونحو ذلك، فهو ما روي عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢). قالت: هذه اليتيمة تكون عند الرجل، هو وليها، لعلها تكون شريكته في ماله وهو أولى بها، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها، فلا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها. قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن يحيى، عن وكيع. وأخرجه مسلم من أوجه عن هشام.
(١) وقوله: وظاهرها شرط الدناءة، ذكر القرطبي في تفسيره في المدرك المتقدم قال: وقد روي عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجهما إلا وليهما أو السلطان. قال: وهذا القول اختاره ابن المنذر. قال: وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز؛ لأن النبي ﷺ قد سوى بين أحكامهن في الدماء فقال "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ". وإذا كان المسلمون في الدماء سواء، فهم في غير ذلك شيء واحد. ا. هـ. منه بتصرف قليل.
قلت: وقد يشكل اعتبار الدناءة بالسواد والفقر، فالرأي عندي أن هذين وصفان طرديان بالنسبة للدناءة وغيرها، فقد كانت أم أيمن ﵂ مولاة سوداء، وما بعد أمهات المؤمنين امرأة أعلى قدرًا عند الله وعند المسلمين منها. وأما الفقر، فكيف يعتبر دناءة؟! وآل محمد ﷺ كان يمر عليهم الشهر ما جعلوا قِدرًا على نار، في الوقت الذي كان فيه بالمدينة أمثال عبد الله بن أُبي، =
стр. 818
وَصَحَّ بِهَا في دَنِيئَةٍ مَعَ خَاصٍّ لَمْ يُجْبِرْ (١)، كَشَرِيفَةٍ دَخَلَ وَطَالَ (٢)، وَإنْ قَرُبَ فَلِلأقْرَبِ، أو الْحَاكِمِ إنْ غَابَ الرَّدُّ، وفي تَحَتّمِهِ إنْ طَالَ قَبْلَهُ تَأويلَانِ، وبأبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إِنْ لم يُجْبرْ وَلَمْ يَجُزْ كَأحَدِ الْمُعْتِقَيْنِ. وَرِضَاءُ الْبِكْرِ صَمْتٌ كَتَفْويضهَا (٣). وَنُدِبَ إِعْلَامُهَا بهِ، وَلَا يُقبَلُ مِنْهَا دَعْوَى جَهْلِهِ (٤) في تأويلِ الْأكْثَرِ. وَإِنْ مَنَعَتْ أَوْ نَفَرَتْ لَمْ تُزَوَّجْ لَا إنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ.
= والجد بن قيس، ورفاعة بن زيد بن التابوت من الأغنياء، فهل كانت فاطمة بنت محمد ﷺ تعتبر دنيئة لفقر آل محمد؟! لا والله، وألف لا! فرب بنت خليفة هلكت فاقة وجهدًا، ورب نبطية لا يطمع فيها أكثر قريش؛ ليسارها وعلو حالها في الدنيا. لذلك، فإن مقياس الدناءة وغيرها، هو معاصي الله تعالى ارتكابًا واجتنابًا. والله تعالى الموفق.
(١) وقوله: وصح بها في دنيئة مع خاص لم يجبر، الرأي كندي أنه لو قال: وصح بها مع خاص لم يجبر، كان أولى؛ لأن الولاية على المؤمنات من باب واحد، وقد تقدم قوله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ". فلا وجه للتفرقة في الولاية بين الشريفة والدنيئة، فلو لم يفرق لكان قوله له حظ من الدليل لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (١). قال القرطبي نقلًا عن إسماعيل بن إسحاق: والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضًا؛ فلو أن رجلًا مات ولا وارث له، لكان ميراثه لجماعة المسلمين، ولو جنى جناية لعقل عه المسلمون، ثم تكون ولاية أقرب من ولاية، وقرابة أقرب من قرابة. ا. هـ. منه. جـ ٣/ ص ٧٦.
(٢) وقوله: كشريفة دخل وطال، هو في غاية الإِشكال عندي؛ لأن الشيء إما حق وإما باطل، ولا واسطة بين الحق والباطل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢). فإن كان الأمر حقًا، فليس لأحد نقض الحق إثر عقده ولا بعد ذلك، وإن كان الأمر باطلًا فالباطل مردود أبدًا مهما يكن الأمر. قال ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". أو كما قال ﷺ .
(٣) وقوله: ورضاء البكر صمت كتفويضها، يريد به أن رضاء غير المجبرة - من الأبكار - بالزوج والصداق صمتها؛ لامتناع البكر غالبًا من الإِعراب بالقول لحيائها. وكذلك تفويض البكر غير =
стр. 819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المجبرة العقد لوليها، كأن يقال لها: نشهد عليك أنك فوضت العقد عليك لوليك فلان. أو: هل تفوضين العقد له؟. فسكتت، فهو رضاء، سواء حضرت المجلس أو غابت عنه. وقد تقدم ذكر بعض الأدلة استطرادًا عند قول المصنف: ثم أبٌ وجبر المجنونة والبكر ولو عانسًا. وهنا نذكر حديثًا مرويًا عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا، وَإذنُهَا صُمَاتُهَا". وهو حديث متفق عليه. أخرجه مسلم في النكاح: باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت. وأخرجه البخاري في النكاح جـ ٩/ ص ١٦٤، ١٦٥، باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما. وأخرجه الموطأ في النكاح، باب استئذان البكر والأيم في أنفسهما.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قوله ﷺ : "وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ". هو لاستطابة نفسها. وقالوا لذلك: إنه لو زوج الأب أو الجد ابنته البكر من غير استئذان، فأقر ذلك الجواز. يروى ذلك عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسارِ، وسالم بن عبد الله، وإليه ذهب مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قالوا: الأمر بهذا الاستئذان على الاستطابة، شأنه في ذلك شأن قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١). وذلك على استطابة نفوسهم.
تنبيه: من يجوز إجبار البكر البالغة على النكاح، يحتج بقوله ﷺ : "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا". قالوا: مفهومه يدل على أن الولي أحق بالبكر منها بنفسها، وذكر كل واحدة على الانفراد دليل على اختلافهما في الحكم. ومعنى قوله: "أَحَّقُ بِنَفْسِهَا". أراد في اختيار الزوج، لا في العقد. ا. هـ. شرح السنة.
(٤) وقوله: ولا يقبل منها دعوى جهله، يريد به أن البكر إذا استؤذنت في نفسها وسكتت، فعقد عليها فأنكرت وادعت عدم رضاها، وأنها جهلت كون صمتها رضاء، فلا يقبل منها دعوى جهله.
قلت: وهذا الفرع مبني على قاعدة خلافية؛ أي على أحد شطريها؛ وهي قولهم: هل يعذر =
стр. 820
والثَّيِّبُ تُعْرِبُ (١) كَبِكْرٍ رُشِّدَتْ (٢) أوْ عُضِلَتْ أوْ زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ أوْ بِرِقٍّ أوْ بِعَيْبٍ أوْ يَتِيمَةٍ أوْ افْتِيتَ عَلَيْهَا، وَصَحَّ إنْ قَرُبَ رِضَاهَا بِالْبَلَدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدِ. وإنْ أجَازَ مُجْبِرٌ فِي ابْنٍ وَأخٍ وجَدٍّ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ بِبَيِّنَةٍ جَازَ. وَهَلْ إنْ قَرُبَ تَأويلانِ، وفُسِخَ تَزْوِيجُ حَاكِمٍ أوْ غَيْرِه ابْنَتَهُ فِي كَعَشْرٍ.
= صاحب الجهل به أو لا؟ والذي دعا المصنف إلى أن يقول في تأويل الأكثر، هو أن القاضي ابن رشد قال في هذا الأصل: كل ما يتعلق به حق الغير لا يعذر الجاهل فيه بجهله، وما لا يتعلق به حق الغير، إن كان لا يسع المكلف ترك تعلمه لا يعذر بجهله وذلك كفرض العين، وإن كان مما يسع المكلف ترك تعلمه عذر فيه بالجهل. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله:
. . . . . . . . . . . . … . . . . . . . . . هل يعذرُ
بالجهل أو لا؟ والَّذْ حَقَّقَا … قَاضٍ نَعَمْ إن لم يَكُنْ تَعَلَّقَا
حَقٌّ به لِلْغَيْرِ إنْ كَانَ وَسِعْ … تَرْكُ تَعَلُّمٍ وَهذا يَمْتَنِعْ ا. هـ.
ومعلوم أن هذه الصورة مما يتعلق حق الغير به. والله الموفق.
(١) وقوله: والثيب تعرب، اتفق أهل العلم على أن تزويج الثيب البالغة العاقلة لا يجوز دون إذنها، فإن زوجها وليها دون إذنها فالنكاح مردود، وقد تقدم حديث ابن عباس المتفق عليه: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا". وفي حديث آخر أخرجه الإِمام أحمد، وابن ماجه، قال: "الثَّيِّبُ يُعْرِبُ عَنْهَا لِسَانُهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا". فقوله: يعرب، قال أبو عبيد: يروى بالتخفيف. وقال الفراء: هو يعرِّب بالتشديد. يقال: عربت عن القوم، إذا تكلمت عنهم. قال البغوي: وأكثر أهل اللغة على أنهما لغتان صحيحتان، يجوز أعربت وعرَّبت. قلت: حديث خنساء بنت خذام دليل على أن الثيب إن زوجت بغير إذنها فإن نكاحها مردود، وهو في صحيح البخاري وغيره، ولفظه عن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها. هذا لفظ البغوي وقال هذا حديث صحيح أخرجه محمد، يعني البخاري، عن =
стр. 821
وَزَوَّجَ الْحَاكِمُ فِي كَإِفْريقِيَّةٍ، وظُهِّرَ مِنْ مِصْرَ، وتُؤوِّلتْ أيْضًا بالإِسْتيطان كَغيْبةِ الأقْرَبِ الثَّلَاثَ وإنْ أسِرَ أوْ فُقِدَ فالأبْعَدُ كَذِي رِقٍّ وَصِغَرٍ وَعتَهٍ وَأُنُوثَةٍ لا فِسْقٍ وَسَلَبَ الْكَمَالَ، وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ وَوَصِيَّةٌ (١) وَمُعْتِقَةٌ وَإنْ أجْنَبيًّا كَعَبْدٍ أُوصِيَ وَمُكاتَبٍ في أمَةٍ طَلَبَ فَضْلًا وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ.
= إسماعيل عن مالك. وأخرجه البيهقي بسنده إلى القاسم بن محمد، أن عبد الرحمن بن يزيد، ومجمع بن يزيد أخبراه أن رجلًا منهم يدعى خذامًا أنكح ابنته رجلًا فكرهت نكاحه، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فرد عنها نكاح أبيها، فتزوجت أبا لبابة بن عبد المنذر. قال أبو بكر: أخبرنيه محمد بن الحسين، ثنا عمار بن رجاء، ثنا يزيد بن هارون مثله، وزاد فذكر يحيى أنه بلغه أنها كانت ثيبًا. رواه البخاري في الصحيح عن إسحاق، عن يزيد بن هارون. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: كبكر رشدت ألخ. جاء في مصنف عبد الرزاق ما نصه: عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان قال: حدثني كهمس بن الحسن أن عبد الله بن بريدة حدثه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن أخ له يرفع خسيسته بي، ولم يستأمرني، فهل لي في نفسي من أمر؟. فقال النبي ﷺ : نعم. فقالت: ما كنت لأرد على أبي شيئًا صنعه، ولكن أحببت ان يعلم النساء ألهن في أنفسهن أمر أم لا؟
قال البغوي: وقد روي عن عكرمة أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ . قال شعيب: أخرجه أبو داود في النكاح، وابن ماجه، وأحمد من حديث حسين بن محمد المروزي ثنا جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وإسناده صحيح. ا. هـ. منه.
قلت: هذه الأحاديث دليل على أن البكر البالغة العاقلة لا يجوز الافتيات عليها في التزويج، وقد تقدم ذكر القول المنسوب لأكثر العلماء، أنه إن زوجها أبوها أو جدها من غير استئذان، أن العقد جائز إن رضيت به. والله الموفق.
(١) وقوله: ووكلت مالكة ووصية ألخ، يعني أن المرأة لا تكون وليًا في النكاح، فإن أرادت إنكاح أمتها أو عبدها أو من هي وصية عليها، أمرت أقرب الرجال إليها من عصبتها أن يأذن لها في =
стр. 822
وَمَنَعَ إحْرامٌ مِنْ أحَدِ الثَّلَاثَةِ (١)، كَكُفْرٍ لِمُسْلِمَةٍ وَعَكْسِهِ (٢)، إلَّا لأمَةٍ وَمُعْتَقَةٍ (٣) مِنْ غَيْرِ نِسَاءِ الْجِزْيَةِ، وَزَوَّجَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ، وَإنْ عَقَدَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ تُركَ وَعَقَدَ السَّفِيهُ ذُو الرّأْيِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ الْجَمِيعَ لَا وَلِيٍّ إلَّا كَهُوَ، وَعَلَيْهِ الإجَابَةُ لِكُفْءٍ، وَكُفْؤهَا أوْلَى (٤) فيأْمُرُهُ الْحَاكِمُ ثم زَوَّجَ، وَلَا يَعْضُلُ أبٌ بِكْرًا بِرَدٍّ مُتَكَرِّرٍ حَتَّى يُتَحَقَّقَ وَإنْ وَكّلَتْهُ مِمَّنْ أَحَبَّ عَيَّنَ وإلَّا فَلَهَا الإِجَازَةُ وَلَوْ بَعُدَ لَا الْعَكْسُ.
= النكاح، ويتولى العقد عنها، فإن المرأة لا تباشر النكاح.
فقد كانت عائشة ﵂ تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهدها، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زوِّجْ، فإن المرأة لا تلي عقد النكاح.
قال البغوي: قول النبي ﷺ : "فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". يؤكد ما ذكرنا من أن المرأة لا تباشر العقد بحال. إذ لو صلحت عبارتها لعقد النكاح، لأطلق لها ذلك عند اختلاف الأولياء ولم يجعله للسلطان. ا. هـ. منه.
قال ابن جزم: قول الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١). نص في أن المرأة لا تكون وليًا في إنكاح أحد أصلًا، لكن لا بد من إذنها في إنكاح عبدها أو أمتها ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٢). الآية، انتهى منه بتصرف.
(١) وقوله ﵀: ومنع إحرام من أحد الثلاثة، يعني بالثلاثة الزوجة ووليها والزوج، يمنع الإِحرام على الثلاثة عقد النكاح، فإن وقع فسخ قبل البناء وبعده ولو ولدت أولادًا. قالوا: ويستمر المنع إلى تمام الحج بالإِفاضة إن قدم سعيه، وإلا فلتمام سعيه كالعمرة.
ففي الموطإ عن مالك، عن نافع، عن نُبيه بن وهب، أخي بني عبد الدار، أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحاجِّ، وهما محرمان: إني قد أردت أن أنكح =
стр. 823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= طلحة بن عمر بنتَ شيبة بن جُبير، وأردت أن تحضر. فأنكر ذلك عليه أبانُ وقال: سمعت عثمان بن عفَّان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ". وعن مالك عن داود بن الحصين أن أبا غطفان ابن طريف المري أخبره، أن طريفًا تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه.
وعن مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا ينكح المحرم ولا يخطب على نفسه ولا على غيره. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: ككفر لمسلمة وعكسه، مراده أن كفر ولي المرأة يمنع عقده نكاحها، وكذلك كفر المرأة والولي مسلم؛ فإنه لا ولاية لكافر على مسلمة، سواء كان ذميًا أو حربيًا أو مرتدًا؛ وذلك لدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). وكذلك لا ولاية لمسلم على كافرة لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). الآية.
(٣) وقوله: إلا لأمة ومعتقة ألخ، هو استثناء من ولاية المسلم للكافرة. قالوا: يستثنى من ذلك من له أمة كافرة، فلا يمنع من تزويجها لكافر مثلها، ومن كانت له معتقة أعتقها ببلد الإِسلام وهي كافرة، فله أن يزوجها من مسلم إن كانت كتابية، أو من كافر، فإن كان أعتقها وهي ببلد الجزية فلا يزوجها حتى تسلم.
(٤) وقوله: وعليه الإِجابة لكفء وكفؤها أولى، أما كونه عليه الإِجابة لكفء، فإن من أدلة ذلك حديث معقل بن يسار المتقدم قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود إليك أبدًا - وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه - فأنزل الله : ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٣). الآية. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله: قال: فزوجتها إياه. والحديث في صحيح البخاري في عدة مواضع.
وأما كون كفئها أولى، فلدليل قصة خنساء بنت خذام؛ فقد كانت تحت أنيس بن قتادة. فقتل =
стр. 824
ولِابْنِ عَمٍّ وَنَحْوِهِ تَزْويجُهَا مِنْ نَفْسِهِ إنْ عَيَّنَ: بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا. وَتَرْضَى وَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ (١)، وَإِنْ أنْكَرَتِ الْعَقْدَ صُدِّقَ الْوَكِيلُ إنِ ادَّعَاهُ الزَّوجُ، وإنْ تَنَازَعَ الأوْلِيَاءُ المُتَسَاوُونَ فِي الْعَقِدِ أو الزَّوْجِ، نَظَرَ الْحَاكِمُ (٢). وإنْ أذِنَتْ لِوَلِيِّيْنِ فَعَقَدَا فَلِلأَوَّلِ (٣)، إنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ الثّانِي بِلَا عِلْمُ (٤). وَلَوْ تأخَّرَ تَفْويضُهُ إن لَمْ تَكُنْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَلَوْ تَقَدَّمَ الْعَقْدُ على الأظْهَرِ (٥) وفُسِخَ بِلَا طَلَاقٍ إنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ أو لِبَيِّنَةٍ بِعِلْمِهِ أَنَّهُ ثَانٍ لَا إنْ أقَرَّ أوْ جُهِلَ الزَّمَنُ، وإن مَاتَتْ وجُهِلَ الأحَقُّ، فَفِي الإِرْث قَوْلَانِ،
= عنها يوم أحد، فزوجها أبوها رجلًا، فجاءت النبي ﷺ فقالت: إن أبي أَنكحني رجلًا، وإن عم ولدي أحب إليَّ منه. فجعل النبي أمرها إليها. ا. هـ. مصنف عبد الرزاق. وفيه أيضًا: أخبرنا ابن جريح قال: أخبرني أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار، فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل إلى أبيها، فأنكح الرجل وترك عم ولدها، فأتت النبي ﷺ فقالت: أنكحني أبي رجلًا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا النبي ﷺ أباها فقال: "أنْكَحْتَ فُلَانًا فُلَانَةً"؟ قال: نعم، قال. "أَنْتَ الَّذِي لَا نكَاحَ لَكَ. اذْهَبِي فَانْكِحِي عَمَّ وَلَدِكِ". ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه البيهقي بعدة روايات قال في بعضها: رواه البخاري في الصحيح عن أبي أويس وغيره عن مالك. وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد.
(١) وقوله: ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه ألخ، يريد به أن الولي إن كان ابن عم أو وصيًا أو غيره فأراد تزويج وليته من نفسه، فإن له ذلك، ويتولى طرفي العقد؛ فيعقد عليها لنفسه، ولها على نفسه. قال في المدونة: وليشهد على ذلك غيرهما.
قلت: هذا قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأبي ثور، والمنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد، واستدلوا بما روى البخاري قال: قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة فارط. أتجعلين أمرك إليَّ؟. قالت: نعم. قال: قد تزوجتك. قالوا: ولأنه يملك الإِيجاب والقبول فجاز أن يتولاهما، كما لو زوج أمته عبده الصغير. =
стр. 825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولأنه عقد وجد فيه الإِيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو أهل للقبول فصح، كما لو وجدا من رجلين. ا. هـ. كذا في المغني لابن قدامة جـ ٦/ ص ٤٧٠.
وقال الشافعي: لا يزوجها منه الا الحاكم، ولا يجوز له أن يوكل من يزوجه، ولأن هذا عقد ملكه بالإِذن فلا يتولى طرفيه كالبيع، ولا يجوز أن يزوجه من هو أبعد منه من الأولياء، لأنه لا ولاية له مع وجوده.
وقال الإِمام أحمد في إحدى الروايتين عنه: لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولكن يوكل رجلًا يزوجها إياه بإذنها. واستدل بحديث رواه أبو داود بإسناده عن عبد الملك؛ أن المغيرة بن شعبة أمر رجلًا زوجه امرأة، كان المغيرة أولى بها منه. ا. هـ. المغني بتصرف جـ ٦/ ٤٧١.
(٢) وقوله: وإن تنازع الأولياء المتساوون ألخ، دليله حديث ما رواه ابن شهاب عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثلاثًا - فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم. ومحل الشاهد منه هنا قوله: "فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". لأن اشتجروا معناه: اختلفوا وتنازعوا. ومن ذلك الاستعمال قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١). أي فيما أوقع خلافًا بينهم. قال المواق هنا: سادس الأقوال قول المدونة: إن اختلف الأولياء، وهم في قعدد واحد، نظر السلطان. ا. هـ منه.
(٣) وقوله: وإن أذنت لوليين فعقدا فللأول، قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ لِلْأوَّلِ". واستدل في المصنف بآثار على ذلك.
قلت: وهو في السنن الكبرى للبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني ولفظه: "إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالأَوَّلُ أَحَقُّ". وفيه عنه بنفس اللفظ الذي في ابن أبي شيبة، لكنه قال: "لِلْأوَّلِ مِنْهُمَا". وفيه أيضًا أن امرأة زوجها أولياؤها بالجزيرة من عبيد الله بن الحر، وزوجها أهلها بعد ذلك بالكوفة، =
стр. 826
وَعَلى الْإِرْثِ فالصَّدَاقُ وَإلَّا فزائدُهُ (١)، وَإنْ مَاتَ الرَّجُلَانِ فَلَا إرْثَ ولَا صَدَاقَ وَأعْدَلِيَّةُ مُتَنَاقِضتَيْنِ مُلْغَاةٌ وَلَوْ صَدَّقَتْهَا الْمَرْأَةُ، وَفُسِخَ مُوصىً وَإنْ بِكَتْمِ شُهُودٍ (٢) منِ امْرَأةٍ أَوْ مَنْزِلٍ أَوْ أيَّامٍ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ وعُوقِبَا والشّهُودُ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ وجوبًا عَلى أنْ لَا تَأتِيَهُ إلَّا نَهَارًا، أوْ بِخِيارٍ لِأحَدِهِمَا أوْ غَيْرٍ، أوْ عَلى: إن لَمْ يَأتِ بالصَّدَاقِ لِكَذَا فَلَا نِكَاحَ، وَجَاءَ بِهِ (٣). وَمَا فَسَدَ لِصَدَاقِهِ أوْ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ، كَأنَ لَا يَقْسِمَ لَهَا أوْ يؤثِرَ عَلَيْهَا، وألْغِيَ وَمُطَلَقًا، كَالنِّكَاحِ لِأجَلٍ
= فرفعوا ذلك إلى علي ﵁، ففرق بينها وبين زوجها الأخير وردها لزوجها الأول، وجعل لها صداقها بما أصاب من فرجها، وأمر زوجها الأول أن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من الأول. ا. هـ. منه.
(٤) وقوله: إن لم يتلذذ الثاني بلا علم، يريد به أن الثاني إن وضع يده وتلذذ، وهو لا يعلم بعقد الأول، كان أولى بها؛ وذلك لقول عمر: إذا أنكح الوليان فالأول أحق ما لم يدخل بها الثاني، ولأن الثاني اتصل بعقد القبض فكان أحق. ا. هـ. المغني.
هذا المذهب عند أصحابنا خلافًا لأحمد، وقتادة، والشافعي وابن المنذر، فقد قدموا ﵏ حديث علي المتقدم آنفًا على حديث عمر ﵄.
(٥) وقوله: إن لم تكن في عدة وفاة ولو تقدم العقد على الأظهر، هذا شرط في تفويت دخول الثاني بها، يعني أنه إن كان عقده - هذا الذي دخل بها بموجبه - وقع بعد وفاة الأول يفسخ النكاح؛ لأنه واقع في عدة، ويتأبد تحريمها عليه في رأي مالك.
(١) وقوله: وإن ماتت وجهل الأحق، ففي الإِرث قولان، وعلى الإِرث فالصداق والا فزائده، يريد به - والله أعلم - أنه إن ماتت ذات الوليين، وجهل الأحق بها من الزوجين، فقيل بثبوت الإِرث لهما معًا؛ فيكون لهما ميراث زوج واحد مقسومًا بينهما نصفين؛ وذلك لتحقق الزوجية، وعدم تحقق مستحقها لا يضر. قاله ابن محرز وأكثر المتأخرين. وقال التونسي: لا إرث لهما بالكلية؛ وذلك بناء على أن الشك في عين المستحق كالشك في سبب الإِرث، فإن قلنا بثبوت =
стр. 827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الإِرث، فالصداق لازم كاملًا على كل واحد منهما؛ لإِقراره بوجوبه عليه، وإن قيل بعدم الإِرث، فعلى كل واحد منهما ما زاد من الصداق على ميراثه لو ورث.
قلت: وهذا كله توصل إليه بالرأي والاجتهاد. فالله تعالى أعلم بمستندهم فيه. وجزى الله العلماء خيرًا عن الإِسلام والمسلمين.
(٢) وقوله: وفسخ موصىً وإن بكتم شهود ألخ، تقريره: وفسخ نكاح موصى بكتمه من الزوج والزوجة، والولي والشهود وسائر الحاضرين عن كل أحد، بل وإن أوصى الزوج بكتم الشهود فقط، عن كل أحد أو عن امرأة الزوج، أو عن أهل منزله، سواء كان ذلك الكتمان أبدًا أو في أيام ثلاثة فقط. ومحل الفسخ إن لم يدخل الزوج بالزوجة وبطل، ومفهومه أنه إن دخل وطال فلا يفسخ.
قلت: هذه الآراء كلها لا دليل عليها من كتاب ولا سنة. والله تعالى أعلم بمستندها. فإنه لم يصح في السنة قط نهي عن نكاح السر إذا شهد عليه عدلان. قال أبو محمد بن حزم: وليس سرًا ما علمه خمسة؛ الناكح والمنكح والمنكحة والشاهدان، دليل ذلك قول الشاعر:
.. أَلا كلُّ سرٍّ جاوزَ اثنين شائع .. البيت.
وقال الآخر:
السرُّ يكتمُه الإِثنان بينَهما … وكلُّ سرٍّ عدَا الإِثنين منشرُ
قال: وقد أباح النكاح الذي يستكتم فيه الشاهدان، أبو حنيفة والشافعي وأبو سليمان وأصحابهم. ا. هـ. منه بتصرف.
نعم، ورد في بلوغ المرام قال أحمد: وأخرج الترمذي أيضًا من حديث عائشة، وقال: حسن غريب: "أَعْلِنْوا هذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ في الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ، وَلْيُولِمْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِشَاةٍ، فَإِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً وَقَدْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فَلْيُعْلِمْهَا لَا يَغُرَّهَا".
قال الصنعاني: دلت أحاديث الباب على الأمر بإعلان النكاح، والإِعلان خلاف الإِسرار. ا. هـ. منه.
قلنا: هو كذلك غير أن أمرًا علمه خمسة، لم يبق من الأسرار في شيء والله تعالى أعلم. وهو الموفق. =
стр. 828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (٣) وقوله: وقبل الدخول وجوبًا على أن لا تأتيه إلا نهارًا، أو بخيار لأحدهما، أو غير أو على إن لم يأت بالصداق لكذا فلا نكاح وجاء به. تقريره، وفسخ النكاح وجوبًا قبل الدخول، إن عقد على شرط أن لا تأتيه الزوجة إلا نهارًا مثلًا، فإن دخل ثبت النكاح وألغي الشرط. أو عقد النكاح بشرط خيار لأحدهما مدة من الزمن، أو لهما معًا، أو بخيار لغيرهما، فيفسخ قبل البناء وجوبًا، ويثبت بعد الدخول بالمسمى إن كان، وبصداق المثل إن لم يكن مسمى. قالوا: وهذا في غير خيار المجلس، أما هو فيجوز اتفاقًا.
أو وقع عقد النكاح بصداق مؤجل كله أو بعضه، على شرط أنه، إن لم يأت الزوج بالصداق كله أو بعضه - الذي عليه النكاح لأجل كذا - فلا نكاح بين الزوجين، والحال أنه قد جاء به أثناء الأجل، أو عند انتهائه، فإنه يفسخ قبل البناء.
وفسخ قبل البناء وجوبًا ما فسد لصداقه، لكونه لا يملك شرعًا، أو لا يصح بيعه كآبق وبعير شارد، فإن دخل ثبت بصداق المثل.
أو كان وقع عقد النكاح على شرط يناقض مقتضى العقد؛ كشرطه أن لا يقسم لها في المبيت مع زوجته السابقة عليها، أو وقع العقد بشرط أن يؤثر - أي يفضل - الأولى عليها في قسمة المبيت؛ بأن يجعل لها الليلة وللأولى ليلتين، فإن العقد يفسخ قبل الدخول، فإن دخل ثبت النكاح بصداق المثل وألغي الشرط. وأما إن وقع النكاح إلى أجل، فهو نكاح المتعة، عين الأجل أو لا. فإنه يفسخ النكاح فيه قبل الدخول وبعده أبدًا، ويعاقب الزوجان، بل يحدّان.
وكذا يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده إن قال الزوج للزوجة: إن مضى شهر فأنا أتزوجك. فرضيت هي أو وليها، وقد جعلا ذلك اللفظ هو الصيغة، بحيث إنهم لا يستأنفان عقدًا فيما بعد، فيفسخ مطلقًا لأنه نكاح متعة قدم فيه الأجل.
أما الدليل لهذه الفروع، فإن الذي أرى منه ما في الموطإ عن مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب سئل عن المرأة تشترط على زوجها أنه لا يخرج بها من بلدها. قال سعيد: يخرج بها إن شاء. قال مالك: فالأمر عندنا أنه إذا اشترط الرجل للمرأة - وإن كان ذلك الشرط عند عقدة النكاح - أن لا أنكع عليك ولا أتسرى - أن ذلك ليس بشيء، إلا أن يكون في ذلك يمين بطلاق أو عتاقة، فيجب ذلك عليه ويلزمه. ا. هـ. منه. =
стр. 829
أَوْ: إِنْ مَضَى شَهْرٌ فَأَنَا أَتَزَوَّجُكِ. وَهُوَ طَلَاقٌ إنْ اخْتُلِفَ فيهِ كَمُحْرِمٍ وَشِغارٍ، والتَّحْرِيمُ بعَقْدِهِ، وَوَطْئهِ، وَفيهِ الإِرْثُ إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ، وإِنْكَاحَ الْعَبْدِ، والْمَرْأَةِ (١)
= قلت: هذا قول الزهري، وقتادة، وهشام بن عروة ومالك، والليث، والثوري والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. واحتجوا بقوله ﷺ : "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ". قالوا: وهذه الشروط ليست في كتاب الله، لأن الشرع لا يقتضيها. وأيضًا فقد قال رسول الله ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا". وهذا يحرم الحلال؛ وهو التزويج والتسري والسفر.
قال الإِمام أحمد: إن شرط لها ما يعود نفعه عليها، لزمه الوفاء به، مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى، فهذا يلزمه الوفاء لها به، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح. قال ابن قدامة: يروى هذا عن عمر بن الخطاب ﵁، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن العاص ﵃. وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد وطاوس، والأوزاعي، وإسحاق.
قال ابن قدامة: ومن الشروط في العقد ما يصح العقد معه ويبطل الشرط، مثل أن يشترط أن لا مهر لها، أو أن لا ينفق عليها، أو إن أصدقها رجع عليها، أو تشترط هي أن لا يطأها، أو يعزل عنها، أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر، أو أن لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها لأنها تناقض مقتضى العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاد العقد فلم تصح؛ كما لو أسقط الشفيع شفعة قبل البيع. قال: أما العقد في نفسه فصحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطل. ا. هـ. منه.
ومن الشروط ما يبطل العقد معه من أصله، مثل أن يشترط توقيت النكاح، وهو نكاح المتعة، أو أن يجعل صداقها نكاح امرأة أخرى، وهو الشغار، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم وأحكم. وهو ولي التوفيق.
(١) وقول المصنف: وهو طلاق إن اختلف فيه، كمحرم وشغار، والتحريم بعقده ووطئه. وفيه =
стр. 830
لَا إنْ اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ (١)، فَلَا طَلَاقَ وَلَا إرْثَ كَخَامِسَةٍ، وَحَرَّمَ وَطْؤُهُ فَقَطْ،
= الإِرث إلا نكاح المريض وإنكاح العبد والمرأة، تقريره، كما قال الدردير، أنه لما تكلم على ما يفسخ مطلقًا، وما يفسخ في حال دون حال، كان المقام مظنة أسئلة أربعة وهي: هل الفسخ بطلاق أم لا؟ وهل التحريم بعقده ووطئه أم لا؟ وهل فيه الإِرث أم لا؟ وإذا فسخ فهل للمرأة شيء من الصداق أم لا؟. قال: فأجاب عن الأول بقوله: وهو - أي الفسخ - طلاق إن اختلف فيه بين العلماء، ولو خارج المذهب، حيث كان قويًا، بأن قيل بصحته بعد العقد، وإن لم يجز ابتداء كما في الشغار، إذ لا قائل بجوازه ابتداء، ولا بد من حكم حاكم فهو بائن لا رجعي، فإن عقد عليها شخص قبل الحكم بالفسخ لم يصح لأنها زوجة.
وقوله كمحرم، أي بحج أو عمرة من أحد الثلاثة: الزوج والزوجة والولي.
وقوله وشغار، أي صريحه، وهو البضع بالبضع؛ هما مثالان للنكاح المختلف فيه. وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: والتحريم في المختلف فيه يقع تارة بعقده وتارة بوطئه؛ فالذي يُحرِّمُ بعقده كما لو تزوج محرم مثلًا، ففسخ نكاحه قبل الدخول بها، فإن التحريم هنا ينتشر بعقده المجرد، فيحرم عليه نكاح أمها دون بنتها؛ لأن العقد على البنت يحرم مجرده الأم. وتارة يقع التحريم بوطئه أو بتلذذه بمقدماته؛ كما لو تزوج امرأة فدخل بها ففسخ، فإنه يحرم عليه نكاح ابنتها، ولو فسخ قبل البناء لم تحرم البنت.
وأجاب عن السؤال الثالث بقوله: وفيه الإِرث أي وفي النكاح المختلف فيه الإِرث؛ إذا مات أحد الزوجين قبل الفسخ، دخل بها أو لم يدخل، فإن فسخ قبل الموت فلا إرث، ولو دخل أو كانت العدة باقية؛ لأن الفسخ بحكم حاكم طلاق بائن كما تقدم. ثم استثنى من المختلف فيه نكاح المريض فلا إرث فيه، وإن كان مختلفًا في فساده، سواء مات المريض أو الصحيح؛ لأن سبب إفساده هو إدخال وارث، وإلا إنكاح العبد والمرأة، بأن تولى العبد عقد امرأة أو عقدت المرأة على نفسها، أو على غيرها فهو من المختلف فيه.
قلت: ولعله معطوف، على ما لا إرث فيه، بناء على ما حكي عن أصبغ أنه قال: لا إرث فيما عقدته المرأة والعبد، وإن فسخ بطلاق لضعف الاختلاف فيه. والله أعلم.
(١) وقوله: لا إن اتفق على فساده، يريد به أن النكاح المتفق على فساده لا يكون فسخه =
стр. 831
وَمَا فُسِخَ بَعْدَهُ فَالْمُسَمَّى وَإلَّا فَصَداقُ المِثْلِ. وسَقَطَ بِالْفَسْخِ قَبْلَهُ إلَّا نِكَاحَ الدِّرْهَميْنِ (١) فَنِصْفُهُمَا، كَطَلَاقِهِ (٢). وَتُعَاضُ المتَلَذَّذُ بِهَا.
وَلِوَلِيِّ صَغِيرٍ فَسْخُ عَقْدِهِ (٣) فَلَا مَهْرَ ولَا عِدَّةَ، وَإنْ زُوِّجَ بِشُروطٍ أوْ أجِيزَتْ (٤) وَبَلَغَ وَكَرِهَ فَلَهُ التَطْلِيقُ. وَفِي نِصْفِ الصَّدَاقِ قَوْلَانِ عُمِلَ بِهِمَا، والْقَوْلُ لَهَا:
= طلاقًا، ولا يحتاج فسخه لحكم حاكم، لعدم انعقاده أصلًا، ولا توارث بموجبه لو مات أحدهما قبل الفسخ. ومثل له بقوله: كخامسة أي: وكأم زوجته وعمتها وخالتها، في حالة جمع العمة والخالة معها، ثم إن مجرد عقد النكاح الفاسد اتفاقًا لا ينشر الحرمة، وإنما ينشر الحرمة به الوطء أو التلذذ بمقدمات الجماع.
وأجاب عن السؤال الرابع بقوله: وما فسخ بعده فالمسمى وإلا فصداق المثل، وسقط بالفسخ قبله، أي وما فسخ بعد البناء، سواء كان متفقًا على فساده أو مختلفًا في فساده، فالمسمى فيه واجب للمرأة إن كان حلالًا، وإلا يكن مسمى كصريح الشغار مثلًا، أو كان مسمى حرامًا كخمر مثلًا، فاللازم لها حينئذ صداق المثل، أما إذا حصل الفسخ قبل البناء، سقط الصداق بالفسخ جريًا على قاعدة كلية تقول: كل نكاح فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه، سواء كان متفقًا على فساده أو مختلفًا فيه، كان الفساد لعقده أو لصداقه أو لهما معًا.
(١) وقوله: إلا نكاح الدرهمين، يريد به من أصدق امرأة صداقًا ناقصًا عن الصداق الشرعي، وأبى الزوج عن إتمامه، فإنه يلزمه نصفهما بالفسخ قبل البناء.
(٢) وقوله: كطلاقه، تشبيه تام، أي إن طلق قبل البناء - في النكاح الفاسد - فلا شيء عليه، وإن كان طلق بعد البناء، فعليه دفع المسمى إن كان، وإلا فصداق المثل.
(٣) وقوله: ولولي صغير فسخ عقده ألخ، تقريره، أن الشارع جعل لولي الصغير الحق لينظر له في الأصلح، فإن رأى المصلحة في فسخه فسخه ولا شيء لها، وإن رأى المصلحة في الفسخ وعدمه مستويتين خير في الفسخ وعدمه. قالوا: وليس عليها من عدة، بخلاف ما لو مات الصغير قبل الفسخ، فإنها تعتد منه عدة وفاة ولو لم يدخل بها.
(٤) وقوله: وإن زوج بشروط أو أجيزت ألخ، تقريره أن الصغير إن زوجه وليه بشروط شرطت =
стр. 832
أنَّ الْعَقْدَ. وَهُوَ كَبِيرٌ. وَلِلْسَّيِّدِ ردُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ (١) بَائِنَةٍ إنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا أنْ يُرَدَّ بِهِ، أو يُعتقْهُ، ولَها رُبُعُ دينَارِ إنْ دَخَلَ، واتُّبِعَ عَبْدٌ ومُكَاتَبٌ بِمَا بَقِيَ إنْ غَرَّا، إنْ لمْ يُبْطِلْهُ سَيِّدٌ أوْ سُلْطَانٌ (٢)، ولَهُ الإِجَازَةُ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يُرِدِ الْفَسْخَ أوْ يُشَكَّ فِي قَصْدِهِ (٣)، وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ فَسْخُ عَقْدِهِ، وَلَوْ مَاتَتْ، وتَعَيَّنَ بِموْتِهِ (٤). وَلِمُكَاتَبٍ وَمَأذُونٍ تَسَرٍّ وَإنْ بِلَا إذْنٍ، ونَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي غَيْرِ خَراجٍ وكَسْبٍ إلَّا لِعُرْفٍ كَالْمَهْرِ ولَا يَضْمَنُهُ سَيِّدٌ بإذْنِ التَّزْوِيجِ.
= لها عليه حين العقد، أو كأن زوج نفسه واشترط لها على نفسه شروطًا، والحال أن تلك الشروط تلزم إن وقعت من مكلف؛ كأن تزوج عليها، فهي أو التي يتزوجها طالق، وأجاز وليه تلك الشروط التي اشترطها الصغير على نفسه، ولما بلغ الصغير كره تلك الشروط، فإنه يكون عليه حينئذ التطليق جبرًا حين طلبت المرأة منه ذلك وامتنع. قال الدردير: فإن قيل: فله التخيير في التطليق وعدمه، كان مثل كل زوج، ولو قال المصنف: فلها التطليق. لأفاد المطلوب. قال: ومحل ذلك ما لم ترض هي بإسقاط الشروط وإلا فلا تطليق عليه. وإذا طلق قبل الدخول ففي لزوم نصف الصداق لها عليه أو على من تحمله عنه قولان، الراجح منهما اللزوم، فإن اختلفا في وقوع العقد وهو صغير، يدعيه هو، أو وقع وهو كبير وقبل الشروط في دعواها، فالقول لها أو لوليها بيمين، وتلزمه الشروط إن كانت مما يلزم، وتقدم تفصيل ذلك.
(١) وقوله: وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط ألخ، تقريره، أن السيد أي المالك - ذكرًا كان أو أنثى - له رد نكاح عبده القن، أو كانت فيه شائبة كمكاتب، إن تزوج بغير إذنه. وله إمضاء ذلك النكاح أيضًا ولو طال الزمن بعد علمه. فإن طلق عليه كانت طلقة واحدة بائنة لا يملك الرجعة فيها، ومحل جواز الرد له، إذا لم يبعه قبل الرد، فإن باعه فلا رد له إذ لم يبق له فيه تصرف، وليس للمشتري أيضًا رده، بل يقال له: إن كنت اشتريته وأنت عالم بأنه متزوج، فقد دخلت على عيبه ولا رد لك، وإن كنت لم تعلم فهو عيب، لك رد البيع به للبائع، فإن تمسكت به فليس لك رد نكاحه. ومثل البيع العتق، فإن عتقه فلا رد لنكاحه، لأنه لم يبق له فيه تصرف.
فإذا رد إليه العبد بعيب التزويج، فإن كان باعه غير عالم بتزويجه، كان له رد نكاحه، وإن =
стр. 833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كان باعه وهو عالم بذلك فلا رد.
ملحوظة: للمعترض على أن يقول: قد ذكرت في المقدمة أنك إنما تعنى بالدليل ولا عناية لك بالشرح، فما بالك تورطت فيه بهذه التقريرات؟ ..
والجواب: إني لما رأيتني وقعت في بحبوحة الآراء البحتة، رأيت من واجبي مشاركة قراء المختصر في حل بعض هذه الألفاظ باختصار، وقد تقدم مني بعض ذلك في الجزء الأول في باب السهو. والله تعالى الموفق. والمرجو أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجعلها منا ومن جميع المسلمين خالصة لوجهه الكريم.
(٢) وقوله: ولها ربع دينار إن دخل، واتبع عبد ومكاتب بما بقي إن غرَّا، إن لم يبطله سيد أو سلطان، مراده به - والله أعلم - أن زوجة العبد الذي رد سيده نكاحه، إن كان العبد دخل بها قبل رد النكاح، لزم لها من مال العبد ربع دينار إن كان له مال، وإلا اتبعته به في ذمته؛ فإن كانت قبضت منه أكثر من ذلك، ردت الزائد على ربع دينار، سواء في ذلك أكانت حرة أو أمة، فإذا عتق الزوج فيما بعد اتبعته بما بقي من صداقها، سواء كان عبدًا أو مكاتبًا. ومحل اتباعها لهما، إن كانا غرَّاها بأن ادعيا لها أنهما حران، فإن لم يغرا فلا اتباع لهما بشيء، كما أنهما لا يتبعان إن أسقط السلطان أو السيد، بأن قال له أحدهما: أسقطت عنك ما بقي من الصداق. فلا تتبعه المرأة إذا عتق بشيء.
(٣) وقوله: وله الإِجازة إن قرب ولم يرد الفسخ ألخ، تقريره، أن السيد إن حصل منه امتناع عن إجازة نكاح عبده، الذي فعله بدون إذنه، ولم يسبق منه قول بالفسخ، ولم يسبق منه يقينًا قصد بالفسخ، كان له إجازة ذلك النكاح، إن قرب وقت الإِجازة من وقت حصول الامتناع كاليومين مثلًا، فإن كان أراد بامتناعه ذلك الفسخ، أو وقع منه شك؛ هل كان قصده بالامتناع الفسخ؟. فلا إجازة وتعين الفسخ.
(٤) وقوله: ولولي سفيه فسخ عقده ولو ماتت وتعين بموته، يريد به أن السفيه البالغ إذا زوج نفسه بغير إذن وليه، كان للولي الحق في فسخ ذلك النكاح بطلقة بائنة، هذا إذا استوى النظران في إبقائه أو فسخه، أما إذا كانت المصلحة تقضي فسخه، تعين فسخه قولًا واحدًا، كما يتعين الإِمضاء =
стр. 834
وَجَبَرَ أبٌ وَوَصِيٌّ وحَاكِمٌ مَجْنُونًا احْتَاجَ وصَغيرًا، وفي السَّفِيهِ خِلَافٌ. وَصَدَاقُهُمْ إنْ أعْدَمُوا عَلى الْأبِ، وَإنْ مَاتَ (١) أوْ أيْسَرُوا بَعْدُ، وَلَوْ شُرِطَ ضِدُّهُ، وَإلَّا فعَلَيْهِمْ إلَّا لِشَرْطٍ وَإنْ تَطَارَحَهُ رَشيدٌ وَأبٌ فُسِخَ وَلَا مَهْرَ، وَهَلْ إنْ حَلَفَا وَإلَّا لَزِمَ النَّاكِلَ؟ تَرَدُّدٌ (٢)، وحَلَفَ رَشِيدٌ وأجْنَبِيٌّ وامْرأةٌ أنْكَروا الرِّضَا وَالْأمرَ حُضُورًا إنْ لَمْ يُنْكِرُوا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِمْ (٣)، وَإنْ طَالَ كثيرًا لَزِمَ؛ وَرَجَعَ لِأبٍ وَذِي قَدْرٍ زَوَّجَ غَيْرَهُ وضَامِنٍ لابْنَتِهِ النِّصْفُ بالطَّلَاقِ، وَالْجَمِيعُ بالْفَسَادِ، وَلا يَرْجِعُ أحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بالْحَمالَةِ أو يَكُونَ بَعْدَ الْعَقْدِ (٤)، ولهَا الامْتِنَاعُ إنْ تَعَذَّرَ أخْذُهُ حَتَّى يُقَدَّرَ وَتأخُذَ الْحَالَّ، وَلَهُ التَّرْكُ (٥)، وَبَطَلَ إنْ ضَمِنَ فِي مَرَضِه عَنْ وَارِثٍ لَا زَوْجِ ابْنَتِهِ (٦).
= إن تمحضت المصلحة في ذلك، فإذا فسخ النكاح قبل البناء فلا شيء لها، وإن فسخ بعده كان لها ربع دينار فقط، ولا تتبعه بالباقي ان رشد، ولا ينتقل له ما كان من التخيير للولي بعد الترشيد، ويتمادى حق ولي السفيه في رد النكاح ولو ماتت الزوجة؛ إذ قد يكون عليه من الصداق أكثر مما ينوبه من الميراث. وإن مات السفيه تعين الرد شرعًا، لأن في إمضائه ترتب الصداق والإِرث بدون فائدة تعود على ورثته. وذكر الدسوقي أن الفسخ هنا يقع بمجرد موته، وأنه لا يحتاج إلى حكم حاكم.
(١) وقوله: وجبر أبٌ أو وصي وحاكم مجنونًا احتاج وصغيرًا، وفي السفيه خلاف، وصداقهم إن أعدَموا على الأب وان مات ألخ. تقريره: وجبر أبٌ ووصيه ولو لم يكن له جبر الأنثى وحاكم ومقدمه دون غيرهم، ذكرًا مجنونًا مطبقًا، وإلا انتظر إفاقته، بشرط خوف الضرر عليه من زنا أو هلاك، وتعين الزواج لإِنقاذه من ذلك الضرر، قالوا: ومحل جبر الحاكم إن عدم الأولان أي الأب أو وصيه، إن كان جن قبل البلوغ، فإن بلغ رشيدًا ثم جن، جبره الحاكم ولو وجد أبوه أو وصيه. وجبروا أيضًا صغيرًا لمصلحته المتمحضة؛ كتزويجه من شريفة، أو ذات مال، أو بنت عم له فيها غبطة. والخلاف هل يجبرون السفيه إذا لم يخف عليه الزنا؟. والأظهر من القولين عدم جبره؛ لأن =
стр. 835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= له أن يطلق - قاله الدسوقي - وإذا وقع جبر أحد الثلاثة على التزويج، وكان وقت عقد النكاح معدمًا، فإن الصداق اللازم من ذلك العقد على الأب، ولو لم يشترط عليه، ولو كان معدمًا، ويؤخذ من ماله - أي الأب - وإن مات؛ لأنه لزم في ذمته فلا ينتقل عنها بموته. وإن أيسر هؤلاء بعد العقد عليهم، الحاصل وقت عدمهم لا ينتقل إليهم، فهو لازم للأب، ولو شرط بأن الصداق ليس عليه بل عليهم فإنه يلزمه، ولا عبرة بشرطه. فإن لم يكونوا وقت العقد عليهم معدمين، فإن عليهم من الصداق ما أيسروا به إلا لشرط: أي إلا أن يكونوا اشترطوا الصداق على الولي، فإنه يعمل بالشرط، ولو كان الولي غير الأب من وصي أو حاكم.
قلت: كون الأب أو وصيه لهما تزويج المجنون والغلام الصغير هو المذهب، فأما المجنون المطبق فإنه ليس لغير الأب أو وصيه تزويجه في قول مالك. وقال أبو عبد الله بن حامد: إن للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة النساء؛ بأن كان يتبعهن ويريدهن. وهو مذهب الشافعي.
وأما الغلام الصغير، فقد قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن للأب تزويجه. كذلك قال ابن المنذر. وممن هذا مذهبه الحسن والزهري وقتادة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لما روي أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير، فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعًا. رواه الأثرم بإسناده. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: وإن تطارحه رشيد وأبٌ فسخ ولا مهر، وهل إن حلفا وإلا لزم الناكل؟ تردد: مراده به أنه إن عقد أب لولده الرشيد بإذنه ولم يبن عنى أيهما الصداق؛ بأن قال الإِبن الرشيد. إنما قصدت أن الصداق عليك. وقال الأب: بل إنما أردت أن يكون الصداق على ابني. أو قال كل منهما: أنا شرطته عليك. يفسخ النكاح قبل الدخول ولا مهر على واحد منهما، إن لم يرض به أحدهما. وهل محل الفسخ وعدم المهر إن حلفا؟ ويبدأ بالأب لأنه هو الذي باشر العقد. وقيل: يقرع بينهما فيمن يبدأ بالحلف؛ فإن نكلا أو أحدهما ثبت النكاح ولزم المهر الناكل منهما، فإن نكلا معًا فعلى كل واحد منهما نصفه، أو هو الفسخ وعدم المهر مطلقًا حلفا أو لا؟. والقول الثاني المذهب، ومحله قبل الدخول.
(٣) وقوله: وحلف رشيد وأجنبي وامرأة أنكروا الرضا. والامر حضورًا إن لم ينكروا بمجرد =
стр. 836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= علمهم، يريد به أنه إن عقد أب لابن رشيد بحضوره، وادعى إذنه أو رضاه بفعله ذلك، وأنكر الابن الإِذن والرضا، يصدق الابن بيمين، وإن كان الإِبن غائبًا فأنكر بمجرد بلوغ الخبر إليه، سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب، وإن سكتوا بعد علمهم مدة تعد طويلة؛ بأن أنكروا بعد تهنئتهم والدعاء لهم، لزم النكاح المعقود له، وغرم نصف الصداق، ولكن لا يمكن منها الا بعقد جديد؛ لإِقراره بعدم الرضا، وأنه لذلك لا عصمة له عليها.
(٤) وقوله: ورجع لأب وذي قدر زوج غيره وضامن لابنته النصفُ بالطلاق والجميع بالفساد، ولا يرجع أحد منهم إلا أن يصرح بالحمالة أو يكون بعد العقد، مراده به، أنه إن زوج أب ابنه الرشيد البالغ، أو الصغير أو السفيه، وضمن صداقه، أو زوج ذو قدر غيره وضمن له الصداق، أوْ زوج أب ابنته وضمن لها الصداق، فطلقت الزوجة قبل الدخول، رجع لهؤلاء نصف الصداق الذي سقط عن الزوج بالطلاق قبل الدخول، ورجع لهم جميع الصداق إذا فسخ العقد بسبب فساده قبل الدخول، وليس لواحد منهم الرجوع على الزوج بقيمة النصف الذي أخذته الزوجة، إلا أن يكون صرح بالحمالة، أي بالضمان قبل العقد أو حال العقد، أو كان ضمانه له وقع بعد العقد، فإنه في هذه الحالات الثلاث يرجع على الزوج بنصف الصداق، في حالة الطلاق قبل الدخول، وبالجميع إن كان بعد الدخول، فإن صرح بالحمالة حال العقد أو بعده، فلا يرجع عليه بشيء إلا بشرط أو عرف أو قرينة بالرجوع.
(٥) وقوله: ولها الامتناع إن تعذر أخذه حتى يقرر وتأخذ الحال، وله الترك، يريد به أنه إن التزم ملتزم عن الزوج للزوجة صداقها، وتعذر أخذ الصداق من الملتزم، فإن للزوجة حينئذ الامتناع من تمكين الزوج من نفسها، حتى يقرر لها قدر الصداق في نكاح التفويض، وحتى تأخذ المسمى الحال أصالة، فإن فعلت كان للزوج الحق في ترك النكاح؛ بأن يطلقها ولا شيء عليه ولو كان مليئًا، إن كان لا يرجع عليه المتحمل، فإن كان المتحمل له الرجوع عليه، ضمن لها نصف الصداق إن طلق الدخول وجميعه إن دخل.
(٦) وقوله: وبطل إن ضمن في مرضه عن وارث لا زوج ابنته، تقريره: وبطل تحمل الصداق وصح النكاح، إن ضمن الحامل للصداق بلفظ الحمل، أثناء مرضه الذي مات فيه عن وارث يرثه، =
стр. 837
وَالْكَفَاءَةُ الدِّينَ والْحَالُ (١)، وَلهَا وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا (٢)، وَلَيْسَ لِوَلِيٍّ رَضِيَ فَطَلَّقَ امْتِنَاعٌ بِلَا حَادِثٍ، وللأم التَّكَلُّمُ فِي تَزْوِيجِ الْأبِ المُوسِرَةَ المرْغُوبَ فِيهَا مِنْ فَقِيرٍ (٣)، وَرُوِيَتْ بِالنَّفْي: ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَّا لِضَرَرٍ بَيِّنٍ. وَهَلْ وِفَاقٌ؟ تأوِيلَانِ، وَالْمَوْلى وغيْر الشَّريفِ والْأقَلُّ جَاهًا كُفْءٌ وَفِي الْعَبْدِ تَأويلان (٤).
= ابنًا كان أو غيره؛ لأن الحمالة، والحالة هذه، تكون وصية لوارث، فإذا كانت الحمالة عن غير وارث كزوج ابنته مثلًا، لزمت فيما يتحمله الثلث، أما ما يزيد عن الثلث ولم يجزه الوارث، فإن الزوج يخير بين دفعه من ماله، وبين ترك النكاح ولا شيء عليه. والله تعالى أعلم.
(١) وقوله: والكفاءة الدين والحال، تقريره، والكفاءة المطلوبة في النكاح المعتبر فيها أمران: الدين - أي المماثلة فيه - لا يراد به كونه مسلمًا فقط، بدليل قوله فيما بعد: ولها وللولي تركها؛ لأنه ليس لهما ترك كونه مسلمًا إجماعًا. والثاني، الحال - أي المماثلة فيه - أو المقاربة في السلامة من العيوب الموجبة للخيار.
قالوا: ولا يراد بذلك الحسب والنسب، بدليل قوله فيما بعد: والمولى وغير الشريف والأقل جاهًا كفءٌ، وفي العيد تأويلان. قال الدسوقي: والحاصل أن الأوصاف التي اعتبروها في الكفاءة ستة، أشار لها بعضهم بقوله:
نسبٌ ودينٌ صنعةٌ حريةٌ … فقدُ العيوب وفي اليسار تردُّدُ
قال: فإن ساواها في الستة فلا خلاف في الكفاءة وإلا فلا. قال: واقتصر المصنف على ما ذكر لقول القاضي عبد الوهاب: إنها المماثلة في الدين والحال.
قلت: قال الشافعي في رواية البويطي عنه: إن أصل الكفاءة مستنبط من حديث بريرة؛ كان زوجها غير كفء لها فخيرها رسول الله ﷺ . قال البيهقي: وفي اعتبار الكفاءة أحاديث أخر لا تقوم بأكثرها الحجة، منها ما ساقه بسنده وقال - وهو أمثلها - عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "يَا عَليُّ ثَلَاثَةٌ لَا تُؤَخَّرُ: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، والأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ كُفْؤًا".
ومنها ما روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَأَنْكِحُوا =
стр. 838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الْأكِفَّاءَ وَانْكَحُوا إِلَيْهِمْ".
وذكر البيهقي في السنن الكبرى غير هذين الحديثين، لكنه قال في بعض ذلك: لا تقوم به حجة. وأما اشتراط الكفاءة في الدين والسلامة من الفسق، فقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾. الآية. وفي الحديث الشريف قوله ﷺ : "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ". الحديث. وهو دليل على اشتراط الكفاءة في الدين.
وأما الدليل على اشتراط الكفاءة في النسب، فمنه حديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ اصْطَفَى بِني كِنَانَةَ مِنْ بِني إسْمَاعِيلَ وَاصْطفَى مِنْ بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ". رواه البيهقي في السنن الكبرى وقال: أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي، وذكر حديثًا آخر ساق سنده إلى سلمان ﵁، قال: ثنتان فضلتمونا بها يا معشر العرب؛ لا ننكح نساءكم ولا نؤمكم. ا. هـ. منه.
قلت: هو في مصنف عبد الرزاق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي قال: أقبل سلمان في اثني رجلًا من أصحاب محمد ﷺ ، فحضرت الصلاة فقالوا: تقدم يا أبا عبد الله. فقال: إنا لا نؤمكم، ولا ننبهيم نساءكم. إن الله هدانا بكم. انتهى محل الغرض منه.
وأيضًا فقد روى الدارقطني، وأخرجه المجد في المنتقى، عن عائشة وعمر ﵄ قال عمر: لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلَّا من الأكفاء.
وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال عمر بن الخطاب: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء. ا. هـ.
وأما الدليل على اعتبار الصنعة في الكفاءة، فمنه ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاءٌ وَالْمَوَالِي لِلْمَوَالِي أَكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ". وذكر البيهقي هنا أحاديث تشهد له، إلا أنه قال في كلها: ضعيف. وقال ابن قدامة: قيل للإِمام أحمد: كيف تأخد بحديث: "الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاء إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ" =
стр. 839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ؟. فقال: العمل عليه. يعني أنه ورد موافقًا للعرف. ا. هـ. منه بتصرف.
وأما اشتراط الحرية في الكفاءة، فقد قدمنا نقل رواية البويطي عن الشافعي؛ أن الكفاءة مستنبطة من حديث بريرة، فالصحيح أنها من شروط الكفاءة، فلا يكون العبد كفؤًا لحرة لأن النبي ﷺ خير بريرة ﵂ حين عتقت تحت عبد، ولا يمنع كونها من شروط الكفاءة صحة النكاح لو وقع، بدليل أن النبي ﷺ قال لبريرة: "لَوْ رَاجَعْتِيهِ". قالت: يا رسول الله، أتأمرني؟. قال: "إنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ" قالت: فلا حاجة لي فيه. رواه البخاري. ومعلوم أنه لا يشفع النبي ﷺ في أن تنكح عبدًا إلا والنكاح صحيح.
وأما اشتراط اليسار في الكفاءة؛ فهو بدليل قوله ﷺ : "الْحَسَبُ الْمَالُ وَالكَرَمُ التَّقْوى". رواه البيهقي من حديث سمرة ﵁.
وقال ﷺ : "إِنْ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا هذَا الْمَالُ". رواه البيهقي بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. وقال ﷺ لفاطمة بنت قيس ﵂ حين أخبرته أن معاوية خطبها - قال: "أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ". الحديث، رواه مسلم في الصحيح، عن يحيى بن يحيى عن مالك.
قال ابن قدامة: ولأن ذلك معدود نقصًا في عرف الناس، ويتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ، فكان من شروط الكفاءة كالنسب. قال نبيه بن الحجاج السهمي:
سألتاني الطلاق أن رأتاني … قلَّ مالي قد جئتماني بنكر
ويْكأنْ من له نشب يحبَّبْ … ومن يفتقر يعش عيش ضر ا. هـ. منه
وقال ابن قدامة: وأما السلامة من العيوب فليست من شروط الكفاءة؛ فإنه لا خلاف أنه لا يبطل النكاح بعدمها، ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون الأولياء؛ لأن ضرر ذلك مختص بها. قال: ولوليها منعها من نكاح الأبرص والمجذم والمجنون، وما عدا هذا فليس بمعتبر في الكفاءة. ا. هـ. منه.
(٢) وقوله: ولها وللولي تركها، تقريره أن لهما معًا تركها، أما إذا تركها الوَلي وحده فحق المرأة =
стр. 840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= باق، وإن تركتها المرأة وحدها فحق الولي فيها باق أيضًا. قال الدردير: أي لهما معًا تركها وتزويجها من فاسق سكير يؤمن عليها منه، وإلا رده الإِمام - وإن رضيت - لحق الله تعالى حفظًا للنفوس. قال الدسوقي هنا: وحاصل ما في المسألة أن ظاهر ما نقله الحطاب وغيره، واستظهره الشيخ ابن رحال، منع تزويجها من الفاسق ابتداء، وإن كان يؤمن عليها منه، وأنه ليس لها ولا للولي الرضا به؛ وهو ظاهر لأن مخالطة الفاسق ممنوعة، وهجره واجب شرعًا، فكيف بخلطة النكاح؟. انتهى منه.
قلت: ولعل الضمير في قوله (تركها) عائد على الكفاءة في الحال فقط؛ من حرية ونسب ويسار إلى غير ذلك، ولا خلاف في ذلك لشفاعة رسول الله ﷺ عند بريرة لتراجع زوجها العبد، وقد تقدم ذكر ذلك، فلولا أن لها ذلك ما شفع رسول الله ﷺ له، ولتزويج أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة - قال ابن قدامة: اسمها هند - من سالم بن معقل، الذي تبناه أبو حذيفة فصار يدعى سالمًا مولى أبي حذيفة، وإنما هو مولى ثويبة بنت يعار - امرأة من الأنصار - والحديث في البخاري، والنسائي، وأبي داود.
وأيضًا فقد ثبت أن عبد الرحمن بن عوف زوج سيدنا بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق، أخته هالة بنت عوف خالة النبي ﷺ ، نعم، مثل بلال وسالم وسلمان يحق لكل ولي وولية أن يسقطوا حقوقهم في الكفاءة من أجل الزواج منهم، ولكن. . . . أين مثل سالم الذي قال عمر بن الخطاب في حقه: لو كان سالم حيًا ما جعلت الأمر شورى؟. وأين مثل سابق الحبشة بلال الذي قال له رسول الله ﷺ : "بِمَاذَا سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنَّةِ"؟. أو كما قال ﷺ . بلال الذي قالوا فيه: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. أما استدلال من لا يشترط الكفاءة في النسب بتزويج هؤلاء الأجلاء، فهو في نظري قياس مع الفارق العظيم. وبالله تعالى التوفيق.
(٣) وقوله: وللأم التكلم في تزويج الأب الموسرةَ المرغوبَ فيها من فقير، قالوا: ففي المدونة: أتت امرأة مطلقة إلى مالك فقالت: إن لي ابنة في حجري موسرة مرغوبًا فيها، فأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخ له فقير، أفترى لي في ذلك متكلمًا؟. قال: نعم، إني لأرى لك متكلمًا.
قلت: أخرج البيهقي في السنن الكبرى، بسنده عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، =
стр. 841
وَحَرُمَ أُصُولُهُ وفُضُولُهُ وَلَوْ خُلقَتْ مِن مَّائهِ، وزَوْجَتُهُمَا وَفُصُولُ أوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ، وأُصُولُ زَوْجَتِهِ، وبِتَلَذُّذٍ وإِنْ بَعْدَ مَوْتِهَا، وإِنْ
= عن أبيه، عبد الله بن عمر خطب إلى نعيم بن عبد الله - وكان يقال له النحام، أحد بني عدي - ابنته وهي بكر، فقال له نعيم: إن في حجري يتيمًا لي لست مؤثرًا عليه أحدًا. فانطلقت أم الجارية امرأة نعيم إلى رسول الله ﷺ فقالت: ابن عمر خطب ابنتي، وإن نعيمًا رده وأراد أن ينكحها يتيمًا له. فأرسل النبي ﷺ إلى نعيم، فقال له: "أَرْضِهَا وَأَرْضِ ابْنَتَها".
وفي البيهقي أيضًا بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ". وهو في أبي داود ورواه الإِمام أحمد. وأخرجه المجد في المنتقى، وحكي عن الشافعي أن هذه المؤامرة للإِستطابة. والله أعلم. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن غير واحد من المدينة، أن نعيم بن عبد الله كانت له ابنة، فخطبها عبد الله بن عمر فسمى لها صداقًا كثيرًا، فأنكحها نعيم يتيمًا له من بني عدي بن كعب ليس له مال، فانطلقت أمها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقالت: قد كان عبد الله بن عمر ذاكرًا ابنتها، وقد سمى لها مالًا كثيرًا، فأنكحها أبوها يتيمًا له ليس له مال وترك عبد الله، وقد سمى لها مالًا كثيرًا، فدعاه النبي ﷺ فذكر له، فقال: أنكحتها يتيمي فهو أحق من رفعت يتمه ووصلته، وقال: لها من مالي مثل الذي سمى لها عبد الله. فقال النبي ﷺ : "آمِرُوا النِّسَاء في بَنَاتِهِنَّ".
قلت: وهذا مبنى الخلاف، فمن يقول: لها التكلم. فلقوله ﷺ "آمِرُوا النِّسَاء في بَنَاتِهِنَّ". ومن يقول: ليس لها. فلتسليم أمر نعيم في ابنته. والله الموفق.
(٤) وقوله: والمولى وغيرُ الشريف والأقل جاهًا كفء، وفي العبد تأويلان قد تقدم لك عند مبحث: والكفاءة الدِّين والحال، من ذكر الأدلة ما ترد به هذا النص. وبالله تعالى التوفيق. فمن المعلوم ضرورة أن العبد لو كان كفؤًا، ما خير رسول الله ﷺ بريرة، والموالي لو كانوا أَكفاء العرب ما جرى العمل على حديث: "الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاء وَالْمَوَالِي لِلْمَوَالِي أَكْفَاء" الحديث. ولو كان الأقل جاهًا كفؤًا ما جرى العمل بالحديث المتقدم وفيه: "إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ".
стр. 842
بِنَظَرٍ، فُصُولُهَا، كالْمِلْكِ (١)، وَحَرَّمَ الْعَقْدُ وَإنْ فَسَدَ إنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ (٢)، وَإلَّا فَوَطْؤُهُ إِنْ دَرَأ الْحَدَّ، وَفي الزِنَا خِلَافٌ (٣). وَإن حَاوَلَ تَلَذُّذًا بِزَوْجتِهِ فَتَلذَّذَ بابْنَتِهَا فَتردُّدٌ (٤)، وَإنْ قَالَ أبٌ: نَكَحْتُهَا. أوْ وَطِئْتُ الأمَةَ. عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذلك وأنْكَرَ، نُدِبَ التَّنَزُّه، وفِي وجُوبِهِ إِن فَشَا تأويلَانِ.
(١) وقوله ﵀: وحرم أصوله وفصوله ألخ، يريد به ذكر المحرمات على التأبيد.
اعلم أن المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة امرأة: سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بالجمع. فأما اللاتي بالنسب: فالأم وإن علت. أي وجدتك من أمك أو من أبيك، وجدتا أمك وجدتا أبيك، وجدات جداتك وجدات أجدادك، سواءكن وارثات أو غير وارثات، فكلهن أمهات محرمات لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١).
والبنات؛ وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادة؛ كابنة الصلب وبنات البنين والبنات إن نزلت درجتهن، سواء كن وارثات أو غير وارثات، فكلهن بنات محرمات لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. والأخوات من الجهات الثلاث: من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. والعمات؛ وهن أخوات الأب من الجهات الثلاث، وعمات وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾. والخالات؛ وهن أخوات الأم من الجهات الثلاث، وأخوات الجدات وإن علون.
ولما كانت كل جدة أمًّا، كانت كل أخت لجدة خالة محرمة لقوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾. وبنات الأخ؛ وهن كل امرأة انتسبت إلى أخٍ بولادة فهي محرمة من أي جهة كان الأخ. وذلك لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾. وبنات الأخت كذلك أيضًا محرمات لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. فهؤلاء المحرمات بالنسب.
وأما المحرمات بالسبب فذلك قسمان: رضاع ومصاهرة. قأما الرضاع؛ فالمنصوص على التحريم به في الكتاب اثنتان. الأمهات المرضعات؛ وهن اللاتي أرضعنك، وأمهاتهن وجداتهن =
стр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإن علت درجتهن على حسب ما تقدم في النسب، فتلك محرمات لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. والأخوات من الرضاعة؛ وهن كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد من امرأتين له؛ أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى، فهي أختك محرمة بقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
وأمَّا المحرمات بالمصاهرة؛ فالمنصوص عليه منهن في الكتاب أربع: أمهات النساء؛ فكل من تزوج امرأة حرمت عليه كل أم لها من نسب أو رضاع، قريبة كانت أو بعيدة، وذلك بمجرد العقد عند أكثر أهل العلم، منهم من أصحاب المذاهب: مالك، وأحمد، والشافعي وأبو حنيفة وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
قالوا: والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية. قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن. يعني عمموا حكمها على كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها. واستدلوا أيضًا بما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "مَن تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا".
وحكي عن علي ﵁ أنها لا تحرم الا بالدُّخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول. والثانية المحرمة بالمصاهرة: بنات النساء اللاتي دخل بهن - وهن الربائب - فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن، وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة كانت أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، على حسب ما تقدم ذكره في البنات، فإنها تحرم عليه إذا دخل بأمها، سواء كانت في حجره أو لم تكن، وذلك في قول عامة أهل العلم، عدا ما ذكره ابن قدامة أنه روي عن عمر وعلي ﵄ أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره، وبذلك أخذ من أصحاب المذاهب داود بن علي فقط تمسكًا بمفهوم مخالفة قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١). قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول. ا. هـ. منه.
فإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذا بانت منه. قال ابن المنذر: أجمع عامة علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج المرأة، ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها، =
стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= جاز له أن يتزوج ابنتها. كذلك قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومن تبعهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١).
وذكر ابن قدامة قولًا عن زيد بن ثابت وقال: هو اختيار أبي بكر؛ وهو أنها إذا ماتت قبل الدخول تحرم ابنتها، قال: لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق، فيقوم مقامه في تحريم الربيبة.
قلت: لا يخفى على أحد أن هذا قياس في محل ورد فيه نص محكم هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فلا يترك لقياس مقدوح فيه بفساد الاعتبار. والله الموفق.
تنبيه: فإن دخل الرجل بامرأة، وقال: لم أطأها. وصدقته، لم يلتفت إلى ذلك، ويكون حكمها حكم المدخول بها في جميع الأمور، إلا في الرجوع إلى زوج بانت منه بثلاث، وإلا في الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان. قاله ابن قدامة في المغني.
الثالثة: أزواج الأبناء وأبناء الأبناء من نسب أو رضاع، قريبًا كان الولد أو بعيدًا، فإنها محرمة بمجرد العقد لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. ا. هـ.
الرابعة: زوجات الأب، فيحرم على الرجل امرأة أبيه، قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، من نسب كان أو من رضاع، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). وروى النسائي عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟. قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. ا. هـ.
ويحرم على المرء موطوءة أبيه بملك اليمين أو بشبهة، كما يحرم عليه من وطئها بعقد النكاح. قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب وممن حفظنا ذلك عنه: عطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، ومكحول قتادة، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب =
стр. 845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم. ا. هـ.
وأما التي بالجمع فإن المذكور منه في الكتاب الجمع بين الأختين، سواء كانتا بنسب أو برضاع، حرتين كانتا أو أمتين، أو إحداهما حرة والأخرى أمة، من الأبوين كانتا أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١). الآية.
(٢) وقوله: وحرم العقد وإن فسد إن لم يجمع عليه، بريد به أن مجرد العقد ينشر حرمة المصاهرة، ولو كان فاسدًا فسادًا لم يجمع عليه؛ كفساد نكاح الشغار ونكاح المحرم.
(٣) وقوله: وإلا فوطؤه، تقريره بأن مجرد العقد الفاسد فسادًا مجمعًا عليه لا ينشر حرمة المصاهرة، وإنما ينشرها إن وطئ بموجب ذلك العقد وهو غير عالم بفساده. والحاصل أن كل وطء يدرأ به الحد تنشر الحرمة بسببه ويلحق به الولد، وإن كل وطء لا يدرأ الحد لا ينشر الحرمة؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.
وقوله: وفي الزنا خلاف؛ أي هل ينشر وطؤه الحرمة أو لا؟. المعتمد عند أصحابنا أنه لا ينشر الحرمة، لأنه معدوم شرعًا فلا أثر له؛ فيجوز لمن زنا بامرأة أن يتزوج فروعها وأصولها، ولأبيه وابنه تزوجها. والله الموفق. روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر، وعُروة والزهري ومالك والشافعي، وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ". ا. هـ. المغني.
وقوله: وإن حَاولَ تلذذًا بزوجته فتلذذ بابنتها فتردد، يريد به - والله تعالى أعلم - أن الزوج إن أراد أن يتلذذ بزوجته، فتلذذ بابنتها منه أو من غيره، ظانًا أنها زوجته، فإن أصحابنا ترددوا في هذا التلذذ؛ هل ينشر الحرمة فيتأبد تحريم زوجته عليه. أو لا؟ هذا التردد أدَّى إليه الاشتباه في هذا الوطء؛ هل يعتبر وطء شبهة أو لا؟. ولا خلاف أن وطء الشبهة ينشر الحرمة ويدرأ الحد، ولكنهم عرفوا وطء الشبهة بأنه هو الوطء غلطًا فيمن تحل في المستقبل. ولذا كان وطء أخت الزوجة غلطًا محرمًا بناتها على زوج أختها الواطئ لها غلطًا؛ لأنها تحل عليه في المستقبل. ولما كان وطء البنت غلطًا وطئًا فيمن لا تحل في المستقبل، جرى تردد أصحابنا في نشره الحرمة أو لا؟. لكنهم شهروا التحريم. وبالله التوفيق.