← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَحَرُمَ أُصُولُهُ وفُضُولُهُ وَلَوْ خُلقَتْ مِن مَّائهِ، وزَوْجَتُهُمَا وَفُصُولُ أوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ، وأُصُولُ زَوْجَتِهِ، وبِتَلَذُّذٍ وإِنْ بَعْدَ مَوْتِهَا، وإِنْ = عن أبيه، عبد الله بن عمر خطب إلى نعيم بن عبد الله - وكان يقال له النحام، أحد بني عدي - ابنته وهي بكر، فقال له نعيم: إن في حجري يتيمًا لي لست مؤثرًا عليه أحدًا. فانطلقت أم الجارية امرأة نعيم إلى رسول الله ﷺ فقالت: ابن عمر خطب ابنتي، وإن نعيمًا رده وأراد أن ينكحها يتيمًا له. فأرسل النبي ﷺ إلى نعيم، فقال له: "أَرْضِهَا وَأَرْضِ ابْنَتَها". وفي البيهقي أيضًا بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ". وهو في أبي داود ورواه الإِمام أحمد. وأخرجه المجد في المنتقى، وحكي عن الشافعي أن هذه المؤامرة للإِستطابة. والله أعلم. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن غير واحد من المدينة، أن نعيم بن عبد الله كانت له ابنة، فخطبها عبد الله بن عمر فسمى لها صداقًا كثيرًا، فأنكحها نعيم يتيمًا له من بني عدي بن كعب ليس له مال، فانطلقت أمها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقالت: قد كان عبد الله بن عمر ذاكرًا ابنتها، وقد سمى لها مالًا كثيرًا، فأنكحها أبوها يتيمًا له ليس له مال وترك عبد الله، وقد سمى لها مالًا كثيرًا، فدعاه النبي ﷺ فذكر له، فقال: أنكحتها يتيمي فهو أحق من رفعت يتمه ووصلته، وقال: لها من مالي مثل الذي سمى لها عبد الله. فقال النبي ﷺ : "آمِرُوا النِّسَاء في بَنَاتِهِنَّ". قلت: وهذا مبنى الخلاف، فمن يقول: لها التكلم. فلقوله ﷺ "آمِرُوا النِّسَاء في بَنَاتِهِنَّ". ومن يقول: ليس لها. فلتسليم أمر نعيم في ابنته. والله الموفق. (٤) وقوله: والمولى وغيرُ الشريف والأقل جاهًا كفء، وفي العبد تأويلان قد تقدم لك عند مبحث: والكفاءة الدِّين والحال، من ذكر الأدلة ما ترد به هذا النص. وبالله تعالى التوفيق. فمن المعلوم ضرورة أن العبد لو كان كفؤًا، ما خير رسول الله ﷺ بريرة، والموالي لو كانوا أَكفاء العرب ما جرى العمل على حديث: "الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاء وَالْمَوَالِي لِلْمَوَالِي أَكْفَاء" الحديث. ولو كان الأقل جاهًا كفؤًا ما جرى العمل بالحديث المتقدم وفيه: "إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ".

стр. 842

بِنَظَرٍ، فُصُولُهَا، كالْمِلْكِ (١)، وَحَرَّمَ الْعَقْدُ وَإنْ فَسَدَ إنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ (٢)، وَإلَّا فَوَطْؤُهُ إِنْ دَرَأ الْحَدَّ، وَفي الزِنَا خِلَافٌ (٣). وَإن حَاوَلَ تَلَذُّذًا بِزَوْجتِهِ فَتَلذَّذَ بابْنَتِهَا فَتردُّدٌ (٤)، وَإنْ قَالَ أبٌ: نَكَحْتُهَا. أوْ وَطِئْتُ الأمَةَ. عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذلك وأنْكَرَ، نُدِبَ التَّنَزُّه، وفِي وجُوبِهِ إِن فَشَا تأويلَانِ. (١) وقوله ﵀: وحرم أصوله وفصوله ألخ، يريد به ذكر المحرمات على التأبيد. اعلم أن المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة امرأة: سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بالجمع. فأما اللاتي بالنسب: فالأم وإن علت. أي وجدتك من أمك أو من أبيك، وجدتا أمك وجدتا أبيك، وجدات جداتك وجدات أجدادك، سواءكن وارثات أو غير وارثات، فكلهن أمهات محرمات لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١). والبنات؛ وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادة؛ كابنة الصلب وبنات البنين والبنات إن نزلت درجتهن، سواء كن وارثات أو غير وارثات، فكلهن بنات محرمات لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾. والأخوات من الجهات الثلاث: من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. والعمات؛ وهن أخوات الأب من الجهات الثلاث، وعمات وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾. والخالات؛ وهن أخوات الأم من الجهات الثلاث، وأخوات الجدات وإن علون. ولما كانت كل جدة أمًّا، كانت كل أخت لجدة خالة محرمة لقوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾. وبنات الأخ؛ وهن كل امرأة انتسبت إلى أخٍ بولادة فهي محرمة من أي جهة كان الأخ. وذلك لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾. وبنات الأخت كذلك أيضًا محرمات لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. فهؤلاء المحرمات بالنسب. وأما المحرمات بالسبب فذلك قسمان: رضاع ومصاهرة. قأما الرضاع؛ فالمنصوص على التحريم به في الكتاب اثنتان. الأمهات المرضعات؛ وهن اللاتي أرضعنك، وأمهاتهن وجداتهن =

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وإن علت درجتهن على حسب ما تقدم في النسب، فتلك محرمات لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. والأخوات من الرضاعة؛ وهن كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد من امرأتين له؛ أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى، فهي أختك محرمة بقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾. وأمَّا المحرمات بالمصاهرة؛ فالمنصوص عليه منهن في الكتاب أربع: أمهات النساء؛ فكل من تزوج امرأة حرمت عليه كل أم لها من نسب أو رضاع، قريبة كانت أو بعيدة، وذلك بمجرد العقد عند أكثر أهل العلم، منهم من أصحاب المذاهب: مالك، وأحمد، والشافعي وأبو حنيفة وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. قالوا: والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية. قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن. يعني عمموا حكمها على كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها. واستدلوا أيضًا بما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "مَن تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا". وحكي عن علي ﵁ أنها لا تحرم الا بالدُّخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول. والثانية المحرمة بالمصاهرة: بنات النساء اللاتي دخل بهن - وهن الربائب - فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن، وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة كانت أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، على حسب ما تقدم ذكره في البنات، فإنها تحرم عليه إذا دخل بأمها، سواء كانت في حجره أو لم تكن، وذلك في قول عامة أهل العلم، عدا ما ذكره ابن قدامة أنه روي عن عمر وعلي ﵄ أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره، وبذلك أخذ من أصحاب المذاهب داود بن علي فقط تمسكًا بمفهوم مخالفة قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١). قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول. ا. هـ. منه. فإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذا بانت منه. قال ابن المنذر: أجمع عامة علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج المرأة، ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها، =

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = جاز له أن يتزوج ابنتها. كذلك قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومن تبعهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١). وذكر ابن قدامة قولًا عن زيد بن ثابت وقال: هو اختيار أبي بكر؛ وهو أنها إذا ماتت قبل الدخول تحرم ابنتها، قال: لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق، فيقوم مقامه في تحريم الربيبة. قلت: لا يخفى على أحد أن هذا قياس في محل ورد فيه نص محكم هو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. فلا يترك لقياس مقدوح فيه بفساد الاعتبار. والله الموفق. تنبيه: فإن دخل الرجل بامرأة، وقال: لم أطأها. وصدقته، لم يلتفت إلى ذلك، ويكون حكمها حكم المدخول بها في جميع الأمور، إلا في الرجوع إلى زوج بانت منه بثلاث، وإلا في الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان. قاله ابن قدامة في المغني. الثالثة: أزواج الأبناء وأبناء الأبناء من نسب أو رضاع، قريبًا كان الولد أو بعيدًا، فإنها محرمة بمجرد العقد لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾. قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. ا. هـ. الرابعة: زوجات الأب، فيحرم على الرجل امرأة أبيه، قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، من نسب كان أو من رضاع، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). وروى النسائي عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟. قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. ا. هـ. ويحرم على المرء موطوءة أبيه بملك اليمين أو بشبهة، كما يحرم عليه من وطئها بعقد النكاح. قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب وممن حفظنا ذلك عنه: عطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، ومكحول قتادة، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب =

стр. 845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم. ا. هـ. وأما التي بالجمع فإن المذكور منه في الكتاب الجمع بين الأختين، سواء كانتا بنسب أو برضاع، حرتين كانتا أو أمتين، أو إحداهما حرة والأخرى أمة، من الأبوين كانتا أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١). الآية. (٢) وقوله: وحرم العقد وإن فسد إن لم يجمع عليه، بريد به أن مجرد العقد ينشر حرمة المصاهرة، ولو كان فاسدًا فسادًا لم يجمع عليه؛ كفساد نكاح الشغار ونكاح المحرم. (٣) وقوله: وإلا فوطؤه، تقريره بأن مجرد العقد الفاسد فسادًا مجمعًا عليه لا ينشر حرمة المصاهرة، وإنما ينشرها إن وطئ بموجب ذلك العقد وهو غير عالم بفساده. والحاصل أن كل وطء يدرأ به الحد تنشر الحرمة بسببه ويلحق به الولد، وإن كل وطء لا يدرأ الحد لا ينشر الحرمة؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا. وقوله: وفي الزنا خلاف؛ أي هل ينشر وطؤه الحرمة أو لا؟. المعتمد عند أصحابنا أنه لا ينشر الحرمة، لأنه معدوم شرعًا فلا أثر له؛ فيجوز لمن زنا بامرأة أن يتزوج فروعها وأصولها، ولأبيه وابنه تزوجها. والله الموفق. روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر، وعُروة والزهري ومالك والشافعي، وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ". ا. هـ. المغني. وقوله: وإن حَاولَ تلذذًا بزوجته فتلذذ بابنتها فتردد، يريد به - والله تعالى أعلم - أن الزوج إن أراد أن يتلذذ بزوجته، فتلذذ بابنتها منه أو من غيره، ظانًا أنها زوجته، فإن أصحابنا ترددوا في هذا التلذذ؛ هل ينشر الحرمة فيتأبد تحريم زوجته عليه. أو لا؟ هذا التردد أدَّى إليه الاشتباه في هذا الوطء؛ هل يعتبر وطء شبهة أو لا؟. ولا خلاف أن وطء الشبهة ينشر الحرمة ويدرأ الحد، ولكنهم عرفوا وطء الشبهة بأنه هو الوطء غلطًا فيمن تحل في المستقبل. ولذا كان وطء أخت الزوجة غلطًا محرمًا بناتها على زوج أختها الواطئ لها غلطًا؛ لأنها تحل عليه في المستقبل. ولما كان وطء البنت غلطًا وطئًا فيمن لا تحل في المستقبل، جرى تردد أصحابنا في نشره الحرمة أو لا؟. لكنهم شهروا التحريم. وبالله التوفيق.

стр. 846

وَجَمْعُ خَمْسٍ ولِلْعَبْدِ الرابِعَةُ (١)، أو اثْنَتَيْنِ لو قُدِّرَتْ أيَّةٌ ذكَرًا حَرُمَ (٢)، كَوَطْئِهِما بِالْمِلْكِ (٣). (١) وقوله: وجمع خمس وللعبد الرابعة، تقريره: وحرم على الحر والعبد جمع خمس من النساء، وجاز للعبد الرابعة. والمسألة بالنسبة إلى حرمة الخامسة قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم عليها، ولا نعلم أحدًا خالفه خلافًا يعتبر، ودليله قوله ﷺ لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ". وقال نوفل بن معاوية: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال ﷺ : "فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ". قال ابن قدامة: رواهما الشافعي في مسنده. وأما بالنسبة لجواز الرابعة للعبد فإنها مسألة خلاف؛ فالمذهب جواز الرابعة للعبد؛ لأن النكاح من العبادات، والحر والعبد فيها سواء، بخلاف الطلاق فإنه في معنى الحدود، فكان طلاقه نصف طلاق الحر. والقول بجواز الرابعة له قاله القاسم ابن محمد، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، والزهري، وربيعة، ومالك، وأبو ثور، وداود. قالوا: وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (١) الآية. وخالف الإِمام الشافعي والإِمام أحمد وأبو حنيفة قالوا: لا يجوز للعبد أن ينكح إلا اثنتين. واستدلوا بأن هذا قول عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف ﵃، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة. قال: روى ليث بن أبي سليم عن الحكم بن قتيبة قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين. قال ابن قدامة: وبهذا قال عطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه. وأخرج البغوي بسنده عن الشافعي: حدثنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة. عن عمر بن الخطاب أنه قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين. وتعتد الأمة حيضتين. فإن لم تكن تحيض، فشهرين أو شهرًا ونصفًا. ا. هـ. منه. قلت: ومن المحرمات بالجمع، لكن بنص السنة الشريفة على ذلك، المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ =

стр. 847

وَفُسِخَ نِكَاحُ ثَانِيَةٍ، صَدَّقَتْ وَإلَّا حَلَفَ لِلْمَهْرِ، بِلَا طَلَاقٍ (١) كَأُمٍّ وَابْنَتِهَا بِعَقْدٍ وَتَأبَّدَ تَحْرِيمُهَا إِنْ دَخَلَ وَلَا إِرْثَ، وَإِنْ تَرَتَّبتَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ حَلَّتْ الأمُّ، وَإنْ مَاتَ وَلَمْ تُعْلَمْ السَّابِقَةُ فالإِرْثُ، وَلِكُلٍّ نِصْفُ صَدَاقِهَا، كَأَنْ لَمْ تُعْلَمْ الْخامِسَةُ (٢). = وَخَالَتِهَا". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن عبد الله بن مَسلمة القعنبي، كلاهما عن مالك، ومضمون هذا الحديث هو مراد المؤلف بما يلي. (٢) قوله: واثنتين لو قدرت أيةٌ ذكرًا حرم، ومعناه أن كل امرأتين من أهل النسب، لو قدرت إحداهما ذكرًا حرمت الأخرى عليه، يحرم الجمع بينهما بنكاح. تنبيهٌ: يجوز الجمع بين المرأة وزوجة أبيها، وبينها وزوجة ابنها، وان كنا لو قدرنا إحداهما ذكرًا، حرمت الأخرى عليه؛ وذلك لأنه لا نسب بينهما، فقد جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت علي ﵁، وامرأة علي ليلى بنت مسعود التميمي. ا. هـ. البغوي. (٣) وقوله: كوطئهما بالملك، مراده به - والله أعلم - أن كل امرأتين لا يجوز الجمع، بينهما بنكاح، يحرم الجمع بينهما بالوطء بملك اليمين؛ فإذا اشترى أما وابنتها ووطئ إحداهما، حرمت عليه الأخرى على التأبيد، وإذا ملك أختين أو ملك جارية وعمتها، أو خالتها، فوطئ إحداهما، حرم عليه وطء الأخرى حتى يحرم الأولى على نفسه بعتق أو بيع أو تزويج أو كتابة، فإن فعل حلّت له الأخرى عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تحل له بالتزويج ولا بالكتابة. ا. هـ. البغوي. وقال في جواهر الإِكليل: كوطئهما أي الثنتين اللتين لو قدرت أيتهما ذكرًا حرم وطء الأخرى بالملك، فيحرم لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾. وأشعر قوله: كوطئهما، بحل جمعهما بالملك للخدمة، أو إحداهما لها والأخرى للوطء. ا. هـ. بلفظه. (١) وقوله: وفسخ نكاح ثانية صدقت وإلا حلف للمهر بلا طلاق، تقريره - والله أعلم - ولو جمع بين محرمتي الجمع؛ كأختين أو كامرأة وعمتها أو خالتها في نكاح، فسخ نكاح الثانية منهما بلا طلاق، لأنه مجمع على فساده؛ ومحل ذلك إن صدقت الثانية الزوج في أنها الثانية، أو علم ذلك بشهادة شهود، فإن لم تصدقه وقالت: بل أنا الأولى. أو قالت: لا علم لي. حين قال لها =

стр. 848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الزوج: أنت ثانية. ولم تقم بينة على دعواه، فسخ النكاح بطلاق. وحلف الزوج أنها الثانية وليست الأولى، لسقوط المهر عنه إذا كان اطلع عليه قبل الدخول بها، فإن كان دخل بها قبل أن يطلع عليه فلا يمين عليه، ولا بد من فسخ النكاح ويتقرر صداقها عليه، ويبقى على نكاح الأولى من غير تجديد عقد. (٢) وقوله: كأم وابنتها بعقد وتأبد تحريمهما إن دخل ولا إرث، تقريره - والله أعلم - أنه تشبيه في الفسخ بلا طلاق، للإِجماع على حرمته إن تزوج أمًّا وابنتها بعقد واحد، لكنه يتأبد عليه تحريمهما معًا إن دخل بهما جاهلًا بأنهما أم وابنتها. وعليه صداق كل منهما، وعلى كل منهما الاستبراء كعدتها، ولا إرث لواحدة منهما ما ولو مات قبل الفسخ، وذلك للإِجماع على فساده. وقوله: وإن ترتبتا، هو شرط حذف جوابه، أي وإن لم يكن عقد على الأم وابنتها بعقد واحد، بل ترتبتا في العقد بأن عقد على الأم ثم على البنت أو بالعكس، فالحكم كذلك في الفسخ بلا طلاق، وتأبيد حرمتهما إن دخل بهما، وفي لزوم الصداق وعدم الميراث، قالوا: ولا يمكن جعل قوله: وإن ترتبتا، مبالغة فيما قبله، لأنه يصير المعنى: هذا إذا عقد عليهما معًا، بل وإن ترتبتا في العقد، فتعين أنَّ إنْ هنا شرطية، وأن جواب الشرط محذوف تقديره: فكذلك، وعليه فلو قال: كأن ترتبتا. كان أحسن. وقوله: وإن لم يدخل بواحدة حلت الأم، يريد به، - والله أعلم - وإن لم يدخل الزوج بواحدة من الأم والبنت المجموعتين في عقد واحد، فسخ النكاح فيهما بلا طلاق، وحلت الأم لأن يتزوج بها بعقد جديد، وإذا حلت الأم فالبنت أولى؛ لأن مجرد العقد على الأم لا يحرمها عليه. وإن جمعهما بعقد ودخل بواحدة منهما فسخ العقد، وتأبد تحريم من لم يدخل بها منهما، وتحل له التي دخل بها منهما بعقد جديد، بعد الاستبراء من مائه الفاسد. وقوله: وإن مات ولم تعلم السابقة فالإِرث ولكل نصف صداقها، يريد به - والله أعلم - أنه إن عقد عليهما مترتبتين، ومات ولم يدخل بواحدة منهما، ولم تعلم السابقة منهما، فالإِرث بينهما لوجود سببه وجهل مستحقه، ولكل منهما نصف صداقها المسمى لها لأن الموت كمله، وكل منهما تدعيه والوارث يناكرها فمقسم بينهما. =

стр. 849

وَحَلَّتْ الأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَةِ أو زَوَالِ مِلْكٍ بِعِتْقٍ وإنْ لَأجَلٍ أَوْ كِتَابَة أَوْ إنْكَاحٍ يُحِلُّ المبتُوتَةَ أوْ أسْرٍ أوْ إِبَاقِ إِياسٍ أوْ بَيْعٍ دَلَّسَ فِيهِ، لَا فاسِدٍ لَمْ يَفُتْ، وَحَيْضٍ وعِدَّةِ شُبْهَةٍ، ورِدَّةٍ، وإحْرَامٍ، وظِهَارٍ، واسْتِبْراء، وخِيَارٍ، وعُهْدَةِ ثَلَاثٍ، وَإِخْدَامِ سَنَةٍ، وهِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ وَإِن بِبَيْعٍ (١). = وقوله: كأن لم تعلم الخامسة، يريد به - والله أعلم - أنه إن تزوج خمس نسوة في خمسة عقود متعاقبة، أو أربعة بعقد وواحدة بعقد، ولم تعلم الزوجة الخامسة منهن، ومات الزوج قبل الدخول أو بعده، فالإِرث لهن، ولكل منهن نصف صداقها، لكن بشرط أن يكون دخل بكل واحدة منهن، فإن لم يدخل بواحدة فلهن أربعة أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقتهن؛ فلكل أربعة أخماس صداقها. فإن كان دخل بأربع فلكل واحدة منهن صداقها، وللتي لم يدخل بها نصف صداقها؛ لأنها تدعي أنها غير خامسة والوارث يناكرها، فيقسم الصداق بينها وبينه. والله أعلم. (١) وقوله: وحلت الأخت ببينونة السابقة ألخ. مراده به أن من تزوج امرأة وأراد وطء من يحرم جمعها معها بملك أو بنكاح، تحل له التي أراد نكاحها بينونة التي كانت تحته، بطلاق بائن أو بانقضاء عدة طلاق رجعي، أو بزوال ملكه عنها إن كانت موطوءة بملك اليمين، وذلك بعتق ناجز، أو بعتق لأجل، أو بكتابة، فإن عجزت عن أداء نجوم الكتابة فلا تحرم التي حلت بكتابتها، لأنه - أي العجز - عن أداء الكتابة كالرجوع بالعيب والشراء، لكنه يحرم الراجعة مادام يطأ من يحرم جمعها معها. وقوله: أو إنكاح يحل المبتوتة، يريد به أنه إن أنكحها غيره بعقد صحيح يحل وطؤه المبتوتة، أي بحيث لو حصل فيه وطء حلت به المبتوتة؛ بأن يكون صحيحًا لازمًا أو فاسدًا يمضى بالدخول، وليس مراده الدخول بها. ا. هـ. وقوله: أو أسر، أي للموطوءة لأنها مظنة اليأس. وقوله: أو إباق، أي أو أبقت السابقة إباق إياس؛ أي من شأنه أن يحصل اليأس ممن وقع بها؛ ومحل ذلك أن تكون المأسورة أو الآبقة موطوءة بملك اليمين، أما إن كانت موطوءة بنكاح، فإنه لا يحل له وطء من يحرم جمعها معها، إلا إن طلق السابقة طلاقًا بائنًا. =

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقوله: أو بيع دل فيه، يعني أن بيع السيد لأمته المبيعة بيعًا صحيحًا، كاف في حلية من يحرم عليه اجتماعها معها، ما لم يكن اشترط في ذلك البيع مواضعة أو خيارًا أو عهدة، وإلا فلا تحل الأخت إلا إذا خرجت من المواضعة، أو من أمد الخيار والعهدة؛ لأن ضمان المبيعة في مدة المواضعة والعهدة والخيار، من البائع، وهذا ولو كان السيد البائع عالمًا بعيب وكتمه عن المشتري، ذلك لأن للمشتري الحق في التمسك بها، وأحرى إن لم يعلم البائع بذلك العيب. وقوله: لا فاسد لم يفت، يريد به أنه لا تحل كالأخت بنكاح أو بيع فاسد للسابقة، لم يفت ذلك الفاسد بالدخول في المزوجة تزويجًا فاسدًا، أو بحوالة سوق في المبيعة بيعًا فاسدًا، فإن فات النكاح الفاسد بالدخول، أو فات البيع الفاسد بحوالة سوق مثلًا، حلت الثانية. ونقل الدسوقي هنا عن البناني أن الأولى أن يقصر قول المصنف: لا بفاسد، على خصوص البيع. قال: لأن النكاح الفاسد، إذا كان يفوت بالدخول، تحل به الأخت، ولو لم يحصل دخول بالفعل. ا. هـ. منه. وقوله: وحيض وعدة شبهة وردة وإحرام وظهار ألخ، أي ولا تحل الثانية بحرمة وطء السابقة بحيض ونفاس وإحرام واعتكاف وعدة - أي استبراء من وطء شبهة - قال ابن عبد السلام: لأن العدة لو كانت من نكاح صحيح، لكان النكاح وحده محرمًا والعدة من توابعه. قالوا: ولا تحل الثانية بحرمة السابقة من أجل ردتها إن كانت مملوكة، فإن كانت زوجة، حرة كانت أو أمة، حلت السابقة بردتها لبينونتها منه على المشهور، كما لا تحل الثانية بحرمة وطء السابقة لأنها أحرمت بحج أو بعمرة، سواء كانت زوجة أو أمة، ولا تحل كذلك بظهاره من السابقة ولا بإيلائه منها، وذلك لقدرة رفعه لذلك التحريم بالكفارة. وقوله: أو خيار، لأنه منحل. وقوله: بيع عهدة ثلاث، لأنه يرد فيه بكل حادث، والحوادث كثيرة وزمنها قصير، بخلاف عهدة السنة فإنها تحل بها الأخت لطول زمنها وندور أدوائها. وقوله: وهبة لمن يعتصرها منه وإن ببيع، قال المواق: من المدونة: قيل لو وهبها لابنه الصغير أو الكبير أو عبده أو يتيمه. قال: كل ماله أن يصيبه بشراء هو الحاكم فيه، أو باعتصار أو انتزاع، وما يفسخ من بيع أو نكاح لا يثبتان عليه إن شاءا أو أحدهما، لغو. ا. هـ.

стр. 851

بِخِلَافِ صَدَقَةٍ عَلَيْهِ إنْ حِيزَتْ (١) وَإخْدَامِ سِنِينَ، وَوُقِفَ إنْ وَطِئَهُمَا لِيُحَرِّمَ (٢) فَإِنْ أبْقَى الثّانِيةِ اسْتَبْرَأَهَا، وَإِنْ عَقَدَ فاشْتَرى فالأُولَى، فَإِنْ وَطِئ أوْ عَقَدَ بَعْدَ تَلَذُّذِهِ بأخْتِهَا بِمِلْكٍ فَكالْأوَّلِ (٣). (١) وقوله: بخلاف صدقة عليه إن حيزت، قال المواق هنا ما نصه: ابن يونس: لو وهبها لابنه الكبير أو لأجنبي. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: لا تحل له أختها حتى يقبضها الموهوب له؛ لأن ربها لو أعتقها قبل قبضه، أو أحبلها، مضى عتقه وإيلاده وبطلت الهبة. قال ابن عرفة: قول الصقلي هذا مردود لأن الاعتصار من الكبير بعد الغيبة صحيح إن لم يكن وطئها. ا. هـ. منه. (٢) وقوله: ووقف إن وطئهما ليحرم، قال المواق: من المدونة، إن وطئ الأخرى قبل تحريمه الأولى، وقف عنهما حتى يحرم أيتهما شاء؛ إن حرم الثانية لم يوقف عن الأولى، وإن عكس وقف عن الثانية حتى يستبرئها لفساد مائه. ا. هـ. منه، قال الحطاب: قال القرطبي عن مذهب مالك: ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم. ا. هـ: منه. (٣) وقوله: وإن عقد فاشترى فالأولى، معناه؛ وإن عقد رجل النكاح على إحدى محرمتي الجمع، فاشترى محرمة الجمع معها، فإن الأولى - التي هي الزوجة - هي التي يحل له وطؤها، وتحرم عليه التي اشتراها عليها، فإن وطئ التي اشتراها أو تلذذ بها بدون وطء، وقف عنهما ليحرم إحداهما، فإن أبقى الثانية استبرأها، وإن كان عقد النكاح على الأخت مثلًا بعد تلذذه بأختها بالملك، فحكمه كحكم الأول، من أنه يوقف عنهما حتى يحرم إحداهما، وأنه يستبرئ الثانية إن أبقاها. ا. هـ. قال الحطاب هنا: فرعان من المدونة: الأول: من باع أمة وطئها، ثم تزوج أختها فلم يطأها حتى اشترى المبيعة، لم يطأ إلا الزوجة. والعقد ههنا كالوطء في الملك. الثاني: من زوج أم ولده ثم اشترى أختها فوطئها، ثم رجعت إليه أم ولده، أقام على وطء الأمة، ولو ولدت منه الأمة، ثم زوجها وأختها، ثم رجعتا إليه جميعًا، وطئ أيتهما شاء إلا أن يطأ أولاهما رجوعًا. ا. هـ. منه. والله أعلم بأدلة ذلك.

стр. 852

والْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ قَدْرَ الْحَشَفَةِ بِلَا مَنْعٍ وَلَا نُكْرَةَ فِيهِ بانْتِشَارٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ وعِلْمِ خَلْوَةٍ وَزَوْجَةٍ فَقَطْ (١)، وَلَوْ خَصِيًّا، كَتَزْوِيجِ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِيَمينٍ (٢)، لَا بِفَاسِدٍ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدَهُ بِوَطْء ثَانٍ وفِي الأوَّلِ تَرَدُّدٌ كَمُحَلِّلٍ (٣) وَإنْ مَعَ نِيَّةِ إِمْسَاكِهَا مَعَ الإِعْجَابِ، وَنِيَّةُ الْمُطَلِّقِ وَنِيَّتُهَا لَغْوٌ (٤). (١) وقوله: والمبتوتة حتى يولج بالغ قدر الحشفة بلا منع ولا نكرة فيه ألخ، دليله قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). ولحديث عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني. فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير بن طابا، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أَتُرِيدينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؛ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ". قالت: وأبو بكر عند النبي ﷺ ، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر ألا تسمع ما تجهر به هذه عد رسول الله ﷺ . ا. هـ. هذا لفظ البغوي وقال: هذا حديث صحيح متفق على صحته، أخرجه محمد عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري، وأخرجه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري. قلت: البتُّ هو القطع من بت الأمر يبت - بضم الباء - ويبت - بكسرها - يقال: طلقها بتَّةً وبتاتًا، أي بتلة بائنة. كما يقال: لا أفعله ألبتة، وبتَّةً، لكل أمر لا رجعة فيه. انظر القاموس. وقال في فتح المنعم بشرح زاد المسلم ما نصه: قولها: فبت طلاقي. أي طلقني ثلاثًا، وهو محتمل للثلاث دفعة واحدة ومتفرقة، ولا فرق بين كونها قيلت متفرقة أو دفعة واحدة عند الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء من السلف والخلف، كما صرح به النووي في شرح مسلم. ا. هـ. منه يريد أن جماهير العلماء من السلف والخلف مطبقون على أن من قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا. أنها تحرم عليه بموجب ذلك حتى تنكح زوجًا غيره؛ فيدخل بها الدخول المعتبر شرعًا. قال: وخالف في ذلك الشيعة وبعض أهل الظاهر فقالوا: لا يقع إذا أوقعه دفعة احدة، واحتجوا بأن ذلك خلاف السنة فيرد إلى السنة. وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، =

стр. 853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وحجاج بن أرطاة. ا. هـ. فتح المنعم بتصرف. وقال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ما نصه: ومذهب جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأوزاعي والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وآخرون كثيرون، على أن من طلق امرأته ثلاثًا وقعن، ولكنه يأثم. وقالوا من خالف فيه فهو شاذ مخالف لأهل السنة، وإنما تعلق به أهل البدع ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة، التي لا يجوز عليهم التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة. ا. هـ. منه بلفظه. قال شيخنا في أضواء البيان ما نصه: اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني زوجته، فإن فيه: فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. أخرج البخاري هذا الحديث. ووجه الاستدلال منه أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة ولم ينكره رسول الله ﷺ . قال: فلو كان ممنوعًا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان. قال: واختلف العلماء في قوله: فكانت سنة المتلاعنين، هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلًا، وبه قال جماعة من العلماء؟ أو هو من كلام سهل ﵁ فيكون مرفوعًا متصلًا؟. قال: ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ﷺ فأنفذه رسول الله ﷺ ، وكان ما صنع عند رسول الله ﷺ سنة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله ﷺ فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا. قال: وهذا الحديث سكت عليه أبو داود والمنذري. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح. قال شيخنا: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور، واقع موقعه، لأن المطلع على غوامض =

стр. 854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إشارات البخاري ﵀، يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية، ولم يخرجها لأنها ليست على شرطه. قال شيخنا: فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة؛ بأن النبي ﷺ أنفذ طلاق الثلاث دفعة، يبطل بإيضاح (دعوى) أنه لا عبرة بسكوته ﷺ وتقريره له، بناء على أن الفرقة واقعة بنفس اللعان كما ترى. ا. هـ. منه. قلت: ومن أدلة لزوم طلاق الثلاث دفعة واحدة، ما رواه الطبراني والبيهقي عن سويد بن غفلة، قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ﵄، فقال لها: قتل علي كرم الله تعالى وجهه. قالت: لتهنك الخلافة. قال: يقتل علي وتظهرين الشماتة؟. إذهبي فانت طالق ثلاثًا. قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى انقضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. فلما بلغه قولها بكى ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو: حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا عِنْدَ الأَقْراء أَوْ ثَلَاثًا مُبْهَمَةً، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" لراجعتها. ا. هـ. قالوا: ومعنى مبهمة أي ليست مفرقة عند الأقراء. ومنها: ما أخرجه ابن ماجه عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك؟. قالت: طلقني زوجي ثلاثًا، وهو خارج إلى اليمن، فأجاز رسول الله ﷺ ذلك. ا. هـ. وفي مسلم من رواية أبي سلمة أن فاطمة بنت قيس أخبرته، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا ثم انطلق إلى اليمن الحديث. ولحديث فاطمة بنت قيس صيغ أخرى معلومة، ولا فرق بين جميع صيغه كما علم عن أهل الفن من استقراء الروايات الراجعة إلى قضية واحدة. ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت أن أباه طلق امرأة له ألف تطليقة، فانطلق عبادة فسأل رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: "بَانَتْ بِثَلَاثٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ. إِنْ شَاء اللهُ تَعَالَى عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاء غَفَرَ لَهُ". ا. هـ. ومنها ما أخرجه مالك في الموطإ؛ أنه بلغه أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي ثمان تطليقات. فقال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟. =

стр. 855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال: قيل لي: إنها قد بانت مني. فقال ابن مسعود: صدقوا. من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، ومن لَبَّس على نفسه لبسًا جعلنا لبسه ملصقًا به. لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما يقولون. ا. هـ. ومنها: ما أخرجه مالك أيضًا في الموطإ عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم أن عمر بن عبد العزيز قال له: البتة ما يقول الناس فيها؟. قال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة. فقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الطلاق ألفًا ما أبقت البتة منه شيئًا. من قال: البتة، فقد رمى الغاية القصوى. ا. هـ. ومنها: ما رواه مالك في الموطإ أيضًا عن ابن شهاب؛ أن مروان بن الحكم كان يقضي في الذي يطلق امرأته البتة أنها ثلاث تطليقات. قال مالك: وهذا أحب ما سمعت في ذلك. ا. هـ. انظر فتح المنعم بشرح زاد المسلم لابن عمنا الشيخ محمد حبيب الله. قال شيخنا في الأضواء: وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (١). قالوا: معناه أن المطلق قد يحدث له ندم، فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيًا فلا يندم. ا. هـ. قال: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد. قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه. فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس. إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢). وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. ا. هـ. قال: وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه. وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها؛ ومن يتق الله ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة، يجعل له مخرجًا بالرجعة. ومن لم يتقه في ذلك؛ بأن جمع التطليقات في لفظ واحد، لم يجعل له مخرجًا بالرجعة؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة. هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدًا في محل النزاع، لأنه مفسر به قرآنًا، وهو ترجمان القرآن، =

стр. 856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقد قال ﷺ : "الَّلهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ". قال شيخنا: وعلى هذا القول جل الصحابة وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإِجماع. ا. هـ. محل الغرض منه. أما دليل المخالف فهو الاحتجاج بأربعة أحاديث هي: ١ - حديث ركانة بن عبد يزيد؛ أنه طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبي ﷺ : "كَيْفَ طَلَّقْتَهَا"؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد. فقال النبي ﷺ : "إنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ". فارتجعها. والجواب عن هذا الحديث منه؛ أنه لا دلالة فيه مطلقًا على محل النزاع - على فرض صحته - لأن لفظ المتن أنه وقعت الطلقات الثلاث منه في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه أنها بلفظ واحد، بل الدلالة من الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كانت بلفظ واحد لبين ذلك وترك ذكر المجلس. إذًا لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بدون موجب كما ترى. وعليه، فإن هذا الدليل مقدوح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول بالقول بالموجب، وبيان ذلك أننا نقول: سلمنا أن الطلقات حصلت منه في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد؟. هذا على فرض صحة حديث ركانة هذا، علمًا بأنه من رواية داود بن الحصين عن عكرمة، وقد قال الحافظ ابن حجر في التقريب: داود بن الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلَّا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، فكانت رواية داود ابن الحصين له عن عكرمة تبعده عن الاحتجاج به، لو كانت فيه دلالة على محل النزاع. أضف إلى ذلك أن أبا داود رجح أن ركانه إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو - أي أبو داود - من طريق آل ركانة، وبذلك يجوز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا. قال ابن حجر: وبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس. ٢ - حديث ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثًا، فاحتسب بواحدة. قال شيخنا. ولا يخفى سقوط الاستدلال بهذا الحديث؛ لأن الصحيح أنه إنما طلق واحدة، =

стр. 857

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال القرطبي في تفسيره: والمحفوظ أن ابن عمر طلق واحدة في الحيض. كذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذلك قال الزهري، عن سالم، عن أبيه، ويونس بن خبير والشعبي والحسن. ا. هـ. منه. قال شيخنا: فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور. ٣ - حديث أبي داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، وتزوج امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلَّا كما تغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي ﷺ الحمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: "أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبهُ مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ كَذَا وَكَذَا، وَفُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا"؟. قالوا: نعم. فقال النبي ﷺ : "طَلِّقْهَا" ففعل. فقال: "رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ". فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله. قال: "قَدْ عَلِمْت. رَاجِعْهَا". وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١). قال شيخنا، عليه رحمة الله: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال فيه: أخبرني بعض بني أبي رافع. وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو، فسقوطها ظاهر كما ترى. ٤ - حديث أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، واللفظ لابن رافع، قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. =

стр. 858

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج حدثنا ابن رافع واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج. أخبرني ابن طاوس، عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟. فقال ابن عباس: نعم. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس؛ أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة؟. فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هكذا روي مسلم في صحيحه. وقد أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس هذا، بأجوبة كثيرة نورد فيما يلي أهمها. من ذلك: أن الثلاث المذكورة فيه - التي كانت تجعل واحدة - ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلًا ولا شرعًا أن يكون بلفظ واحد، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد، سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع. أضف إلى ذلك أن الإِمام النسائي - على جلالة قدره، ورسوخ قدمه، وشدة فهمه - ما فهم من الحديث المذكور، إلَّا أن المراد بطلاق الثلاث فيه قوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود لهذا الحديث، فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة. ثم قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ .. الحديث. وكذلك فهم ابن سريج فيما نقله عنه ابن حجر في الفتح أنه قال: يشبه أن يكون ورد في تكرار اللفظ؛ كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكانوا أولًا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التوكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع =

стр. 859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قبول من ادعى التوكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم. ا. هـ. قال ابن حجر: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي. وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. قال شيخنا في الأضواء: وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور، أن الثلاث بلفظ واحد هو ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي ﷺ . ا. هـ. منه. ومما أجابوا به عن حديث طاوس عند مسلم عن ابن عباس ﵄، أن الحديث منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر بن الخطاب ﵁؛ فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى، في باب: جعل الثلاث واحدة. عن الإِمام الشافعي ما نصه: قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله ﷺ واحدة، يعني أنه بأمر النبي ﷺ ، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس علم إن كان شيء ثم نسخ. فإن قيل: فما دليلك على ما وصفت؟. قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه. قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر ﵁. قلنا: لقد علمنا أن ابن عباس ﵄ كان يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي ﷺ فيه خلافة؟. ا. هـ. وقال ابن حجر في الفتح: نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك. قال البيهقي - ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك. قال: والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث". ا. هـ. منه. ودعوى النسخ لهذا الحديث لا إشكال فيها، ولا دليل أدل عليه من أنهم أجمعوا على ذلك، وإجماعهم دليل على أنهم أطلعوا على ناسخ لم يبلغهم إلا في ذلك الوقت، ولا إشكال في ذلك؛ لأن كثيرًا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه؛ فإن أبا بكر لم يبلغه قضاء رسول =

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الله ﷺ في ميراث الجدة، حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضائه ﷺ في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، وأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يكن عنده علم بذلك. وهذا قليل من كثير. ولا ينقضي العجب من المخالف في دعوى نسخ الرجعة بعد الثلاث، بدعوى أن ذلك لم يظهر إلا بعد صدر من خلافة عمر، وهو في الوقت الذي ينكر فيه ذلك، مقر بأن نكاح المتعة ورد فيه مثل ذلك. فقد أخرج مسلم في صحيحه عن جابر ﵁: أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر. قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا. قال شيخنا في الأضواء: وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقًا - ما أشبه الليلة بالبارحة - فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما ويدعي استحالته في الأخرى، مع أن كلًا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل، أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، في مسألة تتعلق بالفروج، ثم غيره عمر. قال شيخنا: فمن أجاز نسخ نكاح المتعة وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة يقال له: مالبائك تجر وبائي لا تجر؟!. فإن قال: نكاح المتعة صح النص بنسخه. قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث. ا. هـ. منه. قلت: ولا أدل على نسخ الرجعة بعد الثلاث من أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إيقاع الثلاث دفعة، مع كثرتهم في زمنه، ووفور علمهم، وغيرتهم على الدين. وشدة ورعهم، وأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، بل قد ثبت القول بذلك عن كثير منهم، كابن عباس وعمر وابن عمر وخلق لا يحصى. قال شيخنا. والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث قال بعض العلماء: هو قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١). كما جاء مبينًا في غير محل. ولا مانع عقلًا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر، كما جهل كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر، مع أن النبي ﷺ صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة؛ في غزوة =

стр. 861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الفتح، وفي حجة الوداع، كما جاء في رواية عند مسلم. ا. هـ. منه. ومما أجابوا به عن حديث ابن عباس هذا؛ أن رواية طاوس عنه مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه؛ فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة كل من: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رياح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى، والقرطبي وغيرهما. وقال البيهقي: إن البخاري لم يخرج هذا الحديث لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟. قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور. ا. هـ. من أضواء البيان نقلًا عن ابن القيم. ومما أجابوا هن حديث ابن عباس هذا؛ أن ظاهر سياقه يقتضي أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر، فكيف، - والحالة هذه - ينفرد به واحد عن واحد؟. ومعلوم أن المقرر في الأصول؛ أن خبر الواحد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله، ولم ينقله إلَّا واحد، أن ذلك يدل على عدم صحته. قال في مراقي السعود: . . . . . . . . . … ... وخبر الآحاد في السنيِّ نرى لها لو قاله تقررا … حيث دواعي نقله تواتر ا. هـ. وقال في جمع الجوامع، عاطفًا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادًا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله، خلافًا للرافضة. ا. هـ. منه. ولذلك قال القرطبي في المفهم: وهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه، يعني حديث طاوس هذا عن ابن عباس، ذكر ذلك شيخنا في الأضواء، وقال: ا. هـ. منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه. =

стр. 862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وخلاصة القول في هذا الحديث ما ذكره ابن حجر في فتح الباري قال: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء؛ فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث؛ للإِجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإِجماع منابذ له. والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. ا. هـ. منه بنقل أضواء البيان. وبالله تعالى التوفيق. قلت: وقد أجاد بحث هذه المسألة ثلاثة من بني عمومتنا هم: العلامة شيخنا محمد الأمين بن محمد المختار في أضواء البيان عند قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١). الآية. والشيخ محمد حبيب الله في فتح المنعم بشرح زاد المسلم عند حديث: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ". الحديث. ومنهما لخصت هذا البحث. والثالث هو العلامة الشيخ محمد الخضر بن مايابا؛ فقد أفردها في رسالة أسماها. لزوم طلاق الثلاث دفعة. فليرجع إلى بحوث هؤلاء من أراد زيادة في المسألة عما لخصت. والله الموفق. (٢) وقوله: كتزويج غير مشبهة ليمين، هو تشبيهٌ في التحليل، أي كتزويج ذي قدر لدنيئة مبتوتة من شخص آخر، والحال أنها غير مشبهة نساء ذي القدر الذي تزوجها، وكان تزوجها ليبر بذلك يمينًا تقدمت: ليتزوجنَّ. فأولج فيها إيلاجًا مستكملًا لشروط التحليل المتقدمة، وطلقها أو مات عنها، فإنها تحل لباتِّها الأول، وإن كان ذو القدر لا تبر يمينه بتزويج مثلها. (٣) وقوله: لا بفاسد إن لم يثبت بعده بوطء ثان، وفي الأول تردد، قال المواق هنا: ابن عرفة: وطؤها بالملك والعقد الفاسد قبل صحته لغو. وقال الباجي: الوطء الثاني فيما يفسخ قبل البناء لا بعده يحل ويحصن، وأما الوطء الأول فلا نص فيه. وفيه عندي احتمال. ولعل هذا الاحتمال مبني على القاعدة الخلافية التي هي: هل النزع وطء أو لا؟. فعلى أنه وطء؛ حلت المبتوتة الموطوءة وطئًا فاسدًا مختلفًا فيه بالوطء الأول؛ أي بنزعه لاعتبر وطئًا بعد الإِيلاج، وعلى القول بأن النزع ليس بوطء، فلا تحل إلا بوطء ثان. والله تعالى أعلم. =

стр. 863

وَقُبِلَ دَعْوَى طَارِئةٍ التَّزْوِيجَ؛ كَحَاضِرَةٍ أُمِنَتْ إنْ بَعُدَ، وفي غَيْرِهَا قَوْلَانِ. وَملْكُهُ أوْ لِوَلَدِهِ، وفُسِخَ وَإن طَرَأَ بِلَا طَلَاقٍ كَمَرْأَةٍ فِي زَوْجِهَا وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ لِيُعْتِق عَنْهَا، لَا إِن رَدَّ سَيِّدٌ شِرَاءَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا أَوْ قَصَدَا بِالْبَيْعِ الْفَسْخَ؛ كَهِبَتِهَا لِلْعَبْدِ ليَنْتَزِعَهَا، فَأُخِذَ جَبْرُ الْعَبْدِ عَلَى الْهِبَةِ. وَمَلَكَ أَبٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ بِالْقِيمَةِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِمَا إنْ وطِئَاهَا وَعَتَقَتْ عَلَى مُولِدِهَا. ولِعَبْدٍ تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيِّدِهِ بِثِقَلٍ، ومِلْك غَيْرِهِ كَحُرٍّ لَا يُولَدُ لَهُ، وكأمَةِ الْجَدِّ، وَإلَّا فإنْ خَافَ زِنًا وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بهِ حُرَّةً غَيْرَ مُغَالِيَةٍ (١)، وَلَوْ كِتَابِيَّةً أوْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ (٢)، ولِعَبْدٍ = وقوله: كمحلل، هو تشبيه للنكاح الفاسد الذي لا يثبت بالدخول، والمحلل ذو النكاح الفاسد الذي يفسخ قبل البناء وبعده، هو الذي يتزوج امرأة بتّها زوجها بنية إحلالها له، أو بنية الإِحلال مع نية الإِمساك إن أعجبته، وذلك لانتفاء نية الإِمساك على الدوام المقصودة من النكاح. (٤) وقوله: ونية المطلق ونيتها لغو، أي لا أثر لها، فهي غير مضرة في التحليل إذا لم يقصده المحلل؛ أي فالمعتبر في تحليلها وعدمه نية المحلل دون غيره؛ لأن الطلاق بيده. ودليل حرمة نكاح المحلل حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ". رواه الدارمي في سننه قال: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي قيس، عن الهذيل، عن عبد الله. الحديث. وهو في النسائي، والترمذي، والبيهقي، والبغوي قال: وأراد به أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا، فنكحت زوجًا آخر حتى يصيبها فتحل للأول، ثم يفارقها، فهذا منهي عنه، فإن شرط في العقد مفارقتها، فالنكاح باطل عند الأكثرين كنكاح المتعة، وتسميته محللًا لقصده إليه، وإن كان لا يحصل التحليل به. وقيل: يصح النكاح ويفسد الشرط، ولها صداق مثلها. فأما إذا لم يكن ذلك في العقد شرطًا، وكان نية وعقيدة، فهو مكروه، غير النكاح صحيح، وإن أصابها ثم طلقها وانقضت عدتها، حلت للأول عند أكثر أهل العلم. ا. هـ. البغوي. (١) وقوله: وإلا فإن خاف زنًا وعدم ما يتزوج به حرة غير مغالية، تصوره: أي وإلا بأن كان حرًا يولد له، والأمة ملك لمن لا يعتق ولدها عليه، فيجوز تزويجها إن خاف على نفسه الزنا فيها =

стр. 864

بِلَا شِرْكٍ ومِكاتَبٍ وَغدينْ نَظَرُ شَعَرِ السَّيِّدَةِ، كَخَصِيٍّ وَغْدَيْنِ لِزَوْجٍ. وَرُوي جَوَازُه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا، وخُيِّرَتِ الحُرَّةُ مَعَ الْحُرِّ فِي نَفْسِهَا بطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ؛ كَتَزْوِيجِ أَمَةٍ عَلَيْهَا أَوْ ثَانِيَةٍ أوْ عِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَألْفَتْ أكْثَرَ، ولَا تُبَوَّأُ أَمَةٌ بِلَا شَرْطٍ أوْ عُرْفٍ. وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِمَنْ لَمْ تُبَوَّأْ، وأنْ يَضَعَ مِن صَدَاقهَا إن لم يَمْنَعْهُ دَيْنُها إلّا رُبُعَ دِينَارٍ، ومَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وأخْذُهُ، وإنْ قَتَلَهَا أوْ بَاعَهَا بمَكَانٍ بَعِيدٍ إِلَّا لِظَالِمٍ، وَفيها يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ، وَهَلْ خِلَافٌ. وعَلَيْهِ الأكثَرُ أوْ الأوَّلُ لَم تُبَوَّأْ أو جَهَّزهَا مِنْ عِنْدهِ تَأويلان. وسَقَطَ بِبَيْعِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ مَنْعُ تسْلِيمِهَا لِسُقُوطِ تَصَرُّفِ البَائِعِ، والوفَاءُ بالتزْوِيجِ إِذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِ وَصَدَاقُهَا. وَهَلْ ولو = أو في غيرها، والحال أنه عادم للطول، أي عادم لمال من نقد أو عرض يتزوج به حرة غير مغالية في مهرها، أي غير طالبة منه ما يخرج عن العادة إلى السرف، فإن لم يجدها تزوج الأمة، ولو كانت الحرة كتابية فإنه يتزوجها، ولا يجوز تزوج الأمة مع وجودها. قلت: لعل المصنف هنا مشى على القول بأن الطول الذي عدمه الرجل جاز له نكاح الأمة هو المال، على شطر القاعدة في المنهج المنتخب بقوله: الطوْل مال أو وجود حرَّة … وفرعه لينكحنَّ ضرَّة والدليل على جواز نكاح الأمة المسلمة، لمن لم يجد الطول هو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١). الآية. لكنه إن استطاع الصبر عن نكاحها كان خيرًا له وأفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. فإن لم يخف على نفسه الزنا، أو خافه على نفسه وكان واجدًا للطول - أي للمال - ووجد حرة يستطيعها تعفه، امتنع عليه تزوج الأمة. روي ذلك عن جابر، وابن عباس. وبه قال عطاء، وطاوس، والزهري، وعمرو بن دينار، ومكحول، ومالك، والشافعي، وإسحاق، خلافًا لمجاهد وأبي حنيفة. (٢) وقوله: ولو كتابية، أي وإن قدر على حرة تعفه ولو كتابية، حرم عليه نكاح الأمة لقوله =

стр. 865

بِبَيْعِ سُلْطان لِفَلَسٍ أوْ لَا، ولَكِنْ لا يَرْجِعُ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ تَأْويلَانِ، وَبَعْدَه كَمَالِهَا، وبَطَلَ فِي الْأمَةِ إنْ جَمَعَهَا مَعَ حُرَّةٍ فَقَطْ (١)، بِخِلَافِ الْخَمْسِ، وَالْمَرأةِ وَمَحْرَمِهَا، ولزوْجِهَا العَزْلُ إذَا أَذِنَتْ وسَيِّدُهَا، كَالْحُرَّةِ إذَا أذِنَتْ (٢)، والْكَافِرَةُ إلَّا الحُرَةَ الكِتَابِيَّةَ بِكُرْهٍ، وتَأكّدَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ولَوْ يَهُودِيَّةً تَنَصَّرَتْ وبِالْعَكْسِ، وَأَمَتُهُمْ بالْمِلْكِ وقُرِّرَ عَلَيْهَا إِنْ أَسْلَمَ. = تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ومن وجد كتابية تعفه غير خائف على نفسه الزنا، أضف إلى ذلك أنه قدر بوجودها على صيانة ولده من الرق. وقوله: أو تحته حرة، تقريره: فلو خاف الزنا على نفسه، جاز له نكاح الأمة، ولو كان تحته حرة لا تعفه؛ وذلك بتوفر الشرطين وهما: خوفه الزنا على نفسه، وعدم الطول. قال الدردير: ولا يخفى ما في كلامه من الركاكة، فلو قال: إن خاف زنًا ولو تحته حرة، أو عدم ما يتزوج به حرة، لكان أبين. ا. هـ. منه بتصرف. (١) وقوله: وبطل في الأمة إن جمعها مع حرة فقط، تقريره: وبطل النكاح في الأمة التي يمتنع تزويجها لفقد شرط مما مر، إذا جمعها في العقد مع حرة. وقوله: فقط راجع لقوله في الأمة: أي بطل النكاح في الأمة فقط ويصح في الحرة. ولا يخالف ذلك قولهم: الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا بطلت كلها. لأن ذلك محله في الحرام على كل حال، أما الأمة فإنها يجوز نكاحها في بعض الأحوال - كما تقدم - فكانت يقبل نكاحها المعاوضة في الجملة، بخلاف الحرام المطلق، فإنه لا يقبل المعاوضة بحال من الأحوال، فافترقا. والله أعلم بدليل هذا. (٢) وقوله: ولزوجها العزل إذا أذنت وسيدها كالحرة إذا أذنت، في المواق عن ابن عرفة، المعروف جواز العزل، وشرطه عن الحرة إذنها، وعن الأمة زوجة إذن سيدها. الباجي والجلاب: وإذنها. الكافي: وظاهر الموطإ إذنها لا يشترط. ا. هـ. منه. قلت: والدليل على جواز العزل أصلًا ما أخرجه مسلم عن جابر. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنَّ لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا، أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل؟. قال: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإنَّهَا سَيَأْتِيهَا". فلبث الرَّجُل فقال: إن الجارية قد حَبِلَتْ. فقال: "قَدْ =

стр. 866

وأنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَعَلَى الأمَةِ والْمَجوسِيَّة إِنْ عَتَقَتْ وأسْلَمَتْ وَلَمْ يَبْعُدْ كَالشَّهْرِ وَهَلْ إنْ غُفِلَ أوْ مُطْلَقًا تَأويلَانِ وَلا نَفَقَةَ، أوْ أسْلَمَتْ ثُمَّ أسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا، وَلَوْ طَلَّقَهَا، وَلَا نَفَقَةَ عَلَى المُخْتَارِ وَالأحْسَنِ، وقَبْلَ البِنَاءِ بانَتْ مَكَانَهَا، أوْ أسْلَمَ إِلَّا المَحْرَمَ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّة وَالأجَلِ، وَتَمَادَيَا لَهُ وَلَوْ طَلَّقَهَا ثلَاثًا وَعَقَدَ إنْ أَبَانَهَا بِلَا مُحَلِّلٍ، وَفُسِخَ لإِسْلَامِ أحَدِهِمَا بِلَا طَلَاقٍ لَا ردَّتِهِ فَبَائِنَةٌ وَلَوْ لِدَيْنِ زوجتِهِ، وفِي لزُومِ الثَّلَاثِ لِذِمِّيٍّ طَلّقَهَا وتَرافَعَا إلَيْنَا، أوْ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الإِسْلَامِ أَوْ بِالْفِرَاقِ مُجْمَلًا أوْ لَا تَأْويلَاتٌ. ومَضَى صَدَاقُهُمْ الْفَاسِدُ أوْ الإِسْقَاطُ إن قُبِضَ وَدَخَلَ، وإلَّا فكَالتَّفْويضِ، وَهَلْ إنْ اسْتَحَلُّوهُ تَأْويلَانِ وَاخْتارَ الْمُسْلِمُ أَرْبَعًا وَإِن أوَاخِرَ (١)، وإحْدَى أُخْتَيْنِ مُطْلَقًا، وَأمًّا وابْنَتَهَا لَمْ يَمَسَّهُمَا، وإِنْ مَسّهُمَا حَرُمَتَا، وإحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ، وَلَا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ مَن فارَقَهَا واخْتَارَ بِطَلَاقٍ أوْ ظِهَارٍ أوْ إيلَاء أوْ وَطْء والْغَيْرَ إنْ فَسَخَ = أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". وهذا الحديث أخرجه البغوي بهذا اللفظ، وهو في أبي داود وفي البيهقي، وفي مسند الإِمام أحمد، وفي الصحيحين أيضًا عن جابر قوله: كنا نعزل والقرآن ينزل. ولذلك قد رخص فيه كثير من أصحاب النبي ﷺ منهم جابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس. قال البغوي: وكره جماعة من الصحابة وغيرهم العزل لما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن العزل فقال: "ذلِكَ الْوَأْدُ الخَفِيُّ". قال مالك: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن زوجته الأمة إلا بإذن أهلها، ويعزل عن أمته بغير إذنها، وروي عن ابن عباس: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية. قال: وبه قال أحمد. ا. هـ. منه. (١) قوله: واخْتَار أرْبعًا وَإن أواخر، أي واختار المسلم - الذي أسلم على أكثر من أربع - أربعًا منهن إن أسلمن معه، أو كن كتابيات أسلمن، أو بقين على دينهن؛ سواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود متفرقة، بنى بهن جميعًا أو ببعضهن، سواء كانت الأربع التي اختارهن أوائل أو هن الأواخر، وإن شاء اختار الأقل من ذلك، أو لم يختر شيئًا منهن. وأما الدليل على ذلك، =

стр. 867

نِكَاحَهَا أوْ ظَهَرَ أنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ، ولَا شَيْءَ لِغَيْرِهِنَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ كاخْتِيَارِهِ واحِدَة مِن أَرْبَع رَضيعات تَزَوَّجَهُنَّ وأرْضعَتْهُنَّ امرأةٌ وَعَلَيْهِ أرْبَعُ صَدُقَاتٍ إنْ مَاتَ وَلَمْ يَخْتَرْ ولا إرْثَ إنْ تَخَلَّفَ أرْبَعُ كِتَابِياتٍ عَنِ الإِسْلَامِ، أوْ التَبَسَتْ المُطَلَّقَةُ مِنْ مُسْلِمَةٍ وَكِتَابِيَّةٍ، لَا إنْ طَلّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَجُهِلَتْ، وَدَخَلَ بإحْدَاهُمَا وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا الصَّدَاقُ وثَلَاثَةُ أرْبَاعِ الْمِيرَاثِ وَلِغَيْرِهَا رُبُعُهُ وثَلَاثَةُ أرْبَاعِ الصَّدَاقِ وَهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أحَدِهِمَا المَخُوفُ، وَإنْ أذِنَ الْوَارِثُ أوْ إنْ لَمْ يَحْتَجْ خِلَافٌ. ولِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ المُسَمَّى، وَعَلَى المَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ الأقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَعُجِّلَ بِالْفَسْخِ إلَّا أَنْ يَصحَّ المَرِيضُ مِنْهُما، ومُنِعَ نِكَاحُهُ النَّصْرانِيَّةَ وَالأمَةَ عَلى الأصَحِّ والمُخْتَارُ خِلَافُهُ. = فهو ما تقدم ذكره عند قول المصنف: وجمع خمس وللعبد الرابعة، فقد ذكرنا هناك حديث غيلان بن سلمة الثقفي أنه ذكر لرسول الله ﷺ أنه أسلم على عشر نسوة، فقال ﷺ : "أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ". وأما مدرك قول المصنف: وإن أواخر، فإنه لعدم استفصال النبي ﷺ لغيلان؛ أكان تزوجهن بعقد واحد أو بعقود متفرقة؟ ومعلوم عند أهل الأصول أن ترك الاستفصال في مسائل الأحوال، ينزل منزلة العموم في الأقوال، فدل عدم استفصاله أنه مخير بينهن؛ سواء جمعهن بعقد واحد أو تزوجهن كلًا على حدة، وأنه مخير في إمساك أية أربع شاء منهن. وبالله تعالى التوفيق. فروع ذكرها الحطاب هنا: (الأول) ليس للمرأة أن تلزم زوجها العزل عنها. والله أعلم. (الثاني) قال ابن ناجي في شرح المدونة في القسم بين الزوجات: وأما التسبب في إسقاط الماء قبل [تمام] أربعين يومًا من الوطء، فقال اللخمي: جائز. وقال ابن العربي في القبس: لا يجوز باتفاق. وحكى عياض في الإِكمال قولين في ذلك للعلماء، وظاهره أنه خارج المذهب. انتهى. =

стр. 868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال البرزلي في مسائل الرضاع: وأما جعل ما يقطع الماء أو يسد الرحم، فنص ابن العربي أنه لا يجوز. وأما استخراج ما حصل من الماء في الرحم فمذهب الجمهور المنع مطلقًا. وأحفظ للخمي أنه يجوز قبل الأربعين مادام نطفة. كما أنه له العزل ابتداء. قال: والأول أظهر؛ إذ زعم بعضهم أنه الموؤودة. انتهى كلام البرزلي. (الثالث): قال الجزولي في شرح قول الرسالة: ونهي عن خصاء الخيل: ولا يجوز للإِنسان أن يشرب من الأدوية ما يقلل نسله. ا. هـ. منه. قلت: وقد نقلت هذه الفروع هنا، وإن كانت ليست معضدة بأدلة من الكتاب ولا من السنة، وموضوعنا استجلاب الدليل، لأنها في مسائل كثير العمل بها اليوم. والله الموفق. وهو الهادي إلى الطريق المستقيم بفضله.

стр. 869

فَصْلٌ فِي خِيار الزوجين الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبقِ الْعِلْمُ، أوْ لَمْ يَرْضَ، أوْ يَتَلَذَّذْ (١)، وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ (٢)، بِبَرصٍ (٣) وَعَذْيَطَةٍ، وَجُذَامٍ، لا جُذامِ الْأبِ، وبخصَائهِ، وَجَبِّهِ، وعُنَّتِهِ، واعْتِرَاضِهِ (٤)، وبِقَرَنِهَا، وَرَتَقِهَا، وَبَخَرِهَا، وعَفَلِهَا، وإِفْضَائها قَبْلَ الْعَقْدِ (٥)، وَلَهَا فَقَطْ الرَّدُّ بِالْجُذَامِ الْبيِّنِ والْبَرَصِ المُضِرِّ الْحَادِثَيْنِ بَعْدَهُ (٦)، لَا بِكَاعْتِرَاضٍ وبِجُنونِهِمَا وَإنْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ أُجِّلَا فِيهِ وفِي بَرَصٍ وجُذَامٍ رُجِيَ بُرْؤُهُمَا سَنَةً، وبِغَيْرِهَا إنْ شَرَطَ السَّلامَةَ (٧) وَلَوْ بِوَصْفٍ لِوَلِيٍّ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَفِي الرَّدِّ إِنْ شَرَطَ الصِّحَّةَ تَرَدُّدٌ. (١) قوله: الخيار إن لم يسبق العلم أو لم يرض أو يتلذذ، وحلف على نفيه، ببرص ألخ، حاصل ما أشار له بذلك أن العيوب في الرجل والمرأة ثلاثة عشر عيبًا: أربعة يشتركان فيها وهي: الجنون، والجذام، والبرص، والعذيطة. وأربعة خاصة بالرجل وهي: الجب، والخصاء، والاعتراض، والعنة. وخمسة خاصة بالمرأة وهي: الرَّتَقُ والقَرَنُ، والْعَفَلُ، والإِفضاء، والبخر، فأضاف ما يختص بالرجل لضميره، وأضاف ما يختص بالمرأة لضميرها، وما كان من ذلك مشترك بين الرجل والمرأة لم يصفه، وبدأ به نظرًا لعمومه فقال: الخيار، وهو مبتدأ، خبره ثابت محذوف أقيم المتعلق به مقامه وهو قوله: ببرص. وقوله: إن لم يسبق العلم، شرط في الخبر، أي الخيار ثابت للسليم، أو لمن وجد في صاحبه عيبًا ولو كان هو معيبًا أيضًا، إن لم يسبق علمه بعيب المعيب قبل العقد، أو لم يرض به بعدما علم به بعد العقد، أو لم يتلذذ بعد العلم به. فلو وجدت هذه الأمور الثلاثة أو بعضها انتفى الخيار، إلا ما كان من امرأة المعترض، إذا علمت باعتراضه ومكنته من نفسها، فإن لها الخيار حيث إنها كانت ترجو برأه فلم يحصل. (٢) وقوله: وحلف على نفيه، تقريره، أنه إذا أراد أحد الزوجين أن يرد صاحبه بالعيب الذي به، فقال المعيب للسليم: أنت علمت بالعيب قبل العقد. ودخلت عليه. أو: علمت به بعد العقد ورضيت به. أو: تلذذت. والحال أنه لا بينة لذلك المدعي المعيب، وأنكر السليم ذلك، =

стр. 870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فإن للمعيب الحق في تحليفه إياه على نفي ما ادعاه عليه من العلم أو الرضا أو التلذذ. وهذا محله إذا لم يكن العيب ظاهرًا، وادعت علمه به بعد البناء، ولم يطل الأمر كشهر، فإن كان العيب ظاهرًا، أو طال الأمر كشهر بعد الدخول، فلا يحلف السليم، والقول للمعيب أنه رضي بيمينه. ا. هـ. من الدسوقي. (٣) وقوله: ببرص، هو بياض في الجلد ينبت عليه شعر أبيض، وإذا نخس بإبرة خرج منه ماء - وهو يشبه البهق، ولا خيار في البهق - والفرق بينهما أن الشعر النابت على البهق أسود، وأنه إن نخس بإبرة خرج مه الدم. قال الدردير: ومن البرص ما يكون أسود - وهو أردأ من الأبيض - وعلامته التفليس والتقشير؛ فيكون قشره مدورًا يشبه الفلوس، وهو من مقدمات الجذام. قال: والأسود مع كونه أردأ من الأبيض، فهو أكثر سلامة وأقل عدوى، وأبعد في الانتشار من الأبيض. ا. هـ. منه بتصرف قليل. وقوله: وعذيطة، ضبطه الدردير بكسر العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، وفتح المثناة التحتية، بعدها طاء مهملة، قال: وهي التغوط عند الجماع. قال المواق: قال اللخمي: ترد بها المرأة، ويرد بها الرجل أيضًا. والحطاب: قال اللخمي: وقد نزل في زمن أحمد بن نصر - من أصحاب سحنون - وادعاه كل واحد من الزوجين على صاحبه؛ فقال أحمد: يطعم أحدهما تينًا والآخر فقوسًا فيعلم ممن هو منهما. قال: واختلف إذا وجدها تبول في الفراش؛ ها هو عيب أم لا؟. قال: وإن وجدها زعراء. قيل: عيب ترد به. قيل: ليس، بعيب. والزعرة قلة الشعر. ا. هـ. منه قال الدسوقي: ومثل الغائط عند الجماع البول عنده. (٤) وقوله: وجذام أي محقق، ولو قلَّ أو حدت بعد العقد. وقوله: وبخصائه وجبه وعُنَّته واعتراضه؛ فالخصاء: هو قطع الذكر دون الأنثيين. قاله الدردير. والجب: هو قطع الذكر والأنثيين معًا. قال: وكذا مقطوع الأنثيين فقط إن كان لا يمني، وإلا فلا رد بموجبه. قال: والعُنَّة - بضم العين المهملة وتشديد النون - هي صغر الذكر جدًا بحيث لا يتأتى منه جماع. والاعتراض: هو عدم انتشار الذكر. هذه عيوب الرجل التي يرد بها دونها. (٥) وقوله: وبقرنها، ورتقها، وبخرها، وعفلها، وإفضائها قبل العقد، هذه هي عيوب =

стр. 871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المرأة التي تختص بها دون الرجل. فالقرن - بفتح الراء - هو شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة؛ تارة يكون من لحم فيمكن علاجه، وتارة يكون عظمًا ولا علاج له. وأما الرتق - بفتح الراء والتاء المثناة الفوقية - فهو انسداد مسلك الجماع بحيث لا يمكن معه جماع. غير أنه إذا انسد بلحم أمكن علاجه، وإذا كان انسداده بعظم استحال علاجه. والبخر: هو نتن الفرج لأنه منفر منها. وذلك ظاهر. قال الدردير: وقال الأئمة الثلاثة: لا يرد به؛ كالجرب ونتن الفم؛ والعفل - بفتح العين والفاء - هو لحم يبرز من قبل المرأة، لا يسلم غالبًا من رشح، وهو يشبه أدرة الرجل. وقيل: هو رغوة في الفرج تحدث عند الجماع. وأما إفضاؤها: فهو اختلاط مسلكي الجماع والبول، وأولى اختلاط مسلكي الجماع والغائط. قال: ومحل ثبوت الخيار بهذه العيوب هو وجودها في المرأة قبل العقد أو حينه، أما الحادثة بالمرأة بعد العقد فإنه يعد مصيبة نزلت بالرجل. (٦) وقوله: ولها فقط الرد بالجذام البين والبرص المضر الحادثين بعده، قال الدسوقي هنا: حاصل فقه المسألة - على ما يؤخذ من كلام المصنف هنا وفيما مر - أن الجذام متى كان محققًا ثبت للمرأة الرد به ولو يسيرًا، وسواء كان قبل العقد أو حدث بعده، وأما الرجل فله الرد به إن كان قبل العقد قل أو كثر، ولا رد له به إن كان حادثًا بعد العقد مطلقًا. وأما البرص فإن كان قبل العقد رد به، إن كان كثيرًا فيهما أو يسيرًا في المرأة اتفاقًا، وفي اليسير في الرجل قولان. وأما الحادث بعد العقد فلا رد به لواحد إن كان يسيرًا باتفاق، وإن كان كثيرًا فترد به المرأة الرجل على المذهب، وليس للرجل ردها به؛ لأنه قادر على فراقها بالطلاق إن تضرر، لأن العصمة بيده، بخلاف المرأة، ولذا ثبت لها الخيار دونه. ا. هـ. منه بتصرف قليل. قلت: ومن الأدلة على خيار الزوجين، حديث أخرجه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أيُّما رجل تزوج امرأةً وبها جنونٌ أو جُذَامٌ، أو بَرَصٌ، فمسَّها فلها صداقُها، وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليها. ا. هـ. وأخرج في المنتقى عن جميل بن زيد قال: حدثني شيخ من الأنصار قال: إنه كانت له صحبة، يقال له: كعب بن زيد، أو زيد بن كعب، أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها فوضع ثوبه وقعد على الفراش، أبصر بكشحها بياضًا فانحاز عن الفراش ثم قال: =

стр. 872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = " خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ". ولم يأخذ مما آتاها شيئًا. قال المجد: رواه أحمد، ورواه سعيد في سننه، وقال: عن زيد بن كعب بن عجرة. ولم يشك. وفي مصنف عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بلغنا أنه لا يجوز في نكاح ولا بيع مجذومة، ولا مجنونة، ولا برصاء، ولا عفلاء. قال: قلت: فواقعها وبها بعض الأربع، وقد علم الولي ثم كتمه؟ قال: ما أراه إلا قد غرم صداقها بما أصاب منها، إلا شيئًا منه يسيرًا، قلت: فأنكحها غير الولي؟. قال: يرد إلى صداق مثلها. ا. هـ. وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي قال: يرد من القرن، والجذام، والجنون، والبرص؛ فإن دخل بها فعليه المهر، إن شاء طلقها وإن شاء لم يطلقها، وإن شاء أمسك، وإن لم يدخل بها فرق بينهما. وعن عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري قال تُرَدُّ في النكاح الرتقاء. قال: والرتقاء هي التي يقدر الرجل عليها. ا. هـ. قلت: وقد اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيوب؛ فذهب أكثر الأمة إلى ثبوته، وإن اختلفوا في تفصيل ذلك؛ فروي عن عمر وعلي ﵄. أنه لا ترد النساء إلا من أربع: من الجنون والجذام والبرص، والداء في الفرج. وروي بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄: أربع لا يجزن في بيع ولا نكاح: المجنونة والمجذومة والبرصاء والعفلاء، والرجل يشارك المرأة في ذلك. وترده علاوة على ذلك بالجب والعنة، على خلاف في العنة. قال الصنعاني: واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع. قال: ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده، وعدله حكمته، وما اشتملت عليه من المصالح، لم يخف عليه رجحان هذا القول، وقربه من مقاصد الشريعة. ا. هـ. منه. وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا فسخ للنكاح بالعيب البتة. قال الصنعاني: وكأنه لما لم يثبت الحديث به، ولا يقولون بالقياس، لم يقولوا بالفسخ. ا. هـ. منه. (٧) وقوله: وبغيرها إن شرط السلامة ألخ. تقريره، ويثبت الخيار بغير ما ذكر من العيوب =

стр. 873

لَا بِخُلْفِ الظَّنِّ كَالْقَرَعِ والسَّوَادِ مِنْ بيضٍ، ونَتْنِ الْفَمِ والثُّيُوبَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: عَذْرَاءُ، وفي بِكْرٍ تَرَدُّدٌ، وإلَّا تَزَوَّجَ الْحُرُّ الأمَةَ والحُرَّةُ الْعَبْدَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ مَعَ الْأمَةِ، والمُسْلِمِ مَعَ النَّصْرانِيَّةِ إلَّا أن يَغُرَّا، وأُجِّلَ المُعْتَرضُ سَنَةً بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يوم الْحُكْمِ (١)، وَإِنْ مَرِضَ، والْعَبْدُ نِصْفَهَا والظَّاهِرُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فيهَا وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى فيها الْوَطْءَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَل حَلَفَتْ وإِلَّا بُقِّيَتْ وَإنْ لَمْ يَدِّعِهِ طَلَّقَهَا، وإلَّا فَهَلْ يُطَلِّقُ الحَاكِمُ أوْ يأْمُرُهَا بِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِهِ؟ قَوْلَانِ. وَلَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ الرِّضَا بِلَا أجَلٍ، والصَّدَاقُ بَعْدَها كدُخُولِ العِنِّينِ والمَجْبُوبِ وَفِي تَعْجِيلِ الطَّلاقِ إنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فِيهَا قَوْلَانِ، وأُجلَتْ الرَّتْقَاءُ لِلدَّواءِ بالاجْتِهَادِ، وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خِلْقَةً، وَجُسَّ عَلى ثَوْبِ مُنْكِرِ الْجَبِّ ونَحْوِهِ وَصُدِّقَ فِي الاعْتِراضِ كَالْمَرْأَةِ فِي دَائِهَا، أوْ وُجُودِهِ حَالَ الْعَقْدِ أوْ بَكَارَتِهَا وَحَلَفَتْ هِيَ أوْ أبُوهَا إنْ كانَتْ سَفِيهَةً، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، وإنْ أتَى بامْرأتَيْنِ تَشْهَدَانِ له قُبِلَتَا، وإنْ علَم الأبُ بثُيوبتِهَا بِلَا وَطْء وَكَتَمَ فلِلزَّوْجِ الرَّدُّ عَلى الأصَحِّ. = السابقة، مما يعد عيبًا عرفًا؛ كالقرع والسواد والاستحاضة والكبر والصغر، إن شرط أحدهما السلامة من ذلك العيب الذي اطلع عليه، أو السلامة من جميع العيب، بل ولو كان بوصف الولي للزوج المخطوبة بأنها كذا وكذا، فإذا هي بخلاف ذلك، فللزوج ردها ولا شيء عليه. (١) وقوله: وأجل المعترض سنة ألخ. هو لما أخرجه عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب قال: قضى عمر بن الخطاب في العنين أن يؤجل سنة. قال معمر: وبلغني أنه يؤجل سنة من يوم ترفع أمرها. ا. هـ. قال شعيب: ورجاله ثقات، قال: وكذلك رواه الدارقطني في سننه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر أنه أجل العنين سنة. ا. هـ. =

стр. 874

وَمَعَ الرَّدِّ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا صَدَاقَ، كَغُرُورٍ بِحُرِّيَّةٍ، وَبَعْدَهُ فَمَعَ عَيْبِهِ المُسَمَّى ومَعَهَا رَجَعَ بِجَمِيعِهِ لَا قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى وَلِيٍّ لَم يَغِبْ كَابْنٍ وَأخٍ وَلَا شَيْءَ وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عبد الكريم أن عمر وابن مسعود قضيا بأنها تنتظر به سنة، ثم تعتد بعد السنة عدة المطلقة، وهو أحق بأمرها في عدتها. ا. هـ. وعن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الذي لا يأتي النساء قال: لها الصداق حين أغلق عليها الباب، وتنتظر هي به من يوم تخاصمه سنة، فأما قبل ذلك فهو عفو عفت عنه - وقال ذلك عمر - فإذا مضت سنة اعتدت عدة المطلقة بعد السنة وكانت تطليقة، فإن يطلقها كانت في العدة أملك بأمرها. ا. هـ. اعلم أن الرجوع على الغارّ بعد الدخول مسألة خلاف: فذهب الشافعي إلى أنه لا يرجع بما غرم من المهر على وليها، قال: لأنه غرم بمقابلة منفعة استوفاها. وأمَّا مالك فإنه عول في ذلك على حديث عمر المقدم وفيه: وذلك لزوجها غُرم على وليها. قالوا: وإنما يكون لزوجها الغرم على وليها، إذا كان وليها الذي أنكحها أباها أو أخاها، أو من يُرى أنه يعلم ذلك منها. قال البغوي: فإن كان وليها الذي أنكحها ابن عم أو مولى، أو مما لا يرى أنه يعلم ذلك منها، فليس عليه غرم. ا. هـ. وحيث إن هذا الباب لا توجد فيه أحاديث، وقد تقدم لك قول أهل الظاهر فيه، لذلك فإنه على الرغم من ذلك، قد وردت فيه آثار عن بعض من أفتى فيه من السلف الصالح، نورد هنا بعض ما وقفنا عليه منها. من ذلك: ما أخرجه عبد الرزاق، عن عبد الرحمن، عن المثنى بن الصباح أن عديَّ بن عدي - عامل عمر بن عبد العزيز - أخبره قال: انتهى إلينا رجل وامرأة قد تزوجها، فلما دخل بها وجدها مرتقة متلاقية العظمين، لا يقوى عليها الرجل، وليس لها إلا مهراق الماء، فكتبت فيها إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إلي فيها: أن استحلف الولي: ما علم، فإن حلف فأجز النكاح، فما أظن رجلًا رضي بمصاهرة قوم إلا سيرضى بأمانتهم، وإن لم يحلف فاحمل عليه الصداق. فالظاهر أن هذا الأثر، وما تقدم من حديث عمر، صالح أن يكون دليلًا على قول المختصر: ومعها رجع بجميعه على ولي لم يغب ألخ.

стр. 875

عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا إنْ زَوَّجَهَا بِحُضُورهَا كَاتِمَيْنِ، ثُمَّ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا إنْ أخَذَهُ مِنْهُ لَا الْعَكْسُ، وَعَلَيْهَا فِي كابْنِ العَمِّ إلَّا رُبُعَ دِينَار، فَإِنْ عَلِمَ فَكَالْقَرِيبِ، وحَلَّفَهُ إنِ ادَّعَى عِلْمَهُ كاتِّهَامِهِ عَلَى المخْتَارِ، فَإنْ نَكَلَ حَلَفَ أنَّهُ غَرَّهُ ورَجَعَ عَلَيْهِ، فَإنْ نَكَلَ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجَةِ على المخْتَار، وَعَلَى غَارٍّ غَيْرِ وَلِيٍّ تَوَلَّى الْعَقْدَ إِلَّا أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ، لَا إنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ الْحُرِّ فَقَطْ حُرٌّ، وعَلَيْهِ الأقَلُّ مِنَ المُسَمَّى وصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ دُونَ مَالِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ إلَّا لِكَجَدِّهِ وَلَا وَلَاءَ لَهُ، وعَلى الْغُرَرِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ والْمُدَبَّرَةِ، وسَقَطَتْ بِمَوْتِهِ، والأقَلُّ من قِيمَتِهِ أوْ دِيَتِهِ إنْ قُتِلَ، أوْ مِنْ غرَّتِهِ أوْ مَا نَقَصَهَا إنْ ألْقَتْهُ مَيِّتًا كجُرْحِهِ، وَلِعَدَمِهِ تُؤْخَذُ مِنَ الْإِبْنِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ وَلَدٍ مِنَ الْأوْلَادِ إلَّا قِسْطُهُ، وَوُقِفَتْ قيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإنْ أَدَّتْ رَجَعَتْ لِلْأبِ، وقُبِلَ قَوْلُ الزَّوْج إنَّهُ غُرَّ، وَلَوْ طَلَّقَهَا أوْ مَاتَا ثُمَّ اطُّلِعَ عَلى مُوجِبِ خِيَارٍ فَكَالْعَدَمِ، ولِلْوَلِيِّ كَتْمُ الْعَمَى وَنَحْوِهِ وعَلَيْهِ كَتْمُ الخَنا (١)، والأصَحُّ مَنْعُ الأجْذَمِ مِنْ وَطْءِ إمَائِهِ. ولِلْعَرَبِيَّةِ رَدُّ المَوْلى المنْتَسِبِ لَا الْعَرَبيِّ، إلَّا الْقُرَشِيَّةَ تَتَزوَجُّهُ عَلى أنَّهُ قُرشِيٌّ.

стр. 876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = نفسها، فداويتها حتى برئ كلمها، فأقبلت إقبالًا حسنًا، وإنها خطبت إليَّ، أفأذكر ما كان منها؟. فقال عمر: هاه، لئن فعلت لأعاقبنَّك عقوبة - قال أبو فروة: يسمع بها أهل الوبر وأهل الودم. وقال إسماعيل: يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة. تنبيه: وقول الشافعي الذي تقدم بعدم الرجوع على من غره بالصداق، لأني غرم في مقابلة منفعة استوفاها، فقد حكي في القديم عن عمر وعلي وابن عباس في المغرور يرجع بالمهر قال: ويعتضد بما تقدم من قوله ﷺ : "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". وقد رجع عن هذا القول، وقال في الجديد: إنما تركنا ذلك لحديث: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا". قال: فجعل لها الصداق في النكاح الباطل، وهي التي غرته، فلأن يجعل لها الصداق بلا رجوع على الغار في النكاح الصحيح، الذي الزوج فيه مخير بطريق الأولى. ا. هـ. سبل السلام.

стр. 877

فَصْلٌ وَلِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا فِرَاقُ الْعَبْدِ (١) فَقَطْ (٢)، بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أوْ اثْنَتَيْنِ، وسَقَطَ صَدَاقُهَا قَبْلَ البِنَاءِ، والفِرَاقُ إنْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ وكَانَ عَدِيمًا، وبَعْدهُ لَهَا، كَما لَوْ رَضِيَتْ وَهِيَ مُفَوِّضَةٌ بِمَا فَرَضَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا لَهَا إلَّا أنْ يأخُذَهُ السَّيِّدُ أوْ يَشْتَرطَهُ، وصُدِّقَتْ إنْ لَمْ تُمَكِّنْهُ أنَّها مَا رَضِيَتْ وَإنْ بَعْدَ سَنَةٍ إلَّا أنْ تُسْقِطَهُ إوْ تُمَكِّنَهُ، وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ لَا الْعِتْقَ، وَلَهَا الأكْثَرُ مِن المُسَمَّى وصَدَاقِ الْمِثلِ أوْ يُبِينَهَا، لَا بِرَجْعِيٍّ أوْ عَتَقَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ، إلَّا لتأخِيرِ لِحَيْضٍ، وَإنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ عِلْمِهَا وَدُخُولِهَا فَاتَتْ بِدُخُولِ الثَّانِي، وَلَهَا إنْ أوْقَفَهَا تَأخِيرٌ تنْظُرُ فيه. (١) وقوله: لمن كمل عتقي فراق العبد، دليله حديث بلوغ المرام، عن عائشة ﵂ قالت: خيرت بريرة على زوجها حين عتقت. متفق عليه. وفي الموطإ عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في الأمة تكون تحت العبد فتعتق؛ إِنَّ الأمة لا الخيار ما لم يمسها. قال مالك: وإن مسها زوجها، فزعمت أنها جهلت أن لها الخيار، فإنها تتهم ولا تصدق بما ادَّعت من الجهالة، ولا خيار لها بعد أن يمسها. ا. هـ. وعن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن مولاة لبني عدي يقال لها: زَبْرَاء، أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي أمةٌ يومئِذٍ فعتقت، قالت: فأرسلت إلي حفصة زوج النبي ﷺ فدعتني فقالت: إني مخبرتك، ولا أحب أن تضيعي شيئًا: إن أمرك بيدك ما لم يَمْسَسْكِ زوجُكِ، فإن مَسَّكِ فليس لك من الأمر شيء. قالت: فقلت: هو الطلاق، ثم الطلاق، ثم الطلاق. ففارقته ثلاثًا. ا. هـ. (٢) وقوله: فقط، احتراز من أن تكون المعتقة تحت حر، فإنها لا خيار بها، خلافًا لأهل الكوفة القائلين بثبوت الخيار لمن عتقت، سواء كانت تحت عبد أو تحت حر. وتمسكوا لهذا القول بحديث الأسود بن يزيد عن عائشة؛ أن زوج بريرة كان حرًا. قال ابن حجر في فتح الباري: خالف الأسود الناس في زوج بريرة. قال: وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدًا. ورواه علماء =

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصح شيء - إلى أن قال: وقال ابن بطال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عتقت تحت عبد فإن لها الخيار. والمعنى فيه ظاهر لأن العبد غير مكافئ للحرة في أكثر الأحكام، فإذا عتقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته أو المفارقة؛ لأنها وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار. قال: واحتج من قال: أن لها الخيار ولو كانت تحت حر، بأنها عند التزويج لم يكن لها رأي، لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوجها بغير رضاها، فإذا عتقت تجدد لها حال لم يكن قبل ذلك. وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوجها أبوها ثم بلغت رشيدة، وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحر فإنها لم يحدث لها بالعتق حال ترتفع به عن الحر، فكانت كالكتابية تسلم تحت المسلم. ا. هـ. باختصار. واختلف العلماء في التي تختار الفراق هل يكون طلاقًا أو فسخًا؟. فقال مالك والأوزاعي والليث: تكون طلقة بائنة. وثبت مثله عن الحسن وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا. واختلف العلماء أيضًا في هذا الخيار؛ هل يكون على الفور؟ وهو رأي الشافعي. أو هو يمتد أبدًا ما لم يمنعه مانع؟. وهو رأي مالك والأوزاعي، وأحمد، وأحد قولي الشافعي. وعنه قول ثالث هو أنها يمتد لها الخيار ثلاثًا. واتفق العلماء على أنها إن أمكنته من نفسها فلا خيار لها، لما جاء في بعض طرق هذا الحديث عند أبي داود، من طريق ابن إسحاق عن عائشة بأسانيد صحيحة، أن بريرة أعتقت، فذكر الحديث، وفيه في آخره: إن قربك فلا خيار لك. وروى مالك بسند صحيح عن حفصة أنها أفتت بذلك. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله. قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة. قال: وقال به جمع من التابعين؛ منهم الفقهاء السبعة. وفي رواية للدارقطني: إن وطئك فلا خيار لك. قلت: وقد أطنب ابن حجر في فتح الباري عند هذا الحديث، وذكر فوائد جمة مستنبطة منه، وإن كان في بعضه خفاء وتكلف لا يليق بكلام النبوة؛ من ذلك التعسف والتكلف الخفي الذي لا يليق بكلام النبوة، والكمال لله وحده. قوله: وفيه إن فرط الحب يذهب الحياء، لما ذكر من حال مغيث وغلبة الوجد عليه حتى لم يستطع كتمان حبها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله، ممن يقع =

стр. 879

فَصْلٌ الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ (١)؛ كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ لَا هُوَ، وضَمَانُهُ وَتَلَفُهُ، واسْتِحْقَاقُهُ، = منه ما لا يليق بمنصبه، إذا وقع بغير اختياره. قال - وهو المأخوذ عليه - ويستنبط من هذا معذرة أهل المحبة في الله، إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإِشارة إلى أحوالهم، حيث يظهر منهم ما لا يصدر عن اختيار من الرقص ونحوه. ا. هـ. منه بلفظه. قال الصنعاني هنا: لا يخفى أن زوج بريرة بكى من فراق محبوبه، وأن محب الله يبكي شوقًا إلى لقائه، وخوفًا من سخطه كما كان رسول الله ﷺ يبكي عند سماع القرآن، وكذلك أصحابه ﵃، وكذلك من تبعهم بإحسان، وأما الرقص والتصفيق فشأن أهل الفسق والخلاعة، لا شأن من يحب الله ويخشاه. فأعجب لهذا المأخذ الذي أخذوه من هذا الحديث. ا. هـ. منه بتصرف قليل. فَصْلٌ في أحكام الصداق قال : ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١)، قال البغوي: أراد بالأجر الصداق. وقال الله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢). قال البغوي: النحلة: هي العطية بلا عرض. ومعلوم أن المهر عوض عن الاستمتاع، فلم سماه نحلة؟. فالجواب: أن النحلة يراد بها هنا التدين والفرض في الدين، كما يقال: فلان انتحل مذهب كذا، أي تدين به. وقيل: سماه نحلة لأنه بمنزلة شيء يحصل للمرأة بغير عوض؛ لأنها تشترك مع الزوج في الاستمتاع وابتغاء اللذة، بل ربما تكون شهوتها أغلب، ولذتها أكثر، فكان المهر في الحقيقة نحلة منه لها بلا عوض. قال البغوي: وقيل: لأن المهر في شرع من قبلنا كان للأولياء دون النساء. قال شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٣). فقد اشترط العمل لنفسه لا لابنته. فلما جعل الله المهر للنساء في شرعنا، كان ذلك نحلة منه لهن. والله أعلم (١) قوله: الصداق كالثمن ألح. أي يجوز بكل ما جاز أن يكون مبيعًا أو ثمنًا. وذلك لقول =

стр. 880

وَتَعْيِيبُهُ أوْ بَعْضُهُ كالْبَيْعِ، وَإِنْ وَقَعَ بِقُلَّةِ خَلٍّ فإذَا هي خَمْرٌ فَمِثْلُهُ. وجَازَ بشَوْرَةٍ أوْ عَدَدٍ مِن كَإبِلٍ أَوْ رَقيقٍ. وصَدَاقِ مِثْلٍ ولَهَا الْوَسَطُ حالًّا. وفِي شَرْطِ ذكر جِنْسِ الرقِيقِ قَوْلَانِ. والإِناثُ مِنْهُ إنْ أطْلَقَ، ولَا عُهْدَةَ، وإِلى الدُّخُول إن عُلِمَ أو المَيْسَرَةِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وعلى هِبَةِ الْعَبْدِ لِفُلَانٍ أوْ يَعْتِقَ أبَاهَا عَنْهَا أوْ عَنْ نَفْسِهِ. وَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ إنْ تَعَيَّنَ، وإلَّا فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا (٢) - وَإنْ مَعِيبَةً - مِنَ الدُّخُولِ والْوَطْءِ بَعْدَهُ. والسَّفَرِ، إلى تَسْلِيمِ مَا حَلَّ، لا بَعْدَ الوطءِ إِلَّا أَنْ يُسْتَحَقّ. = رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "الْتمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَديدٍ". وقد استدل بهذا الحديث من يقول بأنه لا حدّ لأقل الصداق. وهو قول ربيعة، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال عمر بن الخطاب: في ثلاث قبضات من زبيب مهر. وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطًا جاز. والمذهب عندنا أن أقله ربع دينار. وسيأتي للمصنف: وفسد إن نقص عن ربع دينار. ووافقنا أصحاب الرأي على ذلك، إلا أنه وقع الخلاف بيننا في تحقيق مناط نصاب السرقة، لأن هذا الفرع طريقه عند أصحابنا وأصحاب الرأي الاجتهاد؛ قالوا: يستباح بضعها بأقل ما تقطع به يد السارق، قياسًا للبُضْعَ على اليد بجامع أن كلًّا منهما عضو معصوم، غير أن نصاب السرقة عند أصحاب الرأي هو عشرة دراهم، لا تقطع اليد عندهم فيما هو دون ذلك، وهو عند مالك ربع دينار، بصرف الدينار اثني عشر درهمًا. ويؤيد كون هذا القدر يصلح صداقًا. حديث أنس؛ أن عبد الرحمن بن عوف رأى عليه النبي ﷺ أثر صفرة فقال: "مَا هذَا"؟. قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. الحديث رواه الجماعة. قال الشوكاني وقع في رواية للبيهقي: قومت ثلاثة دراهم وثلثًا. وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد. وقيل: ثلاثة ونصف. وقيل ثلاثة وربع. وعن بعض المالكية: النواة عد أهل المدينة ربع دينار. ووقع في رواية للطبراني: قال أنس: حزرناها ربع دينار، ا. هـ. منه. =
следующие страницы →