← Фикх малики

Фикх малики · id 784

مواهب الجليل من أدلة خليل

أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي

Полный текст (1 647 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = (٦) وقوله: وجاز الأثرة عليها برضاها الخ. ففي صحيح البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير عن هشام عن أبيه عن عائشة. أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. ا. هـ. قال في فتح الباري: وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات، من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلًا أن النبي ﷺ طلق سودة، فقعدت له في طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها عليَّ؟. قال: "لَا" قالت: فأنشدك لما راجعتني. قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله ﷺ . ا. هـ. منه بلفظه. وقال ابن قدامة: وروى ابن ماجه عن عائشة أن رسول الله ﷺ وجد على صفية بنت حيي في شيء، فقالت صفية لعائشة: هل لك أن ترضي عني رسول الله ﷺ ولك يومي؟. فأخذت خمارًا مصبوغًا بزعفران فرشته ليفوح ريحه، ثم اخترمت به وقعدت إلى جنب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إلَيْكِ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ". قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فأخبرته بالأمر فرضي عنها. ا. هـ. منه. تنبيه: نقل الحطاب عن الرائد فيما في حديث أم زرع من الفوائد للقاضي عياض ما نصه: وفيه إكرام الرجل بعض نسائه -بحضرة ضرائرها- بما يراه من قول أو فعل وتخصيصها بذلك، إذا لم يكن قصده الأثرة والميل، بل لسبب اقتضاه ومعنى أوجبه؛ من تأنيس وحشته منها، أو مكافأة جميل صدر عنها. وقد أجاز بعضهم تفضيل إحداهما على الأخرى في الملبس إذا وفى الأخرى حقها، وأن يتحف إحداهما ويلطفها إذا كانت شابة أو بارة به، ولمالك نحو من هذا، ولأصحابه. قال ابن حبيب، والمساواة أولى. والمكروه من ذلك كله ما قصد به الأثرة والميل والتفضيل لا سبب سواه، ا. هـ. منه. (٧) وقوله: وشراء يومها منها، قال المواق: مالك فيمن يعطي امرأته شيئًا في يومها، ليكون فيه عند الأخرى، قال: الناس يفعلونه، وغيره أحب إليَّ، ولا يعجبني شراء المرأة من صاحبتها يومها من زوجها، وأكرهه، وأرجو خفة شراء ليلة لا أكثر. ابن رشد: ظاهره أن شراء المرأة أشد =

стр. 912

لَا إن لَمْ يَرْضَيَا. وَدُخُولُ حَمَّامٍ بِهِمَا، وَجَمْعُهُمَا فِي فِرَاشٍ وَلَوْ بِلَا وَطْء. وفي مَنْعِ الأمَتَيْنِ وكراهَتِهِ قَوْلَانِ. وَإنْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ ضَرَّةٍ فَلَهُ الْمَنْعُ لَا لَهَا، وَتَخْتَصُّ ضرَّتُها بِخِلَافٍ مِنْهُ، ولَهَا الرُّجُوعُ، وإنْ سَافَر اخْتَارَ، إلَّا فِي الغَزْوِ والحَجِّ فيُقْرِعُ، وتُؤوِّلَتْ بالاخْتِيَارِ مُطْلَقًا (١). = كراهة من شراء الرجل؛ لأن المرأة لا تدري ما يحصل لها بما أعطت؛ فقد لا يصيبها في تلك الليلة، والرجل يدري ما يحصل له. ا. هـ. منه. وقال الإِمام البغوي: إذا وهبت بعضهن نوبتها لضرتها، فلا يلزم في حق الزوج، فإن له أن يدخل على الواهبة ولا يرضى بغيرها عنها، فإن رضي الزوج فجائز. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق. (١) وقوله: وإن سافر اختار إلا في الغزو والحج فيقرع، وتؤولت بالاختيار مطلقًا، يريد به -والله أعلم- وإنْ سافر الزوج، أي إن أراد السفر، اختار من شاء منهن للسفر معه، إلا إذا أراد السفر إلى الحج أو إلى الغزو في سبيل الله، فتلزمه القرعة حينئذ بينهن؛ لأن المشاحة تعظم في سفر القربات. واختيار ابن القاسم من أربعة أقوال نسبت لمالك، وهي الاختيار مطلقًا، والقرعة مطلقًا، والقرعة في الحج والغزو فقط، والقرعة في الغزو فقط، هو -أي اختيار ابن القاسم- الاختيار مطلقًا قال الدسوقي هنا: واعلم أن المدونة قالت: إن أراد الزوج السفر اختار من نسائه واحدة للسفر معه. فبعضهم أبقاها على ظاهرها من الاختيار مطلقًا، وبعضهم حملها على ما إذا كان السفر لغير الحج أو الغزو، وأما لهما فيقرع فيهما وظاهر الذخيرة يدل على أن هذا هو المشهور. ا. هـ. منه. بلفظه. قلت: الذي يؤيده الدليل ما ذهب إليه الشافعي وأحمد؛ من أنه يجب على من أراد السفر أن يقرع بين نسائه، وعلى ذلك أكثر أهل العلم. ودليله الحديث المتفق عليه عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقْرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. متفق عليه. وفي البخاري أيضًا عن عائشة، أن النبي ﷺ كان إذا أراد السفر، أقرع بين نسائه، فصارت القرعة لعائشة وحفصة. ا. هـ. قال ابن قدامة: ولا يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي:

стр. 913

وَوَعَظَ مَنْ نَشَزَتْ، ثُمَّ هَجَرَهَا، ثُمَّ ضَرَبَهَا إنْ ظَنَّ إِفَادَتَهُ (١). وَبِتَعَدِّيهِ زَجَرَهُ الْحَاكِمُ. وسَكَّنَهَا بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحينَ إِنْ لَهْا تَكُنْ بَيْنَهُمْ، وإنْ أَشْكَلَ بَعَثَ حَكَمَيْنِ -وَإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا- مِنْ أهْلِهِمَا إن أمْكَنَ (٢) ونُدِبَ كَوْنُهُمَا جَارَيْنِ، وَبَطَلَ حُكْمُ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَسَفِيهٍ، وامْرَأةٍ، وَغَيْر فَقِيهٍ بِذلِكَ. ونَفَذَ طَلَاقُهُمَا وَإنْ لَمْ يَرْضَ الزّوْجَانِ والْحَاكِمُ (٣)، ولو كانا مِن جِهَتِهِمَا، لا أكْثَرُ مِنْ واحِدَةٍ أوْقَعَا. وتَلْزَمُ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ. وَلَهَا التَّطْلِيقُ بالضَّرَرِ البَيِّنِ، ولَوْ لَمْ تَشْهَدْ البَيِّنَةُ بِتَكَرُّرِهِ، وعَلَيْهِمَا الإِصْلاحُ، فإنْ تَعَذَّر، فَإنْ أسَاءَ الزَّوْجُ طَلَّقَا بِلَا خُلْعٍ، وبِالْعَكْسِ ائتَمَنَاهُ عَلَيْهَا، أوْ خَالَعَا لَهُ بِنَظَرِهِمَا، وإنْ أسَاءَا مَعًا، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ بِلَا خُلْعٍ أوْ لَهُمَا أنْ يُخَالِعَا بِالنَّظَرِ، وعَلَيْهِ الأكثَرُ؟. تَأْويلَانِ، وأتَيَا الْحَاكِمَ فأخْبَراهُ فَنَفَّذَ حُكْمَهُمَا. ولِلزَّوْجَيْنِ إقَامَةُ وَاحِدٍ عَلى الصِّفَةِ، وفِي الْوَلِيَّيْنِ والْحَاكِمِ تَرَدُّدٌ. وَلَهُمَا -إنْ أقَامَهُمَا- الإِقْلَاعُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ وَيَعْزِمَا عَلَى الْحُكْمِ. وإنْ طَلَّقَا وَاخْتَلَفَا فِي الْمَالِ؛ فَإنْ لَمْ تَلْتَزِمْهُ فَلَا طَلَاقَ. = عن داود أنه يقضي لهن لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (١). قال: ولنا أن عائشة لم تذكر قضاء في حديثيها. وإن هذه التي سافر بها يلحقها من التعب ومشقة السفر بإزاء ما حصل لها من السكن. قال: وإذا خرجت القرعة لإِحداهن، لم يجب عليه السفر بها، وله تركها والسفر وحده؛ لأن القرعة لا توجب وإنما تعين من تستحق التقديم، وإن أراد السفر بغيرها لم يجز لأنها تعينت بالقرعة، فلم يجز العدول عنها إلى غيرها. ا. هـ. منه. باختصار. وبالله التوفيق. (١) وقوله: ووعظ من نشزرت، ثم هجرها، ثم ضربها إن ظن إفادته، تقريره أن المرأة إن نشزت -أي خرجت عن طاعة زوجها- بمنعه من وطئها والاستمتاع بها، أو بخروجها من بيته بلا =

стр. 914

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = إذن منه، أو بترك حقوق الله؛ من غسل جنابة أو صلاة أو صيام رمضان، كان عليه أن يعظها بما يلين به قلبها، للرغبة في ثواب طاعة الله والخوف من عقاب معصيته، فإن لم يفد فيها الوعظ والإِرشاد، هجرها في مضجعها بترك النوم معها وترك الاستمتاع بها، ولا يبلغ بذلك الهجران أربعة أشهر، فإن لم يفد الهجران، ضربها ضربًا غير مبرح؛ وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يشين جارحة، بشرط أن يظن إفادة الضرب، فإن تحقق أو ظن أو شك عدم إفادة الضرب تركه؛ لأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها المقصود لا تشرع، وأما الوعظ والهجران، فلا يشترط فيهما ظن الإِفادة لعدم تأثيرهما في الذات، والدليل قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١). قال البغوي: نشوزهن أي عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج. وقيل: النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه. يقال: نشزت المرأة تنشز فهي ناشز بغير هاء، قال الشافعي: وفي الآية دلالة على ما يمكن أن تعاقب فيه المرأة، أو تعاتب عليه؛ فإذا رأى منها دلالة على الخوف من فعل وقول، وعظها، فإن أبدت نشوزها، هجرها، فإن أقامت عليه ضربها. وقوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٢). قال البغوي: هو أنَّ المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحبَّ إليه منها. قال: يقال شحَّ يشح؛ بضم الشين وبكسرها. ا. هـ. منه. وفي الحديث: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ". فأتاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ذَئرَ النساء على أزواجهنَّ، فائذن في ضربهنَّ. فأطاف بآل محمد نساء كثيرٌ كلهن يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : "لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ وَلَا تَجِدُونَ أُولئِكَ خِيَارَكُمْ". وهذا الحديث أخرجه البغوي بهذا اللفظ. وقال: إياس بن عبد الله بن أبي ذباب لا تعرف له صحبة. قاله محمد بن إسماعيل. قال شعيب: خالفه أبو حاتم وأبو زرعة فأثبتا صحبته، كما في الجرح والتعديل، ورجح قولهما الحافظ في تهذيب التهذيب. ا. هـ. وحديثه هذا أخرجه الشافعي وابن ماجه، والدارمي، وأبو داود، وصححه ابن حبان، =

стр. 915

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والحاكم، ووافقه الذهبي. ا. هـ. وقوله في الحديث: ذَئِرَ النساء، أي اجترأن ونشزن. يقال: امرأة ذَئِرٌ. والذائر النفور. قال الأصمعي: يقال امرأة ذائر بوزن فاعل، والذائر أيضًا يقال للمغتاظ على خصمه، المستعد للشر، ذكره البغوي. قال: والحديث فيه دليل على أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح. قال: ثم وجه ترتيب السنة على الكتاب في الضرب، يحتمل أن يكون نهي النبي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذَئِرَ النساء أذن في ضربهن ونزل القرآن موافقًا له، ثم لما بالغوا في الضرب، أخبر أن الضرب، وإن كان مباحًا على شكاسة أخلاقهن، فإن التحمل والصبر على سوء أخلاقهن وترك الضرب أفضل وأجمل. وأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فإن منعها حقًا من حقوقها أُجبر على أدائه لها؛ وإن لم يمنعها شيئًا من حقها، لكنه يكره صحبتها فيفارقها في المضجع، أو يريد طلاقها، فلا حيلة؛ لأن ذلك مباح له، فإن سمحت المرأة بترك بعض حقها -من قسم أو نفقة- طلبًا للصلح فحسنٌ. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ (١). قالت عائشة: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة عَليَّ، والقسمة لي. فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢). الآية. (٢) وقوله: وإن أشكل بعث حكمين ألخ، دليله قوله تعالى من سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣). الآية. قال البغوي: الشقاق العداوة والخلاف؛ لأن كل واحد منهما يكون في شق، أي في ناحية. قال: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (٤). الآية. =

стр. 916

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وفي شرح السنة للبغوي من حديث ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في هذه الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية. قال: جاء رجل وامرأة إلى عليٍّ، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم عليّ فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟. عليكما إن رأيتما أن تجمعا، أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا، أن تفرقا. قال: قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، بما علي فيه ولي. وقال الرجل: أمَّا الفرقة فلا. فقال: عليٌّ: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. ا. هـ. (٣) وقوله: ونفذ طلاقهما وإن لم يرض الزوجان والحاكم، يروى ذلك عن عليّ، وابن عباس، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل. وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: ان رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. قال معمر: وبلغني أن الذي بعثهما عثمان. ا. هـ. والرواية الثانية عن الإمام أحمد؛ أن الحكمين وكيلان لهما لا يملكان التفريق إلا بإذنهما. قال ابن قدامة: وهذا مذهب عطاء، وأحد قولي الشافعي، وحكي ذلك عن الحسن، وأبي حنيفة. قالوا: لأن البضع حقه، والمال حقها وهما رشيدان، فلا يجوز لغيرهما التصرف فيه الا بوكالة منهما أو ولاية عليهما. ا. هـ. قلت: وأما رجحان الرواية الأولى فغني عن التنبيه. والله تعالى الموفق.

стр. 917

بَابٌ في الخُلْع جَازَ الْخُلْعُ (١) -وَهُوَ الطَّلَاقُ- بِعِوَضٍ (٢) وبلا حَاكِمٍ (٣)، وبِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِهَا إِنْ تَأهَّلَ، لَا مِن صَغيرَةٍ وسَفيهَةٍ وَذي رقٍّ. ورَدَّ الْمَالَ وَبَانَتْ. وجَازَ مِنَ الأَبِ عَنِ المجْبَرَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ. وفي خُلْعِ الأَبِ عَنِ السَّفِيهَةِ خِلَافٌ، وبالْغَرَرِ كَجَنِينٍ وَغَيْرِ مَوْصُوفٍ، ولَهُ الْوَسَطُ، ونَفَقَةِ حَمْلٍ -إنْ كَانَ- وبإسْقَاطِ حَضَانَتِهَا، وَمَعَ البَيْع، ورَدَّتْ لِكَإِبَاقِ الْعَبْدِ مَعَهُ نِصْفَهُ، وعُجِّلَ المؤجَّلُ بِمَجْهُولٍ، وتُؤُوِّلَتْ أيْضًا بِقِيمَتِهِ، ورُدَّتْ دَرَاهِمُ رَدِيئةٌ إِلَّا لِشَرْطٍ، وقِيمَةُ كَعَبْدٍ اسْتُحِقَّ، والْحَرَامُ كَخَمْرٍ وَمَغْصُوبٍ وإنْ بَعْضًا، ولا شَيْءَ لَهُ كَتَأْخَيرهَا دَيْنًا عَلَيْهِ، وَخُروجِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا، وتَعْجِيلِهِ لَهَا ما لَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَهَلْ كَذَلِكَ إنْ وَجَبَ أو لا؟ تَأويلانِ. (١) قوله: جاز الخلع، قال ابن حجر في الفتح: هو بضم المعجمة وسكون اللام. وهو في اللغة فراق الزوجة على مال. مأخوذ من خلع الثوب، لأن المرأة لباس الرجل معنىً. قال: وضم مصدره فرقًا بين الحسي والمعنوي. ا. هـ. منه. تنبيه: ذكر ابن دريد في أماليه أن أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظَّرِب زوج ابنته من ابن أَخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخل عليها نفرت منه، فشكا إلى أبيها فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب ا. هـ. من فتح الباري. وأما أول خلع في الإِسلام فهو ما كان من امرأة ثابت بن قيس بن شماس؛ أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دين ولكنِّي أكره الكفر في الإِسلام. فقال رسول ﷺ : "أَتَرُدِّين عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ". قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". فهو أول خلع وقع في الإِسلام. والله تعالى أعلم. =

стр. 918

. . . . . . . . . . . . . . . . . = (٢) وقوله: وهو الطلاق بعوض، كونه طلاقًا، مروي عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقبيصة، وشريح، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، وابن أبي نجيح، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن الإِمام أحمد بن حنبل، وأحد أقوال ثلاثة منسوبة للشافعي. قال ابن قدامة: وهو مروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود. ولكن ضعّف أحمد الحديث عنهم. ا. هـ. والدليل من السنة ما رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا أزهر بن جميل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، صت عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنِّي أكر الكفر في الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟. قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". ا. هـ. قال ابن حجر: نص الشافعي في أكثر كتبه الجديدة أن الخلع طلاق، وهو قول الجمهور، فإذا وقع بلفظ الخلع وما تصرف منه نقص العدد، وكذا إن وقع بغير لفظه مقرونًا بنيته. قال: وقد نص الشافعي -في الإِملاء- على أنه من صريح الطلاق، وحجة الجمهور أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقًا، ولو كان فسخًا لما جاز على غير الصداق كالإِقالة، لكن الجمهور على جوازه بما قل وكثر، فدل ذلك على أنه طلاق. ا. هـ. محل الغرض منه. وقال ابن حجر أيضًا في الكلام على الحديث جـ ٩/ ص ٤٠٣: وفيه أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى إن المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لأن ابن عباس روى قصة امرأة ثابت بن قيس، الدالة على أن الخلع طلاق. وكان يفتي بأن الخلع ليس بطلاق. قال: لكن ادعى ابن عبد البر شذوذ وذلك عن ابن عباس، إذ لا يعرف له أحد نقل عنه أنه فسخ إلا طاوس. قال: وفيه نظر؛ لأن طاوسًا ثقة حافظ فلا يضره تفرده، ولا نعلم أحدًا ذكر الاختلاف في المسألة إلا وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخًا. قال: ولكن الشأن في كون قصة ثابت بن قيس صريحة في كون الخلع طلاقًا. ا. هـ. منه بتصرف قليل. وقوله: بعوض، قال ابن حجر: أجمع العلماء على مشروعيته، إلا بكر بن عبد الله المزني

стр. 919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = التابعي المشهور، فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ في مقابل فراقها شيئًا لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١). فأوردوا عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢). فادعى نسخها بآية النساء. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب قول بكر بن عبد الله هذا مع شذوذه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣). وبقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ (٤). وبالحديث، وكأنه لم يبلغه أو لم يثبت عنده. قال: وانعقد الإِجماع بعده على اعتباره، وعلى أن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الأخريين. قال: وضابطه شرعًا أنه فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض يحصل لجهة الزوج. ا. هـ. منه. والتحقيق أن ذلك العوض لا حدّ له، لا في أكثره ولا في أقله، فقد أخرج البخاري تعليقًا قوله: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. قال ابن حجر: العقاص -بكسر المهملة وتخفيف القاف، آخره صاد مهملة- جمع عقصة وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه. قال: وأثر عثمان هذا رويناه موصولًا في أمالي أبي القاسم بن بشران، من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان. قال: وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم، عن ابن عقيل مطولًا، وقال في آخره: فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه. ا. هـ. وقال: قال سعيد بن منصور: حدثنا هشام عن المغيرة عن ابراهيم: كان يقال الخلع ما دون عقاص رأسها. ا. هـ. وعن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: يأخذ من المختلعة حتى عقاصها. ا. هـ. ومن طريق قبيصة بن ذؤيب: إذا خالعها جاز أن يأخذ أكثر مما أعطاها. ثم تلا: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٥) قال: وسنده صحيح. قال: ووجدت أثر عثمان بلفظ آخر أخرجه ابن سعد في ترجمة الربيع بنت معوذ من طبقات النساء، قال: أنبأنا يحيى بن عباد، حدثنا فليح بن سليمان، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام -وكان زوجها- قالت: فقلت له: لك كل شيء وفارقني. قال: قد فعلت. فأخذ والله كل =

стр. 920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = شيء حتى فراشي، فجئت عثمان وهو محصور، فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها. ا. هـ. قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها. وقال مالك: لم أر أحدًا ممن يقتدى به يمنع ذلك، ولكنه ليس من مكارم الأخلاق. ا. هـ. منه. (٣) وقوله: وبلا حاكم، فقد أخرج البخاري تعليقًا: وأجاز عمر الخلع دون السلطان. قال العيني في عمدة القاري على البخاري: أي أجاز عمر بن الخطاب الخلع دون السلظان، أي بغير حضور السلطان، وأراد به الحاكم. ووصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن خيثمة قال: أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب: شهدت عمر بن الخطاب أتى في خلع كان بين رجل وامرأته فأجازه. وحكاه أيضًا عن ابن سيرين، والشعبي، ومحمد بن شهاب، ويحيى بن سعيد، ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: ولا يفتقر الخلع إلى حاكم. نص عليه أحمد، وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان ﵄. وبه قال شريح، والزهري، ومالك والشافعي، وإسحاق، وأهل الرأي. ا. هـ. منه. وهل يجوز الخلع والحال عامرة والأخلاق ممتثلة؛ أي والحال أنها غير فارك وغير منتقمة لخلق ولا دين؟. قال ابن قدامة: يكره ذلك، فإن فعلت صح الخلع في قول أكثر أهل العلم. منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي، ويحتمل من كلام أحمد تحريمه؛ فإنه قال: الخلع مثل حديث سهلة، تكره الرجل فتعطيه المهر، فهذا الخلع. وبهذا قال داود وابن المنذر. قال: وروي معناه عن ابن عباس وكثير من أهل العلم؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). فدل بمفهومه على أن الجناح لاحِقٌ بهما إذا افْتَدَتْ من غير خوف، ثم غَلّظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وأيضًا فإنه روي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ". رواه أبو داود. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الْمُخْتَلعَاتُ =

стр. 921

وبانَتْ وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ نُصَّ عَلَيْهِ أوْ عَلَى الرَّجْعَةِ كإعْطَاءِ مَالٍ فِي الْعِدَّةِ على نَفْيِهَا؛ كَبَيْعِهَا أَوْ تَزْويجِهَا. والمُخْتَارُ نَفْي اللُّزومِ فِيهِمَا. وطَلَاقٍ حُكِمَ بِهِ إِلَّا لإِيلَاء وعُسْرٍ بنفقةٍ، لَا إِنْ شُرِطَ نَفْيُ الرَّجْعَةِ بِلَا عِوَضٍ، أوْ طَلَّقَ أوْ صَالح وأَعْطى. وهَلْ مُطْلَقًا؟ أوْ إلَّا أن يقصدَ الخُلْعَ؟. تأويلان. وَمُوجِبُهُ زَوْجٌ مُكَلَفٌ ولو سَفيهًا، أوْ وَليُّ صغير أبًا أوْ سَيِّدًا أو غَيرَهُمَا، لَا أَبُ سَفِيهٍ وسَيِّدُ بالغٍ. ونَفَذَ خُلْعُ الْمَريضِ وورثَتْهُ دُونَهَا؛ كَمُخَيَّرَةٍ ومُمَلَّكَةٍ فيه، ومُولىً مِنْهَا وَمُلَاعَنةٍ، أو أحْنَثَتْهُ فِيهِ، أوْ أسْلمَتْ، أوْ عَتَقَتْ، أَوْ تزوجَتْ غَيْرَهُ. وَوَرثَتْ أَزْواجًا وَإِنْ فِي عِصْمَةٍ. وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ بِصِحَّةِ بَيِّنَةٍ، وَلَوْ صَحَّ ثُمَ مَرِضَ فَطَلَّقَهَا ثانِيَةً لم تَرِثْ إِلَّا في عِدَّةِ الطلاقِ الأولِ. والإِقْرارُ بِهِ فِيهِ كإِنْشَائِهِ. والعِدَّةُ مِنَ الإِقْرَارِ، ولو شُهِدَ بَعْدَ مَوْتهِ بِطَلَاقِهِ فَكَالطَّلَاقِ في المرض، وإِن أشْهَدَ به في سَفَرٍ، ثم قَدِمَ وَوَطِئ وَأنْكَرَ الشَّهَادَةَ فُرِّقَ ولا حَدَّ. = وَالْمُنْتَزعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ". رواه أبو حفص، ورواه أحمد في المسند، وذكره محتجًا به، قال: وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، فحرم لقوله ﵊: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". ا. هـ. منه. وأما إن عضل زوجته، وضارها بأي نوع من أنواع الضرر، يريد بذلك أن تفدي نفسها منه ففعلت، فالخلع باطل والعوض مردود. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي، والقاسم بن محمد، وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري. وبه قال مالك والثوري وقتادة والشافعي وإسحاق، قالوا: لأنه عوض أكرهن على بذله بغير حق، فلم يستحق؛ كالثمن في البيع، والأجر في الإِجارة، ولأن الله تعالى يقول ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (١). ويقول : ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (٢).

стр. 922

وَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ صِحَّتِهِ فَكَالمُتَزَوِّجِ فِي الْمَرَضِ. وَلَمْ يَجُزْ خُلْعُ الْمَرِيضَةِ. وَهَلْ يُرَدُّ أَوِ المُجَاوِزُ لإِرْثِهِ يَوْمَ مَوْتِهَا وَوُقِفَ إِلَيْهِ؟. تَأْويلَانِ. وَإنْ نَقَصَ وَكِيلُهُ عَنْ مُسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ، أوْ أَطْلَقَ لَهُ أَوْ لَهَا، حَلَفَ أنَّه أرادَ خُلْعَ المِثْلِ. وَإنْ زَادَ وَكيلُهَا فَعَلَيْهِ الزِّيادَةُ ورُدَّ الْمَالُ بِشَهَادَةِ سَمَاعٍ عَلى الضَّرَرِ، وبِيَمينهَا مَعَ شَاهِدٍ أَوِ امْرأَتَيْنِ. وَلَا يَضُرُّهَا إِسْقَاطُ البَيِّنَةِ المُسْتَرْعِيَةِ علَى الْأصَحِّ، وبِكَوْنِهَا بائِنًا لا رَجْعِيَّةً، أَوْ لِكَوْنِهِ يُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ أَو لِعَيْبِ خِيَارٍ بِهِ، أَو قَالَ: إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. لا إنْ لَمْ يَقُلْ: ثَلَاثًا، ولزمه طَلْقَتَانِ. وجَازَ شَرْطُ نَفَقَةِ وَلَدِهَا مُدَّةَ رَضَاعِهِ، فَلَا نفقَةَ لِلْحَمْلِ. وسَقَطَتْ نَفَقَةُ الزَّوْجِ أَو غَيْرهِ، وَزائدٌ شُرِطَ كَمَوْتِهِ. وَإِنْ مَاتَتْ. أَوْ انْقَطَعَ لَبَنُهَا، أَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَعَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الآبِقِ والشَّارِدِ إِلَّا لِشَرْطٍ، لَا نَفَقَةُ جَنِينٍ إلَّا بَعْدَ خروجِهِ. وأُجْبِرَ عَلَى جَمْعِهِ مَعَ أُمِّه. وفي نَفَقَةِ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا قَوْلَانِ. وكَفَتْ المُعَاطَاةُ وَإنْ عُلِّقَ بِالْإِقْبَاضِ أَوِ الْأدَاءِ لَمْ يَخْتَصَّ بالْمَجْلِسِ إِلَّا لقرِينَةٍ. ولَزِمَ فِي ألْفٍ الْغَالِبُ. والبَيْنُونَةُ إِنْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي ألْفًا فَارَقْتُكِ. أَوْ: أُفارِقُكِ. إنْ فُهِمَ الإِلْتِزَامُ أَوِ الْوَعْدُ إنْ وَرَّطَهَا. أَوْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بألْفٍ. فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، وبِالْعَكْسِ. أوْ: أَبِنِّي بِأَلْفٍ. أَوْ: طَلِّقْنِي نِصْفَ طَلْقَةٍ. أوْ: فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ. فَفَعَلَ. أوْ قَالَ: بألْفٍ غَدًا. فَقَبِلَتْ فِي الْحَالِ. أوْ: بهذا الهَرَوِيِّ. فإذا هو مَرَوِيٌّ. أو بِمَا فِي يَدِهَا، وَفِيهِ مُتَمَوَّلٌ أوْ لَا على الأحْسَنِ، لَا إِنْ خَالَعَتْهُ بِمَا لا شُبْهَةَ لَهَا فِيهِ، أوْ بِتَافِهٍ في: إِنْ أَعْطَيْتِنِي مَا أُخَالِعُكِ بِهِ، أوْ: طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا بألْفٍ. فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بالثُّلُثِ، وَإِنِ ادَّعَى الخُلْعَ أَو قَدْرًا أَوْ جِنْسًا، حَلَفَتْ وبَانَتْ، والْقَوْلُ قَوْلُهُ إنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ؛ كدَعْوَاهُ مَوْتَ عَبْدٍ أَو عَيْبَهُ قَبْلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ بَعْدَهُ فَلَا عُهْدَةَ.

стр. 923

فَصُلٌ فِي طَلاق السُّنَّة طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ، وَإِلَّا فَبِدْعِيٌّ (١)، وَكُرِهَ فِي غَيْر الحَيْضِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلى الرَّجْعَةِ؛ كَقَبْلَ الْغُسْلِ مِنْهُ أَو التَّيمُّمِ الْجَائِز (٢)، وَمُنِعَ فِيهِ وَوَقَعَ وأُجْبِرَ عَلى الرَّجْعَةِ وَلَوْ لِمُعْتَادَةِ الدَّم لِمَا يُضَافُ فِيهِ (٣) لِلأَوَّلِ عَلى الْأرْجَحِ والْأحْسَنُ عَدَمُهُ لآخِر الْعِدّةِ. وَإِنْ أَبَى هُدِّدَ ثُمَّ سُجِنَ ثُمَّ ضُرِبَ بِمَجْلِسٍ وَإِلَّا ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ، وَجَازَ الْوَطْءُ بِهِ والتَّوارُثُ، والأحَبُّ أنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ (٤). وَفِي مَنْعِهِ فِي الْحَيْضِ -لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا جَوازَ طَلَاقِ الْحَامِلِ وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فِيهِ (٥)، أوْ لِكَوْنِهِ تَعَبُّدًا لِمَنْعِ الْخُلْعِ وَعَدَم الْجَوَازِ وَإِنْ رَضِيَتْ، وجَبْرِهِ عَلَى الرَّجْعَةِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ- خِلَافٌ. وصُدِّقَتْ أنَّهَا حَائِضٌ، ورُجِّحَ إِدْخَالْ خِرْقَةٍ وتَنْظُرُهَا النِّساءُ، إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا طَاهِرًا فَقَوْلُهُ، وعُجِّلَ فَسْخُ الْفَاسِدِ في الحَيضِ، والطَّلَاقُ على الْمُولِي، وأُجْبِرَ على الرَّجْعَةِ، لَا لِعَيْبٍ، ومَا لِلْوَليِّ فَسْخُهُ أوْ لِعُسْرِه بِالنَّفَقَةِ كاللِّعَانِ، ونُجِّزَ الثلاثُ في شَرِّ الطَّلَاقِ ونَحْوِهِ وفي: طَالِقٌ ثلاثًا. للسُّنَةِ إن دَخَلَ بِهَا، وَإلَّا فَوَاحِدَةٌ كَخَيْرِهِ أوْ واحِدَةً عَظيمَةً أو قَبيحةً، أوْ كالْقَصْرِ، وَثَلَاثًا لِلْبدْعَةِ أوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبدْعَةِ وَبَعْضُهُنَّ للسُّنَّة، فثَلَاثٌ فيهما. (١) قوله: طلاق السنة واحدة بطهر لم يمس فيه، وإلا فبدعي، معنى طلاق السنة أي الطلاق الذي يوافق أمر الله تعالى أن تطلق المرأة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) الآية. وأمر رسول الله ﷺ حيث قال لعمر بن الخطاب لما أخبره أَن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاء أَمْسَكَ بَعْدُ، =

стр. 924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وَإِنْ شَاء طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ يُطَلَّقَ إلَيْهَا النِّساء". ا. هـ. هذا لفظ البغوي. وقال: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن اسماعيل، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك ا. هـ. قال الحطاب هنا: خرج بقوله: بطهر، الصغيرة واليائسة والمستحاضة التي لم تميز، فلا طلاق بدعي فيهن. ا. هـ. وقال المواق: قال ابن عرفة: طلاق السنة ما كان في طهر لم يمس فيه بعد غسلها أو تيممها؛ طلقة واحدة فقط، وغير هذا بدعي. وقوله: بلا عدة أي بلا إرداف طلاق في العدة من طلاق رجعي، فإن الطلاق المردف فيها بدعي. قالوا: وبقي نوعان من البدعي لم يستثنهما وهما: كون الطلقة مجزأة؛ كأن يقول لها: عليك نصف طلقة. فهذا بدعي. وكون الطلاق واقعًا على جزء المرأة؛ كأن يقول لها: نصفك طالق. أو نحو ذلك. فهذا بدعي أيضًا. يتحصل منه أنه بقي شرطان من شروط السني وهما: كون الطلقة كاملة، وكونه واقعًا على كل الزوجة. وقوله: وإلا فبدعي، أي وإلا تتوفر الشروط المتقدمة، بأن طلقها أكثر من واحدة، أو لم يكن في طهر، أو كان في طهر مس فيه، أو كان أردف طلاقًا في عدة الرجعية، فهو طلاق بدعي. قالوا: وإنما كان الطلاق في الطهر الذي مس فيه بدعيًا، لكونه يلبس عليها في العدة؛ إذ لا تدري هل اشتمل رحمها على حمل فلا تعتد إلا بوضعه، أو لا؛ فتعتد بالأقراء. (٢) وقوله: وكره في غير الحيض ولم يجبر على الرجعة؛ كقبل الغسل منه، أو التيمم الجائز، قال ابن قدامة: وإن طلقها حائضًا أو في طهر أصابها فيه أثم، ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة، قالوا: لا يقع طلاقه لأن الله أمر به في قبل العدة، فإذا طلق في غيره لم يقع. ا. هـ. منه. وقال الحطاب: وذكر أن الطلاق الخالي عن أحد تلك القيود مكروه، إلا الواقع منه في الحيض =

стр. 925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فإنه يمنع. قال القاضي عبد الوهاب: حرام بالإِجماع. وظاهر كلام المصنف أن الزائد على الواحدة مكروه، وسواء كانت اثنتين أو ثلاثًا. ا. هـ. منه. بتصرف. تنبيهٌ: الطلاق هو حل عقد النكاح، وهو مشروع بدليل الكتاب والسنة والإِجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). وأما السنة: فقوله ﷺ لعمر بن الخطاب في ابنه عبد الله: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْركْهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهْرَ. ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَك بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاء". متفق عليه. وهناك آيات وأحاديث غير هذا. وأجمع المسلمون على جواز الطلاق، وربما اقتضته المصلحة عند فساد الحال بين الزوجين، ودوام الخصومة بينهما من غير فائدة؛ فإن المصلحة -والحالة هذه- تقتضي تشريعًا يزول به النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه بزواله، ولأجل ذلك شرع الطلاق. تنبيهٌ: والطلاق تعتبر به هذه الأحكام: يجب، كطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك، وكطلاق المولي من امرأته بعد التربص والامتناع من الفيئة. ويستحب إذا ما فرطت المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، ولم يتمكن من إجبارها على أداء ذلك. كما يستحب طلاقها إن كانت غير عفيفة، بل وربما كان الطلاق في هذين الموضعين واجبًا. ومن الطلاق المستحب طلاقها في حال الشقاق. ويحرم الطلاق في الحيض، وفي طهر قد مسها فيه. قال ابن قدامة: أجمع العلماء في كل الأمصار والأعصار على تحريم طلاق المرأة في طهر جامعها فيه. ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق كذلك خالف السنة، وترك أمر الله تعالى ورسوله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. وقال النبي ﷺ : "إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ. فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". والطلاق المكروه، هو الطلاق من غير حاجة إليه. قال ﷺ : "مَا خَلَقَ اللهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلِيْهِ =

стр. 926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مِنَ الطَّلَاقِ". رواه أبو داود. والطلاق المباح من غير كراهة، هو ما دعت إليه الحاجة لسوء خُلُقِ المرأة وسوء عشرتها، وللتضرر بها لعدم حصول الغرض منها. ا. هـ. ملخصًا من مغني ابن قدامة. وفي مصنف عبد الرزاق عن وهب بن نافع أن عكرمة أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام. فأما الحلال فهو أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا مستبينًا حملها. وأما الحرام فهو أن يطلقها حائضًا، أو حين يجامعها، لا يدري أشتمل الرحم على ولد أم لا؟. (٣) وقوله: ومنع فيه ووقع وأجبر على الرجعة الخ، أما دليل منع طلاق الحائض فهو حديث ابن عمر المتفق عليه المتقدم، وهو نفس دليل جبره على الرجعة؛ لدخول لام الأمر في قوله ﷺ "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا". والمقرر في علم الأصول في باب الأمر أن من أمر بأمر لا يعد الأول آمرًا للثالث إلا في حالة دخول لام الأمر على ذلك المأمور به؛ كقوله ﷺ في ابن عمر. قال في مراقي السعود: وليس من امرٍ بالأمر أمر … لثالث إلا كما في ابن عمر وأما دليل وقوعه فحديث ابن عمر أيضًا، ففي البخاري ما نصه: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنبي ﷺ فقال: "لِيُرَاجِعْهَا". قلت: تُحْسَبُ؟ قَال فَمَهْ؟. وحدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: حسبت عليَّ بتطليقة. قال في فتح الباري هنا: قال ابن عبد البر: لا يخالف في ذلك اليوم إلا أهل البدع والضلال. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ، وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن علية، يعني إبراهيم بن اسماعيل بن عُلية الذي قال الشافعي فيه: إبراهيم ضالٌ؛ جلس في باب الضوالّ يضل الناس. وكان بمصر وله مسائل ينفرد بها. وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه. وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنة. =

стр. 927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = قال: وممن جرد القول بذلك وانتصر له وبالغ ابن حزم. وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة؛ بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوي، وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدم اتفاقًا على الحقيقة اللغوية. وأجاب عن قول ابن عمر -حسبت عليَّ بتطليقة- بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . وتعقب بأنه مثل قول الصحابي: أمرنا في عهد رسول الله ﷺ بكذا. فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبي ﷺ . قال ابن حجر: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: أمرنا بكذا، فإن ذاك محله حيث يكون اطلاع رسول الله ﷺ ليس صريحًا، وليس كلذلك في قصة ابن عمر هذه، فإنَّ النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، فإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة، كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير رسول الله ﷺ بعيدًا جدًا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه؟ فكيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟. وقد أخرج ابن وهب في مسنده، عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ". قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﷺ : "وَهِيَ وَاحِدَةٌ". قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه، عن النبي ﷺ بذلك. وأخرجه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق، جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "هِيَ وَاحِدَةٌ". وهذا نص في موضع الخلاف فيجب المصير إليه. قال ابن حجر: وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم فأجابه بأن قوله: "هِيَ وَاحِدَةٌ" لعله ليس من كلام النبي ﷺ ، فألزمه بأنه نقض أصله، لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. قال: وعند الدارقطني في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصة: قال عمر: يا رسول الله، أفتحتسب بتلك التطليقة؟. قال: "نَعَمْ". ورجاله إلى شعبة ثقات. =

стр. 928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا قال: إني طلقت ألبتة وهي حائض؟. فقال: عصيت ربك، وفارقت امرأتك. فقال: إن رسول الله ﷺ أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجع امرأته بطلاق بقي له، وأنت لم تبق ما ترتجع به امرأتك. قال ابن حجر: وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي. ا. هـ. من فتح الباري جـ ٩/ ٣٥٣ ص. (٤) وقوله: والأحب أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، تقريره: والمستحب لمن راجع مطلقته في الحيض -مختارًا أو مجبورًا- وأراد أن يطلقها، إمساكها في عصمته بلا طلاق، وأن يعاشرها معاشرة الزوج حتى تطهر من الحيض الذي طلقها فيه، وهذا الإِمساك واجب، ثم إذا طهرت يستحب له أن يمسكها ما دامت في هذا الطهر حتى تحيض، فيجب إمساكها ما دامت حائضًا، ثم إن طهرت من هذه الحيضة الثانية، طلقها إن شاء قبل أن يمسها في هذا الطهر. قال في جواهر الإِكليل: فالاستحباب هنا منصب على المجموع لحديث ابن عمر ﵁. قال البغوي في الكلام على حديث ابن عمر: وفيه دليل على أن من طلق زوجته المدخول بها في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، وقد بقي من عدد طلاقها شيء، أنه يؤمر بمراجعتها حتى يطلقها بعدُ إن شاء في طهر لم يجامعها فيه، وهذه المراجعة استحباب. وقال مالك: يجب عليه المراجعة، وإذا طلقها في الحيض وراجعها، جاز له أن يطلقها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة، قبل المسيس، كما رواه يونس بن جبير، وأنس ابن سيرين وغيرهما عن ابن عمر. وأما ما رواه نافع عن ابن عمر: "ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُم تَطْهُرَ" فاستحباب؛ استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا تكون مراجعته إياها للطلاق، كما يكره النكاح للطلاق، بل الذي ينبغي أن يمسها في الطهر الأول لتحقق معنى المراجعة، ثم لم يكن له الطلاق بعده، لكونها في طهر جامعها فيه، فيتأخر الطلاق إلى الطهر الثاني. ا. هـ. منه بتصرف قليل. (٥) وقوله: لأن فيها جواز طلاق الحامل وغير المدخول بها فيه، ففي شرح السنة للبغوي: وروى سالم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر بن الخطاب للنبي ﷺ ،=

стр. 929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أوْ حَامِلًا". قال: ورواه يونس بن جبير، وأنس بن سيرين عن ابن عمر، ولم يقولا: ثم تحيض ثم تطهر. ا. هـ. وهو في صحيح مسلم، قال البغوي: وفي قوله في رواية سالم: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا". دليل على أنه لا بدعة في طلاق الحامل، فإن طلقها بعد رؤية الدم أو بعد الجماع فجائز، وكذلك لو طلق غير المدخول بها في حال الحيض، أو طلق الآيسة أو الصغيرة -التي لم تحض قط- بعد ما جامعها، لا يكون بدعيًا، إنما البدعة في طلاق امرأة تلزمها العدة بالأقراء. ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن طلاق السنة إنما هو في المدخول بها، أما غير المدخول بها فليس لطلاقها سنة ولا بدعة، إلا في عدد الطلاق على اختلاف بينهم فيه؛ وذلك لأن الطلاق في حق المدخول بها -إذا كانت من ذوات الأقراء- إنما كان له سنة وبدعة؛ لأن العدة تطول عليها بالطلاق في الحيض، وترتاب بالطلاق في الطهر الذي جامعها فيه، وينتفي عنها الأمران بالطلاق في الطهر الذي لم يجامعها فيه، أما غير المدخول بها فلا عدة عليها. ا. هـ. منه.

стр. 930

فَصلٌ فِي أَركَان الطَلاق وَرُكْنُهُ أَهْلٌ وَقَصْدٌ، ومَحَلٌّ ولَفْظٌ (١)، وإنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُسْلِمِ المُكَلَّفِ وَلَوْ سَكِرَ حَرامًا (٢)، وَهَلْ إلَّا أنْ يُمَيِّزَ أوْ مُطْلَقًا؟. تَرَدُّدٌ. وطَلَاقُ الْفُضُوليِّ كَبَيْعِهِ. وَلَزِمَ وَلَوْ هَزَلَ (٣)، لَا إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ فِي الْفَتْوَى، أوْ لُقِّنَ بِلَا فَهْمٍ، أوْ هَذَى لِمَرَضٍ (٤)، أوْ قَالَ لِمَنْ اسْمُهَا طَالِقٌ: يا طَالِقُ. وَقُبِلَ مِنْهُ فِي طَارِقٍ الْتِفَاتُ لِسَانِهِ. أوْ قَالَ: يَا حَفْصَةُ. فأجَابَتْهُ عَمْرَةُ فَطَلَّقَهَا فَالْمَدْعُوَّةُ، وَطَلَقَتَا مَعَ الْبَيِّنَةِ. أوْ أُكْرِهَ وَلَوْ بِكتَقْوِيمِ جُزْءِ الْعَبْدِ (٥)، أوْ فِي فِعْلٍ، إلَّا أنْ يَتْرُكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ مَعْرِفَتِهَا بِخَوْفٍ مُؤْلِمٍ؛ مِنْ قَتْلٍ أوْ ضَرْبٍ أوْ سِجْنٍ أوْ قَيْدٍ أوْ صَفْعٍ لذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَإ، أوْ قَتْلِ وَلَدِهِ أوْ لِمَالِهِ. وَهَلْ إنْ كَثُرَ؟. تَرَدُّدٌ. لا أجْنَبِيٍّ. وَأُمِرَ بالحَلِفِ لِيَسْلَمَ، وكذا العِتْقُ وَالنِّكَاح والاقْرارُ والْيَمِينُ ونَحْوُهُ. وأَمَّا الْكفْرُ وسَبُّهُ ﵇ وقَذْفُ المُسْلِمِ فإنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَتْلِ. كَالْمَرْأَةِ لَا تَجِدُ مَا يَسُدُّ رمَقَهَا إِلَّا لِمَنْ يَزْنِي بِهَا، وصَبْرُهُ أجْمَلُ، لَا قَتْلُ المُسْلِمِ وَقَطْعُهُ وَأنْ يَزْنِيَ، وَفِي لُزُومِ طَاعَةٍ أُكْرِهَ عَلَيْهَا قَوْلَانِ، كَإجَازَتِهِ كالطَّلَاقِ طَائِعًا وَالأحْسَنُ المُضِيُّ. (١) قوله: وركنه أهل وقصد ومحل ولفظ، قال الحطاب: تبع ﵀ ابن الحاجب وابن شاس في عد هذه أركانًا للطلاق، ورده ابن عرفة بأنها خارجة عن حقيقته، وكل خارج عن حقيقة الشيء غير ركن له. وجعل ابن عرفة الأهل والمحل شرطين، والقصد مع اللفظ أو ما يقوم مقامه سببين. قال: ونصه وشرط الطلاق أهل ومحل، والقصد مع لفظ أو ما يقوم مقامه من فعل أو إشارة سبب. ا. هـ. قلت: ولكلام ابن عرفة هذا وجه من النظر، فقد قال ميارة في تكميله: =

стр. 931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الشرط عن ماهية قد خرجا … والركن جزؤها فيها قد ولجا وصيغة دليلها فالعد … لها من الأركان فيه بُعْد وهذا واضح؛ فإن ركن الماهية جزء منها؛ كالركوع والسجود والقراءة للصلاة، بخلاف الطهارة ودخول الوقت وستر العورة، فإنها خارجة عنها، وهي أسباب. والله الموفق. (٢) وقوله: وإنما يصح طلاق المسلم المكلف ولو سكر حرامًا، أما محل عدم لزوم طلاق الكافر؛ فإن ذلك في عدم تحاكمهم إلينا، فإذا تحاكموا إلينا ألزمناه الطلاق لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ -إلى قوله- ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١) الآية. وأما فاقد العقل؛ فقد قال ابن قدامة في المغني: أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل -بغير سكر أو ما في معناه- لا يقع طلاقه. كذلك قال عثمان، وعلي، وسعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأبو قلابة، وقتادة، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وأجمعوا أن الرجل إذا طلق في حال نومه، لا طلاق له. وقد ثبت عن النبي ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُون حَتَّى يُفِيقَ". وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ". رواه النجاد. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من رواية عطاء بن عجلان، وهو ذاهب الحديث. وأما طلاق السكران بالحرام فإن المذهب لزومه. وهو اختيار الخلال والقاضي من أصحاب مذهب أحمد بن حنبل من إحدى روايتيه، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وميمون ابن مهران، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وابن شبرمة، وسليمان بن حرب، قالوا: لقول النبي ﷺ : "كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ". ولأن الصحابة جعلوه كالصَّاحي في الحد بالقذف؛ بدليل ما روى أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى =

стр. 932

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عمر، فأتيته في المسجد ومعه عثمان وعلي وعبد الرحمن وطلحة والزبير، فقلت: إن خالدًا يقول أن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوية. فقال عمر: هؤلاء عندك فسلهم. فقال عليٌّ: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. فجعلوه كالصاحي. ا. هـ. ابن قدامة. وقوله: ولو سكر حرامًا، يرد به مذهب من يقول بعدم لزوم طلاق السكران؛ وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختيار أبي بكر بن عبد العزيز، وهو قول عثمان ﵁، ومذهب عمر بن العزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة ويحيى الأنصاري، والليث، والعنبري، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن المنذر: هذا ثابت عن عثمان، ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه. قال ابن قدامة: والحكم في عتقه، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، وقتله، وقذفه، وسرقته، كالحكم في طلاقه. لأن المعنى في الجميع واحد. قلت: وقد تقدم لابن قدامة قبل هذا بصفحة واحدة قوله بالحرف الواحد: ويدل على تكليفه أنه إن قَتَل يقتل، ويُقطع بالسرقة. وبهذا فارق المجنون. ا. هـ. (٣) وقوله: ولزم ولو هزل، جاء في مختصر أبي داود للمنذري ما نصه: باب في الطلاق على الهزل، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدُّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ". قال: أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال أبو بكر المعافري: روي: "وَالْعِتْقُ" ولم يصح شيء منه، فإن كان أراد ليس شيء منه على شرط الصحيح، فلا كلام، وإن أراد أنه ضعيف ففيه نظر، فإنه حسن كما قال الترمذي. وقال الخطابي في معالم السنن: اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان بالغ عاقل، فإنه يؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا، أو هازلًا، أو لم أنو به طلاقًا، أو ما أشبه ذلك من الأمور. واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١). وقال: لو أطلق الناس ذلك لتعطلت الأحكام، ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلًا، إلَّا قال، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله تعالى. فكل =

стр. 933

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، ولم يقبل منه أن يدعي خلافه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له. والله أعلم. ا. هـ. منه. بلفظه. (٤) لا إن سبق لسانه في الفتوى، أو لقن بلا فهم، أو هذى لمرض ألخ، دليله قوله ﷺ : "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". الحديث متفق عليه. (٥) وقوله أو أكره ألخ، قال البغوي: اختلف أهل العلم في طلاق المكره، فذهب جماعة إلى أنه لا يقع، وكذلك لا يصح إعتاقه ولا شيء من تصرفاته بالإِكراه؛ وذلك لما روي عن صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا طَلَاقَ وَلا عِتَاقَ في إِغْلَاقٍ". ومعنى الإِغلاق قيل: هو الإِكراه؛ كأنه يغلق عليه الباب ويحبس حتى يطلق. وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وبه قال شريح، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والحسن، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، قال: وذهب قوم إلى أن طلاق المكره واقع. وهو قول النخعي، وقتادة والزهري، وإليه ذهب أصحاب الرأي. ا. هـ. منه. واتفق أهل العلم على أن من أكره على الرة فتلفظ بها لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١). الآية. وقال البغوي: قال شريح: القيد كره، والوعيد كره. وقال أحمد: الكره القتل أو الضرب الشديد. والتخويف بقتل الأب أو الإِبن أو الأخ ليس بإكراه. وقال بعضهم: هو إكراه في جميع الأمور. ا. هـ. منه. واستدل ابن قدامة لعدم لزوم طلاق المكره بقوله ﷺ : "إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". رواه ابن ماجه. وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لَا طَلَاقَ في إِغْلَاقٍ". رواه أبو داود، والأثرم، وأبو عبيد والقتبي. معناه: في إكراه. وقال أبو بكر: سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين فقالا: يريد الإكراه؛ لأنه إذا أكره انغلق عليه =

стр. 934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = رأيه. ا. هـ. منه. قلت: ومحل عدم لزوم طلاق المكره إن لم يكن الإِكراه بحق، أما إن كان الإِكراه بحق؛ نحو، إكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص، إذا لم يفئْ، ونحو إكراه الحاكم الرجلين اللذين زوجهما وليان، ولم يعلم السابق منهما، ولم يتلذذ أحدهما بلا علم، إكراهه لهما على الطلاق، إكراه بحق، فهو واقع لازم؛ لأنه قول حمل عليه بحق فصح؛ كإِسلام المرتد إذا أكره على الإِسلام قبل منه. تنبيهٌ: والإِكراه يكون بشيء من العذاب؛ كالضرب، والخنق، والعصر، والحبس، والغط في الماء مع الوعيد، فإن ذلك إكراه بلا إشكال؛ لما روي أن المشركين أخذوا عمارًا فراودوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل بمسح الدموع من عينيه ويقول: "أَخَذَكَ الْمُشْرِكُونَ فَغَطُّوكَ في الْمَاء وَأَمَرُوكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللْهِ فَعَلْتَ؟ فَإِنْ أَخَذُوكَ مَرَّةً أُخْرَى فَافْعَلْ ذلِكَ بِهِمْ". رواه أبو حفص بإسناده. ا. هـ. بنقل ابن قدامة. وقول المصنف: وأما الكفر، وسبه ﷺ وقذف المسلم فإنما يجوز للقتل، فيه نظر عندي لما تقدم لك من حديث عمار أنه أذن له رسول الله ﷺ في العود لما تخلص به من ألفاظ من عذابهم، ولم، يرد أنهم هددوه بالقتل فيما أعلم، وهو سبب نزول قوله تعالى في النحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١). الآية. وقوله ﷺ لمحمد بن مسلمة ورفقائه يؤذن لهم في القول فيه ﷺ . وإذنه لعبد الله بن أُنيس في القول لعبهقة في رسول الله ﷺ لما أرسله إليه ليتحيل على قتله، كل ذلك عندي دليل أن المرء إن أكره على القول وقلبه مُطمئن بالإِيمان لا حرج عليه، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. وقوله: كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها إلا لمن يزني بها، هو عندي ليس من باب الإِكراه، وقد لبس على المصنف أنها تتناولها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، التي أصلها ودليلها قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢). لذلك فإن هذه المسألة عندي من باب الاضطرار الذي يباح به أكل الميتة. والله الموفق.

стр. 935

وَمَحَلُّهُ مَا مُلِكَ قَبْلَهُ وَإنْ تَعْلِيقًا (١)، كَقَوْلِهِ لأجْنَبِيَّةٍ هِي طَالِقٌ عِنْدَ خِطْبَتِهَا، أوْ إنْ دَخَلْتِ، وَنَوَى بَعْدَ نِكَاحِهَا، وَتَطْلُقُ عَقِبَهُ وَعَلَيْهِ النِّصْفُ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلَى الْأصْوَبِ، وَلَوْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى فَقَطْ كَوَاطِئٍ بَعْدَ حِنْثِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، كأنْ أبْقَى كَثِيرًا بِذِكْرِ جِنْسٍ أوْ بَلَدٍ أوْ زَمَانٍ يَبْلُغُهُ عُمْرُهُ ظَاهِرًا، لا فِيمَنْ تَحْتَهُ إلَّا إذَا تَزوجَهَا وَلَهُ نِكَاحُهَا ونِكَاحُ الإِمَاءِ فِي كُلِّ حُرَّةٍ، وَلَزِمَ فِي المِصْرِيَّةِ فِيمَنْ أبُوها كَذلِكَ، والطَّارِئَةِ إنْ تَخَلَّقَتْ بخُلُقِهِنَّ، وفِي مصْرٍ يلْزَمُ فِي عَمَلِها إنْ نَوَى، وإلَّا فَلِمَحَلِّ لُزُومِ الجُمُعَةِ، وله المواعَدَةُ بها. (١) وقوله: ومحله ما مُلك قبله وإن تعليقًا ألخ، أما دليل كون الطلاق لا يقع إلا على ما ملك قبله، فهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (١). الآية، فقد أخرج ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير أن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح. ثم قرأ هذه الآية. وفي مختصر أبي داود للحافظ المنذري: باب في الطلاق قبل النكاح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيِمَا تُمْلِكُ". قال وفي رواية: "وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ". قال وفي رواية: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ، وَمَنَ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ". قال: وفي رواية "وَلَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ". قال الحافظ المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه بنحوه، وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، وقال الترمذي: حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وقال أيضًا: سألت محمد بن إسماعيل فقلت: أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح؟. فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال الخطابي: أسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره، وأجراه على عمومه إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال، والحديث حسن. ا. هـ. منه بلفظه. =

стр. 936

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال البغوي في شرح السنة: واختلف أهل العلم في تعليق الطلاق بالنكاح؛ بأن قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق. أو قال لعبد: إذا ملكتك فأنت حر. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لغو، ولا يقع بعد حصول الملك. روي ذلك عن عليٍّ، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعائشة. وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبان بن عثمان، وعلي بن حسين، وشريح، وسعيد ابن جبير، والقاسم، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وعامر بن سعد، وجابر بن زيد، ونافع ابن جبير، ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي. قال: وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر أنهم قالوا: يقع به الطلاق إذا نكح. وبه قال ابراهيم النخعي، والزهري، وإليه ذهب أصحاب الرأي، ويروى هذا أيضًا عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار. قال: وقال ربيعة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى: إن سمَّى امرأة بعينها، أو وقّت وقتًا، أو قال: إن تزوجت من بلد كذا، أو من قبيلة كذا. فإذا نكح يقع، وإن عم فلا يقع. ويروى مثل هذا عن ابن مسعود أيضًا وإبراهيم النخعي. قال: وقال أحمد: إن كان نكح لم يؤمر بالفراق، وإن لم ينكح فلا يفعل. وروي مثله عن ابن المبارك وإسحاق. قلت: قوله ﷺ : "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ". معناه نفي حكم الطلاق المرسل على المرأة قبل أن تملك بعقد النكاح، وهو يقتضي نفي وقوعه على العموم، سواء كان في امرأة بعينها أو في نساء لا بأعينهن، ولله در الخطابي إذ يقول: أسعد الناس بهذا الحديث من أجراه على عمومه وقال بظاهره، إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال. والحديث حديث حسن، أي صالح للاحتجاج به، ومعلوم أنه لا اعتبار بقول أحد بعد ما تقوم الحجة من قول رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) وقد تقدم =

стр. 937

لَا إِنْ عَمَّ النِّساءَ أوْ أبْقَى قَلِيلًا؛ كَكُلِّ امْرَأَةٍ أتَزَوَّجُهَا. إلَّا تَفْوِيضًا. أوْ مِنْ قَرْيَةٍ صَغِيرةٍ أوْ حَتَّى أنْظُرَهَا فَعَمِيَ. أوْ الأبْكَارَ بَعْدَ كُلِّ ثَيِّبٍ أوْ بِالْعَكْسِ. أَوْ خَشِيَ فِي المؤجَّلِ الْعَنَتَ وَتَعَذَّرَ التَّسَرِّي. أوْ آخِرُ امْرَأةٍ، وصُوِّبَ وُقُوفُهُ عَنِ الأُولَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً ثُمَّ كَذلِكَ وَهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولِي واخْتَارَهُ إلَّا الأُولَى. وإنْ قَالَ: إن لَّمْ أتَزَوَّجْ مِن المَدِينَةِ فَهِيَ طَالِقٌ. فَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا، نُجِّزَ طَلَاَقُهَا وَتُؤُوِّلَتْ عَلى أنَّه إنَّمَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إِذَا تَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا قَبْلَهَا، واعْتُبِرَ فِي وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ حَالُ النُّفُوذِ؛ فَلَوْ فَعَلَتِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَالَ بَيْنُونَتِهَا لَمْ يَلْزَمْ، وَلَوْ نَكَحَهَا فَفَعَلَتْهُ حَنِثَ إِنْ بَقِيَ مِنَ الْعِصْمَةِ الْمُعَلَّقِ فِيهَا شَيْء كالظِّهَارِ، لَا مَحْلُوفٌ لَهَا فَفِيهَا وَغَيْرِهَا. وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طُلِّقَتْ الأجْنَبِيَّةُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ أنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا. وإنِ ادَّعَى نِيَّةً لِأنَّ قَصْدَهُ أن لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا. وَهَلْ لأنَّ الْيَمِينَ عَلى نيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهَا، أوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؟. تَأْويلَانِ. وفيمَا عاشَتْ مُدَّةَ حَيَاتِهَا إلَّا لِنِيَّةِ كَوْنِهَا تَحْتَهُ. وَلَوْ عَلَّقَ عَبْدٌ الثَّلَاثَ على الدُّخُولِ فَعَتَقَ ودخلت لَزِمَتْ. واثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ؛ كما لَوْ طَلَّقَ واحِدَةً ثُمَّ عَتَقَ. وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زوجته الْمَمْلُوكَةِ لِأَبِيهِ على مَوْتِه لم يَنْفُذْ. = لك قول الترمذي: سألت محمد بن اسماعيل فقلت: أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح؟. فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأن ابن عباس سئل عن هذا فقرأ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (١) الآية، والله الموفق.

стр. 938

ولَفْظُهُ: طَلَّقْتُ (١). وأنَا طَالِقٌ. أوْ أنْتِ. أوْ مُطَلَّقَةٌ. أوْ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ. لَا مُنْطَلِقَةٌ. وَتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنَيَّةِ أَكْثَرَ؛ كَاعْتَدِّي. وَصُدِّقَ فِي نَفْيهِ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلى الْعَدِّ، أوْ كَانَتْ مُوثَقَةً فَقَالَتْ: أطْلِقْنِي. وِإنْ لَمْ تَسْأَلْهُ. فَتَأْوِيلَانِ. (١) وقوله: ولفظه طَلَّقْتُ ألخ، اعلم أن لفظ الطلاق بنقسم إلى صريح وإلى كناية. وقد اختلف في لفظه الصريح؛ فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن صريح الطلاق هو الطلاق والفراق والسراح؛ وقال: هذه الألفاظ هي التي وردت في القرآن، فقد قال تعالى: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٥). وذهب مالك وأبو حنيفة ومن وافقهما الى أن صريح اللفظ فيه هو الطلاق وما تصرف منه. قالوا: لأن الصريح في الشيء هو ما كان نصًا فيه لا يحتمل غيره إلا احتمالًا بعيدًا. وقالوا: إن لفظ الفراق والسراح وإن وردا في القرآن للفرقة بين الزوجين كما مثل به الشافعي، فقد ورد اللفظان في القرآن لغير ذلك المعنى أيضًا. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٧). وروي عن مالك فيمن قال لامرأته: قد فارقتك أو سرحتك. إنه من صريح الطلاق كقوله: أنت طالق. وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها. ا. هـ. منه جـ ٣/ ١٣٤. وعلى كل حال فإن لفظ الطلاق الصريح فيه لا يفتقر وقوعه به إلى نية، فمتى صدر من الزوج لفظه وقع الطلاق من غير أن يفتقر إلى نية. فعلى رأي الشافعي ومن وافقه؛ إن قال لها بلفظ الطلاق أو الفراق أو السراح وما تصرف من هذه الكلمات، وقع الطلاق من غير أن يفتقر إلى نية، وعلى رأي مالك ومن وافقه؛ إذا تلفظ الزوج بالطلاق أو بما تصرف منه وقع الطلاق من غير افتقار إلى نية لذلك. =

стр. 939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال البغوي في شرح السنة: وصرائح ألفاظ الطلاق عند الشافعي ثلاثة: لفظ الطلاق، والفراق، والسراح، يقع بها الطلاق من غير نية. والكناية: كل لفظ ينبئ عن الفرقة مثل قوله: أنت خلية، أو برية، أو بتَّةٌ أو تبْلة، أو حرام، أو حرة. أو قال: حبلك على غاربك. أو الْحقي بأهلك، أو قال: اعتَدِّي. أو استبرِئي رحمك. أو: لا مِلْك لي عليك، أو قال قومي، أو اخرجي، أو اذهبي، أو تقنَّعي، أو تستري ونحو ذلك، قال: يقع بها الطلاق إذا نوى، وإن لم ينو فهو لغو. قلت: هذه الألفاظ -التي ذكر أنها كنايات- يقع الطلاق بها إذا نواه، يؤخذ عليه عدُّ قوله: أنت حرام. منها، لأنه لفظ كذب صاحبه به وقال منكرًا من القول؛ لأنه خالف أمر الله في ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ (٣). الآية ولأن صاحب هذا القول قال زورًا أيضًا في قوله لزوجته هي حرام والله أحلها، وما أحله الله فليس لأحد أن يحرمه لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤). فإن قيل: قد أحل الله له أن يحرمها عليه بالطلاق، فالجواب: إن الطلاق هو لفظ وارد لحل العصمة؛ وحقيقته أنه إنشاء طلبي ولو ورد لفظه بصيغة الإِخبار، غير أنه لما كان هذا اللفظ ورد الكتاب ناهيًا عنه، امتنع أن يكون له أي اعتبار شرعي. وقد قال تعالى لنبيه ﷺ لما حرم مارية ﵂ على نفسه، أو حرم المغافير: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٥). والحاصل أن قوله: أنت حرام. ليس من كنايات الطلاق. وقد جئت بما فيه مقنع لطالب العلم غير المتعصب في المسألة، في باب اليمين في الجزء الثاني من هذا الكتاب المبارك، في مبحث الكلام على المحاشاة، وقوله: وتحريم الحلال في في الزوجة والأمة لغو فأغنى ذلك عن إعادته هنا والحمد لله وحده.

стр. 940

والثَّلاثُ في بَتَّةٍ. وَحَبْلُكِ عَلى غَاربك (١). أوْ واحِدَةٌ بائِنَةٌ. أوْ نَواهَا بَخَلَّيْتُ سَبِيلَكِ. أوِ ادْخُلِي، والثَّلَاثُ إِلَّا أنْ يَنْوِي أقَلَّ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ فِي كالمَيْتَةِ وَالدَّمِ، ووهَبْتُكِ ورَدَدْتُكِ لِأَهْلِكِ أوْ أنْتِ أوْ مَا أنْقَلِبُ إِلَيْهِ مِنْ أهْلي حَرَامٌ، أوْ خَلِيَّةٌ أوْ بَائِنَةٌ أوْ أنَا. وحَلَفَ عِنْدَ إرَادَةِ النِّكَاحِ وَدُيِّنَ فِي نَفْيِهِ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ، وَثَلَاثٌ فِي: لا عِصْمَةَ لِي عَلَيْكِ. أوْ اشْتَرَتْهَا مِنْهُ إلَّا لِفِدَاء، وثَلَاثٌ إلَّا أنْ يَنْوِيَ أقَلَّ مُطْلَقًا فِي: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وواحِدَةٌ في: فَارقْتُكِ، ونُوِّيَ فِيهِ وَفِي عَدَدِهِ فِي: اذْهَبِي. وانْصَرفِي، أوْ لَمْ أتَزَوَّجْكِ، أوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ ألَكَ امْرَأَةٌ؟ فقَالَ: لَا، أوْ أنْتِ حُرَّةٌ أوْ مُعْتَقَةٌ أوْ الْحَقِي بِأَهْلِكِ. أوْ لَسْتِ لِي بامْرَأَةٍ. إلَّا أنْ يُعَلِّقَ فِي الأخِيرِ، وإنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ بَيْنِي وبَيْنَكِ. أوْ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكِ. أوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عِتَابًا وَإلَّا فبتَاتٌ، وَهَلْ تَحْرُمُ بوجْهِي مِنْ وجْهِكِ حَرَامٌ. أوْ (١) وقوله: والثلاث في بتة وحبلك على غاربك ألخ. هو شروع في الكلام على الكنايات. وهي محل خلاف بين العلماء. قال القرطبي في تفسيره جـ ٣/ ١٣٦ ما نصه: قال أبو عمر: أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ما روي عن النبي ﷺ أنه قال للتي تزوجها حين قالت له: أعوذ بالله منك. "قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ الْحَقِي بِأهْلِكِ". فكان ذلك طلاقًا، وقال كعب بن مالك لامرأته -حين أمره رسول الله ﷺ باعتزالها: الْحقي بأهلك. فلم يكن ذلك طلاقًا، فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية، وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللَّافظ بها، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. ا. هـ. منه بلفظه. وقال الخطابي في معالم السنن في الكلام على حديث "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها إنما يكون بالنية، فإن النية هي المصرفة لها إلى جهتها، ولم يرد به أعيان الأعمال، لأن أعيانها حاصلة من غير نية، ولو كان المراد به أعيانها لكان خُلْفًا من القول. وكلمة إنما مرصدة لإِثبات الشيء ونفي ما عداه. قال: وفي الحديث دليل =

стр. 941

عَلَى وَجْهِكِ. أوْ ما أعِيشُ فِيهِ حَرامٌ. أوْ لَا شَيءَ عَليْهِ كَقَوْلِهِ: لَهَا يا حَرَامُ. أو الحَلَالُ حَرامٌ علَيَّ. أوْ جمِيعُ مَا أمْلِكُ حَرَامٌ وَلَمْ يُرِدْ إدْخَالَهَا؟ قَوْلَانِ، وإنْ قَالَ: سَائبَةٌ مِنِّي. أوْ عَتيقَةٌ. أوْ لَيْسَ بَيْني وبَيْنَكِ حَلَالٌ وَلَا حَرامٌ حَلَفَ عَلى نَفْيِهِ؛ فَإنْ نَكَلَ نُوِّيَ فِي عَدَدِهِ وعُوقِبَ، ولَا يُنَوَّ فِي الْعَدَدِ إنْ أنْكَرَ قَصْدَ الطَّلَاقِ بَعْدَ قوْلِهِ: أنْتِ بَائِنٌ. أوْ بريَّةٌ أوْ خَلِيَّةٌ أوْ بَتَّةٌ، جَوَابًا لِقَوْلِهَا: أوَدُّ لَوْ فَرَّجَ اللهُ لِي مِنْ صُحْبتِكَ. وَإنْ قَصَدَهُ بكاسْقِنِي الْمَاءَ أوْ بكل كَلَامٍ لَزِمَ، لَا إنْ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بالطَّلَاقِ فَلَفَظَ بهذا غَلَطًا، أوْ أرَادَ أدنْ يُنَجِّزَ الثَّلَاثَ فَقَالَ: أنْتِ طَالِقٌ وسَكَتَ. وسُفِّهَ قَائِلٌ: يا أمِّي ويا أخْتِي. = على أن المطلق إذا طلق بصريح لفظ الطلاق أو ببعض المكاني التي يطلق بها، ونوى عددًا من أعداد الطلاق، كان ما نواه من العدد واقعًا؛ واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، وإلى هذه الجملة ذهب الشافعي، وصرف الألفاظ على مصارف النيات، وقال في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق. ونوى به ثلاثًا: إنما تطلق ثلاثًا. وكذلك قال مالك بن أنس واسحاق ابن راهويه، وأبو عبيد، وقد روي ذلك عن عروة بن الزبير. وقال أصحاب الرأي: واحدة، وهو أحق بها. وكذلك قال سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل: وقال أصحاب الرأي في المكاني مثل: أنت بائن. أو أنت بتة: فإنه يسأل عن نيته؛ فإن لم ينو الطلاق، لم يقع عليها الطلاق، وإن نوى الطلاق فهو ما نوى، إن أراد واحدة، فواحدة، وإن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة، لأنها كلمة واحدة، ولا يقع على اثنتين. وإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددًا منه، فهي واحدة بائنة. وكذلك كل كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق فهو مثل هذا، كقوله: حبلك على غاربك. أو قد خليت سبيلك. ولا ملك لي عليك، والْحقي بأهلك. واستبرئي، واعتدِّي. قال: وهذا كله عند الشافعي سواء، فإن كان لم يرد به طلاقًا فليس بطلاق، وإن أراد طلاقًا ولم ينو عددًا، فهو تطليقة واحدة يملك فيها الرجعة، وإن نوى ثنتين فهو ثنتان، وإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث. قال: وهذا أشبه بمعنى الحديث. =

стр. 942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والله أعلم. ا. هـ. منه بلفظه. قلت: ومذهب الشافعي هنا أجرى على الدليل. وقد روي مثله عن مالك وجماعة من أصحابه -كما تقدم- وروي أيضًا عن جماعة من أهل المدينة، قالوا: ينوي في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى. قال القرطبي: وروي عن ابن مسعود أنه كان لا يرى طلاقًا بائنًا إلا في خلع أو إيلاء. قال: وهو المحفوظ عنه. قاله أبو عبيد، قال: وقد ترجم البخاري. [باب إذا قال: فارقتك. أو سرحتك. أو البرية. أو الخلية. أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته] وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله: أو ما عنى به من الطلاق. والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقًا أو غير طلاق، فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم أنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح؛ لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين. قال أبو عمر: واختلف في قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته: اعتدِّي. أو قد خليتك. أو حبلك على غاربك. فقال مرة: لا ينوي فيها فهي ثلاث: وقال مرة: ينوي فيها كلها في المدخول بها وغير المدخول بها وبه أقول. قال القرطبي: ما ذهب إليه الجمهور، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ كلها والحكم عليه بذلك هو الصحيح لما ذكرناه من الدليل، وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة: إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "آللهِ مَا أَردْتَ إِلَّا وَاحِدَةً"؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها عليه رسول الله ﷺ . قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسيَّ يقول: ما أشرف هذا الحديث، ا. هـ. منه بلفظه. جـ ٣ ص ١٣٥/ ١٣٦ وقوله ﵀: وسفه قائل: يا أختي ويا أمي. ففي مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري ما نصه: باب في الرجل يقول لامرأته: يا أختي. عن أبي تميمة الهجيمي، وهو طريف بن مجالد البصري، أن رجلًا قال لامرأته: يا أخَيَّة. قال رسول الله ﷺ : "أُخْتُكَ هِيَ"؟ فكره ذلك ونهى عنه. وعن أبي تميمة عن رجل من قومه: أنه سمع النبي ﷺ ، سمع رجلًا يقول لامرأته: يا أخية. فنهاه. قال المنذري: وذكر أبو داود ما يدل على اضطرابه. قال الخطابي: وإنما كره ذلك لأنه =

стр. 943

وَلَزِمَ بِالإِشَارَةِ المُفْهِمَةِ، وبِمُجَرَّدِ إرْسَالِهِ بِهِ مَعَ رَسُولٍ، وبِالْكِتَابَةِ عَازِمًا أوْ لَا إن وَصَلَ لَهَا، وَفِي لُزومِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ خِلَافٌ (١)، وَإنْ كرَّرَ الطَّلَاقَ بِعَطْفٍ بوَاوٍ أوْ فَاء أو ثُمَّ فثَلَاثٌ إنْ دَخَلَ، كَمَعَ طَلْقَتَيْنِ مُطْلَقًا، وبِلَا عَطْفٍ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بهَا، كَغَيْرِهَا إنْ نَسَقَهُ، إلَّا لِنِيَّةِ تأكِيدٍ فِيهِمَا، في غَيْرِ مُعَلَّقٍ بِمُتَعَدِّدٍ. وَلَوْ طَلَّقَ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلْتَ؟. فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ. فَإنْ لَمْ يَنْوِ إخْبَارَهُ فَفِي لُزُومِ طَلْقَةٍ أوِ اثْنَتيْنِ قَوْلَانِ، وَنِصْفُ طَلْقَةٍ، أَوْ طَلْقَتَيْنِ أوْ نِصْفَي طَلْقَةٍ أو نِصْفِ وَثُلُثِ طَلْقَةٍ أو وَاحِدَةٍ فِي وَاحِدَةٍ، أوْ مَتَى مَا فَعَلْتُ وَكُرِّرَ، أوْ طَالِقٌ أبَدًا طَلْقَةٌ، واثْنَتَانِ فِي رُبُعِ طَلْقَةٍ وَنِصْفَ طَلْقَةٍ وَوَاحِدَةٍ فِي اثْنَتَيْنِ، والطَّلَاقَ كُلَّهُ إلَّا نِصْفَهُ، وأنْتِ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْتُكَ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ مَنْ أتَزَوَّجُهَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ فَهِيَ طَالِقٌ، وثَلَاثٌ فِي إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، أو اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ، أو كُلَّمَا حِضْتِ. أوْ كُلَّمَا أو مَتَى مَا أوْ إذَا مَا طَلَّقْتُكِ أوْ وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فأنْتِ طَالِقٌ وَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، أوْ إنْ طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلهُ ثَلَاثًا، وطَلْقَةٌ فِي أرْبَعٍ قَالَ لَهُنَّ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةٌ مَا لَمْ يَزِدِ الْعَدَدُ عَلى الرَّابِعَةِ، = مظنة التحريم؛ وذلك أن من قال لامرأته: أنت كأختي. وأراد به الظهار، كان ظهارًا. كما تقول: أنت كَأمي. وهكذا في كل امرأة من ذوات المحارم. وعامة أهل العلم، أو أكثرهم متفقون على هذا، إلا أن ينوي بهذا الكلام الكرامة، فلا يلزمه الظهار، وإنما اختلفوا فيه إذا لم تكن له نية، فقال كثير منهم: لا يلزمه شيء. قال: فكره رسول الله ﷺ هذا القول، لئلا يلحقه بذلك ضرر في أهل، أو تلزمه كفارة في مال. ا. هـ منه. (١) وقوله: وفي لزومه بكلام النفسي خلاف، قال في مختصر سنن أبي داود: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، أَوْ تَعْمَلْ بِهِ، وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا". قال: وأخرجه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ا. هـ. =

стр. 944

سُحْنُونُ: وَإنْ شَرَّكَ طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَإنْ قَالَ: أنْتِ شَريكَةُ مُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا. ولِثَالِثَةٍ: أنْتِ شَرِيكَتُهُمَا، طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ والطَّرَفانِ ثَلَاثًا، وَأدِّبَ الْمُجَزِّئ كَمُطَلِّقِ جُزْء وَإنْ كَيَدٍ، وَلَزِمَ بِشَعَرُكِ طَالِقٌ أَوْ كَلَامُكِ عَلى الأحْسَنِ، لَا بِسُعَالٍ وَبُصَاقٍ وَدَمْعٍ، وَصَحَّ اسْتِثْنَاء بإلَّا إنِ اتَّصَلَ وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ، فَفِي ثَلَاثٍ إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، أوْ ثَلَاثًا أوْ البتَّةَ إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً اثْنَتَانِ، ووَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ إنْ كَانَا مِنَ الْجَمِيعِ فَواحِدَةٌ وَإلَّا فَثَلَاثٌ، وَفِي إلْغَاءِ مَا زَادَ عَلى الثَّلَاثِ وَاعْتِبَارِهِ قَوْلَانِ. ونُجِّزَ إنْ عُلِّقَ بِمَاضٍ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا أوْ عَادَةً أوْ شَرْعًا أوْ جَائزٍ كَلَوْ جِئْتَ قَضَيْتُكَ، أوْ مُسْتَقْبَلٍ مُحَقَّقٍ وَيُشْبِهُ بُلُوغُهُمَا عَادَةً؛ كَبَعْدَ سَنَةٍ أوْ يَوْمَ مَوْتِي أوْ إنْ لَمْ أمَسَّ السَّمَاءَ أوْ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الحَجَرُ حَجَرًا، أوْ لِهَزْلِهِ كَطَالِقٌ أمْسِ، أوْ بِمَا لا صَبْرَ عَنْهُ كإنْ قُمْتِ، أوْ غَالِبٍ كإنْ حِضْتِ، أوْ مُحْتَمَلٍ وَاجِبٍ كإنْ صَلَّيْتِ، أوْ بِمَا لَا يُعْلَمُ حَالًا كإنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ غُلَامٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ، أوْ فِي هذِهِ اللَّوْزَةِ قَلْبَانِ، أوْ فُلَانٌ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ (١)، أوْ إنْ كنْتِ = قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أن حديث النفس وما يوسوس به قلب الإِنسان لا حكم له في شيء من أمور الدين. وفيه أيضًا أنه إذا طلق امرأته بقلبه، ولم يتكلم به بلسانه، فإن الطلاق غير واقع، وإلى هذا ذهب عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي، وأحمد وإسحاق. وقال الزهري. إذا عزم على ذلك وقع الطلاق، لفظ به أو لم يلفظ. وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، والحديث حجة عليه، ا. هـ. منه بلفظه. (١) وقوله: أو فلان من أهل الجنة؛ قال الدردير: أو من أهل النار، فينجز عليه الطلاق ما لم يقطع بذلك؛ كالعشرة الكرام وعبد الله بن سلام وكأبي جهل وفرعون، ا. هـ. منه بتصرف. =

стр. 945

حامِلًا أوْ لَمْ تَكُونِي، وحُمِلَتْ عَلى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ، واخْتَارَهُ مَعَ الْعَزْلِ، أوْ لَمْ يُمْكِنْ اطلاعُنا عَلَيْهِ كإنْ شَاءَ اللهُ أو المَلَائِكَةُ أوْ الجِنّ، أوْ صَرَفَ الْمَشِيئَةَ عَلى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ إلَّا أنْ يَبْدُوَ لي فِي المُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ أوْ كإنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غدًا إلَّا أن يَعُمَّ الزَّمَنَ، أوْ يَحْلِفَ لِعَادَةٍ فَيُنْتَظَر وَهَلْ يُنْتَظَرُ فَي الْبِرِّ وَعَلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ يُنَجَّزُ كَالْحِنْثِ، تأويلَانِ، أو بِمُحَرَّمٍ كَإن لَّمْ أزْنِ إلَّا أن يُتْحَقَّقَ قَبْلَ التَّنْجيزِ، أو بِمَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَمَآلًا، ودُيِّنَ إنْ أمْكَنَ حَالًا وادَّعَاهُ، فَلَوْ حَلَفَ اثْنَانِ عَلى النَّقِيضِ كإن كَانَ هَذا غُرابًا أوْ إنْ لَمْ يَكُنْ. فإن لَمْ يدَّعِيَا يَقِينًا طَلُقَتَا، وَلَا يَحْنَثُ إنْ عَلَّقَهُ بِمُسْتَقْبَلٍ مُمْتَنِعٍ كَإنْ لَمَسْتُ السَّمَاءَ أوْ إنْ شَاءَ هذا الْحَجَرُ، أوْ لَمْ تُعْلَمْ مَشيئةُ الْمُعَلَّقِ بمَشِيئَتِهِ، أوْ لَا يُشْبِهُ الْبُلُوغَ إلَيْهِ أوْ طَلَّقْتُكِ وَأنا صَبِيٌّ، أوْ إذا مِتُّ أو مُتِّي، أَوْ إنْ، إلَّا أنْ يُريدَ نَفْيَهُ، أوْ إنْ وَلَدْتِ جَاريةً أوْ إنْ حَمَلْتِ إلَّا أن يَطَأهَا مَرَّةً وإنْ قَبْلَ يَمِينِهِ، كَإنْ حَمَلْتِ وَوَضَعْتِ، أوْ مُحْتَملٌ غَيْرُ غَالِبٍ وانْتُظِرَ إنْ أثْبَتَ كَيَوْمِ قُدومِ زَيْدٍ، وتَبَيَّنَ الْوُقُوعُ أوَّلَهُ إنْ قَدِمَ فِي نِصْفِهِ، وإلَّا أنْ يَشَاءَ زَيْدٌ مِثْلُ إنْ شَاءَ بِخِلَافِ إلَّا أنْ يَبْدُوَ لِي كالنَّذْرِ والْعِتْقِ، وَإنْ نَفَى وَلَمْ يُؤجِّلْ كإنْ لَمْ يَقْدِمْ مُنِعَ مِنْهَا إلَّا كإن لم أحْبِلْهَا أوْ إنْ لَمْ أطَأْهَا، وَهَلْ يُمْنعُ مُطْلَقًا؟ أوْ إلَّا في كإنْ لَّمْ أحُجَّ فِي هذا الْعَامِ ولَيْسَ وَقْتَ سَفَرٍ؟ تَأْوِيلَانِ. = قلت: وذلك لأن هذا المحلوف عليه مما لا سبيل إلى معرفته لا حالًا ولا مآلًا. إلا بإخبار معصوم أن فلانًا من أهل الجنة، كما هو الواقع بالنسبة للعشرة المبشرين بالجنة، ومن ورد فيه خبر مثل ما ورد فيهم. أو أن فلانًا من أهل النار كما ورد في قزمان وأبي جهل، فكيف يجوز لأحد إذًا أن يصف عبدًا من عباد الله اليوم بالولاية، وهي مزية تستلزم الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَا =

стр. 946

إلَّا إن لَّمْ أطَلِّقْكِ مُطْلَقًا أوْ إلى أجَلٍ، أوْ إن لَمْ أطَلِّقْكِ بِرَأْسِ الشَّهْرِ ألْبَتَّةَ فأنْتِ طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ الْبَتَّةِ أو الآنَ، فَيُنَجَّزُ وَيَقَعُ وَلَوْ مَضَى زَمَنُهُ كَطَالِقٌ الْيَوْمَ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا غَدًا، وإنْ قَالَ: إن لَّمْ أُطَلِّقْكِ وَاحِدَةً بَعْدَ شَهْرٍ فأنْتِ طَالِقٌ الآن الْبتَّةَ، فَإنْ عَجَّلَهَا أجْزَأَتْ وإلَّا قِيلَ لَهُ: إمَّا عَجَّلْتَهَا وإلَّا بَانَتْ. وإنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَفِي الْبِرِّ كَنَفْسِهِ، وَهَلْ كَذلِكَ فِي الْحِنْثِ أوْ لَا يُضْرَبُ لَهُ أجَلُ الْإِيلَاءِ وَيُتَلَوَّمُ لَهُ؟ قَوْلَانِ، وَإنْ أقَرَّ بِفِعْلٍ ثُمَّ حَلَفَ مَا فَعَلْتُ صُدِّقَ بِيَمِينٍ بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بعد الْيَمِينِ فَيُنَجَّزُ وَلَا تُمَكِّنُهُ زَوْجَتُهُ إنْ سَمِعَتْ إقْرارَهُ وبَانَتْ ولَا تَتَزَيَّنُ إلَّا كَرْهًا بتفْتَدِ مِنْهُ، وفي جَوَازِ قَتْلِهَا لَهُ عِنْدَ مُحَاوَرَتِهَا قَوْلَانِ، وامِرَ بالْفِرَاقِ فِي: إنْ كنْتِ تُحِبِّينِي أو تُبْغِضينِي. وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ إلَّا أنْ تُجِيبَ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ فَيُنَجَّزُ؟ تَأوِيلانِ. وَفيهَا مَا يَدُلُّ لَهُمَا، وبِالأيْمَانِ المَشْكُوكِ فيهَا وَلَا يُؤمَرُ إنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أمْ لَا؟. إلَّا أن يَسْتَنِدَ وَهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ كَرُؤيَةِ شَخْصٍ دَاخِلًا شَكَّ فِي كَوْنِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وهَلْ يُجْبَرُ؟ تَأْويلَانِ. وإنْ شَكَّ أهِنْدٌ هِيَ أمْ غَيْرُهَا، أوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ. أوْ أنْتِ طَالِقٌ بَلْ أنْتِ طَلُقَتَا، وإنْ قَالَ: أوْ أنْتِ خُيِّرَ، ولَا أنْتِ طَلُقَتْ الأُولَى إلَّا أنْ يُريدَ الْإِضْرَابَ. وإنْ شَكَّ أطَلَّقَ وَاحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ أو ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ إلَّا بَعْدَ زوْجٍ، وصُدِّقَ إنْ ذَكَرَه (١) فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ إِنْ تَزوجَهَا وطَلَّقَهَا فَكَذلِكَ إلَّا أنْ يَبُتَّ. وَإنْ = إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)؟ تأمل! (١) وقوله: وصدق إن ذكره في العدة، فيه إحدى وقفات هذا المصنف، وتقرير المعنى: =

стр. 947

حَلَف صَانِعُ طَعَامٍ عَلى غَيْرِهِ. لَا بُدَّ أنْ تَدْخُلَ. فحَلَفَ الآخَرُ: لَا دَخَلْتُ. حُنِّثَ الْأوَّلُ. وَإنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتِ. إنْ دَخَلْتِ. لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِهِمَا، وإن شهِدَ شَاهِدٌ بِحَرَامٍ وآخَرُ بِبَتَّةٍ أوْ بِتَعْلِيقِهِ عَلى دُخُولِ دَارٍ فِي رَمَضَانَ وَذِي الحجَّةِ أوْ بِدُخُولِهَا فِيهمَا أَوْ بِكَلَامِه فِي السُّوقِ والْمَسْجِدِ، أوْ بأنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمًا بِمِصْرَ ويَوْمًا بِمَكَّةَ لُفِّقَتْ؛ كَشَاهِدٍ بِوَاحِدَةٍ وآخَرَ بِأَزْيَدَ وحَلَفَ عَلى الزَّائِدِ وإلَّا سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ، لَا بِفِعْلَيْنِ أوْ بِفِعْلٍ وَقَوْلٍ كَوَاحِدٍ بِتَعْلِيقِهِ بالدُّخُولِ وآخَرَ بالدُّخُولِ وإنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ ونَسِيَاهَا لَمْ تُقْبَلْ وحَلَفَ: مَا طَلَّقَ وَاحِدَةً. وإنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِيَمينٍ ونَكَلَ فالثَّلَاث. = وصدق إن ذكر أن الذي صدر منه من الطلاق أقل من الثلاث، وإذًا فإنه يرتجع في العدة إن ذكر قبل انقضائها، وإن لم يذكر إلا بعدها رجع إليها بعقد ولا يمين عليه فيهما. فعلى طالب العلم الوقف عند قوله: إن ذكر، ثم يقول: في العدة؛ لأن ذلك متعلق بمحذرف، وليس متعلقًا بقوله: إن ذكر، لئلا يتوهم السامع أنه إذا تذكر بعدها لا يصدق، وليس كذلك، وبذلك تعلم أنه لا يمكن أخذ هذا المختصر عن وجادة.

стр. 948

فَصْلٌ إِنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ، لَا تَخْييرًا أوْ تَمْلِيكًا (١)، وَحِيلَ بَيْنَهُمَا حَتَّى تُجِيبَ، وَوُقِفَتْ، وإنْ قَالَ: إلى سَنَةٍ. مَتَى عُلِمَ فَتَقْضِي وإلَّا أسْقَطَهُ الحَاكِمُ، وَعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ كَطَلَاقِهِ وَرَدِّهِ، كَتَمْكِينِهَا طَائِعَةً، وَمُضِيِّ يَوْمِ تَخْييرِهَا، ورَدِّهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا، وَهَلْ نَقْلُ قُمَاشِهَا وَنَحْوُهُ طَلَاقٌ أوْ لَا؟. تَرَدُّدٌ. وَقُبِلَ تَفْسِيرُ: قَبِلْتُ. أوْ قَبِلْتُ أمْرِي. أوْ مَا مَلَّكْتِنِي، بِرَدٍّ أوْ طَلَاقٍ أوْ بَقَاء، ونَاكَرَ مُخيَّرةً لَمْ تَدْخُلْ ومُمَلَّكَةً مُطْلَقًا إنْ زادَتَا عَلى الْوَاحِدَةِ وإنْ نَوَاهَا وبَادَرَ وَحَلَفَ (٢) إنْ دَخَلَ وإلَّا فَعِنْدَ الارْتِجَاعِ وَلَمْ يُكَرِّرْ أمْرُهَا بِيَدِهَا إلَّا أنْ يَنْوِيَ التَّأكِيدَ كَنَسَقِهَا هِيَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ وفِي حَمْلِهِ عَلى الشَّرْطِ إِنْ أطْلَقَ قَوْلَانِ، وَقُبِلَ إرَادَةُ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا. وَالأصَحُّ خِلَافُهُ، وَلَا نُكْرَةَ لَهُ إنْ دَخَلَ فِي تَخْيِيرٍ مُطْلَقٍ. وإنْ قَالَتْ: طَلّقْتُ نَفْسِي. سُئِلَتْ بِالْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ فإنْ أرَادَتْ الثَّلَاثَ لَزِمَتْ فِي التَّخْيِيرِ، ونَاكَرَ فِي التَّمْلِيكِ، وإنْ قَالَتْ: وَاحِدَةً. بَطَلَتْ فِي التَّخْييرِ، وَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ أوْ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ؟. تَأْويلَانِ. والظَّاهِرُ سُؤَالُهَا إنْ قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أيْضًا، وفِي جَوازِ التَّخييرِ قَوْلَانِ، وحَلَفَ فِي: اخْتَارِي فِي وَاحِدَةٍ. أوْ فِي إنْ تُطَلِّقِي نَفْسَكِ طَلْقَةً وَاحِدَةً لَا اخْتَارِي طَلْقَةً، وبَطَلَ إنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي اخْتَارِي تَطْلِيقَتَيْنِ أوْ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ مِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَقْضِي إلَّا بِوَاحِدَةٍ، وَبَطَلَ فِي الْمُطَلَقِ إنْ قَضَتْ بِدُونِ الثَّلَاثِ كطَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، وَوُقِفَتْ إن اخْتَارَتْ بِدُخُولِهِ عَلى ضَرَّتِهَا، وَرَجَعَ مَالِكٌ إلى بَقَائِهَا بِيَدِهَا فِي الْمُطْلَقِ مَا لَمْ تُوقَفْ أوْ تُوطَأْ كمتَى شِئْتِ. وَأخذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بالسُّقُوطِ، =

стр. 949

وفِي جَعْلَ إنْ شِئْتِ أو إذَا كمَتَى أوْ كَالْمُطْلَق تَرَدُّدٌ، كَما إذا كَانَت غَائِبةً وَبَلَغَهَا. وإنْ عَيَّنَ أمْرًا تَعَيَّنَ، وَإنْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي وَزَوْجِي. أوْ بِالعَكْسِ فَالْحُكْمُ لِلْمُتَقَدِّمِ، وهُمَا فِي التَّنْجِيزِ لِتَعْلِيقِهِمَا بِمُنَجَّزٍ وَغَيْره كَالطَّلَاقِ وَلَوْ عَلَّقَهُمَا بِمَغِيبِهِ شَهْرًا، فَقَدِمَ وَلَمْ تَعْلَمْ وَتَزوَّجَتْ فكَالْوَليَّيْنِ، وبحُضُورِهِ وَلَمْ تَعْلَمْ فهِيَ عَلَى خِيارِهَا، واعْتُبِرَ التَّنْجِيزُ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وهَلْ إنْ مَيَّزَتْ، أوْ مَتَى تُوطَأُ؟. قَوْلَانِ، وَلَهُ التَّفْويضُ لِغَيْرِهَا. وَهَلْ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ قَوْلَانِ. ولَهُ النَّظَرُ وصَارَ كَهِيَ إنْ حَضَرَ أوْ كَانَ غائبًا قَرِيبَةً كالْيوْمَيْنِ لَا أكثَرَ فَلَهَا إلَّا أنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا أوْ يَغيبَ حَاضِرٌ وَلَمْ يُشْهِدْ بِبَقَائهِ، فإنْ أشْهَدَ فَفِي بَقَائِه بِيَدِهِ أو يَنْتَقِلُ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ، وإنْ مَلَكَ رَجُلَيْنِ فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا القَضَاءُ إلَّا انْ يَكُونَا رَسُولَيْن. فصل في أحكام الاستنابة على الطلاق وهي أربعة أقسام: توكيل وإرسال وتمليك وتخيير. أما التخيير، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه خير نساءه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). روى الترمذي عن عائشة ﵂. قالت: أُمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه فبدأ بي فقال: "يَا عَائِشَةُ. إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجلِي حَتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ". قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: ثم قأل: "إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ" الآيتين، فقلت: أفي هذا أستامر أبويَّ؟. فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت. قال: هذا حديث حسن صحيح. ا. هـ. بنقل القرطبي، وقال: والتحقيق=

стр. 950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . = أن المخيرة إذا اختارت زوجها لا يلزمه طلاق؛ لقول عائشة ﵂: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدَّه علينا طلاقًا. أخرجه الشيخان. وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين: عطاء، ومسروق، وسليمان بن يسار، وربيعة وابن شهاب. وقال القرطبي: يؤخذ من الحديث أيضًا أن المخيرة إذا اختارت نفسها، أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها؛ لأنه لا يجوز أن يطلق رسول الله ﷺ بخلاف ما أمره الله. وروي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي. ا. هـ. منه. وذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، وأن القضاء ما قضت فيهما جميعًا. قال القرطبي: وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. قاد ابن شعبان: وقد اختاره كثير من أصحابنا. وهو قول جماعة من أهل المدينة. قال أبو عمر: وعلى هذا القول أكثر الفقهاء، والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما. قال: وتحصيل مذهب مالك: إن المخيرة إذا اختارت نفسها -وهي مدخول بها- فهو الطلاق كله. وإن أنكر زوجها فلا نكرة له. وإن اختارت واحدة فليس بشيء وإنما الخيار البتات؛ إمَّا أخذته وإِمَّا تركته؛ لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. فمعنى التسريح البتات. قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). والتسريح بالإِحسان هو الطلقة الثالثة. قلت: لكنه قد تقدم لك قريبًا أخذهم من حديث عائشة أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها طلقة يملك زوجها رجعتها، لاستحالة أن يطلق رسول الله ﷺ بخلاف ما أمره الله به، تأمل. قال القرطبي: واختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار؛ فقال مرة: لها الخيار ما دامت في المجلس، قبل القيابم أو الاشتغال بما يدل على الإِعراض، فإن لم تختر ولم تقض شيئًا حتى افترتا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها. وعلى هذا أكثر الفقهاء. قلت: ويؤيد هذا القول ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول ابن مسعود قال: إذا ملّكها أمرها فتفرَّقا قبل أن تقضي شيئًا فلا أمر لها. وعن:
следующие страницы →