حَلَف صَانِعُ طَعَامٍ عَلى غَيْرِهِ. لَا بُدَّ أنْ تَدْخُلَ. فحَلَفَ الآخَرُ: لَا دَخَلْتُ. حُنِّثَ الْأوَّلُ. وَإنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتِ. إنْ دَخَلْتِ. لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِهِمَا، وإن شهِدَ شَاهِدٌ بِحَرَامٍ وآخَرُ بِبَتَّةٍ أوْ بِتَعْلِيقِهِ عَلى دُخُولِ دَارٍ فِي رَمَضَانَ وَذِي الحجَّةِ أوْ بِدُخُولِهَا فِيهمَا أَوْ بِكَلَامِه فِي السُّوقِ والْمَسْجِدِ، أوْ بأنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمًا بِمِصْرَ ويَوْمًا بِمَكَّةَ لُفِّقَتْ؛ كَشَاهِدٍ بِوَاحِدَةٍ وآخَرَ بِأَزْيَدَ وحَلَفَ عَلى الزَّائِدِ وإلَّا سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ، لَا بِفِعْلَيْنِ أوْ بِفِعْلٍ وَقَوْلٍ كَوَاحِدٍ بِتَعْلِيقِهِ بالدُّخُولِ وآخَرَ بالدُّخُولِ وإنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ ونَسِيَاهَا لَمْ تُقْبَلْ وحَلَفَ: مَا طَلَّقَ وَاحِدَةً. وإنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِيَمينٍ ونَكَلَ فالثَّلَاث.
= وصدق إن ذكر أن الذي صدر منه من الطلاق أقل من الثلاث، وإذًا فإنه يرتجع في العدة إن ذكر قبل انقضائها، وإن لم يذكر إلا بعدها رجع إليها بعقد ولا يمين عليه فيهما. فعلى طالب العلم الوقف عند قوله: إن ذكر، ثم يقول: في العدة؛ لأن ذلك متعلق بمحذرف، وليس متعلقًا بقوله: إن ذكر، لئلا يتوهم السامع أنه إذا تذكر بعدها لا يصدق، وليس كذلك، وبذلك تعلم أنه لا يمكن أخذ هذا المختصر عن وجادة.
وفِي جَعْلَ إنْ شِئْتِ أو إذَا كمَتَى أوْ كَالْمُطْلَق تَرَدُّدٌ، كَما إذا كَانَت غَائِبةً وَبَلَغَهَا. وإنْ عَيَّنَ أمْرًا تَعَيَّنَ، وَإنْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي وَزَوْجِي. أوْ بِالعَكْسِ فَالْحُكْمُ لِلْمُتَقَدِّمِ، وهُمَا فِي التَّنْجِيزِ لِتَعْلِيقِهِمَا بِمُنَجَّزٍ وَغَيْره كَالطَّلَاقِ وَلَوْ عَلَّقَهُمَا بِمَغِيبِهِ شَهْرًا، فَقَدِمَ وَلَمْ تَعْلَمْ وَتَزوَّجَتْ فكَالْوَليَّيْنِ، وبحُضُورِهِ وَلَمْ تَعْلَمْ فهِيَ عَلَى خِيارِهَا، واعْتُبِرَ التَّنْجِيزُ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وهَلْ إنْ مَيَّزَتْ، أوْ مَتَى تُوطَأُ؟. قَوْلَانِ، وَلَهُ التَّفْويضُ لِغَيْرِهَا. وَهَلْ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ قَوْلَانِ. ولَهُ النَّظَرُ وصَارَ كَهِيَ إنْ حَضَرَ أوْ كَانَ غائبًا قَرِيبَةً كالْيوْمَيْنِ لَا أكثَرَ فَلَهَا إلَّا أنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا أوْ يَغيبَ حَاضِرٌ وَلَمْ يُشْهِدْ بِبَقَائهِ، فإنْ أشْهَدَ فَفِي بَقَائِه بِيَدِهِ أو يَنْتَقِلُ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ، وإنْ مَلَكَ رَجُلَيْنِ فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا القَضَاءُ إلَّا انْ يَكُونَا رَسُولَيْن.
فصل في أحكام الاستنابة على الطلاق
وهي أربعة أقسام: توكيل وإرسال وتمليك وتخيير.
أما التخيير، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه خير نساءه لما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
روى الترمذي عن عائشة ﵂. قالت: أُمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه فبدأ بي فقال: "يَا عَائِشَةُ. إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجلِي حَتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ". قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: ثم قأل: "إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ" الآيتين، فقلت: أفي هذا أستامر أبويَّ؟. فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت. قال: هذا حديث حسن صحيح. ا. هـ. بنقل القرطبي، وقال: والتحقيق=
стр. 950
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أن المخيرة إذا اختارت زوجها لا يلزمه طلاق؛ لقول عائشة ﵂: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدَّه علينا طلاقًا. أخرجه الشيخان. وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين: عطاء، ومسروق، وسليمان بن يسار، وربيعة وابن شهاب.
وقال القرطبي: يؤخذ من الحديث أيضًا أن المخيرة إذا اختارت نفسها، أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها؛ لأنه لا يجوز أن يطلق رسول الله ﷺ بخلاف ما أمره الله. وروي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي. ا. هـ. منه.
وذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، وأن القضاء ما قضت فيهما جميعًا. قال القرطبي: وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. قاد ابن شعبان: وقد اختاره كثير من أصحابنا. وهو قول جماعة من أهل المدينة. قال أبو عمر: وعلى هذا القول أكثر الفقهاء، والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما. قال: وتحصيل مذهب مالك: إن المخيرة إذا اختارت نفسها -وهي مدخول بها- فهو الطلاق كله. وإن أنكر زوجها فلا نكرة له. وإن اختارت واحدة فليس بشيء وإنما الخيار البتات؛ إمَّا أخذته وإِمَّا تركته؛ لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. فمعنى التسريح البتات. قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). والتسريح بالإِحسان هو الطلقة الثالثة.
قلت: لكنه قد تقدم لك قريبًا أخذهم من حديث عائشة أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها طلقة يملك زوجها رجعتها، لاستحالة أن يطلق رسول الله ﷺ بخلاف ما أمره الله به، تأمل.
قال القرطبي: واختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار؛ فقال مرة: لها الخيار ما دامت في المجلس، قبل القيابم أو الاشتغال بما يدل على الإِعراض، فإن لم تختر ولم تقض شيئًا حتى افترتا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها. وعلى هذا أكثر الفقهاء.
قلت: ويؤيد هذا القول ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول ابن مسعود قال: إذا ملّكها أمرها فتفرَّقا قبل أن تقضي شيئًا فلا أمر لها. وعن:
стр. 951
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الثوري عن أبي فجيح عن سجاهد: إذا خيّر الرجل امرأته فلم تختر في مجلسها فليس بشيء. وأخرج مثل ذلك عن الثوري من عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء. وعن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء، وعن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. ا. هـ.
(١) وقول خليل: لا تخييرًا وتمليكًا، يشهد له ما أخرجه عبد الرزاق عر، الثوري في رجل يملك امرأته أمرها، ثم يرتده قبل أن تقوم، قال: ليس له أن يرجع فيما خرج منه.
(٢) وقوله: ومملكة مطلقًا إن زادتا على الواحدة إن نواها وبادر وحلف: ففي الموطإ عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف ملَّك امرأته أمرها فقالت: أنت الطلاق.
فسكت، ثم قالت: أنت الطلاق. فقال: بفيك الحجر. ثم قالت: أنت الطلاق. فقال: بفيك الحجر. فاختصما إلى مروان بن الحكم فاستحلفه ماملَّكها إلا واحدة وردها إليه. قال مالك: فال عبد الرحمن: فكأن القاسم يعجبه هذا اقضاء، ويراه أحسن ما سمع في ذلك. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك وأحبه إليَّ. ا. هـ.
وعن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأته أمرها فالقضاء ما قضت به، إلا أن ينكر عليها ويقول: لم أرد إلا واحدة. فيحلف على ذلك، ويكون أملكَ بها ما دامت في عدتها. ا. هـ.
وإن إختارت المملكة زوجها لم يحسب ذلك طلاقًا؛ ففي الموطإ عن مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها خطبت على عبد الرحمن قُريْبة بنت أبي أمية فزوجوه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن وقالوا: ما زوجنا إلا عائشة. فأرسلت عائشة إلى عبد الرحمن، فذكرت ذلك له، فجعل أمر قريبة بيدها، فاختارت زوجها، فلم يكن ذلك طلاقًا. ا. هـ. وعن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبيِّ ﷺ زوجت حفصةَ بنت عبد الرحمن المنذرَ بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشَّام، فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به؟. ومثلي يفتات عليه؟. فكلمت عائشة المنذر بن الزبير فقال المنذر: فإن ذلك بيد عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: ما كنت لأردَّ أمرًا قضيته. فقرت حفصة عند المنذر ولم يكن ذلك طلاقًا. ا هـ. =
стр. 952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والأثر الأول أخرجه أيضًا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يخبر عن القاسم بن محمد، فذكره، وأخرج عبد الرزاق الأثر الثاني عن ابن جريج عن عطاء، فذكر خبر حفصة بنت عبد الرحمن والمنذر بن الزبير.
ولابن رشد في المقدمات مبحث نفيس في هذا الباب، نلخص منه بإذن الله ما يلي: قال: قد اختلف الصحابة ﵃ ومن بعدهم من التابعين وفقهاء المسلمين فيمن ملك امرأته أو خيّرها اختلافًا كثيرًا؛ إذ لم يرد في ذلك نص القرآن يرجع إليه، ولا روي عن النبي ﷺ أثر في ذلك يعول عليه؛ فمنهم مق جعل قضاء إلزوجة ست واحدة أو ثلاث، ومنهم من جعله على ما نواه الزوج مع يمينه، ومنهم من قال: ليس لها من الطلاق شيء، وإن خيّرها زوجها أو ملَّكها. ومنهم من رأى الخيار فراقًا والتمليك طلاقًا؛ قبلت أو ردت. ومنهم من فرق بين التخيير والتمليك؛ فلم ير التخيير شيئًا، ورأى التمليك واحدة بائنة. قال: ولا حجة لأحد منهم على مذهبه من جهة الرأي إلا ويعارضها مثلها، إذ ليس من ذلك في الكتاب والسنة نص يجب التسليم له. ا. هـ. منه باختصار.
قلت: وحيث إن موضوع هذا الكتاب المبارك هو استجلاب الدليل من الكتاب أو من السنة أو من الإِجماع أو غير ذلك من الأدلة المقبولة، وقد علمت فيما نقله العلامة ابن رشد أنه الا يوجد دليل في المسألة، فقد اكتفي في هذا الباب بما تقدم. والله الموفق إلى صراطه المستقيم.
قوله: فصل، أي في أحكام رجعة المطلقة. والرجعة ثابتة بالكتاب والسنة والإِجماع. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. قال ابن قدامة: والمراد به الرجعة عند جماعة العلماء وأهل التفسير.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية، أي الرجعة، ومعناه إذا قاربن بلوغ أَجلهن أي انقضاء عدتهن.
وأما السنة فحديث ابن عمر المتفق عليه: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا". وروى أبو داود عن عمر قال: إن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. ا. هـ.
وقال ابن قدامة: إن ابن المنذر حكى إجماع أهل أرملم أن الحر إذا اطلق الحرة دون الثلاث، أو العبد إذا طلق دون الإِثنتين، إن لهما الرجعة في العدة.
стр. 953
فَصْلٌ
يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ وَإنْ بكإحْرَامٍ وَعَدَمِ إذْنِ سَيدٍ، طَالِقًا غَيْرَ بَائِنٍ فِي عِدَّةِ صَحِيحٍ حَلَّ وَطْؤُهُ، بِقَوْلٍ مَعَ نِيَّةٍ كَرَجَعْتُ، وأمْسَكْتُهَا، أوْ نِيَّةٍ على الْأظْهَرِ، وصُحِّحَ خِلَافُهُ، أوْ بِقَوْلٍ ولَوْ هَزْلًا في الطاهِر لَا الْبَاطِنِ، لَا بِقَوْلٍ مُحْتَمِلٍ بِلَا نِيَّةٍ؛ كَأعَدْتُ الحِلَّ، وَرَفَعْتُ التَّحْرِيمَ، ولَا بِفِعْلٍ دُونَهَا كوَطْء وَلَا صَدَاقَ، وإن اسْتَمَرَّ وانْقَضَتْ لَحِقَهَا طَلَاقُهُ (١) على الْأصَحِّ، ولَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ دُخول وَإنْ تَصَادَقَا عَلى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَلَاقِ وأُخِذَا بإقْرارِهِمَا؛ كَدَعْوَاهُ لَهَا بَعْدَهَا إنْ تَمَادَيَا عَلى التَّصْدِيقِ عَلى الأصْوَبِ. ولِلْمُصَدِّقَةِ النَّفَقَةُ ولا تُطَلِّقُ لِحَقِّهَا في الْوِطْءِ وَلَهُ جَبْرُهَا عَلى تَجْديدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ وَلَا إن أقَرَّ بِهِ فَقَطْ
(١) وقوله: ولا بفعل دونها كوطء ولا صداق، وإن استمر وانقضت لحقها طلاقه، هو تناقض في نظري، فكيف يصح تصور الإِثم في وطء لا يلزم صاحبه بالصداق؟. وكيف تصور عدم الرجعة بوطء يلحق بموجبه الطلاق في العدة منه؟. إعلم أن الرجعية زوجة بالإِجماع، لا يفتقر في ارتجاعها إلى ولي ولا إلى صداق ولا إلى رضى المرأة ولا إلى علمها، قال ابن قدامة: فالرجعة إمساك للزوجة واستبقاء لنكاحها، ولهذا سمى الله تعالى الرجعة إمساكًا، وسمى تركها فراقًا وسراحًا؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: وإنما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله، فالرجعة تزيل ذلك الشعث وتقطع مضي الطلاق إلى البينونة، فلم يحتج فيها إلى ما يحتاج إليه ابتداء النكاح، ا. هـ. منه بتصرف.
يتحصل منه أن الذي يظهر أنه الصواب أن الرجعة تحصل بالوطء ولو لم ينو به الرجعة كما هو مروي عن سعيد بن المسيب، والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس، والزهري والثوري والأوزاعي، وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي، واشترط مالك واسحاق نية الرجعة به. وإذا علمنا أن الطلاق سبب لحل العصمة مع الخيار، علمنا أن تصرف الزوج بالوطء يرفعه، تمامًا مثل وطء البائع الأمة المبيعة بالخيار.
стр. 954
فِي زِيَارَةٍ بِخِلَافِ البِنَاءِ وَفِي إبْطَالِهَا إن لَمْ تُنَجَّزْ كَغَدٍ أو الآن فَقَطْ. تَأويلَانِ، ولَا إنْ قَالَ مَنْ يَغِيبُ: إنْ دَخَلَتْ فَقَدِ ارْتَجَعْتُهَا. كاخْتِيَارِ الأمَةِ نَفْسَهَا أو زَوْجَهَا بِتَقْدِيرِ عِتْقِهَا، بِخِلَافِ ذَاتِ الشَّرْطِ تَقُولُ: إنْ فَعَلَهُ زَوْجِي فَقَدْ فَارَقْتُهُ. وصَحَّتْ رَجْعَتُهُ إنْ قامَتْ بَينَة على إقْرارِهِ أوْ تَصَرُّفِهِ ومبيتِه فيها. أو قَالَتْ: حِضْتُ ثَالِثَةً. فأقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذبُهَا. أوْ أشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ كَانَتِ انْقَضَتْ أو وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ. وَرُدَّتْ بِرَجْعَتِهِ وَلَمْ تَحْرُمْ عَلى الثَّانِي، وإن لَّمْ تَعْلَمْ بِهَا حَتَى انْقَضَتْ وتَزَوْجَتْ أوْ وَطئ الأمَةَ سَيِّدُهَا فَكَالْوَلِيَّيْنِ. والرَّجْعِيَّةُ كالزَّوْجَةِ إلَّا فِي تَحْرِيمِ الاسْتِمْتَاع والدُّخُول عَلَيْهَا والْأكْلِ مَعَهَا (١)، وصُدِّقَتْ فِي انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأقْراءِ والْوَضْعِ (٣) بِلَا بَمِينٍ ها أمْكَنَ وسُئِلَ النِّساءُ، ولَا يُفِيدُهَا تكْذيبُهَا نَفْسَهَا، ولا أنَّهَا رَأتْ أول الدَّم وَانْقَطَعَ، ولا رؤيَةُ النِّساءِ لَهَا، وَلَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ كسَنَةٍ فقَالَتْ: لَمْ أحِضْ إلَّا وَاحِدَةً. فإنْ كانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ ومَريضَةٍ لَمْ تُصَدَّقْ إلَّا إنْ كَانَتْ تُظْهِرُهُ وحَلَفَتْ فِي كالسِّتَّةِ لَا كالأرْبْعَةِ وعَشْرٍ. ونُدِب الإشْهَادُ (٣)، وأصَابَتْ مَنْ مَنَعَتْ لَهُ (٤)، وشَهَادَةُ السَّيِّدِ كَالْعَدَمِ والْمتْعَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ (٥) لِلرَّجْعِيَّةِ أوْ وَرَثَتِهَا كَكُلِّ مُطَلَّقَةٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ لَا فِي فَسْخٍ كَلِعَانٍ ومِلكِ أحَدِ الزوجَيْنِ إلا مَنِ اخْتَلَعَتْ أو فرِضَ لَهَا وطُلَّقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ أوْ مُخْتَارَةً لِعِتْقِهَا أوْ لِعَيْبِهِ ومُخيَّرةً ومُمَلَّكَةً.
(١) وقوله: والرجعية كالزوجة إلا في تحريم الاستمتاع والدخول عليها والأكل معها، ففي البيهقي: باب الرجعية محرمة عليه تحريم المبتوتة حتى يراجعها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي في مسكن حفصة ﵂، وكان طريقه إلى المسجد، فكان يسلك الطريق الآخر من أدبار البيوت؛ كراهية أن يستأذن عليها حتى=
стр. 955
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= راجعها. ا. هـ.
قلت: هو في الموطإ، ولكن أين الدليل منه على حرمة الاستمتاع بها والخلوة بها والدخول عليها؟. هل هناك فتوى من ابن عمر بذلك؟. أم ذلك إنما أخذ من فعله؟. فإن فعل غير المعصوم لا دليل فيه بتاتًا، وأيضًا فإن وقائع الأحوال إذا توقها الاحتمال كساها ثوب الإِجمال فسقط بها الاستدلال، فإن ابن عمر يمكن أن يكون تحاشى الاستئذان على زوجته ببيت سكناها، بسبب غضبه عليها الذي من أجله طلقها، ويحتمل غير ذلك أيضًا، علمًا بأن الأسوة في أفعال رسول الله فقط وأقواله ﷺ فهو الذي يجب اتباعه في قوله وفعله.
وكيف يستطاع أن يشبه تحريم الاستمتاع بالرجعية بالاستمتاع بالمبتوتة؟. والحال إنه لا خلاف بين العلماء أن لا حذ على من وطن رجعيته، وإن ولده من ذلك الوطء لاحق به. وكيف تشبه بالمبتوتة؟. وقد أذن الشرع لها في التزين والتشوف له. إن التحقيق أنها زوجة في جميم أصررها إلا أنها انعقد لها سبب حل عصمتها أن نقضت عدتها قبل أن يرتجعها زوجها، وإلا فكيف يتصور منع الزوج من الدخول على زوجته والأكل معها والنظر إليها، بل والاستمتاع بها؟. فإن المطلق طلاقًا رجعيًا سماه الله تعالى في تنزيله بَعْلًا بقوله جل من قائل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (١). تأمل. والتوفيق بيد الله.
(٢) وقوله: وصدقت في انقضاء عدة الأقراء ألخ، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٢). الآية. قال أهل التفسير: هو الحيض والحمل؛ فلولا أن قولهن مقبول لم يحرجن بكتمانه، قال ابن قدامة: ولأنه أمر تختص بمعرفته، فكان القول فيه قولها؛ كالنية من الإِنسان فيما تعتبر فيه النية. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: وندب الإِشهاد، الأمر الوارد في ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). الآية. ولا خلاف، بين أهل العلم أن السنة في الرجعة الإشهاد، وأن أصل الأمر للوجوب، غير أن مالكًا ﵀ حمل الأمر هنا على الاستحباب، قال: لأن الرجعة لا تفتقر على قبول المرأة وعلى قبول وليها، فلم تفتقر على شهادة=
стр. 956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= كسائر حقوق الزوج، ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد كالبيع. وهو على الاستحباب عند أبي حنيفة. وهو اختيار أبي بكر من الروايتين عن أحمد بن حنبل.
(٤) وقوله: وأصابت من منعت له، يحتاج إلى تأمل؛ فإذا تقرر أن الإِشهاد مستحب، وأن تمكين الزوجة من نفسها واجب، وأنها إن منعت تلعنها الملائكة حتى يرضى عنها زوجها، فكيف تصور إصابة من ارتكب كبيرة ليحقق مستحبًا؟. فلو قلنا بقول الشافعي بوجوب الإِشهاد … غير أن تقرير استجاب الإِشهاد لا ينسجم مع وصف المانعة من أجده بالإِصابة. والله الموفق.
(٥) وقوله: والمتعة على قدر حاله بعد تمام العدة ألخ، قال في الموطإ: عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول. لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها. وعن مالك عن ابن شهاب أنه قال: لكل مطلقة متعة. قال: وبلغني عن القاسم بن محمد مثل ذلك. قال مالك: ليس للمتعة عندنا حدٌّ معروف عندنا في قليلها وكثيرها. ا. هـ. منه.
ومعلوم أن الأصل في المتعة قوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). فقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معناه أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن. وقد حمل هذا الأمر مالك بن أنس وأصحابه وأبو عبيد والقاضي شريح على الندب لقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. قالوا: لو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين.
وقال جماعة من أهل العلم أن هذا الأمر للوجوب، واستظهر القرطبي في تفسيره هذا القول فقال: لأن عمومات الأمر بالإِمتاع في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وإضافة الإِمتاع إليهن بلام التمليك في قوله تعال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾. أظهر في الوجوب منه في الندب. وأجاب عن قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. بأن ذلك تأكيد لإِيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في عدم الإشراك له، وعدم ارتكاب معاصيه. أنظره إن شئت هنا.
وقد اختلف العلماء أيضًا في عود الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. مَنْ المراد به من النساء؟. فقال مالك وأصحابه. المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دُخل بها، إلا التي لم يدخل لها وقد فرض لها، فحسبها نصف ما فرض لها ولا متعة لها، ولما كانت المتعة لما يصيب =
стр. 957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المرأة من غم الطلاق، فإنهم قرروا أنه ليس للمختلعة والملاعنة متعة؛ لأنها هي التي اختارت الطلاق، وليس في النكاح المفسوخ متعة. قال ابن القاسم: وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فكان هذا الحكم مختصًا بالطلاق دون الفسخ. كذا في القرطبي. وقال ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن زيد، والحسن، والشافعي، وأحمد، وعطاء، وإسحاق، وأصحاب الرأي: المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، مستحبة في حق غيرها. وذكر القرطبي في تفسيره أنه أجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيءَ لها غير المتعة.
والمذهب عند أصحابنا أنه ليس للمتعة حد معروف في قليلها ولا في كثيرها، يمتع كل بقدره؛ هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة. قال القرطبي في تفسيره: وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولم يحددها، وإنما قال جل وعز: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. الآية. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 958
فَصْلٌ في أحكام الإِيلاء
الْإِيلَاءُ (١) يَمِينُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ يُتَصَوَّرُ وقَاعُهُ وَإنْ مَرِيضًا، بمَنْعِ وَطْءَ زوْجَتِهِ وَإنْ تَعْلِيقًا، غَيْرِ المُرْضِعَةِ (٢)، وَإنْ رَجْعِيَّةً، أكْثَرَ مِنْ أرْبْعَةِ أشهُرٍ، أوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ (٣)، وَلَا يَنْتَقِلُ بِعِتْقِهِ بَعْدَهُ.
فصل في أحكام الإِيلاء
(١) قوله ﵀: الإِيلاء يمين مسلم الخ. الإِيلاء في اللغة الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء وأَليةً. وجمع الألية ألايا. وأنشد الجوهري في الصحاح على ذلك قول الشاعر:
قليلُ الألايا حافظ ليمينه … وإنْ سبقَتْ منه الألية برَّتِ
وقال أبو عبد الله القرطبي في التفسير عند قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١). الآية. يقار: آلى يؤلي إيلاء، وتألى تَألِّيًا، وائتلى ائتلاء، أي حلف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ (٢). الآية، وقال الشاعر:
فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدةً … تكون وإياها بها مثلًا بعدي. ا. هـ
وقال ابن دريد:
ألِيَّةً باليعمَلات يرتمي … بها النَّجاءُ بَيْن أجواز الفلا ا. هـ.
والإِيلاء في الاصطلاح الشرعي هو حلف الزوج عدى ترك وطء امرأته. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. الآية. قال القرطبي: وقرأ أبيٌّ وابن عباس. لِلَّذِينَ يُقْسِمُونَ. قال: ومعلوم أن "يقسمون" تفسير "يؤلون".
وقوله: يمين مسلم، ليخرج حلف غير المسلم وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية؛ لأن الغفران والرحمة بالفيئة يخصان الزوج المسلم حرًا كان أو عبدًا.
وقوله: مكلف، وصف مخرج للصبي والمجنون والمغمى عليه والنائم والسكران.
وقوله: يتصور وقاعه، وصف مخرج للمجبوب ومقطوع الذكر ونحو ذلك.=
стр. 959
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقوله: يمنع وطء زوجته، وصف مخرج لأمته أو لأجنبية منه.
وقوله. وإن تعليقًا، يرد عليه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. الآية، لأن الأجنبية الذي يقول في حقها: إن تزوجت فلانة فوالله لا أطؤها سنة مثلًا، ليست من نسائه، والآية إنما خصت هذا الحكم بالذين يؤلون من نسائهم.
(٢) وقوله: وإن مرضعة، قال القرطبي في تفسيره هنا: واختلفوا فيمن حلف ألَّا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها، ولم يرد إضرارًا بها، حتى ينقضي أمد الرضاع، فلم يكن لزوجته عند مالك مطالبة، لقصد إصلاح الولد. قال مالك: وقد بلغني أن عليَّ بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء. وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وقوله الثاني وافق فيه أبا حنيفة الذي يقول: يكون موليًا ولا اعتبار برضاع الولد. وجاء في الموطإ: قال مالك: من حلف لامرأته أن لا يطأها حتى تفطم ولدها. فإن ذلك لا يكون إيلاء، وقد بلغنيب أن عليَّ بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء، أ. هـ. منه بلفظه.
قلت: والقول بأنه إيلاء أجرى على الدليل؛ لأن للمرضع حقًا في الوطء، فإن كانت زوجة كانت من نسائه والله تعالى يقول: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. وقوله: وإن رجعية، قالوا: لأنها كالزوجة يلحقها طلاقه فيصح إيلاؤه منها كغير المطلقة. وخالف اللخمي من أصحابنا في هذا الفرع محتجًا بأن المطلقة طلاقًا رجعيًا لا حق لها في الوطء، والأجل إنما يضرب لمن لها حق في الوطء. أنظر جواهر الإكليل. وقال ابن قدامة في المغني: فإن آلى من الرجعية صح إيلاؤه. وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه.
(٣) وقوله: أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد، ففي الموطإ ما نصه: وإنما يوقف في الإيلاء من حلف على أكثر من الأربعة الأشهر، أما من حلف أن لا يطأ امرأنه أربعة أشهر أو أدنى من ذلك، فلا أرى عليه إيلاء؛ لأنه إذا دخل عليه الأجل. الذي يوقف عنده خرج من يمينه ولم يكن عليه وقف. ا. هـ. منه.
وقال الخرقي: والمولي الذي يحلف بالله ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر، قال ابن قدامة: ولنا أنه لم يمنع نفسه أكثر من أربعة أشهر فلم يكن موليًا؛ كما لو حلف على ترك=
стр. 960
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قبلتها، والآية حجة لنا؛ لأنه جعل له التربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر فما دونها فلا معنى للتربص، لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك. ا. هـ. منه.
وقوله: أو شهرين للعبد، قال في الموطإ عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن إيلاء العبد، فقال: هو نحو إيلاء الحر، وهو عليه واجب، وإيلاء العبد شهران. ا. هـ. منه.
وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا أبو بكر قال: نا أبو عاصم عن الأوزاعي عن الزهري قال: إيلاء العبد على النصف عن إيلاء الحر. ا. هـ ..
ونقل ابن حزم عن عبد الرزاق عن ابراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل أبي طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: قال عمر بن الخطاب: إيلاء العبد شهران. ا. هـ. ونقل عنه أيضًا عن ابن جريج: بلغني عن عمر: إيلاء العبد شهران. قال أبو محمد بن حزم: وصح عن عطاء أن لا إيلاء للعبد دون سيده وهو شهران. وبه يقول الأوزاعي، والليث، ومالك، وإسحاق. ا. هـ. محل الغرض منه. وقال ابن قدامة: وعن أحمد رواية أخرى أن مدة إيلاء العبد شهران، وهو اختيار أبي بكر. وقول عطاء، والزهري، ومالك، واسحاق، لأن العبد على النصف في الطلاق وعدد المنكوحات، فكذلك في مدة الإِيلاء.
ومعلوم أن مذهب الشافعي، وظاهر مذهب أحمد وابن المنذر، أنَّ مدة الإِيلاء في حق الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة سواء. قال ابن قدامة: ولا فرق بين الحرة والأمة، المسلمة والذمية والصغيرة والكبيرة، ا. هـ. منه.
وقال أبو محمد بن حزم: وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء؛ فإن كانت حرة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها أربعة أشهر، وإن كانت أمة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها شهران. وهو قول إبراهيم النخعي، وقتادة، والثوري، وأبي حنيفة، ا. هـ. منه.
стр. 961
كَو اللَّهِ لا أراجِعُكِ (١). أوْ لَا أطؤكِ حَتَّى تَسْأَلِينِي أوْ تَأتِينِىِ، أوْ لَا ألْتَقِىِ مَعَهَا أوْ لَا أغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أوْ لَا أطُؤكِ. حَتَّى أخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ إذَا تكَلَّفَهُ، أوْ فِي هذِهِ الدَّار. إذَا لَمْ يَحْسُنْ خُروجُهَا لَهُ. أوْ إنْ لَمْ أطَأْكِ فأَنْتِ طَالِقٌ، أوْ إنْ وَطِئْتُكِ. وَنوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، وَإنْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا. وَفِي تَعْجِيلِ الطَّلَاقِ إنْ حَلَفَ بالثَّلَاثِ، وَهُوَ الأحْسَنُ. أوْ ضرْبِ الْأجَل؟ قَوْلَانِ فِيهَا، وَلَا يُمْكَّنُ مِنْهُ كَالظِّهَارِ؛ لَا كَافِرٌ وَإِنْ أسْلَمَ إلَّا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا. ولَا لَأهْجُرَنَّهَا، أَوْ لَا كَلَّمْتُهَا. أوْ لَا وَطِئْتُهَا لَيْلًا أوْ نَهَارًا. واجْتَهَدَ وطَلَّقَ فِي لَأعْزِلَنَّ أوْ: لَا أبيتَنَّ.
(١) وقوله: كوالله لا أراجعك. أو لا أطؤك الخ. هو بيان للصيغة التي يكون موليًا بها. والمذهب عند أصحابنا أن كل يمين منعت جماعًا تكون إيلاء كالحلف بالله تعالى.
قال أبو قدامة: وبذلك قال الشعبي، والنخعي، ومالك، وأهل الحجاز، والثوري، وأبو حنيفة، وأهل العراق، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد وغيرهم، قالوا: لأنها يمين منعت جماعًا فكانت إيلاء كالحلف بالله تعالى. ا. هـ. منه.
وقال الإِمام أحمد في الرواية المشهورة عنه: لا يكون موليًا إلا إذا حلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته. قال ابن قدامة: لأن الإِيلاء المطلق إنما هو القسم، ولهذا قرأ أُبيّ ابن عباس: "يقسمون" مكان يُؤلُونَ. وروي عن ابن عباس في تفسير (يؤلون) قال: يحلفون بالله تعالى، هكذا ذكره الإِمام أحمد. قال: والتعليق بشرط ليس بقسم، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ولا يجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربية في باب القسم فلا يكون إيلاء. قال: ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله. وأيضًا قول النبي ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ".
وقوله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكمْ". ا. هـ. منه. واستدل أبو محمد بن حزم على أن الإِيلاء لا يكون إلا بالحلف بالله فقال: برهان ذلك قول =
стр. 962
أوْ تَرَكَ الْوَطْءَ ضَرَرًا وَإنْ غَائِبًا أوْ سَرْمَدَ الْعِبَادَةَ بِلَا أجَل عَلى الأصَحِّ، ولَا إنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بِيَمِينِهِ حُكْمٌ؛ كَكُلِّ مَمْلُوكٍ أمْلِكُهُ حُرٌّ. أوْ خَصَّ بَلَدًا قَبْلَ مِلْكِهِ مِنْهَا. أوْ لَا وَطِئْتُكِ فِي هذِهِ السَّنَةِ إلَّا مَرَّتَيْنِ أوْ مَرَّةً حَتَّى يَطَأَ وتَبْقَى الْمُدَّةُ. وَلَا إنْ حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أوْ إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ. نَعَمْ، إنْ وَطِئَ صَامَهُ بَقِيَّتَهَا، والْأجَلُ مِنَ الْيَمِينِ (١) إنْ كَانَتْ يمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، لَا إنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ، أوْ حَلَفَ عَلى حِنْثٍ فَمِنَ الرفْعِ والْحُكْمِ، وَهَلْ المُظَاهِرُ إنْ قَدَرَ عَلى التَّكْفِيرِ وامْتَنَعَ كالْأوَّلِ؟. وَعَلَيْهِ اخْتُصِرَتْ، أوْ كَالثَّانِي؟ وَهُو الأرجَحُ، أوْ مِنْ تبيُّنِ الضَّرَرِ؟ وعَلَيْهِ تُؤُوَّلَتْ، أقْوَالٌ؛ كَالْعَبْدِ لَا يُرِيدُ الْفَيْئَةَ، أوْ يُمنع الصَّوْمَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ. وانْحَلَّ الإِيلاءُ
= الله : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فهذه الآية تقتضي ما قلنا؛ لأن الألية هي اليمين. وقد صح عن رسول الله ﷺ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ". فصح أن من حلف بغير الله لم يحلف بما أمره الله به فليس حالفًا. قال رسول الله ﷺ : "عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ". ا. هـ. منه.
(١) والأجل من اليمن الخ، هذه المسألة طريقها الاجتهاد إذْ لا نص فيها، وحاصل ما ذكره الفقهاء من أصحابنا فيها ما ذكر الدسوقي هنا قال: والحاصل أن الإِيلاء على ثلاثة أقسام:
- قسم يكون فيه موليًا من يوم حلفه، وذلك إذا حلف على ترك الوطء صراحة أو التزامًا، وكانت يمينه صريحة في المدة المذكورة.
- وقسم لا يكون موليًا إلا من يوم الحكم؛ وذلك الذي يحلف بطلاق امرأته ليفعلن كذا، فلا يكون موليًا حتى يضرب له الأجل من يوم الرفع والحكم.
- وقسم مختلف فيه؛ وذلك إذا حلف على ترك الوطء، وكانت يمينه ليست صريحة في المدة المذكورة بل محتملة لها ولغيرها، فقيل: إن الأجل في هذه من يوم الحكم. وقيل: من يوم الحلف. قال: وهو المعتمد. وقد مشى المصنف على القول الأول تبعًا لابن الحاجب، وقد تعقبه ابن عرفة بأنه خلاف نص المدونه. ا. هـ.
стр. 963
بِزوالِ مِلْكِ من خَلَفَ بِعِتْقِهِ إلَّا أنْ يَعُودَ بِغيرِ إرثٍ كالطَّلاقِ الْقَاصِرِ عن الْغَايةِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهَا لَا لَهَا، وبتعْجِيلِ الْحِنْثِ وبِتَكْفِيرِ مَا يُكَفّر، وإلَّا فَلَهَا ولسَيِّدِهَا إنْ لَمْ يَمْتَنعْ وَطْؤُهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْأجَلِ بالفَيْئَةِ؛ وهِيَ تَغْيبُ الحَشَفَةِ فِي الْقُبُل (١) وافْتِضَاضُ الْبِكْرِ إنْ حَلَّ وَلَوْ مَعَ جُنُونٍ، لَا بِوَطْء بَيْنَ فَخِذيْنِ، وحَنِثَ إلَّا أنْ يَنْوِيَ الفَرْجَ، وَطَلَّقَ إنْ قَالَ: لَا أطَأُ بِلَا تَلَوُّمٍ. وإلَّا اخْتُبِرَ مَرَّةً ومَرَّةً وصُدِّقَ إنِ ادَّعَاهُ، وإلَّا أمِرَ بِالطَّلَاقِ وإلَّا طُلِّقَ عَلَيْهِ، وفيَئَةُ المَرِيضِ والمحْبُوسِ بِمَا ينحَلّ بِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ يَمينُهُ مِمَّا تُكَفَّرُ قَبْلَهُ؛ كَطَلَاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ فِيهَا أوْ فِي غَيْرِهَا، وَصَوْمِ لَمْ يَأْتِ، وعِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَالْوَعْدُ، وبُعِثَ لِلْغَائِبَ وإنْ بِشَهْرَيْنِ، ولهَا العَوْدُ إنْ رَضِيَتْ وتَتِمُّ رَجْعَتُهُ إنْ انْحَلَّ وإلَّا لَغَتْ، وَإنْ أبَى الفَيْئَةَ فِي: إنْ وَطِئْتُ إحْدَاكُمَا فَالْأخْرَى طَالِقٌ. طَلَّقَ الْحَاكِمُ إحْدَاهُمَا. وَفيهَا فيمَنْ حَلَفَ لَا يَطَأُ وَاسْتَثْنَى أنَّه مُولٍ، وحُمِلَتْ عَلى مَا إذَا رُوفِعَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، وَأُوردَ لَوْ كَفَّرَ عَنْهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ وَفُرقَ بشِدَّةِ الْمَالِ وبأنَّ الاسْتِثْنَاءِ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْحَلِّ.
(١) وقوله: وهي تغييب الحشفة في القبل وافتضاض البكر، الضمير في قوله: وهي للفيئة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال القرطبي: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ معناه رجعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. ومنه قيل للظل بعد الزوال فيء؛ لأنه رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. يقال: فاء، يفيء، فيئة وفيوءًا، ويفاق: فلان سريع الفيئة. يعني الجماع. قال الشاعر:
ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له … ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا
ولا خلاف بين أهل العلم أن الفيئة في الاصطلاح الشرعي هي الجماع:
قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر =
стр. 964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= له، فإن كان له عذر من مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه، أو انطلاقه عن سجنه فأبى الوطء فرِّق بينهما إن كانت المدة قد انقضت. قاله مالك في المدونة والمبسوط. انتهى عن تفسير القرطبي.
تنبيه: لا يصح إيلاء الذمي عند أصحابنا، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه عندنا؛ وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان. ا. هـ. من القرطبي.
وقال ابن قدامة: ويصح إيلاء الذمي ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا. وبهذا يقول أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. الآية، ا. هـ. منه بتصرف.
تنبيه: الذي عليه جمهور أهل العلم أنه، سواء كانت اليمين في غضب أو في غير غضب فهو إيلاء. قال القرطبي: هذا قول ابن مسعود، وابن سيرين، والثوري، ومالك، وأهل العراق، والشافعي وأصحابه، وأحمد، إلا أن مالكًا قال: ما لم يرد إصلاح ولد. قال ابن المنذر: وهو أصح، لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء فى حال الغضب والرضا، كان الإِيلاء كذلك، ا. هـ. منه. والله الموفق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عن ركوب البطن في الآدمية. يقال: نزل فلان عن امرأته. أي طلقها. فكأنه نزل عن مركوب. ا. هـ. منه بتصرف.
قال عبد الله القرطبي: حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والمرجب للحكم من تشبيه ظهر محلل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمِّي. أنه مظاهر. وأكثر العلماء على أنه إن قال لها: أنت علي كظهر ابنتي أو أختي ونحو ذلك من ذوات المحارم على التأبيد أنه مظاهر. قال بذلك مالك، وأبو حنيفة، والحسن، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري. وهو رواية عن الشافعي.
والرواية الأخرى عن الشافعي أن القهار لا يكون إلا بالأم وحدها. روى ذلك عنه أبو ثور، وهو مذهب قتادة والشعبي.
والدليل على الظهار قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (١).
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن ماجه في السنن عن عائشة ﵂ قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وهي تقول: أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكر إليك. فما برحت حتى نزل جبريل بقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. الآيات من المجادلة، ا. هـ. بنقل القرطبي.
قال: والذي في البخاري منه عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسوك الله ﷺ ، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات.
وقال أبو عبد الله: قال الثعالبي قال ابن عباس، هي خولة بنت خويلد الخزرجية، كانت تحت أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت، وكانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة فنظر
стр. 969
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت، فغضب عليها. قال عروة: وكان امرءًا به لمم، فأصابه بعض لممه فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمِّي، وكان الإِيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي ﷺ ، فقال لها: "حَرُمْتِ عَلَيْه" فقالت: والله ما ذكر طلاقًا. ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي، وقد نفضت له بطني. فقال: "حَرُمْتِ عَلَيْهِ" فما زالت تراجعه حتى نزلت الآيات.
قال الحسن: إنها قالت: يا رسول الله، قد نسخ الله سنن الجاهلية، وإن زوجي ظاهر مني. فقاك رسول الله ﷺ : "مَا أُوحِيَ إِلَيَّ فِي هذَا شَيْءٌ". فقالت. يا رسول الله، أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي كُلِّ شَيْء وَطُوِيَ عَنْكَ هذَا؟. فقال: "هُوَ مَا قُلْتُ لَكِ". فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. ا. هـ. منه.
وفي مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري ما نصه: عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يُتَايَعُ بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى النبي ﷺ ، قالوا: لا والله. فانطلقت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقار: "أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ"؟ فقلت: أنا بذاك يا رسول الله. مرتين. وأنا صابر لأمر الله ، فاحكم فيَّ ما أراك الله، قال: "حَرِّرْ رَقَبَةً". قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها. وضربت صفحة رقبتي. قال: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ". قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟. قال: "فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكينًا". قلت. والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحْشيْنِ مالنا طعام. قال: "فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعَهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا". فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسُوءَ الرأي، ووجدت عند النبي ﷺ السعة وحسن الرأي، وقد أمرني، أو أمر لي بصدقتكم. أخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وقال محمد -يعني- البخاري: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر. وقال البخاري أيضًا: =
стр. 970
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= هو مرسل. سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر. هذا آخر كلامه، وفيه محمد بن اسحاق وقد تقدم الكلام عليه.
تنبيه: فإن قال: أنت عليَّ كأمي. ولم يذكر الظهار، أو قال: أنت عليَّ مثل أمي. فإن أراد بذلك الظهار كان مظاهرًا، وإن أراد به الطلاق لزمته البتَّةُ عند مالك، وإن لم تكن له نية طلاق ولا ظهار، كان مظاهرًا، قاق القرطبي: لا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق، كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى الظهار. قال: وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البتِّ. ا. هـ. منه.
تنبيه: والظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي حال، من زوج يجوز طلاقه. وقال مالك: من يجوز له وطؤها من إمائه، إذا ظاهر منها لزمهُ الظهار. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم الظهار من الأمة. وذكر ابن العربي إشارة إلى تناقض قولَيْ مالك، قال: لأن مالكًا يقول: إذا قال لأمته: أنت عليَّ حرام، لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم ونصح كنايته؟. قال: ولكن الأمة تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ لأنه أراد محللاتهم، والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبُضع دون رفع العقد فيصح في الأمة، كالحلف بالله تعالى، أنظر القرطبي. وإن قال لأجنبية منه: أنت عليَّ كظهر أمِّي، لزمه الظهار إن نكحها عند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي ومن وافقهما: لا يلزم الظهار من الأجنبية، والدليل إلى جانب من يقول ذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١) والأجنبية ليست من نسائه.
تنبيه: وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ (٢) الآية، حجة على صحة ظهار العبد لأنه من جملة المسلمين، وأحكام النكاح في حقه ثابتة، وإن تعذر عليه العتق والإِطعام فإنه يستطيع الصوم.
وأما المرأة فليس عليها ظهار في قول جمهور العلماء، قالوا: لأن الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد الرجل، وليس بيد المرأة سنه شيء بالإِجماع، ولأن الذ تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣). ولم يقل: واللائي يَظَّهَّرن منكن من أزواجهن. وقال
стр. 971
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأوزاعي: إذا قالت المرأة لزوجها. أنت علي كظهر أمِّي فلانة فهي يمين تكفرها. وبذلك قال اسحاق. وقال الزهري. عليها كفارة الظهار، ولا يحول ذلك بينها وبين زوجها أن يصيبها. وقول المصنف: وحرم قبلها الاستمتاع الخ، يريد به أن المظاهر لا يقرب امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فهو يصدق على الوطء ومقدماته.
وذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم قبل التكفير الوطء ففط، خلافًا للجمهور. والله أعلم. وان وطئ المظاهر قبل أن يكفر استغفر الله تعالى، ووجب عليه أن يمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة عند الجمهور. قال الترمذي. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وهو قول سفيان الثوري. ومالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق. إنما اتيانها قبل اخراج الكفارة محرم؛ ومن أدلة ذلك ما رواه عكرمة عن ابن عباس رجلًا، أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من أمرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفّر. فقال: "ما حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ"؟. قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: "فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ". قال في منتقى الأخبار: رواه الخمسة إلا أحمد، وصححه الترمذي، وهو حجة في تحريم الوطء قبل التكفير بالإِطعام وغيره. وحكى الشوكاني على ذلك الإِجماع. وبالله التوفيق.
وفي حديث سلمة بن صخر الذي تقدم دليل على صحة الظهار الموقت، إذْ ورد فيه أنه قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمِّي حتى ينسلخ شهر رمضان. وفي الحديث أنه أخبر النبي ﷺ بذلك، وأنه وقع عليها في الشهر، فأمره ﷺ بالكفارة. وعلى القول بصحة الظهار الموقت، فإنه إذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة. وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والثوري، واسحاق، وأبي ثور. وهو مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي. وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهارًا مطلقًا؛ لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق. ولكنه محجوج بحديث سلمة بن صخر الذي صححه ابن خزيمة وابن الجارود وحسنه الترمذي.
(١) وقول المصنف: وتتحتم بالوطء وتجب بالعود ولا تجزئ قبله، يريد به، والله تعالى أعلم، أن الكفارة تتحتم وتتخلد بذمة المظاهر بسبب وطئه من ظاهر منها ولو ناسيًا، فلا تسقط عنه بموت ولا فراق، وإنها تجب وجوبًا موسعًا قابلًا للسقوط بعوده لها، وإنها لا تصح ولا تجزئ=
стр. 972
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قبل العود. ثم قال المصنف: وهل هو العزم على الوطء أو مع الإمساك؟ تأويلان وخلاف، ومراده بذلك، والعلم عند الله تعالى، أن أهل العلم اختلفوا في تفسير العوْد؛ فقال بعضهم: العود هو إرادة الوطء، فإن أجمع عليه وجبت الكفارة لكنه ان أجمع على الوطء، ثم سقطت العصمة بموت أو طلاق، سقطت الكفارة. وقال ابن رشد: أصح الأقوال وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن قول مالك ﵁ في المدونة الذي عيه جماعة أصحابه، أن العودة هي إرادة الوطء مع استدامة العصمة؛ فمتى انفرد أحدهما دون الآخر فلا كفارة. وقد اختلف في العود؛ هل هو العزم على الوطء؟. أو هو العزم على الوطء والإِمساك معًا، أو هو الإِمساك وحده؟. أو هو الوطء نفسه؟.
واعلم أن القول بعدم وجوب الكفارة بمجرد الظهار، فلو مات أحدهما، أو حصل فراق بينهما قبل العود فلا كفارة عليه. هو قول عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والحسن والثوري، ومالك، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وهو مذهب الإِمام أحمد. ودليله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية، فأوجب الكفارة بأمرين؛ هما ظهار وعود.
وقال طاوس، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وقتادة: عليه الكفارة بمجرد الظهار؛ لأنه سبب للكفارة وقد وجد، ولأن الكفارة وجبت لقول المنكر والزور، وهو حاصل بمجرد الظهار.
وقال الشافعي: متى ما أمسكها بعد ظهاره زمنًا يمكنه فيه طلاقها فلم يطنقها، فعليه الكفارة.
قالوا: لأن ذلك هو العود عنده.
(٢) وقول المصنف: وهي إعتاق رقبة الخ. دليله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. الآية. أي فعليه إعتاق رقبة، ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، مؤمنة؛ عند مالك والشافعي والإِمام أحمد، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. قالوا: تجزى، الكافرة ومن فيها شائبة رق كالمكاتبة وغيرها.
ودليل الجمهور -في اشتراط الإِيمان في رقبة كفارة الظهار- هو حمل المطلق هنا على المقيد في كفارة القتل، وأيضًا فقد أخرج مسلم والنسائي أن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية فأتيت النبي ﷺ فقلت: عليَّ قبة أفأعتقها؟. فقال لها رسول الله ﷺ : "مَنْ أنا"؟. فقالت: أنت رسول=
стр. 973
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الله. فقال ﷺ : "اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَة". الحديث. ووجه الاستدلال به هو أن رسول الله ﷺ لم يستفصله عن نوع الكفارة التي يُريد العتق عنها، فدل عدم الاستفصال على أن كل كفارة لا يجزئ عنها إلا رقبة مؤمنة؛ لأن المقرر في مباحث الألفاظ أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في الأقوال، قال الشيخ عبد الله بن الحاج ابراهيم العلوي في مراقي السعود:
ونزلن ترك الاستفصال … منزلة العموم في الأقوال
ولا يجزئ عند الجمهور إلا رقبة سالمة من جميع العيوب؛ من قطع وعور وشلل، خلافًا لأبي حنيفة القائل: يجزئ مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين والأعور؛ لأن منفعة الجنس باقية فيه.
فإن عجز عن العتق بأن لم يجد رقبة ولا ثمنها حسًا أو معنى، فعليه صوم شهرين متتابعين، أي فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض؛ قال ابن المسيب، والحسن وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمرو بن دينار، وهو الصحيح من مذهب الشافعي: يبني على ما فات من صومه. وقال مالك بن أنس: إذا مرض أثناء كفارة الظهار بالصوم، بنى على ما فات إذا صح من مرضه.
وقال أبو حنيفة، وهو قول آخر عن الشافعي: يبتدئ الصوم على كل حال. ودليل التكفير بالصوم للعاجز عن الرقبة هو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. الآية، فقد أحمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة أنَ فرضه الصوم؛ وذلك لهذه الآبة ولحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.
ومذهب مالك، وأحمد، والثوري، وأبي عيد وأصحاب الرأي، أنه إن أصابها في ليالي الصوم، أفسد ما مضى من صومه واستأنف الصيام بدليل قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ قالوا: فقد أمر الله بصيام الشهرين المتتابعين قبل المسيس، ولأنه تحريم للوطء فلا يختص به النهار دون الليل كالاعتكاف.
وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو رواية الأثرم عن أحمد: إن التتابع لا ينقطع بالوطء في ليالي الصوم؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها.
فإن دم يستطع الصوم فعليه إطعام ستين مسكينًا، سواء عجز عن الصيام لكبر سن أو لمرض =
стр. 974
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يخاف بالصوم زيادته أو تأخر برئه، أو كان لا يصبر عن الجماع لشدة شبقه؛ لأن أوس بن الصامت
لما أمره النبي ﷺ بالصوم قالت امرأته: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال ﷺ : "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ
مِسْكِينًا" الحديث، وسلمة بن صخر أمره بالصيام فقال: وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ قال ﷺ : "فَأطْعِمْ". نقله إلى الإطعام لما أخبر به من أن به من الشبق ولشهوة ما يمنعه من الصيام، والدليل على ذلك من الكتاب -أي على الانتقال إلى الإطعام لغير المستطيع للصوم- هو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. الآية. أي فمن لما يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مدان بمد النبي ﷺ .
قال القرطبي: فإن أطعم مدًّا بمد هشام -وهو مدان إلا ثلثًا- أو أطعم مدًا ونصفًا بمدِّ النبي ﷺ أجزأه، قال أبو عمر: وأفضل ذلك مدان بمدِّ النبي ﷺ لأن الله لم يقل في كفارة الظهار: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فوجب قصد الشبع؛ لأن إطلاق الإِطعام يتناول الشبع، وذلك لا يحصل عادة بمد واحد إلَّا بزيادة عليه. وروي عن أشهب أنه قال لمالك: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟. قال: نعم؛ الشبع عندنا مدٌّ بمدِّ النبي ﷺ ، والشبع عندكم أكثر، لأن النبي ﷺ دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل.
وقال أحمد: مد من بُرٍّ ومدان من شعير وغير ذلك.
وقاال الشافعي، وعطاء، والأوزاعي: يطعم مدًّا من أي نوع مستدلين بما روى أبو داود بإسناده عن عطاء عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ أعطاه خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا. ولا يجزئ عند مالك والشافعي ومن وافقهما أن يطعم أقل ستين مسكينًا، وقالت أبو حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكينًا واحدًا كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. وبالله تعالى التوفيق.
стр. 975
بَابٌ فِي اللِّعَانِ
إِنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجٌ وَإنْ فَسَدَ نِكَاحُهُ (١)، أوْ فَسَقَا أوْ رُقَّا، لا كَفَرَا، إِنْ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي نَكَاحِهِ وإلَّا حُدَّ، تَيَقَّنَهُ أعْمَى وَرَآهُ غيْرُهُ، وانْتَفَى بِهِ مَا وُلِدَ لستَّة أشْهُر وَإلَّا لَحِقَ بِهِ إِلَّا أنْ يدَّعِيَ الاسْتِبْراءَ. وبِنَفْيِ حَمْلٍ وَإنْ مَاتَ أوْ تَعَدَّدَ الْوَضْعُ أوْ التَّوْأَمُ، بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ كَالزِّنَا وَالْوَلَدِ، إنْ لَمْ يَطأْهَا بَعْدَ وَضْعٍ أوْ لِمُدَّةٍ، لا يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا لِقِلَّةٍ أوْ كَثْرَةٍ. أوْ اسْتَبْرَأها بِحَيْضَةٍ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلى نَفْيِهِ، إلَّا أنْ تَأْتِيَ بِهِ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، أوْ وَهُوَ صَبِيٌّ حينَ الْحَمْلِ، أوْ مَجبُوبٌ، أوْ ادَّعَتْهُ مَغْرِبِيَّةٌ عَلى مَشْرِقِيٍّ. وفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ أوْ لِعَانِهِ خِلَافٌ، وَإنْ لَاعَنَ لِرؤْيَةٍ وادَّعَى الْوَطْءَ قَبْلَهَا وَعَدَمَ الاسْتِبْرَاءِ؛ فَلِمَالِكٍ فِي
الكلام على اللعان
وهو مأخوذ من اللعن. قيل: سمي لعانًا لأن اللعن الطرد والإِبعاد وهو مشترك بينهما. وفيل: لأن الملاعن يقواط: "أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ" (١). واختير لفظ الرجل دون لفظ المرأة. أي اختير اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضًا الذي يبدأ به، وللرجل أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس.
تنبيه: إنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت المرأة كاذبة كان ذنبها أعظم؛ لما فيه من تلوث الفراش، والتعرض لإِلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما.
وقال الحافظ ابن حجر: أجمعوا على مشروعية اللعان، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوى جانب الوجوب.
(١) قوله ﵀: إنما يلاعن زوج وإن فسد نكاحه الخ، هو لقوله تعالى في سورة النور: =
стр. 976
إلْزَامِهِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَنَفْيِهِ أقْوَالٌ، ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُلْحَقُ إنْ ظَهَرَ يَوْمَهَا، وَلَا يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى عَزْلٍ وَلَا مُشَابَهَةٍ لِغَيْرِهِ وإنْ بِسَوَادٍ، وَلَا وَطْءٍ بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ إِنْ أنْزَلَ، وَلَا بِغَيْرِ إنْزَالٍ إنْ أنْزَلَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلْ.
وَلَاعَنَ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ مُطْلَقًا، وَفِي الرُّؤْيَةِ فِي الْعِدَّةِ وَإنْ مِنْ بَائنٍ وَحُدَّ بَعْدَهَا، كَاسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ إِلَّا أنْ تَزْنِيَ بَعْدَ اللِّعَان وَتسْمِيَةِ الزَّانِي بِهَا، وأُعْلِمَ بحَدِّهِ لَا إِنْ كرَّرَ قَذْفَهَا بِهِ، وَوَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُر مُسْلِمٌ أوْ لَمْ يَكُنْ وَقَلَّ الْمَالُ، وَإنْ وَطِئ أوْ أخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعٍ أوْ حَمْلٍ بِلَا عُذْرٍ امْتَنَعَ، وَشَهِدَ باللَّهِ أرْبعًا: لَرَأيْتُهَا تَزْنِي. أوْ: مَا هذا الْحَمْلُ مِنِّي. وَوَصَلَ خَامِسَةً بِلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الْكَاذِبينَ، أوْ: إنْ كُنتُ كَذَبْتُهَا. وأشَارَ
= ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). فقول المصنف: إنما يلاعن زوج، لأن اللعان عند أصحابنا يكون في كل زوجين، حرين كانا أو عبدين، مؤمنين كانا أو كافرين، فاسقين كانا أو عدنين، ولا لعان بين الرجل وأمته ولا بينه وبين أم ولده، وهذا المذهب عند الشافعي، وأصح الروايتين من الإِمام أحمد، وهي التي انتصرها ابن قدامة في المغني، وإن كان لفظ الخرقي يحتمل خلاف ذلك. قال في المغني: فروي أنه يصح من كل زوجين مكلفين؛ سواء كانا مسلمين أو كافرين، أو عدلين أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، واسحاق، إلى أن قال: وذكر القاضي في المجرد أن من لا يجب الحد بقذفها وهي الأمة والذمية والمحدودة في الزنا، لزوجها لعانها لنفي الولد خاصة، وليس له لعانها لإِسقاط القذف والتعزير لأن الحف لا يجب، واللعان إنما يشرع لإِسقاط حد أو نفي ولد، فإذا لم يكن واحد منهما لم يشرع اللعان. قال: ولنا عموا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. الآية، ولأن اللعان يمين فلا يفتقر إلى ما شرطوه كسائر الأيمان، والدليل على أنه يمين قول النبي ﷺ : "لَوْلَا
стр. 977
الأخْرَش أوْ كَتَبَ. وَشَهِدَتْ: مَا رآنِي أزْنِي. أوْ. مَا زَنيتُ. أوْ: لَقَدْ كَذَبَ فيهِمَا. وَفِي الخَامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِن الصَّادِقينَ. وَوَجَبَ أشْهَدُ واللَّعْنُ والْغَضَبُ، وبأشْرَف الْبَلَدِ، وبِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ، ونُدِبَ إِثْرَ صَلَاةٍ، وتَخْوِيفُهُمَا وَخُصُوصًا عنْدَ الْخَامِسَةِ، والْقَوْلُ بِأَنَّهَا مُوجِبةُ الْعَذَابِ (١)، وَفِي إعَادَتِهَا إِنْ بَدَأَتْ خِلَافٌ.
= الأيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". ا. هـ. منه.
وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين، وذلك لأن اللعان عنده شهادة، وهو عند أصحابنا والشافعية يمين؛ فكل من صحت يمينه صح قذفه ولعانه.
قال القرطبي: وفي قوله -يعني قول عويمر: "وَجَدَ مَر امْرَأَتِهِ رَجُلًا" دليل على أن الملاعنة تجب على كل زوجين، لأنه لم يخص رجلًا من رجل ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾. الآية. ولم يخص زوجًا من زوج. وإلى هذا ذهب مالك وأهل المدينة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأيضًا فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق، فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه، واللعان أيمان لا شهادات، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (١) أي أيماننا. وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٢). ثم قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٣) وقال ﷺ : "لَوْلَا الْأيْمَان لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". ا. هـ. محل الغرض منه.
(١) وقوله: وتخويفها وخصوصًا عند الخامسة. والقول بأنها موجبة العذاب، هو لما في مختصر أبو داود للحافظ المنذري عن عكرمة عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله ﷺ بشريك بن سَحْمَاء، فقال النبي ﷺ : "الْبَيِّنَة أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، ففال: يا رسول الله، إذا رأى أحدًا رجلًا على امرأته يلتمس البينة؟. فجعل النبي ﷺ يقول: "البَيِّنة وإلا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فقال هلال: الذي بعثك بالحق إنِّي لصادق، ولينزلن الله في أمري ما=
стр. 978
وَلَاعَنَتْ الذَمِيَّةُ بكَنيسَتِهَا وَلَمْ تُجْبَرْ، وَإنْ أبَتْ أُدِّبَتْ ورُدَّتْ لِمِلَّتِهَا، كَقَوْلِهِ: وَجَدْتُهَا مَعَ رَجُلٍ فِي لِحَافٍ. وتَلَاعَنَا إنْ رَمَاهَا بِغَصْبٍ أوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَأنْكَرَتْهُ أوْ صَدَّقَتْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَظْهَرْ، وَتَقُولُ: مَا زنَيْتُ، ولَقَدْ غُلِبْتُ. وإلَّا الْتَعنَ فَقَطْ كَصَغِيرَةٍ تُوطَأُ، وَإنْ شَهِدَ مَعِ ثَلَاثَةٍ الْتَعَنَ ثُمَّ الْتَعَنَتْ وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ، لَا إنْ نَكَلَتْ أوْ لَمْ يُعْلَمْ بِزَوْجِيَّتِهِ حَتَّى رُجِمَتْ، وَإنْ اشْتَرَى زوجَتَهُ ثُمَّ ولَدَتْ لِستَّةِ أشْهُرٍ فَكالأمَةِ، ولأقَلَّ فكَالزَّوْجَةِ، وحُكْمُهُ رَفْعُ الْحَدِّ أو الأدَبِ في الأمَةِ وَالذَّمِّيَّةِ، وإيجَابُهُ عَلَى الْمَرْأةِ إنْ لَمْ تُلَاعِنْ، وقَطْعُ نَسَبِهِ، وبِلعَانِهِ تَأْبيدُ حُرْمتِهَا (١)، وإنْ مُلِكَتْ أوْ انْفَشَّ حَمْلُهَا، ولَوْ عَادَ إليْهِ قُبِلَ، كَالْمَرْأةِ على الأظْهَرِ، وَإنْ اسْتَلْحَقَ أحَدَ التَّوْأمَيْنِ لَحِقَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةٌ فبطْنَانِ، إلَّا أنَّهُ قَال: إنْ أقرَّ بالثاني وقَالَ: لَمْ أطَأْ بَعْدَ الأوَّلِ. سُئِلَ النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ: إنَّهُ قَذ يَتَأخَّرُ هكَذَا. لَمْ يُحَدَّ.
= يبرئ به ظهري من الحد، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ - فقرأ حتى بلغ- مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما، فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد، والنبي ﷺ يقول: "اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكمَا مِنْ تَائِبٍ؟ ". ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقالوا لها: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت … الحديث. قال أبو داود: وهذا مما تفرد به أهل المدينة وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.
قال المنذري أيضًا: وعن كليب -وهو ابن شهاب- عن ابن عباس أن النبي ﷺ أمر رجلًا، حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا، أن يضع على فيه عند الخامسة، يقول: إنها موجبة. قال: وأخرجه النسائي. ا. هـ.
(١) وقوله. وحكمه رفع الحد أو الأدب في الأمة والذمية، وإيجابه على المرأة إن لم تلاعن، =
стр. 979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقطع نسبه، وبلعانه تأبيد حرمتها، يريد به، والله تعالى أعلم، أن ثمرة اللعان وما يترتب عليه ستة أشياء: ثلاثة على لعان الزوج، منها: رفع الحد عنه لقذفه زوجته إن كانت حرة مسلمة، أو رفع أدبه إن قذف زوجة أمة أو كتابية.
ومنها: إيجاب الحد بموجبه على الزوجة الحرة المسلمة، إن لم تلاعن، أو الأدب إن كانت أمة زوجة أو نصرانية أو يهودية امتنعت عن اللعان.
ومنها: قطع نسب الزوج الملاعن عن حمل ظاهر في الحال أو سيظهر بعد اللعان. ويترتب على لعان المرأة ثلاثة أشياء أيضًا:
منها: رفع الحد عنها أو الأدب.
ومنها فسخ نكاحها.
ومنها تأبيد حرمتها على من لاعنها.
ففي الموطإ ما نصه: قال مالك: السنة عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا، وإن أكذب نفسه جُلد الحدَّ وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا. وعلى هذا السنة عندنا التى لا شك فيها ولا اختلاف. ا. هـ. منه بلفظه.
وفي مختصر أبي داود للمنذري عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحدُكُمَا كَاذِبٌ. لَا سَبيلَ لَكَ عَلَيْهَا". قال: يا رسول الله، مالي؟ قال: "لَا مَالَ لَكَ؛ إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذلِكَ أَبْعَدُ لَكَ". قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
قال الخطابي عند هذا الحديث: قال الشيخ: قوله: "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" فيه بيان وقوع الفرقة بينهما باللعان، خلافًا لقول عثمان البتي: إن اللعان لا يوجب الفرقة. قال: وفيه دلالة على أن الفرقة باللعان متأبدة، ولو كان له عليها سبيل إذا أكذب نفسه لاستثناه، فقال: إلا أن تكذب نفسك، فيكون لك عليها حينئذ سبيل، فلما أطلق الكلام دل على تأبيد الفرقة، ا. هـ. منه بلفظه.
قلت: وفي حديث ابن شهاب الزهري عن سهل بن سعد الساعدي، المتفق عليه: فلما فرغا =
стр. 980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها عويمر ثلاثًا قبل أن يأمره النبي ﷺ .
قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين.
تنبيه: قد يحتج بهذا الحديث من يرى أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان حتى يفرق بينهما الحاكم فيقول: إن الفرقة لو كانت واقعة بينهما لم يكن للتطليقات الثلاث معنى. وما فطن هذا القائل إلى أنه لو كان الأمر كما يقوله لكانت المرأة في حكم المطلقة ثلاثًا، تحل له بعد زوج، وقد أجمع العلماء -كما حكاه المنذري- على أنها ليست كالمطلقات ثلاثًا. فلا تحل له بعد زوج، فكان ذلك دليلًا على أن الفرقة واقعة قبل الطلاق، فكان الأولى أن يحمل قوله: كذبت عليها إن أمسكتها ألخ .. على أنه لما قال له النبي ﷺ "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". وجد من ذلك في نفسه، فقال قولته يريد بها تحقيق ما مضى من الفرقة وتوكيده. ا. هـ. مضمونه أخذًا من الخطابي على مختصر المنذري بتصرف.
وقال الصنعاني في سبل السلام: واستدلوا بما جاء في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "ذلِكُمُ
التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُل مُتَلَاعِنَيْنِ". وقال ابن العربي: أخبر ﷺ بقوله: "ذلِكُمْ" عن قوله: "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" قال: وكذا حكم كل متلاعنين، فإن كان الفراق لا يكون إلا بحكم فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم ﷺ بقوله: "ذلِكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ". قالوا: وقوله: فرق بينهما. معناه إظهار ذالك وبيان حكم الشرع فيه، لا أنه أنشأ الفرقة بينهما، ا. هـ. منه بلفظه.
تتمة: أذكر فيها من حديث الموطإ في الموضوع قال: وحدثني عن مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر أن رجلًا لاعن امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانفتل من ولدها ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بالمرأة، قال مالك: قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قال مالك: السنة عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا، وإن أكذبَ نَفْسه جُلِدَ الحد وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا. وعلى هذا السنة عندنا التي لا شك فيها ولا اختلاف. قال مالك. وإذا فارق الرجل امرأته طلاقًا باتًا ليس له عليها=
стр. 981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فيه رجعة، ثم أنكر حملها، لاعنها إذا كانت حاملًا وكان حملها يشبه أن يكون منه إذا ادَّعته، ما لم يأت دون ذلك من الزمان الذي يشك فيه فلا يعرف أنه منه، قال: فهذا الأمر عندنا والذي سمعت من أهل العلم. قال مالك: وإذا قذف الرجل امرأته بعد أن يطلقها ثلاثًا وهي حامل يقر بحملها، ثم يزعم أنه رآها تزني قبل أن يفارقها، جُلد الحدَّ ولم يلاعنها، وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثًا لاعنها. قال: هذا الذي سمعت. قال مالك: والعبد بمنزلة الحر في قذفه ولعانه، يجري مجرى الحر في ملاعنته، غير أنه ليس على من قذف مملوكةً حدٌّ. قال مالك: والأمة المسلمة والحرة النصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم إذا تزوج إحداهن فأصابها، ذلك أن الله ﵎ يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فهن من الأزواج، وعلى هذا الأمر عندنا. ا. هـ. منه بلفظه.
стр. 982
بَابٌ فِي العدة
تَعْتَدَّ حُرَّةٌ (١)، وَإِنْ كِتَابِيَّةً، أَطَاقَتْ الْوَطْءَ، بخَلْوَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مَجْبُوبٍ. أمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ، وإنْ نَفَيَاهُ، وأخِذا بإقْرارهما (٢)، لا بغَيْرهَا، إلَّا أنْ تُقِرَّ به أوْ يَظْهَرَ حَمْلٌ وَلَمْ يَنْفِهِ، بِثَلَاثَةِ أقْرَاء أطْهَارٍ (٣).
الكلام على العدة
قال ابن قدامة: الأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣).
وأما السنة فقول النبي ﷺ : "لَا يَحِل لِامْرأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أنْ تحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أرْبعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". وقال ﷺ لفاطمة بنت قيس:"اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". في آي وأحاديث كثيرة.
وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها. وأجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٤). قال: ولأن العدة تجب لبراءة الرحم وقد تيقناها ههنا. ا. هـ. منه في المغني.
تنبيه: المعتدات ثلاثة أقسام:
الأول: معتدة بالحمل؛ وهي كل امرأة حامل من زوج إذا فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو موته عنها، سواء كانت حرة أو أمة، مسلمة أو كافرة، فإنها تعتد بوضع حملها ولو بعد ساعة، =
стр. 983
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
الثاني: معتدة بالقروء، وهي كل معتدة من فرقة في الحياة، إذا كانت ذات قرء فإنها تعتد بالقروء لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
الثالث: معتدة بالشهور، وهي قسمان:
١ - من تعتد بالقرء إذا لم تكن ذات قرء؛ لصغر سن أو ليأس من الحيض لكبر أو كانت بغلة -وهي الآيسة من الحيض لغير كبر- فإنها تعتد بالشهور لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. فإن ارتفع حيض ذات القرء ولا تدري سببًا لرفعه، اعتدت بتسعة أشهر للحمل وعدة الآيسة.
٢ - وكل من توفى عنها زوجها ولا حمل بها، سواء كانت الوفاة قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت حرة أو أمة، فإنها تعتد بالشهور لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
تنبيه: قول أكثر أهل العلم أن كل فرقة بين زوجين تعتد فيها المرأة عدة الطلاق؛ سواء كانت بخلع، أو لعان، أو رضاع، أو فسخ بعيب، أو إعسار، أو إعتاق، أو اختلاف دين، أَو غير ذلك. وخالف ابن عباس في عدة الملاعنة قال: تعتد بتسعة أشهر. وأبى ذلك سائر أهل العلم فقالوا: تعتد عدة الطلاق. وقال أكثر أهل العلم: إن المختلعة تعتد عدة الطلاق. ومن هؤلاء: سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة، وخلاس بن عمرو، وأبو عياض، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي.
وقال قوم: إن المختلعة تعتد بحيضة. منهم: عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر، ورواه ابن القاسم عن أحمد. واحتج هؤلاء بما روى ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي ﷺ عدتها حيضة، رواه النسائي.
وحجة الجمهور عموم الآية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وبأن الحديث الذي احتجوا به مرسل. قال أبو بكر: هو ضعيف، ولأنه خالفه قول عمر وعلي ﵄ =
стр. 984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فإنهما قالا: عدتها ثلاث حيض، وقولهما أولى. وأمَّا ما ذكر عن ابن عمر فإنه يعارضه ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عدة المختلعة عدة المطلقة. وهو أصح عنه، ا. هـ. من المغني بتصرف.
(١) قوله ﵀: تعتد حرة الخ .. دليل وجوب العدة بالخلوة ما رواه الإِمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أرخى سترًا أو أغلق بابًا فقد وجب المهر ووجبت العدة. ورواه الأثرم أيضًا عن الأحنف عن عمر وعلي. وسعيدُ بن المسيب عن عمر، وزيد بن ثابت. قال ابن قدامة: وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعًا، وضعف أحمد ما روي خلاف ذلك، قال: ولأنه عقد على المنافع فالتمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام المتعلقة كعقد الإِجارة. قال: ووجوب العدة بالخلوة هو مذهب أحمد، وروي عن الخلفاء الراشدين، وزيد، وابن عمر، وبه قال عروة، وعلي بن الحسين، وعطاء، والزهري، والثوري، والأوزاعي، واسحاق، وأصحاب الرأس، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا عدة عليها؛ لأنها مطلقة قبل المسيس. ا. هـ. أنظر مغني ابن قدامة.
(٢) وقوله: وأخذا بإقرارهما، تقريره، والله أعلم، أن الزوجين إن وقعت بينهما خلوة ونفى كل منهما الوطء فيها، وجبت العدة لأنها حق لله تعالى، ولكنهما يؤاخذان بإقرارهما بنفيه فيما هو حق لهما مما يترتب على الوطء، فتؤاخذ الزوجة بعدم النفقة والكسوة مدة العدة وتؤاخذ بعدم تكميل الصداق، ويؤاخذ الزوج بعدم التمكين من مراجعتها بدون عقد، ويمنع أن يتزوج من يحرم جمعها معها في عدتها ومن تزوج رابعة، ويؤخذان معًا بأن من تأخرت حياته منهما عن صاحبه لا يرثه.
(٣) وقوله ﵀، بثلاثة أقراء أطهار، قال القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في الأقراء فقال أهل الكوفة: هي الحيض. وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبا موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي.
وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي، ا، هـ. وقد عرف من كلام العرب أن العرب تطلق القرء على هذا وعلى هذا. فمن استعمال العرب لفظ القرء في الإِطهار قول الأعشى: =
стр. 985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= أفي كل عام أنت جاشم غزوة … تُسَد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالًا وفي المجد رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا
يعني لما ضاع في تلك الغزوات من أطهار نسائك، حيث إنك لم تنتفع بها لغيبتك عنها.
ومن استعمال العرب لفظ القرء في الحيض، قول الآخر:
يارُب ذي ضغن عليَّ فارضٍ … له قرء .... كقرء الحائض
يعني إنه طعنه حتى صار له دم كدم الحائض.
هذا، وللعرب مَعان أخرى تستعمل في جميعها القرء: ولكن الذي يهمنا في هذا الموضوع هو هذان المعنيان، فإذا علمت ذلك فاعلم أن الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. الآية.
فإن هذه الآية مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فيجب لذلك طلب البيان للمعدود من غيرها، ودليل مذهبنا في قول المصنف: أقراء أطهارٍ؛ هو قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. الآية مع قوله ﷺ لعمر بن الخطاب في قضية ولده عبد الله حين طلق زوجته وهي حائض: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ أنْ تطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". أخرجه مسلم وغيره. وهو نص في الموضوع، فإن معنى آية الطلاق: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾. أي فطلقوهن وقتًا تعتد به، ثم قال: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾. يريد وأحصوا ما تعتد به المطلقة وهو الأَطهار التي تطلق فيها.
ولا خلاف بين العلماء أن من طلق في حال ألحيض لم يطلق في العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، دانه يجب عليه لذلك مراجعتها. ونقل القرطبي عن أبي بكر بن عبد الرحمن قوله: ما أدركنا أحدًا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في أن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة، ولو لحظة، ثم استقبلت طهرًا ثانيًا بعد حيضة، ثم ثالثًا بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة، فإن طلق مطلق في طهر مسها فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقى من ذلك الطهر. ا. هـ. منه بلفظه. =