Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
عَلَامَات تعرفُ: شرب الْخُمُور، واتخاذ الْقَيْنَات والمعازفِ، قَالَ: قتلني اللهُ إِن لم أقتلْك. قَالَ: ولِمَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: رأيتُ فِي الْمَنَام كأنِّي مُقبلٌ عليْك أكلِّمك وَأَنت تُكلِّمُنِي مِن قفاك. فَقَالَ لي المعبِّر: هَذَا رجلٌ يَطأُ بِسَاطك وَهُوَ مُخالِفٌ لَك. قَالَ شريك: إِن رؤْيَاك لَيست برؤْيا يُوسُف بن يعْقُوب. وإنَّ دِمَاءَ الْمُسلمين لَا تُستحلُّ بالأحْلام. فنكّسَ المهديُّ رأسَهُ، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ: أنِ اخُرجْ، فخرجَ وخرجتُ خَلفه. فَقَالَ لي: أمَا رَأَيْت مَا أرادَ صاحبُك أَن يفْعَل؟ فقلْتُ: اسكُتْ فلِلَّهِ أبُوك ﴿﴾ قَالَ ابْن شُبْرمُة لإياس بن مُعَاوِيَة: شكلي وشكلُك لَا يتفقان: أَنْت لَا تشْتهي أَن تسْكُت، وَأَنا لَا أشتهي أنْ أسْمَع. كَانَ طارقٌ صاحبَ شرطةِ خالدِ بن عبد اللهِ القسْري، فمرّ بابنِ شُبْرُمَة وَهُوَ فِي موْكبِه. فَقَالَ ابنُ شُبرمة: سَحابةُ صَيف عَن قَلِيل تقشَّعُ اللهُمَّ لي ديني ولهُمْ دُنْياهُم. فاستعْملَ ابْن شبْرمَة بعد ذَلِك الْقَضَاء. فَقَالَ لَهُ ابنهُ أَتَذكر قَوْلك يومَ مرِّ طارقٌ فِي موْكبهِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَّي إنهمُ يجدُون مثل أَبِيك، وَلَا يجد مِثْلهُمْ أبُوك، إِن أباكَ أكل منْ حلوائِهم وحُطَّ فِي أهْوائِهم. قِيلَ لِشَرِيك: أَكَانَ مُعاوِيةُ حَلِيمًا؟ قَالَ: لَو كَانَ حَلِيمًا مَا سفَّهَ الحقَّ، وَقَاتل عليا. وَقَالَ: لَو كَانَ حَلِيمًا مَا حملَ أبناءَ العَبيد على حُرَمه، ولمَا أنْكح إلاَّ الأكْفاءَ. قَالُوا: وأصوبُ مِنْ ذَلِك قولُ الآخر: كَانَ معاويةُ يتعرَّضُ ويحلُم إِذا أسْمع، ومَن تعرَّض للسَّفه فَهُوَ سَفِيه. قيل للشعبيِّ: مَا أحسنَ البراعة فِي الإماءِ! فَقَالَ: تورُّد ماءِ الْحيَاء فِي وَجه الحُرِّ أحسنُ.
стр. 1017
دخل شريحٌ على بعض الأُمراء، فَقَالَ الأميرُ: يَا جَارِيَة، هَاتِي عوداً. فَجَاءَتْهُ بعُود يضْرب. فَلَمَّا بصُر بِهِ الأميرُ خَجل، وَقَالَ: نِعْم هَذَا أُخذ البارحة مَعَ إِنْسَان فِي الطَّوف. اكسروهُ. ثمَّ صَبر قَلِيلا، وَقَالَ: يَا جاريةُ. هَاتِي عوداً للبخورِ. فَقَالَ شُرَيح: أتخافُ أَن تغلطَ مرّة ثَانِيَة؟ ؟ شهد رجلٌ من جلسان الْحسن بِشَهَادَة عِنْد إِيَاس بن مُعَاوِيَة، فردّه، فَشَكا الرجلُ ذَلِك إِلَى الحَسن. فَأَتَاهُ الْحسن فَقَالَ: يَا أَبَا واثِلةَ، لم ردَدْتّ شَهَادَة فلَان؟ فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد، إِن اللَّهَ يَقُول " مِمَّن ترضوْن مِن الشُّهَدَاء " وَلَيْسَ فلَان مِمّن أرْضى. وَشهد عِنْد عُبيدِ الله بن الْحسن رجلٌ من بني نهْشل على أَمر، فَقَالَ لَهُ: أترْوي قَول الأسْود بن يعْفر: نَام الخلِيُّ فَمَا أحِسُّ رُقادي فَقَالَ لَهُ الرجل: لَا. فَقَالَ: تُردَّ شهادتُه. وَقَالَ: لَو كَانَ فِي هَذَا خيرٌ لروَى شرف أهلِه. جَاءَ رجلٌ إِلَى شُرَيْح فكلَّمه بِشَيْء، وأخفاهُ. فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا أميَّة، مَا قَالَ لَك؟ قَالَ: بِابْن أخي. أَو مَا رَأَيْته أسَّرهُ مِنْك؟ كَانَ شُرَيْح عِنْد زِيَاد - وَهُوَ مَرِيض - فلمَّا خرجَ مِن عِنْده أرسل إِلَيْهِ مسروقُ بنُ الأَجدع رَسُولا وَقَالَ: كَيفَ تركت الأميرَ؟ فَقَالَ: تركتُه يأْمُر وَينْهى. قَالَ مَسْرُوق: إِنَّه صَاحب عويص، فأرجع إِلَيْهِ وأسأَلْهُ: مَا يأْمر وَمَا ينْهَى؟ قَالَ: يأْمُر بِالْوَصِيَّةِ وَينْهى عَن النّوْح. وَمَات ابنُ لشريح فَلم يشْعر بِمَوْتِهِ أحدٌ، وَلم تصرخ عَلَيْهِ صارخةٌ، فَقيل لَهُ: يَا أَبَا أميّة، كَيفَ أَمْسَى ابنُك؟ قَالَ: سكن علزه ورجاهُ أَهله. وَمَا كَانَ مُنْذُ اشْتَكَى أسكن من اللَّيْلَة.
стр. 1018
حكى عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: شهدتُ شريحاً، وجاءته امرأةٌ تخاصم زوجَها، فأَرسلتْ عينيها، فَبَكَتْ. فقلتُ: يَا أَبَا أميَّة، مَا أَظن هَذِه البائسة إِلَّا مظلومةً. فَقَالَ: يَا شعبيُّ، إِن إخْوَة يُوسُف جَاءُوا أباهم عشَاء يبْكُون. كَانَ شُرَيْح إِذا قيل لَهُ: كَيفَ أصبحْت يَا أَبَا أميَّة؟ قَالَ: أصبحتُ ونصفُ النَّاس غضابٌ. تقدم إِلَى شُرَيْح قومٌ فَقَالُوا: إنَّ هَذَا خطب إِلَيْنَا فَقُلْنَا لَهُ: مَا تبيعُ؟ فَقَالَ: أبيع الدوابَّ. فزوَّجَّناه، فَإِذا هُو يبيعُ السنانيرَ. قَالَ: أَفلا قلتُم لَهُ: أيَّ الدَّوَابّ من الدَّواب؟ وَأَجَازَ النِّكَاح. قَالَ الشعْبيُّ: كَانَ شريحٌ: يقولُ: إياكُمْ والجوابَ، فقُلنا لَهُ يَا أَبَا أميَّة. إنَّك لتكُثِر مِن هَذَا. قَالَ: قد آن لكُم أَن تَسلْوني. تقدمَ إِلَى رجلَانِ، فأكثرَ على أحدُهما، فقلتُ: أظنُّك ضَعِيفا؟ قَالَ: مَا عَلي ظنِّك خرَجتُ مِن أَهلِي، فكرهتُ أَن يَجِيء مِنْهُ غيرُ هَذَا فكففتُ عَنهُ. أَتَى عَدي بنُ أَرْطَاة شريحاً ومعهُ امرأةٌ لَهُ من أهل الْكُوفَة يخاصِمُها، فَلَمَّا جَلس بَين يَدي شُرَيْح. قَالَ عدي: أَيْن أَنْت؟ قَالَ: بَيْنك وبيني الحائظِ. قَالَ إِنِّي امْرُؤ من أهل الشَّام. قَالَ: بعيدٌ سحِيق. قَالَ: وإنِّي قدِمتُ الْعرَاق: قَالَ: خيرَ مَقْدم. قَالَ: وَقد تزوّجتُ هَذِه الْمَرْأَة. قَالَ: بالرِّفاءِ والبنين. قَالَ: وإنَّها ولدتْ غُلاماً. قَالَ: ليْهنِك الفارسُ. قَالَ: وَقد أردتُ أَن أنقلها إِلَى دَاري. قَالَ: الْمَرْء أحقُّ بأَهله. قَالَ: قد كنتُ شرطْتُ لَهُ دارها. قَالَ: الشرطُ. أمْلكُ. قَالَ: أقض بيْننا. قَالَ: قد فعلتُ. قَالَ: فعلى مَن قضيت؟ قَالَ: على ابنِ أمِّك.
стр. 1019
انْصَرف شريحٌ يَوْمًا مِن مجْلِس القضاءِ، فلقيهُ رجلٌ، فَقَالَ: أمَا حَان لَك يَا شيخُ أَن تخَاف الله وتستحي،؟ قَالَ: وَيلك! مِن أَي شَيْء؟ . قَالَ: كَبرت سنُّكُ، وفسَد ذِهنُك، وكثرُ نِسيانُك، وادّهن كاتبك وارتشي ابنُك، فَصَارَت الأُمُورُ تجوزُ عَلَيْك. فَقَالَ: لَا واللهِ لَا يَقُولهَا لي أحد بعْدَك. واعَتزل عَن القضاءِ، ولزمَ منِزله: قَالَ الشَّعْبي: أصَاب متأَمِّلٌ أوْ كادَ، وأخطأَ مُسْتعجلٌ أَو كَاد. كَانَ شريحٌ فِي منزل القَضاءِ، فَنظرَ إِلَى رجل من أعوانه قائِمٍ، فَضَحِك فَقَالَ: أتضحك؟ وَيلك، وأنَا أتقلَّبُ بَيْنَ الجنَّة وَالنَّار. أَقَامَ رجلٌ شهوداَ عِنْد شُرَيْح فاستَحلَفه، فتلكَّأ، فَقَالَ لَهُ: سَاءَ مَا تثنى على شهودك. وقضَى شريحٌ بِالْكُوفَةِ سِتِّينَ سنة، ولاه عمرُ بن الْخطاب، وَبَقِي إِلَى أَيَّام الْحجَّاج. كَانَ رجلٌ يُقَال لَهُ خُنَيْس يجلس إِلَى الشعْبي، فتحدَّث الشَّعْبيُّ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ خنيسٌ: أتَّق الله وَلَا تكذب. فَقَالَ لَهُ الشعْبيُّ: ويحكَ يَا خُنَيس مَا أحْوجَكَ إِلَى مُحَدْرَج شديدِ الفتل، ليِّن المَهزَّة، عَظِيم الثَّمَرَة، قد أخذَ مِن عَجْب ذَنَب إِلَى مغرز عنُق، فيوضَعُ على مِثل ذلِك منكَ، فتكثرُ لَهُ رقصَائُك من غير جَذل، قالَ: وَمَا هُوَ يَا أَبَا عَمْرو؟ قَالَ: هُوَ وَالله أمرٌ لنا فِيهِ أرَبٌ، ولَكَ فِيهِ أدبٌ. كَانَ لشريح حائِط مائِلٌ، فَقَالَ لَهُ جارٌ لَهُ: حائطُكَ هَذَا مائِلٌ. قالَ: لَا تُفَارقني أَو يُنْقَض. قَالَ: فنقضَهُ مِن سَاعَته. . فَقَالَ الرجلُ: لَا تعْجَل يَا أبَا أُميَّة. فذاكَ إليْكَ. قَالَ: بعْد أَن أشْهدتَ علَّي؟ قَالَ الشعبْي: وجَّهني عبد الْملك بنُ مَرْوَان إِلَى مِلك الرُّوم، فلماَّ قدِمتُ عَلَيْهِ ودَفعْتُ إِلَيْهِ كتاب عبد الْملك جعل يُسائِلُني عَن أشياءَ، فأُخبرُهَ بهَا، فأقمتُ
стр. 1020
عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ كتب جوابَ كتابي، فلمَّا انصَرفتُ رفعتُه إِلَى عبد الْملك فَجعل يَقْرَؤُهُ، ويتغَّير لونُه، ثمَّ قَالَ: يَا شعْبيُّ: علمتَ مَا كتب الطاغيةُ؟ قلتُ: يَا أميرَ المؤمنينَ. كَاتب الكتُبُ مختومةً وَلم لْم تكُن مختومةً مَا قرأتُها. وَهِي إليكَ. قَالَ: إِنَّه كتبَ: إنّ العجبَ من قوم يكُونُ فيهم مثلُ من أرَسَلتَ بِهِ إلىَّ فيملِّكون غيْرهُ. قَالَ: فقلتُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ذَاك لأنَّه لم يركَ. قَالَ: فَسرِّىَ عَنهُ، ثمَّ قَالَ: حسدني علْيكَ، فأرادَ أَن أقْتلك. سَأَلَ رجلٌ الشَّعْبيَّ، قالَ: أتَشْرَبُ نبيذَ الجرِّ الأخْضر؟ قَالَ: نعمْ، وأشربُ نَبِيذ الدَّن. سَأَلَ رجلٌ الشعْبيَّ عَن رجل لَطم عيْن رجل فشرقتْ أوْاغرَوْقت: مَتى تقاد مِنْهَا. قَالَ الشّعبِيّ: قدِمتُ على عبدِ الْملك، فَمَا رأيتُ أحسن حَدِيثا مِنْه إِذا حدَّثَ، وَلَا أحسَن إنْصاتاً مِنْهُ إِذا حُدِّثَ، وَلَا أَعْلَم مِنْهُ إِذا خُولِفَ، وأخطأتُ عِنْده فِي أَربع: حَدثنِي يَوْمًا بِحَدِيث، فقلتُ: أعِدْهُ عَليّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: أمَا عَلمتَ انه لَا يُستعادُ أميرُ الْمُؤمنِينَ؟ وَقلت لَهُ حِين أذنَ لي عَلَيْهِ: أَنا الشعْبيُّ يَا أميرَ المؤمنينَ. فقالَ: مَا أدْخلنَاكَ حَتَّى عرفْناك. وكنَيتُ عِنْد رجلا فَقَالَ: أمَا علمتَ أَنه لَا يُكنْى أحدٌ عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وسألتُه أنْ يكتبَني حَدِيثا. فَقَالَ: إنَّا نُكْتِبُ وَلَا نَكْتُب. لما أَخذ الحجاجُ الشّعبِيّ - وَكَانَ خرج عَلَيْهِ مَعَ ابْن الأشْعث، قَالَ: يَا شعبيُّ، ألمْ أرفع مِن قدرك، وبلغتُ بك شرف العطاءِ، وأوْفدتُك عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، ورضيتُك جَلِيسا لي ومحدِّثاً؟ قَالَ: بلَى. أصلح اللهُ الأميرَ. قَالَ: فَمَا أخرجك مَعَ ابْن الأشعثِ تُقَاتِلنِي على غير دين وَلَا دُنيا؟ فَأَيْنَ كنت مِن هَذِه الفِتنةِ؟ فَقَالَ: أصلح اللهُ الْأَمِير، أوْحش الجنابُ، وأحْزن بِنَا المنزلُ، واستشعرنا الْخَوْف، واكتحلنا السهر، وفقدنا صالِحَ الإخوان، وشملتنا فتنةٌ لم نَكُنْ فِيهَا بررةً أتقياءَ، وَلَا فجرةً أقوياءَ. فضحِك الحجاجُ، وَعَفا عَنهُ. قَالَ الشعبيُّ: مَنْ أمِن الثٌّقل ثقُل.
стр. 1021
أسْمَع رجلٌ الشّعبِيّ كلَاما، وعدَّد فِيهِ خِصالاً قبيحةً - وَالشعْبِيّ ساكتُ - فَلَمَّا فرغ الرجلُ مٍِن كَلَامه، قَالَ: واللِّهِ لأغيظنَّ مَن أمَرك بِهَذَا إِن كُنت صَادِقا، فغفرَ اللهُ لي، وَإِن كنت كاذِباً فغفرَ اللهُ لكَ. قيل: يَا أَبَا عَامر: ومَن أمرهُ بِهَذَا؟ قَالَ: الشيطانُ. خطب رجل إِلَى قوم، فجاؤوا إِلَى الشّعبِيّ يسألونه عنهُ - وَكَانَ عَارِفًا بِهِ - فَقَالَ: هُوَ وَالله - مَا علمتُ - نافذُ الطَّعنِة، ركينُ الجلسةِ. فزوَّجوهُ، فَإِذا هُوَ خياطٌ. فأتوْهُ، فَقَالُوا. غدرتنا. فَقَالَ: مَا فعلتُ، وَإنَّهُ لَكمَا وصفتُ. وَقيل لهُ وَقد بنى بأهلهِ: كَيفَ وجدت أهلك؟ قَالَ: فلِم أرخيتُ السِّتر إِذن؟ لما قدم الشعبيُّ من الْبَصْرَة قَالُوا لَهُ: وَكَيف تركت إِخْوَاننَا من أهل الْبَصْرَة؟ قَالَ: تركُتهم قد سادَهُم مَوْلَاهُم، وَذَاكَ أَنه اسْتغنى عنهُمْ فِي دُنياهم واحْتاجُوا إِلَيْهِ فِي ديِنهم. يَعْنِي الْحسن الصريَّ. وَكَانَ الشّعبِيّ يقولُ: لَو كَانَت الشَّيعةُ من الطير لكانوا رخماً وَلَو كَانُوا من الدوابِّ لكانوا حَمِيراً. قَالَ العشبي: لَا تُقدِمُوا على أمْر تخافون أَن تقصِّروا فِيهِ، فَإِن الْعَاقِل يحجزُه عَن مَرَاتِب المُقدَّمين مَا يرى من فضائِل القصِّرين. وَلَا تعدُوا أحدا عِدَةً لَا تَسْتَطِيعُونَ إنجازها، فإنَّ الْعَاقِل يحجزه عَن مَحْمدة المواعيد مَا يرى مِن المذمَّة فِي الخُلْفِ، وَلَا تُحدِّثوا أحدا من النَّاس تخافون تكذيبَهُ، فَإِن الْعَاقِل يُسلِّيه عَمَّا فِي الحديثِ مَا يَرى من مَذلَّة التَّكْذِيب، وَلَا تسألُوا أحدا من النَّاس تخافُون مَنعه، فَإِن الْعَاقِل يحجزه عَمَّا نالهُ السائلُ مَا يرى من الدَّناءة فِي الطَّمَع. تحدث الشعبيُّ يَوْمًا عِنْد ابْن عُمر، فَقَالَ: إِنَّه ليحدِّثنا بمواطِن شهدْناها وَغَابَ عَنْهَا، فكأنَّه شَهِدَهَا وغِبْنا عَنْهَا.
стр. 1022
قَالَ الشعبيُّ: تعامل الناسُ فِيمَا بَينهم بالدِّين زَمنا طَويلا، ثمَّ بالوَفاءِ حَتَّى ذهب الوفاءُ، ثمَّ بالمروءة حتَّى ذهبت المروءةُ، ثمَّ بالحياءِ حَتَّى ذهب الحياءُ، ثمَّ صَارُوا إِلَى الرَّغبة والرَّهبةِ. قَالَ: العِلم أكثرُ مِن أَن يُحصَى، فخُذُوا مِن كلِّ شَيْء أحْسَنهُ. وَكَانَ يَقُول: مَا رأيتُ مِثلي: مَا أشاءُ أَن أرى أحدا أعلمَ بِشَيْء منِّي إكلا وجدتُه. وَقيل لَهُ: مَالك لَا تَأتي السُّلطان؟ قَالَ: أخافُ خَصْلَتَيْنِ: طعامهم الطَّيب، ولباسَهم اليِّن. وَكَانَ يَقُول: الخالُ زَيْنَب، والثؤلول شيْنٌ. وَقَالَ: أقلُّ مَا أحسِنُه الشعرُ، وَلَو أنشدتكم شهرا لما فني مَا عِنْدِي. وَذكروا مُعَاوِيَة يَوْمًا عِنْده، فَقَالَ رجل: كَانَ حَلِيمًا. فَقَالَ الشّعبِيّ: وَيحك ﴿﴾ وَهل أغمدَ سيفَه وَفِي قلبه شيءٌ على أحَدٍ، وَلَكِن قل: كَانَت لَهُ سياسةٌ وعَقل. وَقَالَ الشّعبِيّ: إنَّ كرامَ النَّاس أسرعهم مَوَدَّة وأبطؤهم عَدَاوَة مثل الكُوز مِن الفضةِ يبطئُ الانكسار، ويُسرعُ الانجِبَار، وَإِن لئامَ النَّاس أبطؤهم مَودةً، وأسرعُهم عَدَاوَة مثلُ الْكوز من الفَخَّار يسْرع الإنكسار ويبطئُ الانجبار. وَقَالَ ابْن شبْرمَة: مَنْ بَالغ فِي الْخُصُومَة أثِمَ، وَمن قصَّر خصِم. وَقَالَ: منْ لزم العفَاف هَانَتْ عَلَيْهِ موجِدةُ الملُبوك. دخل رجلٌ على عِيسَى بن مُوسَى بِالْكُوفَةِ فكلَّمه، وَحضر عبدُ الله بن شُبْرمة فأعانه، وَقَالَ: أصلحك اللهُ. إنّ لَهُ شرفاً، وبيتاً وقدَماً. فَقيل لِابْنِ شبْرمَة: أتعْرفُه؟ قَالَ: لَا. قالُوا: فَكيف أثنيتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قلتُ: إِن لَهُ شرفاً، أَي: أذُنين ومَنكبين، وبيتاً يأوي إِلَيْهِ، وقدماً يطأُ عَلَيْهَا. وَقَالَ لَهُ رجل: صنعتَ إِلَى فُلان، وصنعت، فَقَالَ: اسْكُتْ، فَلَا خير فِي الْمَعْرُوف إِذا أحصى. وَكَانَ إِذا وُلِدَ لَهُ غُلَام يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ بّاتقِيا، وَاجعَل لذَّته فِي بلدِه.
стр. 1023
قيل: بَينا رقبةُ بن مَصْقلةَ القَاضِي فِي حَلقة إِذْ مرَّ رجل غليظُ العُنق، فَقَالَ لَهُ بعض جُلَسَائِهِ: يَا أَبَا عبد الله، وَهَذَا الَّذِي ترى مِن أعبدِ النَّاس. فَقَالَ رقبةُ: إِنِّي لأرى لهَذَا عُنقُاً قلِّما وقذتها العبادةُ. قَالَ: فَمضى الرجل، ثمَّ عَاد قَاصِدا إِلَيْهِم، فَقَالَ رجل لرقبة: يَا أَبَا عبد الله، أخبرُهُ بِمَا قلت، لَا تكون غيبَة. قَالَ: نعم. أخْبرهُ حَتَّى تكون نميمةً. وَكَانَ رقبةُ يَقُول: أيُّ مجلسٍ المسجدُ لَو كَانَ عَلَيْك فِيهِ إذنٌ! وَقَالَ: مَا رَأَيْت كذبةً أحضر من كذِبِة الَّذين يتّكِئون فِي الْمَسْجِد، فَإِذا أُقِيمَت الصَّلاةُ قلتَ لأَحدهم: نِمت، فَيَقُول: واللهِ مَا نِمتُ وَقد خَرِىَ. وَدخل رقيةٌ الْمَسْجِد الْأَعْظَم، فَألْقى نَفسه إِلَى حلقةِ قوم، ثمَّ قَالَ: قَتِيل فالوذج رحمكم اللهُ. قَالُوا: عِنْد مَن؟ قَالَ: عِنْد من حكم فِي الفُرقة، وَقضى فِي الْجَمَاعَة يَعْنِي بِلَال بن أبي بُردْة. ذكرت الآراء عِنْد رَقَبَة، فَقَالَ: أمّا الرافضةُ فإنَّهم اتَّخذُوا الْبُهْتَان حُجَّةً، والْعضِيهة مغلبةً. وَأما النَّيديَّةُ فَإِنِّي أظنُ الَّذِي وضع لَهُم رأيَهُم امْرَأَة. وَأما الخوارجُ فأعرابٌ جُفاةٌ لَا يعقِلون. وَأما المُرْجئةُ فإنهَّم على دين الْملك وَأما المعتزلةُ فوَاللَّه مَا خرجتُ إِلَى ضيعتي قطُّ إِلَّا ظننتُ إِنِّي لَا أرجعُ حَتَّى يتْركُوا دينهُم. وَقيل لَهُ: إِنَّك لتُكثر الشكَّ. قَالَ: وَهل ذاكُم إِلَّا المحاماةُ عَن الْيَقِين. اخْتصم إِلَى شُريح امْرَأَتَانِ فِي وَلد هِرَّة، فَقَالَ: ألْقُوها مَعَ هَذِه، فَإِن هِيَ قرَّت، ولزَّت، واسبطرَّت فَهِيَ لَهَا. وَإِن هِيَ هرَّت، وفرَّت، وازبأرّت فَلَيْسَتْ لَهَا. وَقَالَ الشّعبِيّ: مَا طلع السماكُ قطُّ إِلَّا غارزاً ذَنبه فِي بُرد.
стр. 1024
وَكَانَ إِذا سُئِل عَن مُعضلة، قَالَ: ربَّاهُ ذاتُ وَبر أعيت قائدَها، وسائقها لَو ألقيت على أَصْحَاب محمَّد لأعضلت بهم. قَالَ شُرَيْح: الْقَضَاء جمْرٌ، فارفع الجمْر عَنْك بعُودين، يَعْنِي: الشَّاهِدين. روى عَن شَقِيق بن سَلمة قَالَ: وَقعت فتنةُ ابنِ الزبير فاعتزل شريحٌ الْقَضَاء، وَقَالَ: لَا أقضِي بني اثْنَيْنِ فِي فتْنَة. قَالَ: فغدوتُ عَلَيْهِ ذَات يَوْم. فقلتُ: يَا أَبَا أُمية، كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: أحمدُ الله العزيزُ الجبّار إِلَيْك: وَقعت الفتنةُ تسع سِنِين فَمَا أخْبرت وَلَا اسْتُخبرت. قلتُ: يَا أَبَا أُميَّة لقد صبرتَ. قَالَ: فيكف بهواي فِي أحدِ الْفَرِيقَيْنِ؟ قَالَ شُرَيْح يَوْمًا لأَصْحَابه: لقد أكلتُ الْيَوْم لَحْمًا قد أَتَى عَلَيْهِ عشرُون سنة. فَقَالُوا: سُبْحَانَ الله. أبدا تأْتينا بالعجائب. فَقَالَ: كَانَت عِنْدِي ناقةٌ قد أَتَت عَلَيْهَا عشرُون سنة، فنحرْتُها، وأكلتُ من لَحمهَا. ورُثى شُرَيْح بجولُ فِي الْأَسْوَاق، والطرقِ، فَقيل: مَا غدَا بِك؟ فَقَالَ: عسْيتُ أَن أنظرَ إِلَى صُورَة حَسَنَة. كَانَ يقالُ: أوَّلُ من أظهر الجوْر من الْقُضَاة فِي الحكم بلالُ بن أبي بردةَ بن أبي مُوسَى، وَكَانَ أميراَ الْبَصْرَة، وقاضيَها. وَكَانَ يَقُول: إِن الرجُلين ليتقدَّمان إِلَيّ، فأَجدُ أحدَهما أخفَّ على قلبِي، فأَقضى لَهُ. وَفِيه يَقُول رُؤُبة: وَأَنت يَا بن القاضِيَيْن قاضٍ يُرِيد أبَاهُ أَبَا بُردةَ. وَكَانَ الحجاجُ وُلَاة القضاءَ حِين استعفى شُريح، فاستشارهُ فِيمَن يولِّيه. فَقَالَ شُريحٌ. عَلَيْك بالشريفِ العفيفِ أبي بردة. وجدُّه أَبُو مُوسَى وَهُوَ قَاضِي عُمر، وأحدِ الْحكمَيْنِ.
стр. 1025
وذُكر أنَّ رجلا جَاءَ إِلَى بِلَال يسْعَى إِلَيْهِ بآخر. قَالَ: فأقعدهُ، وَأرْسل فِي الْمَسْأَلَة عَنهُ. فذُكر لَهُ، أنَّه يُعرفُ بِغَيْر أبيهِ المنتسب إِلَيْهِ. فَقَالَ بلالٌ: أَنا أَبُو عَمْرو، حَدثنِي أبي عَن جدِّي عَن رَسُول الله ﷺ : " إِن السَّاعِي بِالنَّاسِ لغير أَبِيه الَّذِي يُنسب إِلَيْهِ " شهد سوَّارُ بن عبد الله العَنبري عِنْد بِلَال بِشَهَادَة، وشهدَ مَعَه رجلٌ أخرُ لَيْسَ بذاكٍ. فَقَالَ بلالٌ: يَا سوَّارُ، مَا تقولُ فِي هَذَا الرجل؟ قَالَ: إِنَّمَا جئتُ شَاهدا لَا مُزكِّياً. قَالَ: فَحَضَرَ هَذَا مَعَك هَذِه الشَّهَادَة؟ قَالَ: نعم: فأجازهُ. خَاصم رجلٌ خَالِد بن صَفْوَان إِلَى بِلَال، فَقضى الرجلُ عَلَيْهِ. فَقَامَ خالدٌ وَهُوَ يقولُ: سحابةُ صيف عَن قَلِيل تقشَّعُ. فَقَالَ بِلَال: أما إِنَّهَا لَا تتقشع حَتَّى يصيبك مِنْهَا شُؤبوبُ برد، وَأمر بِهِ إِلَى الْحَبْس. فَقَالَ خَالِد: علام تحبسُني؟ فوَاللَّه مَا جنيتُ جِنَايَة فَقَالَ بِلَال: يخبرنا عَن ذَلِك بابٌ مُصمَتٌ، وأقيادٌ ثِقالٌ، وقيِّم يُقَال لَهُ: حفصٌ. قَالَ بِلَال: إِذا رأيتَ الرجل لجُوجاً مماريا، معجَباً بِرَأْيهِ، فقد تمَّت خَسارتُه. كَانَ إياسُ بن مُعَاوِيَة بن قرّة صَادِق الظنّ، لطيفاً فِي الأُمور، وتولىَّ قضاءَ الْبَصْرَة فِي أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز. واختصم إِلَيْهِ رجلَانِ فِي مُطرف خزِّ، وأنبجانِّي، فادَّعى كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا الْمطرف الخزَّ أَنه لَهُ، وأنَّ الأنبجاني للآخرِ. فَدَعَا إِيَاس بِمشْط. وماءٍ، قبلَّ رأسَ كلِّ وَاحِد مِنْهُمَا. ثمَّ قَالَ لأَحَدهمَا: سرِّح رَأسك. فَخرج فِي المُشط غفرُ الْمطرف وَفِي مشط الآخر غفرُ الأبجاني. فَقَالَ: يَا خبيثُ، الأنبجاني لَك. فأمرَّ فَدفع الْمطرف إِلَى صَاحبه. استودع رجلٌ رجلا من أمناءِ إِيَاس مَالا، وَخرج الرجلُ إِلَى مَكَّة. فَلَمَّا رَجَعَ طَالبه بِالْمَالِ فجحده، فَأتى إياساً فأخُبرهُ، فَقَالَ إياسٌ علِم أَنَّك أتيتني؟ قَالَ: لَا. قَالَ فنازعته عِنْد أحد؟ قَالَ: لَا. لَا يعلم أحدٌ بِهَذَا. قَالَ: فانصرِف، واكتب أَمرك ثمَّ عُد إليّ بعد يَوْمَيْنِ. فَمضى الرجل، دَعَا إِيَاس أَمِينه ذَلِك. فَقَالَ: قد
стр. 1026
حضر مَال كثيرٌ، وَأُرِيد أَن أصيِّرَه إِلَيْك أتحصِّننَّ مَنْزِلك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فأَعِدَّ موضعا لِلْمَالِ، وقوماً يحملونه. وَعَاد الرجل إِلَى إِيَاس، فَقَالَ لَهُ: انطلِق إِلَى صاحبِك، فاطلُب مَالك، فَإِن أَعْطَاك فَذَاك، وَإِن جحدك فقْل لَهُ: أنِّي أخُبِر القَاضِي. فَأتى الرجلُ صاحبهُ، فَقَالَ: مَالِي، وَإِلَّا أتيتُ القَاضِي، وشكوتُ إِلَيْهِ. فَدفع إِلَيْهِ مَاله، وَرجع الرّجلُ إِلَى إِيَاس فَأخْبرهُ، وَجَاء الأمينُ لموعِدِه، فزجره إياسُ وَقَالَ: لقد بَان يَا خائن. قَالَ إِيَاس لقوم من أهل مكَّة: قدمنَا بِلَادكُمْ، فَعرفنَا خِياركم، وشراركم قَالُوا: وَكَيف عَرَفْتُمْ؟ قَالَ: كَانَ مَعنا أخيارٌ، وأشرارٌ نعرِفُهم، فلحِق كلُّ جنس بِجِنْسِهِ. كَانَ إياسُ يَقُول: الخبُّ لَا يخدعُني، وَلَا يخدع ابْن سِيرِين، ويخدع الحَسن، ويخدعُ أبي. وتبصروا هِلَال شهرِ رَمَضَان وهم جماعةٌ، وَفِيهِمْ أنسُ بن مَالك وَقد قاربَ المائةَ، فَقَالَ: قد رأيتُه. فَقَالَ إياسٌ: أشِر إِلَى مَوْضِعه. فَجعل يشيرُ، وَلَا يروْنَه. وَنظر إِيَاس إِلَى أنس فَإِذا شَعرةٌ من حَاجِبه بيضاءُ قد انثنتْ، فَصَارَت على عينهِ، فمسَحها إياسٌ وسوَّاها، ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا حمزةَ أرِنا موضِع الْهلَال. فنظرَ، فَنظر، فَقَالَ: مَا أرى شَيْئا. قَالَ رجل لإياس: هَل ترى عَليّ بأْساً إِن أكلتُ تَمرا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَل ترى بأْساً إِن أكلتُ مَعَه كَيُسوماً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِن شربتُ عَلَيْهِمَا مَاء؟ قَالَ: جائزٌ. قَالَ الرجل: فَلم تحرِّم السُّكر وَإِنَّمَا هُوَ مَا ذكرتْه لَك؟ فَقَالَ إِيَاس: لَو صبْبتْ عَلَيْك مَاء. هَل كَانَ يضرُّك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِن نثرتُ عَلَيْك تُرَابا وتبناً، هَل كَانَ يضرُّك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِن أخذتُ ذَلِك، وخلطتُه، وعجنتُه، وجعلتُ مِنْهُ لبنةً عَظِيمَة، فَضربت بهَا رأسَكَ، أَكَانَ يضُرُّك؟ قَالَ: كنت تقتلُني. قَالَ: فَهَذَا مثلُ ذَلِك.
стр. 1027
كَانَ إِيَاس يقولُ: مَن أرادَ الصّلاح فَعَلَيهِ: بحُميدِ الطًّويل وتدرُون مَا يَقُول؟ يَقُول لهَذَا: انقص قَلِيلا، وَلِهَذَا: زد قَلِيلا، فينقطعُ الْأَثر بذلك. وَمن أَرَادَ الفُجورَ فليأْخُذ صالحَ بن خلاف وتدرون مَا يقولُ للمدَّعي عَلَيْهِ؟ : اجحَد مَا عَلَيْك، وللمدَّعِي: ادَّع مَا لَيْسَ لَك. أَتَى إِيَاس حَلقَة من حلقات قُرَيْش فِي مسْجدٍ دمشقَ، فاستولى على الْمجْلس، ورأوْه ذَمِيمًا، باذَّ الْهَيْئَة، فاستهانوُا بِهِ. فَلَمَّا عرفُوه اعتذرُوا إِلَيْهِ، وقالُوا: الذَّنبُ بينَنَا، وَبَيْنك مقسومٌ، فَإنَّك أتيتَنا فِي زيِّ مِسْكين، تكلِّمُنا بِكَلَام الْمُلُوك. أَخذ الحكمُ بنُ أيُّوب إياسَ بن مُعَاوِيَة فِي ظِنَّة الْخَوَارِج، فَقَالَ لَهُ الحكمُ: إِنَّك خارجيٌ مُنَافِق، وأوسَعه شتماً. ثمَّ قَالَ لَهُ: إيتنِي بكَفيل. فَقَالَ: أكْفُل أيُّها الْأَمِير. فَمَا أحَدٌ أعرفَ منكَ بِي. قَالَ: وَمَا عِلمِي بك وَأَنا من أهل الشَّام، وأنتَ مِن أهلِ الْعرَاق؟ فَقَالَ لَهُ إِيَاس: ففِيمَ هَذِه الشَّهادةُ منذُ الْيَوْم؟ فضحِكَ وخلَّى سَبيله. كَانَ ابْن أبي ليلى وِلي الْقَضَاء لبني أُميَّة، وبعدهم لبني الْعَبَّاس. وَقيل: وَهُوَ أول من تولى قضاءَ بَغْدَاد. وَقيل: بل أوَلُ من تولاها من القُضاة شَريك. وَقَالَ سفيانُ بن عُيَيْنةَ: شهد محمدُ بنُ عبد الرَّحْمَن بن الأسودِ عِنْد ابْن أبي ليلى بِشَهَادَة، فتوقَّف فِي شهادتِه. قَالَ ابْن عُيَيْنَة: فناظرتُ. بن أبي ليلى فِي ذَلك، وَقلت لَهُ: أَنِّي لَك بِالْكُوفَةِ رجلٌ مثلهُ؟ ؟ فَقَالَ: هُوَ كذَلك، إلاَّ أنّ الَّذِي شهد بِهِ عظيمٌ، وَالرجل فقيرٌ. قَالَ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا من قَوْله. وأخذَ عَليّ ابنِ أبي ليلى رجلٌ جُلَسائه كلمة، فَقَالَ لَهُ ابنُ أبي ليلى: أهد إِلَيْنَا مِن هَذَا مَا شِئْت. وَكَانَ يقولُ: أحذِّرُكم الثِّقات. دَعَا المنصورُ ابْن أبي ليلى، فأَرادَهُ على الْقَضَاء، فَأبى، فتوعّده إِن لم يفعْل، فَأبى أَن يفعل، ثمَّ إنَّ غدَاء الْمَنْصُور حضرَ، فَأتى فِيمَا أَتَى بصحفة فِيهَا مثالُ رَأس. فَقَالَ لِابْنِ أبي ليلى: خُذ أَيهَا الرجلُ مِن هَذَا. قَالَ ابنُ أبي ليلى: فجعلتُ أضْرب بيَدي إِلَى الشَّيْء، فَإِذا وضعتُه فِي فَمي سَالَ، لَا أحتاجُ إِلَى أَن أمضغهُ. فَلَمَّا فَرغ الرجل جعل يلحسُ الصحفةَ. فَقَالَ لي: يَا محمدُ. أَتَدْرِي مَا كنت تأكُل؟ قلتُ: لَا
стр. 1028
- وَالله - يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: هَذَا مخُّ النِّينان معقودٌ بالسكَّر الطَّبَرزَذ. وَتَدْرِي بكم تقوَّم هَذِه الصَّحفةُ علينا؟ قلت: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: تقومُّ بِثَلَاث مائَة وبضعةَ عشر. أَتَدْرِي: لِمَ ألحسُها؟ هَذِه صفحةُ رَسُول الله ﷺ . وَأَنا أطلبُ البَركةَ بذلك. فَلَمَّا خرج ابنُ ليلى من عِنْده رفعَ رأسَه إِلَى الرّبيع. فَقَالَ: لقد أكل الشَّيخ عِنْدَمَا أَكلَة لَا يفلِحُ بعْدهَا أبدا. فَلَمَّا كَانَ عَشى ذَلِك الْيَوْم رَاح ابنُ أبي ليلَى إِلَى الْمَنْصُور، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فكرتُ فِيمَا عرضت عَليّ، فرأيتُ أَنه لَا يسَعُني خِلافُك. فولاه القضاءَ. ثمَّ قَالَ للربيع: كَيفَ رأيتَ حَدسي؟ روى عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد أنَّه قَالَ: لمَّا أرادَ المنصورُ شريكَ بنَ عبد الله على القضاءِ قالَ: أُرِيد " ُ أَن تكلِّم أميرَ الْمُؤمنِينَ ليُعفيَني. فَقلت لَهُ: إنَّ أَبَا جَعْفَر إِذا عزم أمرا لم تُردّ عَزماتُه. قَالَ: فَلَمَّا قَامَ، وأقَرَّه على الْقَضَاء قلتُ لَهُ: إِن أميرَ الْمُؤمنِينَ المهديَّ ألينُ عَريكةً من الْمَاضِي. فَقَالَ: أما الْآن فلاَ، فَإِنِّي أخْشَى شماتَة الْأَعْدَاء. قَالَ بعضُ أَصْحَاب الحَدِيث: سأَلتُ شَرِيكا عَن النَّبِيذ، فَقَالَ لي أمّا أَنا فَلَا أتركُهُ حَتَّى يكونَ أَسْوَأ عَمَلي. وَقَالَ شريك لرجل: كم تشربُ من النَّبِيذ؟ فَقَالَ: الرِّطلَ والرِّطلين. فَقَالَ: يَا أخي، مَا شربتَه شُرب الفِتيان، وَلَا تركتهُ ترك الْقُرْآن. ذكر عِنْد شَريك العربُ والعجمُ، فغضِب، وَقَالَ ذهبَ العربُ الَّذين كَانُوا إِذا غضِبُوا كفرُوا. وَقَالَ عبدُ الله بنُ مُصعَب الزُّبيري لِشريك: بَلغنِي أَنَّك تشتُم أَبَا بكر وعُمَر. فَقَالَ: وَالله مَا أشتُم الزبير، فَكيف أشتُمُهما؟ مر؟ ّ شريكٌ بِالْبَصْرَةِ - وَكَانَ خرج مَعَ الْمَنْصُور إِلَيْهَا - فسألُوه أَن يُحَدِّثهُمْ
стр. 1029
فَقَالَ: يأْتيني أحدُهم مُشتَمِلاً على أَن يسأَلني الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو عبيدةَ: البلاءُ مُوكَّلِ بالمنطِق. كانَ جدُّ هَذَا: شريك يَعملُ الدّنَّ بوزارةً فَقتل رجلا، وهربَ إِلَى خُراسان، فَقدم ابنُه وادَّعى إِلَى العَرب. وَكَانَ شريك مِنَ النخع وَقيل: إِن جدّه هُوَ سِنَان ابْن أنس قَاتل الْحُسَيْن صلى الله عَلَيْهِ ولَعَن قاتِله. وَلما عُزل شريك عَن القضاءِ قَامَ إِلَيْهِ رجل، فَقَالَ: الحمدُ لله الَّذِي عزَلك فقد كنت تُطيل النَّشوةَ، وتَقبل الرّشوةَ، وتوطىُّ العشوةَ. فَقَالَ رجلٌ فخنقه. فجَعل يَصِيح: قتلِني يَا أَبَا عبدِ الله - جعلني الله فِداك - فَقَالَ شريك: قد ذلَّ مَن لَيْسَ لَهُ سَفيهٌ. وَسُئِلَ عَن أبي حنيفَة، فَقَالَ: أعلَمُ الناسِ بِمَا لَا يكونُ، وأجَهلُهم بِمَا يكونُ. وَدخل على الْمهْدي فَقَالَ لَهُ: يَا شريكُ، بَلغنِي أنَّك فاطميُّ. فَقَالَ: أتحبُّ فاطمةَ؟ أعثرَ الله من لَا يحبُّ فاطمةَ. فَقَالَ الْمهْدي: آمين فَلَمَّا خرج شريكٌ قَالَ المهديُّ لمن عِنْده: لَعنهُ الله، مَا أظنُّهُ إِلَّا عَنَاني. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: أيُّنا أشرفُ: نَحن أم ولدُ عليَّ؟ فَقَالَ شريك أمَّا مثلَ فَاطِمَة حَتَّى تُساويُهم فِي الشَّرف. وَلما دَعَاهُ المهديُّ إِلَى الْقَضَاء قَالَ لَهُ: لَا اصلُحُ لذَلِك. قَالَ: ولَم ذَلِك قَالَ: لِأَنِّي نسَّاءٌ. قَالَ: عَلَيْك بمضغِ اللُّبان. قَالَ: إِنِّي حَدِيدٌ. قَالَ: قد فرض لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ فالُوذَجةَ توقرك. قَالَ: إِنِّي امرُؤ أقضى على الْوَارِد، والصادرِ.
стр. 1030
قَالَ: اقضِ عليَّ، وعَلى وَالِدي. قَالَ: فاكفِني حاشِيتَك. قَالَ: قد فعلتُ. فَكَانَت أول رُقْعة وَردت عَلَيْهِ خالصةُ جاريةُ الْمهْدي. فَجَاءَت لتتقدَّم الخصْم، فَقَالَ: وراءَك مَعَ خصْمِك مِراراً. فأبَتْ. فَقَالَ: وراءكِ بالخَنْاءُ قَالَت: يَا شيخُ، أَنْت أحمقُ. قَالَ: قد أخْبرتُ مَوْلَاك، فَأبى عَلي. فَجَاءَت إِلَى الْمهْدي تَشْكُو إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: الْزميِ بيتَكِ، وَلَا تعْرضي لَهُ. قَالَ ابنُ أبي ليلى: مَا لِقينا مِن هُنئ، كلما تُوجِّهت لنا قضيةٌ نقضَها علينا أَبُو حنيفَة. وَشهد أَبُو حنيفَة عِنْد شريك، فَلم يُجز شهادَته، وَقَالَ: يكف أجيزُ شهادةَ قوم يَزْعمُونَ أَن الصَّلاةَ ليستْ من الْإِيمَان. وَكَانَ بانُ شُبْرُمة يَقُول: لأنْ استعمِلَ خائناً بَصيرًا بعملِه أحَبُّ إليَّ من أَن أسْتَعْمل مُضيِّعا لَا يُبصِر العملَ. وَدخل سوَّارُ بن عبد الله عَليّ الْمَنْصُور - والمصحفُ من حجره، وعيناهُ تهملان - فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم. يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا سوَّارُ، ألاَ مرّة على الْمُؤمنِينَ؟ ؟ هدمتَ ديني، وَذَهَبت بآخرتي، وأفسدت مَا كَانَ من صَالح عَمَلي. قَالَ سَّوارُ: فانتهزتُها فُرصةً، وطلبتُ ثَوَاب الله فِي عظته فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّك جديرٌ بالبُكاءِ، حقيقٌ بطُول الحُزن مَا أَقمت فِي الدُّنْيَا. وَقد استرعاك اللهُ أَمر الْمُسلمين، واستحفظك أَمْوَالهم، يَسْأَلك عَمَّا عملت فِيمَا أسترعاك فِي الْيَوْم الَّذِي أعلمت فِي كِتَابه، فَقَالَ " يَوْمئِذٍ يصدُرُ النَّاس أشتاتاً لُيروْا أَعْمَالهم. فَمن يَعملْ مِثْقالَ ذرَّةٍ خيرا يّرَهُ وَمن يعْمل مِثقْال ذَرَّة شرا يره ". فازداد بُكاءً، وَقَالَ: " يَا لَيْتَني مِتُّ قبلَ هَذَا وكُنْتُ نَسْياً مَنّسياً ". ثمَّ قَالَ يَا سوَّارُ إِنِّي أُعالج نَفسِي، وأُعاتبها مُنْذُ وليتُ أُمُور الْمُسلمين على حمل الدِّرّة على عُنقي، وَالْمَشْي فِي الْأَسْوَاق على قدمي، وَأَن أسدَّ بالجريش من الطَّعَام جوْعتي، وأوارىَ بأَخشن الثِّياب عورتي، وأضعَ قدر من أَرَادَ الدُّنيا، وَأَرْفَع قدْر من أَرَادَ الْآخِرَة، وسعى لَهَا، فَلم تُطْعني، وعصتْني، ونفرتْ نُفوراً شَدِيدا.
стр. 1031
قَالَ سوّار لَا تجتِّسمها يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صعاب الأُمور، وَلَا تُحمِّلها مَا لَا تُطيق، وألزمها أَربع خِصَال تسلمْ لَك دنياك وأخرتُك: أقِم الْحُدُود واحكُم بِالْعَدْلِ، واجْبِ الْأَمْوَال من وُجوهها، واقسمها على أَهلهَا بالحقِّ. خَاصم عبد الله بنُ عبدْ الْأَعْلَى الكريزي مولى لَهُ فِي أَرض إِلَى سوَّار - وَكَانَ جدُّهُ أقطعها جدَّه - فَقَالَ سوار: إِنِّي لأرغبُ بك عَن هَذَا، تُنازعُه فِي أَرض أقطعها جدُّك جدَّه؟ فَقَالَ الكريزي الشحيح أغدرُ من الظَّالِم. فَنَكس سوارُ طَويلا، ثمَّ رفع رأسَه، فَقَالَ: اللهمَّ أردُدْ على قُرَيْش أخطارها. دَعَا الرشيدُ أَبَا يُوسُف القَاضِي لَيْلًا فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة، فأفتاه. فَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم فَقَالَ: إنْ رَأْي أميرُ الْمُؤمنِينَ أَن يأْمر بتعجيلها قبل الصُّبح. فَقَالَ: عجِّلوها لَهُ. فَقيل: إِن الخازن فِي بَيته، والأبواب مغلقةٌ. فَقَالَ أَبُو يُوسُف: وَقد كنتُ فِي بَيْتِي والدروب مُغلقة، فحين دُعي بِي فُتِحتُ وَقَالَ لَهُ الرشيدُ: بَلغنِي أنَّك لَا ترى لُبس السَّواد. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَلم؟ وَلَيْسَ فِي يَدي شيءٌ أعز عَليّ مِنْهُ. قَالَ: مَا هُو؟ قَالَ: السوَاد الَّذِي فِي عَيْني. وسُئل مرّة عَن السَّواد، فَقَالَ: النُّورُ فِي السَّواد - يُرِيد سَواد الْعين وَكَانَ خَالِد بن طليق الخُزاعي قَاضِيا، فاختصم إِلَيْهِ اثْنَان، فَكَانَ أحدُهُما كلما أَرَادَ أَن يتكلَّم غمزه الشرطي أَلا يتَكَلَّم. فَلَمَّا كثُر ذَلِك عَلَيْهِ قَالَ: أيُّها القَاضِي، أتقضي على غَائِب؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ أَنا غائبٌ إِذا لم أترك أَن أتكلَّم. وَكَانَ خَالِد تمياها صلفاً، وَقَالَ يَوْمًا لمُحَمد بن سُلَيْمَان - مَعَ محلِّه وشرفه وثروته - نحنُ وأنتُم فِي الْجَاهِلِيَّة كهاتين. وَجمع بَين إصبعيه. كَانَ عُبيدُ بن ظبْيَان قَاضِي الرَّقَّة، فَجَاءَهُ رجلٌ واستعدَاه على عِيسَى بن جَعْفَر، وَكَانَ الرشيدُ إِذا ذَاك بالرَّقة فَكتب ابنُ ظبْيَان إِلَى عِيسَى أمَّا بعد أَطَالَ الله بقاءَ الْأَمِير وَحفظه وَأتم نعْمَته عَلَيْهِ. أَتَانِي رجلٌ فَذكر أنَّ لَهُ عَلَى الْأَمِير خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم. فَإِن رأى الأميرُ - أعزَّه الله - أَن يحضر مجْلِس الحكم، أَو يُوكِّل وَكيلا يُناظر عَنهُ فعل.
стр. 1032
وَدفع الْكتاب إِلَى الرُّجل، فَأتى بَاب عِيسَى، فَدفع كِتَابه إِلَى الْحَاجِب، فأوصله إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: كُل هَذَا الْكتاب ﴿﴾ فَرجع إِلَى القَاضِي فأخبرَه. فَكتب إِلَيْهِ: أبقاك الله وحفظك، وأتمَّ نعمتهُ عَلَيْك. حضر رجلٌ يُقَال لَهُ فلانُ بنُ فلَان وَذكر أنَّ لَهُ عَلَيْك حقّاً، فصر مَعَه إِلَى مجْلِس الحكم، أَو وَكيلك إِن شَاءَ الله. وَوجه الْكتاب مَعَ عَوْنَيْنِ من أعوانه، فحضرا بَاب عِيسَى، ودفعا الْكتاب إِلَيْهِ، فَغَضب ورمَى بِهِ، فَأَخْبَرَاهُ. فَكتب إِلَيْهِ: حَفِظك الله وأبقاك - لَا بُدَّ من أَن تصير أَنْت وخصمك إِلَى مجلسِ الحُكم، فَإِن أَبيت أنهيتُ ذَلِك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن شَاءَ الله. ووجَّه بِالْكتاب، فرَمى بِهِ عِيسَى. فعادا، وأبلغاهُ، فختم قِمَطُره، وَانْصَرف، وَقعد فِي بَيته. وَبلغ الخبرُ الرشيدَ، فَدَعَاهُ، فَسَأَلَهُ، فأخبرَه بالقِصَّة حَرفا حَرفاً. فَقَالَ لإِبْرَاهِيم بن عُثْمَان صَاحب شُرطته: صِر إِلَى بَاب عِيسَى بن جَعْفَر، فاختم أبوابَه كلَّها، وَلَا يَخرجنَّ أحدٌ مِنْهَا، وَلَا يدخلّنَّ حَتَّى يخرج إِلَيّ الرجل من حَقه، أَو يصير معهُ إِلَى الْحَاكِم. فأحاط إِبْرَاهِيم مَعَ أَصْحَابه بِالدَّار، وَختم الْأَبْوَاب. فظنَّ عِيسَى أَنه قد حَدث للرشيد رأيُ فِي قتلهِ، وَلم يدْر مَا سببُ ذَلِك؟ وارتفع الصِّياحُ، وصراخُ النِّسَاء مِن دَاره، وَقَالَ مِن وَرَاء الْبَاب ادْعُوا أَبَا إِسْحَاق لأكلِّمه. فجَاء إبراهيمُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى وَيلك ﴿﴾ مَا حالُنا؟ فَأخْبرهُ بِالْأَمر فَأمر بِأَن يُحضر خَمْسمِائَة ألفِ دِرْهَم من ساعتها، وتُدفع إِلَى الرجل وَأخْبر الرشيد فَأمر بِفَتْح أبوابه. وَكَانَ عباد بنُ مَنْصُور التاجي على قضاءِ الْبَصْرَة فِي أَيَّام أبي جَعْفَر وَأَصْحَاب الحَدِيث يُضعفون حَدِيثه، ويقولُون كَانَ قدريا. وَتقدم إِلَيْهِ برذوّيْه وَمَعَهُ امرأةٌ تخاصمه فِي مهْرها وَكَانَ جميلَة. فَقَالَ كمْ مهْرُك؟ قَالَ: مِائَتَا دِرْهَم فَقَالَ عباد: وَيحك يَا برذويه ﴿﴾ مَا أرخص مَا تزوَّجْتَها؟ ؟ قَالَ: أفَلا أوليكها أصلحك الله. ذكر أَنه لما حكم وفَرض يحيى بنُ أَكْثَم فرضهُ الْمَشْهُور للغلمان عابه الناسُ
стр. 1033
فَكتب إِلَى المأْمون: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قد أكْرم الله أهل جنَّتِه بِأَن أطاف عَلَيْهِم الغِلْمانَ فِي وَقت كرامته، لفضلِهم فِي الخِدمةِ على الْجَوَارِي، وامتنَّ عَلَيْهِم بذلك. فَمَا الَّذِي بَلغنِي عَاجلا مِن طلب هَذِه الكرامةِ المخصوصِ بهَا أهلُ القُرْبة عِنْد الله؟ ؟ فَوَقع الْمَأْمُون: اذكْر يَا يحيى مِنْ كتاب الله مَا كُنَّا عَنهُ غافلين، فَلَا يُعْترضُ عَلَيْهِ فِيمَا يقدّر من الأرزاق فِي فرْضِه، وَلَا لمبْلغهم فِي العِدادِ، وقُرْب الْوَلَاء، فإنَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ يحبُّ مَا أحبَّ اللهُ، ويرضْاهُ لخاصته. وَكَانَ لَهُ من المأْمون محلٌّ عَظِيم. وَذكر بختيشوعُ أَنه سمع المأْمون يَقُول - لما جَاوز الدّرب بالرقة: يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي لَا آمنُ الحِدْثان، فَإِن كَانَ فيحيى بنُ أكْثم معكُمْ حَتَّى نُبلغكُم مأْمنكُم، ثمَّ تختارُون لأنفسكم. وَرفع مُحَمَّد بنُ عمرَان صاحبُ الْبَرِيد إِلَى الْمَأْمُون ذكر خوْض النَّاس فِي يحيى بن أَكْثَم وَمَا يَقُولُونَ فِي تهتكه. فَدَعَا بِهِ، ثمَّ قَالَ لَهُ: كم تكْثِرُ عَليّ فِي أَمر يحيى؟ رجل فسد عَلَيْهِ عضْوٌ من أَعْضَائِهِ، وَصلح لي؟ أأْستفْسِد؟ ثمَّ سخط عَلَيْهِ. وَكتب فِي مَعْنَاهُ كتابا طَويلا إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم من الثَّغْر يَقُول لِأَبِيهِ: فَلَمَّا استشفَّ أميرُ الْمُؤمنِينَ حَاله وَسيرَته ألفاهُ بَعيدا من الْإِيمَان، قَرِيبا من الْكفْر، لِهجاً باللّواط، مْؤثراً لِلْحَرَامِ على الْحَلَال، قد أعلن الفِسق، وَأظْهر المُرُوق، وجاهر بِالْمَعَاصِي، وأظْهر الملاهي، ورخّص فِي الدَّنِّ، وَخَالف دين الْمُسلمين، فَرَأى أميرُ الْمُؤمنِينَ أَن إخراجهُ من عسْكره، وَبعده من جواره، أسلمُ لَهُ، أصْرف للمكروه عَنهُ، فأسْلُبهُ - قبحهُ اللهُ - القنا والقلْنسُوة، وخُذْ مِنْهُ السَّيف. وَكَانَ المأْمون قد أَمر بِأَن يفْرض لَهُ الحُدود، وَكَانَ الكاتبُ الَّذِي أمرِ فْرضهم يُقَال لَهُ زيدٌ فَقَالَ فِيهِ بعضُهم: يَا زيدُ يَا صَاحب فرْض الْفراش ... أكلُّ هَذَا طلبا للمعاش؟ مَالِي أرى يَا زيدُ حمْلائكُمثبتتْ فِي الدِّفْتر قبل الكباش وَلما خرج المأْمونُ إِلَى الأُردنِّ - وَيحيى مَعَه - شكا الحمالُ الغلمان، وَقَالَ المأُمون: إِنَّه يتظافرُون من محْمل إِلَى محمل، فَقَالَ لَهُ المأْمون: لم لَا تنهاهم؟
стр. 1034
فَقَالَ: لَا ينتهُون. فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّك ترى فيهم مَا يرى يحْيى. وَتقدم المأْمونُ بَين يَدَيْهِ مَعَ رجل ادَّعى عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار. فطُرح للمأْمون مُصلَّي يجلس عَلَيْهِ. فَقَالَ يحيى: لَا تأْخُذْ على خصْمك شرف الْمجْلس، وَلم تكُنْ للرجل بيٍّنةٌ، فَحلف المأْمونُ. فَلَمَّا فرغ وثب يحيى، فَقَامَ على رجْليه، فَقَالَ: مَا أقامك؟ . فَقَالَ: إِنِّي كنتُ فِي حقِّ الله حَتَّى أخذتُه مِنْك، وليَس الْآن من حقِّك أَن أتصدَّر علْيك. فَأعْطى الرجل المأْمونُ مَا ادَّعاه، وَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِينَار، وَقَالَ: خذْهُ إِلَيْك، إِنِّي - واللهِ - مَا كنتُ لأحلِف على فجَرة. ثمَّ أسْمح لَك بِالْمَالِ، فأُفسد ديني ودنيايَ. وَالله مَا دفعتُ إِلَيْك هَذَا المَال السَّاعَة إلاّ خوفًا من هَذِه العامَّة، فلعلها ترى أنْ تناولْتُك من هَذِه القُدرة، ومنعتك حقَّك بالاستطالةِ عَلَيْك. فَأَما الْآن فَإنَّك تعلمُ أَنِّي مَا كنتُ لأسمح بِالْيَمِينِ وَالْمَال. وأمرَ ليحيى بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار. وتصدَّق بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار. وَكَانَ يحيى يَقُول: سياسةُ الْقَضَاء أسدُّ من الْقَضَاء. كَانَ أَبُو خَازِم عبدُ الحميد بن عبد الْعَزِيز الْكُوفِي قَاضِيا للمعتمدِ. ودخلَ إِلَى عُبيْد الله بن سُلَيْمَان، فَسَأَلَهُ عَن النَّبيذِ، فَقَالَ: هُو عِنْد أَصْحَابِي كَمَاء دجْلَة، غيرَ أنَّه يُودِي. وجَرى بينَه وَبَين عُبيد الله شيءٌ، فَقَامَ أَبُو خَازِم عَن الْمجَالِس، وَأخذ قلَنْسُوته عَن رَأسه بِيَدِهِ، فَقَالَ عبيدُ الله: انْظُرُوا مَا صَنَع أبُو خازم، أَخذ قلنسوتَه بِيَدِهِ يُعْلِمنا أَنه مَا يُبالي إنْ عزلتُه. وَمَات فِي أَيَّامه الضّبعيُّ صاحبُ الطَّعَام، وَله أطفالٌ، وَعَلِيهِ ديونٌ، وللمعتضِد عَلَيْهِ أربعةُ آلَاف دِينَار: فَقَالَ المعتضدُ لِعبيد الله بنِ سُلَيْمَان: قل لعبد الحميد أنْ يدْفع إِلَيْنَا هَذَا المالَ من تَرِكَة الضَبعي. فَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ أَبُو خازم: إِن المعتضِدَ كأسوة الغُرمَاءِ فِي تَرِكة الضبعِي. فَقَالَ لَهُ عبيد الله: أَتَدْرِي مَا تقولٌ؟ فَقَالَ أَبُو خازم: هُوَ مَا قلتُ لَك. وَكَانَ المعتضد يلحُّ على عُبيد الله فِي اقْتِضَاء المَال: وعبيدُ الله يؤخِّرُ مَا قَالَ
стр. 1035
لَهُ أَبُو خازم فَلَمَّا ألحَّ عَلَيْهِ أخبَرهُ بِمَا قَالَ أبُو خازم، فأطَرق المعتضدِ، ثمَّ قَالَ: صدَق عبد الحميد، هُوَ كَمَا قَالَ نَحن كَسَائِر الغُرماء وأسْوتهم. تقدم رجل إِلَى أبي خازم، وقدَّم أباهُ يطالبُه بدين لَهُ عَلَيْهِ. فَأقر الأبُ بذلك. فَأَرَادَ الأبنُ حبس أَبِيه بِالدّينِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِم: هَل لأَبِيك مَال؟ قَالَ: لَا أعلمهُ. قَالَ: فُمْذ كمْ داينْتَهُ بِهَذَا المَال؟ قَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فقد عرضتُ عَلَيْك نَفَقَة أَبِيك من وَقت المُدانية. فحبس الابْن، وخلَّي عَن الْأَبَد. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بنُ إسحاقُ قَاضِيا للمعتمد بِمَدِينَة السَّلَام. فَدخل على الْمُوفق، فَقَالَ لَهُ: يَا إسماعيلُ: مَا تَقول فِي هَذَا النَّبِيذ؟ فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الأميرُ، إِذا أصبح الإنسانُ وَفِي رَأسه مِنْهُ شَيْء. قَالَ مَاذَا؟ قَالَ الْمُوفق: يقُولُ: أَنا مخمورٌ. قَالَ: فَهُوَ كاسمه. قدم البلاذُري إِلَى الْحسن بن أبي الشَّوَارِب فِي ديْن عَلَيْهِ، فادَّعى غريمهُ مِائَتي دِينَار. فَذكر البلاذري مُعَاملَة بَينهمَا. وَعَادَة جرت بالنّظرة. فَقَالَ لَهُ القَاضِي: أنظرهُ. فَقَالَ: لم أطالبه إِلَّا وَقد علمتُ السَّاعَة نعْمَته. فَقَالَ البلاذري: صدق أَيهَا القَاضِي، إِنِّي من الله لفي نعم، لَا أقومُ بشكرها، أَولهَا: نعمةُ الْإِسْلَام - وَهِي الَّتِي لَا تعدلُها نعمةٌ. ثمَّ نعمةُ الْعَافِيَة - هِيَ أفضلُ النِّعم بعدَها - وَمَا يُقضي من هَاتين الدينُ. فَقَالَ القَاضِي لغريمه: انْصَرف، ورُحْ إِلَى فراح إِلَى القَاضِي، فَأعْطَاهُ عَنهُ مِائَتي دِينَار. كَانَ يحيى بنُ سعيد الْأنْصَارِيّ قَاضِيا للرشيد، وَكَانَ خَفِيف الْحَال وَكَانَ لَهُ مجْلِس من السُّوق. فَلَمَّا ولي القضاءَ، وارتفع شأْنُه لم يتْرك مَجْلِسه فِي السُّوق. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: مَن كَانَت لَهُ نفسٌ واحدةٌ لم يغيَّره الإقتارُ، وَلَا المالُ. كَانَ البَرْقيُّ عفيفاً، صَالحا، وَولي قَضَاء مَدِينَة السَّلَام أَيَّام الْمُعْتَمد، وَكَانَ قد ولاه قبل ذَلِك يحيى بنُ أَكْثَم. فَقيل لَهُ: وليتَ البرقي القضاءَ - وَهُوَ رجلٌ من أهل السوَاد؟
стр. 1036
فَقَالَ يحيى: ألم تسمع قَول الله تَعَالَى: " وَمَا أرسلْنا مِن رَّسُول إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه " قَالَ بعضُهم: رأيتُ البرقيّ يَوْمًا. هُوَ يقْرَأ علينا شَيْئا من حَدِيث سُفْيانَ - فَقَالَ لَهُ رجل كَانَ مَعنا: يَا أَبَا الْعَبَّاس. فَقَالَ إِلَيْهِ البرقي، وَضرب لحيته، وَقَالَ لَهُ: أَنا قَاض مُذ كَذَا وَكَذَا سنة ﴿﴾ تقولُ: هيا يَا أَبَا الْعَبَّاس. وَذكر أَن البرقي صَار إِلَى عبد الْعَزِيز الْهَاشِمِي - وَكَانَ صديقهُ - فَهُوَ مَعَه جالسٌ إِذْ دخل عَلَيْهِ رجلٌ فَسلم، وقعدَ، فَقَالَ لَهُ عبدُ الْعَزِيز: مَا خبرُك؟ قَالَ: قد وليت السَّواني لأسني المَاء للْحَاج. ثمَّ دَعَا بكُوز من مَاء فشربهُ. ثمَّ صَبر سَاعَة، فَدَعَا بكوز آخر فشربه، ثمَّ صَبر سَاعَة، ودعا بكوز آخر - والبرقيُّ يراهُ - فَقَالَ لعبد الْعَزِيز: يَا أَبَا الْقَاسِم، هَذَا قد وَلي السواني. لَئِن خرج هَذَا إِلَى مَكَّة ليشربن كل مَا يسنى. كَانَ عبد الْملك بنُ عُمَيْر قَاضِي الْكُوفَة، فهجاهُ هُذيلٌ الْأَشْجَعِيّ بِأَبْيَات فِيهَا: إِذا ذاتُ دلٍّ كلمتهُ بحاجة ... فهم بِأَن يقْضِي تنحنح أَو سعل فَكَانَ عبدُ الْملك يَقُول: قاتلهُ الله. وَالله لرُبما جائتني النحنحةُ وَأَنا فِي المتوضأ، فأذكرُ مَا قَالَ فأردُّها. قَالَت امرأةٌ لشُريح: إِنَّك قضيت على وظلمتني - وَالله يدخلُك النَّار. فَقَالَ شريحٌ لَهَا: أما أَنا فَلَا أدخُلُها إِلَّا بعد سَبْعَة، وهم: الَّذِي عَلمنِي، وَالَّذِي ولاني، وَالَّذِي جَاءَ بك إِلَيّ، والشاهدان والمُزكِّيان. قَالَ الوايق لِأَحْمَد بن أبي دُواد: إِن حوائجك، ومسائلك تستنفد بيُوت الْأَمْوَال. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أتخافُ الْفقر وَالله مادتُك. قَالَ بعضُهم: سَمِعت ابْن أبي دُواد يقولُ: إين لأكرهُ أَن أكلِّم الخلفاءَ بِحَضْرَة ابْن الزيات خوفًا من أَن أعلِّمه التأتِّي لَهَا. وَكَانَ المعتصمُ غضب على خَالِد بن يزِيد بن مزِيد. فَلم يزل بِهِ أحمدُ بن أبي
стр. 1037
دواد حَتَّى عَفا عَنهُ، وَأَعْطَاهُ، وولاه، وَخرج على النَّاس بِالْخلْعِ وهم ينتظرون رأسهُ. فَقَامَ بعد ذَلِك رجلٌ إِلَى خَالِد، فَقَالَ: يَا سيِّد الْعَرَب فَقَالَ: ذَلِك ابنُ أبي دُواد. وَكَانَ أَبُو العيناء يَقُول: كَانَ أحمدُ بنُ أبي دُواد إِذا رأى صديقه مَعَ عدوِّه صديقهُ. وَقَالَ أَبُو العيناء: مَا رأيتُ مثل ابْن أبي دُواد من رجل قد مُكِّن من الدُّنْيَا ذَلِك التَّمْكِين، كنت أراهُ فِي مجْلِس سقفُه غير مُغرى، جَالس على مسح وأصحابُه مَعَه يتدَّرنُ القميصُ عَلَيْهِ فَلَا يبدَّلهُ، حَتَّى يعاتبَ فِي ذَلِك، لَيست لَهُ همةٌ وَلَا لذةٌ من لذات الدُّنْيَا إِلَّا أَن يحمل رجُلاً على مِنْبَر، وَآخر على جذع. وَقَالَ لَهُ المعتصمُ فِي أَمر الْعَبَّاس بن المأْمون: يَا أَبَا عبد الله، أكرهُ أَن أحبسه، فأهتكه وأكرهُ أَن أَدَعهُ فأُهمله. فَقَالَ لَهُ ابْن أبي دُواد: الحبسُ - يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ - فَإِن الِاعْتِذَار خيرٌ من الاغترار. وَكَانَ الأفشين يحسدُ أَبَا دُلف، ويبغضُه للغربية، والشجاعة أَبَا والجُود. فاحتال عَلَيْهِ حَتَّى شُهد عَلَيْهِ بخيانة فَجَلَسَ لَهُ، وأحضرهُ، وأحضر السياف لقَتله. وَبلغ ذَلِك أَحْمد بن أبي دواد، فَركب مَعَ من حَضَره من عُدْوله. وَدخل على الأفشين وَقد جِيءَ بِأبي دلفُ ليُقتل. فَوقف، ثمَّ قَالَ: إِنِّي رسولُ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك بألا تحدث فِي الْقَاسِم حَدثا حَتَّى تحمله إِلَيْهِ مُسلما. ثمَّ الْتفت إِلَى العُدُول، فَقَالَ: أشهدوا أَنِّي أديتُ الرسالةَ والقاسُم حَيّ مُعافى. وَخرج فَلم يقدم الأفشينُ عَلَيْهِ. وَصَارَ ابنُ أبي دواد من وقته إِلَى المعتصم، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد أديتُ عَنْك إِلَى الأفشين رسالةٌ لم تقُلها لي، لَا أعتدُّ بِعَمَل عملته خير مِنْهَا، وَإِنِّي لأرجُو لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بهَا الْجنَّة. وَخَبره الْخَبَر، فصوب رَأْيه، وَأمر بالإفرج عَن أبي دُلف. . وَكَانَ أحمدُ بنُ أبي دُواد بعد ذَلِك يقرَّظُ أَبَا دلف ويصفُه للمعتصم، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الله، إِن أَبَا دلف حَسنُ الْغناء، جيِّدُ الضَّرْب بِالْعودِ فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، القاسمُ فِي شجاعته وبيته فِي الْعَرَب يفَعلُ هَذَا ﴿﴾
стр. 1038
ثمَّ أحب المعتصمُ أَن يَسمعهُ ابنُ أبي دُواد. فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: يَا قاسْم، غنّني. فَقَالَ، وَالله مَا أستطيعُ ذلكَ - وَأَنا أنظرُ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ - هَيْبَة وإجلالاً. قَالَ: فاجلس من وراءِ ستارة. فَفعل وغنى. وأحضر ابْن أبي دُواد، وأجلَسه وَقَالَ: كَيفَ تسمعُ هَذَا الْغناء؟ قَالَ: أميرُ الْمُؤمنِينَ أعلمُ بِهِ، ولكنِّي أسمعُ حسنا. فغمز غُلَاما، فهتك السِّتارة، فَإِذا أبُو دلف. فَلَمَّا رأى أَبُو دلف ابْن أبي دُواد وثب قَائِما، وَاقْبَلْ على ابْن أبي دُواد، فَقَالَ: إِنِّي أجُبرتُ على هَذَا. فَقَالَ: مَا ماجنُ. لَوْلَا دربتُك فِي الْغناء، منْ أينَ كنت تَأتي مثل هَذَا؟ هبْك أجُبرْت على أَن تُغني، مَنْ أجُبرَك على أَن تُحسن؟ ذكر ابنُ أبي دواد أَبَا الهذيْل، فَقَالَ: كلامُه مُطلٌّ على الْكَلَام كإطلال الغَمام على الْأَنَام. لما مَاتَ عبدُ الله بن طَاهِر قَالَ الواثقُ لأحَمد بن أبي دُواد: قد عزمتُ يَا أَبَا عبد الله - على أَن أقَلِّد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم خُرَاسَان. فَقَالَ: لرأي أَمِير الْمُؤمنِينَ فضْلُه، غير أَنِّي رأيتكُم تحفظُون الأخْلافَ للأسلاف. فَقَالَ: حسْبُك. وَعقد لطاهر بن عبد الله. قَالَ العدلي الشِّطْرنجي للواثق: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. مَا قَمرني فلانٌ إِلَّا أَنِّي كنت سكْرانَ. فَقَالَ لِابْنِ أبي دُواد: يَا أَبَا عبد الله. فأقم عَلَيْهِ الْحَد. قَالَ: وَلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قد أقرَّ على نَفسه بالسُّكْر. فَقَالَ: هَذَا إقرارُ افتخار لَا إقرارُ اعْتِرَاف. قَالَ يحيى بنُ أَكْثَم: نلتُ القضاءَ، وقضاءَ القُضاة، والوزارة، مَا سُررتُ بِشَيْء مثل قَول المُستمْلي: من ذكرتَ - رَحِمك الله؟ دخل عبدُ الرَّحْمَن بنُ إِسْحَاق القَاضِي على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الظَّاهِرِيّ، فَبينا هُوَ يخاطبُه إِذا وَقعت عينُه على قِطْعَة وتر للعود كانتْ على البَساط، فَأَخذهَا، وَجعل يلفُّها على يَده، ويبعثُ بهَا سَهْوا. ورآهُ إِسْحَاق فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد: لَا
стр. 1039
تغلطْ، وتخرجْ وَفِي يدك مَا فِيهَا، فتلْقَى من الْعَامَّة مِثْلَمَا لَقينَا مِنْك. فاستحى عبدُ الرَّحْمَن وَأَلْقَاهَا، وَضرب إسحاقُ الفراشين ألْف مقْرعة بِهَذَا السَّبب. لما قَالَ دِعْبلُ فِي المعتصم: ملوكُ بَنِي العباسِ فِي الكُتب سبعةٌ ... وَلم يأتينا فِي ثامن لَهُم كُتبُ كَذَلِك أهلُ الْكَهْف فِي الْكَهْف سبعةٌ ... خِيَار إِذا عُدُّوا وثامنُهم كلبُ لقد ضَاعَ أْمرُ النَّاس حِين يسُوسُهم ... وصيفٌ وأشْناسٌ وَقد عظُم الخطبُ نذر المعتصمُ دمَه، وطُلب طلبا شَدِيدا، فتوارى وهرب. فَسمع ابنُ أبي دواد المعتصم يَوْمًا يَقُول: لأقْتلن دْعَبلا. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: هجاني. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. إِن دعبلا شريفٌ، وَعِنْده من الْفضل مَا يردَهُ عْن هَذَا. وَلَكِن أَخْبرنِي من المُبْلغُ لَك ذَلِك عنْه؟ قَالَ: عمِّي إبراهيمُ الْمهْدي. قَالَ: أَتَاك الخبرُ، أنَّ إِبْرَاهِيم موتورٌ، فَفِي حُكْمك قبولُ قَول حاقد مُحْفظَ. قَالَ: معاذَ الله. قَالَ: إِن دعبلاً هتك إِبْرَاهِيم عمَّك بقوله أَيَّام تولِّيه الْخلَافَة: إِن كانَ إبراهيمُ مُضْطلعاً بهَا ... فَلتصلُحن من بعده لمخارق ولتَصْلُحَنْ من بعد ذَاك لزلزلٍ ... ولتصلحن من بعده للمارق فَضَحِك وقَال: أجلْ. إِن كانَ إبراهيمُ خليفةٌ فمخارق وليُّ عْهد، وَقد صفَحنَا عمَّا أَردْنا. قَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أجلٌّ من أَن يعْمُرَ قلباً بحزْن ساخطاً، وَلَا يعمره بسرور رَاضِيا. قَالَ: فاحكُمْ يَا أَبَا عبد الله. قَالَ: خَمْسُونَ ألف دِرْهَم يرمٌّ بهَا حَاله. فَقبض المَال، وأنفذ الكتابُ إِلَى مصرَ، وَكَانَ دعبلٌ بهَا فلمْ يشكْرهُ دعبل وكافأه بِأَن قَالَ فِيهِ: سحقتْ أمُّهُ ولاط أبُوه ... لَيْت شعْري عَنهُ، فمنْ أَيْن جَاءَ؟ فِي أهاج كَثِيرَة لَهُ فِيهِ.
стр. 1040
وسُعي بِأبي تَمام إِلَى المعتصم أنَّه قَالَ فِي شعريٍ مدح بِهِ أَبَا سعيد الثفري. تزحزحي عَن طَرِيق المُجِد يَا مضرُ ... هَذَا ابنُ يُوسُف لَا يُبقي وَلَا يذرُ فَنَذر المعتصمُ دَمه. فَقَامَ ابنُ أبي دواد، فكذب عَنهُ، وحَلف مُجْتَهدا: أَن هَذَا الشّعْر لَيْسَ من طرفِ شعر أبي تَمام حَتَّى استنقذه من سَخطِهِ. فكافأَهُ أَبُو تَمام أحسن مُكَافَأَة، وشكره أحسن شكر، ومدحهُ بقصائدهِ الْمَشْهُورَة فِيهِ. غضب المهديُّ يَوْمًا على شريك فَقَالَ: يَا بن الزَّانِيَة. فَقَالَ شريك: أمة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَمَا عِلمتُها إِلَّا صوّامةً قوّامة. فَقَالَ لَهُ: يَا زنديقُ، لأقتْلنَّك. فَقَالَ شريك، وَكَانَ جهوريَّ الصوتِ -: إِن للزنادقة عَلَامَات يُعرفون بِهَا، شربهم القهواتِ، واتخاذهم القّيناتِ، ونومهم عَن العتماتِ فأطَرق المهديُّ، وَقَامَ شريك، فَخرج. ذكر أنَّ جمَاعَة من الرؤساء باتُوا عِنْد أبي دُواد فَلَمَّا أخذُوا مضاجعَهم إِذا الخدمُ قد أخرَجُوا لكل وَاحِد مِنْهُم جَارِيَة. قَالَ: فاحتشموا مِن ذَاك. وَبَات الْجَوَارِي نَاحيَة، وَقَامَ، بعضُهم، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَجه بجاريةِ كل وَاحِد إِلَى منزله، وَمَعَهَا وصيفةٌ. دخل ابنُ أبي دُواد إِلَى الواثق - وَقد أَتَى بِابْن أبي خَالِد الَّذِي كَانَ بالسِّند، فَقَالَ: وَالله، لأضربنَّك بالسِّياط. وَوَاللَّه لَا يكلٍّمُني فِيك أحدٌ من النَّاس إِلَى ضربتُ بَطْنه، وظهرَه. فَسكت حَتَّى ضربه عشْرين سَوْطًا. ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِي هَذَا أدبٌ، وَفِي دُونِه استصلاح، ومجاوزتُه سرفٌ. وَإِنَّمَا أبقى عَلَيْك من القصاصِ. قَالَ: أَو مَا سمِعتَ يَمِيني أَلا يكلمني فِيهِ أحدٌ إِلَّا ضربتُ ظَهره وبطنه. قَالَ: قد سمعتُ. لَكِن يُكفِّر أميرُ الْمُؤمنِينَ، وَيَأْتِي الَّذِي هُو إِلَى الله أقربُ، وَعِنْده أفضلُ. قَالَ: خليا عَنهُ. كفِّر يَا غلامُ عَن يَمِيني. سُئل رجلٌ من البُلغاءِ عَن يحيى بن أَكْثَم، وأحمدَ بن أبي دُواد: أيُّهما أنبلُ؟
стр. 1041
فَقَالَ: كَانَ أَحْمد يجدُّ مَعَ جَارِيَته وَابْنَته، وَيحيى يهزلُ مَعَ خَصمه وعدوِّه. وَكَانَ ابنُ أبي دواد يتَحَلَّل عَن أَن يُخَاطب بالوزارة، وَالْقَضَاء فَلَا يخاطبُ إِلَّا بالكُنيه. وَكَذَلِكَ روحُ بنُ حَاتِم المهلَّبي ولِي إفريقية وَالْبَصْرَة، والكوفة، وأرمينية وَغير ذَلِك، فَلم يُسُمَّ بالإمرة قطُّ، وَإِنَّمَا كَانَ يكنَّى بكُنيته، وَكَانَ يكنَّى أَبَا خلف. وَكَذَلِكَ السِّنديُّ بنُ شاهك. وَقَالَ ابنُ الزيَّات يَوْمًا لِابْنِ أبي دواد فِي مناظرة بَينهمَا: لستُ بنبطي، وَلَا دَعي - يعرض بِهِ. فَقَالَ: مَا دُونك أحدٌ فتنزل إِلَيْهِ، وَلَا فَوْقك من يقبلُك فتنتمي إِلَيْهِ. قَالَ الحسنُ بن وهب: شكرتُ أَبَا عبد الله أَحْمد بن أبي دواد على شَيْء كَانَ مِنْهُ. فَقَالَ لي: لَا أحُرَجك اللهُ، وَلَا إيّانا إلاّ أَن نَعْرِف مَالنا عِنْد الأصدقاء. وتخطى بعضُ بني هَاشم رِقَاب النَّاس عِنْد ابْن أبي دواد، فَقَالَ: يَا بُني، إِن الْأَدَب ميراثُ الْأَشْرَاف، وَلست أرى عِندك مِن سَلفِك مِيرَاثا. فاستحسَن كلامَه كلُّ من حضر. قَالَ الواثق يَوْمًا لِأَحْمَد بن أبي دواد فِي رجل حُمِل إِلَيْهِ من بعض النواحي: قد عزمَتُ على ضرب عُنقه. فَقَالَ: لَا يحِلّ لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فأضربه بالسِّياط. قَالَ: ظهر الْمُسلم حِمى إِلَّا من حد. قَالَ لَهُ: أَنْت أبدا تعترض عَليّ. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أخافُ عَلَيْك العامَّة. قَالَ: وَمَا عَسى العامَّةُ تفعلُ؟ قَالَ: أقولُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا تغْضب. قَالَ: قُل. قَالَ إِذا رأوْك قد جُرْت فِي الحكم، أخذُوا بِيَدِك فأقامُوك عَن مجْلِسِك، وأجْلْسوا غَيْرك. قَالَ: فأمْسك الواثقُ، وَلم يحر جَوَابا، وَزَالَ الْمَكْرُوه عنْ ذَلِك الرجل. وَقَالَ ابنُ أبي دْواد: موتُ الْأَحْرَار أشدُّ من ذهَاب الْأَمْوَال. وَقَالَ: الشجاعةُ شجاعةٌ فِي الْقلب، والبخلُ شجاعةٌ فِي الوَجْهِ.
стр. 1042
قَالَ رجل لِابْنِ شُبْرُمة: ذهب العلمُ إِلَّا غُبَّراتٍ فِي أوعيةِ سوء. وَقَالَ الشّعبِيّ: كَانَ بَين عبدِ الله بنِ شُرَيْح وَبَين قوم خصومةٌ. فَقَالَ: يَا أبهْ. إِن بيني وَبَين قوم خُصُومَة، فإنْ كَانَ الحقُّ لي خاصمتهُم. قَالَ: اذكر لي قصَّتك. فَذكر مَاله، قَالَ: إيتني بهم. فَلَمَّا أتاهُ بِهم قضى على ابْنه، فَقَالَ لمْا رَجَعَ: يَا أبه. لَو لمْ أخُبِرك بقصتي كَانَ أعذر لَك عِنْدِي. فَقَالَ: يَا بُني أَنْت أعزُّ عَليّ من ملءِ الأَرْض مثلهمْ، واللهُ أعزُ عَليّ مِنْك، كرهتُ إِن أخبَرتُك أَن الْقَضَاء عَلَيْك أَن تخافهم فتصالحهم.
стр. 1043
الْبَاب التَّاسِع كَلَام السحن الْبَصْرِيّ
كَانَ الحجاجُ يقولُ: أخطبُ النَّاس صاحبُ الْعِمَامَة السوداءِ بَين أخصَاص الْبَصْرَة، إِذا شَاءَ تكلمَ، وَإِذا شاءَ سكت يَعْنِي الْحسن كتب إليْه عُمر بنُ عبد الْعَزِيز: أَن أَعنِي بِبَعْض أَصْحَابك. فَكتب إِلَيْهِ الحسنُ: أما بعد. فَإِنَّهُ مَن كَانَ من أَصْحَابِي يُرِيد الدُّنْيَا فَلَا حَاجَة لَك فِيهِ، ومَن كَانَ يُرِيد الْآخِرَة فَلَا حَاجَة لَهُ فِيمَا قَبَلك، وَلَكِن عَلَيْك بذوي الْإِحْسَان فَإِنَّهُم إِن لم يتقوا استحيُوا، وَإِن لم يستحيُوا تكرموا. وَقَالَ: كن فِي الدُّنْيَا كالغريب الَّذِي لَا يجزعُ من ذُلِّها وَلَا يُشَارك أَهلهَا فِي عزِّها. للنَّاس حالٌ وَله حالٌ أُخْرَى، قد أهمته نَفسه، وَعلم لما بعْد الْمَوْت، فَالنَّاس مِنْهُ فِي عَاقِبَة، ونفْسهُ مِنْهُ فِي شُغل. ذكرُوا أَنه سمع رَجلاً يقُولُ: أهْلَك اللهُ الفُجَّارَ فَقَالَ: إِذن نَسْوحِشُ فِي الطُّرق. قَالَ أَعْرَابِي المحسن: علِّمني دينا وسُوطا، لَا ذَاهِبًا شطُوطاً، وَلَا هابطاً هبوطاً. فَقَالَ الحسنُ: لَئِن قُلت ذَلِك، إِن خيرَ الْأُمُور لأوْساطُها. وَقَالَ لهُ رجلٌ: إِنِّي أكرَهُ الْمَوْت. قَالَ: ذَاك أَنَّك أخرت مَالك وَلَو مقدمتهُ لسرك أَن تلْحق بِهِ. وَقَالَ: اقدّعُوا هَذِه النُّفوسَ فَإِنَّهَا طُلعةٌ، واعْصُوها فإنكُمْ إِن أطعتموها تنزِع
стр. 1044
بكُمْ إِلَى شرِّ غَايَة، حادثُوها بالذِّكر فَإِنَّهَا سَريعةُ الدُّثور. قَالَ عنبَسَةُ: شهدْتُ الْحسن يقُولُ - وَقَالَ لَهُ رجلٌ بلغنَا أَنَّك تقولُ: لوْ كَانَ عَليّ بِالْمَدِينَةِ يأْكُل من حَشفها كَانَ خيرا لهُ مِمَّا صَنع - فَقَالَ الحسنُ: يالُكِعُ أما وَالله لقد فقدتُموه سَهماً من مَرَامي الله غير سَئُوم عَن أَمر الله وَلَا سروقة لمَال الله. أعْطى الْقُرْآن عَزائمَهُ فِيمَا عَلَيْهِ، ولهُ، فأحلَّ حلالهُ، وحرّم حَرامَهُ، حَتَّى أورْدَهُ ذَلِك رياضاً مونقةٌ، وَحَدَائِق معدِقةً ذَاك ابنُ أبي طَالب يَا لُكعُ. وَقَالَ الحسَنُ: لَا تزُولُ قدمُ ابْن أدَم حَتَّى يُسْأَل عَن ثَلَاث: شبابه: فيمَ أبلاه؟ وعمْره: فيمَ أفناهُ؟ وَمَاله: من أَيْن اكْتَسبهُ؟ وفيم أنفقهُ؟ وَرَأى رجلا يكيد بِنَفسِهِ فَقَالَ: إِن أمْرأً هَذَا آخرهُ لجديرٌ أَن يزهدَ فِي أَوله، وَإِن امْرأ هَذَا أولُه لجدير أَن يخَاف آخِره. وَقَالَ: بِعْ دنياك بآخرتك تربحُهما جَمِيعًا، وَلَا تبع آخرتك بدنياك فتخسرَهُما جَمِيعًا. وَقَالَ: مَن أَيقَن بالخلف جادَ بِالْعَطِيَّةِ. وَقَالَ: مَن خَافَ الله أَخَاف الله مِنْهُ كل شيءٍ، ومَن خَافَ الناسَ أخافهُ اللهُ من كل شيءٍ. وَقَالَ: مَا أُعْطى أحدٌ شيئْاً من الدُّنيا إِلَّا قيل لهُ: خُذْهُ وَمثله من الحرْص. قَالَ الحَسنُ: إِن قوما جعلُوا تواضُعَهُمْ فِي ثِيَابهمْ، وكبرَهُمْ فِي صرورهم حَتَّى لصَاحبُ المدْرعة فِي مدْرعَته أشدُّ فَرحا من صَاحب المُطرف بمطْرفه. وَقَالَ: مَن كَانَ قبْلكُم أرقُّ قلوباً، وأصْفقُ دينا، وأنتُمْ أرقَّ منهُمْ دينا، وأصْفقُ قلوباً. قيل لخَالِد بن صَفْوَان: مَن أبلغُ النَّاس؟ قَالَ: الحَسنُ البصريُّ لقَوْله فضحَ الموْتُ الدُّنيا. لوْ عقل أهلُ الدُّنيا خربَتْ الدُّنيا. وَقَالَ: أهينُوا الدُّنيا فو الله لأهنأُ مَا تكُونُ حِين تُهينُونها. وَقَالَ لَهُ رجلٌ: مَا تَقول فِي الدُّنيا؟ قَالَ: حَلالُها حسابٌ، حرامها عذابٌ.
стр. 1045
فَقَالَ لَهُ: مَا رأيتُ أوْجز من كلامك. فَقَالَ الحسنُ بل كلامُ عمرَ بن عبد الْعَزِيز أوجزُ من كَلَامي. كتب إِلَيْهِ بعضُ عُمَّال حمْص: أما بعد: فإنَّ مَدِينَة حمْص قد تهدمت، واحتاجَت إِلَى إصْلَاح. فَكتب إِلَيْهِ عمر: حصِّنها بالعْدل، ونقِّ طُرقها من الجورْ. والسلامُ. قَالَ الْحسن لفرقْد: يَا أَبَا يعْقُوب. بَلغنِي أنَّك لَا تَأْكُل الفالوُذج. قَالَ: يَا أَبَا سَعيد. أخافُ أَلا أودي شُكرَهُ. قَالَ: يَا لكُع ﴿﴾ هلت تُؤَدّى شكرَ المَاء الْبَارِد؟ ؟ وسَمعَ رجلا يشكُو علَّةً بِهِ إِلَى آخر. فَقَالَ: أمَا أنَّك تشكُو مَن يَرْحَمك إِلَى مَن لَا يرْحَمك. وَقيل لهُ: مَن شرُّ النَّاس؟ قَالَ: الَّذِي يرى أنَّهُ خيرُهم. وَقَالَ: قدْ ذمّ اللهُ الثِّقَل فِي القُرآن بقوله " فَإِذا طعمْتُمْ فَانْتَشرُوا " وَقَالَ: الدُّنيا كُلُّها غمُّ، فَمَا كَانَ فِيهَا من سرُور فَهُوَ ربحٌ. وَقَالَ: إِن الله - جلّ ثناؤهُ - لم يأْمرْ نبيَّه ﵇ بمشاوَرة أَصْحَابه لحَاجَة منهُ إِلَى آرائهمْ، ولكنَّهُ أحبَّ أَن يُعَلِّمه مَا فِي المشورة منْ البَركة. ويُروي عَنهُ أَنه قَالَ منذُ دَهر ندْعُو الله فنقولُ: اللَّهُمَّ اسْتعْمل علينا أخيارنا فأعظمْ بهَا مُصِيبَة أَلا يُسْتجاب لنا، وأعظمُ من ذَلِك أَن يكون اسْتجيب لنا فَيكون هؤلاءِ خيارنا. وَذكر الدُّنْيَا فَقَالَ: المؤمنُ لَا يجزعُ من ذُلِّها وَلَا يُنافس فِي عزِّها. وَقَالَ: أربعٌ قواصم لِلظهْرِ: إمامٌ تُطيعُه ويُضلُّك، وزوْجةٌ تأْمنُها وتخونُك، وجارٌ إِن علم خيرا سترهُ، وَإِن علم شرّاً نشرَهُ وفقرٌ حاضرُ لَا يجدُ صاحبُه عَنهُ شارداً. وَوصف الْأَسْوَاق. فَقَالَ الأسْواقُ مَوَائِد الله مَن أَتَاهَا أصَاب مِنْهَا.
стр. 1046
وَقَالَ: من عمل بالعَافية فيمَن دونه رزُق بالعافية مِمَّن فوقهُ وَقيل لهُ: كَيفَ رَأَيْت الوُلاة يَا أَبَا سَعيد؟ قَالَ رأيتهُمْ يبْنون بِكُل ريع أَيَّة يعْبثُون. ويتخذُون مصانع لعَلهُمْ يخلدُونَ. وَإِذا بطشُوا بطشُوا جبارين. وَكَانَ يقولُ: ذمُّ الرجل نفسَهُ فِي العَلانية مدَحٌ لَهَا فِي السِّر. وَقَالَ: مَن وسَع اللهُ عَلَيْهِ فِي ذَات يَده فَلم يخف أَن يكُون ذَلِك مكراً من الله بِهِ فقد أَمن مخُوفاً، ومَن ضيق اللهُ عَليه فِي ذَات يَده فَلم يرْجُ أَن يكُون ذَلِك نظرا من الله لهُ فقد ضيّع مأْمولاً. وَقَالَ: إِن من عَظِيم نعم الله على خلقه أنْ خلق لُهمْ النَّار يحُوشُهم بهَا إِلَى الْجنَّة. وَقَالَ لرجُل: كيْف طَلَبك للدُّنيا؟ قَالَ شَدِيد. قَالَ: فَهَل أدْركت مِنْهَا مَا تُريد؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَهَذِهِ الَّتِي تطلُبها لم تدْرك مِنْهَا مَا تُرِيدُ فَكيف بِالَّتِي لَا تطلُبها؟ وَقَالَ: ابنُ آدم أسبرُ الجُوع، صريعُ الشَّبع. وَذكر يَوْمًا الْحجَّاج فَقَالَ: أَتَانَا أعيْمشَ أخيفشَ. لَهُ جُمَيْعةٌ يُرَجِّلُها فَأخْرج إِلَيْنَا لماماً قِصارا، وَالله مَا عرق فِيهَا عنانٌ فِي سَبِيل الله. فَقَالَ: بايعوني. فبايعْناهُ ثمَّ رقى هَذِه الأعوادَ ينظر إِلَيْنَا بِالتَّصْغِيرِ، وَنَنْظُر إِلَيْهِ بالتعظيم، يأْمُرنا بِالْمَعْرُوفِ ويجتنبُه، وينهانا عَن الْمُنكر ويرتكُبه. وسُئل عَن قَوْله تَعَالَى: " إنْ الَّذين يَشْتَرُون بعَهْد الله وأيْمانِهِمْ ثمنا قَلِيلا " مَا الثمنُ القليلُ؟ قَالَ: الدُّنيا بحذافيرها. وَقَالَ: الدُّنْيَا تطلبُ الهاربَ مِنْهَا، وتهرُبُ من الطَّالِب لَهَا، فَإِن أدْركت الهارب مِنْهَا جرحَتهُ، وَإِن أدْركهَا الطَالبُ لَهَا قتلتُه. وَقَالَ: رُب هَالك بالثناء عليْه، ومغرور بالستر عليْه، ومسْتدرَج بالإحُسان إِلَيْهِ. وَقَالَ: عَن لمْ تُطعْك نفسُك فِيمَا تحملُها عليْه مِمَّا تكرَهُ فَلَا تُطعْها فِيمَا تِحملُك عَلَيْهِ. مِمَّا تهوى.
стр. 1047
وَقَالَ تشبه زيادٌ بعمرَ فأفرط. وتشبه الْحجَّاج بِزِيَاد فأفرط، وَأهْلك الناسَ. وَقَالَ: المؤُمنُ لَا يحيفُ على مَن يُبْغِض، وَلَا يأْثم فِيمَن يُحبُّ. وَقَالَ لهُ بعضُ الجُند فِي زمن بني أمَية: تُرَى أَن آخذ أرزاقي أوْ أتركها حَتَّى آخذ من حَسَناتهم يَوْم القيامَة؟ قَالَ: مُرْ فخُذ أرزاقك، فَإِن الْقَوْم يَوْم الْقِيَامَة مفاليُس. وَكتب إِلَى أَخ لَهُ: أما بعد: فَإِن الصِّدق أمانةٌ، وَالْكذب خيانةٌ والإنصاف راحةٌ، والإلحاح وقاحةٌ، والتواني إضاعةٌ، والصِّحة بضاعةٌ، والحزم كباسةٌ، والأدَب سياسة. وَقَالَ: يَا ابْن آدم. اصحب الناسَ بِأَيّ خُلأق شِئْت يصحَبُوك بِمثلِهِ. وَقَالَ: الرِّجالُ ثلاثةٌ، رجلٌ بِنَفسِهِ، وَآخر بِلِسَانِهِ، وَآخر بِمَالِه. وَقَالَ لَهُ رجُل: لي بُنيةً وَأَنَّهَا تُخطبُ. فمّن أزوِّجُها؟ قَالَ: زَوجهَا مِمَّن يَتَّقِي الله فَإِن أحبها أكرمَها، وَإِن أبغضها لمْ يظلمْها. وَقَالَ: كُنَّا فِي أَقوام يخزُنُون ألسنتهُم، ويُنفقُون أوراقهم، فقدْ بَقينَا فِي أَقوام يخزنُون أوراقُهم، وينفِقُون ألْسِنتهم. وَكتب إِلَى عُمرَ بن عبدِ الْعَزِيز. أمَّا بعدُ: فكأنْك بالدنُّيا لم تكُن، وكأنْك بِالآخِرَة لم تَزَلْ. وَقيل لَهُ فِي أَمِير قدِم الْبَصْرَة، وَعَلِيهِ دَيْنٌ قد قضاهُ. فَقَالَ: مَا كَانَ قطُّ أَكثر دَيْناً مِنْهُ الْآن. وَقَالَ: يُنَادي مُنَاد يَوْم القيامةِ: من لهُ عَلى الله أجرٌ فليقُمْ، فيقُومُ العافُون عَن النّاس. وتلا قَوْله تَعَالَى: " فَمن عَفا، وأصْلح فأجْرهُ على الله " اجْتاز نخَّاسٌ مَعَ جَارِيَة بهِ. فَقَالَ أتبيعُها؟ قَالَ: نعَمْ. قَالَ: أفترضى أَن تقبض ثمنهَا الدِّرهم والدِّرهمْين حَتَّى تستوفي؟ قَالَ: لَا: قَالَ: فَإِن الله عزَّ وَجل
стр. 1048
قد رضى فِي الحُور الْعين بالفلسِ والفلسَين. وَطلب ثوبا ليَسْتتِر بِهِ، فَقيل لهُ: بثلاثةَ عَشر درهما ونِصف. فَقَالَ خُذ أَرْبَعَة عشر. فالمُسْلم لَا يُشاطرُ أخاهُ الدِّرهمَ. وَقيل لَهُ: مَا بالُ النَّاس يُكرمون صَاحب المَال؟ قَالَ: لِأَن عشيقهُم عِنْده. وَكَانَ بلالُ بن أبي بُردة أكُولاً. فَقَالَ الحسنُ فِيهِ: يتكئ على شمالهِ. ويأْكل غيرَ مَاله، حَتَّى إِذا كظَّه الطعامُ يقولُ: ابغُوني هاضُوما. ويَلك ﴿﴾ وَهل تهضم إِلَّا دينك ﴿﴾ وَكَانَ الحسنُ إِذا دخل خَتَنُة تنحى عَن مَكَان لَهُ، وَيَقُول: مرْحباً بِمن كفى المؤنثة، وَستر العورةَ. وَمن كَلَامه: مسكينٌ بانُ آدم، مكتومٌ الأجَل والعِلل، أسيرُ الجُوع والشَّبع. وَنظر إِلَى جَنَازَة قد ازدحَم الناسُ عَلَيْهَا فَقَالَ: مَا لكُم تزدَحُمون؟ ؟ هَا هِيَ تِلْكَ ساريتُه فِي الْمَسْجِد اقعدوا تحتهَا، وصنعُوا مَا كَانَ يصنع حَتَّى تَكُونُوا مثله. وَقَالَ لشيخ فِي جَنَازَة: أتُرى أَن هَذَا الميِّت لَو رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا يعملُ علما صَالحا؟ قَالَ: نعمْ قَالَ لَهُ: إِن لم يكن ذَاك فكنْ أنتَ ذَاك. وَنظر إِلَى قُصُور المهالبةِ، فَقَالَ: يَا عجبا رفعوا الطين، ووضعُوا الدِّين، وركُبوا البراذِين، وَاتَّخذُوا الْبَسَاتِين، وتشبهوا بالدَّهاقين فذرهم فِي غمُرنهم حَتَّى حِين. وَكَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نعوذُ بك أَن نملَّ معافاتك. فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: أَن يكون الرجلُ فِي خفض عَيْش فتدْعُوه نفسهُ إِلَى سَفر. وَدخل إِلَى مَرِيض قدْ أبلَّ من علَّته، فَقَالَ لَهُ: إنَّ الله ذكرك فاذكُرْه وأقالك فاشكُره. ويقالُ: إنَّ أوّل كَلَامه أنَّه صلى يَوْمًا بِأَصْحَابِهِ، ثمَّ انْفَتَلَ، وَأَقْبل عَلَيْهِم، فَقَالَ: أَيهَا الناسُ، إِنِّي أعظُكُم، وَأَنا كثيرُ الإسْراف على نَفسِي، غير مصلح لَهَا،
стр. 1049
وَلَا حاملها على الْمَكْرُوه من طَاعَة ربِّها. قد بلوْتُ نَفسِي فِي السراءِ والضَّراءِ، فلمْ أجدْ لَهَا كثير شُكر عِنْد الرَّجَاء وَلَا كَبِير صَبر عِنْد الْبلَاء وَلَو أَن الرجل لَمْ يعظ أَخَاهُ وَحَتَّى بحكمَ أمْرَ نَفسه، ويكمل فِي الَّذِي خُلق لَهُ من طَاعَة ربه لقلَّ الواعظونُ الساعون إِلَى الله بالحثِّ على طَاعَته، وَلَكِن فِي اجْتِمَاع الإخوان واستماع حَدِيث بَعضهم من بعض حيّاة للقلوب، وتذكيرٌ من النِّسيان. أَيهَا الناسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دارُ مَن لَا دَار لَهُ، وَبهَا يفرحُ من لَا عَقل لهُ، فأنزلُوها منزلتها. ثُمَّ أمْسَك. وَلما مَاتَ أخوهُ بَكَى، فَقيل لَهُ: أَتَبْكِي يَا أَبَا سَعيد؟ فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لمْ يَجْعَل الحزنَ عاراً على يعقُوب. وَقَالَ: إِذا خرجتَ من مَنْزِلك فَلَقِيت من هُو أسنُّ مِنْك فقُل: هَذَا خيرٌ مني عبَدَ الله قبْلي، وَإِذا لقِيت من هُوَ دُونك فِي السنِّ فَقل: هَذَا خيرٌ مني عصيْتُ الله قبلهُ. وَإِذا لقيتَ من هُوَ مثلُك فَقل: هَذَا خيرٌ مني أعرفُ من نفس مَالاً أعرفُ مِنْهُ. وَكَانَ يقولُ: يَا عجبا لقوم قَدْ أمروا بالزاد، وأوذنُوا بالرحيل، وَأقَام أولهُم عَلَى آخِرهم، فليْت شعري مَا الَّذِي ينتظرون؟ ونظرَ إِلَى النَّاس فِي مصلى الْبَصْرَة يضحكُون، ويلعبون فِي يَوْم عيد، فَقَالَ: إِن الله جعلَ الصَّوْم مضماراً لِعِبَادِهِ ليستبقُوا إِلَى طَاعَته، ولعمْري لَو كُشف الغطاءُ لشُغل محْسنٌ بإحسانه، ومسيءٌ بإسَاءته عَن تجْديد ثوم، أَو ترطيل شعر: وَكَانَ يَقُول: اجْعَل الدُّنيا كالقنطرة تجوزُ عَلَيْهَا وَلَا تعمرها وَقَالَ تلقى أحدهُم أبيْض بضا يملخُ فِي الْبَاطِل مَلخاً، وينفض مذروْيه، ويضربُ أصدريه، يقولُ هأنذا فاعرفُوني قَدْ عرفناك، فمَقتك اللهُ ومقتك الصالحُون. وَقَالَ: نِعَمْ اللهِ أَكثر من أَن تُشكرَ إِلَّا مَا أعَان عَلَيْهِ. وذُنوب ابْن آدم أَكثر من أَن يسْلم مِنْهَا إِلَّا مَا عَفا عَنهُ وَكَانَ يقولُ ليسَ العجبُ مِمَّن عطب كَيْفَ عطب؟ إِنَّمَا العجبُ مِمَّن نجا كَيْفَ نجا؟
стр. 1050
وَكَانَ يقولُ: حادثُوا هَذِهِ القُلُوب فَإِنَّهَا سريعةُ الدُّثُور، واقدَعُوا هَذِهِ الْأَنْفس فَإِنَّهَا طلعةٌ، فَإِنَّكُم إِلَّا تقدعُوها تنْزع بكُم إِلَى شرِّ غَايَة. وَقَالَ لمطرِّف بن عبد الله بن الشخير: يَا مطرَفُ، عظ أَصْحَابك. فَقَالَ مطرِّفُ: إِنِّي أخافُ أَن أقولَ مَالا أفعلُ. فَقَالَ الحسنُ: يَرْحَمك الله وأيُّنا يفعلُ مَا يقُولُ؟ يود الشَّيطانُ أَنه ظفِر بهذهِ مِنْكُم، فلمْ يأْمرْ أحدٌ بِمَعْرُوف، وَلَمْ ينْه عَن مُنكر. وَكَانَ يقولُ: مَا حَاجةُ هَؤُلَاءِ، السُّلْطَان، إِلَى الشرطِ. فَلَمَّا ولي القضاءَ، كثُر عَلَيْهِ النَّاس فَقَالَ: لَا بُدَّ للِنَّاسِ مِن وزعَةٍ. وَكَانَ يقُولُ: لِسَانُ العاقِل مِن وراءِ قلبهِ فَإِن عرض لَهُ القولُ نظرَ فَإِن كَانَ لهُ أَن يَقُول قَالَ، وإنْ كَانَ عليْه القولُ أمسْك، ولسانُ الأحمق أَمَام قلْبه فَإِذا عرَض لهُ القولُ قَالَ عليهِ أوْ لهُ. وَكَانَ الحسنُ ينُكر الحكُومة، وَكَانَ يذكر عُثمان فيترحم عليْه، ويلَعنُ قتلتهُ، وَيَقُول: لَو لم نلعْنهُم للَعُنَّا. ثمَّ يذكُر عليا ﵇ فَيَقُول: لمْ يزلْ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵀ يتعرفُ النَّصْر، ويساعدهُ الظفر حَتَّى حكّم. ولمَ تُحكِّم والحقُّ مَعَك؟ أَلا تمْضِي قدُماً - لَا أَبَاك - وأنْت على الحقِّ.؟ ؟ قَالَ المبِّرد: قَوْله: لَا أبالك كلمةُ فِيهَا جفاءُ. والعربُ تستعمُلها عِنْد الحثِّ على أخْذ الحّقِّ والإغْراءِ. وَذكر الْخَوَارِج: فَقَالَ: دعاهم إِلَى دين الله فجعلُوا أصابَعْهم فِي آذانهم وأصرُّوا واستكبروا استكباراً، فَسَار إِلَيْهِم أبوُ الْحسن فطحنهُم. وَقَالَ: لَو لم يُصب ابنُ آدم الصِّحة والسَّلامة لأوشكا أَن يرداه إِلَى أرْذل
стр. 1051
العمُر فحدِّث بذلك محَّمدُ بن جَعْفَر فأعجَبه، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله مَا أعجَب كَلَام الْعَرَب وأشبه بعضه بِبَعْض؟ ؟ وَالله لَكَانَ النَّمر بنْ توْلب، سمع هَذَا. فَقَالَ: يُسر الْفَتى طولُ السَّلامة جاهداً ... فَكيف ترى طول السَّلامة يفْعلُ؟ وَقَالَ حميد بن ثَوْر وحسْبُك دَاء أنْ تصحَّ وتسْلما. وَكَانَ يدعُو ويقُولُ: اللَّهُم أعْطنا قُوَّة فِي عبادتك، وبصراً فِي كتابك، وفهْماً فِي حكمك، وأتنا كِفْلين مِنْ رحْمتِك. بيِّض وجُوْهنا بنُورك، واجْعلْ راحتنا فِي لِقائِك، واجعلْ رغبتنا فِيمَا عنْدَك مِن الْخَيْر. اللهمَّ إننَّا نعُوذُ بك منْ العَجز والكسل، والهرم، والجُبْن، البُخل اللَّهُمَّ إنَّا نعوذُ بك مِنْ قُلُوب لَا تخشعُ، وأنْفُس لَا تشبعُ، اللَّهُم إنَّا نُعِيذ بك أنْفسَنا وأهلينا وذرارينا من الشَّيْطَان الرَّجيم. وَقَالَ: إنَّما تعظُ مُسترْشداً ليفهم، أَو جَاهِلا ليتعلم، فأمَّا منْ وضع سَيْفه وسوطهُ: أحذرني فَمَا لَك ولهُ؟ وَقَالَ: إنَّ قوما لسُوا هَذِه المطارف الْعتاق، والعمائِمَ الرِّقاق، وأوْسعُوا دُورهم، وضيَّقُوا قبورهُم، وأسْمنُواً دواتهم، وأهزلُوا ديِنهُم، طَعَام أحدهمْ غصْب، وخادِمُه سُخره، يتكئ على شمالهِ، ويأْكل من غير مالهِ، حَتَّى إِذا أدركْتهُ الكظَّةُ، قَالَ: هَلُمِّي يَا جَاريةُ. هاضُوماً. وَيلك ﴿﴾ وَهل تحطم إِلَّا دينك؟ . . أَيْن مساكينك؟ أيْن يتامالك؟ أيْن مَا أمَرك اللهُ بِهِ أَيْن؟ أَيْن؟ ؟ . وَرَأى رجلا يمشي مشْيَة منْكرةً. قَالَ: يخْلجُ فِي مشْيِه خلجان المجنُون. لله فِي كلِّ عُضْو منهُ لقمةٌ، وللشَّيطْان لعبةٌ. كَانَ أَبُو الْحسن اسمُه يسارٌ، واسُم أمِّه خيرةُ، مولاةٌ لأمِّ سَلمَة أمِّ الْمُؤمنِينَ،
стр. 1052
وَكَانَت خيرةُ رُبمَا غابتْ فيبْكي الحسنُ فتعطيه أمُّ سَلمَة ثدْيها تُعلِّلُه بهِ، وَإِلَى أَن تجيءَ أمهُّ فدرَّ عَلَيْهِ ثديُها. فيرون أَن تكل الْحِكْمَة والفصاحة، مِنْ برَكةِ ذَلِك. ونشأَ الحسنُ بوَادي القُرىِ. وشكا إِلَيْهِ رجلٌ ضِيق المعاش، فَقَالَ: ويحَك ﴿﴾ أهاهُنا ضيقٌ أوْ سعةٌ إنَّما الضيقُ والسَّعةُ أمامك. وَقَالَ: لوْلا قِصَر هِمَم النَّاس مَا قامتْ الدُّنيا. وَقَالَ: يَا بْن آدَم: إِنَّمَا أنْت عَدَدْ أيامك إِذا مضى يومٌ مضى بعْضُك وتذاكُروا عنْدهُ أمْرَ الصَّحابةِ. قَالَ الحسنُ: ﵏، شهدُوا وغِبنْا وعَلموا وجَهلْنا، وحفِظْوا ونسينا. فَمَا أجْمعُوا عليْه اتبْعَناهُ، وَمَا اختلفُوا فِيهِ وقفناه. وَقَالَ: حَقُّ الوَالِد أعظمُ وبر والوَالدة ألزمُ. وَقَالَ: عَاشر أهْلك بِأَحْسَن أخْلاقك، فإنَّ الثَّواءَ فيهم قليلٌ. وَقَالَ: السُّؤالُ نصفُ العِلْم، ومُدَاراةُ النَّاس نصفُ العَقْل، والقصدُ فِي الْمَعيشَة نصفُ الْمَعيشَة. وَمَا عَال مُقْتصدٌ. وَقَالَ: خف الله خوفًا أنَّك لَو أتيتهُ بحَسناتِ أهْل الأَرْض لم يقبلْها منْك وأرْجُ الله رَجَاء ترى أنَّك إنْ أتيتهُ بسيِّئاتِ أهْل الأَرْض غفرها لَك. وَقَالَ: مَا استْودَع اللهُ رجلا عقْلاً إِلَّا اسْتنْقذهُ بِهِ يَوْمًا مَا. وَقَالَ: المؤمنُ من لَا يَحِيفُ على مَنْ يُبغْض، وَلَا يأْثُم فيمَنْ يحب. وَدخل إليْهِ أمْردُ حَسنُ الوجْهِ، فَالْتَفت إِلَى أصْحابه، فَقَالَ: لقد ذكَّرني هَذَا الْفَتى الحُور العِين. ووُلِدَ لهُ غلامٌ فَقَالَ لهُ بعضُ جُلسَائِه: بَارك الله لَك فِي هِبَتِه، وزادَك فِي نعْمتِهِ. فَقَالَ الحسنُ: الحمدُ للهِ على كلِّ حَسنة، ونسْأَلهُ الزيادَة مِنْ كلِّ نعْمة، وَلَا مرْحباً بمَنْ كُنْتُ مُقِلاً أنْصبَني، وإنْ كُنْتُ عنيّاً أذْهلني لَا أْرضى بسعْي لَهُ سَعْياً، وَلَا بكدِّي عَلَيْهِ فِي الْحَيَاة كدَّاً، حَتَّى أشْفِق عَلْيهِ بعد وفاتي من الفاقةِ، وَأَنا فِي حَال لَا يصلُ إِلَى مِنْ همةً حُزنٌ، وَلَا مِن فرَحه سُرُورٌ.
стр. 1053
وَقَالَ: عِزُّ الشَّريف أدبُهُ، وعزُّ المؤمِن استِغْناؤه عَن النَّاس. وَقَالَ: العلمُ فِي الصغر كالنَّقْش على الحجَر، وَفِي الكبرَ كالرِّقُم على الماءِ. وَقَالَ: مَا أنْعَمَ اللَّهُ على عبد نعُمةً إِلَّا وَعَليِهُ فِيهَا تبعةٌ إِلَّا سُليمْان فإنَّ الله - قَالَ: " هَذَا عطاؤنا فأمننُ أَو أمسكْ بِغَيْر حِسَاب. وَقَالَ: لَا أبالك، إنْ لم تكُنْ حَلِيمًا فتحلَّمْ فإنَّه قلَّ رجلٌ يتشبَّهُ بِقوم إِلَّا أوشك أنْ يكُون مِنهُمْ. وَقَالَ: لَا تشترِين عَداوَة رجل بمودَةِ ألفِ رجُل. وَقيل أهلك فلانٌ فجْأةً. فَقَالَ: لوْ لمْ يهْلِكْ فَجْأَة لمَرض فجْأةً. وَقَالَ: مَنْ زهِدَ فِي الدُّنْيا ملكهَا، ومَن رغِب فِيهَا عبدَها. وَكَانَ يقولُ: الحُريصُ الجاهِدُ، والقانعُ الزِّاهدُ كِلاهُمَا مُسْتْوفٍ أكُلهُ عز فُنقص شَيْئا قُدرَّ لهُ، فعَلام التَّهافُتُ فِي النَّار؟ . وسَمع رجُلاً يقُولُ: الشَّحيحُ أعْذر مِن الظَّالِم فَقَالَ: وَالله إنَّ رجُلين أعْذرُهما الشَّحيحُ لرَجُلاَ سوءٍ. وَقَالَ: إنَّ الله تفرَّدَ بالكمالِ ولمْ يُعَرِّ أحَداً من النُّقصانِ. قَالَ لَهُ رجلٌ: يَا أَبَا سَعيد، مَا تقُولُ فِي الْغناء؟ قَالَ: نِعْم الشيءُ الْغَنِيّ تصلُ بِهِ الرَّحِمَ، وتفُكُّ بهِ العاني، وتُنفِّسُ بِهِ عَن المكُروب. قالَ: لستُ عنْ هَذَا أسْأَلُكَ، إِنَّمَا أسْأَلُكَ عَن الغنِاء قَالَ يَوْمًا هُوَ أتعرفُ منْهُ شَيْئا؟ قالَ: نعَمْ: قالَ: فهاتِهِ. فانْدَفَع يُغني، ويَلْوي شِدقَيْهِ، ومِنخَريْهِ، ويكسِرُ عيْنيْهِ: قَالَ: فَبُهِتَ الحسَنُ، وجَعَل يعْزُبُ عنهُ بعضُ عَقْله حَتَّى فَعَلَ كَمَا فَعَلْ الرَّجلُ يحركِ عَيْنيهِ، وكَسْر حاجبْيهِ، ثمَّ قَالَ لما تَنبَّهَ مِنْ سِنَتِه: أمسكْ يَا هَذا، قَبَّح اللهُ هَذَا. مَا كْنتُ إِلَّا فِي حُلْم. قالُوا: وَلي الحَسنُ القضَاء فَمَا حُمِدَ. يريدُ أنَّه لَوْ حُمِدَ إنْسانٌ فِي ولَايَة أوْ فضاء لحُمِدَ الحسَنُ.
стр. 1054
وَقَالَ: يَا بُنَ أدَمَ تعفَّفْ عنَ مَحارم الله تكُن عابداً، وارْضَ بِمَا قَسَم اللهُ لكَ مِن الرزق تكُنْ غَنِيا. صَاحب الناسَ بِمَا تُحبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بهِ تكُنْ عَدْلاً، وإيَّاكَ وكثرةَ الضَّحكِ فإنَّه يُميتُ القَلْبَ. لقَدْ كانَ قَبلَكَ أقْوامٌ جَمَعُوا كَثيراً، وأمَّلوا بَعيداً، وبَنَوْا شَدِيدا، فأصْبحَ جمْعُهم بُوراً، ومَسَاكنهُم قُبوراً، وأمَلُهْم غُرُوراً. وقالَ: يَا بْنَ آدَمَ لَا تُجاهِدِ الطّلب جهادَ الغَالِب، وَلَا تَتَّكلْ علَى القَدَر اتكالَ المُسْتسْلم، فإنَّ ابتغاءَ الْفضل من الشرةِ، والإجُمالَ فِي الطَّلب مِنْ العِفَّةِ، وليْسَتِ العِفَّةُ بدافعة رزْقاً، وَلَا الحِرصُ بجالب فضْلاً، وإنَّ مِن الحِرصُ اكتسابَ الإثْم. وقَالَ: اشْكُرْ لِمنْ أنُعَمَ عليكَ، وأنعِمْ على مَنْ شَكَر لَكَ، فإنَّهُ لَا زَوَالَ للنعم إِذا شَكَرْتَهَا، وَلَا إدَامةً إِذا كَفَرْتَهَا، والشَّكُر زَيادةٌ فِي النِّعم، وأمَانٌ من الغِيرَ. وقالَ: إنَّ الله ﵎ لمْ يقْصُصْ عليْنا ذُنُوبَ الأنبياءِ ﵈ تعييراً لهُمْ، إِلَّا إزْرَاءً بهمْ، ولكنَّهُ قَصَّها عليْنَا كليلا نَيْأًس من التَّوْبَة. وَقَالَ: مثلُ المنافِق مَثلُ الدِّرْهَم القسي ينفُق فِي النَّاس مَا لمْ يُعرفُ، فَإِذا عُرفِ كسدَ. وَقيل لهُ: أيحسد المؤمنُ أخاهُ؟ قَالَ: لَا أبَالَك؟ إنِستَ إخُوَةَ يُوسف ﵇. وقالَ: أوْعَد عمُر فَعوفي، وأوْعَد زيادٌ فابْتلُي. عادَ الحسنُ عبد الله بن الأهْتَم فِي مرضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ، فأقْبلَ عبدْ الله بضْربُ ببَصرِه إِلَى صُنْدوق فِي جَانبِ البيْتِ، ثمَّ قالَ للحَسن، يَا أَبَا سعيد: مَا تقُولُ فِي ماِئة ألف من هَذَا الصُّندوقِ لم يؤد مِنْهَا زكاةٌ، ولمْ يُوصَلْ بِها رحمٌ؟ فَقَالَ الْحسن ثكلتك أمك فَلم أعددتها قَالَ أعددتها لورعة الزَّمَان ومكاثرةِ الإخْوانِ، وجَفْوةِ السُّلطانِ، ثمَّ مَاتَ فحضَر الحسنُ جنازتهُ فَلَمَّا دفِنَ ضَربَ بإحْدى يديهِ على الْأُخْرَى، ثمَّ قَالَ: إنْ هَذَا أتَاهُ شيْطانُهُ، يخذرهُ روية زَمَانه، وجفوةَ سلْطانه، ومكَاثُرة إخْوانِهِ فِيمَا اسْتودَعَهُ اللهُ إيَّاهُ، ثُمَّ خرجَ منْه حَريباً سليباً لم يؤدِّ مِنْها زَكَاة، ولمْ يصل مِنْهَا رحِماً. ثمَّ التفَتَ فَقالَ: أيُّها الوارِثُ كلْ هَنِيئًا، فقَد
стр. 1055
أتاكَ هَذَا المالُ حَلَال، فَلَا يكُنْ عَلْيكَ وَبَالاً. أَتَاك مِمنْ كَانَ لَهُ جَمُوعاً مَنُوعاً، يلجّجُ فِيه لُججَ الْبحار، ومفاوز القفار. مِنْ بَاطِل جَمعَهُ ومِنْ حق منَعهُ، لم ينْتفع بهِ. فِي حَيَاته، وضرهُ بعد وفاتِه، وجمعَهُ فأوعَاهُ، وشدَّه فأوْكَاهُ، إنَّ يومَ الْقِيَامَة ليومٌ ذُو حَسرات، وإنَّ أعْظَامَ الحسَرات أنْ تَرى مالكَ فِي ميزانِ غَيْركَ ذَاكَ رجلٌ أتاهُ اللهُ مَالا حَلَالا فبَخلَ أَن يُنْفقَهُ فِي طاعةِ اللهِ فورثَهُ اللهُ غَيْرَه. فأنفقَهُ فِي طاعةِ الله. فيا لَهَا حسرةً لَا تُقَالُ، وَرَحْمَة لَا تُنَال، فَإنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعُون. وَقَالَ: ابنَ آدم: بعْ دُنْياكَ بآخِرتِك تربَحْهُما جَمِيعًا، وَلَا تَبعْ آخرتكَ بدنْياك فتخسرهما جَمِيعًا. يَا بن آدم: وَإِذا رأيْت النَّاس فِي الْخَيْر فنافسُهم فيهِ، وَإِذا رأيتَ النَّاس فِي الشرِّ فَلَا تغبطهم الثواء قَلِيل هَا هُنَا والبقاء طَوِيل هُنَاكَ أمتكُم أخِر الأُمم وأنتُمْ آخِر أمّتِكُمْ، وقدْ يسرِعُ بخياركُمْ فَمَاذَا تنتظُرون؟ المعاينة: فكأنْ قَد. هيْهاتَ هيهاتَ ذهبت الدُّنْيَا لحالِ بالها، وبقيتِ الأعمالُ قَلائدَ فِي أعُناقِ بني آدم، فيا لَهَا موعظةً لَو وافقَتْ قبولاً! إنهُ وَالله لَا أمة بعد أمتكُم، وَلَا نَبِي بعد نَبِيكُم، وَلَا كتابَ بعدَ كتابكُمْ. أنْتُم تسوقُونَ الناسَ والساعةُ تسُوقُكُمْ، وَإِنَّمَا ينُتظرُ بأولكمْ أَن يَلْحق أخِركم. مَنْ رأى مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ فقد رآهُ غَادياً رائِحاً، لم يَضَعْ لَبنةً على لبنة وَلَا قصَبةً عَلَى قَصَبَة رفع لَهُ علم فشمر إِلَيْهِ فالوحاء الْعَطاء والنجاء علام تعرجون. أتيتُهم وَرب الكعبةِ أسْرع بخياركم وأنتُم كل يَوْم ترذُلُون. فَمَا تَنْظرون؟ ؟ إِن اللهَ بعثَ مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ عَلىَ علم مِنْهُ، واختارَهُ لنفْسِهِ، وبعثَهُ برسالته، وأنْزَالَ عليهِ كتابهُ، وكانَ خَيرتَهُ من خَلقِهِ، ورسولهُ إِلَى عباده، وثُم وضَعَهُ من الدّنْيا موضِعاً ينظُرُ إليْه أهلُ الأرْض، وأتَاهُ مِنْها قوتاً وبُلْغةً ثمَّ قَالَ: " لقد كَانَ لكم فِي رسُول اللهِ أسوةٌ حسنةٌ " فَرغب قومٌ عَنْ عَيشهِ، وسَخطوا مَا رَضِي لهُ ربهُ، فأبعدَهُمُ اللهُ واسْحقَهُم. وابنَ أدمَ: طأْ بقدمكَ الأرْضَ فَإِنَّهَا بعد قَلِيل قبرُكَ واعْلم أنكَ لم تزَلْ فِي هَدْم عمرك مذُ سقطتَ من بطن أمك. رحِم الله عبدا نظر ففكر، وفكر فاعتبرَ، وَاعْتبر فأبصَر، وأبصرَ فصبرَ، فلقدْ أبْصَرَ أقوامٌ فلمْ يصبرُوا فذهبَ الجزعُ بقلوبهم، وَلم يُدْركُوا مَا طَلَبُوا، وَلم يَرْجعُوا إِلَى مَا فارقُوا يَا بنَ آدَمَ اذكر قولهُ " وكلُ
следующие страницы →