Полный текст (1 737 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
على الحقِّ، ووزراءَ دون الْخلق، اخْتصم بِهِ، وانتخبهم لَهُ، فصدقوه، ونصروه، وعَزروه، ووَقروه، فَلم يُقدِموا إِلَّا بأَمره، وَلم يُحْجِموا إِلَّا عَن رَأْيه، وَكَانُوا أعوانه بعهده، وخلفاءَه من بعده، فوصفهم فأحسَن صفتهمْ، وَذكرهمْ فَأثْنى عَلَيْهِم، فَقَالَ وَقَوله الحقُّ: " محمدٌ رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداءُ على الكفاء رُحَمَاء بَينهم تراهم رُكَعاً سُجّداً يَبْتغُونَ فضلا من اللهِ ورضواناً سِيماهم فِي وُجُوههم من اثر السُّجود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرجَ شطأه فآزره فاستغلظ. فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزُّراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعدّ الله الَّذِي آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغفرةٌ وَأَجرا عَظِيما. فَمن غاظوه فقد كفرَ، وخاب، وفجر، وخسر، وَقَالَ : " للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضواناً الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون. وَالَّذِي تبوءُوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبُّون مَن هاجرَ إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَةٌ وَمن يُوقَ شح نَفسه فأُولئك هم المفلحون. وَالَّذِي جاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجعَل فِي قُلُوبنَا إلاّ للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤُوفٌ رَحِيم ". فَمن خَالف شريطة الله عَلَيْهِ لَهُم، وأمْرَه إِيَّاه فيهم، فَلَا حق لَهُ فِي الْفَيْء، وَلَا سَهمَ لَهُ فِي الْإِسْلَام فِي آيٍ كَثِيرَة من الْقُرْآن. فَمَرقت مارقةٌ من الدِّين وفارقوا الْمُسلمين، وجعلوهم عِضين، وتشعبوا أحزاباً أشابات، وأوشابا، فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءَه عَلَيْهِم، وآذوا رَسُول الله ﷺ وَآله وَسلم - فهيم، فخابوا، وخسروا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين. " أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَة من ربه كمن زيِّن لَهُ سوءُ عَمله وَاتبعُوا أهواءَهم ". مَالِي أرى عيُونا خُزْرا، ورقاباَ صُعْرا، وبطونا بُجْرا، وشجى لَا يسيغه المَاء، وداءً لَا يشرب فِيهِ الدَّوَاء. " أفنضرب عَنْك الذكرَ صفحاً أَن كُنْتُم قوما مسرفين ". كلا وَالله، بل هُوَ الهناءُ، والطلاء حَتَّى يظهرَ الْعذر، ويبوح الشرُّ، ويَضِحَ الغيْب، ويُسَوَّسَ الجُنُب، فَإِنَّكُم لم تخلقوا عَبَثا، وَلنْ تتركوا
стр. 982
سدى. وَيحكم ﴿﴾ إِنِّي لست أتاوياً أعَلم، وَلَا بَدَوياً أفهم. قد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطناً، وأظهرا، فَعرفت أنحاءكم، وأهواءَكم، وَعلمت أَن قوما أظهرُوا الْإِسْلَام بألسنتهم، وأسروُّا الكفرَ فِي قُلُوبهم، فَضربُوا بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وولَّدْوا الرِّوَايَات فيهم، وضربوا الِاثْنَيْنِ. ووجَدوا على ذَلِك من أهل الْجَهْل من أبنائهم أعواناً يأْذنون لَهُم، ويُصْغُون إِلَيْهِم. مهلا مهلا. قبل وُقُوع القوارع وحلول الروائع، هَذَا لهَذَا، وَمَعَ ذَلِك فلست أعتنش آئباً، وَلَا أؤنب تَائِبًا. عَفا الله عَمَّا سلف وَمن عادَ فينتقم الله مِنْهُ وَالله عزيزٌ ذُو انتقام: فأسرُّوا خيرا، وأظهروه، وأجهَروا بِهِ، وَأَخْلصُوا، فطالما مَشيْتُم الْقَهْقَرَى ناكصين. وليعلمْ مَن أدبَر وأسَرَّ أَنَّهَا موعظةٌ بَين يَدَي نقمةٍ. وَلست أدعوكم إِلَى هوى يتبع، وَلَا إِلَى رَأْي يبتدع. إِنِّي أدعوكم إِلَى الطَّرِيقَة المُثلى الَّتِي فِيهَا خير الْآخِرَة والأُولى. فَمن أجَاب فَإلَى رُشْده، ومَن عَمِىَ فَعَن قَصده. فَهلُم إِلَى الشَّرَائِع لَا إِلَى الخدَائع، وَلَا تَوَلًّوا عَن سَبيل الْمُؤمنِينَ، وَلَا تستبدلوا الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خيرٌ، بئسَ للظالمين بَدَلا. وَإِيَّاكُم وبُنَيَّات الطَّرِيق، فَعندهَا الترنيق، والرهق وَعَلَيْكُم بالجادة فَهِيَ أسدُّ وَأورد، ودَعُوا الْأَمَانِي فقد أردَتْ من كَانَ قبلكُمْ. وَلَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سَعى، وَللَّه الْآخِرَة وَالْأولَى و " لَا تفتُروا على الله كذبا فُيسحتكم بِعَذَاب وَقد خَابَ من افترى " " رَبنَا لَا تزع قلوبَنا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لُدنك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الوهابُ " قَالُوا: إِن قُتَيْبَة بن مُسلم قَالَ لما قدم خراسَان: مَن كَانَ فِي يَده شَيْء من مَال عبد الله بن خازم فليَنبذه، وَإِن كَانَ فِي فِيهِ فليلفظه، وَإِن كَانَ فِي صَدره فليَنفثه. فَعجب النَّاس من حسن مَا فصًّل وقسَّم. وَقَالَ قُتَيْبَة: إِن الحريصَ يستعجل الذِّلة قبل إِدْرَاك البُغية. أهْدى عبيدُ الله بن السّدي إِلَى عبد الله بن طَاهِر لما وَلي مصرَ - مائَة
стр. 983
وصيف، مَعَ كلِّ وصيف ألف دِينَار، ووجهَ بذلك لَيْلًا. فَرده، وبَعَثَ إِلَيْهِ: لَو قبلت هديتك لَيْلًا لقبلتها نَهَارا وَمَا " أَتَانِي الله خيرٌ مِمَّا أَتَاكُم بل أَنْتُم بهديتكم تفرَحُون " قَالَ الْمَأْمُون لطاهر بن الْحُسَيْن: صف لي عبد الله ابْنك. قَالَ: عَن مدَحتُه هجّنتُه، وَإِن هجوتُه ظلمتُه. ولدَ الناسُ ابْنا، وَولدت ابْنا يُحِسن مَا أحسن وَلَا أحسن مَا يحسن. وليّ عبدُ الله بن طَاهِر رجلا بريدَ مَا وَرَاء النَّهر، فَكتب إِلَيْهِ: أنَّ هَا هُنَا قوما من الْعَرَب قد تعصبُوا وتأشبوا، أظنُّ أمَرهم سيرتقي إِلَى مَا هُوَ أغْلظ. مِنْهُ. فَكتب إِلَيْهِ عبدُ الله: إِنَّمَا بُعِثْتَ للْأَخْبَار السَّابِقَة والحوادث الظاهرَة لَا للكهانة والتظنَّي. قَالَ عبيدُ الله بن عبد الله بن طَاهِر: لَا يَنْقَضِي عَجبي من ثَلَاثَة: إفلات عبّاس بن عَمْرو من القرمطيِّ، وهُلْك أَصْحَابه، وَوُقُوع الصغار، وإفلات أَصْحَابه. وَولَايَة ابْني الجسريْن وَأَنا متعظل. وَقَالَ محمدُ بن عبد الله بن طَاهِر لوَلَده: عِفُّوا تشرُفوا، واعشقوا تَظْرُفوا وَقَالَ عُبيدُ الله بن عبد الله فِي علته: لم يبْق على من بأْس الزَّمَان إِلَّا الْعلَّة والخَلة وأشدهما على أهونهما على النَّاس. ولأنَّ ألمَ جسمي بالأوجاع أَهْون عَليّ من ألم قلبِي للحقِّ المُضاع. جرى ذكرُ رجل فِي مجْلِس سَلم بن قُتَيْبَة، فنال مِنْهُ بَعضهم، فَأقبل سَلم فَقَالَ: يَا هَذَا، أوحَتْستَنا من نَفسك، وأيأَستنا من مودتك، ودَللْتَنا على عورتك. قَالَ بَعضهم: كنت عِنْد يزِيد بن حَاتِم بإفريقية، وَكنت بِهِ خَاصّا فَعرض عَلَيْهِ تاجرٌ أدراعاً، فَأكْثر تقليبها، ومزاولة صَاحبهَا. فَقلت لَهُ: أصلح الله الأميرَ. فعلامَ تلوم السُّوق؟ فَقَالَ: ويحَك ﴿﴾ إين لست أَشْتَرِي أدراعاً إِنَّمَا أَشْتَرِي أعماراً.
стр. 984
قَالَ الْمَأْمُون لطاهر بن الحُسَين: أشر عَليّ بِإِنْسَان يَكْفِينِي أمرَ مصرَ والشّام. فَقَالَ لَهُ طاهرٌ: قد أصبته. قَالَ: من هُوَ؟ قَالَ: عبدُ الله ابْني، وخادُمك، وعَبدُك. قَالَ كَيفَ شجاعته؟ قَالَ: مَعَه مَا هُوَ خيرٌ من ذَلِك قَالَ لَهُ المأْمون: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الحزم. قَالَ: فيكف سخاؤه؟ قَالَ: مَعَه مَا هُوَ خير من ذَلِك. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: التنزُّه وخُلْفُ النَّفس. قَالَ: فولاه فَعَفَّ عَن إِصَابَة خَمْسَة آلَاف ألف دِينَار. وَهب الْمَأْمُون لطاهر الهني والمري - وهما نهران بِقرب الرقة - فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: كفى بِالْمَرْءِ شرَهاً أَن يَأْخُذ كل مَا أعطي. مَا هما يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من ضيَاع السُّوقة، مَا يصلحان إِلَّا لخليفة أَو وليّ عهد. فَلم يقبلهما. كتب الحجاجُ إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم: أَنِّي قد طلقت أم خَالِد بنت قطن الْهِلَالِيَّة عَن غير رِيبَة، وَلَا سوءٍ، فتزوَّجْها. فَكتب إِلَيْهِ قُتَيْبَة: إِنَّه لَيْسَ كلُّ مَطالع الْأَمِير أحِبُّ أَن أطلع. فَقَالَ الْحجَّاج: ويَل أمِّ قُتَيْبَة. وَأَعْجَبهُ ذَلِك. وَكَانَ خالدُ بن عبد الله الْقَسرِي مَال عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇، وتنقّصه على المنابر. وذُكر أَنه اتخذ طستاً فِي الْمَسْجِد بِالْكُوفَةِ ميضأةُ، وخَرق قناةً من الْفُرَات إِلَيْهَا. ثمَّ أَخذ بيد أَسْقُف النَّصَارَى يمشي فِي مَسْجِد عَليّ حَتَّى وقف على الطست. ثمَّ قَالَ للأسقف: ادْع فِيهَا بالبرَكة. فوَاللَّه لدُعُاؤك عِنْدِي أَرْجَى من دُعاء عَليّ بن أبي طَالب - صلوَات الله عَلَيْهِ وسلامُه على عَليّ، وغضبُه على خَالِد. وَقدم عَلَيْهِ محمدُ بن عبد الله بن عَمْرو عُثْمَان يَسْتمْنِحُه، فَلم يفعل بِمَا يُحب. فَقَالَ: أما الْمَنَافِع فلهذين الهاشميَّين. يَعْنِي داودَ بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس، وزيدَ بن عَليّ ﵇.
стр. 985
وَأما نَحن فَلَيْسَ لنا إِلَّا شتمُةُ عليا على الْمِنْبَر. فَبلغ ذَلِك خَالِدا فَقَالَ: إِن أحب تناولنا لَهُ عُثمان بِشَيْء. وَكَانَ لعنهُ الله يلعن على المنابر عَلياً ﵇ فَيَقُول: لعن الله لَاعن عليِّ بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب ابْن هَاشم بن عبد منَاف، وَابْن عمِّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَزوج ابْنَته، وَأَبا الْحسن والحُسين، ثمَّ يُقبِل على النَّاس فيقولك أكَنَيْتُ. وَبنى خالدٌ بِيعةً لأمِّه - وَكَانَت نَصْرَانِيَّة فاستعفاه الْمُسلمُونَ مِنْهَا. فَقَالَ: لعن الله دينهم إِن كَانَ شرا من دينكُمْ. قَالَ الْمَأْمُون لطاهر: يَا أَبَا الطّيب صف لي أَخْلَاق المخلُوع. قَالَ: كَانَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاسع الطرَب، وضيِّق الأدَب، يُبيح لنَفسِهِ مَا تعافهُ هِمَمُ ذَوي الأقدار. قَالَ: كَيفَ كَانَت حرُوبُه؟ قَالَ: كَانَ يجمع الْكَتَائِب بالتبذير، ويفضُّها عَنهُ بِسوء التّدبير. قَالَ: فَكيف كنتُم لَهُ؟ قَالَ: كُنَّا أُسْداً تبيتُ، وَفِي أشداقها حُلوقُ النَّاكِثِينَ، وَتَحْت صدورها صدورُ المارقين. قَالَ: إمَا أَنه أولُ مَن يأْخذُ اللهُ بدَمه يومَ الْقِيَامَة ثلاثةٌ: لستُ أَنا وَلَا أَنْت رابعَهم، وخامسهُم: الْفضل بنُ الرّبيع، وَبشر بن المُعتمر، والسندي بن شاهك. واللهُ ثأَر أخي، وَعِنْدهم دَمُه. مرض عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، فَركب إِلَيْهِ الوزيرُ، فَلَمَّا انْصَرف عَنهُ كتب إِلَيْهِ عبيدُ الله: مَا أعرفُ أحدا جزى الْعلَّة خيرا غَيْرِي، فَإِن جزيتُها الخيرَ، وشكرتُ نعمتها عَليّ، إِذْ كَانَت إِلَى رُؤيتك مؤديةً. فَأَنا كالأعرابي الَّذِي جزى يومَ الروع خيرا فَقَالَ: جَزى اللهُ يَوْم الروع خيرا فإنهُ أرانا على علاته لُقى ثَابت وَكتب المأْمونُ إِلَى طَاهِر يسألهُ عَن اسْتِقْلَال ابْنه عبد الله.
стр. 986
فَكتب طاهرٌ إِلَيْهِ: عبدُ الله - يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ - ابْني. وَإِن مدحتُه ذممتُه وَإِن ذممتُه ظلمتُه. ولنعمم الخلَفُ هُوَ لأمير الْمُؤمنِينَ من عَبده. فَكتب إِلَيْهِ المأْمونُ: مَا رضيتَ أنْ قرَّظتهُ فِي حياتك حَتَّى أوصَيتَنا بِهِ بعدَ وفاتك. قَالَ طاهرٌ: طولُ الْعُمر ثَائِر مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ لَا يُخْليك من رُؤْيَة محَبة فِي عدوَّ. قَالَ الكبيُّ: قَالَ لي خالدُ بنُ عبد الله بن يزِيد الْقَسرِي: مَا يُعدُّ السُّؤدد. فيكُم؟ فقلتُ: أما فِي الْجَاهِلِيَّة فالرِّياسةُ، وَأما فِي الْإِسْلَام فالولاية، وخيرُ من هَذَا وَذَاكَ التَّقْوَى. فَقَالَ لي: صدقت. كَانَ أبي يقولُ: لم يُدرك الأولُ الشّرف إِلَّا بِالْفِعْلِ، وَلَا يُدركُ الأخِرُ إِلَّا بِمَا أدْرك بِهِ الأوِّلُ. قَالَ: فَقلت: صدق أبُوك سَاد الأحنفُ بِحمْلِهِ، وساد مالكُ بنُ مِسمع بمحبة الْعَشِيرَة لَهُ، وساد قُتيبة بدهائه، وسادَ الْمُهلب بِجَمِيعِ هَذِه الخِلال. فَقَالَ لي: صدقت. كَانَ أبي يقولُ: خيرُ النَّاس للنَّاس خيرُهُم لنَفسِهِ إِنَّه إِذا كَانَ كَذَلِك أبقى على نَفسه من السرَق لِئَلَّا يُقطع، ومِن القتْل لِئَلَّا يُقادَ، ومِن الزِّنى لِئَلَّا يُحد، فسَلمَ الناسُ مِنْهُ بإبقائِه على نفسِهِ. قيل: وَكَانَ عَبدُ الله بنُ يزيدَ أَبُو خَالِد مِن عقلاء الرِّجال. وَقَالَ لَهُ عبدُ الْملك يَوْمًا: مَا مالُك؟ فَقَالَ: شَيْئَانِ لَا عَيْلة عَليّ مَعَهُمَا: الرِّضا عَن الله ، والغني عَن النَّاس. فَلَمَّا نَهَضَ مِن بَين يَديه قيل لَهُ: هلا خبرتهُ بِمِقْدَار مالِك؟ فَقَالَ: لم يعدُ أَن يكون قَلِيلا فيَحقِرني، أَو كثيرا فيحْسدني. وخطب عبدُ الرَّحْمَن بنُ مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بالمِربْد عِنْد ظُهُور أمّر الْحجَّاج عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيهَا الناسُ. إِنَّه لم يبْق من عَدوكُمْ إِلَّا كَمَا يبْقى من ذَنْب الوزغَة، تضرب يَمِينا وَشمَالًا، فَلَا تلبثُ أَن تَمُوت.
стр. 987
فَسَمعهُ رجلٌ من بني قُشَيْر بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصة فَقَالَ: قبح الله هَذَا. يَأْمر أَصْحَابه بقلة الاحتراس من عدوهم، ويعدُهْم الغُرَور. وَقيل لنصْر بن سيار: إِن فلَانا لَا يكتُبُ. فَقَالَ: تِلْكَ الزِّمانةُ الخفيةُ. وَقَالَ: لوْلا أَن عمرَ بن هُبيرة كَانَ بَدويّاً مَا ضبَط. أَعمال الْعرَاق، وَهُوَ لَا يكْتبُ. اعتذر رجلٌ إِلَى مُسْلم بن قُتَيْبَة من أمْر بلغهُ عَنهُ، فعذرُه ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا هَذَا: لَا يحْملنك الخروجُ مِن أَمر تخلصْت مِنْهُ على الدُّخُول فِي أمْر لَعَلَّك لَا تتخلصُ مِنْهُ. وَقَالَ مُسلُم بنُ قُتَيْبَة: الشبابُ الصحةُ، والسُّلْطانْ الْغَنِيّ، والمروءةُ الصبرُ على الرِّجَال. وَقَالَ خَالِد بن عبد الله القسْري: يُحَمدُ الجودُ مَا لمْ يسْبقُه مَسْألةٌ وَمَا لم يتبعهُ مَن، وَلم يُزْر بِهِ قصورٌ، وَوَافَقَ مَوضِع الْحَاجة. قَالَ الرشيد لسَعِيد بن سَلْم: يَا سعيدُ، مَنْ بيتُ قيس فِي الْجَاهِلِيَّة؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. بنُو فَزَارَة. قَالَ: فمَنْ بيتُهُم فِي الْإِسْلَام؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: الشريفُ مَنْ شرفتُموه. قَالَ: صدقت. أَنْت وقومُك. قَالَ بَعضهم: أريت نصْرَ بن سيار على الْمِنْبَر بسَرْخس. وَقد حسَر ذِرَاعَيْهِ - وَكَانَ أشعرَ طَوِيل الساعدَين. وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلُم أَن جعُفرَ بن مُحَمَّد حَدثنِي عَن آبَائِهِ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا منْ أحد أنْعمَ على قوم نعْمَة فكفرُوا نعمتَه، فَدَعَا الله عَلَيْهِم إِلَّا أجيبتْ دَعوته. اللَّهُمَّ إِنَّك تعلُم أَنِّي أحسَنْتُ إِلَى ألِ بسَّام فَكَفرُوا نِعْمتي. اللَّهُمَّ افْعَل بهم. ودَعَا عَلَيْهِم. قَالَ: فَلم يَحُلِ الحولُ وعَلى الأَرْض مِنْهُم عين تطرف: وَكَانُوا سبعين رجلا، كلُّهم قد ركب الْخَيل.
стр. 988
كَانَ أَبُو هبَيرة يَقُول: أعوذ بك من كلِّ شَيْطَان مستغرب وكل نبطي مستعرِب. خطب بِلَال بن أبي بُردَة بِالْبَصْرَةِ، فَعرف أَنهم قد استحَسنوا كلامَه، فَقَالَ: لَا يمنعنكم أقبحُ مَا تعلمُونَ فِينَا أَن تقبلُوا أحسن مَا تَسْمَعُونَ منا. قَالَ ابْن هُبَيْرَة لبَعض وَلَده: لَا تكونن أول مشير، وَإِيَّاك والهوى والرأي الفطيرَ، وتجنب ارتجال الْكَلَام، وَلَا تشر على مستبدٍّ وَلَا على وغد وَلَا مثلوِّن وَلَا لجوج، وخَفِ الله فِي مُوَافقَة هوى المستثير، فَإِن التماسَ مُوَافَقَته لؤمٌ، وسوءَ الِاسْتِمَاع مِنْهُ خيانةٌ. قَالَ رجل ليزيدَ بن أَسد يَدْعُو لَهُ: أَطَالَ الله بقاءَك. فَقَالَ: دَعوني أمُتْ، وَفِي بقيةٌ تَبْكُونَ بهَا عَليّ. وشخصَ يزِيد بنُ عمرَ بن هُبَيْرَة إِلَى هِشَام بن عبد الْملك فَتكلم فَقَالَ هِشَام: مَا مَاتَ من خلف مثل هَذَا. فَقَالَ الأبرشُ الكبيُّ: لَيْسَ هُنَاكَ، أمَا نراهُ يرشح جَبينُه لضيق صَدره. فَقَالَ يزِيد: مَا لذَلِك أرشحُ وَلَكِن لجُلوسك فِي مثل هَذَا الْموضع. وَدخل يزيدُ بن عمر على الْمَنْصُور - وَهُوَ يَوْمئِذٍ أميرٌ - فَقَالَ: أيُّها الأميرُ إنَّ عَهدَ الله لَا يُنكث، وعَقدَهُ لَا يُحَل، وَإِن إمارتكُم بِكْرٌ. فأذيقُوا الناسَ حلاوَتها، وجنِّبُوهم مَرارتها. اتخذ يزيدُ بنُ الْمُهلب بستاناً بخُراسَان فِي دَاره فَلَمَّا ولي قتيبةُ بنُ مُسلم جعل ذَلِك لإبله. فَقَالَ لَهُ مَرزُبانُ مَروٍ: هَذَا كَانَ بستاناً وَقد اتخذته لإبلك؟ فَقَالَ قتيبةُ: عَن أبي كَانَ أشترباذ وَأَبُو يزيدَ كَانَ بُسْتَان باذ. قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي الحكم: لَوْلَا ثلاثٌ مَا بالَيْتُ مَتى متُّ: تزحُّف الْأَحْرَار إِلَى طَعَامي، وبذلُ الْأَشْرَاف وجوهَهُم إِلَى، وقولُ الْمُنَادِي: الصَّلَاة أيُّها الْأَمِير. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث: لَوْلَا أربعُ خِصَال مَا أعطيتُ أحدا طَاعَة، لَو
стр. 989
مَاتَت أمُّ عمرَان - يَعْنِي: أمه، وَلَو شَاب رَأْسِي، وَلَو قرأتُ الْقُرْآن، وَلَو لم يكُن رَأْسِي صَغِيرا. خطب قُتيبةُ بن مُسلم بخُراسان حِين خُلع، فَقَالَ: أتدرُون لمن تُبَايعون؟ إِنَّمَا تُبَايِعُونَ يزيدَ بن ثروان، يَعْنِي هينقة الْقَيْسِي كَأَنِّي بأمير من حاء وَحكم، قد أَتَاكُم يحكم فِي دمائكم وفروجكم وَأَمْوَالكُمْ وَأَبْشَاركُمْ ثمَّ قَالَ: الْأَعْرَاب. وَمَا الْأَعْرَاب؟ ؟ لعنةُ الله على الْأَعْرَاب جمعتكم كَمَا يُجَمع قَزَع الخريف من منَابت الشِّيح والقيصُوم، ومنابت الفلفل، وجزيرة أبر كاوَان. تركُبون الْبَقر، وتأكلُون القضْب فحملتكُم على الْخَيل، وألبستكُم السِّلاحَ، حَتَّى منع الله بكم الْبِلَاد، وأفاءَ بكم الفيءَ. قَالُوا: مُرنا بِأَمْرك. قَالَ: غُرُّوا غَيْرِي. وخطب مرّة أُخْرَى فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق. أَلَسْت أعلمَ النَّاس بكم؟ أما هَذَا الْحَيّ من أهل الْعَالِيَة فنعَمُ الصدَقة. وَأما هَذَا الْحَيّ من بكر بن وَائِل فعِلْجةُ بظراءُ لَا تمنعُ رِجْلَيْهَا، وَأما هَذَا الْحَيّ من عبد الْقَيْس فَمَا ضرب العَيْر بذنبهِ. وَأما هَذَا الحيُّ من الأزد فعُلوجُ خَلْقِ الله وأنباطُه. أيمُ الله لَو ملكتُ أمرَ النَّاس لنقشتُ أَيْديهم. وَأما هَذَا الحيُّ من تَمِيم فَإِنَّهُم كَانُوا يسمُّون الغدْر فِي الجاهليةِ كَيسان. وخطب مَرةً أُخْرَى، فَقَالَ: يَا أهل خُراسَان. قد جربتُم الوُلاة من قبلي أتاكُم أميةُ، فَكَانَ كاسمه أميةَ الرَّأْي، وأميةَ الدّين. فَكتب إِلَى خَلِيفَته إِن خراجَ خُراسان وسجستان لَو كَانَ فِي مَطبخه لم يكفهِ. ثمَّ أتاكُم بعَده أَبُو سعيد يَعْنِي الْمُهلب بن أبي صُفرة فدوم بكم ثَلَاثًا. أما تدرُون فِي طَاعَة أَنْتُم أم فِي مَعْصِيّة؟ ؟ ثمَّ لم يَجْب فَيْئا وَلم يَنْكَ عدوا، ثمَّ أتاكُم بنُوهُ بعده مثل أطباء الكلبة، مِنْهُم ابْن دحمة: حمَار يَضْربُ فِي عانةٍ، وَلَقَد كَانَ أَبوهُ يخافهُ على أمهاتِ أَوْلَاده. وَلَقَد أصبحتُم - وَقد فتح اللهُ عَلَيْكُم البلادَ، وَأمن لَكِن السُّبل. حَتَّى أَن الظعينةَ لتخرجُ مِن مَرو إِلَى سَمرقَند فِي غير جوَار. صعد خَالِد بنُ عبد الله القسْري المنبرَ بالبصْرة فأرْتج عَلَيْهِ. فَقَالَ: أيُّها النَّاس إنَّ الْكَلَام يجيءُ أَحْيَانًا فيتسبَّبُ سَببه، ويعزُّ أَحْيَانًا فيعزّ طَالبه. فَرُبمَا طلب فَأبى،
стр. 990
وكُوبر فعسا فالتأني لِمَجِيه أصوبُّ من التعاطي لأبيِّه. ثمَّ نزل. قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر: كَانَ أبي كثيرا مَا يقولُ إِذا سر: هَذَا يومٌ جريريُّ. قَالَ: فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: لقَوْله: فيالك يَوْمًا خيرهُ قبْلَ شرِّه تغَّيب واشِيِه وأقصَرَ عاذِلُه وَمثل ذَلِك مَا حكى عَن عبد الله بن طَاهِر: أنَّه كَانَ يقولُ: هَذَا من أَيَّام الكوزِ. فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: كَانَ رجلٌ إِذا مرَّ لَهُ يومٌ طيبَّ ألْقى حَصَاة فِي كوز. فَإِذا سُئِلَ عَن عمره عد الْحَصَى وَقَالَ كَذَا يَوْمًا. كَانَ مُسلم بن قُتَيْبَة يَقُول: أحزمُ النَّاس من وقى مَاله بسلطانهِ، وَوقى نفسَه بمالهِ، وَوقى دينه بِنَفسِهِ وَقَالَ إِذْ تخالجتك الأمورُ فاسْتقِلَ بأعظمها خطراً، فَإِذا لم تستبن فأرجَاها، فَإِن اشتبهت فأحُراحا أَلا يكُون لَهَا رجوعٌ عَلَيْك. وَقَالَ: احملوا الْأُمُور فِيمَا بَيْنكُم على أشُدِّها، وَلَا تراضْوا بالْقَوْل دون الفعْل. وخطب خَالِد بنُ عبد الله، فَقَالَ: أيّها النَّاس، عليكُم بالمعروفِ، فإنَّ فَاعله لَا يعْدم جوازيَه. مهما ضعف النَّاس عَن أَدَائِهِ قوى اللهُ على جَزائِه. أيُّها النَّاس، لَا يعتدَّنَّ أحدٌ مِنْكُم مَعْرُوفا لم يخرج مِنْهُ سهلاً، إِنَّكُم لَو رأيتُم الْمَعْرُوف شخصا لرأيتُموه حسَناً جميلاً. أعاذنا اللهُ وَإِيَّاكُم من الكُفر وَالْبخل. وَقَالَ خالدٌ: أيلبس الرجلُ أجودَ ثِيَابه. ويتطيّب بأطيب طيبه. ثمَّ يتخطى إِلَى الْقَبَائِل، والوجوهَ، لَا يُريد إِلَّا قَضَاء حَقي، وتعظيمي بسؤالهِ حَاجته. فَلَا أعرفُ ذَلِك لَهُ وَلَا أكافئُه عَلَيْهِ؟ تخطيتُ - إِذن - مكارمَ الْأَخْلَاق ومحاسنها إِلَى مساويها. اغتاب رجلٌ رجلا عِنْد قُتَيْبَة فَقَالَ لَهُ قتيبةُ: أمْسِكْ عَلَيْك فَلَقَد تلمَّظْت بُمضْغة طالما لَفظهَا الكرامُ. لما وَلي عثمانُ بن حيَّان المرِّي الْمَدِينَة بعد عمر بن عبد الْعَزِيز نزل دَار مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ يقولُ: مِحْلالٌ مِظعانٌ. المغرورُ من اغترَّ بك.
стр. 991
الْبَاب السَّابِع فضول الْكتاب والوزراء وتوقيعات ونكت من كَلَامهم ونوادر لَهُم
أمرَ المأْمونُ أَحْمد بن يُوسُف أَن يكْتب فِي الْآفَاق بتعليق المصابيح فِي الْمَسَاجِد فِي شهْر رَمَضَان. قَالَ: فأخذتُ القِرْطاسَ لأكتب، فاستعْجم عَليّ، ففكَّرتُ طَويلا، ثمَّ غشِيتَنْي نعْسةٌ فَقيل لي: اكتبْ: فإنَّ فِي كَثْرَة المصابيح إضاءةً للمتهجِّدين، وأنْساً للسَّابلةِ، ونفياً لمكامِن الرِّيب، وتنزيها لبيوت الله عَن وحْشة الظُّلم. أهْدى سعيدُ بن حميد إِلَى الْمَأْمُون فِي يَوْم مِهْرَجان خِوان جزْع، وَاتخذ ميلًا من ذهب بِقدر، وَحمله مَعَه. وَكتب إِلَيْهِ: قد أهديت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ خوان جزع ميلًا فِي ميل. فاستحسَن ذَلِك وَقَبله. وقَّع جَعْفَر بنُ يحيى فِي رُقَعِة متُحرِّم بِهِ: هَذَا فَتى لَهُ حرمةُ الأمل، فامتحنه بِالْعَمَلِ، فَإِن كَانَ كَافِيا فالسلطانُ لَهُ دُوننَا، وَإِن لم يكن كَافِيا فَنحْن لَهُ دون السُّلْطَان. كتبَ أَحْمد بن يُوسُف إِلَى إِسْحَاق الْموصِلِي وَقد زَارَهُ إِبْرَاهِيم بنُ الْمهْدي: عِنْدِي مَنْ أَنا عندَه، وحجَّتُنا عَلَيْك إعلامنا إياك ذَلِك قد أذنَّاك.
فصل لِأَحْمَد بن يُوسُف
أَكثر من يلجأُ إِلَى الحيلةِ مَنْ عجز عَن المبادأة والإصحار، وَأكْثر مَنْ يروم
стр. 992
المبابذة مَنْ قصَّر عَن لِطيف الخُدَع، وخفِّي الاستدراج. وَالْقَصْد مؤّد إِلَى الرشْدِ. تَأَخّر إسحاقُ ابنُ إبراهيمَ الْموصِلِي عَن إبراهيمَ بن الْمهْدي، فَكتب إليهِ: لَا عذْر لَك فِي التأَخُّرَ عنِّي، فإنِّي لَا أَخْلو من خَالَيْنِ: سَخط أَمِير الْمُؤمنِينَ علىَّ فَهُوَ لَا يكرهُ أَن يُضرني، أَو رِضَاهُ عَنِّي فَهُوَ لَا يكُرَهُ أَن يسرَّني. أمرَ المأمونُ عمْروَ بن مسْعدَة أَن يكْتب كتاب عِناية، ويوجز. فَكتب: كتابي كتابُ واثق بِمن كتْبتُ إِلَيْهِ، مَغْنِيُّ بِمن كتبت لَهُ، وَلنْ يضِيع بَين الثِّقةِ والعنايةِ مُوَصِّله. كتب أَحْمد بنُ يُوسُف إِلَى صديق لَهُ: كتبتُ إِلَيْك فِي الظُّهر تفاؤلاً بأنْ يُظهرَك اللهُ على مَنْ ناوأك، ويجعلك ظهرا لمن وَالاك. كتب بعضُهم إِلَى رَئِيس: تختم كتُبَكَ لِأَنَّهَا مطايا الْبر، وَلَا أختمها لِأَنَّهَا حوامل الشّكر. وَقع جَعْفَر بنُ يحيى إِلَى عَامل لَهُ: وأنْصفْ من وَليت أمْرَهُ، وَإِلَّا أنْصَفهُ مِنْكَ مَنْ ولي أمرَك. وَقع أَحْمد بنُ هِشام فِي قِصَةِ مُتظلَّمٍ: أكْفِني أمْرَ هَذَا، وَإِلَّا كَفيْتُه أمرَك. استشهدَ ابنُ الفُرات فِي أَيَّام وزارته على بن عِيسَى، فَلم يشْهَدْ لهُ، وَكتب إِلَيْهِ لما عادَ إِلَى بيتهِ: لَا تلُمْني على نُكُوصي عَن نُصْرتِك بِشَهَادَة زُور، فإنَّه لَا اتِّفاق على نِفاق. وَلَا وَفَاء لذِي مَيْن واختلاق. وأحْرِ بِمَنْ تعدَّى الحقَّ فِي مسرَّتِك إِذا رَضى، أَن يتعدَّى إِلَى الْبَاطِل فِي مَسَاءتِك إِذا غضِب. وَالسَّلَام. وَقع إِبْرَاهِيم ابنُ الْعَبَّاس فِي ظهرِ رُقعة: إِذا كَانَ للمحْسِنِ من الحقِّ مَا يقنِعه، وللمسيءِ مِنَ النَّكالِ مَا يقمعه، بذلَ المُحسنُ الحقَّ رغبةَ وانقادَ المُسيءُ لهُ رهبةً. كتبَ الْقَاسِم بنُ عُبَيِدْ الله الكرْمي إِلَى بعضِ الوزُراء: ولي فيمَا جدّدَ اللَّهُ من هَذِه النعمةِ للوزيرِ مِنْ بُلُوغ النِّهَايَة، مَا انتزعتُه من كتابِ الله تَعَالَى فِي قولهِ: اليْومَ أكْمَلْتُ لكم دينَكُمْ وأتْمَمْت عليكُم نعْمَتِي. وَقد عَلمَ أَن دين الله بعد نزولِ هَذِه الْآيَة لم يَزلْ نامياً عَالِيا على كل دين، وأنَّه إِنَّمَا ضرَب بجرانِهِ وقهرَ الأمَمَ شرقاً وغرباً بعد كمالهِ.
стр. 993
وقّع ذُو الرياستين إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن: يَا نِصْف إِنْسَان. وَالله لئنْ أمرْتُ لأُنفذنَّ، ولئِنْ أنفذتُ لأُبرمَنّ، وَلَئِن أبرمتُ لأبلغنَّ. فأجَابَهُ: أَنا - أعزَّك الله - كالأمَةِ السَّوْدَاء، إِن حمل عَلَيْهَا دمْدَمتْ وَإِن رُفِّه عَنْهَا أشِرتْ. وَإِن عُوقبتْ فباستحقاق، وَإِن عُفِي عَنْهَا فبإحسَان. كتب إبْرَاهيم بنْ الْعَبَّاس إِلَى أهل حِمْصَ: أمَّا بعدُ فَإِن أميرَ الْمُؤمنِينَ يرى مِنْ حَقِّ اللهِ عليهِ اسْتِعْمَال ثَلَاث يُقدّمُ بعضُهن على بعْض: الأُولى تَقْدِيم تَنْبِيه وتوجيه، ثمَّ مَا يستظهر بِهِ من تحذير وتخويف. ثمَّ الَّتِي لَا ينفعُ لحسُم الدَّاء غَيرهَا. أَنَاة فإنْ لِم تُغْنِ أعقبَ بعدَها ... وَعِيداً فإنْ لم تُجْدِ أغنتْ عزائِمْ ويقالُ: إنَّ هَذَا أوّلُ كتاب صدَر عَن خَليفَة من بني الْعَبَّاس وَفِيه شِعرٌ. وَقيل: إِن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس لم يتَعَمَّد أنْ يَقُول شعرًا، ولكنَّهُ لما رَآهُ موزُوناً تركهُ. كَاتب: أمَّا بعد، فكأنِّا فِي الثَّقةِ بك مِنْك، وكأنكَّ فِي الرأفةِ عليْنا مِنا، لأنِّا لم نرِدْك لأمْر إِلَّا نِلناهُ، وَلَا خِفْناك عَلى أمْر إِلَّا أمِنَّاه. كتب أَحْمد بنُ يُوسُف إِلَى إبراهيمَ بن الْمهْدي: الثقةُ بك سهَّلت السَّبِيل إِلَيْك، فأهْلنِا هَدِيَّة مَنْ لَا يحتشِمُ، إِلَى مَنْ لَا يغُتنِم. كتب إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس إِلَى عَليّ بن عِيسَى بن ماهان: قد بلغ مِنْ حسن ظَنك بِالْأَيَّامِ أَن وثقت بالسلامةِ مِنْها مَع الظُّلم، وَلَيْسَ هَذَا من عادَتِها. اعتذر كاتبٌ إِلَى صديق لَهُ تأخُّر اللِّقَاء، فأجابَه: أنْت فِي أوسَع العُذْر عِنْد ثِقتي، وَفِي أضْيق العذرْ عندَ شوقي. كتب رجلٌ إِلَى ابنِ سيَابه يسألُهُ عنْ رجل فَكتب فِي الْجَواب: هَو الله غثُّ فِي دينه، قذرٌ فِي دنْياه، رث فِي مروءته، سمْجٌ فِي هيئتهِ، منقطعٌ إِلَى نَفسه، رَاض عقلُه، بخيلٌ بِمَا وسّع الله عليهِ من لذَّته، كَتُومٌ لما أتَاهُ اللهُ من فضلهِ، حلافٌ، لجوجٌ، لَا ينصفُ إِلَّا صاغراً، وَلَا يعدِلُ إِلَّا راغماً، وَلَا يَرفعُ نفسَه عَن منزلَة إِلَّا ذل بعد تعززه فِيهَا.
стр. 994
كتب إسْحاقُ بنُ إبراهيمَ الْموصِلِي إِلَى إِبْرَاهِيم بنِ الْمهْدي: مَنْ كانَ كُله لَك وَقع كلُّه عليْكَ. وقَّعَ عليُّ بنُ عِيسَى على قصَّة لاْبنِ قرابةَ العطَّار: منْ تحقق بالوزراء وجالس الأُمراء ودَاسَ بُسطَ الْخُلَفَاء وماثَل الكبراءَ وأمرَ ونهىَ فِي مجالسِ الرؤساء، بعَقلٍ يسير وفهْم قصيرِ، وَرَأى حقير وأدب صَغِير - كَانَ خليفاً بالنكبة، وحرياً بالمصيبة، وجديراً بالمحْنة، وَأَنا أتلكًّم إِذا حضرني الكلامُ فِيك بِمَا يقربُني إِلَى الله. كَاتب: لَا أعِدُك فأطمعك وَلَا أويسك فأقطعك، وَإِن أمكنتْني فَرْصةٌ فعلتُ. أخر: قد أعليتَ من يدٍ كَانَت مَقْبُوضَة، واسْمَيْت مِنْ مقْلة كَانَت مغْضُوضَةً. كتب بعضهُم إِلَى صديق لَهُ - وَقد تَأَخّر عَنهُ كِتَابه: إِن كنتَ لَا تُحسنُ أَن تكتُب فَهُوَ زَمانةٌ، وَإِن كنت تكتبُ وَلَا تكاتبُ إخوانَكَ فَهُوَ كسلٌ، وَإِن كنت تكتبُ وليسَ لَك قِرْطاسٌ ودواةُ فِي سوءُ تَدْبِير، وَإِن اعتذرت بِغَيْر مَا كتبت فهُو وَقاحةٌ. فصلٌ: أظلنِي من مولَايَ عارضُ غيث أخْلف ودقةُ، وشاقني رائحُ غوْث كذب برقُه، فقابله فِي حَرَّان مُمْحل أخطأهُ النّوء، وحَيْرَان مظلم خذلهُ الضوءُ - فصل: لِيَهنك أنّ جَمِيع نظرائك، وأكفائك يتنازعُون الْفضل فَإِن انْتَهوا إليكَ أقرُّوا لكَ ويتناصَفونَ المنازلَ فَإِن بلغوك وقفُوا دُونك - آخر: ثقْ مني بكتمان وَإِن أتعبَ القلبَ، ومساعدة وَإِن ثلمَتِ المروءةَ وَطَاعَة وَإِن قدحَتْ فِي الدِّين - آخر: حَقُّ لمن غُدي ببركَ، وارتضَعَ أخَلافَ إحسانكَ، وتنسَّم رَوْح خلائِقك أَن يكثُر عِنْد ذكرِكَ إِيَّاه شكرُه، ويتمهد عِنْد نسيانِك لَهُ عّذْره. كتب بعضُ عُمَّال إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس إِلَيْهِ يستزيدُه، فَوَقع فِي كتاب: اسْتدْع مَا عِنْدِي بالأثرِ لَا بالطلبِ. كَاتب: اتَّصل بِي خبرُ الفَتْرة فِي إلمامها وانسحارِها، ونبأ الشَّكاةِ فِي حُلُولها وارْتحالها، فَسَاد يسْعضلُ القلق بأوله عَن السُّكون لأخرِه، وتذهلُ عاديةُ الْحيرَة فِي ابْتِدَائه عَن عَائِدَة المسّرة فِي انتهائه، وَكَانَ التَّصَرُّف فِي الْحَالَتَيْنِ بِحَسب قدرهَا
стр. 995
ارتياعاً للأُولى وارتياحاً للأُخرى - غضب يحيى بنُ خَالِد على بعض كتُابِه، فَكتب إِلَيْهِ الْكَاتِب: إِن لله قبلكَ تبعات وَلَك قبْلَة الحاجاتِ إِلَّا فأسألك بِالَّذِي يهب لَكَ الْحَاجَات وهبتَ تبعتك - قيلي لَهُ. فَرِضِي عَنهُ - قَالَ بعضُ الْكتاب: إِذا أقبلتِ الدّوَلُ كَثُرتِ العُدَدُ وإنْ قل العَدْد وَإِذا أدْبرتْ كثر العَدَدُ وقلتُ العُدَدُ كتب ابْن صبيح: فهمتُ كتابك باعتذارِك، فَجرد الْإِقْرَار بالذنب فَإِن الأول يَقُول: لَا تَرجُ رجعةَ مذنبٍ خلط احتجاجاً باعتذار الحسنُ بن وهب: إنّ حُسْن ثَنَاء الصادرين عَنك إليْنا يزِيد فِي عدد الوَاردين عَلَيْك من قِبَلنا. وَقع جوهرٌ مولى الفاطميين لما افْتتح مصر فِي قصَّة رَفعهَا إِلَيْهَا أهلُها سُوءَ الاحترام أوقْع بكم حُلُول الانتقام. وكفرُ الإنْعام أخَّوكْم منْ حفظ الذِّمام. فالواجبُ فِيكُم ترْكُ الْإِيجَاب، واللازمُ لكم ملازمةُ الاجتناب، لأنكم بدأتُم فأسأتُم، وعدْتُم فتعديتُم. فابتداؤكم مَلوم، وعَودْكم مذْموم، وَلَيْسَ بَينهمَا فُرْجةٌ تَقْتَضِي إِلَّا الذَّم لكم، والإعراض عَنْكُم ليرى أَمِير الْمُؤمنِينَ - صلواتُ الله عَلَيْهِ - رأيهُ فِيكُم. كتب عَليّ بن هِشَام إِلَى المَوْصلي: مَا أَدْرِي كَيفَ أصنع؟ أغِيبُ فأشتاق، وألْقى فَلَا أشتِفي. ثمَّ سَيُحدِث لي اللقاءُ نوعا من الحُرقة، للوعة الْفرْقَة. كتب آخر: من الْعجب إذكار معنَّى، وحثُّ متيقظ، واستبطاءُ دابر إِلَّا أنّ ذَا الحاجةِ لَا يدَع أَن يَقُول فِي حَاجته. كتب بَعضهم إِلَى ابْن الزيات: إِنَّا مِمَّا يطمعني فِي بقائنا عَلَيْك، ويزيدني بَصِيرَة فِي دوامها لَك - أَنَّك أَخَذتهَا بحقك، واستدَمتها بِمَا فِيك من أَسبَابهَا. وَمن
стр. 996
شأْن الْأَجْنَاس أَن تتقاوم، وَالشَّيْء يتقلقل إِلَى معدته، ويحنُّ إِلَى عنصره، فَإِذا صَادف مَنبِته ركَن فِي مغرسه، وَضرب بعِرقه، وسمق بفرعه، وَتمكن للإقامة، وَثَبت ثبات الطبيعة. آخر: إِلَّا ابْن خاقَان: رايتُني فِيمَا أتعاطى من مَدحك كالمُخبِر عَن ضوء النَّهَار الباهر، وَالْقَمَر الزَّاهِر، الَّذِي لَا يخفى على نَاظر، وأيقنت أَنِّي حَيْثُ أَنْتَهِي من القَوْل منسوبٌ إِلَى الْعَجز، مقصَّرٌ عَن الْغَايَة، فَانْصَرَفت عَن الثَّنَاء عَلَيْك إِلَى الدُّعاء لَك، ووكلت الْإِخْبَار عَنْك إِلَى علم النَّاس بك. كتب الْحسن بن وهْب إِلَى صديق لَهُ يَدعُوهُ: افتتحت الْكتاب - جعلني الله فدَاك - والآلات معدةٌ، والأوتار ناطقةٌ، والكأْس محثوثة، والجو صَاف، وحواشي الدَّهْر رقاقٌ، ومخايل السرُور لائحةٌ، ونسأل الله إتْمَام النِّعْمَة بِتمَام السَّلامَة من شوب الْعَوَائِق، وطروق الْحَوَادِث، وَأَنت نظام شمْل السرُور، وَكَمَال بهاء الْمجْلس. فَلَا تخترِمْ مَا بِهِ يَنْتَظِم سروري وبهاء مجْلسي. كَاتب: قد أهديت لَك مودّتي رَغْبَة، ورضيت مِنْك بقبولها مثوبة، وَأَنت بِالْقبُولِ قَاض لحق، ومالكٌ لرقٍّ. آخر: قلّ مَن يَضبِط مَن وَجهه صُفرة الْفرق، وحمْرة الخجَل، وإشراق السُّرور، وكمَد الحُزن، وَسُكُون الْبَرَاءَة، واضطراب الرِّيبة. قَالَ بَعضهم: كنت بِحَضْرَة عبيد الله بن سُلَيْمَان، فوردتْ عَلَيْهِ رقعةٌ من جَعْفَر بن مُحَمَّد بن ثوابة نُسختُها: قد فتحتَ للمظلوم بابك، وَرفعت عَنهُ حجَابك، فَأَنا أحاكم الأيامَ إِلَى عدْلك، وأشكو صروفها إِلَى فضلك، واسْتجير من لؤم غلبتها بكرم قدْرتك وَحسن ملكيتك، فَإِنَّهَا تؤخِّرني إِذا قدِمَتْ، وتحرمني إِذا قسَمَتْ، فَإِن أعْطت أَعْطَتْ يَسِيرا، وَإِن أرتجعت ارتجعت كثيرا، ولمْ أشكها إِلَى أحد قبلك، وَلَا اعتمدتُ للانتصاف مِنْهَا إِلَّا فضلك، ولي مَعَ ذِمَام المْسألة لَك وحقِّ الظُّلامة إِلَيْك ذمام تأْميلك، وقدّم صدق فِي طَاعَتك. وَالَّذِي يملأُ من النصفة
стр. 997
يَدي، ويفرغ الْحق عَليّ حَتَّى تكون إِلَى محسناً، وأكون بك للأيام مقرفاً - أَن تخلطني بخواص خدَمك الَّذِي نقلتهم من حرِّ الْفَرَاغ إِلَى الشُّغل، وَمن الخمول إِلَى النباهة وَالذكر، فَإِن رَأَيْت أَن تقرّبني فقد استعديت إِلَيْك، وتنصرني فقد عذت بك، وَتوسع لي كنفك فقدْ أدَيْتُ إِلَيْهِ، وتَسِمَني بإحْسانك فقد عوّلت عليْه، وتسْتعمل يَدي ولساني فِيمَا يصلحان لَهُ من خدْمتك، فقد درست كتب أسْلافك، وهم القدْوة فِي الْبَيَان، واستضأْت بآرائهم واقتفرت آثَارهم اقتفاً جعلني بَين وَحشِي الْكَلَام وأنسيّه، ووقفني مِنْهُ على جادة متوسِّطة يرجع إِلَيْهَا الغالي، وَيلْحق بهَا للقصِّر التَّالِي، فطتُ إِن شَاءَ الله. قَالَ فَجعل عبيد الله يردّدها، ويستحسنها، ثمَّ قَالَ: هَذَا أَحَق بديوان الرسائل. كَاتب: كَانَ لي أملان: أَحدهمَا لَك، وَالْآخر بك، وَأما الأمل لَك فقدْ بلغته، وَأما الأمل بك فأرجو أَن يحققه الله ويوشكه. آخر: ودّعتُ قلبِي بتوديعك، فَهُوَ يتَصَرَّف بتصرِّفك، وينصرف بمنصرفك. آخر: قد كنتَ لنكبات الدَّهْر مستعداً، ولغدَراته متحرِّفاً، فَهَل زَاد على أنْ صدقَك عَن نَفسه، وأتاك بِمَا كنت علما أَنه يَأْتِيك؟ فَكيف تجزع وَأَنت تعلم أَنه ليسَ لما وَقع مَرَدٌّ وَلَا لمَا ذهب مرتجَع؟ تهنئة بابنْة: رب مَكْرُوه أعْقب مَسَرةً، ومحبةٍ أعقبت معَرةً، وخالق الْمَنْفَعَة والمضرة أعلم بمواضع الخيرَة. آخر: إِنَّه ليتربص بك الدَّوَائِر، ويتمنى لَك الغوائل، وَلَا يؤمِّل صلاحاً إِلَّا بِفساد حالك، وَلَا رفْعَة إِلَّا بِسُقُوط قدْرك. فصل: حسر الدَّهْر عَن تجمُّلي قِناع القناعة، ولكنِّي مَعَ الضمأ - عَن دني الْمَوَارِد - نافرٌ، وَمَعَ الْفَاقَة بغنى النَّفس مُكاثرً. فصل: من تهنئة بإملاك: وَكَيف يرتاع لهجوم غُرْبة، وأو يجاور توحُّش نُقلة مَن لم يقطعهُ اتِّصَاله بِي عَنْك، وَلَا باعده انْتِقَاله إِلَيّ مِنْك، فَهُوَ مخاطبٌ على الْبعد
стр. 998
بألفاظك، مرموقٌ بالمرَاعاة من ألحاظك، غير نازح عَمَّا أَلفه من عَواطف الولادَة، ورأفة التربية، وانبساط الأُنسة، وَالله يُسْعدها بِمن سارتْ بهَا من وفدتْ عليْه، ويُريني من المحبةِ فِيهَا مثلَ مَا أرانيه من الْمحبَّة بهَا، وَكَيف يُوصَى النَّاظر بنوره، أم كَيفَ يُحضُّ الْقلب على حفظ سروره. وَمثله لأبي إسْحاق الصابي، كِتَابه عَن بختيار إِلَى أبي تغلب وَقد نقل إِلَيْهِ ابْنَته: قد وجدت الْوَدِيعَة، وَإِنَّمَا نقلتْ من وَطن، إِلَى سَكن، وَمن مَغرِس إِلَى مُعَرسّ، وَمن مأوى ير وانعطافْ، إِلَى مَثوَى كَرَامَة وألطاف، وَمن مَنبِت درت لَهَا نعماؤه إِلَى منشأٍ يجود عَلَيْهَا سماؤُه، وَهِي بضعةٌ مني انفصلتْ إليْك، وثمرةٌ من جَنَى قلبِي حَصلتْ لديْك، وَلَا ضَياع عَليّ مَن تصحبه أمانتك، ويشتمل عليْه حفظك ورعايتك. فصل: إِذا طلبْتُ عِنْد غَيْرك مَا لُم أنلْ نلتُ مِنْك مَا لمْ أطلبْ، وَإِذا عدمتُ عِنْد سواكَ مَا رجوتُ وجدتُ عندَك مَا لم أرج، فاليأس من خيرك أَنْفَع من رجاي لغيرك، لِأَنَّك لَا تَقول فتفعلُ، وغيْركُ يقولُ فَلَا يفعلُ، ولأنك تعتذرُ من الجزيل إِذا امتن غَيْرك بِالْقَلِيلِ. فصل: مِلْكُ الْأَنْعَام أكْرم من مِلْكِ الرِّق، ورق الحرِّ أَفْخَر من رق العَبْد، لِأَن العَبْد يعطيك طاعتهُ كُرهاً، وضميره سواهَا، والحرُّ يبذلُها لَك طَوْعًا، ويعتقد ظَاهرهَا وفحواها. كتب أَبُو النَّجْم حبيب بن عِيسَى إِلَى عَمْرو بن مسعدةَ: يَنْبَغِي لمن علقتْه حبائلُك، وشقي بصُحبتك أَن يكون لَهُ صبرُ أيوُّب، وَعمر نوح، وكنوزُ قَارون، ومُلكُ هَارُون، فيستعين بِالصبرِ على ممَاطلتك، بالعُمِر على طول أيامك،
стр. 999
وبالكنوز، على مواعدك، وبالملك على مَا ينالُه من الذلِّ ببَابك. كتب سهلُ بن هَارُون إِلَى ذِي الرياستين: إِلَى اللازمنة فرجا. فَكُن من وُلاة فرجهَا، ولأيامَها دُولا، فخُذ بحظك من دوَلْتك مِنْهَا، ولدُولها أمْراً فتزود قبل أَوَان تصرُّمها، فَإِن تعاظمَك مَا أنبأْتُك عنهُ فَانْظُر فِي جَوَانبها تأْخذك الموعظةُ من جَمِيع نَوَاحِيهَا، وَاعْتبر بذلك الِاعْتِبَار على أَنَّك مسلمٌ مَا سلم إليكَ مِنْهَا. قَالَ: فَكتب عهدهُ على فَارس. كتب بَعضهم إِلَى الْفضل بن سهل: يَا حافظَ من يُضيعُ نَفسه عِنْده، وَيَا ذَاكر مَن ينسى نصِيبه منْه، لَيْسَ كتابي إِذا كتبتُ استبطاء، وَلَا إمساكي إِذا أمسكتُ اسْتغْنَاء، لَكِن كتابي تذكرةٌ لَك وإمساكي عَنْك ثقةٌ بك. وصف الحسنُ بنُ سهلٍ المحن فَقَالَ: مَعهَا تمحيصٌ من الذِّئْب وتنبيهٌ من الغفْلة، وتعريضٌ للصَّوَاب بِالصبرِ، وتذكيرٌ بالنِّعْمة، واستدعاءُ للتوبْة، وَفِي قدر الله وقضائه. كتب أَبُو عَليّ بُرْد الْخِيَار بن مُقْلة إِلَى أبي الْحسن بن الْفُرَات اقتصَرت - أَطَالَ الله بَقَاء الْوَزير - عَن الاستعطاف والشكوى، وَحَتَّى تناهت المحنةُ والبلوى فِي النَّفس وَالْمَال، وَالْجِنْس، وَالْحَال إِلَى مَا فِيهِ شفاءُ للمنتقم، وتقويم للمجترم، وَحَتَّى أفضيتُ إِلَى الحيْرة والتبلُّد وعيالي إِلَى الهلكة والتلدُّد: وَمَا أقولُ إِن حَالا أَتَاهَا الوزيرُ - أيده اللهُ - فِي أَمْرِي إِلَّا بِحَق وَاجِب، وَظن صَادِق غير كَاذِب، وَإِلَّا أَن القُدرة تُذْهبُ الحفيظة، وَالِاعْتِرَاف يزُيلُ الاقتراف. ورَبُّ الْمَعْرُوف يؤثرهُ أهلُ الفضْل وَالدّين، والإحسانُ إِلَى الْمُسِيء من أفْعال المتّقين، وعَلى كلِّ حَالَة فلي ذمامٌ وحُرمةٌ وتأْميلٌ، وخدمةً إِن كانتْ الإساءةُ تُضيعُها، فرعايةُ الْوَزير - أيدهُ اللهُ - تحفظُها. كتب بَعضهم إِلَى آخر: أما بعدُ: فقد كُنْتَ لنا كلُّك فَاجْعَلْ لنا بعضك وَلَا ترض إِلَّا بالكُلِّ منَّا لَك.
стр. 1000
كتب يحيى بن خَالِد إِلَى الرشيد من الْحَبْس: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، إنْ كَانَ الذْنبُ خَاصّا فَلَا تعمنَّ بالعُقوبة، فَإِن الله يقولُ: " وَلَا تزرُ وازرةٌ وزْر أخْرى ". وجُد فِي كتاب لجَعْفَر بن يحيى أربعةُ أسطر بِالذَّهَب: الرزقُ مقسومٌ، والحريصُ محرومٌ، والبخيلُ مذمومٌ، والحسودُ مَغْمومٌ. قَالَ منصورُ بنُ زِيَاد. الكاتبُ: للمعلى بن أيُّوب: وَالله إِنِّي لأبذلُ، وَإِنِّي لأقدر وَإِنِّي لأختارُ، وَإِنِّي لأستشير، وَإِنِّي لأحب مَعَ طيب لخير، وَحسن المنظر، وَإِنِّي لأعشقُ الْبَهَاء كَمَا تتعشقُ الْمرْآة الحسناءُ، وَإِنِّي مَعَ ذَلِك لأدخُل دَارك فأحقر كل شَيْء فِي دَاري. فَمَا العلةُّ؟ قَالَ: أَو مَا تعلمُ؟ قَالَ لَا. قَالَ لِأَنِّي أقدَمُ عني مِنْك. كَانَ نقش مُحَمَّد بن داودَ الجرْاح: من نمٍّ إِلَيْك نمِّ عَلَيْك. قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد: سَأَلت الْفضل بن سهل حَاجَة. فَقَالَ: أشوقك الْيَوْم بالوعد، وأحْبوك غَدا بالإنجاز، فَإِنِّي سَمِعت يحيى بن خَالِد يَقُول: المراعيد شبكةٌ من شباك الْكِرَام، يصيدون بهَا محامدَ الْأَحْرَار وَلَو كَانَ المعْطي لَا يَعدُ، لارتفعت مفاخرُ إنجاز الوَعْد، ونقَص فضل صدق الْمقَال. ووقَع الْفضل إِلَى تَمِيم بن مخرمَة الْأُمُور بِتَمَامِهَا، والأعمال بخواتيمها، والصنائع باستدامتها، وَإِلَى الْغَايَة مَا يجْري الجَواد، فهناك كشفت الْخِبْرَة قناع الشَّك، فحمِد السَّابِق، وذمِّ السِّاقط. كَانَ يحيى بن خَالِد: يَقُول لسْتَ ترى أحدا تكبِّر فِي إِمَارَة إِلَّا وَقد دَل على أَن الَّذِي نَالَ فَوق قدره، ولسْت ترى أحدا تواضع فِي الْإِمَارَة إِلَّا وَهُوَ فِي نَفسه أكبر مِمَّا نَالَ من سُلطانه. احْتَاجَ يحيى فِي الحَبْسٍ إِلَى شَيْء فَقيل لَهُ: لَو كتبتَ إِلَى صديقك فلَان فَقَالَ: دعُوه يكن صَديقاً. وَحضر الْفضل بن الرّبيع جَنَازَة ابْن حمدون بعْدَ نكبة البرامكة، فذكرَهم، وأطراهم، وقرظهم، وَقَالَ: كُنَّا نعتب عليهمْ، فصرنْا نتمنِّاهمْ وتبكي عليهمْ، ثمَّ أنْشد متمثلاً. عتبتُ على سلم فلَّما فقدْتُه ... وجريت أَقْوَامًا بَكَيْت على سَلم
стр. 1001
قَالَ الْفضل بن سهل: رَأَيْت جملَة السخِّاءِ حسن الظَّن بِاللَّه، وَجُمْلَة الْبُخْل سوء الظنِّ بِاللَّه، وَقَالَ الله تَعَالَى: الشَّيْطَان يعدُكم الفقرَ. وَقَالَ: " وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلف " احْتِيجَ أَن يكْتب على المعتضد كتابٌ يشْهد عَلَيْهِ فِيهِ العُدول، وفلما عُرضت النُّسْخَة عَن عبيد الله بن سُلَيْمَان، وَكَانَ ابْن ثوابة قد كتبهَا كَمَا يكْتب فِي الصكاك فِي صِحَة عقله، وجَواز أمْره لَهُ وعليْه، فضرَب عليْه عبيد الله وَقَالَ: هَذَا لَا يجوز أنْ يُقَال للُخليفة، وَكتب: فِي سَلامَة من جسْمه، وأصالة من رَأْيه. قَامَ رجلٌ إِلَى الرشيد يحيى بنُ خَالِد يسايره فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ أَنا رجلٌ من المُرابطة وقدْ عطبتْ عابتي. فَقَالَ: يعْطى ثمن دابّته خمْسمائة دِرْهَم. فغمزه يحيى، فَلَمَّا نزل، قَالَ يأبَهُ. أَوْمَأت إِلَيّ بِشَيْء لم أفهمهُ. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. مثلُك لَا يجْرِي هَذَا المقدارُ على لسانهِ، إِنَّمَا يَذكر مثلُك خَمْسَة آلَاف ألفٍ إِلَى مائةِ ألف. قَالَ: فَإِذا سُئِلتُ مِثل هَذَا، كَيفَ أقولُ؟ قَالَ: تقولُ: تُشتَرى لَهُ دابّةٌ: يُفْعَل بهِ مَا يُفْعلُ بأمثاله. لما صَار نعيم بن حَازم إِلَى الْحسن بن سهل أقبل يَقُول: ذَنبي أعظمُ من الْمسَاء، أكثرُ من المَاء. فَقَالَ الحسنُ لَهُ: لَا عليكَ. تقدمتْ لَك خِدمة، وتوسّطت مِنْك طاعةٌ وعقِّبتَ باعتذار، وَمَا للذنبِ بَين هَذِه مَقَر، وَلَيْسَ ذنبُك فِي الذنوبِ بأعظمَ من عفْو أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْعَفو، وَأصْلح أمره. دخلَ الأصْمَعي إِلَى الحسنِ بن سَهْل فَقَالَ: يَا أصمعي: مَا أحْسنُ الكَلامِ؟ فَقَالَ: أصلح الله الأميرَ. مَا فَهمتْهُ العامةُ، وقدمته الْخَاصَّة. قَالَ رجلٌ لعبد الحميد أخُوكَ أحبُّ إليكَ أم صديقُك؟ قَالَ: إِنَّمَا أحِب أخي إِذا كَانَ صديقا. قَالَ ثُمامةُ: لما دخل الفضلُ بنُ سهل إِلَى الرشيد - وَقد وصفهُ لهُ يحيى بنُ
стр. 1002
خَالِد - حضر فَلم ينْطق، فَأنْكر الرشيدُ ذَلِك، فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ: إنَّ من أبيْنَ الدلالةِ على فراهةِ الخادِم شِدّةُ إفراطِ هيبتهِ لسَيِّده، فَقَالَ الرشيد: أحْسنت، إِن كنت لتقولُ هَذَا، وَإِن كَانَ هَذَا شَيْئا أدركك عِنْد انقطاعك، إِنَّه لأحسنُ وأحسنُ وأحسنُ، ثمَّ ضمهُ إِلَى المَأمون. وَقَالَ الْفضل بن سهل: الرَّأْي يَسُدّ ثُلمَ السَّيْف، وَالسيف لَا يسُد تُلَم الرَّأْي. قَالَ ابنُ الزيَّات الْوَزير: لَا يتصورنًّ لَك التواني بِصُورَة التوكُّل، فتخلدَ إِلَيْهِ، وتُضيع الحْزمَ، فَإِن الله وَرَسُوله أمرا بِغَيْر ذَلِك، قَالَ الله تَعَالَى: وشاروهْم فِي الْأَمر فَإِذا عزمْت فتوكل على الله، فَجعل التَّوَكُّل بعد الْعَزْم، والمشورةِ. وَقَالَ النَّبِي ﵇ لصَاحب الناقةِ: اعقلها وتوكّل. قَالَ رجلُ لِعبيد الله بن سُلَيْمَان: لَو كَانَ للوزير بِي عنايةٌ مَا كَانَ عَليّ نابي الطّرف، وَلَا كنتُ من دركي مِنْهُ على حرف، فَقَالَ عبيدُ الله: أَيهَا الرجل. على رسْلِك، فَعَسَى نَظَرِي لَك فِي الْإِعْرَاض عَنْك، وَلَعَلَّ اُستصلاحي إيُاك بالانقباض مِنْك ثق باهتمامي بك إِلَى أوَان إسعافك، فَإِن تقربُّك إِلَيّ بتعريضكِ أجلبُ للنيل إِلَيْك مِن تباعدِك عني باقتضائك. وَأعلم أَنِّي وَزِير. وقّع ابنُ الزيات إِلَى بعْض عماله: توهمتُك شهماً كَافِيا، فوجدتك رسْماً عافياً، لَا محامياً وَلَا واقياً. أخبرنَا الصاحبُ ﵀ قَالَ: أخبرنَا عبدُ الله بنُ مُحَمَّد الأيجي قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن الْأَزْدِيّ. قَالَ أخبرنَا أَبُو حَاتِم سهل بن مُحَمَّد السجسْتانِي قَالَ: ورد علينا عاملٌ من أهل الْكُوفَة، لم أر فِي عُمَّال السُّلْطَان بِالْبَصْرَةِ أبرَعَ مِنْهُ، فدخلتُ مُسلما عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا سجستاني مَن عُلَمَاؤُكُمْ بِالْبَصْرَةِ؟ قلت: الزيَادي أعلمنَا بِعلم الْأَصْمَعِي، والمازني أعلمنَا بالنحو، وهلالُ الرَّأْي من أفقهنا، والشاذكُوني من أعلمنَا بالحديثِ، وَأَنا - رَحِمك اللهُ - أنسبُ إِلَى علم الْقُرْآن، وَابْن الْكَلْبِيّ من أكتبنا للشروط. قَالَ: فَقَالَ لكَاتبه: إِذا كَانَ غَدا فاجمعهُم لي، قَالَ: فجمعنا فَقَالَ: إيكم الْمَازِني؟ قَالَ أَبُو عُثْمَان: هانذا يَرْحَمك الله، قَالَ هَل تُجزئ فِي كَفَّارَة الظِّهَار عتقُ عبدٍ أعورٍ؟ فَقَالَ الْمَازِني: لستُ صاحبَ
стр. 1003
فقه. أَنا صاحبُ عَرَبِيَّة، فَقَالَ: يَا زيادي. كَيفَ تكتبُ كتابا بَين رجل وَامْرَأَة خَالعهَا على الثلاثِ من صَدَاقهَا؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا من علمي، هَذَا من علم هِلَال الرَّأْي. قَالَ يَا هلالُ: كم أسْند ابنُ عون عَن الْحسن؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِن علمي، هَذَا من علم الشاذكُوني، قَالَ: يَا شاذكوني. من قَرَأَ: " فتثبتُوا أَن تصيبوا قَالَ: لَيْسَ هَذَا من علمي: هَذَا من علم أبي حَاتِم. قَالَ يَا أَبَا حَاتِم: كَيفَ تكتبُ كتابا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ تصف فِيهِ خصاصةَ أهل الْبَصْرَة وَمَا أصابُهم فِي الثَّمَرَة. وتسألُه لَهُم النظرَ والنظرة؟ فَقلت: لستُ - رَحِمك اللهُ - صَاحب بلاغة وَكِتَابَة: أَنا صاحبُ قُرْآن. فَقَالَ: مَا أقبحَ بِالرجلِ أَن يتعاطى الْعلم خمسين سنة لَا يعْرف إِلَّا فنَّا وَاحِدًا، حَتَّى إِذا سُئِلَ عَن غَيره، لم يُحل فِيهِ وَلم يُمِرّ، لَكِن عالمنا بِالْكُوفَةِ الْكسَائي لَو سئُل عَن كل هَذَا لأجاب. قَالَ يحيى بن خَالِد: مَا رَأَيْت شِريبَ خمر نزع، ولَّصا أقلع، وَصَاحب فواحشٍ رَجَعَ. وَقَالَ: مَا سقطَ غُبارُ موكبي على أحد إِلَّا أوجبتُ حقَّهُ. كتب أَبُو صَالح بن يزدَاد إِلَى جَعْفَر بن مَحْمُود: مَا زلتُ - أيدَّكَ الله - أَذمّ الدهرَ بذمك إِيَّاه، وأنتظر لنَفْسي وَلَك عقبَاه، وأتمنى زوَال حَال من لَا ذَنْب لَهُ إِلَى رَجَاء عاقبةٍ محمودة، تكون لَك بزوَالِ حالهِ، وَتركت الإعْذارَ فِي الطّلب على اختلال شَدِيد إِلَيْهِ، وضنَّا بالمعروفِ عِنْدِي إِلَّا عَن أَهله، وحبساً لشكري إلاّ من مُسْتَحقّه.
стр. 1004
فوقعَ جَعْفَر: لم أوخر ذكرَك تناسياً لحقك، وَلَا إغفالاً لواجبك، وَلَا إرجاءً لِمُهمِّ أمرِك، وَلَكِن يرقَبتُ اتْساع الْحَال وانفساحَ الأعْمال لأخصِّك بأسْناها خطراً، وأجَلِّها قدْراً، وأعْودِها ينفعٍ عَلَيْك، وأوْفرها رزقا لَك، وأقربها مَسَافَة مِنْك، وَإِذا كُنت مِمَّن يحفرُهُ الإعْجال، وَلَا يتسعُ لَهُ الإمُهال، فسأختارُ لَك مَا يُشِير إِلَيْهِ الوَقت، وأقَدمُ النظرَ فِيهِ وأجعلُه أول مَا أمَضيه. قَالَ الحسنُ بنُ سهل: لَا يكسد رَئِيس صِناعة إِلَّا فِي شَرّ زمَان، وأخس سُلْطَان. اعتل ذُو الرّياستين بخُرَاسانَ مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ أبَلّ واستقلّ وَجلسَ للنَّاس فدخلُوا إِلَيْهِ وهنئُوه بالعافية، فأنصت لهمْ حَتَّى تقضي كَلَامهم، ثمَّ انْدفع فَقَالَ: إِن فِي الْعِلَل نِعماً لَا يَنْبَغِي للعقلاء أَن يجهلُوها، مِنْهَا تمحيصٌ للذنب، وتعريضٌ لثواب الصبْر، وإيقاظٌ من الغفلةِ، وإذكارٌ بالنعمةِ فِي حَال الصِّحَّة، واستدعاءٌ للتَّوْبَة، وحضًّ على الصدقةِ، وَفِي قَضَاء اللهِ وَقدره بعد الخيارُ. فَانْصَرف النَّاس بِكَلَامِهِ، ونسوا مَا قَالَ غَيره. كتب عَمْرو بن مسعدةَ: وَأَنا أحبُّ أَن يتقَّررَ عِندك أَن أملي فِيك أبعد من أَن أختلسَ الْأُمُور اختلاس من يرى أَن فِي عاجِلك عوضا من آجلِك، وَفِي الذاهبِ من يومِك بَدَلا من المأْمولِ فِي غدك. كتبَ ابْن الفراتِ على بن مُحَمَّد، وَمُحَمّد بنُ داودَ، وَمُحَمّد بنُ عبدون رقُعةً إِلَى الْعَبَّاس بنِ الحسنِ الوزيرِ يستزيدون فِيهَا، فَوَقع بخطٍ على ظهرهَا مَا حالكم حَال مستنيد، وَلَا فَوق مَا أَنا عليهِ لكم مِن مزِيد، فَإِن تكن الاستزادةُ من مَال فَهُوَ موفورٌ عليكُم، وَإِن نَكُنْ من رَأْي فالأعمالُ لكُم، ولي اسْمها، وَعلي عبُثُها، وثِقلُ تدبيرها وَأَقُول لعَلي بنِ مُحَمَّد من بينكمْ: مَا يطيقُ نَفسه تدللا واعتداداً أَمن بِؤُس كَانَت هَذِه الاستزادة أم من بطر النعمةِ، ودلالِ الترفة، ولي فِي أمرِ جماعتكم نظرٌ ينكشِفُ عَن قريب، حَسْبي، وحسبكم الله ونعمَ الحسيبُ -. قَالَ عبيد الله بنُ سُلَيْمَان: كنتُ أكتبُ بَين يَدي أبي سُلَيْمَان داودَ ابْن الْجراح فَقَالَ لي يَوْمًا: أصلحْ قلمَكَ، وأكتب أطالَ اللهُ بَقَاءَك، وأعزك، وأكرمَك، وَأتم نعمتَهُ عَلَيْك، وإحسانه إليكَ.
стр. 1005
كُتبتُ الْوَكِيل - أعزّك اللهُ متصلةٌ بشُكرك، والضيْعةُ ضيْعَتُكَ، وكلُ ماتيهَ فِي أمرِها فموقعهُ يحسنُ مني وشُكري عليْه يتضاعفُ، وخطاباً فِي هَذَا الْمَعْنى. وَكَانَت هَذِه المخاطبةُ لَا يخاطبُ بهَا إِلَّا صاحبُ مصرَ أَو فَارس، فقلتُ: قد ابْتاعَ ضَيعةً بأحَدِ الموْضعين! ثمَّ أصْلح الْكتاب فَقَالَ: عنونْه إِلَى الرخجي وَكَانَ يتقلَّد النهرَوانَ الْأَوْسَط - ثمَّ رمى إِلَى كتابا لصاحبِ بريد، فقالَ: وَقع عَلَيْهِ. أنتَ أعزّك الله تقفُ على مَا تضمنُه هَذَا الكتابُ، وَلَئِن كَانَ مَا تضمنُه حَقًا لأفعلنَّ ولأصْنعنَّ. وخطاباً أغْلظ فِيهِ، ثمَّ قَالَ: عَنْوِنه للرخجي فعجبت من الكتابيْن. وفطن لما فِي نَفسِي فَقَالَ: أظنُّك قد أنكرْت الخطابيْن. هَذِه غايتي خدَمْتُها وَهَذَا حقُّ سلطاني استوفيتُه. وقعَ أبُو صَالح بنُ يزدادَ فِي وزارتهِ إِلَى عَامل خافهُ: لَيْسَ عَلَيْك بأسٌ مَا لم يكن مِنْك يأسٌ وَإِلَى آخر قد تجاوزتُ عَنْك وَإِن عدتَ أعدْتُ إِلَيْك، فاصْرفنهُ عَنْك. وَإِلَى آخرَ أدلَّ بكفاية: أدْللت فأضللت فاستصْغرْ مَا فعلت تَبلغ مَا أملت. خاصمَ أحمدُ بنُ يوسفَ رجلا بَين يَدي الْمَأْمُون وَكَانَ صفي المأمونُ إِلَيْهِ على أَحْمد فَعرف أحمدُ ذَلِك: فَقَالَ يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ إِنَّه يستملي من عَيْنَيْك مَا يلقاني بِهِ، ويستبينُ بحركتك مَا تجُنهُ لَهُ وبُلوغُ إرادتك أحب إِلَيّ من بُلُوغ أملي ولذةُ إجابتِك أثُر لدي من لَذَّة ظفري. وَقد تركتُ لهُ مَا نَازَعَنِي فِيهِ، وسَلمتُ إِلَيْهِ مَا طالبني بِهِ. فكشر ذَلِك المأمونُ لَهُ. كَانَ أحمدُ بن يُوسُف يكتبُ بَين يَدي الْمَأْمُون منهُ السكين فدفعَها إِلَيْهِ، والنصَابُ فِي يدهِ، فنظرَ إِلَيْهِ الْمَأْمُون نظر مُنكر، فَقَالَ: عَليّ عمْد فعلتُ ذَلِك، ليَكُون الحدُّ لأمير الْمُؤمنِينَ. فَعجب الناسُ مِن سُرْعةِ جَوَابه وشِدة فِطنتِه. قَالَ إبراهيمُ بنُ لعباس: واللهِ لَو وزُنت كلمة رَسُول الله ﷺ بمحاسن النَّاس لرجحَت وَهِي قولُه: " إنكُمْ لن تسعوا الناسَ بأموالكم فسعوهُم بأخلاقكُم ". هَذَا أَبُو عباد كَانَ كريمَ العهدِ، كثيرَ الْبَذْل، سَرِيعا إِلَى فعل الْخَيْر فطمسَ ذَلِك سوءُ خُلُقهِ، فَمَا نرى لَهُ حَامِداً.
стр. 1006
وَقع ابنُ يزدَاد إِلَى عَامل: مَا بُين لنا مِنْك حُسنُ أثر، وَلَا يأتينا عَنْك سَار حبرٍ وَأَنت - مَعَ ذَلِك دائباً - تمدحُ نفسَك، وتصف كفايتك والتصفحُ لأفعَالِكَ يكذبُك، والتتبُّع لآثارك يردُّ قولَك، وَهَذَا الفعلُ إِن اتكلتَ عَلَيْهِ، وأخلدتَ إِلَيْهِ، أعْلقكَ الذّمَّ، وألحقكَ الْعَجز، فليكُن رائِدُ قولِك مصدِّقاً لموجودِ فِعْلِكَ إِن شَاءَ اللهُ. قَالَ أَبُو العْيناء: سمعتُ الْحسن بن سهل يقولُ: كانَ أنُوشروانَ لَهُ أَرْبَعَة خواتيمَ: خاتمٌ للخَراج، نَقشُه العدْلُ، وخاتمٌ للضّياه نقشهُ العمارةُ، وخاتمٌ للمعونةِ نقشُه الأناةُ، وخاتمُ للبريد نقشُهُ الرجاءُ، وَمَا نحنُ مِن هَذَا فِي شَيْء. اعتل بعضُ إخْوَان الْحسن بن سهل، فَكتب الحسنُ إِلَيْهِ: أجدني وَإِيَّاك كالجسم الواحِدِ إِذا خص عضوا مِنْهُ ألمٌ عمَّ سائِرَه فعَافاني الله بعافيتِك وأدام لي الإمتاع بك. كتب مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات إِلَى إبراهيمَ بن الْعَبَّاس الصُّولي: قلةُ نَظرك لنفسِكَ حرَمتك سَناء المنزلةِ، وإغفالُك حظَّك حَطَّكَ عَن أعْلى الدرجَة، وجهلُك بِقدر النِّعْمةِ أحلَّ بكَ البأُس والنِّقَمةَ حَتَّى صرتَ من قُوّة الْأَلَم معْتاضاً شِدّةَ الوَجَل، وَمن رجاءِ الغدِ متعرِّضاً يأْسَ الأبَد، وركبتَ مطيَّة المخافةِ بعد مَجْلس الْأَمْن والكرامةِ، وصرتَ معرَّضاً للرحمة بَعْدَمَا تكنَّفتْك الغبطةُ. وَقد قَالَ الشَّاعِر: إِذا مَا بدأتَ أمرأ جَاهِلا ... ببرٍّ فقصرَ عَن جهلِه ولمْ ترهُ قَابلا للجميل ... وَلَا عَرفْ الْفضل من أَهله فسِمهُ الهوانَ فَإِن الهوان ... دواءُ لذِي الْجَهْل مِنْ جُهله قد فهمتُ كتابك، وإغراقَك، وإطنابك، وَإِضَافَة مَا أضفتَ بتزويق الْكتب بالأقلام، وَفِي كِفَايَة الله غنى عَنْك يَا إبراهيمُ، وعِوضٌ مِنْك، وَهُوَ حَسُبنا وَنعم الْوَكِيل.
стр. 1007
قيل ليعقوبَ بن دَاوُد: لم لَا تسمع الغناءَ؟ قَالَ: يحلّ عُقدةَ حلمي. ذكر الْفضل بن الرّبيع يَوْمًا الْأمين، فَقَالَ: ينَام نومَ الظربَان، وينتبه انتباه الذِّئْب. همَّتُه بطنُه ولذتُه فُرْجَة لَا يفكرِّ فِي زَوَال نعْمَة وَلَا يروي فِي إِمْضَاء رَأْي وَلَا مكيدة، قد شمر لَهُ عبد الله عَن سَاقه، وَفَوق لَهُ أسَدًّ أسْهمه، يرميه على بُعد الدَّار بالحَتْف الفاقدِ، والإوت القاصدِ قد عبأ لَهُ المنايا على متُون الْخَيل، وناط لَهُ البلايا بأسنة الرماح وشِفار السُّيوف، ثمَّ تمثَّل بِشعر البعيث: يقارعُ أتراكَ ابنِ خاقانَ ليله ... إِلَّا أنْ يَرى الإصباحَ لَا يتلعثم فَيُصْبِح مِنْ طول الطَّرادِ وجسمه ... نحيل وأضحى فِي النَّعيم أصِمَّم فشتَّان مَا بيني وَبَين ابْن خَالد ... أميةَ فِي الرِّزق الَّذِي اللهُ يقسَّم ثمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَارِث: ونحْنُ نجري إِلَى غَايَة إِن قَصرنَا عَنها ذُممْنا، وَإِن اجتهدَنا فِي بُوغها انقطعْنا. وَإِنَّمَا نحنُ شعب من أصْل إِن قوي قوينا، وَإِن ضعف ضعُفْنا. إِن هَذَا الرجل قد ألْقى بِيَدِهِ إلقاءَ الأمةِ الوكعاءِ، يُشاورُ النساءَ ويعْتزم على الرُّؤْيَا، قد أمْكن أهل الخسَارة واللَّهو من سَمْعه. فهم يمنُّونهُ الْفَوْز والظَّفر ويعدونُه عُقبى الْأَيَّام. والهلاكُ أسْرع إليْه من السَّيْل إِلَى قيعان الرَّمْل. ذكر سليمانُ بن وهب أحمدَ بن أبي دَوْاد وإحسانه إِلَيْهِ حِين نكبهُ الواثقُ، فقالَ لما جَار علينَا بالنكبة الزمانُ، وجَفانا من أجْلها الإخوانُ، أنصفنا ابنُ أبي دواد مِنهم بتفضُّله، وكفانا الْحَاجة إِلَيْهِم بتفقُّدِهِ، فكأنا وإياهُ كَمَا قَالَ الحطيئة. جاورتُ أل مقلَّد فوجدْتُهم ... إِذا لَا يكادُ أخُو جوَار يُحمَدُ ايامَ مَن يُرِدِ الصَّنيعةَ يصْطِنعْ ... فِينَا وَمن يُرد الزَّهادَة يزهدُ كتب عَليّ بنُ عِيسَى بن ماهان إِلَى الرَّشيد كتابا يقولُ فِيهِ: إنَّ البرامكة زنادقةٌ، وَكَانَ لهُ فيهمْ بُعْدُ رأى فَدفع الْكتاب إِلَى جَعْفَر وَقَالَ علمي بِقَصْدِهِ إيَّاكُمْ
стр. 1008
يزِيل مَا كتب بِهِ فأجبه جَوَابا جميلاً، فَقَالَ جَعْفَر: وَالله يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، مَا نَدْرِي على أَي الْحَالَتَيْنِ نشكُرك؟ أَعلَى إعلامك إيانا بِمَا كَانَ، أم على تجاوزك عمَّا قَالَ. ثمَّ وقَّع فِي كتاب عَليّ بن عِيسَى: حبب اللهُ إِلَيْك الوَفاء فقد أبغضُتَهُ، وبغّض إِلَيْك الغدْر فقدْ أحبْبته إِنَّا وَإِن جرَت الأمورُ بِخِلَاف مَا نحب مِنْك فَلَنْ نبْعُد عمَّا نحبُّ لَك، وَفِي كثير إحسانك عندنَا مَا يعفِّى على قَلِيل إساءتك وَقد نَسِينَا هَذِه عَن لمْ تذكِّرْناها بأخت لَهَا. وَالسَّلَام. عتب أَحْمد بنُ خَالِد على أَحْمد بن هِشَام فِي أَمر كَانَ بينُهما فَاعْتَذر إِلَيْهِ، فَقَالَ ابنْ أبي خَالِد: لَا اقبلْ لَك عُذراً حَتَّى أَتَى إِلَيْك. فَقَالَ: وَالله لَئِن فعلت لَا استعَدْيتُ عليْك إِلَّا ظُلمك، وَلَا أطمعني فِيك إِلَى بغْيُك. قَالَ الفضلُ بن يحيى لبَعض المتحرِّمين بِهِ: أعْتَذر إِلَيْك بِصَالح النِّيَّة، وأحتجُّ عَلَيْك بغالب الْقَضَاء. وَكتب إِلَى عَامل لَهُ: بئسَ الزادُ إِلَى الْمعَاد العدوانُ على الْعباد. وَقَالَ لرجلٍ استْبطأ عنْدَهُ الرشيدَ - وَكَانَ منْ أهل بيْته - إنَّما شغلَ عَنْك أميرَ الْمُؤمنِينَ حُقوقُ أهل الطَّاعَة دُونك، وَلَو قد فرغ فيهمْ إِلَيْك لم يُؤثر مَن دُونك عَلَيْك. فَقَامَ أَبوهُ يحيى، فقبَّل رأسَه. كتب محمدُ بن عبد الْملك إِلَى عبد الله بن طَاهِر: لَو لم يْكن من فضل الشُّكر إِلَّا أنَّه يُرى بَين نعْمَة مَقْصُورَة عَلَيْهِ أَو زِيَادَة منتظرة، فَقَالَ: عبدُ الله لكَاتبه: كَيفَ ترى. مَسْمع هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ؟ فَقَالَ: كأنهُمَا قُرْطان بَينهمَا وجَهٌ حسنٌ. رَقع جعفرُ بنُ يحيى على ظهر كتاب لعَلي بن عِيسَى: حبب الله إِلَيْك الْوَفَاء - ياخي - فقد أبغضته، وَبَعض إِلَيْك الغَدْر فقد أحببته. إِنِّي نظرت فِي الْأَشْيَاء لأجدَ فِيهَا مَا يُشبُهكُ. فَلَمَّا لمْ أجدْ رجتُ إِلَيْك فشَّبهتُك بك. وَلَقَد بَلغ من حسْن ظَنك بالأيَّام أَن أمنت السلامَة مَعَ البغْي، وليَس هَذَا من عَادتِها. قَالَ يحيى بنُ خَالِد: ذُلُّ العَزْل يضْحَكُ مِنْ تيهِ الْولَايَة.
стр. 1009
وَقَالَ الفضلُ بنُ مَرْوَان: إنَّ الكاتِب مثلُ الدُّولاب إِذا تعطَّل تكَّسرَ. قَالَ المأمونُ لأحمدَ بن يوسُف: إنَّ أصْحَاب الصَّدقاتِ تظلموا مِنْك، فَقَالَ: يَا أميرَ المؤْمنين وَالله مَا رضى أصحابُ الصدقاتِ عنْ رَسُول اللهِ ﷺ حَتَّى أنزل اللهُ فيهم: " ومنهمْ مَن يَلمزُك فِي الصَّدقات فَإِن أعْطُوا مِنْهَا رَضوا، وَإِن لمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذا همْ يسْخطون فَكيف يرضوْن عني؟ فاسْتضْحك المأْمونُ، وَقَالَ لهُ: تأمَّل أحُوالهُم، وأحْسن النَّظرَ فِي أمرهمْ. قَالَ أَحْمد بن الخصيب للمنتصر: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ: إنَّ الناسَ قد نسبوا إِلَيْك مَا نسبوا واستفَظعوا ذَلِك، فَأَنت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وذنبي ظاهرٌ لَا ستر عنهُ ... لطالبه وعذري بالمغيبِ فأحسنْ إِلَى النَّاس يُحبُّوكَ، وأفْشِ فيهْم العدْل يحمدوك، وَلَا تُطْلِق لغيرْك عَلَيْهِم لِساناً وَلَا بدا فيَذمُّوك. قَالَ أبُو عبَّاد. مَا جَلَسَ أحدٌ بَين يَدي إِلَّا تمثَّل لي أَنِّي سأجلس بَين يدْيِه. قَالَ الحسنُ بنُ وهب: كَاتب رئيسَكَ بِمَا يستحقُّ. وَمَا دُونك بِمَا يسْتَوْجب، وَكَاتب صديقك كَمَا تكاتب حبيبَك، فإنَّ غزل المودَّة أدقُّ من غزل الصَّبَابة. قَالَ إبراهيُم بن الْعَبَّاس: السُّلْطَان كالثعبان وَنعم الرُّشا ألذُّ شيءٍ. قَالَ عبيد الله بن سُلَيْمَان: أستؤذن لنجاح بن سَلمَة عَلي أبي، وَكَانَ بَينهمَا ذَلِك التباعدُ فَقَالَ أبي: يَا بني تفقَّدُه إِذا دَخل، فَانْظُر، فَإِن نظر إِلَى مَا بَين يَدَيْهِ فَلم يأْت لخلَّة. وَإِن نظر إِلَى السَّقف، فَعرفنَا مَا عِنْده. كتب كاتبٌ لرجاء الحصَارى كتابا عَنهُ فلمَّا عَنونه، كتب مِنْ أبي فلَان. فَقَالَ لَهُ رجاءٌ: لمَ كنيت: من أبي؟ فَقَالَ: هَو أجلُّ لَك. وَالسُّلْطَان إِذا عظم قدْر رجل ذكره بالكنية فَيَكْفِي ذَلِك الرّجل. فَقَالَ لَهُ: السُّلطان أولى بِمَا يَفْعَله، ولكنَّك نسْبتني إِلَى أسفلَ، وَإِنَّمَا ينتسب الناسُ إِلَى فوقَ. وَيحك؟ كل شَيْء تضمُّه إِلَى أَب وَابْن فإنِّما تذكُره للتعريف، ولأنْ أعرف بِأبي أحبُّ إِلَيّ من أَن أعرَف بابْني. أكتب من فلَان ابْن فلَان.
стр. 1010
وَلي الرشيدُ عَاملا خراجَ طَساسيج السَّواد، فَقَالَ لجَعْفَر ويحْيى: أوْصياه. فَقَالَ جعفرٌ: وفِّرْ واعْمُر. وَقَالَ يحيى: أنصِفْ وانتصف. وَقَالَ الرشيدُ يَا هَذَا: أحْسِنْ واعْدل. ففضَّل الناسُ كَلَام الرَّشيد. فَقيل لَهما: لمَ نقصَ كلامكما عَن كَلَامه؟ فَقَالَ جعفرٌ: لَا يعتدُّ هَذَا نُقْصَانا إِلَّا مَن لَا يعرف مَا لنا وَمَا عَلينا. إِنَّمَا أمَرْنا بمَا عليْنا أَن نأْمَر بِهِ، وأمير الْمُؤمنِينَ بِمَا لَهُ أَن يأْمرَ بِهِ؟ قَالَ رجلٌ ليحيى بن خَالِد - وَكَانَ مِنْ صنائعهِ: إِنِّي سمعتُ الرشيدَ وَقد خرجتَ من عندهِ يقولُ: قَتلنِي اللهُ إنْ لمْ أقْتلْك، فاحْتلْ لنفِسكَ. فَقَالَ: اسْكُتْ يَا أخي، إِذا جاءَ الإدبارُ كَانَ العطبُ فِي الحيلةِ. وأمَرَ يحيى كاتبيْن من كُتَّابهِ أَن يكتُبَا كتابا فِي معنى وَاحِد، فكّتبا، واخُتصَر أحدهُما، وأطَال الأخُر، فلّما قَرَأَ كتاب المختصِر، قَالَ: مَا أجدُ مَوْضع مَزيد. ثمَّ قَرَأَ كِتاب المطيلِ، فَقَالَ: مَا أجدُ موضِع نُقْصان؟ اعتذر رجلٌ إِلَى أبي عبد الله، فَلَمَّا أبْرم قالَ: مَا رَأيتُ عُذْراً أشْبَه باسْنِنان ذنبٍ من هَذَا. قَالَ بعضُهم الإبنِ الزياتِ: أَنا أمت إِلَيْك بجِوَاري لَك، وأرغبُ فِي عَطفك. فَقَالَ: أمَّا الجوارُ فنسبٌ بني الحِيطانِ، وأمّا العَطفُ والرقةُ فهُما للصبيانِ وَالنِّسَاء. وناظَره رجل فصَالحهُ على مَال، فَقَالَ لَهُ: عجَّل بِهِ. فَقَالَ الرجلُ. . أظُلمّ وتعجيلٌ؟ قَالَ: فصُلحٌ وتأْجيل؟ قيل ليحيى بن خَالِد: غيِّر حاجَبك. قَالَ: فمْن يعرف إخْوَانِي القُدماء؟ قَالَ عُبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر: أَتَانِي كتابُ المعْتز، وكتابُ أحمدَ بن إسْرائيل. مَع رَسُول، ومعهُ رَأس بغُا. وَفِي الكُتُب أَن أنصِّبَهُ عَلى الْجَانِبَيْنِ، فلمْ أفَعل وكتبتُ إِلَى أحمدَ بن إِسْرَائِيل: قد أوجَب اللهُ عَليّ نُصح أَمِير الْمُؤمنِينَ من جهاتٍ: مِنها مَا تقتضيِه الدِّيانةُ، وتوجُبُهُ الإمامةُ، ومنْها اصطناع آبَائِهِ لخدمهمْ من أسْلافي، وَمِنْهَا اخْتِصَاصه إيَّايَ بجميل رأيهِ، وَمَعَ هَذَا فلمْ أكْن لأوخّر عَنك رَأيا مَعَ مَا أَنا علية من المناصَحةِ والشُّكر. وإنّ الكُتُب وَردت عَليّ بِنصب رأسِ بُغا فِي الجانِبيْن، وَقد أخرت ذَلِك حَتَّى يعودَ إِلَى الأمرُ بِمَا أعملُ عليْه وبُغا فقدْ علمْتُ
стр. 1011
أنَّه عَدَوُّ أَمِير الْمُؤمنِينَ وعدوّك وَقد أراحَ اللهُ منهُ حيثُ لم تتَهمْوا فِيهِ، وأخافُ أَن تتبعَكُم الأتراكُ عِنْد أوَّل شَغْبة بِهِ، ويطالبوكم بدمِهِ. ويجعلُوا ذلكِ ذَرِيعَة إِلَى إِيقَاع سُوءٍ، وَكَانَ الصَّوَابُ عِنْدِي أَن يغسِلهُ أميرُ الْمُؤمنِينَ ويُصَلِّي عليْه، ويدفنهُ ويُظهر حزنا، وَيَقُول: مَا أحِبُّ أَن يصَاب صغيرٌ مْنكم وَلَا كبيرُ، وَقد غمَّني أمْرُ بغا وَلَو وَصَل إِلَى لزدتُ فِي مرتْبِته، وَمَا يُشبهُ هَذَا. فوردَ على كتابُ أَحْمد بن إِسْرَائِيل يشكُر مَا كَانَ مني وَيحلف أنَّهُ سبقني إِلَى هَذَا الرَّأْي، واجتهدَ فيهِ، فَمَا أمْكنه إِلَّا أَن يفعل مَا فعَل، ولمْ يقبلْ قَوْله. وَفِي آخر كِتَابه. واعلمْ أنَّه قد حدث بعدَك وَهُوَ مِمَّا لَا نعْرفُه نحنُ، وَلَا أَنْت - رأيٌ للحُرَم والخدَم يُقبَل ويعملُ عَلَيْهِ، وَهَذَا فتح للخطأ وإغلاقُ للصوَّاب فانصب الرأسَ قَلِيلا، ثُمَّ أنفِذهُ إِلَى خراسَان. كُتب إِلَى جَعْفر بن يحيى أنَّ صَاحب الطَّرِيق قَدْ اشتطّ؟ َ فِيمَا يطلبُ من الْأَمْوَال، فوقّع جعفرٌ: هَذَا رجلٌ منقطعٌ عَن السُّلْطَان، وَبَين ذُؤبانِ العَرَب، بِحَيْثُ العددُ والعُدَّةُ، والقلوب القاسيةُ، والأُنوفُ الحميةْ، فليُمدَدْ من المَال بِمَا يستصلح بِهِ من مَعَه ليدفع بِهِ عدوَّه فغن نفقاتِ الحروب يُستَظهرُ لَهَا وَلَا يُستظهرُ عَلَيْهَا. وَأكْثر الناسُ شكيةَ عاملٍ فَوَقع إِلَيْهِ فِي قِصَّتهم يَا هَذَا قد كثر شاكُوك، وقلَّ حامِدوك، فإمِّا عدلتَ إمِّا اعتزلتَ. وَكَانَ يَقُول: إِن قدرتُم أَن تكُون كتبُكُم كلّها توْقيعات فافعلوا. كتب الفضلُ بنُ سهل فِي كتاب جَوَاب ساعٍ: وَنحن نرى أنَّ قبُول السِّعاية شرٌ من السّعَايَة، لأنّ السّعَايَة دلالةٌ، وَالْقَبُول إجازةٌ، فَاتَّقُوا السَّاعِي فَإِنَّهُ لَو كَانَ فِي سعَايته صَادِقا لَكَانَ فِي صدقِه لئيماً، إذْ لم يحفَظ الْحُرْمَة وَلم يسْتُر الْعَوْرَة. كَانَ يحيى بنُ خَالِد يَقُول: مَن تسبَّب إِلَيْنَا بشفاعة فِي عَمَل فقدْ حلِّ عندنَا محلَّ من ينهضُ بغيرِه، وَمن لم ينْهض بنفسهِ لمْ يكن للْعَمَل أَهلا. قَالَ ثُمامة: كَانَ جَعْفَر بن يحيى أنطق النَّاس، قد جمع الهُدوَّ والتمهُّل والجَزالة، والحلاوة، وإفهاماً بُغنيه عَن الْإِعَادَة، وَلَو كَانَ فِي الأَرْض ناطقٌ يَسْتَغْنِي بمَنطقهِ عَن الْإِشَارَة لاستغني جعفرٌ عَن الْإِشَارَة كَمَا اسْتغنى عَن الْإِعَادَة.
стр. 1012
وَقَالَ مرّة: مَا رأيتُ أحدا كَانَ لَا يتحبَّسُ، وَلَا يتوقَّفُ، وَلَا يتلجْلج، وَلَا يرتقبُ لفظا قد استدعاه من بُعْدٍ، وَلَا يلْتَمس التخلُّصَ إِلَى معنى قد تعصى عَلَيْهِ، بَعْد طلبهِ لَهُ: مِن جعْفر بن يحيى. وَقَالَ: قُلتُ لجعْفر مَا البيانُ؟ قَالَ: أَن يكون الأسم يُحيطُ بمعناك، ويُجلِّي عَن مغزاك، ويُخرجه من الشّركة، وَلَا تستعينُ عَلَيْهِ بالكفرة. وَالَّذِي لَا بُد مِنْهُ أَن يكون سَليماً من التَّكَلُّف بَعيدا مِن المنعة، بَرِيئًا من التعقد، غَنِيا عَن التأْويل. قَالَ الجاحظُ: هَذَا هُو تأْويلُ قَول الأصْمعي: البليغ مَن طبَّق المَفصِل، وأغناك من المقسّر. كتب يحيى بنُ خَالِد إِلَى بَعضهم: قد حملَّتُ حَاجتي فلَانا لَا لأنَّ شُكري ضعُف عَن حَبْل أياديك، بل أحبْبتُ أَن يكون لي أعوانٌ على شُكرك وشهودُ على فضلِك. وَقَالَ لأبنْهِ. جعْفر: يَا بُني، مَا دَام قلمُك يعرفُ فأمْطِرهُ مَعْرُوفا وَكَانَ يحيى يَقُول: كَيفَ يلام الْمُلُوك على مَا يَفْعَلُونَ؟ وَإِذا أساءُوا وجدوا مَنْ يُزيِّن لَهُم سُوءَ مَا يعْملُونَ، ويزكي مَا يفْعلُون؟ وَقَالَ الفضلُ بنُ يحيى: الصبرُ على أَخ تعتِبُ عليْه خيْرٌ من أَخ تستأْنِفُ مودَّته. وَقَالَ أحمدُ بنُ يُوسُف: لَا تجوزُ قطيعةُ الصِّدِيق، وَلَا يُحمَلُ الْأَمر فِيهَا إِلَّا على واحدٍ من اثْنَيْنِ ليسَ فِي وَاحِد مِنْهُمَا عُذْرٌ: إمَّا سُوءُ اخْتِيَار فِي نفسِ الصَّداقةِ أوْ ملالٌ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بنُ سَعْد: كنتُ بَين يَدي عَليّ بن عِيسَى الْوَزير، فرأيتُ لَهُ أقْلاماً رديَّةً الْبري، فأصْلحتُها، فقالَ: يَا أبَا الحُسْين. عَلَيْك بالكتابةِ فهذهِ تجارةٌ. قَالَ الفضلُ بنْ سَهْل: مَنْ أحَّب الازديادَ من النعمةِ فليشكرْ، ومَنْ أحَبَّ الْمنزلَة عِنْد سَلُطانهِ فلْيكْفهِ، وَمن أحبَّ بَقَاء عِزّة فليُسقِطْ الدَالة. وَمن أحب السَّلامة فليلزم الحذر؟
стр. 1013
الْبَاب الثَّامِن نكت مستحسنة للقضاة
قَالَ شُريح: إنَّا لَا تَعِيبُ الشهودَ، وَلَا نلقِّن الخصومَ، وَلم نُسلَّط على أشْعاركم وأبْشاركم، إِنَّمَا نَقْضي بَيْنكُم، فَمن سَلَّم لقضائنا فَيِها، ومَنْ لَا، أمَرنْا بِهِ إِلَى السّجن. كتب الفضلُ بن الرّبيع إِلَى عبدِ الله بن سوَّار يسألُه أَن يَشْتَرِي لَهُ ضيعةٌ فَكتب إِلَيْهِ: إِن الْقَضَاء لَا يُدنَّس بالوَكالة. قَالَ الزّهري: ثلاثٌ إِذَا كُنَّ فِي القَاضِي فليسَ بقاض إِذا كره اللَّوائَم، وأحبَّ المحامد، وكَرهَ العَزْل. قَالَ أيُّوب: إِن مِن أَصْحَابِي مَنْ أَرْجُو دعوتَه، وَلَا أُجِيز شهادَته. وَقَالَ سوَّار: مَا أعُلمُ أحدا من أَصْحَابِي أفضلَ من عَطاء السُّلمي، وَلَو شَهد عنْدي عَليّ فَلْسين مَا أجَزْتُ شهادتَه - يذهبُ إِلَى أنَّه ضعيفٌ ليسَ. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة لَا يُجوِّز شهادةَ أَصْحَاب الْحمير.
стр. 1014
وسُئل قَتَادَة عَن شَهَادَة الصَّيرفيَّ. فَقَالَ: لَا تَجوز شهادتُه. ولِيَ عبيدُ الله بنُ أبي بكرَة قضاءَ الْبَصْرَة فَجعل يُحاني الناسَ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: وَمَا خيرُ رجل لَا يقطعُ لِأَخِيهِ مِن دينه؟ قَالَ شُرَيْح: الحِدَّةُ كنيةُ الْجَهْل. قَالَ ابنُ شُبُرمة لرجل: أتشربُ النبيذَ؟ قَالَ: أشربُ الرِّطلين وَالثَّلَاثَة فَقَالَ: وَالله مَا شربته شُرب الفِتْيان، وَلَا تركتَه ترك القُرآن وَقيل لهُ: لم تركت النَّبِيذ؟ فقالَ إِن كَانَ حَلَالا فحظي تركتُ، وَإِن كَانَ حَرَامًا فبالحزم أخذتُ. وسُئل شَريكٌ عَن النَّبِيذ. فَقَالَ: قد شربه قوم صالحَون يُفتدى بهم فَقيل: كَمْ أشربُ؟ قَالَ: مَالا يشْرَبُك. لما ولي يحْيى بنُ أَكْثَم قَضَاء البصْرة استصغروا سنْهُ، فَقَالَ لهُ رجلٌ كمْ سنُّ القَاضِي أعزَّهُ الله؟ فَقَالَ: سِنُّ عتاب بن أسِيْدِ حِين ولاهُ. رسولُ الله ﷺ مَكَّة، فَجعل جَوَابه احتجاجاً. ساوَم عُمرُ بنُ الخطّاب أعْرابيَّاً بفرس لَهُ فلمَّا قامَت عْلى ثمن أَخذهَا منهُ عمرُ أنهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ، إِن رضى أمْسَك، وَإِن كره ردَّ، فَحمل عُمَرُ عليْها رجلا يُشوِّرُها فوقعتْ فِي بِئْر فتكَّسرت، فَقَالَ الْأَعرَابِي ضمنت فرسي يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، قَالَ: كلاَّ، فَإِنِّي لمْ أرْضها. فَقَالَ الْأَعرَابِي فاجْعل بيني وَبَيْنك رجُلاً من الْمُسلمين. فَجعلَا بينهمَا شريحاً، فقصَّا عليهِ القصَّة، فقالَ شريحُ ضمِنْت يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ فرسَ الرجُل، لِأَنَّك أخذتَها على شيءٍ معْلُوم، فَأَنت لَهَا ضامِنٌ حَتَّى تردَّها عليْهِ، فَقبل ذَلِك عمر، وَبعث شريحاً على قَضَاء الكوفةِ. سُئِلَ شريكٌ عَن النبيذِ. فَقَالَ: اشربْ مِنْهُ مَا وَافَقَك، ودَعْ منهُ مَا جنى
стр. 1015
عَلَيْك، وذُمَّه إِذا ذمَّهُ النَّاس، وَلَا نْصرُهُ، فبئْسَ المنْصورُ، واللهِ. سُئِلَ الشَّعْبيُّ عَنْ مَسْأَلة فَقَالَ: لَا عِلمَ لي بهَا. فَقيل: لَا تَسْتَحي؟ قَالَ: وَلم أسْتحي ممَّا لم يستحي منهُ الملائِكُة حِين قَالَ: " لَا علمَ لنا إِلَّا مَا علَّمْتنا؟ كَانَ شريحٌ يقولُ: مَنْ سَأَلَ حَاجَة فقد عَرض نَفسه على الرّقّ فَإِن، قَضَاهَا المسئولُ استبعدَهُ بهَا، وإنْ ردَّه عَنْهَا رَجَعَ حُراً، وهُمَا ذليلان: هَذَا بذُلِّ اللُّؤم، وَذَاكَ بذُلِّ الرَّدَّ. قَالَ بكارُ بن مُحَمَّد رأيتُ سَوار بن عبد الله - وَأَرَادَ أَن يحكمَ فَرفع رأسَهُ إِلَى الَّسماء وترقْرقتْ عيناهُ ثمَ حكم. وَكتب إِلَيْهِ الْمَنْصُور فِي مَال كَانَ لَهُ على سَلمَة بن سَعيدِ: لماَّ مَاتَ سَلمةُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْن للنَّاس وللمنصُور، وَكتب إِلَيْهِ: استوفِ لأمير الْمُؤمنِينَ دَيْنه، وَفرق مَا يبْقى الغُرمَاء. فَلم يلتفِتْ إِلَى كِتَابه، وضرَب للمنصور بِسَهْم فِي المَال كَمَا ضرب لوَاحِد من الغُرمَاءِ ثمَّ كتب إليهِ إِنِّي رأيتُ أميرَ الْمُؤمنِينَ غريماً من الغُرماء. فَكتب إِلَيْهِ: ملِئتِ الأَرْض بك عَدْلاً. قَالَ الهيْثم: مَا رأيتُ ابْن شُبْرمَة قطُّ. إِلَّا وهُو متهيئٌ، كَأَنَّهُ يُريد الرُّكوب، فذٌكرَ لَك لهُ - وَأَنا حَاضِرٌ - فَقَالَ: إنَّ الرَّجل لَا يستجمعُ لَهُ رَأْيه حَّتى يجْمَع علْيه ثيابَهُ، ثمَّ قَالَ: إنَّ رجلا من الْحَيّ كَانَ لَهُ شرفٌ، قَالَ لدَهْقان الفلّوجة يَا هَذَا؟ إِنَّمَا رُبَّما انتشرَ على أمرئ فِي الرَّأْي، فهلْ عِنْدَك مشهورةٌ؟ قَالَ: نعمْ احْتبِ وتهَّيأْ، والبَسْ ثِيَابك، ثمَّ اهمُمْ بِمَا تُرِيدُ فَهُوَ اجْمَعْ لرَأيك، فليسَ مِنْ أحد يفعلُ مثل ذَلِك إِلَّا اجْتمع لهُ رأْيُهُ. قَالَ الحسنُ بنُ قحْطبة: دخلتُ على المهدِي نفسهِ وقدْ دخل شريكٌ فسلّم فَقَالَ: لَا سَلَّم اللهُ عَليْك يَا فاسِقُ. فَقَالَ شريكٌ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، إنَّ الفاسِق
стр. 1016
عَلَامَات تعرفُ: شرب الْخُمُور، واتخاذ الْقَيْنَات والمعازفِ، قَالَ: قتلني اللهُ إِن لم أقتلْك. قَالَ: ولِمَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: رأيتُ فِي الْمَنَام كأنِّي مُقبلٌ عليْك أكلِّمك وَأَنت تُكلِّمُنِي مِن قفاك. فَقَالَ لي المعبِّر: هَذَا رجلٌ يَطأُ بِسَاطك وَهُوَ مُخالِفٌ لَك. قَالَ شريك: إِن رؤْيَاك لَيست برؤْيا يُوسُف بن يعْقُوب. وإنَّ دِمَاءَ الْمُسلمين لَا تُستحلُّ بالأحْلام. فنكّسَ المهديُّ رأسَهُ، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِ: أنِ اخُرجْ، فخرجَ وخرجتُ خَلفه. فَقَالَ لي: أمَا رَأَيْت مَا أرادَ صاحبُك أَن يفْعَل؟ فقلْتُ: اسكُتْ فلِلَّهِ أبُوك ﴿﴾ قَالَ ابْن شُبْرمُة لإياس بن مُعَاوِيَة: شكلي وشكلُك لَا يتفقان: أَنْت لَا تشْتهي أَن تسْكُت، وَأَنا لَا أشتهي أنْ أسْمَع. كَانَ طارقٌ صاحبَ شرطةِ خالدِ بن عبد اللهِ القسْري، فمرّ بابنِ شُبْرُمَة وَهُوَ فِي موْكبِه. فَقَالَ ابنُ شُبرمة: سَحابةُ صَيف عَن قَلِيل تقشَّعُ اللهُمَّ لي ديني ولهُمْ دُنْياهُم. فاستعْملَ ابْن شبْرمَة بعد ذَلِك الْقَضَاء. فَقَالَ لَهُ ابنهُ أَتَذكر قَوْلك يومَ مرِّ طارقٌ فِي موْكبهِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَّي إنهمُ يجدُون مثل أَبِيك، وَلَا يجد مِثْلهُمْ أبُوك، إِن أباكَ أكل منْ حلوائِهم وحُطَّ فِي أهْوائِهم. قِيلَ لِشَرِيك: أَكَانَ مُعاوِيةُ حَلِيمًا؟ قَالَ: لَو كَانَ حَلِيمًا مَا سفَّهَ الحقَّ، وَقَاتل عليا. وَقَالَ: لَو كَانَ حَلِيمًا مَا حملَ أبناءَ العَبيد على حُرَمه، ولمَا أنْكح إلاَّ الأكْفاءَ. قَالُوا: وأصوبُ مِنْ ذَلِك قولُ الآخر: كَانَ معاويةُ يتعرَّضُ ويحلُم إِذا أسْمع، ومَن تعرَّض للسَّفه فَهُوَ سَفِيه. قيل للشعبيِّ: مَا أحسنَ البراعة فِي الإماءِ! فَقَالَ: تورُّد ماءِ الْحيَاء فِي وَجه الحُرِّ أحسنُ.
стр. 1017
دخل شريحٌ على بعض الأُمراء، فَقَالَ الأميرُ: يَا جَارِيَة، هَاتِي عوداً. فَجَاءَتْهُ بعُود يضْرب. فَلَمَّا بصُر بِهِ الأميرُ خَجل، وَقَالَ: نِعْم هَذَا أُخذ البارحة مَعَ إِنْسَان فِي الطَّوف. اكسروهُ. ثمَّ صَبر قَلِيلا، وَقَالَ: يَا جاريةُ. هَاتِي عوداً للبخورِ. فَقَالَ شُرَيح: أتخافُ أَن تغلطَ مرّة ثَانِيَة؟ ؟ شهد رجلٌ من جلسان الْحسن بِشَهَادَة عِنْد إِيَاس بن مُعَاوِيَة، فردّه، فَشَكا الرجلُ ذَلِك إِلَى الحَسن. فَأَتَاهُ الْحسن فَقَالَ: يَا أَبَا واثِلةَ، لم ردَدْتّ شَهَادَة فلَان؟ فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد، إِن اللَّهَ يَقُول " مِمَّن ترضوْن مِن الشُّهَدَاء " وَلَيْسَ فلَان مِمّن أرْضى. وَشهد عِنْد عُبيدِ الله بن الْحسن رجلٌ من بني نهْشل على أَمر، فَقَالَ لَهُ: أترْوي قَول الأسْود بن يعْفر: نَام الخلِيُّ فَمَا أحِسُّ رُقادي فَقَالَ لَهُ الرجل: لَا. فَقَالَ: تُردَّ شهادتُه. وَقَالَ: لَو كَانَ فِي هَذَا خيرٌ لروَى شرف أهلِه. جَاءَ رجلٌ إِلَى شُرَيْح فكلَّمه بِشَيْء، وأخفاهُ. فَلَمَّا قَامَ قَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا أميَّة، مَا قَالَ لَك؟ قَالَ: بِابْن أخي. أَو مَا رَأَيْته أسَّرهُ مِنْك؟ كَانَ شُرَيْح عِنْد زِيَاد - وَهُوَ مَرِيض - فلمَّا خرجَ مِن عِنْده أرسل إِلَيْهِ مسروقُ بنُ الأَجدع رَسُولا وَقَالَ: كَيفَ تركت الأميرَ؟ فَقَالَ: تركتُه يأْمُر وَينْهى. قَالَ مَسْرُوق: إِنَّه صَاحب عويص، فأرجع إِلَيْهِ وأسأَلْهُ: مَا يأْمر وَمَا ينْهَى؟ قَالَ: يأْمُر بِالْوَصِيَّةِ وَينْهى عَن النّوْح. وَمَات ابنُ لشريح فَلم يشْعر بِمَوْتِهِ أحدٌ، وَلم تصرخ عَلَيْهِ صارخةٌ، فَقيل لَهُ: يَا أَبَا أميّة، كَيفَ أَمْسَى ابنُك؟ قَالَ: سكن علزه ورجاهُ أَهله. وَمَا كَانَ مُنْذُ اشْتَكَى أسكن من اللَّيْلَة.
стр. 1018
حكى عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: شهدتُ شريحاً، وجاءته امرأةٌ تخاصم زوجَها، فأَرسلتْ عينيها، فَبَكَتْ. فقلتُ: يَا أَبَا أميَّة، مَا أَظن هَذِه البائسة إِلَّا مظلومةً. فَقَالَ: يَا شعبيُّ، إِن إخْوَة يُوسُف جَاءُوا أباهم عشَاء يبْكُون. كَانَ شُرَيْح إِذا قيل لَهُ: كَيفَ أصبحْت يَا أَبَا أميَّة؟ قَالَ: أصبحتُ ونصفُ النَّاس غضابٌ. تقدم إِلَى شُرَيْح قومٌ فَقَالُوا: إنَّ هَذَا خطب إِلَيْنَا فَقُلْنَا لَهُ: مَا تبيعُ؟ فَقَالَ: أبيع الدوابَّ. فزوَّجَّناه، فَإِذا هُو يبيعُ السنانيرَ. قَالَ: أَفلا قلتُم لَهُ: أيَّ الدَّوَابّ من الدَّواب؟ وَأَجَازَ النِّكَاح. قَالَ الشعْبيُّ: كَانَ شريحٌ: يقولُ: إياكُمْ والجوابَ، فقُلنا لَهُ يَا أَبَا أميَّة. إنَّك لتكُثِر مِن هَذَا. قَالَ: قد آن لكُم أَن تَسلْوني. تقدمَ إِلَى رجلَانِ، فأكثرَ على أحدُهما، فقلتُ: أظنُّك ضَعِيفا؟ قَالَ: مَا عَلي ظنِّك خرَجتُ مِن أَهلِي، فكرهتُ أَن يَجِيء مِنْهُ غيرُ هَذَا فكففتُ عَنهُ. أَتَى عَدي بنُ أَرْطَاة شريحاً ومعهُ امرأةٌ لَهُ من أهل الْكُوفَة يخاصِمُها، فَلَمَّا جَلس بَين يَدي شُرَيْح. قَالَ عدي: أَيْن أَنْت؟ قَالَ: بَيْنك وبيني الحائظِ. قَالَ إِنِّي امْرُؤ من أهل الشَّام. قَالَ: بعيدٌ سحِيق. قَالَ: وإنِّي قدِمتُ الْعرَاق: قَالَ: خيرَ مَقْدم. قَالَ: وَقد تزوّجتُ هَذِه الْمَرْأَة. قَالَ: بالرِّفاءِ والبنين. قَالَ: وإنَّها ولدتْ غُلاماً. قَالَ: ليْهنِك الفارسُ. قَالَ: وَقد أردتُ أَن أنقلها إِلَى دَاري. قَالَ: الْمَرْء أحقُّ بأَهله. قَالَ: قد كنتُ شرطْتُ لَهُ دارها. قَالَ: الشرطُ. أمْلكُ. قَالَ: أقض بيْننا. قَالَ: قد فعلتُ. قَالَ: فعلى مَن قضيت؟ قَالَ: على ابنِ أمِّك.
стр. 1019
انْصَرف شريحٌ يَوْمًا مِن مجْلِس القضاءِ، فلقيهُ رجلٌ، فَقَالَ: أمَا حَان لَك يَا شيخُ أَن تخَاف الله وتستحي،؟ قَالَ: وَيلك! مِن أَي شَيْء؟ . قَالَ: كَبرت سنُّكُ، وفسَد ذِهنُك، وكثرُ نِسيانُك، وادّهن كاتبك وارتشي ابنُك، فَصَارَت الأُمُورُ تجوزُ عَلَيْك. فَقَالَ: لَا واللهِ لَا يَقُولهَا لي أحد بعْدَك. واعَتزل عَن القضاءِ، ولزمَ منِزله: قَالَ الشَّعْبي: أصَاب متأَمِّلٌ أوْ كادَ، وأخطأَ مُسْتعجلٌ أَو كَاد. كَانَ شريحٌ فِي منزل القَضاءِ، فَنظرَ إِلَى رجل من أعوانه قائِمٍ، فَضَحِك فَقَالَ: أتضحك؟ وَيلك، وأنَا أتقلَّبُ بَيْنَ الجنَّة وَالنَّار. أَقَامَ رجلٌ شهوداَ عِنْد شُرَيْح فاستَحلَفه، فتلكَّأ، فَقَالَ لَهُ: سَاءَ مَا تثنى على شهودك. وقضَى شريحٌ بِالْكُوفَةِ سِتِّينَ سنة، ولاه عمرُ بن الْخطاب، وَبَقِي إِلَى أَيَّام الْحجَّاج. كَانَ رجلٌ يُقَال لَهُ خُنَيْس يجلس إِلَى الشعْبي، فتحدَّث الشَّعْبيُّ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ خنيسٌ: أتَّق الله وَلَا تكذب. فَقَالَ لَهُ الشعْبيُّ: ويحكَ يَا خُنَيس مَا أحْوجَكَ إِلَى مُحَدْرَج شديدِ الفتل، ليِّن المَهزَّة، عَظِيم الثَّمَرَة، قد أخذَ مِن عَجْب ذَنَب إِلَى مغرز عنُق، فيوضَعُ على مِثل ذلِك منكَ، فتكثرُ لَهُ رقصَائُك من غير جَذل، قالَ: وَمَا هُوَ يَا أَبَا عَمْرو؟ قَالَ: هُوَ وَالله أمرٌ لنا فِيهِ أرَبٌ، ولَكَ فِيهِ أدبٌ. كَانَ لشريح حائِط مائِلٌ، فَقَالَ لَهُ جارٌ لَهُ: حائطُكَ هَذَا مائِلٌ. قالَ: لَا تُفَارقني أَو يُنْقَض. قَالَ: فنقضَهُ مِن سَاعَته. . فَقَالَ الرجلُ: لَا تعْجَل يَا أبَا أُميَّة. فذاكَ إليْكَ. قَالَ: بعْد أَن أشْهدتَ علَّي؟ قَالَ الشعبْي: وجَّهني عبد الْملك بنُ مَرْوَان إِلَى مِلك الرُّوم، فلماَّ قدِمتُ عَلَيْهِ ودَفعْتُ إِلَيْهِ كتاب عبد الْملك جعل يُسائِلُني عَن أشياءَ، فأُخبرُهَ بهَا، فأقمتُ
стр. 1020
عِنْده أَيَّامًا، ثمَّ كتب جوابَ كتابي، فلمَّا انصَرفتُ رفعتُه إِلَى عبد الْملك فَجعل يَقْرَؤُهُ، ويتغَّير لونُه، ثمَّ قَالَ: يَا شعْبيُّ: علمتَ مَا كتب الطاغيةُ؟ قلتُ: يَا أميرَ المؤمنينَ. كَاتب الكتُبُ مختومةً وَلم لْم تكُن مختومةً مَا قرأتُها. وَهِي إليكَ. قَالَ: إِنَّه كتبَ: إنّ العجبَ من قوم يكُونُ فيهم مثلُ من أرَسَلتَ بِهِ إلىَّ فيملِّكون غيْرهُ. قَالَ: فقلتُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ذَاك لأنَّه لم يركَ. قَالَ: فَسرِّىَ عَنهُ، ثمَّ قَالَ: حسدني علْيكَ، فأرادَ أَن أقْتلك. سَأَلَ رجلٌ الشَّعْبيَّ، قالَ: أتَشْرَبُ نبيذَ الجرِّ الأخْضر؟ قَالَ: نعمْ، وأشربُ نَبِيذ الدَّن. سَأَلَ رجلٌ الشعْبيَّ عَن رجل لَطم عيْن رجل فشرقتْ أوْاغرَوْقت: مَتى تقاد مِنْهَا. قَالَ الشّعبِيّ: قدِمتُ على عبدِ الْملك، فَمَا رأيتُ أحسن حَدِيثا مِنْه إِذا حدَّثَ، وَلَا أحسَن إنْصاتاً مِنْهُ إِذا حُدِّثَ، وَلَا أَعْلَم مِنْهُ إِذا خُولِفَ، وأخطأتُ عِنْده فِي أَربع: حَدثنِي يَوْمًا بِحَدِيث، فقلتُ: أعِدْهُ عَليّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ: أمَا عَلمتَ انه لَا يُستعادُ أميرُ الْمُؤمنِينَ؟ وَقلت لَهُ حِين أذنَ لي عَلَيْهِ: أَنا الشعْبيُّ يَا أميرَ المؤمنينَ. فقالَ: مَا أدْخلنَاكَ حَتَّى عرفْناك. وكنَيتُ عِنْد رجلا فَقَالَ: أمَا علمتَ أَنه لَا يُكنْى أحدٌ عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وسألتُه أنْ يكتبَني حَدِيثا. فَقَالَ: إنَّا نُكْتِبُ وَلَا نَكْتُب. لما أَخذ الحجاجُ الشّعبِيّ - وَكَانَ خرج عَلَيْهِ مَعَ ابْن الأشْعث، قَالَ: يَا شعبيُّ، ألمْ أرفع مِن قدرك، وبلغتُ بك شرف العطاءِ، وأوْفدتُك عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ، ورضيتُك جَلِيسا لي ومحدِّثاً؟ قَالَ: بلَى. أصلح اللهُ الأميرَ. قَالَ: فَمَا أخرجك مَعَ ابْن الأشعثِ تُقَاتِلنِي على غير دين وَلَا دُنيا؟ فَأَيْنَ كنت مِن هَذِه الفِتنةِ؟ فَقَالَ: أصلح اللهُ الْأَمِير، أوْحش الجنابُ، وأحْزن بِنَا المنزلُ، واستشعرنا الْخَوْف، واكتحلنا السهر، وفقدنا صالِحَ الإخوان، وشملتنا فتنةٌ لم نَكُنْ فِيهَا بررةً أتقياءَ، وَلَا فجرةً أقوياءَ. فضحِك الحجاجُ، وَعَفا عَنهُ. قَالَ الشعبيُّ: مَنْ أمِن الثٌّقل ثقُل.
следующие страницы →