← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

العمُر فحدِّث بذلك محَّمدُ بن جَعْفَر فأعجَبه، وَقَالَ: سُبْحَانَ الله مَا أعجَب كَلَام الْعَرَب وأشبه بعضه بِبَعْض؟ ؟ وَالله لَكَانَ النَّمر بنْ توْلب، سمع هَذَا. فَقَالَ: يُسر الْفَتى طولُ السَّلامة جاهداً ... فَكيف ترى طول السَّلامة يفْعلُ؟ وَقَالَ حميد بن ثَوْر وحسْبُك دَاء أنْ تصحَّ وتسْلما. وَكَانَ يدعُو ويقُولُ: اللَّهُم أعْطنا قُوَّة فِي عبادتك، وبصراً فِي كتابك، وفهْماً فِي حكمك، وأتنا كِفْلين مِنْ رحْمتِك. بيِّض وجُوْهنا بنُورك، واجْعلْ راحتنا فِي لِقائِك، واجعلْ رغبتنا فِيمَا عنْدَك مِن الْخَيْر. اللهمَّ إننَّا نعُوذُ بك منْ العَجز والكسل، والهرم، والجُبْن، البُخل اللَّهُمَّ إنَّا نعوذُ بك مِنْ قُلُوب لَا تخشعُ، وأنْفُس لَا تشبعُ، اللَّهُم إنَّا نُعِيذ بك أنْفسَنا وأهلينا وذرارينا من الشَّيْطَان الرَّجيم. وَقَالَ: إنَّما تعظُ مُسترْشداً ليفهم، أَو جَاهِلا ليتعلم، فأمَّا منْ وضع سَيْفه وسوطهُ: أحذرني فَمَا لَك ولهُ؟ وَقَالَ: إنَّ قوما لسُوا هَذِه المطارف الْعتاق، والعمائِمَ الرِّقاق، وأوْسعُوا دُورهم، وضيَّقُوا قبورهُم، وأسْمنُواً دواتهم، وأهزلُوا ديِنهُم، طَعَام أحدهمْ غصْب، وخادِمُه سُخره، يتكئ على شمالهِ، ويأْكل من غير مالهِ، حَتَّى إِذا أدركْتهُ الكظَّةُ، قَالَ: هَلُمِّي يَا جَاريةُ. هاضُوماً. وَيلك ﴿﴾ وَهل تحطم إِلَّا دينك؟ . . أَيْن مساكينك؟ أيْن يتامالك؟ أيْن مَا أمَرك اللهُ بِهِ أَيْن؟ أَيْن؟ ؟ . وَرَأى رجلا يمشي مشْيَة منْكرةً. قَالَ: يخْلجُ فِي مشْيِه خلجان المجنُون. لله فِي كلِّ عُضْو منهُ لقمةٌ، وللشَّيطْان لعبةٌ. كَانَ أَبُو الْحسن اسمُه يسارٌ، واسُم أمِّه خيرةُ، مولاةٌ لأمِّ سَلمَة أمِّ الْمُؤمنِينَ،

стр. 1052

وَكَانَت خيرةُ رُبمَا غابتْ فيبْكي الحسنُ فتعطيه أمُّ سَلمَة ثدْيها تُعلِّلُه بهِ، وَإِلَى أَن تجيءَ أمهُّ فدرَّ عَلَيْهِ ثديُها. فيرون أَن تكل الْحِكْمَة والفصاحة، مِنْ برَكةِ ذَلِك. ونشأَ الحسنُ بوَادي القُرىِ. وشكا إِلَيْهِ رجلٌ ضِيق المعاش، فَقَالَ: ويحَك ﴿﴾ أهاهُنا ضيقٌ أوْ سعةٌ إنَّما الضيقُ والسَّعةُ أمامك. وَقَالَ: لوْلا قِصَر هِمَم النَّاس مَا قامتْ الدُّنيا. وَقَالَ: يَا بْن آدَم: إِنَّمَا أنْت عَدَدْ أيامك إِذا مضى يومٌ مضى بعْضُك وتذاكُروا عنْدهُ أمْرَ الصَّحابةِ. قَالَ الحسنُ: ﵏، شهدُوا وغِبنْا وعَلموا وجَهلْنا، وحفِظْوا ونسينا. فَمَا أجْمعُوا عليْه اتبْعَناهُ، وَمَا اختلفُوا فِيهِ وقفناه. وَقَالَ: حَقُّ الوَالِد أعظمُ وبر والوَالدة ألزمُ. وَقَالَ: عَاشر أهْلك بِأَحْسَن أخْلاقك، فإنَّ الثَّواءَ فيهم قليلٌ. وَقَالَ: السُّؤالُ نصفُ العِلْم، ومُدَاراةُ النَّاس نصفُ العَقْل، والقصدُ فِي الْمَعيشَة نصفُ الْمَعيشَة. وَمَا عَال مُقْتصدٌ. وَقَالَ: خف الله خوفًا أنَّك لَو أتيتهُ بحَسناتِ أهْل الأَرْض لم يقبلْها منْك وأرْجُ الله رَجَاء ترى أنَّك إنْ أتيتهُ بسيِّئاتِ أهْل الأَرْض غفرها لَك. وَقَالَ: مَا استْودَع اللهُ رجلا عقْلاً إِلَّا اسْتنْقذهُ بِهِ يَوْمًا مَا. وَقَالَ: المؤمنُ من لَا يَحِيفُ على مَنْ يُبغْض، وَلَا يأْثُم فيمَنْ يحب. وَدخل إليْهِ أمْردُ حَسنُ الوجْهِ، فَالْتَفت إِلَى أصْحابه، فَقَالَ: لقد ذكَّرني هَذَا الْفَتى الحُور العِين. ووُلِدَ لهُ غلامٌ فَقَالَ لهُ بعضُ جُلسَائِه: بَارك الله لَك فِي هِبَتِه، وزادَك فِي نعْمتِهِ. فَقَالَ الحسنُ: الحمدُ للهِ على كلِّ حَسنة، ونسْأَلهُ الزيادَة مِنْ كلِّ نعْمة، وَلَا مرْحباً بمَنْ كُنْتُ مُقِلاً أنْصبَني، وإنْ كُنْتُ عنيّاً أذْهلني لَا أْرضى بسعْي لَهُ سَعْياً، وَلَا بكدِّي عَلَيْهِ فِي الْحَيَاة كدَّاً، حَتَّى أشْفِق عَلْيهِ بعد وفاتي من الفاقةِ، وَأَنا فِي حَال لَا يصلُ إِلَى مِنْ همةً حُزنٌ، وَلَا مِن فرَحه سُرُورٌ.

стр. 1053

وَقَالَ: عِزُّ الشَّريف أدبُهُ، وعزُّ المؤمِن استِغْناؤه عَن النَّاس. وَقَالَ: العلمُ فِي الصغر كالنَّقْش على الحجَر، وَفِي الكبرَ كالرِّقُم على الماءِ. وَقَالَ: مَا أنْعَمَ اللَّهُ على عبد نعُمةً إِلَّا وَعَليِهُ فِيهَا تبعةٌ إِلَّا سُليمْان فإنَّ الله - قَالَ: " هَذَا عطاؤنا فأمننُ أَو أمسكْ بِغَيْر حِسَاب. وَقَالَ: لَا أبالك، إنْ لم تكُنْ حَلِيمًا فتحلَّمْ فإنَّه قلَّ رجلٌ يتشبَّهُ بِقوم إِلَّا أوشك أنْ يكُون مِنهُمْ. وَقَالَ: لَا تشترِين عَداوَة رجل بمودَةِ ألفِ رجُل. وَقيل أهلك فلانٌ فجْأةً. فَقَالَ: لوْ لمْ يهْلِكْ فَجْأَة لمَرض فجْأةً. وَقَالَ: مَنْ زهِدَ فِي الدُّنْيا ملكهَا، ومَن رغِب فِيهَا عبدَها. وَكَانَ يقولُ: الحُريصُ الجاهِدُ، والقانعُ الزِّاهدُ كِلاهُمَا مُسْتْوفٍ أكُلهُ عز فُنقص شَيْئا قُدرَّ لهُ، فعَلام التَّهافُتُ فِي النَّار؟ . وسَمع رجُلاً يقُولُ: الشَّحيحُ أعْذر مِن الظَّالِم فَقَالَ: وَالله إنَّ رجُلين أعْذرُهما الشَّحيحُ لرَجُلاَ سوءٍ. وَقَالَ: إنَّ الله تفرَّدَ بالكمالِ ولمْ يُعَرِّ أحَداً من النُّقصانِ. قَالَ لَهُ رجلٌ: يَا أَبَا سَعيد، مَا تقُولُ فِي الْغناء؟ قَالَ: نِعْم الشيءُ الْغَنِيّ تصلُ بِهِ الرَّحِمَ، وتفُكُّ بهِ العاني، وتُنفِّسُ بِهِ عَن المكُروب. قالَ: لستُ عنْ هَذَا أسْأَلُكَ، إِنَّمَا أسْأَلُكَ عَن الغنِاء قَالَ يَوْمًا هُوَ أتعرفُ منْهُ شَيْئا؟ قالَ: نعَمْ: قالَ: فهاتِهِ. فانْدَفَع يُغني، ويَلْوي شِدقَيْهِ، ومِنخَريْهِ، ويكسِرُ عيْنيْهِ: قَالَ: فَبُهِتَ الحسَنُ، وجَعَل يعْزُبُ عنهُ بعضُ عَقْله حَتَّى فَعَلَ كَمَا فَعَلْ الرَّجلُ يحركِ عَيْنيهِ، وكَسْر حاجبْيهِ، ثمَّ قَالَ لما تَنبَّهَ مِنْ سِنَتِه: أمسكْ يَا هَذا، قَبَّح اللهُ هَذَا. مَا كْنتُ إِلَّا فِي حُلْم. قالُوا: وَلي الحَسنُ القضَاء فَمَا حُمِدَ. يريدُ أنَّه لَوْ حُمِدَ إنْسانٌ فِي ولَايَة أوْ فضاء لحُمِدَ الحسَنُ.

стр. 1054

وَقَالَ: يَا بُنَ أدَمَ تعفَّفْ عنَ مَحارم الله تكُن عابداً، وارْضَ بِمَا قَسَم اللهُ لكَ مِن الرزق تكُنْ غَنِيا. صَاحب الناسَ بِمَا تُحبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بهِ تكُنْ عَدْلاً، وإيَّاكَ وكثرةَ الضَّحكِ فإنَّه يُميتُ القَلْبَ. لقَدْ كانَ قَبلَكَ أقْوامٌ جَمَعُوا كَثيراً، وأمَّلوا بَعيداً، وبَنَوْا شَدِيدا، فأصْبحَ جمْعُهم بُوراً، ومَسَاكنهُم قُبوراً، وأمَلُهْم غُرُوراً. وقالَ: يَا بْنَ آدَمَ لَا تُجاهِدِ الطّلب جهادَ الغَالِب، وَلَا تَتَّكلْ علَى القَدَر اتكالَ المُسْتسْلم، فإنَّ ابتغاءَ الْفضل من الشرةِ، والإجُمالَ فِي الطَّلب مِنْ العِفَّةِ، وليْسَتِ العِفَّةُ بدافعة رزْقاً، وَلَا الحِرصُ بجالب فضْلاً، وإنَّ مِن الحِرصُ اكتسابَ الإثْم. وقَالَ: اشْكُرْ لِمنْ أنُعَمَ عليكَ، وأنعِمْ على مَنْ شَكَر لَكَ، فإنَّهُ لَا زَوَالَ للنعم إِذا شَكَرْتَهَا، وَلَا إدَامةً إِذا كَفَرْتَهَا، والشَّكُر زَيادةٌ فِي النِّعم، وأمَانٌ من الغِيرَ. وقالَ: إنَّ الله ﵎ لمْ يقْصُصْ عليْنا ذُنُوبَ الأنبياءِ ﵈ تعييراً لهُمْ، إِلَّا إزْرَاءً بهمْ، ولكنَّهُ قَصَّها عليْنَا كليلا نَيْأًس من التَّوْبَة. وَقَالَ: مثلُ المنافِق مَثلُ الدِّرْهَم القسي ينفُق فِي النَّاس مَا لمْ يُعرفُ، فَإِذا عُرفِ كسدَ. وَقيل لهُ: أيحسد المؤمنُ أخاهُ؟ قَالَ: لَا أبَالَك؟ إنِستَ إخُوَةَ يُوسف ﵇. وقالَ: أوْعَد عمُر فَعوفي، وأوْعَد زيادٌ فابْتلُي. عادَ الحسنُ عبد الله بن الأهْتَم فِي مرضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ، فأقْبلَ عبدْ الله بضْربُ ببَصرِه إِلَى صُنْدوق فِي جَانبِ البيْتِ، ثمَّ قالَ للحَسن، يَا أَبَا سعيد: مَا تقُولُ فِي ماِئة ألف من هَذَا الصُّندوقِ لم يؤد مِنْهَا زكاةٌ، ولمْ يُوصَلْ بِها رحمٌ؟ فَقَالَ الْحسن ثكلتك أمك فَلم أعددتها قَالَ أعددتها لورعة الزَّمَان ومكاثرةِ الإخْوانِ، وجَفْوةِ السُّلطانِ، ثمَّ مَاتَ فحضَر الحسنُ جنازتهُ فَلَمَّا دفِنَ ضَربَ بإحْدى يديهِ على الْأُخْرَى، ثمَّ قَالَ: إنْ هَذَا أتَاهُ شيْطانُهُ، يخذرهُ روية زَمَانه، وجفوةَ سلْطانه، ومكَاثُرة إخْوانِهِ فِيمَا اسْتودَعَهُ اللهُ إيَّاهُ، ثُمَّ خرجَ منْه حَريباً سليباً لم يؤدِّ مِنْها زَكَاة، ولمْ يصل مِنْهَا رحِماً. ثمَّ التفَتَ فَقالَ: أيُّها الوارِثُ كلْ هَنِيئًا، فقَد

стр. 1055

أتاكَ هَذَا المالُ حَلَال، فَلَا يكُنْ عَلْيكَ وَبَالاً. أَتَاك مِمنْ كَانَ لَهُ جَمُوعاً مَنُوعاً، يلجّجُ فِيه لُججَ الْبحار، ومفاوز القفار. مِنْ بَاطِل جَمعَهُ ومِنْ حق منَعهُ، لم ينْتفع بهِ. فِي حَيَاته، وضرهُ بعد وفاتِه، وجمعَهُ فأوعَاهُ، وشدَّه فأوْكَاهُ، إنَّ يومَ الْقِيَامَة ليومٌ ذُو حَسرات، وإنَّ أعْظَامَ الحسَرات أنْ تَرى مالكَ فِي ميزانِ غَيْركَ ذَاكَ رجلٌ أتاهُ اللهُ مَالا حَلَالا فبَخلَ أَن يُنْفقَهُ فِي طاعةِ اللهِ فورثَهُ اللهُ غَيْرَه. فأنفقَهُ فِي طاعةِ الله. فيا لَهَا حسرةً لَا تُقَالُ، وَرَحْمَة لَا تُنَال، فَإنَّا لله وإنَّا إِلَيْهِ راجعُون. وَقَالَ: ابنَ آدم: بعْ دُنْياكَ بآخِرتِك تربَحْهُما جَمِيعًا، وَلَا تَبعْ آخرتكَ بدنْياك فتخسرهما جَمِيعًا. يَا بن آدم: وَإِذا رأيْت النَّاس فِي الْخَيْر فنافسُهم فيهِ، وَإِذا رأيتَ النَّاس فِي الشرِّ فَلَا تغبطهم الثواء قَلِيل هَا هُنَا والبقاء طَوِيل هُنَاكَ أمتكُم أخِر الأُمم وأنتُمْ آخِر أمّتِكُمْ، وقدْ يسرِعُ بخياركُمْ فَمَاذَا تنتظُرون؟ المعاينة: فكأنْ قَد. هيْهاتَ هيهاتَ ذهبت الدُّنْيَا لحالِ بالها، وبقيتِ الأعمالُ قَلائدَ فِي أعُناقِ بني آدم، فيا لَهَا موعظةً لَو وافقَتْ قبولاً! إنهُ وَالله لَا أمة بعد أمتكُم، وَلَا نَبِي بعد نَبِيكُم، وَلَا كتابَ بعدَ كتابكُمْ. أنْتُم تسوقُونَ الناسَ والساعةُ تسُوقُكُمْ، وَإِنَّمَا ينُتظرُ بأولكمْ أَن يَلْحق أخِركم. مَنْ رأى مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ فقد رآهُ غَادياً رائِحاً، لم يَضَعْ لَبنةً على لبنة وَلَا قصَبةً عَلَى قَصَبَة رفع لَهُ علم فشمر إِلَيْهِ فالوحاء الْعَطاء والنجاء علام تعرجون. أتيتُهم وَرب الكعبةِ أسْرع بخياركم وأنتُم كل يَوْم ترذُلُون. فَمَا تَنْظرون؟ ؟ إِن اللهَ بعثَ مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ عَلىَ علم مِنْهُ، واختارَهُ لنفْسِهِ، وبعثَهُ برسالته، وأنْزَالَ عليهِ كتابهُ، وكانَ خَيرتَهُ من خَلقِهِ، ورسولهُ إِلَى عباده، وثُم وضَعَهُ من الدّنْيا موضِعاً ينظُرُ إليْه أهلُ الأرْض، وأتَاهُ مِنْها قوتاً وبُلْغةً ثمَّ قَالَ: " لقد كَانَ لكم فِي رسُول اللهِ أسوةٌ حسنةٌ " فَرغب قومٌ عَنْ عَيشهِ، وسَخطوا مَا رَضِي لهُ ربهُ، فأبعدَهُمُ اللهُ واسْحقَهُم. وابنَ أدمَ: طأْ بقدمكَ الأرْضَ فَإِنَّهَا بعد قَلِيل قبرُكَ واعْلم أنكَ لم تزَلْ فِي هَدْم عمرك مذُ سقطتَ من بطن أمك. رحِم الله عبدا نظر ففكر، وفكر فاعتبرَ، وَاعْتبر فأبصَر، وأبصرَ فصبرَ، فلقدْ أبْصَرَ أقوامٌ فلمْ يصبرُوا فذهبَ الجزعُ بقلوبهم، وَلم يُدْركُوا مَا طَلَبُوا، وَلم يَرْجعُوا إِلَى مَا فارقُوا يَا بنَ آدَمَ اذكر قولهُ " وكلُ

стр. 1056

إنُسان ألزَمناهُ طائِرهُ فِي عُنقُهِ ونُخرجُ لَهُ يومَ الْقِيَامَة كتابا يلُقَاهُ منْشوراً. اقُرَأ كتابكَ كفى بنفْسِكَ اليومِ عليكَ حسبياً " ابْن آدمَ عَدَل عَلَيْك من جعلكَ حسيبَ نفسكَ. خُذُوا مِن الدُّنيا مَا صَفَا، وذرُوا مَا كدر. فليْس الصفْوُ مَا عادَ كَدراً، وَلَا الكَدر مَا عادَ صَفَاء. دَعُوا مَا يُريُبكُمْ إِلَّا مالاَ يُريبكُمْ. ظَهَر الجفاءُ، وقلتِ العُلَماء، وعَفَتِ السُّنةُ وشاعَت البدْعةُ. لَقدْ صَحبتُ أَقْوَامًا صُحْبتَهُم قرةٌ العْين وجلاءُ الصدْر، وَلَقَد رأيتُ أقْواماً كانُوا مِنْ حَسناتهم أنْ تُرَد عَلَيْهِم أشفقَ منكُم من سَيِّئَاتكُمْ أَن تُعذبُوا عَلَيْهَا، وكانُوا فِيمَا أحَل اللهُ لَهُم مِن الدنْيا أزْهدَ مِنْكُم فِيمَا حَرمَ عليْكُم مِنْها أسْمَعُ حسيساً وَلَا أرى أنيساً. ذَهبَ الناسُ، وبقيتُ فِي النِّسْنَاس، لَو تكاشَفْتُم مَا تَدافَنْتُمْ. تَهاديْتُم الأطباق، وَلم تهادَوْا النصائح. قَالَ عمرُ بنُ الْخطاب: رحمَ اللهُ مَنْ أهْدى إليْنا مَساويَنَا. أعِدوا الجوَابَ فإنكُم مسئُولُون. الْمُؤمن من لَا يَأْخُذ دينهُ عَن رَأْيه، وَلكنه يأخذُهُ من قبَل ربه، وَإِن هَذَا الْحق قد أجْهدَ أهْلهُ، وَمَا يَصْبُر عليْه إِلَّا مَنْ عرفَ فضلهُ، وَرَجا عاقبتَهُ، فَمن حمد الدُّنْيَا ذمّ الْآخِرَة، وَلَيْسَ بكرهُ لقاءَ الله إِلَّا مقيمٌ على سخطه. بِابْن آدَمَ إِن الإيمانَ لَيْسَ بالتحلي وَلَا التَّمَنِّي، ولكنهُ مَا وقَر فِي القلْب، وصدقتْهُ الأعمالُ. وكانَ إِذا قَرَأَ " ألْهَكُمُ التكاثُرُ " قالَ: عَم أَلْهَاكُم؟ عَن نَار الخُلود، وجنة لَا تبيد. هَذَا وَالله فضَحَ القَوْمَ، وهتك السترْ، وأبدي العورةَ، تُنْفِقُ مثل دينك فِي شهوتكَ سَرفًا، وتمنع فِي حق الله درهما ﴿ستعلَم يالُكَع﴾ ﴿. الناسُ ثلاثةٌ: مؤمنٌ، وكافرٌ، ومنافقٌ: فَأَما المؤمنُ فقدْ ألجَمهُ الخوفُ وقومهُ ذكرُ العَرْض. وَأما الكافرُ فقد قمعهُ السيفُ، وشردَهُ الخَوفُ، وأذعَنَ بالجزْيةِ، وأسْمَح بالضريبة. وَأما المنافقُ فَفِي الحُجراتِ والطرقَات، ويُسروُّن غَيرَ مَا يُعْملُون، ويُضْمُرونَ غَيْرَ مَا يُظْهرُونَ، فاعُتبرُوا إنْكارَهُم ربهُم بأعْمَالهمْ الخَبيثَةِ. ويْلَكَ﴾ قَد قَتَلْتَ وَليَّهُ، ثُم تَتَمَنى عليهِ جنتهُ! ابنَ آدمَ. كَيفَ تكونُ مُسْلماً - وَلم يسْلَمْ مِنْكَ جارُك؟ وكيفَ تكُونَ مُؤمنا - ولمْ يأمنْك الناسُ. وكانَ يقولُ: رحِمَ اللهُ أمرأً اكْتَسَب طيِّباً، وأنْفَقَ قصْداً، وقَدم فضْلاً. وجِّهُوا

стр. 1057

هذِهِ الفضولَ حيثُ وجهَها اللهُ، وضَعُوهَا حيثُ أمَر اللهُ، فَإِن مَنْ كانَ قَبْلكُمْ كانُوا يأْخُذُون مِن الدُّنْيا بُلْغَتَهُمْ، ويْؤثرون بالفَضْل أَلا إِن هَذَا الْمَوْت قد أضرّ بالدنيا ففضحها فَلَا وَالله مَا وجدَ ذُو لُب فِيَها فَرحا، وإياكُم وَهَذِه السُّبُلَ المُتفرِّقة الَّتِي جماعُها الضلالةُ وميعْادُها النارُ. ابنَ أدَم: إنْ كانَ لَا يُغْنيكَ مَا يكُفيكَ فليْسَ هَاهُنَا شيءٌ يُغْنيكَ، وإنْ كانَ يُغْنيكَ مَا يَكفيكَ فالُقليلُ مِنَ الدُّنْيا يَكفيكَ. ابْنَ أدَمَ: لَا تَعْملْ شيْئاً مِن الحقِّ ريَاءً وَلَا تَتْركُهُ حَيَاءً. وكانَ إذَا ذُكرَ الحجاجُ قَالَ: يتْلُوا كتابَ الله على لخْم وجذام ويَعظُ عظةَ الأزَارقِة، ويَبْطِشُ بَطْش الجبارين. وَبعث عمرُ بنُ هُبيرةَ إِلَى الحسنِ، وابنِ سِيرِين، والشْعبي فقدمُوا عليْهِ فَقَالَ: إنهُ تأْتيني مِنْ أَمِير الْمُؤمنِينَ كتبٌ أعرِفُ فِي تنفيذِها الهلَكةَ فإنْ أطَعتُه عَصيْتُ الله فَمَاذَا تَروْن؟ فَقَالَ الحَسنُ. يَا بنَ سِيرِين أجبِ الْأَمِير فسَكَتَ ثمَّ قالَ: يَا شعْبيُّ أجبِ الْأَمِير - فَتكلم الشعْبي بِكَلَام هَيْبةً وتقيةٌ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعيد، وَمَا تَقُول؟ فقالَ: أما إذْ سألْتنِي فَإِنَّهُ يَحِقُّ على أنْ أجِيبَكَ، وَإِن الله مَانُعِكُ مِنْ يزيدَ، وَلنْ يمنعَكَ يزيدُ مِن اللهِ، وَإنَّهُ يوشكُ أَن ينظلَ بكَ مَالكٌ من السَّمَاء فيَسْتنزِلكَ مِنْ سريرك إِلَى سعةِ قَصْركِ ثُم يخرجَكَ من سَعةِ قَصْرِك إِلَى بَاحةِ دَارِك ثمَّ يخرجكَ من باحة دَارِكَ، إِلَى ضيق قَبْركِ، ثُم لَا يُوسِعُ عليْكَ إِلَّا عملُك. يَا بْنَ هُبيرةَ إِنِّي أنْهَاكَ عنِ الله أَن تعرضَ لهُ فَإِنَّمَا جَعلَ اللهُ السلطانَ ناصراً لعبادِهِ، ودِينِه، فَلَا ترْكَبُوا عبادَ الله بُسلْطان الله فتُذلوهُم، فَإِنَّهُ لَا طاعةَ لمخلُوق فِي مَعْصيةِ الله. يَا بْن هُبيرةَ إِنِّي قَد أدُركتُ نَاسا من صَدْرِ هذِه الأمةِ كَانُوا فِيمَا أحَل الله لهُم أزهدَ مِنكُمْ فِيمَا حرم الله علْيكُمْ، وكانُوا لِحَسنَاتِهِم أَلا تُقْبلَ أخُوَفَ مِنكُمْ لسيئاتِكم أَلا تُغُفَرَ. وكانُوا وَالله لثوابِ الآخرِة بِقلوبهم أبصرَ مِنْكُمْ لمتاع الدُّنيا بأعُينكمِ، فكانُوا وَالله عَن الدنُّيا وَهِي إليهِمْ مُقْبلةٌ أَشد إدباراً مِنْ إقبالكم علْيها وَهِي عَنْكُم مُدْبرةٌ. يَا عُمَرُ، إِنِّي أخوفُكَ مقَاما خَوفكَهُ اللهُ مِنْ نفْسِهِ، فقالَ: " ذلكَ لمن خافَ

стр. 1058

مقَامي وخَافَ وَعيد ". يَا عُمرُ. وَإِن تكُنْ مَعَ يَزيد يكْفك الله بائَقَتَهُ. وإنْ تكُنْ مَعَ يَزيدَ عَلى الله يَكلِكَ إليهِ. قَالَ فبكَى عُمَرُ ثمَّ قامَ بعَبْرَتِهِ وأرْسَلَ إليهِمْ مِنَ الغَد بإذنهم وجائزتهمْ وأعْطَى الحَسنَ أرْبَعةَ آلَاف دِرهم وكُل وَاحِد منهُما ألَفيْنِ ألفَينِ فَخرج الشّعبِيّ إِلَى الْمَسْجِد فَحدث النَّاس سَاعَة ثُمَّ قَالَ: من قدر مِنْكُم يَا أيُّها الناسُ أنْ يُؤْثَر اللهَ على خَلْقه فليَفْعَلْ، فَإِن الأميرَ ابنَ هبيرةَ أرسَلَ إِلَيّ وَإِلَى الحسنِ وبنِ سِيرينَ، فسألَنَا عَنْ أمْرِ اللهِ. فوَاللَّه مَا عَلمَ الحسنُ مِنْه شَيْئا جهِلتُهُ وَلَا علمتُ شَيْئا جَهِلهُ ابنُ سِيرينَ، وَلَكِن أردْنا وجَه ابْن هبيرةَ فأقصَانا الله، وقصّرنا فقصّر لنا، وَأَرَادَ الحسنُ وَجْه الله فحباهُ وزاده. وروى أَن الشعْبي قَالَ لابنِ هُبيرة: لَا عليكَ أَيهَا لأميرُ. إِنَّمَا الْوَالِي والدٌ يُخطئ ويصيبُ، وَمَا يرد عَلَيْك مِنْ رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن اسْتَطَعْت أَن ترده فَرده وَإِلَّا فَلَا ضيْرَ عَلَيْك. فَقَالَ: مَا تقُول يَا أَبَا سَعيد؟ فَقَالَ الحَسنُ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " من استرعاهُ اللهُ رعيةً فَلم يُحطْ من ورائِها بالنَّصيحةِ حرمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنة ". وأمَّا رأيُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِذا وردَ عليْك فاعُرضْهُ عَلَى كتاب الله فإنْ وافقَه فأمْضهِ، وإنْ خالفهُ فأرْددهُ، فإنَّ الله يمنعك مِنْ يزيدَ من الله وَلنْ يمنعك يزِيد من الله. ثمَّ أقْبَل على الشّعبِيّ فَقَالَ: مَا لَك ويْلك يَا شعُبيُّ ﴿﴾ يقولُ النَّاس: الشّعبِيّ فقيهُ أهُله الكُوفةِ تدْخُلُ عَلى جَبَّار مِن الجَبابرَةِ فتُزيِّنُ لَهُ الْمعْصِيَة. فَقَالَ: واللهِ يَا أَبَا سَعيد لقد قُلْتُ وَأَنا أعُلم مَا فِيهِ. قَالَ: ذَاك أؤكُد للُحجِةَّ عَليك وَأبْعد لَك مِن الْعذر. وَقَالَ الحسنُ: لَا دين إِلَّا بمروءة. وشتمَهُ رجلٌ وأربى عليْهِ. فَقَالَ لهُ الحسنُ: أمَّا أنْتَ فَمَا أبْقيْتَ شَيْئا وَمَا يَعْلَم اللهُ أَكثر. ودَخَلَ عليْه فَرْقد وَعَلِيهِ صٌوفً وعَلَى الحَسن مُطْرف خَزٍّ، فجعَلَ ينظُر إليْه، فقَال الحسنُ: مَا تَنْظرُ؟ على ثيابُ أهْل الْجنَّة، وَعَلَيْك ثيابُ أهْل النَّار، وإنَّ أحَدهُمْ جَعَلَ زُهْدهُ فِي ثيابِه، وكِبرَهُ فِي صدرْه، فَلَهُواَ أَشدُّ عجَباً بصُوفِه مِنْ صَاحب المطرفِ بمْطرَفِهِ.

стр. 1059

وقالَ الحَسَنُ: ذكَر اللهُ الثِّقَلَ فِي الْقُرْآن فَقَالَ : " فَإِذا طِعمتُمْ فانتشِرُوا " وَقَالَ: حَسْبُك مِنْ شرفِ الفَقْر أنَّكَ لَا تَرىَ أحدا يَعْصِي الله ليَفتقِرَ. وَقَالَ: مَا أحْسَنَ الرُّجُلَ نَاطِقاً عَالما، ومسْتَمعاً وَاعياً، وخَائِفاً عَامِلاً. وَقَالَ: إنَّ أهل بَدْر أسْلَموا مِنْ خشيَة اللهِ، وإنَّ الناسَ أسْلموا مِن خشَيَةِ أهُل بدْر. وقالَ: لولاَ أَن الله عَزَّ ذِكُرهُ أذَلَّ ابْن أدَم بِثَلَاث مَا طَأْطَأ رأسَهُ، وإنَّهُ مَع ذلكَ لوثابٌ: يمْرَضُ فجأَةً، ويموتُ فجْأةً ويَفْتقِر فَجْأةُ. وقَالَ: السِّوَاكُ مطْهَرةٌ للفم، مَرضاةٌ للرَّب، مقُرَبَةٌ مِن الملائِكةِ، مَنْفَرَةٌ للشَّيَاطين، ويَجْلُو البَصَر، ويُقِلُّ البَلْغم، ويُصْلِحُ المعِدَة، ويشُد اللَّثَتةَ ويُذْهِبُ الْحفر. وقالَ: أشدُّ النَّاس صُرَاخاً يومَ الْقِيَامَة رجلٌ سَنَّ ضَلَالَة فاتُّبع عَلَيْهَا، ورَجلٌ سيءُ المَلكة، ورجلٌ فَارغ مكفي استعَان على مَعَاصِي الله بِنعَمِهِ. وَلما مَاتَ الحجَّاجُ قالَ الحسنُ: الَّلهُمَّ أنْتَ أمتَّهُ فاقْطعْ عَليْنَا سُنَّتهُ، فإنَّهُ أتَانا أخَيْفِشَ أعَيْمِش، يمدٍ بيد قَصِيرَة البَنان. وَالله مَا عَرق فِيهَا عنانٌ فِي سَبيل الله، يُرجِّلُ جُمَّته ويخْطِر فِي مشيته، ويَصْعَد المنبرَ فيهْدِرُ حَتَّى تفوته الصَّلاةُ، لَا مِن اللهِ يَتَّقِي، وَلَا مِن النَّاس يستحي، فَوْقهُ الله وتحتهُ مائةٌ ألف أوْ يزِيدُونَ، لَا يقُولُ لَهُ قائلٌ: الصَّلاةَ أيُّها الرَّجلُ. ثمَّ يقولُ الحسنُ هَيْهاتَ. حَالَ دُونَ ذَلِكَ الَّسيْفُ والسَّوْط. وكَانَ يقُولُ: إِنَّمَا كانتْ خطيئةُ أبيكُمْ أدَم ﵇ فِي أكْلَة وَهِي بليَّتكُمْ إِلَى يومِ القيامةِ. وقَالَ للصُّوفيينَ: إنْ كانَتْ هَذِهِ سَرِيرَتَكُم فَقْدَ أظهر تمُوهاً، وإنْ كانَتْ خلافًا لما أعْلَنْتُمْ فقدْ هَلَكْتُمْ. وقَالَ: العِصْمةُ مَا لَمْ تجدْ، والعِفةُ إذَا قَدرْتَ.

стр. 1060

وقَالَ: مَنْ بَدَلَ دِرهَمَهُ أحبهُ الناسُ طَوْعاً وكَرْهاً. وقَالَ: كيْفَ للرجُل بإحُراز دينهِ وهُو يطلُبُ معَاشَهُ مِمنْ لَا يُزَكى عَملَهُ. وَقَالَ: مَنْ تعززَ بالمعْصِيةٍ أوْرَثُهُ الله الذِّلةَ. وقالَ: مَن اتكلَ على حُسْنِ اختيارِ اللهِ لهُ لم يتمَن أنهُ فِي غَيرِ حَالتهِ الَّتِي اخْتَارَهَا اللهُ لهُ. وَقَالَ: مَنْ لمْ يُؤمن بالقدرِ كَفرَ، وَمن حملَ ذنبهُ على اللهِ فجرَ. وَقَالَ: رُب مَحْسُود عَلَى رَجاءٍ هُوَ بلاؤهُ، ومَرْحوم مِنْ سقَم هُوَ شِفاؤُه، ومغُبوطِ بِنعمة هِيَ داؤه. وقالَ: لهَذِهِ القُلوبِ إقْبَالٌ وإدبارٌ، فَإِذا أقْبَلتْ فاحُملُوها على النوافِل، وَإِذا أدْبرتْ فاحُمِلُوها على الفَرائضِ. وقَالَ: تجْرِي الأمورُ على المقاديرِ وَالنَّاس لَا يَقْبلُونَ المعَاذِيرَ. وَقَالَ: حَسْبُكَ مِن العِلمْ أَن تَخْشَى اللهَ، وحَسْبُكَ مِنَ الجَهْل أنْ تُعْجَبَ بِعِلُمِكَ. وقالَ: وجدتُ خَيْرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَة فِي صَبْرِ سَاعَة. وَقَالَ: جَهد الحقُّ الناسَ فَلَا يَصْبِرُ لهُ إِلَّا مَنْ عَرفَ فضْلَهُ ورجَا عاقِبتَهُ. وسألَه رجلٌ فَقَالَ: غُلامٌ يتعلمُ القِرآنَ، وأبُوهُ بأْمُرهُ أنْ يتعلمَ الشِّعْرَ فَقَالَ. يتعلمُ القُرآنَ ويتعلمُ مِنَ الشِّعْرِ مَا يُرْضِي أَبَاهُ. وقَالَ: لِأَن أقْضِي حاجةَ أَخ أحبُّ إِلَيّ مِنْ أنْ اعْتَكِفَ سنَةً. وروُي عَنْ أبي عَمُرِو بن الْعَلَاء أنهُ قَالَ: مَا رأيتُ قَرَوييْنِ أفْصَحَ مِن الْحسن وَالْحجاج.

стр. 1061

ونَظَرَ أعْرابي إِلَى الحَسن، فقيلَ لهُ: يكفَ تراهُ؟ فَقَالَ: أرى خيْشُوم حُرٍّ. وقَالَ لهُ رجلٌ يَا أَبُو سعيد. فقَالَ الحسنُ: شغلَكَ كَسْبَ الدوَانِيقِ عنْ أنْ تقُولُ يَا أبَا سَعيد. وقَالَ لهُ آخَرُ: يَا بُو سَعيد. فقالَ: أينَ غذيِتَ قالَ: بِلَا يلة. قَالَ: مِنْ هَذَا أتيتَ. وَقَالَ: من دخلَ مَدَاخِلَ التُّهَمةِ لَم يكُنْ لَهُ أجرُ الغَيْبةِ. وَقَالَ: من أمَّلً فَاجِراً كانَ أدنَى عُقُوبَتِهِ الحرمانُ. دخَل أعْرابيُّ البَصْرة، فَقَالَ: مَنْ سَيِّدُّهُم؟ قَالُوا: الحَسنُ بنُ أبي الحَسن. قَالَ: وبِمَ؟ قَالُوا: اسْتَغْنَى عَمَّا فِي أيْديهم من دُنْيَاهُمْ. واحُتَاجوا إِلَى مَا فِي يَدَيْهِ من دينه. فقالَ: بخ بخ. بِهَذَا سَادهُمْ. وسَمعَ الحسنُ رجلا يصفُ الفالوذَج فقالَ: فُتَاتُ البُرِّ بلُعابِ النحُلِ بخالِصِ السمْنِ. مَا عَابَ هَذا مُسْلِمٌ.

стр. 1062

الْبَاب الْعَاشِر نُكَتٌ مِنْ كَلام الشِّيَعة أخُبرنَا الصاحبُ كَافِي الكفَاةِ رحمةُ اللهِ عليْهِ قالَ: أخبرنَا عبدُ اللهِ بنُ محمَّد، قالَ: أخْبرَنَا عبْدُ الله بنُ الْحسن، قَالَ: أخُبرَنَا سهْلُ بنُ مُحَمَّد قَالَ: أخُبرنَا عبْدُ الرَّحمَن بن الْمثنى قَالَ: عبد الْملك فَلَمَّا بلغ إِلَى العظة قَامَ إِلَيْهِ رجل من آل صُوحانَ. فقالَ: مَهْلاً مَهْلاً. تأُمُرونَ فَلَا تأُتَمرونُ، وتَنْهَوْنَ وَلَا تنتهُون، وتعظُون وَلَا تتعظُونَ. أفَنَقْتَدي بسيرتكُمْ فِي أنْفُسكُم أمْ نُطيع أمُركُمْ بأَلْسنَتكُم؟ فإنْ قُلْتُم: اقتَدُوا بسيرتنَا فَإِنِّي؟ وكَيْفَ وَمَا الحُجَّةُ؟ ومَا النصيرُ منَ الله بإقتداء سيرَة الظَّلمَة الفسَقة، والجَورة الخَونة الَّذين اتخَذُوا مَال الله دُولا، وعبيدهُ خَولاً وَإِن قُلْتُمْ: اقبلُوا نَصيحتنَا، وأطيعُوا أمرنَا، فكْيفَ يَنُصَحُ لغيره مَنْ يَغُش نَفْسَهَ.؟ أمْ كيْفَ تَجبُ الطاعةُ لمنْ لمْ تَثُبتْ عنْدَ الله عدالَتُه؟ وإنْ قلُتْم خُذوا الحكمَةَ من حُيثُ وجدتُموهَا، وأقبلُوا العظَةَ ممَّن سَمعتُموهَا فَعلامَ وليْنَاكم أمْرَنَا، وحَكَّمْناكُمْ فِي دمائنا وأمْوالنَا؟ أمَا علمتُمْ أنَّ فينَا مَنْ هُوَ أنْطَقُ منْكُم باللغَات وأفْصَحُ بالعِظاتِ؟ فَتحلْحلوا عَنْهَا أَولا، فأطْلِقُوا عِقَالَها، وَخَلُّوا سَبيلَهَا يَبتْدِرْ إِلَيْهَا ألُ رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الذينَ شَرَّدْتُموهُمْ فِي البلادِ، وفرَّقتُموهُمْ فِي كُلِّ وَاد، وبل تثْبت فِي أيْديِكُمْ لانْقِضاءِ المُدَّةِ وبُلُوغ المُهْلةِ، وعِظَم المحنةِ. إِن لكُلّ قَائِم قَدَراً لَا يعْدُوهُ وَيَوْما لَا يخُطوه، وكتاباً معدَه يتلُوهُ " لَا يُغادِرُ صغيرَةً، وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحْصاها " و " سَيَعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أيَّ مُنْقَلَب يَنْقِلبون ". قَالَ ثُمَّ أجْلسَ الرَّجُلُ فطُلِبَ فَلَمْ يُوجَدْ.

стр. 1063

نَظَر شريفٌ إِلَى رءوسِ بنيِ أُميَّة - وَقد حُمِلتْ إِلَى أبي العبَّاسِ فقَامَ وقَالَ: هذِه رؤسٌ ربَّاهَا النِّفاقُ، ورَّبتهُ، وغَذَّاهَا الكُفْرُ وغَذَّتْهُ، ودَعاهَا الجْهلُ فأجَابتْهُ. صَرفُوا الصَّدقاتِ فِي الشَّهواتِ، والفيءَ فِي الغي والغانِمَ فيِ المحارمِ. لمَّا ماتَ الصادِقُ ﵇ قَالَ أَبُو حَنيْفَةَ لشَيْطان الطَّاق مَاتَ إمَامُك. قَالَ: لَكِن إمامَكَ لَا يموتُ إِلَى الحشْرِ. يعْني السُّنَّةَ. قالَ مُعَاويةُ لأبي الْأسود: لَوْ كُنْتَ أحَدَ الحكمَيْنِ مَا كُنْتَ صانعاً؟ قالَ: كْنْتُ أقولُ: أليْسَ أحقَّ الناسِ أنْ يُتخَيَّر مِنْهُم المهاجرُون والأنصَارُ؟ فإنَّهُ كانَ يقالُ: بَلَى: فكنتُ أقُولُ: فاعُتزِلُوا مَنْ ليْسَ منهُمْ. قَالَ معاويةُ الحمدُ لله الَّذِي كفانَاكَ. جَلسَ مُعاويةُ بالكُوفة يُبَايعُ على الْبَرَاءَة منْ على ﵇ فجَاء رجلٌ مِنْ بني تَمِيم فأراده. عَلى ذلكَ فقالَ: يَا أميرَ المُؤمنين. نُطيعُ أحُياءَكُم وَلَا نتبرأ من موتاكُم. فَالْتَفت إِلَى المُغيرةِ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا رجلٌ. فاسْتَوْصِ بِهِ خيْراً. قَالَ الشَعبي: مَا لقينَا منْ عَليّ بن أبي طَالب: إنْ أحَبَبْناهُ قُتِلْنَا وإنْ أبغْضَنَاه هَلكْنَا. قَالَ عبدُ الْملك بن مروانَ لعبد الله بن عبد الْأَعْلَى الشَّاعِر: أخْبرني عَنْ أكْرَم العَرب؟ قالَ: يَا أميرَ المُؤمنين: قد سمعتَ كَما سَمِعت، وعلمتَ كَمَا علمت. قَالَ: أقْسم عليكَ لتخبرني. قَالَ: أكْرم العَرب مَنْ يحبُّ أَلا يكونَ من غَيرهَا، وَلَا يحب غَيرَه أَن يكونَ إِلَّا منْهَا. وألام العَربَ مَنْ يحب أنْ يكونَ منْ غيرهَا وَلَا يحب غَيره أنْ يكونَ مِنْها. قَالَ، فَوضَعَ عَبد الملكِ يدَه على منِكبه وقَالَ: لَو مسَحتُكَ لتناثَر منْكَ ترابٌ. يعرِّض

стр. 1064

لَهُ بحب عَليّ ﵇ وَبني هَاشم. كَانَ أَبُو الهذَيْل يَقُول: أوَّل سِهام مَنْ تحب آل محَّمد صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الَّتِي لَا يطيش عنْ أعدَائهم قَوْلهم: الْحَمد لله على طيبِ المولد. قَالَ يُونُس: قلت للخُليلِ: مَا بَال أصحَابِ رسولِ الله ﷺ كَأَنَّهُمْ بَنو أمٍّ وإخوة، وَعلي كنه ابْن عَلَّة؟ فَقَالَ لي: منْ أَيْن لَكَ هَذَا السُّؤَال؟ فقلْت: أُرِيد أَن تُجِيبنِي. قالَ عَلَي أنْ تكْتم عَليّ مَا دمتْ حَيا. قلْت: أجَلْ. قالَ تقدَّمَهم إسلاماً، وبذَّهم شَرَفاً، وفَاقَهم علْماً، ورَجَحَهم حلْماً، وكانَ أكْثرَهم زهْداً، فَخسروه والناسُ إِلَى أشُكَالِهم أميل. قَالَ المتَوَكل لبَعض العلوية: مَا يَقُول ولُد أبيكَ فِي العباسِ؟ قَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ مَا يَقُول ولَد أبي فِي رَجُلٍ فَرض الله حقَّ رسُولهِ على عِبَادِهِ: وفَرضَ حقَّه عَلَى رسُوله. قَالَ لَهُ: وَالْفرق بينَنَا وبينَكم. قَالَ: ذَاكَ بيِّنُ. لوْ كانَ رسولُ الله ﷺ حَيا: أكانَ حَلالاً لهُ أَن يكُونَ حُرَمي متكشفاتِ الروؤس؟ قَالَ: نَعَمْ. سُئِلَ أحمدُ بنُ حَنْبَل عَنْ قَول الناسِ: على قَسِيمُ الجنَّةِ والنَّار. فقَالَ: هَذَا

стр. 1065

صحيحُ لأنَّ النَّبِي ﵇ قالَ لعَلي: " لَا يحبُّك إِلَّا مؤمِنٌ وَلَا يُبغضُكَ إِلَّا مُنَافقٌ " وَالْمُؤمن من الجنَّةِ والمُنافِقُ فِي النِّار. لمَّا قدِمَ طلحةُ والزبيرُ البصْرة قامَ المطرفُ بنُ عبد الله خَطِيبًا فِي مَسْجدِهَا، فقالَ: أيُّها الناسُ: إنّ هذيْن الرَّجُلين - يَعْنِي طلحَةَ والزبيرَ - لما أضَلا دينَهُمَا ببلدِهما جاءَا يطلبانِهِ فِي بلدِكُمْ، وَلَو أصابَاه عندَكُمْ مَا زَادَاكُمْ فِي صَلاتِكُمْ، وَلَا فِي زَكَاتِكُمْ، وَلَا فِي صَومْكم وَلَا فِي حجِّكُمْ، وَلَا غَزْوكُم، وَمَا جَاءَا إِلَّا لينَالاَ دُنْياهُمَا بدينكُمْ، فَلَا تَكْونَنَّ دُنْيا قوم آثَرَ عِندكُم مِن دينكُمْ والسَّلامُ. وَكَانَ بعضُ قُضَاة الكُوفَةِ يذكرُ يَوْمًا فضائلَ أَمِير المؤمنينَ - صلوَات الله عليهِ - وحضرهُ بعَث الحشوية فقالَ للْقَاضِي: لَا أَرَاك تذْكُرُ مِنْ فضَائِلِ أبي بكر وعُمرَ شَيْئا. فقالَ القَاضِي: يَا أحمقُ، نحنُ نذكُرُ المُقاتِلَةَ وأنْتَ تَذَكُر النظارَةَ. لَقِي أبُو مُوسَى الأشعريُّ أَعْرَابِيًا، قَدْ قِدمَ من دومة والجْنَدل، فَقَالَ: يَا أعرابيُّ، مَا عِنْدَكَ مِن خَيرَ النَّاس؟ قَالَ: تركْتُهُم يَا يلعَنُونَ ثَلَاثَة قَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْأَشْعَرِيّ، وأبَا مُوسِى، وعبدَ اللهِ بنَ قيس، كَانَ بعضُ أهل الْبَصْرَة يتَشِّيعُ وَكَانَ لهُ صديقٌ يفد إِلَيْهِ وَيُوَافِقهُ فِي مَذْهَبه فأودَعهُ مَالا فجَحَدهُ، فاضطْرَّ إِلَى أَن قالَ لمُحمدِ بن سُلَيْمَان، وَسَأَلَهُ أَن يحضرهُ، ويُحلفه بِحَق عَليّ ﵇، فَفعل ذَلِك. فَقَالَ: أعزَّ اللهُ الأميرَ. هَذَا الرجلُ صَديقي، وَهُوَ أعزُّ عَليّ، وأجلُّ عنْدي منْ أنْ أخلف لهُ بِالْبَرَاءَةِ مْن مُخْتلفٍ فِي ولَايَته وإيمانه، وَلَكِنِّي أَحْلف لَهُ بالبَراءة منْ الْمُتَّفق على إيمَانهما وولايتهما: أبي بكر وعمَرَ، فَضَحِك محمَّد بن سُلَيْمَان، وَالْتزم المَال، وخلَّى عَن الرَّجل. قالَ أَبُو معاويةَ الضَّريرُ: بعثَ هِشَام بنُ عبد الملكِ إِلَى الأعْمش أَن أكتُبْ إِلَى بمنَاقب عُثمانَ ومساوئ عَليّ على فأخذَ الأعمشُ القرطاس، فأدخلهُ فِي فَم شَاة،

стр. 1066

فأكلتهُ. وَقَالَ: قُلْ هَذَا جَوابُهُ. فرجَع الرسولُ ثُم عَادَ فَأتى الأعمشَ. فقالَ الرسولُ. إنَّهُ قد آلى أنْ يَقْتُلَني إنْ لمِ آتِهِ بِالْجَوَابِ وَتحمل إليْه بإخُوانِه. فقالُوا: يَا أبَا مُحمد افتِده مِن القَتْل. فلماَّ ألحُّوا قَالَ: اكُتبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. . أما بعدُ. فلوْ كَانتْ لعثمانَ مناقبُ أهل الأَرْض مَا نَفَعَتْكَ، وَلَو كانَتْ لعلى مساوئ أهْل الأَرْض مَا ضَرَّتكَ فعليْكَ بخُويصةِ نَفْسِكَ. والسَّلامُ. قَالَ ابنُ الْفرق: رأيْتُ المختارَم مسْتُورَ العْين. قلتُ: مَنْ فَعل بكَ هَذَا قطعَ الله يدهُ فَقَالَ: ابنُ الفَاعلة عبيدُ الله بنُ زِيَاد، وَالله لأقطَعَنَّ أنَامِلهُ وأباجلَهُ، ولأقتُلن بالحسيْن عَدَدَ مَنْ قُتِلَ بيْحيى بن زَكَرِيَّا. ثمَّ قَالَ. يَا بنَ الْفرق، وَإِن الفْتنَةَ قدْ ألقتْ خِطامَها، وخبطتْ وشمسَت. ثمَّ قَالَ: ورَافِعةَ ذيْلَهَا، وقائِلة: وَيْلَهَا بدجلة أَو حولهَا ﴿﴾ ! قَالَ عبيدُ الله بن زِيَاد لبعْض بني بكر بن وَائِل: مَا تقولُ فِينَا وَفِي الحُسَيْن وَفِي قَتْلنا إيَّاهُ؟ فقالَ: مَا أقُولُ؟ يجي جدُّه يومَ القيامةِ فيشفَعُ لَهُ ويجيءُ جدك فيشفعُ لكَ. كَانَ أبُو الأسودِ يتشيع وَكَانَ ينزلُ فِي بني قُشَيْر - وهُمْ عثمانيةٌ فَكَانُوا يرمونه بِاللَّيْلِ، فَإِذا أصْبحَ شكا ذَلِك فشكاهُم مرّة، فَقَالُوا لَهُ مَا نَحنْ نَرْميكَ وَلكنِ الله. فقالَ كذبتْمْ - وَالله - لَو كَانَ اللهُ يرِميني لما أخْطَأني. كَانَ سُفْيانُ بنُ عُييْنةَ إِذا يُشِّر بمَوْلُود مِن العلّوَيةِ أعْطى بشَارةً، وَإِذا نُعى إليْه واحدٌ جلَسَ للتعزيةِ. فقِيلَ لهُ فِي ذلكَ. فقالَ: يذهبُ أمانٌ، ويزيدُ أمانٌ، همْ أمانُ أهْل الأرْض مِن الْعَذَاب. سمعْتُ عمْرَو بن ديِنار عَن ابْن عَبَّاس أنَّ رسولَ الله صلى الله عليهَ. قَالَ: النجُومُ أمانٌ لأهْل السِّماء، وأهلُ بَيْتِي أمانٌ لأْمتي. قَالَ عبد اللهِ بنُ عَبَّاس المَخْزُومِي: قلتُ: يَا عمُّ، حَدثنِي عَمَّا كَانَ من صفو النَّاس معَ عَليّ وَإِنَّمَا هُوَ غُلامٌ منْ قُرَيْش، وَلأبي بكْر مِن السابقةِ مَا قدْ عَلمتَ،

стр. 1067

قَالَ: إِن عليا كانَ مَا شئْتَ من ضرس قَاطع، والسلطةِ فِي الْعَشِيرَة، والقدم فِي الإسْلام، والصِّهر لِرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ، والعِلْم بالقُرآن، والفقْه فِي السُّنَّة، والنَّجدة فِي الحرْب، والجُودِ بالماعُون. دخَلَ أبوْ الطفيْل عامرُ بنُ وائلة الكنانيُّ على معاويةَ فقالَ لهُ: أْنتَ مِنْ قَتله عُثْمانَ؟ قالَ: لَا. ولكنني مِمنْ حضَرهُ فَلم يَنْصرْهُ. قالَ: ومَا منعَكَ منْ نَصْره؟ قَالَ: لمْ ينصرْهُ المُهَاجروُنَ والأنْصارُ. قالَ معاويةُ: لقد كَانَ حقهُ وَاجِبا، وَكَانَ يجبُ عليهمْ أنْ ينصروهُ. قَالَ: فَمَا منَعَكَ منْ نُصْرتَه يَا أميرَ المؤْمنينَ ومَعكَ أهْلُ الشَّام؟ قالَ: أومَا طَلَبي بدمِهِ نصرةٌ لهُ؟ فضَحكَ عامِرٌ فَقَالَ: أنْتَ وَالله وَعُثْمَان كقولِهِ: لأعْرفنَّكَ بعْدَ الموتِ تندُوبُني وَفِي حَياتِي مَا زَوَّدْتَني زادي فَقَالَ لهُ معاويةُ: دَعْ هَذَا عنْكَ، وقُلْ لي: مَا بقَّاهُ الدَّهْر مِنْ ثُكْلِكَ على عَليّ ابنْ أبي طَالب فقالَ: ثُكْلُ الْعَجُوز المِقْلاتِ، والشَّيخ الرَّقوبِ قالَ: فكيْفَ حبُّكَ لَهُ؟ فقالَ: حُبُّ أمِّ مُوسى لموسَى، وَإِلَى الله أشْكُو التَّقْصيرَ.

стр. 1068

الْبَاب الْحَادِي عشر كَلَام الْخَوَارِج من كَلَام أبي حمزةَ: تَقْوى اللهِ أكرمُ سَريرة، وأفضلُ ذَخِيرة، مِنْها ثقَةُ الوَاثق، وعليْها مِقَةُ الوَامِق. ليعمَل أمرؤ فِي فكَاك نَفْسِهِ وَهُوَ رخي اللبَب، طويلُ السَبَب، وليعْرفَ مَمدَّ يَدِه، ومَوضِعَ قَدَمِهِ، وليَحْذَر الزَّلَلَ والعلَ الَّتِي تقْطَعُ عَنِ العمَل. رحِمَ اللهُ عبدا آثَرَ التَّقْوىَ، واستشْعرَ وشعارَها واجتنىَ ثمارها. باعَ دَارَ النفدِ بدار الأبَدِ. الدُّنْيا كروْضَة اعتمَّ مَرْعَاهَا، وأعْجَبتْ مَنْ يَراهَا، تمجُّ عروقُها الثرى، وتنظفُ فروعها الندي، حَتَّى إِذا بلغَ العُشْب إناهُ، وانْتَهى الزبرج منتهاه، ضعفَ العُمودُ، وَذَوي العُودُ، وتولي مِن الزَّمان مَالا يُعود، فَحنَتِ الرياحُ الورقَ، وفرقتْ مَا أتسقَ، فأصبحَ هشيماً تذروهُ الرياحُ وَكَانَ اللهُ على كل شَيْء مُقْتَدِراً. كَانَ شبيب يقُولُ: الليلُ يكْفيكَ الجَبَانَ ونِصْفَ الشُّجَاع. أَتَى الحجاجُ بامْرَأة مِنْ الخَوارج، فقالَ لِمنْ حَضَر: مَا تروْنَ فِيها؟ قالُوا: اقْتُلْها. فقالَتْ: جُلُساءُ أخيكَ خيرٌ مِنْ جُلسائكَ: قَالَ: مَنْ أخي؟ قالتْ: فِرْعُونُ: لما شاورَ جُلساءهُ فِي مُوسَى " قَالُوا أرْجِهُ وأخَاهُ وأبعثْ فِي المدَائِنِ حاشرين " فأمَرَ بقَتْلِهَا.

стр. 1069

مرَّ رجلٌ من الْخَوَارِج بدار تُبنى، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُقيم كَفِيلا؟ أَخذ ابنُ زِيَاد بنَ أديَّةَ: أخَا أبي بِلَال، فَقَطعه يَدَيْهِ، وَرجلَيْهِ، وصلبه على بابِ دارِه فَقَالَ لأَهله وَهُوَ مصْلوبٌ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الموكَّلين بِي فأحسِنُوا إِلَيْهِم فَإِنَّهُم أضيافكم. أَنِّي عتابُ بن وَرْقَاء بِامْرَأَة من الْخَوَارِج فَقَالَ لَهَا: يَا عدوةَ الله، مَا دعاكِ إِلَى الْخُرُوج؟ أمَا سمعتِ الله تَعَالَى يَقُول: كُتِبَ الْقَتْل والقتال علينا ... وعَلى الْمُحْصنَات جرُّ الذيول قَالَت: يَا عَدو الله، أخرجني قلةُ معرفتك بِكِتَاب الله. كَانَ الْجُنَيْد بن عبد الرَّحْمَن يَلِي خُرَاسَان فِي أَيَّام هِشَام، فظفر بصبيح الْخَارِجِي، وبِعده، مِن أَصْحَابه، فقتلهُم جَمِيعًا، غيرَ رجل أعمى كَانَ فيهم. فَقَالَ لَهُ الْأَعْمَى: أَنا أدلُّك على أَصْحَاب صبيح، وأجازيك بِمَا صنعتَ، فَكتب لَهُ قُوماً. فَكَانَ الْجُنَيْد يقتلهُمْ حَتَّى قتل مائَة. فَقَالَ لَهُ الْأَعْمَى عِنْد ذَلِك: لعنكم الله. تزعُم أَنه يحلُّ لَك دمي. وَأَنِّي ضالَ. ثمَّ تَقبلُ قولي فِي مائَة فتقتلهم. لَا - وَالله - مَا كتبتُ لَك من أَصْحَاب صبيح رجلا وَمَا هُمْ إِلَّا مِنْكُم فقدَّمه، وَقَتله. دخل أَبُو حَمْزَة - واسْمه يحيى بن الْمُخْتَار - مَكَّة، فَصَعدَ منبرها متوكئاً على قَوْس لَهُ عَرَبِيَّة، فَحَمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: أيُّها الناسُ، إِن رسولَ الله ﷺ كَانَ لَا يتقدمُ وَلَا يتأخَّرُ إِلَّا بأمْرِ اللهِ وإذْنِه ووحيهِ، أنَزلَ اللهُ لَهُ كتابا بيَّنَ لهُ فيهِ مَا يأْتي وَمَا يَتَّقِي، فَلم يَكُ فِي شَكِّ مِنْ دينهِ، وَلَا شُبْهة منْ أمْرهِ، ثمَّ قبضَهُ اللهُ إليهِ، وَقد علمَ المسْلمينَ معالم دينهِ، وَولى أَبَا بكر صلاتَهُمْ وولاه المسلمونَ أَمر دُنْياهُمْ حيثُ ولاهُ رسولُ اللهِ ﷺ أمْرَ دينهِم، فقَاتَل أهْلَ الردِة، وعملَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، ومَضى لسَبيِلهِ ﵀ وَولي عمرُ بنُ الْخطاب، فسارَ بسيرةِ صَاحبهِ، وعَمِلَ بالكتابِ والسُّنَّةِ، وجبى الفيءَ، وفَرضَ الأعْطِيةَ، وجمَعَ الناسَ فِي شَهْرِ رمضانَ، وجلدَ فِي الخَمْرِ ثمانينَ، وغَزَا العدوَّ فِي بلادِهمْ، ومَضَى لسبيلهِ ﵀. وَولي عُثْمَان بن عفانَ فسارَ ستَّ سِنِين بسيرةِ صاحبيهِ، وكانَ دُونَهَما ثمَّ سَارَ

стр. 1070

فِي الستِّ الأواخرِ بِمَا أحبطَ الأوائلَ، ثمَّ مَضى لسبيلهِ، وَولي عَليّ بنُ أبي طَالب فَلم يَبْلُغ من الْحق قصْداً، وَلم يرفْع لَهُ منَاراً. ثُم مضَى لسبيله، وَولي مُعَاوِيَة بنُ أبي سُفيانَ لَعينُ رسولِ الله وابنُ لعينِه فاتخذَ عبادَ الله خولاً، ومالَ اللهِ دُولاً، ودينهُ دَغَلاً فالعنُوهُ لعنَهُ اللهُ. ثمَّ ولي يزيدُ بن مُعَاوِيَة، يزيدُ الخمورِ، ويزيدُ القُرودِ، ويزيدُ الفُهودِ، الفاسقُ فِي بطنِهِ، المأبُونُ فِي فَرْجِهِ، ثمَّ اقتصهُمْ خَليفَة خَليفَة. فَلَمَّا انْتهى إِلَى عُمَرَ بن عبد العزيزِ أعْرَضَ عَن ذِكْرِهِ. ثمَّ ولي يزيدُ بنُ عبد الْملك الفاسقُ فِي بْطِنه المأبُونُ فِي فَرِجهِ الَّذِي لم يؤنس مِنْهُ رُشدٌ، وَلم يُرْعَ لَهُ عهْدٌ. وَقد قالَ اللهُ فِي أَمْوَال الْيَتَامَى " فَإِن آنستُمْ منهُمْ رُشداً فادْفعُوا إلَيهِمْ أموْالَهُم ". فأمرُ أمة مُحَمَّد أعظمُ يأكلُ الحرامَ، وبِشرْبُ الحرامَ، ويلْبس الحُلَّة قُومِّتْ ألفَ دِينَار قد ضُرِبتْ فِيهَا الأبشارُ، وهُتِكتْ فِيهَا الأسْتَارُ، وأخِذتْ مِن غير حِلِّها. حَبابة عَن يمينِهِ، وسلامةُ عَن يَسَارهِ يُغنيانِه حَتَّى إِذا أخذَ الشرابُ مِنْهُ كلَّ مَأْخَذ قَدَّ ثوبَهُ، ثمَّ التفَتَ إِلَى إحداهُمَاَ فَقالَ: أَلا أطيرُ؟ نَعمْ، فِطِرْ إِلَى النَّارِ. وَأما بنُو أُميَّة فَفٍِرقَةٌ الضلالةِ، بْطشُهمْ بطْشُ جَبْريَّة، يأخُذُونَ بالظنة، ويقْضُونَ بالهوى، ويقتُلُون على الغضبِ، ويحْكُمون بالشفَاعة، ويأخُذُونَ الفَريضَةَ مِنْ غيرِ موضعهَا، ويضعُونَها فِي غير أهْلِها، وَقد بيَّن الله أهْلَهَا فجعلَهُم ثمانيةَ أَصْنَاف. قالَ: " إنِّما الصدقاتُ للْفُقَرَاء " إِلَى آخر الْآيَة فأقبلَ صِنْفٌ تاسعٌ لَيْسَ مِنْهمَا فأخَذَها كلَّها. تْلكُمُ الأمةُ الحاكِمةُ بغَيْرِ مَا أنْزَل اللهُ. خطْبَة قطري بن الْفُجَاءَة أمَّا بعدُ: فَإِنِّي أحذِّرُكم الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلوة خَضِرةٌ، حُفَّتْ بالشهوات وراقتْ بِالْقَلِيلِ، وتَحبَّبتْ بالعاجلةِ، وخلّبتْ بالآمال، وتَزيَّنتْ بالغُرور وَلَا تَدْمَ حَبْرتها، وَلَا تؤْمنُ فجيعتْها، وغرارة ضرارة، وحائلةٌ زائلةٌ، ونافِدةٌ بائدةٌ، أكالةٌ غَوَّالة، لَا تعْدُو - إِذا تناهتْ إِلَى أُمْنِية أهل الرَّغْبَة فِيهَا، والرِّضَا عَنْهَا - أنْ تكونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى " كَمَاء أنْزَلَناهُ من السَّمَاء، فاختلط بِهِ نباتُ الأَرْض فأصبحَ هشيماً تَذْرُوهُ الرياحُ وَكَانَ اللهُ على كل شَيْء مقتدراً.

стр. 1071

مَعَ أَن امْرأ لم يكن مِنْهَا فِي حَبْرة إِلَّا أعقبتْهُ بعْدهَا عِبْرَة وَلم يلْقَ من سرائها بَطنا إِلَّا منحتْه من ضَرائها ظهْراً وَلم تَظِله غيمةُ رخاءٍ إِلَّا هطلتْ عَلَيْهِ مُزْنةُ بلَاء، وحريةٌ إِذا أصبحتْ لَهُ منتصرةً، أنْ تُمسي لَهُ خاذلةً مُتنَكرة، وَإِن جانِبٌ مِنْها أعذوذبَ وَاحِد ولي أَمر عَلَيْهِ مِنْهَا جانبٌ وأوبى. وإنْ آتت امْرأ من غضارتها وَرقا أرهقته من نوائبها تعباً. وَلم يْمس مِنْهَا امْرُؤ فِي جنَاح أمنٍ إِلَّا أصبحَ مِنْها على قوادمِ خوف. غرّارةٌ غرورٌ مَا فِيهَا، فانيةٌ فَإِن من عَلَيْهَا لَا خيرَ فِي شَيْء من زَاد مِنْهَا إِلَّا التَّقْوَى. من أقل مِنْهَا استكثرَ مِمَّا يؤمنهُ، وَمن استكثر منهَا استكْثَر مِما يُوبقُه ويطيل حُزنه، ويبكي عينَه، كم واثقٍ بهَا فجعته، وَذي طمأنينة إِلَيْهَا قد صرعتْه، وَذي احتيال فِيهَا قد خدعته، وَكم ذِي أبهة فِيهَا قد صيرته حَقِيرًا، وَذي نخوة قد ردْتهُ ذليلاً، وَمن ذِي تَاج قد كبتْه لِلْيَدَيْنِ، وللفَم. سلطانُها دُوَلٌ، وعيشُها رنَق وعذبها أجَاجٌ وحُلوُها صَبرٌ، وغذاؤها سِمامٌ، وأسْبابها رِمامٌ، وقطافُها سَلَع، حيُّها بعَرَضِ موت، صحيحُها بعَرَضِ سقم، منيعُها بِعَرضِ اهتضَام. مليكُها مسلُوب، وعزيزُها مغْلوبٌ، وسليمُها منكُوب، وجارها محروبٌ، مَعَ أنَّ وَرَاء ذَلِك سكراتِ الْمَوْت، وهولَ المطلعِ، والوقوفَ بَين يَدي الحكم الْعدْل " ليجزي الَّذين أساءْوا بِما عَملوا وَيجْزِي الذينَ أحْسنُوا بالحُسْنى ". ألستُم فِي مسَاكِن من كَانَ قَبْلكم أطولَ أعْمارً، وأوضح منكُم آثاراً، وَأعد عديداً، وأكثفَ جُنوداً، وأشدَّ عُنوداً. تُعبِّدوُا للدنيا أَي تعبُّد، وآثَرُوها أَي إِيثَار، وظعَنُوا عَنْهَا بالكُره والصغَار فَهَل بلَغكُم أنَّ الدُّنْيَا سمحَتْ لَهُم نفْساً بِفدْية، أَو أغْنَتْ عَنْهُم فِيمَا قد أهلكتْهُم بخَطْب؟ بل قدْ أرهقتْهُم بالفوادح، وضَعْضَعْتهُمُ بالنوائب، وعقرتهُم بالفجائع. وَقد رأيتُم تنكُّرَها لمنْ دَانَ لَهَا، وآثَرها وأخْلَدَ إِلَيْهَا حِين ظَغنُوا عَنْهَا لفراقِ الأبَد إِلَى آخرِ المُسْند. هَل زودتَهْمُ إِلَّا السغَب، وأحلَّتهم إِلَّا الضّنْكَ، أوْ نورت لَهم إِلَّا الظُّلمةَ أَو

стр. 1072

أعقُبتْهم إِلَّا الندامة؟ أفهذه تُؤثرون أمْ عَليّ هَذِه تَحْرِصُون؟ أم إِلَيْهَا تطمئنون؟ يقولَ الله : " مَنْ كَانَ يُريد الحياةَ الدُّنْيَا وزِينتَها نُوَفِّ إِلَيْهِم أعْمالهم فِيهَا وهم فِيهَا لَا يُبْخَسُون " فبئستْ الدارُ لمنْ أقامَ فِيهَا فاعلُموا - وَأَنْتُم تعلمُونَ - أَنكُمْ تَارِكُوها لَا بُدَّ، فَإِنَّمَا هِيَ كَمَا وصفَها اللهُ باللعب، وَاللَّهْو. وَقد قَالَ الله تَعَالَى: " أتبنْون بكُلِّ ريع أَيَّة تَعْبَثُون وتتَّخذُونَ مصانعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدون وَإِذا بطشتُم بطَشتُم جبارين ". ذكر الَّذين قَالُوا: " من أشدُّ منا قُوَّة " ثمَّ قَالَ: حُملُوا إِلَى قُبورهم فَلا يُدعَون رُكْباناً، وأنْزِلوا فَلَا يُدعَوْنَ ضيفَاناً، وَجعل الله لَهُم من الضريح أجْناناً، وَمن الترابِ أكْفاناً، وَمن الرفُّات جِيراناً، وهم جِيرةٌ لَا يُجِيبون دَاعيا، وَلَا يمنعُون ضَيماً. إِن خَصبوا لم يَفْرحُوا، وَإِن قَحطوا لم يقُنطوا. جَميعٌ وهم آحَاد، جِيرةٌ وهم أبْعادٌ، مُتَناءْون لَا يزورُون وَلَا يُزَارُون. حُلماءُ قد ذهبتْ أضْغانُهم، وجُهلاءُ قد ماتتْ أحقادهُمْ، لَا يُخشى فجْعهُمُ، وَلَا يُرْجَى دَفْعُهمُ، وكما قَالَ الله تَعَالَى: " فتلْكَ مساكُنهم لم تُسْكَنْ منْ بعْدِهِم إِلَّا قَلِيلا وكُنَّا نحنُ الوارِثين ". واستبدلَوا بظَهْرِ الأَرْض بطْناً، وبالسَّعة ضِيقاًُ، وبالأهل غُربةً، وبالنور ظُلمة، ففَّارَقُوها كَمَا جاءُوها حُفاةً، عُرَاة، فُرادى، غيرَ أنْ ظعنُوا بأعمالهم إِلَى الحياد الدائمة، وَإِلَى خُلُود الأبَد، يقولُ الله ﵎: " كَمَا بدأنا أول خلق نُعيدُه وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فَاعِلينَ ". فاحذَروا مَا حذَّركُم الله، وانتفعُوا بمواعظه، واعتصمُوا بحَبْله. عَصَمنا اللهُ وَإِيَّاكُم بِطَاعَتِهِ، ورزَقنا إياكُم أداءَ حقِّه. قَالُوا: لما أَخذ أَبُو بيهس الْخَارِجِي، وقُطِعتَ يداهُ، ورِجْلاهٌ، تُرك يتمرغُ فِي الترابِ. فَلَمَّا أصْبح قَالَ: هَل أحدٌ يُفْرِغُ على دَلْوين؟ فَإِنِّي احتلمتُ فِي هَذِه الليلةِ. هَذَا إِن كَانَ صَادقاً فَهُوَ عجيبٌ، وإنْ كَانَ قالهُ استهانةً بمَنْ فَعلَ ذَلِك فَهُوَ أعجبُ. قَالَ بعضُهم: سمعتُ أَبَا بِلَال فِي جَنَازَة وَهُوَ يقولُ: أَلا كلُّ ميتةٍ ظنُونٌ إِلَّا ميتةَ الشجاء. قَالُوا: وَمَا ميْتةُ الشجاء؟ قالَ: امرأةٌ أَخذهَا زيادٌ فقطعَ يديْها،

стр. 1073

ورجليها، فَقيل لَهَا: كَيفَ تريْنَ يَا شجَاءُ؟ قالتْ: قد شَغلني هولُ المطَّلَع عَن بَرْدِ حَدِيدكم. قَالَ الْحجَّاج لامْرَأَة من الْخَوَارِج: اقرئي شَيْئا من الْقُرْآن. فقالتْ: " إِذا جَاءَ نَصْر الله والفتْحُ، ورأيتَ الناسَ " " يخرجونَ فقَالَ: وَيحك يدخُلُون. قالتْ: قد دَخَلُوا، وأنتَ تُخْرِجُهم. وَقَالَ الحجاجُ لأخرى: لأحصدنكُمْ حصْداً. قالتْ: أنتَ تحصُدُ، وَالله يزرَعُ، فانظُرْ أينَ قُدْرةُ المخلُوقِ من قدرةِ الْخَالِق؟ رَأَتْ أُخْرَى منهُمْ رجلا بضًّا فقالتْ إِنِّي لأرى وَجها لم يُؤثِّرْ فِيهِ وضوء السبرَات. كَانَ شبيبُ الْخَارِجِي ينعى لأمة: فَيُقَالُ: قُتِلَ: فَلَا تُصَدِّقُ، إِلَّا أنْ قِيل لَها: غَرِقَ: فولولتْ، وصدقَتْ. فَقِيلَ لَهَا فِي ذلكَ. فقالتْ: إِنِّي رأيتُ حِين ولدتُهُ إنهُ خَرجَ مني نارٌ فعِلمتْ أنهُ لَا يُطفئُهُ إِلَّا الماءُ. وقَفَ رجُلٌ على أبي بيْهَسَ وقَدْ أمِرَ بقَطْع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فَقَالَ: أَلا أعْطيكَ خَاتمًا تتختُم بِهِ؟ فقالَ لَهُ أَبُو بيْهسُ: أشْهَد أنَّكَ إنْ كُنت مِنَ العَرب فَأَنت مِن هُذَيْل، وَإِن كنت مِن العجَم فَأَنت بَرْبَري. فسُئِل عَنه فَإِذا هُوَ منْ هُذَيْل وأمهُ بَربْرِيَّةٌ. أَتَى رجُلٌ من الخَوارج الحسنَ الْبَصْرِيّ، فقالَ لَهُ: مَا تَقولُ فِي الخَوارج قالَ: هُمْ أصْحَابُ دُنيا، وقَالَ: وَمن أينَ قُلتَ وأحدهُمْ يمْشي فِي الرُّمح حَتَّى ينكَسرَ فِيهِ، وَيخرج من أَهله ووَلَده؟ فَقَالَ الحسنُ: حَدثنِي عَن السُّلْطَان أيَمْنعُكَ من إقَامَة الصَّلَاة، وإيتَاءٍ الزَّكَاة، والحجِّ والعُمْرة؟ " قَالَ لاَ. قَالَ: فأرَاهُ إِنَّمَا مَنَعَكَ الدنُّيا فقاتلتَ. نَزَلَ رجُلٌ من الخَوارج عَلى أَخ لهُ منهُمْ فِي اسْتتارة منَ الحجَّاج، وأرادَ صاحبُ الْمنزل شُخُوصاً إِلَى بلد آخَرَ لحَاجة لهُ، فقَالَ لامْرَأَته: يَا زرقَاءُ أوصيك بضَيْفي هَذا خيرا وبَعُدَ لِوجهتهِ. فَلَمَّا عَادَ بَعْدَ شهر قَالَ لَهَا: يَا زرقاءُ. كَيفَ رأيْتِ

стр. 1074

ضيفنا؟ قَالَت مَا أشغلهُ بالعمى عَن كلِّ شَيْء وَكَانَ الضيفُ أطبقَ عينهُ فَلم ينظُرْ إِلَى الْمَرْأَة والمنزل إِلَى أنْ عَادَ زَوْجُهَا. اجتمعَ ثلاثةٌ من الْخَوَارِج فعقد اثْنَان لِواحِد، وخَرجُوا يمْشُونَ خلْفَهَ يَلْتمِسونَ شيْئاً يركَبُهُ، فجعَلَ الأثْنان يِتَلاحيان، فالتَفتَ إليهمَا وَقَالَ: مَا هذهِ الضَّوضاءُ الَّتِي أسمَعُهَا فِي عَسْكِري؟ ؟ كبرَ رجُلَ منهمْ وهَرمَ حَتَّى لم يكُنْ بهِ نهوضٌ، فأخَذّ منزلا على ظهر الطَّرِيق، فَكلما جاءَ مطرٌ وابتلتْ الأرضُ أخذَ زجاجاً، وكَسَرهَ، ورماهُ فِي الطَّرِيق، فَإِذا مر إنسانٌ وعَقَرَ رجلَهُ الزُّجاجُ قَالَ الْخَارِجِي من وَرَاءِ البَاب: لأحُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ثُم يقولُ: اللهُمَّ إنَّ هَذا مجْهُودي. لِقي رجلٌ بعضَ الْخَوَارِج بالموْقِفِ عشيةَ عرفةَ، فَقال لهُ: مَنْ حج فِي هَذِه السنةِ منْ أصْحابكم؟ فَقالَ: مَا حَجَّ غَيْرِي. فقالَ لَه: إنِّما بَاهي اللهُ ملائِكتَهُ فِي هّذِهِ السنةِ بشقِّ محُملِهِ. وأحْضَرا الحجَّاج رجُلاً من الْخَوَارِج، فمنَّ عليهِ، وأطْلَقُه، فَلَمَّا عَادَ إِلَى أصْحابِه، قالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ مخَلِّصُك مِنْ يدِهِ ليزيدَك بَصِيرَة فِي مذهبكِ، فَلَا تُقصِّرْ فِي الخُروج عليْهِ. فقالَ. هيْهاتَ. غل يدا مطلقُها، استرقَّ رقَبَةً معْتِقُهَا. نَظرَ رَجلٌ مِنَ الْخَوَارِج إِلَى رَجل مِنْ أصُحاب السُّلطان يتصدَّقُ على مِسْكين فقَالَ: انظْرْ إِلَيْهِم: حَسناتُهم مِنْ سيِّآتِهم. قَالَ المنْصُورُ لبعَض الْخَوَارِج - وَقد ظَفِرَ بهِ: عرفني مَنْ أشدُّ أَصْحَابِي إقْداماً كَان فِي مبارزتِك. فقالَ: مَا أعَرِفهُمْ بوجُوهِهم، وَلَكِنِّي أعْرفُ أقْفَاءَهُمْ. فقُلْ لَهُمْ يُدْبروا حَتَّى أصِفَهم، فاغتَاظَ وأمَر بقتْلِهِ. قَالَ الحجاجُ لرجل منهمْ: وَالله إِنِّي لأبْغِضُكُم. فقالَ الخارجيُّ: أدْخَل اللهُ أشدنا بُغْضاً لصاحِبهِ الجنةَ. وقيلَ إنَّ أوَّلَ مَنْ حكَّم عُروةُ بن أدَيَّة وَهُوَ عُرْوَة بنُ حُدير أحد بني ربيعةَ ابْن حنظلةَ. وأديَّة جَدَّةٌ لَهُ وَهُوَ ممَّن نجا مِن حرْب النَهْرَوان، وبَقِي إِلَى أَن أَتَى بِهِ زِيَاد فقتَلًهُ ثمَّ دَعَا مؤْلاهُ، فقالَ: صِفْ لي أمورَهْ. فقالَ: أأُطِنبُ أمْ أخْتصِر؟ فقَالَ: بلْ

стр. 1075

اختَصِرْ فَقالَ: مَا أتيتُهُ بطَعام بنهار قطُّ، وَلَا فَرَشْتُ لَهُ فِراشاً بلّيْل قطُّ. وَكَانَ زيادٌ سألهُ عَن مُعاوية فَسَبَّهُ، وسألهُ عَن نفْسهِ، فقالَ: أولكَ لزينْةَ، وآخركَ لدعْوة وأنتَ بعد عَاص لربِّك. قالَ المبِّردُ: قد اسْتَهْوى رأيُ الْخَوَارِج جمَاعَة من الأشرَاف، يُروْى إنَّ المُنْذِرَ بنَ الجارودِ كَانَ يرى رأيهُمْ، وكانَ يزيدُ بن أبي مُسلم صاحبُ الحجَّاج يراهُ ونُسِبَ إِلَيْهِ عِكْرَمةُ مَولى ابْن عبَّاسِ ومالكُ بنُ أنس. وروى أنَّه كَانَ يذكُرَ عثمانَ، وعلياً، وطلحَةَ، والزُّبيرَ فيقولُ: واللهِ مَا اقْتَتَلوا إِلَّا على الثريدِ الأعْفَر. وَأما أبُو سَعيد الحسنُ البصريُّ فَإِنَّهُ كَانَ يُنْكرُ الحكُومةَ وَلَا يرى رأيَهُمْ. ذكَرُوا أنَّ عبدَ الْملك أتوهُ بِرَجُل من الخَوارج، فأرادَ قَتله، فَأدْخل على عَبد الْملك ابْن لهُ صغيرٌ - وَهُوَ يْبكي - فَقَالَ الخارجيُّ: دَعْهُ بيكِ فإنَّهُ أرْحبُ لِشدتُهِ، وأصَح لدِمَاغِه، وأذْهُبُ لصَوتِهِ، وأحُرى أَلا تأْبى عليهِ عينُه إِذا حَفزَته طاعَةُ الله فاستدْعى عَبْرَتَها. فأُعجبَ عبدُ الملكِ بقولهِ. وقالَ لهُ مُتعجِّباً: أمَا يشغَلُكُ مَا أنْتَ فِيهِ عَن هَذَا؟ فقالَ: مَا يَنْبغي أنْ يَشْغَلَ المؤمِنَ عَنْ قَول الحقِّ شيءٌ. فأمَرَ عبْدُ المَلكِ بحَبْسِه، وصَفَحَ عَنْ قَتْلِهِ. كانَ جماعةٌ من الخَوارج تجمعَتْ بعْد حَرْب النَّهروان فَتأسفُوا عَليّ خِذْلانِهم أصْحابَهُمْ، فقَامَ مِنْهُم قائمٌ يقالُ لهُ المُسْتَوردُ مِن بني سَعْدِ ابْن زيدِ مَنَاة، فحمدَ الله، وَأثْنى عَلَيْهِ، وَصلى على مُحَمَّد صلى اللهُ عليهِ، ثُمَّ قالَ: إِن رسُول اللهِ - صلى الله عليهِ - أَتَانَا بالعَدْل تخْفقُ راياتُه، وتَلْمع مَعَالُمه ويبلِّغُنَا عَنْ رَبِّهِ وينصَحُ لأمتِه حَتَّى قبضَهُ اللهُ مُخَيّرا مُخْتَارًا، ثُم قَامَ الصدِّيقُ فَصدّقَ عَن نبيهِ، وقاتَل مَنْ ارْتدَّ عَن دِين

стр. 1076

ربِّهِ، وذكَرَ أَن الله قَرَنَ الصلاةَ بالزَّكاةِ، فَرَأى تْعطيلَ إحداهُما طعْناً على الْأُخْرَى، لَا بل عَلَى جَمِيع منازِلِ الدينِ، ثمَّ قبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ مَوفُوراً. ثمَّ قَامَ الفارُوقُ، فَفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل مسوياً بَين النَّاس، وَلَا مؤثراً لأقاربه، وَلَا مُحَكماً فِي دين ربه، وَهَا أنتُم تَعلَمُون مَا حَدَثَ: واللهُ يقولُ: " وفضَّل اللهُ المُجاهدين على القاعدين أجرأ عَظِيما " وَكَانَ المستوردُ كثيرَ الصَّلَاة شديدَ الِاجْتِهَاد، وَله آدابٌ محفوظةٌ عنْه. كَانَ يَقُول: إِذا أفُضيت بسرى إِلَى صديقي فأفشاه لم ألمه لِأَنِّي كنْت أولى بحفظه. وَكَانَ يَقُول: لَا تفْش إِلَى أحد سرا. وإنْ كانَ لَك مخْلصاً إِلَّا على جِهَة الْمُشَاورَة. وَكَانَ يَقُول: كن أحْرصَ على حفْظ سر صَاحبك منكَ على حَقْن دَمك وكانَ يَقُول: أقَلُّ مَا يدلُّ عَلَيْه عائب النِّاس معْرفته بالعيوب وَلَا يعيب إِلَّا معيبٌ. وَكَانَ يَقُول: المَال غير باقٍ فآشْتَر بِهِ منَ الحمْد مَا يبْقى عليكَ. وَكَانَ يَقُول: بذل المَال فِي حَقه استدعاءٌ للمزيد من الْجواد. وكانَ يُكثِرُ أنْ يَقولَ: لَو ملكت الدُّنْيا بحَذافيرها. ثمَّ دُعيت إِلَى أنْ أسْتقيلَ بهَا خَطِيئَة عَليّ لفعَلْت. وَلما أَتَى عبيدُ الله بن زِيَاد بعروةَ بن أدية - وكانَ قد أصيبَ فِي سَريَّة للعلاء بن سُويْد فِي استتاره - قَالَ لَهُ عبيدُ الله: جهزْتَ أخاكَ عَليّ: فَقَالَ: وَالله لقد كنت بِهِ ضَنيناً وكانَ لي عزا. وَلَقَد أردْت لَهُ مَا أريده لنَفْسي، فعزَم عزماً فمضَى عَلَيْهِ، وَمَا أحبُّ لنَفْسي إِلَّا المقامَ وتَرْكَ الْخُرُوج. قَالَ لَهُ: أفأنتَ على رَأْيه؟ قَالَ: كنَّا نعْبد رَبًّا وَاحِدًا. قَالَ أما لأمثلنَّ بكَ. قَالَ فاخترْ لنَفسك من القصَاص مَا شئْتَ. فأمرَ بِهِ فَقطعوا يَديْه ورجْلَيه. ثمَّ قَالَ: كيفَ تَرى؟ قَالَ أفسدتَ عَليّ دنْياي وأفسدتُ عَلَيْك آخرتَك. وَفِي

стр. 1077

كتاب لنافع بن الْأَزْرَق كتبه إِلَى قعدَة الْخَوَارِج: وَلَا تطْمَئنُّوا إِلَى الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غّرارةٌ، مكَّارة، لذتها نافذةٌ، وَنَعِيمهَا بائد. حُفت بالشهوات اغْتِرَارًا، وأظهرتْ حَبْرةً، وأضمرتْ عَبرة، فَلَيْسَ لآكلٍ مِنْهَا أكلةٌ تسرُّه، وَلَا شربة تونقه إِلَّا دنا بهَا دَرَجَة إِلَى أَجله، وتباعدَ بهَا مَسَافَة منْ أمله. وَإِنَّمَا جعلهَا الله دَار لمنْ تزوَّد مِنْهَا إِلَى النَّعيم الْمُقِيم، والعيش السَّلِيم، فلَنْ يرضى بهَا حازمٌ دَارا، وَلَا حَكِيم بهَا قراراً، فَاتَّقُوا الله، " وتزودوا فإنَّ خَيْرَ الزادِ التَّقْوى " وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى. وَلما حاربهم المهلّب يسلى، وسليري فُقتِل رئيسهم: ابْن الماخور اجْتَمعُوا على الزبير بن عَليّ من بني سليط، وَبَايَعُوهُ، فَرَأى فيهم انكسار شَدِيدا، فَقَالَ لَهُم: اجْتَمعُوا. فَحَمدَ الله وَأُنْثَى عَلَيْهِ، وَصلى على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ - ثمَّ أقبل عَلَيْهِم فَقَالَ: إِن الْبلَاء للْمُؤْمِنين تمحيص وأجرٌ، وَهُوَ على الْكَافرين عقوبةٌ وخزي. وَإِن يُصبْ مِنْكُم أميرُ الْمُؤمنِينَ فَمَا صَار إِلَيْهِ خير مِمَّا خلف. وَقد أصبْتُم فيهم مسلمَ بن عُبيْس، وربيعاً لأجْذم، والحجاجَ بن بَاب، وحارثه بن بدر، وأشجيتم بالمهلب، وقتلتم أَخَاهُ المعارك. وَالله يَقُول لإخوانكم من الْمُؤمنِينَ: " إِن يمسسكم قرحٌ فقد مس القومَ قرحٌ مثله وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس فَيوم سلى كَانَ لكم بلَاء وتمحيصاً، وَيَوْم سولاف كَانَ لَهُم عُقُوبَة ونكالاً. فَلَا تُغلبُنَ عَن الشُّكْر فِي حِينه، والصبْر فِي وقته. وثقوا بأنكم المستخلفون فِي الأَرْض وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين. وَلما اسْتردَّ مصْعبٌ المهلبَ من وَجْه الْأزَارِقَة، وولاه الموصلَ شاور الناسَ فِيمَن يستكفيه أمْرَ الْخَوَارِج، فَقَالَ قومٌ: وَلِّ عبيدَ الله بنَ أبي بكرَة. وَقَالَ قوم: ولِّ عمر بن عبيد الله بن معمر. وَقَالَ قوم: لَيْسَ لَهُم إِلَّا المهلبُ فارْدده إِلَيْهِم. وبلغتْ المشورة الخوارجَ، فأداروا الأمَر بَينهم. فَقَالَ قطريُّ بن الْفُجَاءَة الْمَازِني: إنْ جَاءَكُم عبيد الله بن أبي بكرَة أتاكْم سيدٌ، سمح، كريم، جواد، مُضيعٌ

стр. 1078

لعسكره، وَإِن جَاءَكُم عمر بن عبيد الله أَتَاكُم شجاعٌ بَطلٌ، فارسٌ، يُقَاتل لدينِهِ، ولملكه، وبطبيعة لم أرَ مثلهَا لأحد، فقد شهدتُه فِي وقائع فَمَا نُودي فِي الْقَوْم لِحَرْب إِلَّا كَانَ أولَ فَارس يطلع حَتَّى يشدِّ على قِرنْه فيضربه. وإنْ ردّ الْمُهلب فَهُوَ مَنْ قد عرفتموه، إِن أخذْتم بطرَف ثوب أخَذَ بطرفه الآخر، ويمدُّه إِذا أرسلْتموه، ويرسله إِذا أمْددتموه. لَا يبدؤكم إِلَّا أَن تبدءوه، وَإِلَّا أَن يرى فرْصَة فينتهزَها، فَهُوَ اللَّيْث المبرُّ، والثعلب الرواغ، وَالْبَلَاء الْمُقِيم. وَلما قُتل مُصعب أَتَى الْخَبَر الخوارجَ ولمْ يأْت المهلَّبَ وأصُحابه، فتواقفوا يَوْمًا على الخَنْدَق، فناداهم الْخَوَارِج: مَا تَقولُونَ فِي المُصعب؟ فَقَالُوا: إِمَام هدي: قَالوا: فَمَا تَقولُونَ فِي عبْد الْملك؟ قَالُوا: ضَالُّ مُضل. فَلَمَّا كَانَ بعدَ يَوْمَيْنِ أَتَى الْمُهلب قتلُ المصعَب، وأنَّ النَاسَ قدْ اجْتَمعُوا على عبد الْملك ووردَ عَلَيْهِ كتاب عبد الْملك بولايته. فَلَمَّا تواقفوا نَاداهمُ الْخَوَارِج مَا تقولونَ فِي مصْعب؟ قَالُوا: لَا نخبركمْ. قَالُوا: فَمَا تقولونَ فِي عبد الْملك قَالُوا: إِمَام هُدى. قَالُوا: يَا أعْداءَ الله، بالأمْس ضالٌّ مُضل، واليومَ إِمَام هدي. يَا عَبيدَ الدُّنْيا عليْكمْ لعنة الله. أَتَى الْحجَّاج بأمْرأة منَ الْخَوَارِج فجَعلَ يكلِّمها، وَهِي مُعْرضةٌ عنْه فقالَ لَهَا بعْض الشُّرط: يكلمكِ الْأَمِير وأنْت معُرضةٌ عنْه؟ قَالَت إِنِّي لأَسْتَحي من الله أَن أنظر إِلَى من لَا ينظر إِلَيْهِ أَتَى زِيَاد بِامْرَأَة مِنْهُم فَقَالَ: أما وَالله لأحصدنكم حصداً ولأخفينكم عدا قَالَت: كلا إِن الْقَتْل ليزرعنا قَال: فَلَمَّا هَمَّ بقَتْلها تسترَتْ بثوبْهَا فقالَ: اتَتسْترينَ - وَقد هَتَكَ الله ستْرَك؟ قالَتْ: أَي وَالله أَتَستر وَلَكِن الله أبدى عورةَ أمكَ على لسَانك، إذْ أقرَرْتَ أنَّ أبَا سفْيَانَ زَنَى بهَا، فأمَرَ بقَتْلهَا. وَقَالَ الحجَّاج لرَجل منْهمِ: أجَمعْتَ القرآنَ؟ فَقَالَ: أمَتفرِّقاً كَانَ فأجمَعه قالَ: أتقرؤه ظَاهرا قالَ: بَلْ أقرؤه وَأَنا أبْصره. قَالَ أفتحفظه؟ قالَ: أخَشيت فراره فأحْفَظه. قَالَ: مَا تَقول فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ عَبدْ الْملك؟ قَالَ: لعَنه الله، ولَعَنكَ مَعَه. قالَ،: إنكَ مقْتولٌ. وكيْفَ تلْقَى الله؟ قالَ: أَلْقَاهُ بعَملي وتلْقَاه بدمي. كَانَ عمْران بن حطَّان منْ أقُبح النَّاس وجْهاً، وأسْمَجهم منْظرًا، وكانتْ لَهُ امرأةٌ

стр. 1079

كأنَّها القمَرُ أديبةٌ، فَصيحةٌ. فقالَتْ لَهُ يوْماً: أنَا وأنْتَ فِي الجنَّة جَمِيعًا. قَالَ: وكيْفَ عَلمت؟ قالَتْ: لِأَنِّي ابْتليت بكَ فصَبْرت، وأعْطيتَ مثلىَ فَشَكَرت، والصابرون والشاكرون فِي الْجنَّة. قَتَل زِيَاد رجلا منْ الْخَوَارِج بعْد أنْ سَأَلَهُ عَنْ عثمانَ فتبرأ مِنْهُ، وَعَن معاويةَ فَسَبهُ، وعَنْ نفْسه فقَالَ: إنكَ أولكَ لزينة، وآخركَ لدَعْوَة وأنتَ بعْد - عَاص لربكَ. فأمَرَ بِهِ فضربتْ عَنهُ. ثمَّ قَالَ لمُؤْمِن لَهُ: صفُ لي أمورَه قالَ: أأطنبُ أم أختصرُ؟ قَالَ: بل اختصر. فقالَ مَا أتيْه بِطَعَام بنهار قطُّ، وَلَا فرشت لَهُ فراشا بلَيْل قطّ. كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلٌ من الخَوارج قالَ بعْضهم: فرأيته يَحْذف قنَاديل المسْجدِ بالحصى، فيكْسرها. فقلْت لَهُ: مَا تصْنَع؟ قَالَ: أنَا - كَمَا ترى - شيخٌ كبيرٌ، لَا أقْدر لهُمْ عَلَى أكْر من هَذَا، أغرمُهُمْ قنْديلاً، قنْديلَيْنِ فِي كلِّ يَوْم. وَصلى الله عَلَى مُحَمَّد وَآله. وَهَذَا مُخْتَصر عمله الصاحب ﵀ وَسَماهُ الْكَشْف عَن مناهج أَصْنَاف الْخَوَارِج الْحَمد لله رب الْعَالمين. وَصلى الله عَلَى النَّبِي مُحَمَّد، وَآله أَجْمَعِينَ. سألتَ أَن أذكرَ لَكَ ألقابَ طوائف الخوارجِ، وذَرْواً من اختلافها. وَأَنا أثبتُ مَا يحضر حفْظي. عَلَى أنَّ هَذِهِ الألقابَ تجمع أصولاً، وفروعاً، فربَّ طَائِفَة لحقها لقبٌ ثُمَّ تفرّد من جُمْلَتهَا فريق فلحقهم لقبٌ آخر. وَالَّذِي يجمعهُمْ من القَوْل تَكْفِير أَمِير الْمُؤمنِينَ - صلوَات الله عَلَيْهِ وتكفيرُ عُثْمَان، وإنكارُ الْحكمَيْنِ، والبراءةُ مِنْهُمَا، وممَّن حكَّمهما أَو تولى أحدا مِمَّن صوَّبهما. وَأول من حكم بصفيِّن عُروة بن حُدَير: أَخُو أبي بِلَال مرْداس، وَقيل عَاصِم للمحاربي، وَأول من تشرى رجلٌ من يشكُرَ، وَكَانَ أَمِيرهمْ - أولَ مَا اعتزلوا - عبد الله بن الكَوَّاء، وأمير قِتَالهمْ شبت بن ربعي، ثُمَّ بَايعُوا لعبد الله بن وهب الرَّاسِبِي. ذكر ألقاب فرَقهم مَعَ جمل منْ مذاهبِهم الْأزَارِقَة: أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق، يبرءُون من القعَدة.

стр. 1080

النجدية: أصحابُ نَجْدةَ بنِ عَامر الْأَسدي. تتولى أَصْحَاب الكَبائر من الخوارجِ إِذْ لمْ يُصِروا. ومَن أصر منهُم فَهُوَ مُشرِكٌ عندَهُمْ. الإباضية: أصحابُ عبد الله بن إباضِ التَّمِيمِي. فَأَما عبد الله بنُ يحيى الأباضي الملقَّب بطالب الْحق فهُواَ منْسُوبٌ إليهمْ ومعهُ خَرجَ أبُو حمزَةَ الْخَارِجِي الصفرية: أصحابُ زِيَاد بنِ الأصفرِ وقيلَ أصحابُ عبدْ الله الصفار العطرية: أصْحابُ عطيةَ بنِ الأسْود الْحَنَفِيّ منْ المنكرينَ عَلَى نَافع. العَجَاردة: أصحابُ عبد الْكَرِيم بن عجرد، وهم عَطوية، إِلَّا أَنهم يوجِبُونَ دُعاءَ الْأَطْفَال عِنْد بُلُوغهم والبراءةَ منهُمْ قبْلَ ذَلِكَ. الميمْونيةُ: ميْمون هَذَا عبدُ لعبد الْكَرِيم بنِ عجرَد ويقولُ بالعَدْلِ، ويَرَى قتْلَ السُّلطانِ خاصَّة، ومَنْ رضى ظُلْمةَ، وأعَانَهُ دُونَ سَائِر النَّاس ويحكى عَنْهُم أَن التزوجَ ببنات الأبنِ وَبَنَات البنَات، وَبَنَات بنَات الأخَوات وَبَنَات بني الْإِخْوَة جائزٌ، وَأَن سُورة يوسُفَ ليستْ من القرآنِ. وأكَثرُ من بسجِسْتان ميْمونيةٌ، وعجاردةُ. وقيلَ مَيْمُون رجلٌ من أهلِ بلْخ. الخلفية: يقولُون بالجَبْرِ، ويخالفُون الميْمونيَّةَ فِي العَدْلِ. الحمزْيَّة: أصحابُ حَمزة بن أدْرك. يقولُون. بالعَدْل. وَلَهُ فارَقُوا الخَليفيةَ. الخازمية: وهم الشعيبية أصلُهم عجاردة، وهمْ أصحابُ شُعيب يقولُون: إنَّ الْولَايَة والعَداوَة صفتَان فِي ذَات الْقَدِيم. وهُم مجْبِرة. المعْلومية: مِنَ الخَازميَّة يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يَعْلمِ الله بِجَمِيعِ أسْمائه، وعرَفَه بِبَعْضِهَا فَهُو عارفٌ بِهِ. المجْهولية يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يعلم الله بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ فَهُوَ جاهلٌ بِهِ. الصلتية: عَجَاردةٌ أصحابُ عُثْمَان بن أبي الصلْت. يقولُون: إِذا اسْتَجَابَ الرجلُ لِلْإِسْلَامِ برِئْنا من أطْفالهم حَتَّى يُدْركوا. الثعالبة: عجاردةٌ، وصاحبهُم ثعلبةُ، خالفَ عبْد الْكَرِيم بن عجرد فِيمَا قَالَه فِي الطِّفْل.

стр. 1081

الأخْنَسيَّة: أصحابُ، الأخْنَس يحرِّمون الْبَنَات، والغيلة ويقفون عَمَّن فِي دَار التَّقية حَتَّى يعُرفوه. العبْدية: رَأَوْا أخْذَ زكاةِ أمْوالِ عبيدهم إِذا استَغَنَوا، وإعْطاءهُم إِذا افتقروا. الشَّيبانيةُ أصحابُ شَيبان بن سَلَمة. الزيادية: أصحابُ زِيَاد بن عبد الرَّحْمَن. العُشريَّة: وهم الرشيدية، كَانُوا يرَوْنَ فِيمَا سُقي بالأنهار الْجَارِيَة نصف العْشر، وخالفت الزياديةَ فِي إِيجَابهَا العُشرَ. المكرمية: أَصْحَاب أبي مكرم. قَالَت: تَارِك الصَّلَاة كافرٌ. وَمن أَتَى كَبِيرَة فَهُوَ جاهلٌ بِاللَّه. وَقَالَت بالموافاة. الفُدَيكية: أَصْحَاب أبي فُديك الَّذِي غلب عَلَى عسكره نجدةُ، وَأنكر عَلَيْهِ. الحَفْصيَّة وصاحبهم حَفْصُ بن أبي الْمِقْدَام وهم إباضيّة: زَعم أنَّ مَنْ عَرف الله ثُم أنكر الأنْبياء أَو غير ذَلك فَهُوَ كَافِر. وَلَيْسَ بمشْرك. اليزيدية: رئيسهم يزِيد بنُ أنيسَة يتَوَلَّى الإبَاضيَّة كلَّها. والمحكِّمة الأُولى. وَيَزْعُم أَن الله يبعثُ رَسُولا من الْعَجم ويُنْزل عَلَيْهِ كتابا بغيْر شريعتنا وَيَكُونُونَ صابئبين. الحارِثية: أصحابُ الْحَارِث الإباضي. يقولُون بالعدلِ وأنَّ مخالفيهم كفارٌ غيْر مشْرِكين تحلُّ مناكحتُهم، وَيحرم سَبْيهمْ. ودارُ مخالفيهم دارُ تَوْحِيد إِلَّا عسكرَ السُّلطان فَإِنَّهُ دارُ بغي. وأنِّ مُرْتكبي الْكَبَائِر موحَّدون غير مؤمنينْ. الواقفية: وقفتْ فِي جَوازِ بيع الأمَةِ مِنْ مُخالفيهم، ويُسمونَ: صَاحب المرأةِ. الضحاكية: يقالُ لَهُم: أصحابُ النِّساء. وجوزوا تَزْوِيج المرأةِ الْمسلمَة مِنْ كُفّارِ قومِهِم فِي دَار التَّقية. البَيْهسيَّة: أصحابُ أبي بَيْهَس هَيْصم بن جَابر. كفَّر مَنْ حرَّم بيعَ الأمَة من المخَالفين. وكلُّ ذنْب لَمْ يحكُمْ اللهُ تَعَالَى فِيهِ حُكْماً مُغلظاً فَهُوَ مغْفُورٌ عِنْده.

стр. 1082

الْعَونْيَّةُ: تقولُ: إِذا كفَرَ الإمامُ كفرتِ الرعيةُ: الغائبُ، وَالشَّاهِد. السؤالية: تقُولُ: مَنْ أَقَامَ الشَّهادتين، وواليَ أَوْلِيَاء الله، وعادي أعداءهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ إِلَى أَن يُبْتَلى فِي غير ذَلِكَ. التَّفْسيريةُ: رئيسُهم الحكم بن يحيى الْكُوفِي. ومِنْ قَوْلهم: إنِّ مَنْ شَهد شَهادة أخِذَ بتْفسيرها وكَيْفيَّتها. الصالحية: أصْحابُ صَالح بن مسَرح. الشَّمراخية: مِنْ قَوْلهم: إنَّ قتْلَ الْأَبَوَيْنِ المخَالِفّيْن حرامٌ فِي دَار التقيَّة، وَدَار الْهِجْرَة. البدعية: يقْطعونَ عَلَى أنفسِهم وموافِقيهم أنَّهم فِي الجنَّةِ. الخشَبيَّة: رئيسُهم أبُو الخَشب. المغْروريًّة: صُفريةٌ وموضِعُهم البيضاءُ من الْمغرب، وصاحِبُهم المغْرورُ بنُ طالُون. والبلاد الَّتِي يغْلِبُ عَلَيْهَا الخارجيةُ الجزيرةُ وأطرافُ الموْصلِ. وشهرزور، والبحرين وسِجِسْتانَ، وتَاهرت. وَكثير مِن أذْرَبيجانَ. وهم يُلقَّبون بالخوارج لخروجِهم عَلَى الإِمَام الْعَادِل ﵇، والمَارقةِ لإخبار النَّبِي ﷺ وَعَلَى آله لأَنهم. يَمْرقُون من الدِّين، والحَرُورية لنزولهم حَروراءَ. والمُحكمة لقولها كثيرا: لَا حُكْمَ إِلَّا لله. ولقَّبتْ أنفسَها: الشُّراة، أَي أَنا شريْنا أنفسَنا فِي طَاعَة الله. ومضَغوا كتبهمْ عبد الله بن يزِيد، وَمُحَمّد بن حَرْب، وَيحيى بن كَامِل، واليمانُ بن دياب. وأصولُ الْخَوَارِج الإباضيَّةُ، والأزارقةُ والصُّفرية، والنجدِية. فَإِذا ذكِرتْ فِرقةٌ مِن هَذِهِ الْفرق عُلِم أَنَّهَا مُباينةٌ للفِرَق الثَّلاثِ. ثمَّ سائرِ الألقاب تتبيَّن بتفْصيلِ مقالاتِهم، وَإِلَى الله نبْرأ من جَمَاعَتهمْ، ونسأله أَن يُصَلِّي عَلَى النَّبِي. وابنِ عَمه الرضى، وأهلِ بَيته الَّذين أذهبَ الله عَنْهُم الرِّجسَ وطهرَّهم تَطْهِيرا.

стр. 1083

أدْخِلَ رجلٌ من الشُّراة إِلَى الْحجَّاج فاسْتحقرهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ويْحكَ ﴿﴾ مَا أخرجَك؟ ؟ فواللهِ مَا أظنُّك تعْرِفَ مواقِيتَ الصَّلاة. فَقَالَ: ذاكَ لَو اتكلتُ عَلَى تعْليمك يَا حجّاجُ، كنتُ بالحري أَن أنزلَ بهذهِ المنزلةِ. قَالَ: مَا أخْرجَكَ؟ قَالَ: مَخافَةُ يَوْم أَنا وأنتَ إِلَى نصير. قَالَ: وَمَا ذَالك الْيَوْم؟ قَالَ: أول آخِرٌ، وأخِرٌ أولٌ. مستقبلٌ أول، مستدْبِرٌ آخِر. لَا بعدَهُ أجَلٌ وَلَا فِيهِ عمَل، وَلَا فِيهِ مسْتغِيثٌ، وَلَا إِلَى غَيره مَذْهب، يأْمَنُ فِيهِ الخائفُ، ويخف فِيهِ الأمِنُ، ويعزُّ الذليلُ ويذلُّ فِيهِ العزيزُ وَفِي مِثْل هَذَا مَا أقْلقَ مِثلي عَن الفِراش، والأئمةُ تعْدِلُ، فكيْفَ إِذا كانتْ تَضِلُّ وتُضلِّلُ؟ فاقضِ مَا أنتَ قاضٍ. قَالَ: أجزِعتَ من الموتِ؟ قَالَ: واللهِ مَا جزعتُ مِن قضاءِ، وَلَا أسفتُ من بلاءٍ، وَلَا كرهت لرَبي لِقَاء، وللموت مَا خلقتُ، وَمَالِي حاجةٌ إِلَّا فِيهِ. فَهَل يجزعُ الرجلُ من قَضاء حاجتِهِ؟ قَالَ: أمَا وَالله لأعجِّلنَّ لَكَ من العذابِ الأدْنَى دُونَ العذابِ الْأَكْبَر. قَالَ: أمَا واللهِ لَو علمتُ أنَّ بِيَدِك تعْجيلَه لعلمْتُ أنَّ بِيَدِك تأْخيرَه. قَالَ: وَالله لأقتُلنَّك. قَالَ: لَا يعزُّ اللهُ بقتلي باطِلاً وَلَا يُبطِلُ بِهِ حَقًا. وَلَئِن قتلْتَني لأُخاصمنَّكَ بِحَيْثُ يزولُ عنْكَ وَعَن أبي الزَّرقاء عزُّكُما وَلَا يدْفعُ عنكُما سلطانُكُما، وحيثُ لَا يُقْبل لَكمَا عذْرٌ وَلَا تنفعكُما حجُةٌ. أَمر بقَتْله.

стр. 1084

الْبَاب الثَّانِي عشر الْغَلَط والتصِحيف قَالَ بَعضهم: خَالِفْ تَذْكُرْ. فَقيل لَهُ: إنَّما هُوَ تْذْكَر فَقَالَ،: هَذَا أول الخِلاف. وَقَرَأَ بَعضهم فِي كتاب: أنَّ النَّبِي ﵇ بَلعَ قَدِيداً، وإنَّما بلَغ قُدَيداً. وَقَرَأَ آخَر: أنَّه كَانَ يُحِبُّ الْعَسَل يومَ الْجُمُعَة، وإنمَّا هُوَ الغُسْلَ وَقَرَأَ آخر: أَنه كَانَ يكره النَّوم فِي القِدْر، وإنَّما هُوَ الثَّوم. وَقَرَأَ آخر: وَلَا يرِث جميلٌ إِلَّا بُثينةَ، وَإِنَّمَا هُوَ لَا يُورَّثُ حميلٌ إِلَّا ببيِّنة وَقَالَ آخر: إِذا أردْتَ أَن ننعظ فَادْخُلْ المقابرَ، وَإِنَّمَا هُوَ تتَّعِظُ وَقَرَأَ رجل عَلَى ابْن مُجَاهِد: بل عَجَنْتَ، ويَسْجرون. فَقَالَ: أحْسَنْتَ، مَعَ العَجْن يُسْجَرُ التَّنُّور. كتب صاحبُ الْخَبَر بأصْبهانَ إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر: إنَّ فلَانا القائدَ يلبس خُرلخيةً، وَيقْعد مَعَ النِّسَاء: فَكتب إِلَى العامِل: ابْعَثْ إِلَى بفُلان وخرلخيته. فَصّحفَ القارئُ. وَقَرَأَ: وجزَّ لِحْيَتهُ، فَفعل ذَلِكَ بِهِ، وأشْخصَهُ. علِّق سترٌ عَلَى بعض أَبْوَاب أمِّ جَعْفَر، وَكَانَ أَمر أنْ يُكَتب عَلَيْهِ المسيدة الميمونة المباركةِ فأغفلَ الناسخُ الراءَ. وَدخل الرشيد فقرأهُ الميمونةِ المناكة فأمَرَ بتمْزيقه. وَكَانَ كَافِي الكُفاة يكرهُ أَن يكونَ فِي مخاطباتِ النِّساء حراستُها ونظرها وعقلها، وَيَقُول: لَا يُؤمَنُ أنْ يُصَحَّفَ فَيقْرَأ: حِراسْتُها، وعَقْلُها، ويظْرها.

стр. 1085

وَكَانَ حمَّادٌ الراويةُ لَا يقرأُ القرآنَ فاستقرى فَقَرَأَ، ولمَ يَزِلَّ إِلَّا فِي أَرْبَعَة مَواَضِعَ: عَذَابي أصيبُ بِهِ منْ أسَاءَ. وَمَا كَانَ اسِتغفارُ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوْعدة وعدها أَبَاهُ. ومِن الشَّجر وَمِمَّا يغْرسون. بل الَّذين كفَروا فِي غِرَّةٍ وشِقاق. وَقد رُوي أَنه صحَّفَ فِي نيِّف وَعشْرين موْضعاً كلهَا متشابهة وَأَنا أذكُرها جَمِيعًا مِنْ بعدُ بِإِذن الله. غضب كاتِبُ المأْمون عَلَى غُلامه فَرَمَاهُ بالدَّواة، وشجَّه، فَلَمَّا رأى الدَّمَ يسيل قَالَ: صدق الله تَعَالَى: وَالَّذين " إِذَا مَا غَضِبوا هم يَغْفِرون " فَبلغ ذَلِكَ المأمونَ. فأنَّبه. وَقَالَ: ويلَكَ! أما تُحسنُ أَن تقْرأ آيَة من القُرآنِ؟ فَقَالَ بلَى وَالله إِنِّي لأقرأُ من سُورة وَاحِدَة ألفَ آيَة. قَالَ بعضُهُم: قَرَأَ عبدُ الله بنُ أحمدَ بن حَنبل فِي الصَّلاة: اقْرَأ باسم ربِّك الَّذِي خُلِق. فَقيل لَهُ: أَنْت وَأَبُوك فِي طرفِي نقيض. زعَم أبُوك أَن القرآنَ لَيْسَ بمخْلوق، وَأَنت قَدْ جعلْت ربَّ القرآنِ مخلوقاً. وَحكى أنَّ المحامِلي المحدِّث قَرَأَ: وَفَاكِهَة وإبا. فَقيل لَهُ: الألفُ مفتوحةٌ. فَقَالَ: هُوَ فِي كتابي محفوظٌ مضْبوطٌ. وحكِي أنَّ ابنَ أبي حَاتِم قَرَأَ: فصيامُ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وتِسْعة إِذا رجعتم، تِلْكَ

стр. 1086

عشرةٌ كاملةٌ. كَانَ اسمَ أبي الْعَتَاهِيَة: زيدٌ فنقش عَلَى خَاتِمه أيا زيد ثق فكَانَ النَّاس يتنادَلُوَنَه: أنَا زِنْدِيق. قَالَ بعضُهم: سمعتُ ابْنَ شاهين المحدِّثَ فِي جَامع المنْصور يَقُول فِي الحَدِيث: نهى النبيُّ ﵇ عَن شَقِيق الْحَطب. فَقَالَ بعض الملاحين: يَا قومُ، فَكيف نعملُ والحاجةَ ماسةٌ، وَهُوَ شَقِيق الْخطب. قَالَ: وسمعتُه مرّة أُخْرَى وَهُوَ يفسِّر قولَه تَعَالَى: " وثيابَك فَطَهِّر " فَقَالَ: قيل لَا تَلْبسها عَلَى غدرة. وَهُوَ لَا تلبسها عَلَى عَذِرة. وَكَانَ كيسانُ مستمِلي ابْن الْأَنْبَارِي، وكانَ أعْمى القلبِ فَسُمع ابنُ الْأَنْبَارِي وَهُوَ يَقُول: كيسانُ يسمعُ غيرَ مَا أقولُ، ويكتبُ غير مَا يسمعُ وَيقْرَأ غيرَ مَا يكتُبُ، ويحفظُ غيرَ مَا يَقْرَؤُهُ. وَحكى عَنهُ أَنه كَانَ يكتبُ مَا يسمعُ فِي الخزف، ويجمعهُ فِي حُبِّ، فَاشْترى راويةَ ماءٍ فغلطَ السَّقَّاءُ بيْنَ حُبِّ المَاء وحُبِّ الخَزف، فصبَّ الماءَ فِي حبِّ العِلْم فرأيْنا كيسانَ وَقَدْ وضع يدَه على رَأسه، وَذهب علمه كلُّه. وَقَالُوا تقدَّمتِ امرأةٌ إِلَى عمرَ فَقَالَت: أَبَا غَفَر حَفْصٍ اللهُ لكَ. فَقَالَ: مَالك: أغْفَرتِ؟ قَالَت: صلَعَتْ فرقتُك. قَرَأَ الباغنْدي: وكلُّ شيءٍ فَعلُوه فِي الدُّبُر فصِيح بِهِ مِنْ جَوانِب المجِلس. فَقَالَ: يَا قومُ لَا تضجُّوا فالباءُ منْقوط. وروى أبُو ربيعَة المحدِّثُ أَن النَّبِي ﵇ كَانَ يغْسِلُ

стр. 1087

حُصى الْحمار. قيل: وَلَمَ ذاكَ يَا أَبَا ربيعةَ؟ قَالَ كَانَ يُظْهر تواضُه بذلك. وَالْخَبَر أَنه كانَ يغْسِلُ حَصَى الْجمار. قَالَ بعضُ المحدِّثين: حَدثنِي فُلانٌ عَن فُلان عَن سَبْعةَ وسبعينَ، يُرِيد عَن شُعبَة وسُفْيَان. كَانَ يزْدَانفَ ذار فِيهِ لُكْنةٌ، وَكَانَ يجْعلُ الحاءَ هَاء، أمْلى عَلَى كاتبٍ لَهُ: والهَاصلُ ألفُ كُرٍّ. فكتبها الكاتِب بِالْهَاءِ. كَمَا لفَظَها، فأعادَ عَلَيْهِ الْكَلَام، فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْكَاتِب الْكتاب، فَلَمَّا فطن لاجتماعهما عَلَى الْجَهْل، قَالَ: أنتَ لَا تُهْسِن تكتبُ، وَأَنا لَا أهسِنُ أمْلي. فكتُبْ: الجاصل ألف كُر فكتبها بِالْجِيم مُعْجمَة. قالتْ أمُّ ولد لجرير لبعَض ولدِها: وقَع الجرْدانُ فِي عجَان أمِّكم. أبْدلتْ الذَّال دَالا وضمت الجيمَ، وَجعلت الْعَجِين عِجَاناً. وَإِنَّمَا أرادتْ وقَع الجرذانُ فِي عَجين أمِّكم. وَدخل رجلٌ عَلَى آخَرَ وَهُوَ يأْكل أتْرجّاً، وعَسَلاً. فَأَرَادَ أنْ يَقُول السَّلامُ عليْكُم. فلفَظ عَسَليكم. وَدخلت جاريةٌ روميةٌ عَلَى بَعضهم لتسأَل عَن مَولاتها، فبصُرتْ بِحِمَار قَدْ أدْلى، فقالتْ: قالتْ مولاني كيفَ أيْر حِمَاركم؟ قَالَ بعضُ الجَّهال إِلَى عالِم، وَسَأَلَهُ عَنْ قَول الشَّاعر. يَوْم تُبدي لَنَا قتيلةُ عَن جيد فَقَالَ: مَا العَنْجيدُ؟ وَسَأَلَ عَن قولهِ تَعَالَى: " والهدْى مَعْكوفاً " فَقَالَ: مَنْ كَانَ كُوفاً من أَصْحَاب البني ﵇. وَسَأَلَ آخرُ عَن قولِهمْ: " زاحم بِعَوْد أوْ دَعْ " فَقَالَ: مَا الأوْدَع؟ .

стр. 1088

كات أحْمد بنُ مُوسَى بن إسحاقَ من قُضاة السُّلطان بأصْبهانَ، فأملى يَوْمًا عَلَى أَصْحَاب الحَدِيث: حَدثنِي فلانٌ عَنْ فُلان عَن هِند أنَّ المعتُوهَ يُريد عَن هنْد أنَّ المغيرةَ. وكانَ أهل الْبَصْرَة يرْوون عَن عَليّ ﵇ أَنه قَالَ: إِلاَّ إنَّ خراب بصْرتِكمُ هَذِهِ يكونُ بِالرِّيحِ، فَمَا أقْلعُوا عَن هَذَا التَّصحيفِ إِلَّا بعدْ مائَتي سنة عِنْد خرابها بالزنْج. وَقيل فِيمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أنَّهُ قَالَ: تختَّموا بالعقيق. إِنَّمَا هُوَ " تَخيمَّوا بالعقيق "، لواد بالمدينةِ. وروى بعضُ جلَّةِ المحدِّثين: أنَّ مرْحَبًا الْيَهُودِيّ قتلهُ عَلَى يَوْم حُنَيْن وَإِنَّمَا قتَله يَوْم خيْبرَ. وروى آخرُ: الجارُ أحقُّ بصُفَّتِه، يُرِيد بصقَبهِ. وروى آخر: لَا بأْسَ أنْ يُصَلِّي الرجلُ وَفِي كُمِّه سِنَّورةٌ، وإنَّما هِيَ سبُّورة وَهِي الألواحُ من الآبنوسِ يكتبُ فِيهَا التَذكرة. وروى آخر: عمُّ الرجل ضيقُ أَبِيه. إِنَّمَا هُوَ صِنْو. وروى آخرُ: لُعِن الْيَهُود، حرمتْ عَلَيْهِم الشحومُ فحملُوها. وَإِنَّمَا هُوَ فجمَّلُوها، أذَابُوها. وروى بعضُهم: أنَّ الحارثَ بن كَلَدة كَانَ يقولُ الشمسُ تثقل الرّيح، وإنّما هُوَ تَتْفُلُ الرّيح. وَقَالُوا: كَانَ يجْلسُ فِي مًقثاة. وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَقْناة. وروَوْا: أَنه نهى عَن لُبْس القَسي وَإِنَّمَا هُوَ القُسِي لضَربٍ من الثِّيَاب وَرووا أَن أَعْرَابِيًا أَتَى النَّبِي ﷺ وَعَلَى يَده سخلة تبْعَر. وإنَّما هُوَ تَيْعُر من اليَعَار. وَهُوَ صوتُها. قَالَ بعضُهم: قَالَ الرياشي لي يَوْمًا - وَقَدْ جئتُ مِنْ مجْلِس ابْن أبي الشَّوارب: أَرِنِي مَا أملي عليكُمْ، فأريْتُه، فمرَّ بِهِ هَذَا الحديثُ: آخِر مَا يجازفُ بِهِ الْمُؤمن عَرقُ جَبينه.

стр. 1089

فَقَالَ الرياشي: مَا أحوجَ هَؤُلَاءِ إِلَى بعض عِلْمنا إِنَّمَا هُوَ يُحارفُ، والحريفُ الشَّريك، يقالُ: فُلان حَريف فلَان، أَي شريكُه ومُحاسِبُه. وَقَالَ بعضُهم: حضرتُ رجلا من الكُبراء - وَقَدْ قَرَأَ فِي المصحفَ: يَا عِيسَى ابنَ مَرْيَم اذكُرْ نِعْمتي عَليك وَعَلَى والديك. وَقَرَأَ بَعضهم: وَالْعَادِيات صُبْحاً. وَقَالَ آخر: فكذَّبُوهما فَغدرْنَا بثالث وَقيل: إنّ سُلَيْمَان بن عبد الْملك كتب إِلَى عامِله عَلَى المدينةِ: أحْص المخنثين: يريدُ: عُدَّهم. فَقَرَأَ الْكَاتِب: أخْص، فَخَصَاهُمْ. ومِمَّنْ أخَجلَهُ التصحيفُ فِي مجَالِس الخُلفاء أحمدُ بنُ أبي خَالِد وَزِير المأْمون، فإنَّه حضر مجْلسَه للمظالم يقْرَأ عليْه القصصَ، وَكَانَ فَهماً، فمرت بِهِ قصةٌ مكتوبٌ عَلَيْهَا: فُلان البَريدي، فقرأها: الثريدي فَقَالَ الْمَأْمُون أَبُو الْعَبَّاس جائعٌ. هاتُوا لَهُ ثَريدةً. فقُدمتْ إِلَيْهِ، وأكْرهَهُ عَلَى أكلهَا، وغسَلَ يدَه، وَعَاد إِلَى تصَفّح القصَص، فمرتْ بِهِ قصةٌ مكتوبٌ عَلَيْهَا فلَان الْحِمصِي فقرأها الخبيصي. فَقَالَ المأْمون: كَانَ غداءُ أبي الْعَبَّاس غيرْ كَاف، لَا بُدَّ للثريدة من أَن تُتَبع بخَبيصة. فقُدمت إِلَيْهِ، وأكلها. وَمِنْهُم شجاعُ بنُ الْقَاسِم. قَرَأَ عَلَى المتوكّل: حَاضِرُ طَيئ ٠ فقرأه جَاءَ ضريطي. كَانَ للمتوكل صَاحب خَبر يُقَال لَهُ ابنُ الكلْبي، وَكَانَ يرْفَعُ كلٌ مَا يسمعهُ من غثٍّ وسمين، وجِدٍّ وهَزْل ليَمين كَانَ حلّفَه بِهَا، فرفَع يَوْمًا وعربْدت علَيهْا

стр. 1090

وجرحَتها فِي صَدْغَها، ولمْ ينقُط. الغيْنَ، فقرأها المتوكِّلُ فِي صَدْعِا. ثُمَّ قَالَ: إنَّا لله تعطل عَليّ ابْن الكبي مَناكُه. وَقَرَأَ علىَ عُبيدِ الله بن زِيَاد كاتبُهُ كتابَ عبيدِ الله بن أبي بكرَة: أنَّه وجَد ابنَ أديَّةَ مَعَ جمَاعَة من الْخَارِج فِي شُرْب. فَقَالَ ابنُ زِيَاد: كيفَ لي بِأَن يكُون الخوارجُ يرَوْنَ الشُّرْب. وَإِنَّمَا هُوَ سَرَب. الحروفُ الَّتِي ذكر أَن حَمَّادا صحَّفَها من الْقُرْآن وَأوحى ربُّك إِلَى النَّحْل أَن اتخذي من الجبالِ بُيُوتًا وَمن الشّجر وَمِمَّا يغرسون وَمَا كَانَ استِغفَارُ إبراهيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَوعدةٍ وعَدَها أبَاه. ليَكُون لَهُم عَدْواً وحَربَا وَمَا يجْحد بِآيَاتِنَا إِلَّا كلُّ جبَّار كَفُور. وعزَّزُوه ونصروه وتُعززُوهُ ونُوقّرُوه. لكل امرىءٍ يَوْمئِذٍ شأنٌ يعْفيه. بِالْفَاءِ هم أحْسنُ أثاثاً وزشياً عَذَابي أُصِيب بِهِ مَن أسَاءَ. يَوْم يُحْمى غَليُها فِي نَار جَهَنَّم.
следующие страницы →