← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وَقيل لمخنّث: مَا الَّذِي أفدت من التخنيث؟ قَالَ: است مخرقة، واسمٌ قبيحٌ. قَالَ هيتُ المخنّثُ لُعَمر بن أم سلمةَ: إِن فتح الله عليكُم الطائِف فسل رسولَ الله ﷺ أَن يهبَ لَك بادنَة بنت غيلَان بن سلَمة، فَإِنَّهَا كحْلاءُ، سموعٌ، نَجْلاءُ، خُمصَانةٌ، هَيْفاء إنْ مشتْ تثنَّت، وَإِن جلَست تدنَّتْ، وَإِن تكلَّمتْ تغنَّت، وتُقِبلُ بِأَرْبَع، وتدبرُ بثمان، وفخذَيْها كالإناء المكْفأ. فَروِي أَن كلامَه بلغ رسولَ الله ﷺ ، فَمنع المخنَّثين من الدُّخول على النِّسَاء. نظر مخنث إِلَى إِنْسَان كَبِير الْأنف، قد أشرف على فَمه. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَيْهِ كَأَن أَنفه أير يتطلَّع فِي بِئْر الخَلا.

стр. 1122

الْبَاب الْخَامِس عشر نَوَادِر اللاطةِ روادَ إنسانٌ متقر على الفُجور، فقَال: مَا تعُطيني؟ فَقَالَ، أستغفرُ لَك وأقرأ لَك كل يَوْم آيَات أعوذكُ بهَا، فَقَالَ الغلامُ الْيَوْم عَاجلا " وردّ للهُ الَّذين كفرُوا بغيظِهمْ " رُؤِيَ بعضُ اللاطة مَعَ غُلَام أسودَ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، قالَ: الأسودُ طيبُ النَكْهةِ ليِّنُ الأفْخاذِ، مُلْتهبُ الْجوف، رخيص الجذر سريع الْإِجَابَة لِأَنَّك تَدعُوهُ لتنيكه فيظن أَنَّك دعوتَه لينكيك. قيل لبَعض المتصوفةِ: أَنْت لُوطي. فَقَالَ: مَا تقولُ فِي لص لَا يسرق، هَل يلْزمه القطعُ؟ قَالَ بَعضهم: رَأَيْت شَيخا يُطَاف بِهِ، وينادي عليْه: هَذَا جزاءُ من يلَوطُ، والشيخُ يَقُول: بخ بخ لِواطٌ محضٌ، لَا زنى، وَلَا سرَقٌ. قل لشيخ لاطَ: أَلا تَسْتَحي؟ فَقَالَ: أستحي وأشتهي. قَالَ بَعضهم: الغُلام استطاعةُ المعتزلةِ، لِأَنَّهُ يصلُح للضدين، يَفْعلُ ويُفْعُل بِهِ. وَالْمَرْأَة استطاعة المُجبرةِ: لَا تصلح إِلَّا لعمل وَاحِد. قيل لأعرابي: مَا تقولُ فِي نيك الغِلمان؟ فَقَالَ: اعُزبْ، قبَّحك اللهُ. وَالله إِنِّي لأعافُ الخَار أَن أَمر بِهِ، فكيفَ ألجُ عَلَيْهِ فِي وَكره؟

стр. 1123

وجُد شيخٌ فِي مَسْجِد، وتحتَه صبي، فَلَمَّا هجمَ عَلَيْهِ عدَا الصَّبِي، وَقَامَ الشيخُ متأسفاً وَجعل ينظر إِلَى متَاعِهِ ويقولُ. كَانَ ببغدادَ لوطي مُوسِرٌ، فَكَانَ إِذا جاءَ وقتُ الزَّكَاة وزنَ زَكَاة مَاله، ووضعهُ. فَإِذا حصَل عِنْده مؤاجرٌ وزَنَ جذْره منهُ، وَقَالَ: ألكَ أمُّ أوْ أختٌ تسْتَحقّ الزَّكَاة؟ فيدْفَعهُ إِلَيْهِ، ويقولُ: خُذْهَا مِن زَكاة مَالي، وأعْطني مَا أريده منْك تفضُّلاً. وَكَانَ بعض المؤاجِرين يتحرجُ فَكَانَ إِذا أعطاهُ إنسانٌ جذْرَهُ أخْرج تُفاحةٌ أَو مَا يشبهُهَا، وَقَالَ للرجل: قد اشتريتَ مني هَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهم. فَيَقُول اللوطيُ: نعم. فَيَقُول: فَأَما الْآن فَأُعطيك مَا تريدُ من غَيْر جذْر. قيل لوحد: لم فَضَّلتَ الْغُلَام على الجاريةِ؟ قَالَ: لأنهُ فِي الطَّرِيق صَاحب وَمَعَ الإخوان نديمٌ، وَفِي الخلْوة أهلٌ. قَالَ ابنُ قريعة القَاضِي: مَرَرْت بشِيخ قد خَرج من خَربة، وَبِيَدِهِ أيرُه وَهُوَ يَقُول: مَا أعجبَ أسبابَ النّيك؟ فقلتُ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّمَا يقالُ: مَا أعجبَ أسبابَ الرَزق؟ ؟ قَالَ: خُذْ حَدِيثي، ودخلتُ هَذَا الخرابَ لأبولَ، فأنعظتُ فهممتُ أَن اجْلِد عميرةَ. فَدخل صبيان كالقمرين، فَلم يرياني، وأخذا يتبادلان فَقُمْت إِلَى هَذَا فنكته، وَإِلَى هَذَا فنكته. وخرجتُ كَمَا تراني مُتَعَجِّبا بِاللَّه، مَا هَذَا بعجب؟ ؟ قلت - بلَى وَالله - وَانْصَرف لَا حَفِظك الله. جاءُوا إِلَى أبي نُواسٍ بِغُلَام ملِيح، إِلَّا أَنه أعُرجُ. فَقَالَ: مَا أصنعُ بِهِ وَهُوَ أعرجُ؟ فَقَالَ الغلامُ: إنْ أردَتني لِأَن تضربَ عَليّ بالصوالجةِ فَلَا أصلحُ لذَلِك وَإِن أردتَني للنيك فقُم. كتب رجلٌ إِلَى غُلَام كَانَ يعشقُه: وضعتُ على الثرى خدي لترضَى. فَكتب إِلَيْهِ الْغُلَام: زنْ عشرَة دَراهم، وضَعْ خدَّك على خدي.

стр. 1124

وصفُوا غُلَاما عِنْد بعض اللاطة، فَقيل: هُوَ فاسدٌ. قَالَ: فِي فَسادِه صَلاحي. نظر غُلَام فِي الْمرْآة، فرى لحيتَه قد بدتْ وَقَالَ فَقَالَ قَوَّادُه بعث المبرِّد غلامَه، وَقَالَ بِحَضْرَة النَّاس: امْضِ فإنْ رأيتَه فَلَا تقُلْ لَهُ، وَإِن لم ترَه فَقل لَهُ. فَذهب الغلامُ، ورجعَ فَقَالَ: لم أره، فقلتُ لَهُ، فجاءَ فلمْ يجِئ فسُئِل الغلامُ بعد ذَلِك، فَقَالَ: انْفذَني إِلَى غُلام، فَقَالَ: إِن رَأَيْت مولاهُ فَلَا تقُلْ لَهُ شَيْئا، وَإِن لم تره فادْعُه. فذهبُ فَلم أرَ مَولاهُ، فقلتُ: فجَاء الموْلى، فَلم يجِئ الْغُلَام. أَدخل ابنُ سَيابةَ غُلَام ليفسِقَ بِهِ، فقالَ لَهُ الغُلامٌ: أَنْت ابنُ سَيابة الزنديقُ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أَيْن الزندقةُ؟ ونومَه، وَأدْخل عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا بُني: قيل لأبي نواس لِمَ تُؤْثر الغُلامَ الْفَحْل على الخصى؟ فَقَالَ: لَان الْغُلَام مَعَه بيْذقان فِي وسط الرقعة يدْفع بهما الشاةَ. قيل للوطي: كَيفَ رَأَيْت فلَانا؟ لغلام كَانَ يتعاطَاهُ. فَقَالَ: يجعلُ البيذّقَ فِرْزَاناً. غَمز لوطي غُلَام، فَقَالَ الغلامُ: أَنا لَا أصلُحُ لما تريدُ. فَقَالَ اللوطي: وَأَنا أجعلُك بحيثُ تصلُح. قَالَ بَعضهم سمعتُ شيْخاً قد خرف بعد شطارة يَقُول: نكتُ غُلَاما فِي دهليزي أمس فأردتُ أَن أدخُل عَلَيْهِ، فَقَالَ لي: لَا تفعلْ، فَإِنِّي مسحُتُ على خُفي، وأكرهُ أَن ينْتَقض وضوئي. فقلتُ: إنَّ نيك الغِلمان بَين الفخذين لَا ينقضُ وضُوءَهم. وَقَالَ آخر: رأيتُ شَيخا مِنْ كبار الشُّطار، يمرُّ ومعهُ صَبي صَغيرٌ. فقلتُ: بلغنَا هَذِه الحالَ. فَقَالَ: يَا سَيِّدي إِن الْأسد إِذا كبر يَصيدُ الضفادع. وجدَ شيخ مَعَ صبي خلفَ كرَب فَقَالُوا لَهُ يَا شيخُ. أما تَسْتحي وَأَنت رجلٌ

стр. 1125

عَاقل؟ لم لَا تحصن نفْسَك؟ فَأخْرج من فِيهِ قِطْعَة فِيهَا قيراطٌ، وَقَالَ: وَالله مَا أملكُ غَيره وَقد رضى بهَا هَذَا الصَّبِي. فَهَل فِيكُم مَنْ يزوجني بهَا حَتَّى أتحصن؟ سَأَلَ بعضُهم غُلَاما، وَإِعْطَاء دِرْهمين، فَأَرَادَ أنْ يدخُل عَلَيْهِ، فَامْتنعَ، وَقَالَ: لَا أقْوى. فَقَالَ الرجل قد خيَّرتُك فِي إِحْدَى ثَلَاث - وَكَانَ يعْلم أَن الْغُلَام يذْهب مَذْهَب الجَماعةِ - إِمَّا أَن تردَّ الدِّرهمين، أوْ تدعَني أدخلُه، أَو تَقول: الْقُرْآن مَخْلُوق. قَالَ الْغُلَام: أما ردُّ شيءٍ من الدرهمين فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ، وَأما القرآنُ فَلَو ضربْت عنُقي مَا قلتُ إنَّه مخْلوقٌ، وَأما الثَّالثةُ فأتحمّلُها فَأدْخل عَلَيْهِ، وَصَاح الغلامُ وَجعل يَقُول: صَاح الصبيانُ بِأبي سعيد الخرزي: يَا لوطي يَا لُوطي. فَجعل يضحكُ فَقيل لَهُ: يَا شيخ. أمَا تَسْتَحي؟ يَصِيح بك الصبيانُ - وَأَنت تضحكُ؟ قَالَ: فديتُك. إِذا صدقُوا أيش يمكنني أنْ أقُول؟ غضب سعيد بن وهب يَوْمًا على غُلَام لَهُ، فأمَرَ بِهِ، فبطحَ، وكشف الثَّوْب عَنهُ ليضربه، وَقَالَ: يَا بن الفاعِلة. إنَّما غرتْك استُك هَذِه حَتَّى اجترأتَ على هَذِه الجرْأة، وسأُريك هوانها عَليّ. فَقَالَ الغلامُ: طالما غرتْك هَذِه الأستُ حَتَّى اجترأت على اللهِ، وسوف ترى هوانك عليْه. قَالَ سعيدٌ: فورد على مِن حالهِ مَا حيرني، وَسقط السَّوْط. من يَدي. قسَم بعضُ الْوُلَاة بِالْمَدِينَةِ قسْماً فِي الزَّمني، فأتاهُ أَبُو خزيْمَة، فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي زمِنٌ. قَالَ: مَا أرى بك زمَانةً. قَالَ: بلَى قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَنا لُوطي. قَالَ: نعم، إنَّك لزمِنٌ من عقلك، وأعْطاه. سُئِلَ ابنُ سيابة عَن مؤاجر، فَقَالَ وَكَانَ يَقُول: نيك وَكَانَ يترافق اثْنَان: أَحدهمَا " يَقُود بالصِّبيان الصغار، وَالْآخر، بالبالغين الْكِبَار، وكلُّ وَاحِد يعيبُ صاحبَه، ويعنِّفُه، حَتَّى أخِذ فِي بعض الأيّام صَاحِبُ الصِّغار مَعَ صبي، ورُفع إِلَى السُّلطان فضُرب، وحَمل الصَّبِي على عاتِقِه ليطاف بِهِ فِي البَلد، فلقيّهُ رفيقُه، وَهُوَ

стр. 1126

على تِلْكَ الْحَال، فَقَالَ: قد كنتُ أَنهَاك عَن الصِّغار حذرا عَلَيْك من مثْل هَذَا، وَلَو كَانَ كَبِيرا لم ينكرْ كونُه مَعَك فِي البيْتِ. فَقَالَ: اسكتْ يَا أحمقُ. فَلَو قبلتُ مِنْك وَكَانَ مَكَان هَذَا الصَّغِير ذَاك الْكَبِير، فَكَانَ يُدَقُّ عنقب بثقِله. وجُد آخرُ مَعَ صبي فِي مَنَارَة المسْجد، وسَراويلاتُهما محلولةٌ، فَقيل: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أُرِيد أَن أبْدل تكتهُ بتكتي. قَالَ بَعضهم: إِذا كَانَ للغلام أير ضخمٌ فَهُوَ فخذٌ ثَالِث. قيل لبَعْضهِم: اللواطُ إِذا استحكَ صَار حُلاقاً. قَالَ: هَذَا مِن أراجيف الزنُّاة. قَالَ بَعضهم: نزل بِي ضيف فنومتُه فِي الدَّار، فوجدتُه فِي بعض اللَّيْل معي على السرير فِي الْبَيْت ينيكني، فقلتُ: ويحْك ﴿﴾ لم دَخلت الْبَيْت؟ قَالَ: وجدتُ البرْدَ. قلتُ: فَلم صعدت السريرَ؟ قَالَ: من البراغيثِ. قلتُ فلمَ تنيكني؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مَوضِع المسأَلة. دب واحدٌ على غُلام، فانتبه الغُلامُ، وَأخذ شَيْئا فرمَاهُ بِهِ، وَشَجه. فَلَمَّا أصْبحَ، قيل لَهُ: استعْدِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا قوم أنيكُهم من غير أَن أستأْذنَهم. ثمَّ أْستعدى عَلَيْهِم إِذا ضربوني؟ ؟ هَذَا لَا يجُوز. كَانَ غلامان يلعبان بالطيور، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: إِذا كَانَ غَدا وتسابقْنا تنايكنا. قَالَ صَاحبه: وَإِن لم نتسابقْ لم نتنايك؟ قَالَ الجاحظُ: كَانَ بعضُ المؤاجرين يعْطي فِي الشَّمال بأَرْبعَة دَراهم وَفِي الْجنُوب بِدِرْهَمَيْنِ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: فِي الشمَال الريحُ عَليّ، وَفِي الجنُوب الريحُ معي. أَرَادَ رجل أَن ينيك غُلَاما بَين فَخذيهِ، فصاح، وَقَالَ: لَا أَنا لَا أطيقُ خَارج نظر رجلٌ إِلَى غُلام وَفِي وَجهه وجبينه أثرٌ. فَقَالَ لَهُ الغُلام - وَقد أدْمَن النظرَ

стр. 1127

إِلَيْهِ -: يسألُك الله عَن سوء ظنِّك. قَالَ: بل يسألُك عَن سوء مصْرَعِك. نظر بَعضهم إِلَى غُلَام أمْردَ وَهُوَ يتكلَّم بقِحَة، ورقاعة. فَقَالَ: هَذَا وجهُ من يشمُّ التُّرَاب. أَخذ رجلٌ مَعَ غُلَام، فَرفع إِلَى صَاحب الشُّرطة، فأدَّبه، ثمَّ وجدَ بعدَ ذَلِك مَعَ امْرَأَة وعُوقب. وَبعد ذَلِك مَعَ مخنّث فأدِّب، ثمَّ وجد فِي خربة ينيك أناناً. فَقَالَ لَهُ صاحبُ الشُّرطة: وَيلك ﴿﴾ لم لَا تعمِد أيركَ؟ قَالَ: يَا سَيِّدي هَذَا غِمْده، ولكنْ لَسْتُم تتركونني أنْ أغْمده. فضحِك وخلاه. قيل للوطي: وَيحك؟ ؟ إِن مِن النَّاس من يسرقُ، ويزني، وَيعْمل العظائمَ سِنِين كَثِيرَة، وأمْره مسْتُور، وَأَنت إِنَّمَا لُطت منذُ شهور. وَقد شُهرت وافتضحت. فَقَالَ: من يكونُ سرهُّ عِنْد الصِّبيان، كَيفَ يكونُ حَاله؟ نظر بعضُهم إِلَى غُلَام وأدَمنَ النّظر. قَالَ: فَقَالَ الغلامُ: لمَ هَذَا النَظر؟ فقلتُ: سَيِّدي: أَيْن منزلكم؟ قَالَ: فِي النَّار، تطلُب أثرا بعد عين أَن تُؤخر الْيَوْم لغد، وتتبعَ مَالا تأْمَنُ السائِق عَلَيْهِ. دخل بَعضهم الْحمام فَرَأى فِيهِ غُلَاما صبيحاً، فأرادَه على نفْسه فَامْتنعَ، فكابر، وَأَخذه وأفلت الغلامُ، وصاحَ، فَدخل القيِّم وَجَمَاعَة مَعَه، فَقَالُوا للرجل: أَلا تَسْتَحي سوءة لَك؟ قَالَ: قلتُ لَهُ: صُب المَاء عَليّ فَامْتنعَ. قَالُوا: فَمَا بالُ أيرك قَائِما؟ ؟ قَالَ: قَامَ من شدَّة الغَضَب. قيل للوطي: مَتى عَهْدك بِالْحرِّ؟ قَالَ: مذ خرجتُ منْه. ذكر يُونُس بعضَ اللاطة فَقَالَ: يضربُ مَا بَين الكُركى إِلَى العنْدليب يَقُول: لَا يدَعُ رجلا وَلَا صَبيا إِلَّا عفَجهُ. حكى بَعضهم قَالَ: رأيتُ بعضَ اللاطة يضربُ غُلَاما لَهُ ضرْب التَّلف، ويدعى عَلَيْهِ فَسَأَلته عَن ذَنبه. قَالَ: لَيْسَ قلبه فِي الْعَمَل، نكته الْيَوْم وَكَانَ أيره نَائِم.

стр. 1128

قيل الفتيان: نيك الرجل ريبةٌ. قَالَ: هَذَا مِن أراجيف الزناة. رأى يحيى بنُ أَكْثَم غُلَاما حسنَ الوجْه فِي دَار المأْمون فَقَالَ فَرفع ذَلِك إِلَى المأْمون، فَعَاتَبَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ انْتهى درسِي إِلَى ذَلِك الْموضع، فَضَحك. استنقَع بعضُهم فِي المَاء متكشِّفاً، فَمر بِهِ غلامٌ عمَري كَانَ يتعسفُ فأنكرَ ذَلِك على الرجل كالمحتْسب. فَقَالَ لهُ الرجلُ: بِأبي أنتَ ﴿﴾ أردْتَ إماتَة منْكرٍ، فأحييْتَ أنْكرَ مِنْهُ، وأوْمى إِلَى مَتَاعه. قَالَ بَعضهم: كنتُ عِنْد يحيى بن أكْثم عَشِيَّة، فَدخل إِلَيْهِ عبد الْملك بن عُثمان بن عبد الْوَهَّاب - وَكَانَ يُرمى بِهِ - فَقَالَ: أصلَح اللهُ القَاضِي، إِنَّك أدْخلتَ علينا أَمينا فِي وقُفِنَا، ففعلَ، وفَعلَ. فَقَالَ لَهُ: وتدعُ أنْتَ إنْسَانا يدخلُ عليْك؟ فَمَا سمعتُها نهضتُ. فلمَّا كنتُ فِي صحْن الدَّار سمعتُه يقولُ لَهُ: حُلَّ حُلَّ. وَكَانَ يحيى يقولُ بِالْبَصْرَةِ لي رجلَانِ أبعثُهما ليأتياني بالغِلمان، فأحدهما لَا يأتيني بالغُلام حَتَّى ينيكَ الغلامَ، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق. وَالْآخر لَا يأْتيني حَتَّى ينيكهُ الغلامُ وَهُوَ صلْت بن مَسْعُود. قَالَ العدلي الشِّطْرنجي: كنتُ غُلَاما، فضمني المأْمونُ إِلَى يحيى، فَإِنِّي لِعنْدَهُ يَوْمًا إذْ جَذبَني إِلَى مخْدعٍ فِي مَجْلِسه، وأضْجعني الفاحشةَ، وَنظر مِن ورَاء السّتْر، فَرَأى ابنَ الْعَلَاء بن الوضاح - وَكَانَ مفْرط الْجمال فضربَ عَليّ جَنْبي، وَقَالَ: قُمْ.

стр. 1129

الْبَاب السَّادِس عشر نَوَادِر البغائين قَالَ بَعضهم: قلتُ لرجل كَانَ يتعاطى الأدبَ - وَكَانَ مُتَّهمًا -: مَا معنَى قولِهم: " إِذا عزَّ أخُوك فَهُنْ؟ " قَالَ: إِذا لَمْ ينم لتنيكَه فنَمْ حَتَّى ينيكَكَ. دخل عبَادَة على المتَوَكل وَهُوَ نائمٌ، وَمَعَهُ فِي الْفراش أسود قد ظَهرت رجْلاه من اللحافِ، فَقَالَ عبَادَة: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ. بت البارحةَ فِي خُفيكَ وَكَانَ المتَوَكل مِمَّن يُرمى ويتهم بذلك، وخبَره فِي أَمر بشياط الهليوف معروفٌ. قيل لمأْبون: إِن بنتك بِهِ أبنَة فَقَالَ: قيل لِابْنِ عوْن: إِن المتوكلَ قد بنَى بناءَين سماهما الشاةَ: والعروس فَقَالَ: قد فرغ من تحميل النَّاس على النَّاس حَتَّى صَار يُنايك بينْ الأبِنيَةِ فَقَالَ وَقع بينَ أَحْمد بن السندي وبينَ غُلَامه كلامٌ، فَهجَرهُ الغلامُ أَيَّامًا فكادَ أَن يُجَنَّ، فتحمَّل عَلَيْهِ بغَرسَةَ المحتِسب، فَلم يُجبْه الغُلام. وَكَانَ غرسةُ أَيْضا مأبوناً. فَقَالَ: يَا غلامُ. لَو كَانَ أيرك مثل أير بغْل سماعةَ مَا زادَ على هَذَا. فَقَالَ أَحْمد بنُ السندي هُوَ قريبُ مِنْهُ. وَتحمل عَلَيْهِ بإخوانه حَتَّى صالحَهُ، وَاتخذ دَعْوَة أرْعَد فِيهَا وأبْرق. فقيلَ للحنْظلي: عِنْدَ مَنْ كنتُم أمس؟ قَالَ: كُنَّا فِي دَعْوة أير غُلَام أَحْمد بن السنْدي ومرَّ أحمدُ بنُ السندي ببغْل أبي كَانَ الطَّحان - وَقد أدْلىَ - فوقفَ بإزائه ثمَّ تنفس الصُّعَداءَ، فقالَ: هَذَا الأير ﴿﴾ لَا مَا نُعللُ بِهِ استاهنا أَرْبَعِينَ سنة.

стр. 1130

قيلَ: وَكَانَ هَذَا البغْلُ إِذا أدْلى أَخذ فِي الأَرْض بِرَأْس غُرْمولِه التُّرابَ، فَإِذا ضربَ بِهِ بطْنَه رأيتَ الغُبارَ يتطاير عَن يَمينِه وشِمَاله. قَالَ بعضُهم: دخْلتُ إِلَى رجل من كبار النَّاس بِبَغْدَاد فُجاءةً، وَإِذا غُلامٌ لَهُ فوقْه. فَلَمَّا رَآنِي استَحْيا وقالَ: زعمَ هَذَا الغلامُ أَنه احتْلَم البارحةَ، فأردتُ أنْ أجرِّبه. وَقَالَ أَبُو العيناء: دخلتُ على أبي العلاءَ المنْقَري - وَغُلَامه على ظهْره - فقلتُ: مَا الخَبر؟ فَقَالَ: إنَّ هَذَا الغُلام زعَم أنَّه قد احتْلَم، فظنْنتُ أَنه يكْسَلُ عَنْ خِدْمة النِّساء، فأحُبَبْتُ أَن أمتحنَه. قَالَ: فحدثُتُ بِهَذَا المعتصمَ فَقَالَ: لعَنهُ اللهُ تركني. قيل لرجل من وَلد بشْر بن دَاوُد - وَكَانَ مأْبُونا -: أما تَسْتحي وأبُوك كَانَ سيفَ السُّلطان؟ قَالَ: فَأَنا جُعْبَتُه. وَقَالَ لَهُ آخر: إنَّ أبَاك كَانَ ينيك، وأنتَ تناك. قَالَ: نقَضَنِي ديْنه. قَالَ ابنُ حمدون: بَات عِندي المراكبي الشطْرنْجي - وَكَانَ مأْبُوناً - فسمِعْتُه يقولُ لغُلام كَانَ قد بَاتَ أَيْضا عِنْدي: أعْطِيكَ دينَاراً وتُبادلني، وَأُعْطِيك أنَا قبلا. وَإِن صَغُرت لم أبَال؟ ؟ قيل لبَعْضهِم: لوطي أَنْت أم صاحبُ نِسَاء؟ قَالَ: أنَا لُوطي، وزانٍ وأميلُ إِلَى المخنثين، وأدبُّ بِاللَّيْلِ أَي دِباب، ويعُتريني قليلُ بغَاء. أحْضِرتْ بصَليةٌ فِي منزل رجل كَبِير من أهل بَغْدَاد - وابنُ الهفتي حاضرٌ - وَكَانَ يعاتبه كثيرا، فتسرع ابنُ الهفتي أَيْضا، فَقَالَ لَهُ: أتعِجبك بالأبنةِ قَالَ: هِيَ ألذُّ من طيب الطَّعَام عنْدي. قَالَ: خُذوهَا مِنْ بيْن أيْدينا، فَإِنِّي لَا أشْتهيها. قَالَ: هَذِه أَيْضا فضَيلةٌ مِنْ فَضَائِل البصليَّة لَا يشتهيها البغَّاءُون. وَكَانَ الرجل مرْمياً بالأبْنة. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَقد رأى لَهُ كنيفاً لَا يدخُلهُ غَيْرهُ: استك عامةُ وكنيفُك خَاصَّة.

стр. 1131

كَانَ بعضُ آل الجُنيد إذَا رأى إنْسَانا يُرْمي بالبغاء دعَا لفتُحته بِأَن عَافِيَة. فَقَالَ لَهُ عبادةُ مَا صحتْ نيتُك فِي الدُّعاء، لِأَنَّك بَعْد تسألُ بَان. قيل لأبي سَوار: قد امْتهنَك غُلامك هَذَا الْأسود. قَالَ: مَا امْتهنَني، لكني أمتهنُه. عَمدتُ إِلَى أكْرم عِلْق فِيهِ، واستعُملتُه فِي أقْذر مدْخَل فيَّ. أشرفَت امرأةٌ مِن منْظَرة لَهَا فرأتْ فَتى جميلاً أعْجبها، فَقَالَت لجاريتها: أدخليه فأدخلْته. فقدمتِ الطعامَ، وأكلا، أحضرتِ الشرابَ، وآنَستْه، فَلم تَجِد عنْده شَيْئا. فقالتْ مَا أحْوجَنا إِلَى مَنْ كَانَ ينيكنا جَمِيعًا. فَقَالَ: أخذتيها من فمي. أدخَل بعضُ البغائين وَاحِد من السقائين، وحَمَله على نفْسه، فَلَمَّا واقعه قَالَ: أوجعتني، لَا تدخلْه كُله. قَالَ السقاء: فأُخُرجُه؟ قَالَ: لَا. قَالَ فَمَا أصنَعُ؟ قَالَ: دعهُ مكانَه. قَالَ السقَّاءُ: فمَنْ يحْفظُ البغْل؟ كَانَ الناصرُ ولي وَاحِدًا عَملَ البندرة بجرجانَ، وَكَانَ يُرمي بالأبنْة، فاستقصره يَوْمًا فِي سَبب مَال وجَبَ لمَنْ يَجْبيه. فَقَالَ: أيُّها النَّاصِر، إِنَّمَا الصَّاحِب ﵀ بعضُ الكتَّاب مِن الْعرَاق مِمن كَانَ عرَفَهُ وقْتَ مُقامه بِبَغْدَاد، وشكى سوء حَاله، فأحْسَن إِلَيْهِ، وولاه عَملاً، وأجْرى لَهُ فِي كل شهر خمْسَمائة دِرْهَم. وَكتب صَكَّة بذلك؟ َ، فحسدَه بعضُ الحَاضرين وَقَالَ للصَّاحب: إنَّ هَذَا رجلٌ مأْبونٌ، معروفُ الطَّرِيقَة بالفَسادِ، وجَميع مَا تصلُه بِهِ، وتُوصَّلُه إِلَيْهِ ينفقُه على مَنْ يرتكِبُ مَعَه الفضيحةَ، وأفْرطَ فِي ذمَّ الرَّجل، والدَّلالةِ على قَبائحهِ حتَّى طن أَنه قد أفْسدَ حَاله. فَلَمَّا رُدَّ الصَّكُّ إِلَيْهِ للتوقيع فِيهِ لم يشُكَّ السَّاعِي أَنه يُبْطلهُ أَو يمزّقُه. فَلَمَّا

стр. 1132

أخذهُ، وَنظر فِيهِ كتبَ تحْت مَا كَانَ قَدَّرَ لَهُ كلَّ شهر: ولغُلام يَخْدمه ويستعينُ بِهِ خَمْسُونَ درهما، وَوَقع فِي الصَّك وردَّه إِلَيْهِ. كَانَ لعبادَة غلامٌ كَبِير الفَقْحَة. فَقيل لَهُ: أَنْت بغاء فَيالكَ غُلَام كَبِير الفقحة؟ ؟ قَالَ: يَا حْمقَى: مَا يدريكم: كلما ثقلتْ المرزبَّة كانَ أشدَّ لدُخُول الوتَر.؟

стр. 1133

الْبَاب السَّابِع عشر نَوَادِر جحا حكى الجاحظُ. أنَّ اسمهُ نوحٌ، وكنيته أَبُو الغُصن، وَأَنه أربى عَليّ المائِةِ، وَفِيه يقولُ عمرُ بنُ أبي ربيعَة: ولَّهتْ عَقْلي وتلقّبتْ بِي ... حَتَّى كَأَنِّي مِنْ جنُوني جُحا ثمَّ أدْرك أَبَا جعْفر، ونزلَ الكوفةَ. قيلَ لجحا: أتعلمتَ الحسابَ؟ قَالَ: نعمْ. فَمَا يُشكلُ على شيءٌ مِنْهُ. قَالَ لَهُ: اقْسم أربعةَ دراهَم على ثَلَاثَة. فَقَالَ: لِرجلَيْنِ دِرْهَمَانِ، دِرْهَمَانِ، وَلَيْسَ للثالثِ شيءٌ وَأَرَادَ المهديُّ أَن يعبث بِهِ فَدَعا النطع والسَّيف، فَلَمَّا أقُعد فِي النطع، وَقَامَ السيافُ على رَأسه وهز سَيْفه، وَرفع إِلَيْهِ رأسهُ. فَقَالَ: انظُر لَا تُصيبُ محاجمي بالسيفِ، فَإِنِّي قد احتجمتُ فَضَحِك المهديُّ وأجَازَه. وَمَاتَتْ لِأَبِيهِ جاريةُ حبشية: فبعثَ بِهِ إِلَى السُّوق ليَشْتَرِي لَهَا كفناً، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ حَتَّى أنفذ غَيره، وَحمل الْكَفَن، وحُمِلتْ جِنازتُها، فجَاء جُحا - وَقد حُملتْ - فَجعل يعدو فِي الْمَقَابِر، وَيَقُول: رَأَيْتُمْ جَنَازَة جَارِيَة حبشية، كفنُها معي؟ وجمحت بِهِ يغلةٌ يَوْمًا، فأخذتْ بِهِ فِي غير الطَّرِيق الَّذِي أرادَه، فَلَقِيَهُ صديقٌ لَهُ. فَقَالَ: أينَ عزمْت يَا أَبَا الغصنِ؟ فَقَالَ: فِي حاجةٍ للبغْلةِ. وَكَانَ يَأْكُل يَوْمًا مَعَ أمه خُبزاً وبقلاً، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمي، لَا تأكلي الجرجيرَ فَإِنَّهُ يقيمُ الأير.

стр. 1134

وَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَة، فقالَ: بَارك اللهُ لنا فِي الْمَوْت وَفِيمَا بعدَ الموتِ. فَقيل: إِنَّهَا جنازةُ نَصْراني. فَقَالَ: إذنْ لَا بَارك اللهُ لنا فِي الموتِ، وَلَا فِيمَا بعد الْمَوْت. وكانتْ لَهُم جاريةٌ يُقَال لَهَا عميرةُ، فضربتْها أمُّه ذَات يَوْم، وصاحتِ الجاريةُ وَاجْتمعَ الجيرانُ على الْبَاب. فخرجَ إِلَيْهِم، وَقَالَ: مالكُم؟ عافاكم الله. إِنَّمَا هِيَ أُمِّي تجْلد عميرةَ. وَصلى بِقوم - وَفِي كُمِّهِ جَرْو كلب - فَلَمَّا ركَع سقط الجروُ، وَصَاح، وتنحنْح. فالتفتَ إِلَيْهِم، وَقَالَ: إنَّه سلُوقُّي عافاكم الله. وَحمل جرةً خضراء إِلَى السُّوق يبيعُها. فَقَالُوا: هِيَ مثقوبةٌ. فَقَالَ: لَيْسَ تسيل، فإنَّه كَانَ فِيهَا قُطنٌ لوالدتي. فَمَا سالَ مِنْهُ شيءُ. وَأَعْطَاهُ أَبوهُ درهما يزنُه، فطرحَهُ فِي الكِفة، وطرَحَ فِي الكِفة الْأُخْرَى سنجة دِرْهَمَيْنِ، وَهُوَ يحسبهما سَنْجةَ دِرْهَم، فَلم يستويا، فَطرح سنجةَ الدِّرهم على رَأس الدِّرهم، فكانَ أقلَّ، فَطرح حبتين أَيْضا، ثمَّ قَالَ لِأَبِيهِ: لَيْسَ فِي شَيْء، وينقُص حبتين. وَنظر يَوْمًا إِلَى السَّماء، فَقَالَ: مَا أخْلَقها بالمطر لَو كَانَ متغيمةً. ورأوهُ يَوْمًا فِي السُّوق يَعْدو فَقَالُوا: مَا شأْنُك؟ قَالَ: مرّت بكم جاريةٌ رجل مخضوب الْحَيَّة؟ واجتَازَ يَوْم بِبَاب الْجَامِع فَقَالَ: لِمنْ هَذَا الْقصر؟ قَالُوا لَهُ: هَذَا مَسْجِد الْجَامِع. قَالَ: رحِمَ اللهُ جَامعا. مَا أحسنَ مَا بَنَي مسجدَه؟ ؟ وذهبتْ أمُّه فِي عرس، وتركتْهُ فِي البيْتِ، وقالتْ لَهُ: احفَظ الْبَاب. فجلَس إِلَى الظّهْر. فَلَمَّا أبطأَتْ عَلَيْهِ قامَ، فقلَع البابَ، وحملَه على عاتِقِه. وَنظر إِلَى رجل مقيَّد - وَهُوَ مغْتَم - فَقَالَ لَهُ: مَا غمُّك؟ إِذا نُزع عنكَ فثمنُه قائمٌ، ولبسه ربحٌ. وماتتْ خالتُه، فَقَالُوا: اذْهبْ، واشتر لَهَا حَنوطاً. فَقَالَ: أخْشى أَلا ألحق الجنازةَ.

стр. 1135

وتبخَّر يَوْمًا فأُحْرِقتْ ثيابُه. فَقَالَ: واللهِ لَا تبخرتُ أبدا إِلَّا عُرْياناً لما قَدَم أَبُو مُسلم الْعرَاق قَالَ ليَقْطين بن مُوسَى: أحبُ أنْ أرى جحا. قَالَ: فوجَّه يقطينُ إِلَيْهِ فدعاهُ وَقَالَ: تهيأْ حَتَّى تدخُل على أبي مُسلم فَإِذا دخلْت عليْه فَسلِّم، وإيَّاك أَن تَتَعلَّقَ بِشَيْء دونَ أنْ تشْتدَّ فَإِنِّي أخشاهُ عليْكَ قَالَ: نعمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَد، وجلسَ أَبُو مسْلم وجَّه يقْطينُ إِلَيْهِ فَدَعاه، فأدخلَ على أبي مُسلم - وَهُوَ فِي صَدْر الْمجْلس - ويقطينُ إِلَى جنبه، فسلَّم. ثمَّ قَالَ: يَا يقَطينُ. أيُّكُما أَبُو مُسلم؟ فَضَحِك أَبُو مُسلم حَتَّى وضَع يَده على فَمه. وَلم يكُن رُئي قبلَ ذَلِك ضَاحِكا. وَأَرَادَ جحا الخروجَ إِلَى ضيعْةٍ، فقيلَ لَهُ: أحْسنَ الله صَحَابتَك: فَقَالَ: الموضعُ أقربُ مِنْ ذَاك. وعُجنَ فِي منزلِه، فطلَبوا منْه حطباً. فقالَ: إنْ لم يكُن حطبٌ فأخُبزوه فطِيرا. وَلما حذق الكتابةَ والحسابَ بعث بِهِ الْمعلم مَعَ الصّبيان إِلَى أَبِيه. فَقَالَ لَهُ أبوهُ كمْ عشْرين فِي عشْرين؟ فَقَالَ: أَرْبَعِينَ ودانقين. فَقَالَ وَكَيف صارَ فِيهِ دانقين؟ قَالَ: كَانَ فِيهَا دِرْهم ثقيلٌ. أكلَ جحا يَوْمًا مَعَ قوم رؤساً، فَلَمَّا فرغ من الْأكل دَعَا للْقَوْم، وَقَالَ: أطْعمكُم اللهُ مِنْ رُؤْس أهل الْجنَّة. وضرطَ أَبوهُ يَوْمًا، فَقَالَ جحا: على أيري. فَقَالَ أَبوهُ: ويْلكَ أيش قُلْتَ؟ قَالَ: حسبتُك أُمِّي. وماتتْ أمه فجعلَ يبكي، ويقولُ: رَحمك الله فلقدْ كَانَ بابُكِ مَفْتُوحًا، ومتاعك مبذُولاً. دخلَ البيتَ وَإِذا جاريةُ أَبِيه نائمةٌ، فاتكأ عليْها، فانتبَهتْ، وقالتْ: من ذَا؟ قَالَ: اسكُني أَنا أبي. ورأوهُ فِي جَنَازَة أبي الْعَبَّاس النَّحْوِيّ وَهُوَ يَقُول: يَا أَبَا العَّباس رحمَك اللهُ

стр. 1136

مَنْ حُرْمَتُنا بعْدك يَا أَبَا الْعَبَّاس. وَسمع قَائِلا يَقُول: مَا أحْسنَ القمرَ؟ فَقَالَ: أَي وَالله خَاصَّة بِاللَّيْلِ. وَجَاز بِقوم فِي كُمِّه خُوخٌ، فَقَالَ لَهُم: مَنْ أخُبرَني بمَا فِي كُمي فلَه أكبر خُوخة فِيهِ؟ قَالُوا: خُوخٌ. فَقَالَ: مَا قَالَ لكم إِلَّا مَنْ أمُّه زانيةُ. وَقَالَ لَهُ أَبوهُ يَوْمًا: احملْ هَذَا الحُب فَقَيرهُ. فَذهب بِهِ، وقيرهُ مِنْ خَارج. فَقَالَ أبُوه: أسْخَنَ اللهُ عينْك: رأيتَ مَنْ قير الحبَّ مِنْ خَارج؟ فَقَالَ جحا: إنْ لم ترْضَ - عافاك اللهُ - فاقْلبه مثلَ الخُفِّ حَتَّى يصيرَ القيْر مِن داخِل. وَبَات لَيْلَة مَعَ صبيانٍ لَهُ، فَجعلُوا يفُسون. فَقَالَ لامْرَأَته: هَذَا - واللهِ - بليةٌ. قَالَت دَعْهم يفْسون فإنَّه أدفأُ لَهُم. فَقَامَ وخرى وسطَ الْبَيْت، ثمَّ قَالَ: أنْبهى الصبيانَ حَتَّى يصْطلُوا بِهَذِهِ النَّار. قيل لَهُ: مَا لوجهك مستطيلاً؟ قَالَ: ولدتُ فِي الصيفِ، وَلَوْلَا أَن الشتَاء أدركهُ لَسَالَ وَجْهي. ورثى يَوْمًا مَغْمُوماً، فَقيل لَهُ: مالَك؟ قَالَ: وقعتْ أُمِّي من السَّطْح على مذاكيرها. وَأخذ بَوْلَه فِي قَارْورة، فَأتى بِهِ الطبيبَ. فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أنْ أنقطع إِلَى بعْض الملُوكِ. فانظْرْ: هَل أصيبُ مِنْهُ خيرا؟ وَكَانَ فِي دَارهم شجرةُ تين، وكانتْ الدَّار لأمه. فَدَعَا أَبوهُ قوما فسكِروا، وَجعلُوا يَبُولُونَ فِي الْبُسْتَان. فَقَالَ لأُمه: يَا أمه: ﴿﴾ هُوَ ذِي يبولُون فِي أصْل تينك. وَمَاتَتْ ابْنة لَهُ فَذهب ليَشْتَرِي لَهَا كفناً، فَلَمَّا بلغ البزازين رَجَعَ مسرعاً فَقَالَ: لَا تحملُوها حَتَّى أجيءَ أَنا. ومرَّ فِي الميدانِ فَرَأى قصرا مشرفاً، فَوقف ينظر إِلَيْهِ، ويتأمْله طَويلا، ثمَّ

стр. 1137

قَالَ أتوهمُ أَنِّي رايتُه فِي مَجلَّةِ بني فُلان. وَدخل الْبُسْتَان فتعلَّق ثوبُه بشجرة، فَالْتَفت، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّك بَهِيمَة لكسرتُ أنْفك. وَخرج يَوْمًا بقُمقم يَسْتَقِي فِيهِ مِن مَاء النَّهر، فَسقط مِنْ يَده وغرِق فَقعد على شطِ النَّهر، فمَّر بِهِ صاحبٌ لَهُ، فَقَالَ: مَا يُقعِدك هَا هُنا؟ قَالَ: قمقمٌ لي قدْ غرق وَأَنا أنْتظُر أنْ ينتَفخَ ويطفُو فوقَ المَاء. وَاشْترى يَوْمًا نفانق فانقض عَلَيْهِ عقابٌ، وانتسفَ بعض النفانِق فَطَار بِهِ فنظَر إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا شقيُّ. وَمن أَيْن لَك خَردَلٌ تأكلُه بِهِ؟ ؟ وأسلمتْه أمُّه فِي البزازين، فقالتْ لَهُ بعْد حَولين: توجهتَ فِي شَيْء؟ قَالَ: نعمْ. تعلمت نصْفَ الْعَمَل. قيل: وَمَا تعلَّمتَ؟ قَالَ: تعلمتُ النشرَ، بَقِي الطيُّ. وَقيل لَهُ - وَكَانَ بَرِيء من جِرَاحَة أَصَابَته: بِمَ تداوَيْت؟ قَالَ: بدَم الْوَالِدين. يُريد دمَ الْأَخَوَيْنِ. وَركب يَوْمًا حمارا، وعقر ذنَبه. فَقَالُوا: لِم فعلت ذَلِك؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يقدِّمُ سَرجْه. وتعلَّق بلص فِي بعض اللَّيْل، فصاح اللصُّ: قُرحتي. فخلاهُ حَتَّى مر، وَقَالَ: خشيتُ أنْ أوجعهُ. وَكَانَ نقشُ خَاتمه: عَشاءُ اللَّيْل رديءُ. وأخذهُ صاحبُ الْمصلحَة فقدَّمه إِلَى الْوَالِي، فَقَالَ: رأيتُ هَذَا يجْلِده عَميرة. فَقَالَ: احْبِسُوهُ. فلقِيَهُ صديقٌ لَهُ، فَقَالَ: مَا حالُكَ؟ قَالَ: قصتي عجيبةُ، لَا يَدَعَونا " ننيكهُم. فَإِذا نكنا أنفسَنا حَبَسونَا.

стр. 1138

الْبَاب الثَّامِن عشر نَوَادِر أشعب كَانَ يَقُول: كَلْبِي كلبُ سوء، يبصبص للأضياف وينبح أصحابَ الْهَدَايَا. وأشعبُ هَذَا هُوَ الموصوفُ بالطمع. وَقيل لَهُ: مَا بلغ مِنْ طمعك؟ قَالَ: لم تقُلْ هَذَا إِلَّا وَفِي نفْسِك خيرٌ تَصنعهُ بِي. ومِن عَجِيب أخباره أَنه لم يمتْ شريفٌ قطّ من أهل الْمَدِينَة إِلَّا استعدى أشعب عَليّ وَصيته، أَو وَارثه، وَقَالَ لَهُ: احْلِف أَنه لمْ يُوصِ لي بشي قبل مَوته. وَقيل لَهُ: لقد لِقيتَ رجلا من أصْحاب النَّبِي ﷺ ، فَلَو حَفظتَ أَحَادِيث تتحدَّثُ بهَا؟ ؟ قَالَ: أَنا أعلُم الناسِ بِالْحَدِيثِ. قيل: فحدِّثنا. قَالَ: حَدثنِي عِكرمةُ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: خلَّتَان لَا تجتمعان فِي مُؤمن إِلَّا دخلَ الجنةَ. ثمَّ سكتَ. قيل لَهُ: هاتِ، مَا الخلَّتان؟ قَالَ: نسِي عِكرمةُ إحداهُما، ونسيُ أَنا الْأُخْرَى. قَالَ بعضُهم: قلت لَهُ: لَو تحدثتَ عِنْد العَشيّة ﴿﴾ فَقَالَ: أخافُ أَن يجِئ إنسانٌ ثقيل: قلتُ: لَيْسَ مَعنا ثالثٌ. فمضَى معي. فَلَمَّا صليتُ دعوتُ بالعشاء، فَلم يلبثْ أنْ جَاءَ صديقٌ يدقُّ البابَ، فَقَالَ أشْعَبُ: تُرى قد صِرنْا إِلَى مَا نكُرهُ؟ قَالَ: قلتُ لَهُ: عِنْدي فِيهِ عشرُ خِصال لَا يُكرهُ مِنْهَا خَصْلةٌ، فَإِن كرهت وَاحِدَة لم آذن لَهُ. قَالَ. هَات. قلت: أولَاهُنَّ أَنه لَا يَأْكُل. فَقَالَ التسع الْبَاقِيَة لَك. أدخلهُ. وَكَانَ أشبعُ لَا يغب طَعَام سَالم بنِ عبد الله بن عُمَر فاشتهى سالمٌ أنْ يأْكل مَعَ بناتِه. فَخرج إِلَى بُستان لَهُ، فجَاء أشعبِ فَخُبر بالقصة فاكترى جملا بدرهم.

стр. 1139

فَلَمَّا حَاذَى حائطَ الْبُسْتَان. وثبَ، فَصَارَ عَلَيْهِ، فَغطّى سالمٌ بناتَه بِثَوْبِهِ. وَقَالَ: بَنَاتِي بَنَاتِي. فَقَالَ أشعبُ: إِنَّك لتعلَم مَا لنا فِي بناتك من حق وإنّك لتعلَم مَا نُريد. قيل: بغتْ أم أشعب، فضُربتْ، وحُلِقتْ، وحملت على بعير يُطاف بهَا، وَهِي تَقول: منْ رَآنِي فَلَا يزْنينَّ. فأشرفتْ عَلَيْهَا ظريفةٌ من أهل الْمَدِينَة: فَقَالَت لَهَا: إِنَّك لمطاعةٌ ﴿﴾ نَهَانَا الله عنهُ، فَمَا ندعُه، ونَدعهُ لِقَوْلِك؟ ؟ كَانَ زِيَاد بنُ عبدِ الله الْحَارِثِيّ على شُرطةِ الْمَدِينَة، وَكَانَ مبخلاً على الطَّعَام فَدَعَا أشعبَ فِي شهر رمضانَ ليفطرَ عِنْده، فقدِّمتْ إِلَيْهِ فِي أول لَيْلَة بَصَليةٌ معْقُودةٌ، كانتْ تُعْجِبه، فَجعل أشعبُ يُمِعنُ فِيهَا - وزيادٌ يلمحه - فَلَمَّا فَرغوا من الْأكل قَالَ زِيَاد: مَا أظُنُّ أَن لأهل السجْن إِمَامًا يُصَلِّي بهم فِي هَذَا الشَّهْر فَلُيصَلِّ بهم أشْعَبُ. فَقَالَ أشْعبُ: لَو غَير ذَلِك - أصْلحَك الله -؟ قَالَ: وَمَا هُو؟ قَالَ: أحْلِفُ أَنِّي لَا أَذُوق بصَلَيّةً أبَدا. فَخَجِلَ زيادٌ، وتغَافل عَنهُ. قَالَ أشَعب: جَاءَتْنِي جاريةٌ بِدِينَار، وقالتْ هَذِهِ ودَيعةٌ عندكَ. فجعلتُه بيْن ثِنْى الْفراش. فجاءتْ بعد أَيَّام فقالتْ: بِأبي الدينارَ فقلتُ: ارفعي الْفراش، وخُذي ولدّهُ. وكنتُ تركتُ إِلَى جَنْبه درهما فَتركت الدينارَ. وَأخذت الدِّرْهَم وعادت بعد أَيَّام فوجدتْ معهُ درهما آخرَ، فَأَخَذته. وعادت فِي الثَالثة كَذَلِك. فَلَمَّا رأيتُها فِي الرابعةِ بكيتُ. فَقَالَت: مَا يُبكيكَ؟ قلتُ ماتَ دينارُك فِي النِّفاس. قَالَت: وَكَيف يكون للدينار نِفَاسٌ؟ ؟ قلتُ: يَا فاسقةُ تُصدقين بِالْولادَةِ، وَلَا تصدقين بالنفاس ﴿﴾ سَأَلَ سَالم بنُ عبدِ الله بن عمر أشعبَ عَن طمعه، فَقَالَ: قلتُ لصبيان مرَّةً: اذهبُوا. هَذَا سَالم قد فتَح بيتَ صدَقَة عمرَ حَتَّى يُطعمكم تمرْاً. فلمَّا احْتبسوا ظننْتُ انه كَمَا قلتُ لَهُم فغدوْتُ فِي أثَرهم. وَقيل لَهُ: مَا بلغ مِنْ طَمَعِكِ؟ قَالَ: أرى دُخَانَ جَاري فأُرد. وَقيل لَهُ أَيْضا: مَا بلغَ من طمعك؟ قَالَ: لم أر اثْنَيْنِ قطُّ. يتسَارانِ إِلَّا ظننتُ أَنَّهُمَا يأمران لي بِشَيْء.

стр. 1140

وَقيل أَيْضا: مَا بلغ من طمَعكَ؟ قَالَ: مَا رأيتُ عروساً بِالْمَدِينَةِ تُزفُّ إِلَّا كنستُ بَيْتِي، ورششتُه طمَعاً فِي أَن تُزفَّ إليَّ. ووقف علىَ رجل خَيْزُراني - وَكَانَ يعْمل طبقًا - فَقَالَ لَهُ: وسعْه قَلِيلا. قَالَ الخَيْزْراني: وَمَا تُريد بذلك؟ كأنَّك تُريد أنْ تشتريَه؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن يَشْتَرِيهِ بعضُ الْأَشْرَاف، فَيْهدي إِلَيّ فِيهِ شَيْئا. وَقَالَ لَهُ ابنُ أبي عَتيق: أمَا تَسْتَحي - وعندكَ مَا أرى - مِنْ أنْ تسْأَل الناسَ؟ قَالَ: معي من لُطفِ المسألةِ مَالا تطيبُ نَفسِي بترْكه. وَكَانَ أشعبُ يحدِّث عَنْ عبد الله بن عُمر، فيقولُ: حدَّثني عبد الله، وَكَانَ يُبغضُني فِي الله. وَجلسَ يَوْمًا فِي الشتَاء إِلَى رجل من وَلدِ عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، فمرَّ بِهِ حسنُ بن حسن، فَقَالَ: مَا يُقعِدُك إِلَى جَنْب هَذَا؟ قَالَ: أصْطلي بناره. وَلما مَاتَ ابنُ عائشةَ الْمُغنِي جعل أشْعبُ يبكي، وَيَقُول: قلتُ لكم زوجوا ابْن عَائِشَة من الشماسيةِ حَتَّى يخرجَ بَينهمَا مَزَامِير داودَ، فَلم تَفعلُوا وَكَانَ لَا يُغني حذرٌ مِنْ قَدَر: وَلما أخرجت جنازةُ الصريميةِ المغنّيةِ كَانَ أشعبُ جَالِسا فِي نفر من قُريش، فَبكى عَلَيْهَا، وَقَالَ: اليومَ ذهبَ الغِناءُ كلهُّ. وترحَّمَ عَلَيْهَا، ثُم مَسحَ عيْنَيهِ، والتفتَ إلهيمْ، وَقَالَ: وعَلى ذلكَ فقد كانتْ الزانِيةُ شرَّ خلْق الله فضحكوا، وَقَالُوا: يَا أشعبُ، لَيْسَ بَين بُكائِكَ عليْها، وَبَين لغْنِك إِيَّاهَا فرقٌ. قَالَ: نعم كُنَّا نحبوها الفاجرَة بكَبْش إِذا أردْنَا أَن نزورَها فتطبخ لنا فِي دارها ثمَّ لَا تُعشينا - يشْهد الله - إِلَّا بسلق. وَجَاز بِهِ يَوْمًا سبطٌ لِابْنِ سُريج وَهُوَ جَالس فِي فتية من قُرَيْش، فَوَثَبَ إِلَيْهِ، وَحمله على كتفه، وجعلَ يُرقْصُه ويقولُ: فُديتَ من ولَد عَليّ عُودٍ، واستهل بغناء، وحُنِّك. بحلْوى، وَقطعت سرتُه بزير وخُتِنَ بمِضْراب.

стр. 1141

وتَبع مرّة امْرَأَة فَقَالَت لَهُ: وَمَا تصنَعُ بِي ولي زوجٌ؟ قَالَ: فتسري بَين فديتك. وقيلَ لَهُ: هَل رأيتَ أطْمعَ مِنْك؟ قَالَ: نعمْ: كَلْب أمِّ حومل، تَبِعنِي فَرسخيْن، وَأَنا أمضُع كُنْدراً. وَلَقَد حسدْتُه على ذَلِك. وخفَّفَ الصَّلَاة مرّة، فَقَالَ لَهُ بعضُ أهل الْمَسْجِد: خفَفتَ الصلاةَ جدا ﴿﴾ قَالَ: لِأَنَّهُ لم يُخالطْها رياءٌ. وَقَالَ لَهُ رجل: ضَاعَ معْروفي عندَك. قَالَ: لِأَنَّهُ جاءَ من غير محْتسب ثمَّ وقَعَ عِنْد غير شَاكر. قيل لَهُ: هَل رأيتَ أحدا أطمعَ مِنْك؟ قَالَ: نعمْ. خَرجْتُ إِلَى الشَّام مَعَ رَفِيق لي، فنزلنا بعض الديارات، فتلاحَيْنَا. فقلتُ: أير هَذَا الراهب فِي حر أم الْكَاذِب. فَلم نشعر إِلَّا بِالرَّاهِبِ قطّ اطلع عليْنَا، وَقد أنعظ وَهُوَ يَقُول: أيُّكم الكَاذِبُ؟ وَدخل يَوْمًا إِلَى بعض الرؤساء - وَهُوَ يَحْتَجم فَقَالَ لَهُ أشعبك حَجمَك بنُوك. كَانَ أشعب عِنْد الْحسن بن الْحسن بن عَليّ ﵈، فَدخل عَلَيْهِم أَعْرَابِي مشعث اللِّمة، قَبِيح الْخلقَة متنكِّباً قوساً. فَقَالَ أشعبُ لِلْحسنِ: تأذنُ أنْ أسْلحَ عَلَيْهِ فَسَمعهُ الْأَعرَابِي، فَوضع سَهْما فِي كَبِير قوسه، وفوقه نَحْو أشعب وَقَالَ: لَئِن فَعلت ليكونَنَّ آخِر سلْح تسْلحه أبدا فَقَالَ أشعب لِلْحسنِ: يَا سَيِّدي. أَخَذَنِي وَالله القولنج. قَالَ رجل لأشْعبَ - وَكَانَ صديقَ أَبِيه -: يَا بني. كَانَ أَبوك عظيمَ اللِّحْيَة، فمنْ أشبهتَ أَنْت؟ قَالَ: أشبهتُ أُمِّي.

стр. 1142

الْبَاب التَّاسِع عشر نَوَادِر السُّؤَّال قَالَ بَعضهم: رأيتُ سَائِلًا بِبَغْدَاد فِي الزياتين - وهم أنصَب منْ فِي الأَرْض - يسْأَل، وَيَقُول: تَصَدقوا على حُبَّا وكرامةً لأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب. وَلَيْسَ يلتفتُ إِلَيْهِ أحد، وَلَا يُعطيهِ شَيْئا. فدفعتُ إِلَيْهِ درهما، وقلتُ فِي نَفْسي: إِن هَذَا الْمِسْكِين لَا يعرفُ هَؤُلَاءِ وبُعْضهم لعَلي ﵇ فَأخذ الدرهمَ مني، وَقَالَ: يَا صَاحب الصدقَةِ، إنْ كنتَ تصدقتَ بهَا على وَفِي قَلْبك بُغْضٌ لأبي بكر، وعمرَ، وعثمانَ، وفلانٍ، وفلانٍ ومعاويةَ خَالِ الْمُؤمنِينَ رديفِ المصْطفى، وَكَاتب الْوَحْي فَقطع اللهُ يديكَ ورجلَيْك وأعْمى عَيْنيكَ. قَالَ: فأخذتُه الدراهمُ مِنْ كل جانبٍ، وبقيتُ أَنا متحيراً. ثُمَّ مضى فلحظتُه. فَعلِم مَا فِي قلبِي. فَقَالَ: يَا فَتى. على رسْلكَ ﴿﴾ عِنْدك أَن هَؤُلَاءِ القَرانِنةَ لَا يصَّدَّقون على إِلَّا بمثْل هذِه الحيلةِ. جَاءَ سائلٌ إِلَى قوم فَسَأَلَهُمْ، فَردَّوا عَلَيْهِ، وألحَّ عَلَيْهِم فردَّوا. فألحَّ، فخرجَ إِلَيْهِ بعضُهم فَقَالَ: عَافَاك اللهُ. أمَا سمعتَ الرَّدَّ؟ قَالَ: وَلَكِنَّكُمْ غَممتْمُوني فأردتُ أنْ أغمّكم يَا قَرانِنةُ. وقف سائلٌ على قوم، فَقَالَ بعضُهم: يضاعتُنا واحدةٌ. فَقَالَ السائلُ: أَنا أَقُود عَليّ أُمِّي. أعطي سائلٌ كسرةً صَغِيرَة. فَقَالَ: رحم الله من تممها لُقمةٌ. قَالَ بَعضهم: رأيتُ بِبَغْدَاد مكفوفاً: من أَعْطَانِي حَبّةً سقاهُ اللهُ من

стр. 1143

الْحَوْض على يَد مُعَاوِيَة. فتبعتُه حَتَّى خَلوتُ بِهِ، ولطمْتُه، وقلتُ: يَا كَذَا عَزلتَ أميرَ الْمُؤمنِينَ عَن الحْوض. فَقَالَ: أردْتَ أنْ أسْقَيهُمْ بِحَبَّة على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇؟ ؟ لَا، وَلَا كرامةَ. سَأَلَ أَبُو فِرْعَوْن رجلا، فمنعهُ. فألحَّ عليْه فَأعْطَاهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أخْرنَا وإيَّاهُمْ. نسْألهم إلحافاً، ويعطوننا كُرهاً، فَلَا يُبَاركُ اللهُ لنا فِيهَا، وَلَا يأْجرهُم عَلَيْهَا. وقف سَائل على بَاب، فَقَالَ: يأهَل الدَّار. فبادر صاحبُ الدَّار قبلَ أَن يُتم السائلُ كَلَامه، وَقَالَ: صنَع اللهُ لَك. فَقَالَ السَّائِل: يَا بنَ البَظْراء. كنتَ تصبر حَتَّى تسمع كَلَامي عَسى جئتُ أَدْعُوك إِلَى دَعوة. وقف أَعْرَابِي سَائل على بابٍ، وَسَأَلَ. فَأَجَابَهُ رجلٌ: لَيْسَ هَا هُنا أحدٌ قَالَ: إنَّك لاحدٌ لوْ جعل اللهُ فِيك بَرَكةً. قَالَ الجّمازُ: سمعتُ سَائِلًا يَقُول: مَنْ يعطيني حُبَّا لأمينين: جِبْرِيل وَمُعَاوِيَة؟ وقف سائلٌ على بابٍ وَكَانَت صاحبهُ الدَّار تبولُ على البالوعة. فحسبَ السائلُ أَن صوتَ بولها نشيشُ المقلي. فَقَالَ: أطعمُونَا مِنْ هَذَا الَّذِي تقْلُونه. فضرطتْ المرأةُ، وقالتْ: حطُبنَا - وحياتِك - رطبٌ لَيْسَ يشتعل. وَكَانَ آخر يَقُول منْ يعطينى قِطْعَة حُبًّا لهندِ حماة النَّبِي. ووقف سَائل بِبَاب المافروخي عَامل الأهواز، وَسَأَلَ فأعَطَوه لقْمَة من خُبز فسكتَ سَاعَة، وَلم يبرح. ثمَّ صَاح، وقالَ: هَذَا الدّواءُ لأي شيءٍ ينفْعُني؟ وَكَيف آخذُه؟ وقف سَائل على بَاب قوم فَقَالَ: تصدقُوا عَليّ فَإِنِّي جَائِع. قَالُوا: لم نَخبزْ بعدُ. قَالَ: فكفّ سَويق؟ قَالُوا: مَا اشترينا بعدُ. قَالَ: فشربة مَاء فَإِنِّي عطشانْ. قَالُوا: مَا أَتَانَا السقاء بعدُ. قَالَ: فيسيرُ دُهن أضعُه على رَأْسِي. قَالُوا: ومِنْ أَيْن لنا الدهنُ؟ فَقَالَ: يَا أولادَ الزني، فَمَا قعودُكم هَا هُنا؟ ؟ قومُوا وسلُوا معي. وقف سَائل على بَاب دَار فَقَالَ: تصدَّقوا عَليّ. فَقَالَت جاريةٌ من الدَّار: مَا

стр. 1144

عندنَا شيءٌ نعطيكَ، وسِتى فِي المأتم. فَقَالَ السائلُ: أَي مأتم أعظمُ من مأتمكُم إِذا لم يكن عنْدكُمْ شيءٌ؟ ؟ وقف آخر بِبَاب دارٍ، فَسَأَلَ، فَقَالَ صاحبُ الدَّار: أغْناكَ اللهُ، فَلَيْسَ صبيانُنا هَا هُنَا. قَالَ: إنَّما طلبْتُ كسرةً: لمْ اطلُب الجماعَ. وقفَ آخر بِبَاب فَقَالَ: أوسِعُوا عَليّ مِمَّا رَزَقكم الله فَإِنِّي فِي ضيق. فقالَ. صاحبُ الدَّار: إِن كُنتَ فِي الدّهْليز فِي ضِيق فادخُل الدَّار فَإِنَّهُ أوسعُ لَك فَقَالَ السَّائِل: إِنَّمَا قُلتُ: تأْمُر لي بشيءٍ. فقالَ: قد أمرتُك أنْ تشتري لِابْني قَلنسوة. فَقَالَ السَّائِل: أيش تريدُ مني يَا هَذَا؟ قَالَ: أريدُ مِنْك عشرةَ دَرَاهِم أوديها عَن كِرا الدَّار. فولى السائلُ هَارِبا. وقف أَعْرَابِي على قوم يسألهم، فَقَالَ أحدُهُم لَهُ: بُورك فيكَ. وقالَ آخرُ مَا أَكثر السُّؤَّال؟ فَقَالَ الْأَعرَابِي: تُرانا أكثَر مِنْ بورك فِيك؟ وَالله لقد علمكُم اللهُ كلمة مَا تُبالُون وَلَو كُنا مثل ربيعَة ومُضر. وقف آخُر على بابٍ، فأجابتْه امرأةٌ من الدَّار: مَا خبَزْنا الْيَوْم. قَالَ: فَأعْطِنِي كف دَقِيق. قالتْ: مَا اشترينا بعدُ دَقِيقًا. قَالَ: فاستقْرضي منْ الْجِيرَان رغيفاً. قَالَت لَا يقرضونا. قَالَ قد أحْسَنُوا يَا زانيةُ تستقرضين، وَلَا تردين. لَا يُقْرضُونكِ ﴿﴾ وقف سَائل على إِنْسَان - وَهُوَ مقبلٌ على صديق لَهُ يحدثهُ، ويتغافلُ عَن السَّائِل - ثمَّ قَالَ لهُ بعد سَاعَة طَوِيلَة: صنع الله لَك. فَقَالَ لَهُ السَّائِل: أَيْن كَانَ هَذَا يَا سَيِّدي إِلَى هَذَا الْوَقْت؟ كَانَ فِي الصُّنْدوق؟ وَكَانَ رجل بِبَغْدَاد من الشحاذين فَكَانَ دأبُه أَن يترصَّد إقبال الرّبيع، فيطلبُ وردةً أول مَا تطلُع، وقبْل أَن يَرَاهَا الناسُ فيأْخُذها، ويحملها إِلَى الحذائين ويبشِّرهم بمجيء الصَّيف، وحاجةِ النَّاس إِلَى النّعال، فيجبّون لَهُ شَيْئا، ويعطونه. وَإِذا أقبل الخريفُ عَمدَ إِلَى جَزرة قبل أنْ يرى الناسُ الجزر، ويُهديها إِلَى الخفافين، ويبشرهم بمجيء الشتَاء. فَمَا زَالَ هَذَا دأبه يتعيش مِنْهُ طول عُمره.

стр. 1145

وَكَانَ رجلٌ منْهم مَعَه صحيفَة، ودواةٌ، فَكَانَ يتَقَدَّم إِلَى الرجل منْ أهْل السُّوق وَغَيرهم، فيسألهُ أنْ يُعطيه شَيْئا، ثمَّ يَقُول لَهُ: أَنا أرْضى بدرهم وَاحِد تُعْطينيه فِي مثل هَذَا الْيَوْم من السّنة الْقَابِلَة. فيستحي الرجلُ فيقولُ: أثبتْ لي خطك بِهَذَا الدِّرْهَم الواحدِ، فيأْخُذ خطَّه، وَيعود فِي الْقَابِل، وَفِي الْيَوْم الَّذِي يكون قدْ أرخه فَيَأْخُذ مِنْهُ ذَلِك. فَكَانَ يجتمعُ لَهُ فِي كل سنة جملةٌ جَاملةٌ. سمع رجل سَائِلًا فِي مسْجد الْكُوفَة يَقُول: أَسأَلكُم بحقِّ أبي بكر وعُمَر، فَمَا أعطَاهُ أحدٌ شَيْئا. فَقَالَ: ليسَ لهَؤُلَاء الْقَوْم هَاهُنَا جاهٌ. رأى أَبُو القمقام الْهلَال على وَجه قصرية فَقَالَ لَهَا: اضحكي فِي وَجْهي وخُذي هَذَا الدِّينَار مني. فاستظرفته، وَأخذت منهُ الدِّينار عَبَثا. فَقَالَ: قد تفاءلتُ بَوجْهك، فَمَا لي عنْدك؟ قَالَت: أردُّ دِيناراً. قَالَ: هَذَا كُما كُنَّا فأينْ حلاوةُ الفأل؟ وصدقت، فَأَعْطَتْهُ دِينَارا. فَقَالَ: التجارةُ بركةٌ والخديعةُ يُمْنٌ. وَكَانَ على عَصا ساسان الْمكْرِي مَكْتُوبًا بِالذَّهَب: الْحَرَكَة بركةٌ، الطراوة سُفتجَة، الكسل شؤْمٌ، التمييزُ جُرمٌ. حكى بعضُهم قَالَ: سَمِعتُ أبن سكّرة يَقُول: كَانَ شرطي مَعَ خمْرة - وَهِي الَّتِي يشببُ بهَا فِي شِعْره، وفيهَا يقولُ. لِخَمرةَ عِنْدِي حديثٌ يطولُ ... رأتني أبولُ فَكَادَتْ تبولُ أَن أعطيها على كل فَرد أَرْبَعَة دوانيق. فَقَالَ: فجاءتني يَوْمًا فأعطيتُها دِرْهَمَيْنِ ونكتها مرَّتَيْنِ. وَلم ينتشر عَليّ فِي الثَّالِث، فأردتُ ارتجاع قسط الْوَاحِد مِنْهَا وامتْنعَتْ من ذَلِك. فبيْنا نحنُ فِي ذَلِك إذْ وقف سائلٌ على الْبَاب، ودعا وَسَأَلَ. فقُلْتُ لَهُ: ادخُل: فَدخل. فقلْتُ: ليْس يحضُرني. ولكنْ نِكْ هَذِه، فقد استْوفتْ جذْرها. قَالَ: فَأخذ بِيَدِهَا، وَدخل الْبَيْت، وناكها. وخرجَ - وأيره فِي يَده - وَهُوَ يقطُر، ويشيرُ إِلَيْهِ، وَيَقُول لي: ثقل اللهُ بِهَذَا مِيزانك يَوْم القيامةِ.

стр. 1146

الْبَاب الْعشْرُونَ نَوَادِر المعلمين قَالَ بعضُهم: مَرَرْت بِبَعْض سككِ الْبَصْرَة وَإِذا معلمٌ قد ضرب صَبيا، وَأقَام الصّبيان صفا، وَهُوَ يقولُ هَلُمَّ: اقْرَءُوا. ثمَّ جَاءَ إِلَى صبي بجنْب الصَّبِي الَّذِي ضربه، فَقَالَ: قُل لهَذَا يقرأُ، فَإِنِّي لست ُأكَلِّمهُ. قَالَ أبُو عُثْمَان: كَانَ ابنُ شُبرمة لَا يقبلُ شَهَادَة المعلِّم، وَرُبمَا قبل شَهَادَة المؤدِّب. وَكَانَ يحيى بنُ أَكْثَم أَسْوَأ النَّاس رَأيا فيهم. وَكَانَ السنديُّ بنُ شاهك لَا يستحلِفُ المكاري، وَلَا الحائكَ، وَلَا الملاحَ، ويجعلُ القولَ قولَ المدَّعي ويقولُ: اللَّهم إِنِّي أستَخيرُك فِي الحمَّال ومعلِّم الْكتاب. وصفَ بعضُهم معلِّماً فَقَالَ: هُوَ أفْرهُ الناسِ وصيفاً، وأكثرهُم رغيفاً. قَالَ بَعضهم: مررْتُ بمعلم وَإِذا صِبيانُه يلعبُون ويقتَتِلُون، فقلتُ للمعلم: مَا بالُ صبيانكَ ليْسُوا يَفْرَقُون مِنْك ﴿﴾ قَالَ: وَأَنا أيْضاً لستُ أفُرقُ منْهم. قَالَ: وَقَالَ غُلام لِأَبِيهِ: لَا أُرِيد هَذَا الْمعلم. فَقَالَ لَهُ أبُوه: مَا لَهُ؟ ؟ قَالَ: يصْنُع بِي أمْراً عَظِيما. قَالَ: يسْتخدِمُك؟ قَالَ: أَشد مِنْ ذَلِك. قَالَ: فيضربُك؟ قَالَ أَشد من ذَاك. قَالَ: فيعُفجُك؟ قَالَ أَشد مِن ذَاك. قَالَ: فأيُّ شيءٍ وَيلك يفعلُ بك؟ قَالَ: يأكُل غدايَ. قَالَ: كَانَ معلمٌ يُقيمُ الصبيانَ صَفَّين، ويتكئ صبيين بيدَيْهِ، ويقولُ: أربعةُ وأربعةٌ: ستةٌ. فَقلت لَهُ: إِذا كانَ أربعةٌ وأربعةٌ سِتَّة، فكمْ يكونُ ثلاثةٌ وثلاثةٌ؟ قَالَ: صدقتَ. لم آخذْ جذْره.

стр. 1147

وَكَانَ لأبي دواد المعلِّم ابنُ، فَمرضِ، فَلَمَّا نَزعَ قَالَ: اغْسِلوه. قَالُوا. لم يمتْ بعد. قَالَ: إِلَى أَن يُفرغَ من غَسْله مَا قد ماتَ. وَقَالَ شريكُه: تعلِّم الصبيانَ - وَعَلَيْك قميصٌ جديدٌ فيسودونه عَلَيْك؟ قَالَ: قد اشتريتُ قطْناً، وَقلت لأهِلنا: يغْزلُون قَمِيصًا خَلَقاً. قَالَ: مررتُ يَوْمًا بمعلِّم - والصبيانُ يحذِفُون عينَه بالقَصب - وَهُوَ ساكتٌ - فَقلت: ويحْكَ ﴿﴾ أرى مِنْك عَجَبا. فَقَالَ: وَمَا هُو؟ قلتُ: أراكَ جالِساً والصبيانُ يَحْذفُون عَيْنِك بالقَصب ﴿﴾ فَقَالَ: اسكتْ، ودَعْهُم. فَمَا فَرحي وَالله إِلَّا أنْ يُصيبَ عَيْني شيءٌ، فأريكَ كيفَ أنتِفُ لِحَي آبَائِهِم. كَانَ بحمص مُعلم يُكنى أَبَا جَعْفَر يتعاطى عِلْمَ الْحساب، فصارتُ إِلَيْهِ يَوْمًا امرأةٌ، فقالتْ: يَا أَبَا جَعْفَر:؛ قفيزُ دَقِيق بثمانيةِ دَرَاهِم كم يُصيبُني بأَرْبعَة دراهمَ؟ فَقَالَ لَهَا، بعد أَن فكَّرَ: فِي هَذِه المسألةِ ثلاثةُ أَقْوَال: أَحدهمَا أنْ تُعطى الرجُل أربعةٌ أُخْرَى، وتأْخُذي قفِيزاً، وَالْآخر: لَك قفيزٌ إِلَّا بأربعةِ دَرَاهِم. وَالثَّالِث: تدفعين دِرْهمَ درهمَ، وتأْخذين مَكُّوكَ مكُّوكَ حَتَّى تستوفين. وَصَارَ إِلَيْهِ ثلاثةُ روز جارتين قد أخذُوا أجْرتَهم دِرهمين فَقَالُوا: يَا أَبَا جَعْفَر، كَيفَ نَقْتٍسم الدِّرهمين ونحنُ ثلاثةٌ؟ قَالَ: أسْقِطوا مِنْكُم وَاحِدًا، وخُذوا دِرهماً درهما. قَالُوا: سبحانَ الله ﴿﴾ كيفَ نُسْقِط أحدَنَا وَقد عمِلَ؟ قَالَ: فزيدوا وَاحِدًا. وخذوا نِصْفَ نصف. قَالُوا: كَيفَ نزيد فينَا من لم يعْمل ويأْخذ كرانا؟ قَالَ: فَخُذُوا نِصْفاً نصْفاً واشتروا بِالْبَاقِي تَمرا، وكُلوه. وَسَأَلته امرأةٌ، فَقَالَت: أربعةُ أَرْطَال تمر بدرهم، كم يُصيبُني بدانق وَنصف؟ ففكر سَاعَة طولة، وأدخلَ يَدَيْهِ تَحت ذَيْلِه، وجعلَ يحُسِبُ بهما ثمَّ أخْرج يديْه وَقد جَمعُهما، وَقَالَ: كُتلةٌ مثلُ هَذِه كبيرةٌ. وَقَالَ بَعضهم مررتُ بمعلم وَهُوَ جالسٌ وَحده، وَلَيْسَ عِنْده من الصّبيان أحدٌ، فقلتُ لَهُ: يَا معلِّمُ، مَا فعل صبيانُك؟ فَقَالَ: خلْف الدُّور يتصافَعون. فقلتُ: أُرِيد أَن أنظرَ إِلَيْهِم. فَقَالَ: إِن كَانَ وَلَا بُدَّ فغط رأسكَ، لَا يحسبُونك أَنا فيصفعُوك. قَالَ: ورأيتُ مُعلِّماً وَقد جَاءَ غلامان قد تعلَّق أَحدهمَا بِالْآخرِ، وَقَالَ: يَا

стр. 1148

معلِّمُ، هَذَا عضَّ أذُني. فَقَالَ الآخر: واللهِ مَا عضَضْتُها، وإنَّما هُوَ عضّ أذن نفْسِه. فَقَالَ لَهُ الْمعلم: يَا بنَ الخبيثةِ. صَار جَمَلاً حَتَّى يعضَّ أذنَ نفسِه؟ قَالَ: رأيتُ معلما بِالْكُوفَةِ - وَهُوَ شيخٌ مخضوبُ الرَّأْس واللحْية - وَهُوَ يجلس يبكي فوقفتُ عَلَيْهِ، وقلتُ: يَا عمّ: مِمَّ تبْكي؟ فَقَالَ: سرق الصبيانُ خُبْزي. قَالَ: وسمعتُ معلِّماً وَهُوَ يقرئُ صبيّاً وَمَا أمْرُنَا إِلَّا واحدةُ كَلمح بالبصر والصبيُّ يَقُول: كلحم بالبَصِل فَقَالَ لَهُ: يَا فاعلُ، أحسبك تشْتَهي بصَليَّة قَالَ: وَقَرَأَ صبي على معلِّم " الَّذين يَقُولُونَ لَا تُنْفقُوا على مَنْ عِنْد رَسُول الله " فَقَالَ الْمعلم: من عِند أَبِيك القرنَان أوْلى، فَإِنَّهُ كثير المَال يَا بنَ الفاعلة، هُوَ ذَا؟ ؟ تُلْزمُ النَّبِي نَفَقَة لَا تجبُ عَلَيْهِ. أعجبكَ كَثْرَة مَاله؟ ؟ قَالَ: وَرَأَيْت معلما وَقد جَاءَ صبي، فصفعة محكمَة. فَقَالَ لَهُ الْمعلم: أيّهما أصْلبُ: هَذِه أم الَّتِي صَفعْتُك أمْس؟ قَالَ: وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ معلِّم يُفْرط فِي ضرْب الصّبيان، ويشتمهُم. فلاموه على ذَلِك، فَسَأَلَنِي أَن أقْعدَ عِنْده، وأشاهدَ حَاله مَعَهم، فقعدْتُ عِنْده، فَإِذا بصبي يَقُول: يَا معلمُ: " وَإِن عَلَيْك اللعنةَ إِلَى يَوْم الدّين " فَقَالَ: عليكَ وعَلى أبويْكَ. وَجَاء آخر، فَقَالَ: يَا معلِّم: " فاخرجْ مِنْهَا فَإنَّك رَجيم " قَالَ: ذاكَ أبُوك الكَشْخَان. وَجَاء آخر، فَقَالَ: يَا معلِّم: إِنِّي أُرِيد أَن أنْكِحَك " قَالَ: انكح أمَّك الفاعلة. وَقَالَ آخر: يَا معلم: " مَا لنا فِي بَنَاتِك من حقِّ " قَالَ: لَا، وَلَا كرامَة، فَلَا يزالُ مَعَهم فِي مثل هَذَا وَهُوَ يَضْربُهم، ويُزَنِّيهم. قَالَ: ومررت بمعلِّم وَقد جَاءَ صبي صَغِير، فصفعه. فَقلت لَهُ: لمَ تَدَعُ هَذَا

стр. 1149

الصَّبِي يجترئُ عَلَيْك؟ فَقَالَ: دعْهُ فَإِنِّي أشكُوه غَدا إِلَى أَبِيه. قَرَأَ غلامٌ عَليّ معلم: " إِنَّا وجدْنا آبَاءَنَا على " أمْك " وَإِنَّا على آثَارهم " فَرد عَلَيْهِ الْمعلم " على أمَّةٍ " فَقَالَ: على أمِّك. فَلَمَّا تكَّررَ قَالَ المعلِّم: قُلْ: على أمِّي. فَقَالَ على أمِّي. فَقَالَ الْمعلم: على أَي حَال إِذا وجَدْتَ أباكَ على أمِّك خيرا من أَن تَجدَه على أميِّ أنَا واستفتحَ غلامٌ، فَقَالَ: يَا معلِّم " إِن أبي يدعوكَ " فَقَالَ: هَاتُمْ نعْلِي. فَقَالَ الغلامُ: إِنَّمَا استَفْتحتُ. فَقَالَ: قد أنكرتَ أَن يُفْلح أبُوك. قَالَ معلم لغلام: قُلْ: " قد أفْلحَ مَنْ زَكَاهَّا. وَقد خَابَ من دسَّاها ". فَقَالَ: وَقد داس مَنْ خبَّاها. فَلم يزل يكرِّرُ ذَلِك عَلَيْهِ إِلَى أَن أعْيَتْه العِلَّةُ. فَقَالَ الْمعلم: وَقد داسَ مَنْ خبَّاها. فَقَالَ الغلامُ " وَقد خَابَ من دسَّاها ". فَقَالَ الْمعلم لِأَبِيهِ: قد قلتُ لكَ إِنَّه لَا يُفْلِح. قَالُوا: إِذا قَالَ المعلّم للصبيان: تَهجَّوْا ذَهبّ عقْلُهُ أربعينَ صَباحاً. وَكَانَ بعضُ المعلمين يعلِّم صَبيا، وأمُّهُ حاضرةٌ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأ وَإِلَّا قمتُ ونكتُ أمَّك. فَقَالَت الأمُّ: إنَّه صبي، ويتيم، واليتيمُ فِيهِ لجَاجٌ، وَلَا يؤمِنُ بالشَّيْء حَتَّى يرَاهُ. أَرَادَ معلم أَن يتزوجَ امْرَأَة كَانَ ابنُها عِنْده، فامتنعتْ عَلَيْهِ، فَأمر بحْمل ابْنهَا وضرْبه، وَقَالَ: لم قلتَ لأمك إِن أير الْمعلم كَبِير؟ فَلَمَّا رَجَعَ الصَّبِي إِلَى أمه قَالَ: ضَرَبَنِي المعلمُ وَقَالَ لي: كَذَا، وَكَذَا. فوجَّهتْ إِلَى المعلِم: احضِرْ شهودَك تتزوجُّ. وتزوجته. قَالَ آخر: مَرَرْت بأحدِهم وَصبي يقْرَأ عَلَيْهِ: " فَذَلِك الَّذِي يدُعُّ اليَتِيمَ " والمعلمُ يرد عَلَيْهِ: يدْعُو اليتيمَ، ويضربُه. قَالَ: فجئتُ إِلَيْهِ، وقلتُ: هَذَا من الأمْر بالمعروفِ. ففسَر. فقلتُ: يَا شيخُ، الصَّبِي على الصَّواب، وَأَنت على الْخَطَأ. وإنهما معنى يدعُّ: يدْفعُ. قَالَ: فزبرني، وأغْلظَ لي وقالَ: إِنَّمَا معْناهُ يدعُو اليتيمَ ليفْسِقَ بِهِ. قَالَ: فوليتُ وقلتُ: أَنْت لَا تَرْضى أَن تُخطئ حَتَّى تفسرَ.

стр. 1150

وَقَالَ: مررتُ بمعلم وَهُوَ يضْرب صَبيْانَه كلَّهم، فسألتُه عَن الذَّنْب فَقَالَ: يُرْجفُون بِي. قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: يزعُمون أَنِّي أحجُّ العامَ، وأمُّ مَنْ نوى هَذَا قَحبةٌ. قَالَ: كَانَ يعلم معلمٌ صبيّاً: " وَإِذا قَالَ لُقْمَان لابْنهِ " " لَا تقصُصْ رُؤْيَاك على إخُوتك فَيَكيدُوا لَك كَيْداً " قيل: مَا هَذَا؟ قَالَ: أَبوهُ يدخلُ مشاهرة شهر فِي شهر، وَأَنا أدخلهُ مِن سُورَة فِي سُورَة. وَقَرَأَ صبي على معلِّم: أريدُ أَن أنكحكَ. فَقَالَ: هَذَا إِذا قرأتَ على أمِّك الزانيةِ. وَقَرَأَ آخر ﴿﴾ وأمَّا الآخرُ فتصلَبُ. فَقَالَ: هَذَا إِذا قَرَأت عَليّ أَبِيك القَرنَان. قَالَت امرأةٌ لمعلم: إِذا كَانَ مكُّوكُ دَقِيق بدرهم. كم يكون بِربع دِرْهَم؟ فتحير، ثمَّ قَالَ: مِمَّن اشتريتِ؟ قَالَت: مِنْ فلَان الدَّقاق. قَال: اقْنعي بِمَا يعطيك فَإِنَّهُ ثِقةٌ. قَالَ جرابُ الدولة: كَانَ عندنَا بسجستانَ معلمٌ سخيف اجتزتُ يَوْمًا بِهِ يقولُ لصبي بَين يَدَيْهِ: اقْرَأ يَا بنَ الزَّانية. فَأخذت أوبِّخه، فَقَالَ: اسكتْ. فقد نكتُ أمَّه كثيرا. قَالَ: أَبُو دواد لشَرِيكه: يَا أَبَا الْحُسَيْن، دارُ جَعْفَر بن يحيى، خيرٌ أَو دارُ وردِ؟ فأطرقَ، ثمَّ قَالَ: خَيُرهما عِنْد الله أتْقاهُما. قَالَ بعضُهم: مررتُ بمعلِّم وَهُوَ يتلَوى، فقلتُ: مَا شأْنُكَ يَا شيخُ؟ قَالَ: مَا نمتُ البارحةَ من ضَرْبَان العُرُوق. فنظرْت إِلَيْهِ، وقلتُ: أنتَ وَالله صحيحٌ سليمٌ مثلُ الظلِيم. فغضِب واستشَاط، وَقَالَ: أحدُكم يضربُ عَلَيْهِ عِرقٌ وَاحِد فَلَا ينامُ اللَّيْلَة كُله من الصياح، وَأَنا يَضْربُ على حُزمة عروق، وتريدونَ مني أَلا أصِيحَ؟ فقلتُ: وأيُّ حزمة تضربُ عَلَيْك؟ فكشفَ عَن أير مثل أير الْبَغْل وَقَالَ: هَذَا. وَقَالَ بعضُهم: سألتُ معلما: أَنْت أسَنُّ أمْ أَخُوك؟ فَقَالَ: إِذا جَاءَ رمضانُ استوينا.

стр. 1151

حُكي أَنه كَانَ فِي بعض دُروب بغدادَ معلمٌ، فاجتازَ بِهِ أَبُو عمر القَاضِي يَوْمًا بزينة تامَّة، وهيئة حَسَنَة، فَقَالَ الْمعلم: تَرونَ هَذَا؟ إِن خشخشةَ ثِيَابه، وقَعْقَعةَ مرْكبهِ هُوَ تظْلُّم الأرامل والأيْتَام. فَبلغ ذَلِك أَبَا عُمر، فدعاهُ، وأدْنَاهُ، وأحْسنَ إِلَيْهِ، فَكَانَ إِذا رَآهُ بعد ذَلِك يَقُول: مَا خَشْخشةُ ثِيَابه، وقعقعةُ مرْكبه إِلَّا تسبيحُ الملائكةِ وتهلُيلهم.

стр. 1152

الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ نَوَادِر الصِّبيان قَالَ رجل لِابْنِهِ: مَا أَرَاك تُفْلح أبدا. فَقَالَ الأبن: إِلَّا أنْ يَرْزُقنِي الله مؤدبا غيرَك. قَالَ بَعضهم: أحضِرْتُ لتعليم المعتزّ - وَهُوَ صَغِير - فَقلت لَهُ: بِأَيّ شَيْء تبدأ الْيَوْم؟ فَقَالَ: بالانصراف. قَالَ بَعضهم: رأيتُ أَعْرَابِيًا يعاتبُ ابْنا لَهُ صَغِيرا، وَيذكر حَقه عَلَيْهِ. فَقَالَ الصَّبِي: يَا أبهْ إنَّ عِظمَ حقِّك عَليّ لَا يُبطلُ صغيرَ حَقي عَلَيْك، وَالَّذِي تمتُّ بِهِ إِلَى أمتُّ بِمثلِهِ إِلَيْك، وَلست أقولُ: إِنَّا سواءُ، وَلَكِن لَا يجْمُل الاعتداءُ. عرْبدَ غُلَام على قوم، فَأَرَادَ عمُّه أَن يعاقبَه، ويؤدِّبَه، فَقَالَ لَهُ: يَا عمِّ: إِنِّي قد أسأْتُ، وليسَ معي عقْلي، فَلَا تُسيء بِي ومعَك عقلُك. وَنظر دَميمٌ يَوْمًا فِي الْمرْآة، وَكَانَ ذَمِيمًا، فَقَالَ: الحمدُ لله، خلقّني فَأحْسن خلقي وصورني فاحسن صُورَتي، وَابْن لَهُ صغيرٌ، يسمع كَلَامه. فَلَمَّا خرج سألهُ رجلٌ - كَانَ بِالْبَابِ - عَن أَبِيه. فَقَالَ: هُوَ بالبيتِ يكْذبُ على الله. كَانَ الفتحُ بن خاقَان - وَهُوَ صبي - بَين يديى المعتصم، فَقَالَ لَهُ، وعرضَ عَلَيْهِ خاتَمّهُ: هَل رأيتَ - يَا فتحُ - أحسنَ من هَذَا الفصِّ؟ قَالَ: نعم: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ اليدُ الَّتِي هُوَ فِيهَا أحسنُ مِنْهُ. وَعَاد المعتصمُ أَبَاهُ - وَالْفَتْح صغيرٌ - فَقَالَ لَهُ: دَاري أحسنُ أم دارُ أَبِيك؟ قَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، دارُ أبي مَا دُمتَ فِيهِ. قَالَ ابنُ أبي ليلى: رأيتُ بِالْمَدِينَةِ صَبيا قد خرجَ من دَار، وبيدِه عُودٌ

стр. 1153

مكشوفٌ. فقلتُ لَهُ: غطه لَا ذُعِرْتَ. قَالَ: أَو يْغطى من اللهِ شيءٌ. لَا تلفتَ. قَالَ الفرزدقُ لغلام أعجبهُ إنشادُه: أيسرني أَنِّي أَبوك؟ قَالَ: لَا، ولكنْ أُمِّي، لُيصيبَ أبي من أطايبك. قَالَ البلاذُري: أدخِلَ الرّكاضُ وَهُوَ ابنُ أَربع سِنِين إِلَى الرشيد ليعجبَ من فطنته، فَقَالَ لَهُ: مَا تحبُّ أنْ أهَبَ لَك؟ قَالَ: جميلَ رَأْيك فَإِنِّي أفوزُ بِهِ فِي الدُّنيا، وَالْآخِرَة، فَأمر لَهُ بدنانيرَ، ودراهمَ فصُبَّتْ بَين يَدَيْهِ. فَقَالَ: اختر الأحبَّ إِلَيْك. قَالَ: الأحبَّ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا مِنْ هذَين، وضربَ يدَه إِلَى الدَّنانير فَضَحِك الرشيدُ، وَأمر أَن يضم إِلَى وَلَده، وَيجْرِي عَلَيْهِ. اجتازَ عمرُ بن الْخطاب ﵁ بصبيان يَلْعَبُونَ، وَفِيهِمْ عبدُ الله ابْن الزُّبير فتهاربُوا إِلَّا عبدَ الله فَإِنَّهُ وقفَ. فَقَالَ لَهُ عمرُ: لِمَ لمْ تَفِرّ مَعَ أَصْحَابك؟ قَالَ: لم يكُن لي جُرمٌ فأفرَّ مِنْك، وَلَا كَانَ الطريقُ ضيّقاً فأُوسِّعَهُ عَلَيْك. قَالَ إياسُ: كَانَ لي أخٌ، فَقَالَ لي وَهُوَ غُلَام صغيرٌ: مِنْ أَي شَيْء خُلقنا قلتُ: مِنْ طين. فَتَنَاول مَدَرةً، وَقَالَ: مِنْ هَذَا؟ قلتُ: نعم. خلَق الله آدم من طين: قَالَ: فيستطيع الَّذِي خلقنَا أَن يُعيدنا إِلَى هَذَا الَّذِي خلقنَا مِنْهُ؟ قلتُ: نعمْ. قَالَ: فَيَنْبَغِي لنا أَن نخافَه. قيل لغلام: أتحبُّ أَن يموتَ أبُوك؟ قَالَ: لَا، ولكنْ أحِبُّ أنْ يُقتلَ لأرثَ ديتَه فإنَّه فَقير. قَعَدَ صبي مَعَ قوم، فقُدم شَيْء حارٌّ، فَأخذ الصَّبِي يبكي. فَقَالُوا: مَا يُبْكيك؟ قَالَ: هُوَ حارٌّ. قَالُوا: فاصبرُ حَتَّى يبرَدَ. قَالَ: أَنْتُم لَا تصبرون. خرج صبي من بيتِ أمِّه فِي صَحو، وَعَاد فِي مطر شَدِيد، فَقَالَت لَهُ أمُّه: فَديتُك ابْني هَذَا المطُر كلهُّ على رأسِك يَجِيء. قَالَ: لَا يامي. كَانَ أكْثُره على الأَرْض، وَلَو كَانَ كلُّه على رَأْسِي لَغرقتُ. وَسمع آخر أمَّه تبْكي فِي السَّحرَ، فَقَالَ: لِمَ تبكينَ؟ قالتْ: ذكرتُ أَبَاك، فَاحْتَرَقَ قلبِي. قَالَ الصبيُّ: صدقْتِ. هَذَا وقتُه. وجهّ

стр. 1154

رجل ابْنه إِلَى السُّوق ليَشْتَرِي حبلاً للبئر، وَيكون عشْرين ذِرَاعا، فَانْصَرف مِنْ بعض الطَّرِيق. وَقَالَ: يَا أبي. فِي عرْض كَمْ؟ قَالَ: فِي عَرْض مصيبتي فِيك. وَقَالَ آخر لِابْنِهِ، وَهُوَ فِي الْمكتب. فِي أَي سُورة أَنْت؟ فَقَالَ: لَا أقِسمُ بِهَذَا الْبَلَد، ووالد بِلَا ولد. فقَال: لعمرْي. مَنْ كنتَ ولدَه فَهُوَ بِلَا ولد. وَقَالَ آخر لِابْنِهِ: أَيْن بلغْتَ عِنْد المعلِّم؟ فَقَالَ: الفرجَ. أَرَادَ الفجرَ. فَقَالَ الأبُ: أَنْت بعدُ فِي حر أمِّك. قيلَ لبَعْضهِم: إِن ابنكَ يناك. فَقَالَ لأبنه: مَا هَذَا الَّذِي يُقال؟ قَالَ: كذَبُوا وَإِنَّمَا أَنا أنيكهم: فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام رآهُ وَقد اجْتمع عَلَيْهِ عدةٌ من الصّبيان ينيكونه، فَقَالَ: مِمَّن تعلمتَ هَذَا النيك؟ قَالَ: مِنْ أُمِّي. قَالَ ابنُ أبي زيد الحامِض: قَالَ لي أبي: يَا بني، لَيْسَ واللهِ تُفْلحُ أبدا فَقَالَ لَهُ: يَا أبه ﴿﴾ لَيْسَ وَالله أُحْنِثُك. جَاءَ صبي إِلَى أَبِيه، فَقَالَ: يَا أبَه. قد وجدتُ فأساً قَالَ: هاته - يَا بُني. قَالَ: لَيْسَ فِي رَأسه حديدٌ. قَالَ: يَا مشئوم ﴿﴾ فَقل: وجدتُ وتدا.

стр. 1155

الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ نَوَادِر للعبيد والمماليك ولي بعض الْأُمَرَاء مولى بعد غيبَة طَوِيلَة فَقَالَ: أَنْت فِي الْأَحْيَاء بعد فَقَالَ: وَأَنا أستخير أَن أَمُوت قبل مولَايَ الْأَمِير. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت فِي السُّوق غُلَاما يُنادي عَلَيْهِ، فقدمتُ واستعرضته فَقَالَ: إِن أردْت أَن تشتريني فَاعْلَم أَنِّي قد حَلَفت أَن لَا أنيك مولَايَ أبدا حَتَّى ألْقى الله، فَإِذا إنّه الْمِسْكِين كَانَ مُبلى بِصَاحِب يُؤْذِيه ويستنيكه. استباع غُلَام فَقيل: لم تستبيع؟ قَالَ: لِأَن مولَايَ يُصَلي من قعُود وينيكني من قيام ويلحَن إِذا قَرَأَ الْقُرْآن ويُعرب إِذا زنا بِي. قَالَ الدّارمي لغلامه: بِأبي أَنْت وَأمي لَو كَانَ العِتق مثل الطّلاق لسَررتُك بِوَاحِدَة. اعْترض بَعضهم غُلَاما أَرَادَ شِرَاءَهُ فَقَالَ يَا غُلَام: إِن أشتريتك تُفلح؟ فَقَالَ: فَإِن لم تشتر. قَالَ أَبُو العيناء: أشتُرى للواثق عبدٌ فصيحٌ من الْبَادِيَة، فأتيناه وَجَعَلنَا نكتب عَنهُ كلّ مَا يَقُول، فَلَمَّا رأى ذَلِك مِنّا قلّب طرفه وَقَالَ: إنّ تُرَاب قعرها لملتْهب. يُقَال ذَلِك للرجُل يُسَر النَّاس بِرُؤْيَتِهِ لانتفاعهم بِهِ وأصل ذَلِك: أنّ الْحَافِر يحْفر فَإِن خرج التّراب مُرّا علم أنّ المَاء مِلح وَإِن كَانَ طيّباً علم أنّ المَاء عذب فأنبط وَإِذا خرج طيّباً انتبه الصّبيان.

стр. 1156

اشْترى بعضُ الهاشميّين غُلَاما فصيحاً فَبلغ الرشيد خَبره، فَأرْسل إِلَيْهِ يَطْلُبهُ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لم أشتره إِلَّا لَك، فلمّا وقف الْغُلَام بَين يَدي الرّشيد قَالَ لَهُ: إنّ مَوْلَاك قد وهبك لي. فَقَالَ الْغُلَام: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زِلْتُ وَلَا زُلْتُ. قَالَ: فَسِّر. فَقَالَ: مَا زِلتُ لَك وَأَنا فِي مِلكه وَلَا زُلتُ عَن مِلكه، فأُعجب الرّشيد بِهِ وقدّمه. قَالَ أَبُو العيناء: مَرَرْت بسُوق النخّاسين بِالْبَصْرَةِ، فَإِذا غُلَام يُنادي عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ دِينَارا والغلام يُساوي خَمْسمِائَة دِينَار، فاشتريته وَكنت أبني دَارا فَدفعت إِلَيْهِ عشْرين دِينَارا على أَن يُنفقها، فَلم أزل أصك عَلَيْهِ حَتَّى أنْفق نَحْو الْعشْرَة. ثمَّ صككت بِشَيْء آخر. فَقَالَ لي: فَأَيْنَ أصل المَال؟ قلتك ارْفَعْ إِلَيّ حِسَابك، فَرفع حِسَاباً بِعشْرَة دَنَانِير. فَقلت: فأَين الْبَاقِي؟ قَالَ: اشْتريت ثوبا مصمتاً وقطعته. قلت: من أَمرك بِهَذَا؟ قَالَ: إنّ أهل المُرَوَّات والأقدار لَا يعيبون على غلمانهم إِذا فعلوا فعلا يعود زِينَة عَلَيْهِم. قَالَ: فقلتُ فِي نَفسِي: أشتريتُ الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي وَلم أدر. وَكَانَت فِي نَفسِي امْرَأَة أردْت تزوجّها فَقَالَت يَا غُلَام: فِيك خير. قَالَ: وَهل الْخَيْر إِلَّا فِي. فَقلت لَهُ: قد عزمت على كَذَا. وتزوجتها ودفعتُ إِلَى الْغُلَام دِينَارا وقلتُ لَهُ: خُذ لنا سمكًا هازبي، فَأَبْطَأَ وَاشْترى مارماهي فأنكرت عَلَيْهِ خلافي. فَقَالَ يَا مولَايَ: فكّرتُ فَإِذا بُقراط يَقُول: الهازبي يُولد السّوداء والمارمَاهي أقلّ غائلة. قلت: لَا الَّذِي بقُراط أَنْت أم جالينوس وأدخلته الْبَيْت وضربته عشرَة، فَلَمَّا قَامَ أَخَذَنِي وضربني سَبْعَة وَقَالَ يَا مولَايَ: الْأَدَب ثَلَاثَة وَسَبْعَة لَهَا قِصاص، فغاظني ورميته فشججته، فَمضى إِلَى ابْنه عمي وَقَالَ لَهَا: الدّين النَّصِيحَة وَقَالَ النَّبِي ﷺ : من غَشنَا فَلَيْسَ منّا. وَقَالَ: مولى الْقَوْم مِنْهُم: وأعلمك أنّ مولَايَ تزوّج وَاسْتَكْتَمَنِي، فَلَمَّا أعلّمتُه أَنِّي مُعرفّك مَا فعل شجنّي، فوجّهت إِلَى بنت عمى بغِلمان، فبطِحت فِي

стр. 1157

الدّار وَضربت وسمتّه النّايح، فَمَا كَانَ يتهيأ لي كَلَامه. فَقلت: اعتقه، فلعلّه يمْضِي عني، فلزمني ولذّ بِي وَقَالَ: الْآن وَجب حَقك عَليّ، ثمَّ إنّه أَرَادَ الحجّ، فجهزّته، فَغَاب عني عشْرين يَوْمًا وَرجع فَقلت: لم رجَعْتَ؟ فَقَالَ: قُطع علينا وفكّرتُ، فَإِذا الله جلّ وعزّ يَقُول: " وَالله على الناسِ حج البيتِ مَنِ اسْتطاعَ إليْه سبِيلاً " وَكنت غير مُستطيع وَإِذا حَقك أوجَبُ على فرَجَعْتُ، ثمَّ إِنَّه أَرَادَ الْغَزْو فجهّزتُه، فَلَمَّا صَار على عشرَة فراسخ بعتُ مَا كَانَ لي بِالْبَصْرَةِ وَخرجت عَنْهَا خوفًا أَن يرجع وصرت إِلَى بَغْدَاد. قَالَ بَعضهم: استعرضْتُ غُلَاما فَقلت لَهُ: يَا غُلَام تحبّ أَن أشتريك. فَقَالَ: حَتَّى أسأَل عَنْك. أعتق عبد الله بن جَعْفَر غُلَاما، فَقَالَ الْغُلَام: أكتُب كَمَا أملي. قَالَ: فأملِ. قَالَ: اكتُب: كنتَ بالأمسِ لي، فوهَبْتُك لمن وهَبَكَ لي، فَأَنت الْيَوْم وَالْيَوْم صرت مثلي، فَكتب ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ وزاده خيرا. قَالَ حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي: كَانَ لأبي غُلَام يسْتقي المَاء لمن فِي دَاره على بغْلَين، فَانْصَرف أبي يَوْمًا وَهُوَ يَسُوقُ الْبَغْل وَقد قَرُب من الْحَوْض الَّذِي يصُبّ فِيهِ المَاء. فَقَالَ: مَا خبَرُك يَا فتح؟ قَالَ: خبري أنّه لَيْسَ فِي الدّار أشقي منّي ومنك. قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّك تُطعمهم الخُبز وَأَنا أسقيهم المَاء، فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: فَمَا تحب أَن أصنع بك؟ قَالَ: تعتقني وتهب لي هذَيْن البغلين، فَفعل ذَلِك. استعرض رجلغلاما فَقَالَ لَهُ: أشتريك؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: وَلم؟ قَالَ: كَيفَ تتخذني عبدا بعد أَن اتخذتني مُشِيرا. وَقَالَ رجل لعَبْدِهِ: اذْهَبْ إِلَى الْمنزل واحمل الشمع لأعود بِهِ فَقَالَ: أَنا لَا أجسر. فَقَالَ: معي حَتَّى أحملهُ وننصرف جَمِيعًا. وَالْحَمْد لله حق حَمده وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد وَآله.

стр. 1158

الْجُزْء السَّادِس بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وأنعمت فزد، الْحَمد لله الَّذِي إِذا أَرَادَ شَيْئا قدره تَقْديرا، وَكَانَ خلقه عَلَيْهِ يَسِيرا، " إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون ". خلق ورزق، وَقد أبدأ وَعلم، وألهم وسدد، وأرشد وَبشر، وأنذر ووعد وأوعد، خلقنَا بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة، ورزقنا من نعْمَته السابغة، وذرأنا بقوته الْقَاهِرَة، وبرأنا بقدرته الباهرة، وَعلمنَا رشد الدّين، وألهمنا برد الْيَقِين، وسددنا للنهج القويم، وأرشدنا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم،، وبشرنا بثوابه الْعَظِيم، وأنذرنا بعقابه الْأَلِيم، ووعدنا على الطَّاعَة خيرا دَائِما، وأوعدنا عَن الْمعْصِيَة شرا لَازِما، وَبعث إِلَيْنَا رسله الداعين إِلَيْهِ، الدالين عَلَيْهِ، نادين إِلَى فَرْضه، قَائِمين بِحقِّهِ فِي أرضه، واجتبى مِنْهُم مُحَمَّدًا ﷺ وعَلى آله واصطفاه وَاخْتَارَهُ لدينِهِ وارتضاه فَبَعثه إِلَى الْأسود والأحمر، والفصيح والأعجم، وَالْمُؤمن والمعاند، وَالْمقر والجاحد، والداني والشاحط، والراضي والساخط، وَالْبر والفاجر، وَالْمُسلم وَالْكَافِر، حَتَّى أوضح لَهُم الدّين. وأرشدهم أَجْمَعِينَ، فَوَجَبت فِرْيَة الثَّوَاب لمن اسْتَجَابَ فاهتدى. وحقت كلمة الْعَذَاب على من ارتاب فاعتدى. وَسعد من سمع دعاءه فَأقر وقر، وشقى من صم عَنهُ فنفر وفر، وَبَعثه تَعَالَى بِكَلِمَة الصدْق وأرسله بِالْهدى وَدين الْحق، وأيده بالأعلام من أسرته، والنجوم من عترته، والسابقين إِلَى صحبته ونصرته، حجج الله على الْخلق، وسيوفه على المارقين من الْحق، جاهدوا فِي الله حق الْجِهَاد، وأذلوا أهل الشقاق والعناد ن حَتَّى قَالَ عز من قَائِل " يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ "، اللَّهُمَّ فضل عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم صَلَاة أوجبتها لَهُم بإحسانك العميم، واستوجبوها مِنْك باجتهادهم

стр. 1159

الْعَظِيم إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْمُجيب اللَّهُمَّ وفقنا لاتباع أَمرك، وأعنا على أعباء شكرك، وَلَا تَحْرِمنَا الشُّكْر إِذا أوليت، وَالْأَجْر إِذا أبليت، وَاجعَل توفيقك لنا رائداً وَقَائِدًا وهاديا وحاديا وموافقا ومرافقا ومعينا وقريبا، فَلَا حول إِلَّا بك وَلَا توفيق إِلَّا مِنْك، وَلَا عصمَة إِلَّا إِذا عصمت، وَلَا سَلامَة إِلَّا إِذا سلمت، فاقرن لنا سَلامَة النَّفس بسلامة الْيَقِين، وسعادة الدُّنْيَا بسعادة يَوْم الدّين، وصل على السراج الْمُنِير والنور المستبين مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله الطاهرين. هَذَا هُوَ الْفَصْل السَّادِس من كتاب نثر الدّرّ ويشتمل على سِتَّة عشر بَابا الْبَاب الأول: فِيهِ نكت من كَلَام فصيح الْأَعْرَاب الْبَاب الثَّانِي: فِيهِ فقر وَحكم للاعراب الْبَاب الثَّالِث: أدعية وَكَلَام لسؤال الْأَعْرَاب الْبَاب الرَّابِع: فِي أَمْثَال الْعَرَب الْبَاب الْخَامِس: فِي النُّجُوم وأنواعها على مَذْهَب الْعَرَب الْبَاب السَّادِس: أسجاع الْكُهَّان الْعَرَب الْبَاب السَّابِع: أوابد الْعَرَب الْبَاب الثَّامِن: وَصَايَا الْعَرَب الْبَاب التَّاسِع: أسامي أَفْرَاس الْعَرَب الْبَاب الْعَاشِر: أسامي سيوف الْعَرَب الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر الْأَعْرَاب الْبَاب الثَّانِي عشر: أَمْثَال الْعَامَّة والسفل الْبَاب الثَّالِث عشر: نَوَادِر أَصْحَاب الشَّرَاب والسكارى الْبَاب الرَّابِع عشر: فِي أكاذيب الْعَرَب وَغَيرهم الْبَاب الْخَامِس عشر: فِي نَوَادِر المجان الْبَاب السَّادِس عشر: نَوَادِر فِي الضراط والفساء

стр. 1160

الْبَاب الأول نكت من فصيح كَلَام الْعَرَب وخطبهم حَدثنَا الصاحب كَافِي الكفاة رَحْمَة الله عَلَيْهِ عَن الأبجر عَن ابْن دُرَيْد عَن عَمه عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ: ورد بعض بني أَسد من المعمرين على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: مَا تذكر؟ قَالَ: كنت عشيقاً لعقيلة من عقائل الْحَيّ أركب لَهَا الصعب والذلول، أتهم وأنجد وأغور لاآلو مربأة فِي متجر إِلَّا أَتَيْته، يلفظني الْحزن إِلَى السهل، فَخرجت أقصد دهماء الْمَوْسِم، فَإِذا أَنا بقباب سامية على قلل الْجبَال مُجَللَة بأنطاع الطَّائِف وَإِذا جزر تنحر، وَأُخْرَى تساق، وَإِذا رجل جَهورِي الصَّوْت على نشز من الأَرْض يُنَادي: يَا وَفد الله: الْغَدَاء، الْغَدَاء إِلَّا من تغدى فَليخْرجْ للعشاء. قَالَ: فجهرني مَا رَأَيْت فدلفت أُرِيد عميد الْحَيّ، فرأيته على سَرِير ساسم على رَأسه عِمَامَة خَز سَوْدَاء كَأَن الشعرى العبور تطلع من تحتهَا، وَقد كَانَ بَلغنِي عَن حبر من أَحْبَار الشَّام أَن النَّبِي التهامي هَذَا أَوَان مبعثه. فَقلت: عله. وكدت أفقه بِهِ. فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله.
следующие страницы →