← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

اشْترى بعضُ الهاشميّين غُلَاما فصيحاً فَبلغ الرشيد خَبره، فَأرْسل إِلَيْهِ يَطْلُبهُ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لم أشتره إِلَّا لَك، فلمّا وقف الْغُلَام بَين يَدي الرّشيد قَالَ لَهُ: إنّ مَوْلَاك قد وهبك لي. فَقَالَ الْغُلَام: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا زِلْتُ وَلَا زُلْتُ. قَالَ: فَسِّر. فَقَالَ: مَا زِلتُ لَك وَأَنا فِي مِلكه وَلَا زُلتُ عَن مِلكه، فأُعجب الرّشيد بِهِ وقدّمه. قَالَ أَبُو العيناء: مَرَرْت بسُوق النخّاسين بِالْبَصْرَةِ، فَإِذا غُلَام يُنادي عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ دِينَارا والغلام يُساوي خَمْسمِائَة دِينَار، فاشتريته وَكنت أبني دَارا فَدفعت إِلَيْهِ عشْرين دِينَارا على أَن يُنفقها، فَلم أزل أصك عَلَيْهِ حَتَّى أنْفق نَحْو الْعشْرَة. ثمَّ صككت بِشَيْء آخر. فَقَالَ لي: فَأَيْنَ أصل المَال؟ قلتك ارْفَعْ إِلَيّ حِسَابك، فَرفع حِسَاباً بِعشْرَة دَنَانِير. فَقلت: فأَين الْبَاقِي؟ قَالَ: اشْتريت ثوبا مصمتاً وقطعته. قلت: من أَمرك بِهَذَا؟ قَالَ: إنّ أهل المُرَوَّات والأقدار لَا يعيبون على غلمانهم إِذا فعلوا فعلا يعود زِينَة عَلَيْهِم. قَالَ: فقلتُ فِي نَفسِي: أشتريتُ الْأَصْمَعِي وَابْن الْأَعرَابِي وَلم أدر. وَكَانَت فِي نَفسِي امْرَأَة أردْت تزوجّها فَقَالَت يَا غُلَام: فِيك خير. قَالَ: وَهل الْخَيْر إِلَّا فِي. فَقلت لَهُ: قد عزمت على كَذَا. وتزوجتها ودفعتُ إِلَى الْغُلَام دِينَارا وقلتُ لَهُ: خُذ لنا سمكًا هازبي، فَأَبْطَأَ وَاشْترى مارماهي فأنكرت عَلَيْهِ خلافي. فَقَالَ يَا مولَايَ: فكّرتُ فَإِذا بُقراط يَقُول: الهازبي يُولد السّوداء والمارمَاهي أقلّ غائلة. قلت: لَا الَّذِي بقُراط أَنْت أم جالينوس وأدخلته الْبَيْت وضربته عشرَة، فَلَمَّا قَامَ أَخَذَنِي وضربني سَبْعَة وَقَالَ يَا مولَايَ: الْأَدَب ثَلَاثَة وَسَبْعَة لَهَا قِصاص، فغاظني ورميته فشججته، فَمضى إِلَى ابْنه عمي وَقَالَ لَهَا: الدّين النَّصِيحَة وَقَالَ النَّبِي ﷺ : من غَشنَا فَلَيْسَ منّا. وَقَالَ: مولى الْقَوْم مِنْهُم: وأعلمك أنّ مولَايَ تزوّج وَاسْتَكْتَمَنِي، فَلَمَّا أعلّمتُه أَنِّي مُعرفّك مَا فعل شجنّي، فوجّهت إِلَى بنت عمى بغِلمان، فبطِحت فِي

стр. 1157

الدّار وَضربت وسمتّه النّايح، فَمَا كَانَ يتهيأ لي كَلَامه. فَقلت: اعتقه، فلعلّه يمْضِي عني، فلزمني ولذّ بِي وَقَالَ: الْآن وَجب حَقك عَليّ، ثمَّ إنّه أَرَادَ الحجّ، فجهزّته، فَغَاب عني عشْرين يَوْمًا وَرجع فَقلت: لم رجَعْتَ؟ فَقَالَ: قُطع علينا وفكّرتُ، فَإِذا الله جلّ وعزّ يَقُول: " وَالله على الناسِ حج البيتِ مَنِ اسْتطاعَ إليْه سبِيلاً " وَكنت غير مُستطيع وَإِذا حَقك أوجَبُ على فرَجَعْتُ، ثمَّ إِنَّه أَرَادَ الْغَزْو فجهّزتُه، فَلَمَّا صَار على عشرَة فراسخ بعتُ مَا كَانَ لي بِالْبَصْرَةِ وَخرجت عَنْهَا خوفًا أَن يرجع وصرت إِلَى بَغْدَاد. قَالَ بَعضهم: استعرضْتُ غُلَاما فَقلت لَهُ: يَا غُلَام تحبّ أَن أشتريك. فَقَالَ: حَتَّى أسأَل عَنْك. أعتق عبد الله بن جَعْفَر غُلَاما، فَقَالَ الْغُلَام: أكتُب كَمَا أملي. قَالَ: فأملِ. قَالَ: اكتُب: كنتَ بالأمسِ لي، فوهَبْتُك لمن وهَبَكَ لي، فَأَنت الْيَوْم وَالْيَوْم صرت مثلي، فَكتب ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ وزاده خيرا. قَالَ حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي: كَانَ لأبي غُلَام يسْتقي المَاء لمن فِي دَاره على بغْلَين، فَانْصَرف أبي يَوْمًا وَهُوَ يَسُوقُ الْبَغْل وَقد قَرُب من الْحَوْض الَّذِي يصُبّ فِيهِ المَاء. فَقَالَ: مَا خبَرُك يَا فتح؟ قَالَ: خبري أنّه لَيْسَ فِي الدّار أشقي منّي ومنك. قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: لِأَنَّك تُطعمهم الخُبز وَأَنا أسقيهم المَاء، فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ: فَمَا تحب أَن أصنع بك؟ قَالَ: تعتقني وتهب لي هذَيْن البغلين، فَفعل ذَلِك. استعرض رجلغلاما فَقَالَ لَهُ: أشتريك؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: وَلم؟ قَالَ: كَيفَ تتخذني عبدا بعد أَن اتخذتني مُشِيرا. وَقَالَ رجل لعَبْدِهِ: اذْهَبْ إِلَى الْمنزل واحمل الشمع لأعود بِهِ فَقَالَ: أَنا لَا أجسر. فَقَالَ: معي حَتَّى أحملهُ وننصرف جَمِيعًا. وَالْحَمْد لله حق حَمده وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد وَآله.

стр. 1158

الْجُزْء السَّادِس بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وأنعمت فزد، الْحَمد لله الَّذِي إِذا أَرَادَ شَيْئا قدره تَقْديرا، وَكَانَ خلقه عَلَيْهِ يَسِيرا، " إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون ". خلق ورزق، وَقد أبدأ وَعلم، وألهم وسدد، وأرشد وَبشر، وأنذر ووعد وأوعد، خلقنَا بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة، ورزقنا من نعْمَته السابغة، وذرأنا بقوته الْقَاهِرَة، وبرأنا بقدرته الباهرة، وَعلمنَا رشد الدّين، وألهمنا برد الْيَقِين، وسددنا للنهج القويم، وأرشدنا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم،، وبشرنا بثوابه الْعَظِيم، وأنذرنا بعقابه الْأَلِيم، ووعدنا على الطَّاعَة خيرا دَائِما، وأوعدنا عَن الْمعْصِيَة شرا لَازِما، وَبعث إِلَيْنَا رسله الداعين إِلَيْهِ، الدالين عَلَيْهِ، نادين إِلَى فَرْضه، قَائِمين بِحقِّهِ فِي أرضه، واجتبى مِنْهُم مُحَمَّدًا ﷺ وعَلى آله واصطفاه وَاخْتَارَهُ لدينِهِ وارتضاه فَبَعثه إِلَى الْأسود والأحمر، والفصيح والأعجم، وَالْمُؤمن والمعاند، وَالْمقر والجاحد، والداني والشاحط، والراضي والساخط، وَالْبر والفاجر، وَالْمُسلم وَالْكَافِر، حَتَّى أوضح لَهُم الدّين. وأرشدهم أَجْمَعِينَ، فَوَجَبت فِرْيَة الثَّوَاب لمن اسْتَجَابَ فاهتدى. وحقت كلمة الْعَذَاب على من ارتاب فاعتدى. وَسعد من سمع دعاءه فَأقر وقر، وشقى من صم عَنهُ فنفر وفر، وَبَعثه تَعَالَى بِكَلِمَة الصدْق وأرسله بِالْهدى وَدين الْحق، وأيده بالأعلام من أسرته، والنجوم من عترته، والسابقين إِلَى صحبته ونصرته، حجج الله على الْخلق، وسيوفه على المارقين من الْحق، جاهدوا فِي الله حق الْجِهَاد، وأذلوا أهل الشقاق والعناد ن حَتَّى قَالَ عز من قَائِل " يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ "، اللَّهُمَّ فضل عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم صَلَاة أوجبتها لَهُم بإحسانك العميم، واستوجبوها مِنْك باجتهادهم

стр. 1159

الْعَظِيم إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْمُجيب اللَّهُمَّ وفقنا لاتباع أَمرك، وأعنا على أعباء شكرك، وَلَا تَحْرِمنَا الشُّكْر إِذا أوليت، وَالْأَجْر إِذا أبليت، وَاجعَل توفيقك لنا رائداً وَقَائِدًا وهاديا وحاديا وموافقا ومرافقا ومعينا وقريبا، فَلَا حول إِلَّا بك وَلَا توفيق إِلَّا مِنْك، وَلَا عصمَة إِلَّا إِذا عصمت، وَلَا سَلامَة إِلَّا إِذا سلمت، فاقرن لنا سَلامَة النَّفس بسلامة الْيَقِين، وسعادة الدُّنْيَا بسعادة يَوْم الدّين، وصل على السراج الْمُنِير والنور المستبين مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله الطاهرين. هَذَا هُوَ الْفَصْل السَّادِس من كتاب نثر الدّرّ ويشتمل على سِتَّة عشر بَابا الْبَاب الأول: فِيهِ نكت من كَلَام فصيح الْأَعْرَاب الْبَاب الثَّانِي: فِيهِ فقر وَحكم للاعراب الْبَاب الثَّالِث: أدعية وَكَلَام لسؤال الْأَعْرَاب الْبَاب الرَّابِع: فِي أَمْثَال الْعَرَب الْبَاب الْخَامِس: فِي النُّجُوم وأنواعها على مَذْهَب الْعَرَب الْبَاب السَّادِس: أسجاع الْكُهَّان الْعَرَب الْبَاب السَّابِع: أوابد الْعَرَب الْبَاب الثَّامِن: وَصَايَا الْعَرَب الْبَاب التَّاسِع: أسامي أَفْرَاس الْعَرَب الْبَاب الْعَاشِر: أسامي سيوف الْعَرَب الْبَاب الْحَادِي عشر: نَوَادِر الْأَعْرَاب الْبَاب الثَّانِي عشر: أَمْثَال الْعَامَّة والسفل الْبَاب الثَّالِث عشر: نَوَادِر أَصْحَاب الشَّرَاب والسكارى الْبَاب الرَّابِع عشر: فِي أكاذيب الْعَرَب وَغَيرهم الْبَاب الْخَامِس عشر: فِي نَوَادِر المجان الْبَاب السَّادِس عشر: نَوَادِر فِي الضراط والفساء

стр. 1160

الْبَاب الأول نكت من فصيح كَلَام الْعَرَب وخطبهم حَدثنَا الصاحب كَافِي الكفاة رَحْمَة الله عَلَيْهِ عَن الأبجر عَن ابْن دُرَيْد عَن عَمه عَن ابْن الْكَلْبِيّ عَن أَبِيه قَالَ: ورد بعض بني أَسد من المعمرين على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: مَا تذكر؟ قَالَ: كنت عشيقاً لعقيلة من عقائل الْحَيّ أركب لَهَا الصعب والذلول، أتهم وأنجد وأغور لاآلو مربأة فِي متجر إِلَّا أَتَيْته، يلفظني الْحزن إِلَى السهل، فَخرجت أقصد دهماء الْمَوْسِم، فَإِذا أَنا بقباب سامية على قلل الْجبَال مُجَللَة بأنطاع الطَّائِف وَإِذا جزر تنحر، وَأُخْرَى تساق، وَإِذا رجل جَهورِي الصَّوْت على نشز من الأَرْض يُنَادي: يَا وَفد الله: الْغَدَاء، الْغَدَاء إِلَّا من تغدى فَليخْرجْ للعشاء. قَالَ: فجهرني مَا رَأَيْت فدلفت أُرِيد عميد الْحَيّ، فرأيته على سَرِير ساسم على رَأسه عِمَامَة خَز سَوْدَاء كَأَن الشعرى العبور تطلع من تحتهَا، وَقد كَانَ بَلغنِي عَن حبر من أَحْبَار الشَّام أَن النَّبِي التهامي هَذَا أَوَان مبعثه. فَقلت: عله. وكدت أفقه بِهِ. فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله.

стр. 1161

فَقَالَ: لست بِهِ، وَكَأن قد وليتني بِهِ، فَسَأَلت عَنهُ فَقيل: هَذَا أَبُو نَضْلَة هَاشم بن عبد منَاف فَقلت هَذَا المحبر والسناء والرفعة لَا مجد بني جَفْنَة. فَقَالَ مُعَاوِيَة: أشهد أَن الْعَرَب أُوتيت فصل الْخطاب. وصف أَعْرَابِي قوما فَقَالَ كَأَن خدودهم ورق الْمَصَاحِف، وَكَأن حواجبهم الْأَهِلّة وَكَأن أَعْنَاقهم أَبَارِيق الْفضة. دخل ضرار بن عَمْرو والضبي على الْمُنْذر بعد أَن كَانَ طعنه عَامر بن مَالك فأذراه عَن فرسه فأشبل عَلَيْهِ بنوه حَتَّى استشالوه فَعندهَا قَالَ: من سره بنوه ساءته نَفسه، فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر: مَا الَّذِي نجاك يَوْمئِذٍ؟ قَالَ: تَأْخِير الْأَجَل، وإكراهي نَفسِي على المق الطوَال. قَالَ مُعَاوِيَة: لصحار الْعَبْدي: مَا هَذِه البلاغة الَّتِي فِيكُم؟ قَالَ: شَيْء تجيش بِهِ صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فَقَالَ لَهُ رجل من عرض الْقَوْم: هَؤُلَاءِ بالبسر أبْصر مِنْهُم بالخطب. فَقَالَ صحار: أجل وَالله إِنَّا لنعلم أَن الرّيح لتلقحه، وَالْبرد ليعقده، وَأَن الْقَمَر ليصبغه، وَأَن الْحر لينضجه، فَقَالَ مُعَاوِيَة: فَمَا تَعدونَ البلاغة فِيكُم؟ قَالَ الايجاز قَالَ: وَمَا الإيجاز؟ قَالَ: أَن تجيب فَلَا تبطئ، وَتقول فَلَا تخطئ. قَالَ مُعَاوِيَة: أَو كَذَا لي تَقول؟ قَالَ صحار: أَقلنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تبطئ وَلَا تخطئ. تكلم صعصعة عِنْد مُعَاوِيَة فعرق، فَقَالَ مُعَاوِيَة: بهرك القَوْل؟ قَالَ صعصعة: إِن الْجِيَاد نضاحة بِالْمَاءِ. قيل لبَعْضهِم: من أَيْن أَقبلت؟ قَالَ: من الْفَج العميق. قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْبَيْت الْعَتِيق. قَالُوا: وَهل كَانَ ثمَّ من مطر؟ قَالَ: نعم حَتَّى عفى الْأَثر وأنضر الشّجر، ودهده الْحجر.

стр. 1162

قَالَ الجاحظ: وَمن خطباء إياد قس بن سَاعِدَة الَّذِي قَالَ النَّبِي ﷺ : رَأَيْته بسوق عكاظ على جمل أَحْمَر وَهُوَ يَقُول: أَيهَا النَّاس اجْتَمعُوا واسمعوا وعوا، من عَاشَ مَاتَ، وَمن مَاتَ فَاتَ، وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ. وَهُوَ الْقَائِل فِي هَذِه: " الْآيَات محكمات، مطر ونبات، وآباء وَأُمَّهَات، وذاهب وَآت، ونجوم وتمور وبحار لَا تغور وَهُوَ الْقَائِل: " يَا معشر إياد: أَيْن ثَمُود وَعَاد؟ أَيْن الْآبَاء والأجداد؟ وَأَيْنَ الْمَعْرُوف الَّذِي لم يشْكر؟ وَأَيْنَ الظُّلم الَّذِي لم يُنكر؟ أقسم قس قسما إِن لله لدينا وَهُوَ أرْضى لَهُ وَأفضل من دينكُمْ هَذَا. سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَمْرو بن الْأَهْتَم عَن الزبْرِقَان ابْن بدر فَقَالَ: إِنَّه لمَانع لحوزته، مُطَاع فِي أدنيه قَالَ الزبْرِقَان حسدني يَا رَسُول الله وَلم يقل الْحق. قَالَ عَمْرو. وَهُوَ وَالله زمر الْمُرُوءَة، ضيق العطن، لئيم الْخَال. فَنظر النَّبِي ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُول الله رضيت. فَقلت: أحسن مَا علمت، وغضبت. فَقلت: أَسْوَأ مَا علمت وَمَا كذبت فِي الأولى وصدقت فِي الْأُخْرَى فَقَالَ ﷺ : " إِن من الْبَيَان لسحرا ". وَكَانَ عَامر بن الظرب العدواني حكما وَكَانَ خَطِيبًا رَئِيسا وَهُوَ الَّذِي قَالَ: يَا معشر عدوان، الْخَيْر أُلُوف عروف وَلنْ يُفَارق صَاحبه حَتَّى يُفَارِقهُ، وَإِنِّي لم أكن حكيماً حَتَّى اتبعت الْحُكَمَاء وَلم أكن سيدكم حَتَّى تعبدت لكم. قَالَ بَعضهم، قلت لأبي الْحصين: مَا أعجب مَا رَأَيْت من الخصب؟ قَالَ: كنت أشْرب رثيئة تجرها الشفتان جراً، وقارصاً إِذا تجشأت جدع أنفي، وَرَأَيْت الكمأة تدوسها الْإِبِل بمناسمها، وخلاصة يشمها الْكَلْب فيعطس.

стр. 1163

قيل لأعرابي: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: خلفت أَرضًا تتظالم معزاها يَقُول: سمنت، وأشرت فتظالمت. قَالَ سعيد بن سلم: كنت والياً بأرمينيه فغبر أَبُو دهمان الْغلابِي على بَابي أَيَّامًا فَلَمَّا وصل مثل بَين يَدي قَائِما بَين السماطين فَقَالَ: إِنِّي وَالله لأعرف أَقْوَامًا لَو علمُوا أَن سف التُّرَاب يُقيم من إصْلَاح أَوْلَادهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثاراً للتنزه عَن عَيْش رَقِيق الْحَوَاشِي، أما وَالله إِنِّي لبعيد الوثبة، بطيء العطفة، إِنَّه وَالله مَا يثنيني عَلَيْك إِلَّا مثل مَا يصرفك عني، وَلِأَن أكون مقلاً مقرباً، أحب إِلَيّ من أَن أكون مكثراً مُبْعدًا وَالله مَا نسْأَل عملا لَا نضبطه وَلَا مَالا إِلَّا وَنحن أَكثر مِنْهُ، إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي صَار فِي يدك قد كَانَ فِي يَد غَيْرك، فأمسوا وَالله حَدِيثا، إِن خيرا فخيراً، وَإِن شرا فشراً فتحبب إِلَى عباد الله. بِحسن الْبشر ولين الْجَانِب، فَإِن حب عباد الله مَوْصُول بحب الله، وبغضهم مَوْصُول ببغض الله وهم شُهَدَاء الله على خلقه، ورقباء على من اعوج عَن سَبيله. دخل على الْمهْدي وُفُود خُرَاسَان فَقَامَ رجل مِنْهُم فَقَالَ: أَطَالَ الله بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّا قوم نأينا عَن الْعَرَب، وشغلتنا الحروب عَن الْخطب، وأمير الْمُؤمنِينَ يعرف طاعتنا، وَمَا فِيهِ مصلحتنا، فيكتفي منا باليسير دون الْكثير ويقتصر منا على مَا فِي الضَّمِير دون التَّفْسِير فَقَالَ أَنْت خطيب الْقَوْم. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، رَأَيْت أَعْرَابِيًا بِمَكَّة فاستفصحته فَقلت مِمَّن الرجل؟ قَالَ، أسدي يُرِيد أزدي قلت، أَيْن بلدك؟ قَالَ، عمان قلت: صف لي بلدك. فَقَالَ: بلد صلدح، وكثيب أصبح، وفضاء صحصح قلت: مَا مَالك؟ قَالَ: النّخل قلت: أَيْن أَنْت من الْإِبِل؟ قَالَ: إِن النّخل ثَمَرهَا غذَاء، وسعفها ضِيَاء وكربها صلاء وليفها رشاء، وجذعها بِنَاء، وقروها إِنَاء قلت أَنى لَك هَذِه

стр. 1164

الفصاحة؟ قَالَ: إِنَّا ننزل حجرَة لَا نسْمع فِيهَا ناجخة التيار. وخطب بعض الْأَعْرَاب فَقَالَ: إِن الدُّنْيَا دَار بَلَاغ، وَالْآخِرَة دَار قَرَار، أَيهَا النَّاس خُذُوا من ممركم لمقركم، وَلَا تهتكوا أستاركم عِنْد من لَا تخفى عَلَيْهِ أسراركم، واخرجوا من الدُّنْيَا قُلُوبكُمْ قبل أَن تخرج مِنْهَا أبدانكم فَفِيهَا حييتُمْ ولغيرها خَلفْتُمْ، الْيَوْم عمل بِلَا حِسَاب وَغدا حِسَاب بِلَا عمل، إِن الرجل إِذا هلك قَالَ النَّاس: مَا ترك؟ وَقَالَت الْمَلَائِكَة: مَا قدم؟ فَللَّه آباؤكم قدمُوا بَعْضًا يكن لكم قرضا، وَلَا تخلفوا كلا فَيكون عَلَيْكُم. قيل لبني عبس: كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا لَا نبدأ أبدا بظُلْم، وَلم نَكُنْ بالكثير فنتوكل، وَلَا بِالْقَلِيلِ فنتخاذل، وَكُنَّا نصبر بعد جزع النَّاس سَاعَة. وَسُئِلَ دَغْفَل عَن المماليك فَقَالَ: عز مُسْتَفَاد، وغيظ فِي الأكباد كالأوتاد. قَالَ أَبُو بكر لسَعِيد، أَخْبرنِي عَن نَفسك فِي جاهليتك وإسلامك فَقَالَ: أما جاهليتي فوَاللَّه مَا خمت عَن بهمة، وَلَا هَمَمْت بِأمة وَلَا نادمت غير كريم، وَلَا رئيت إِلَّا فِي خيل مُغيرَة أَو فِي حمل جريرة أَو فِي نَادِي عشيرة، وَأما مذ خطمني الْإِسْلَام فَلَنْ أذكي لَك نَفسِي. قَالَ رجل لغلامه: إِنَّك مَا علمت لضعيف قَلِيل الْغناء. قَالَ: وَكَيف أكون ضَعِيفا قَلِيل الْغناء، وَكَيف كفيتك ثَمَانِينَ بَعِيرًا نزوعاً وفرساً جروراً ورمحاً خطيا وَامْرَأَة فاركاً. قيل لأعرابي: صف لنا خلوتك مَعَ عشيقتك قَالَ: خلوت بهَا وَالْقَمَر يرينيها، فَلَمَّا غَابَ الْقَمَر أرتنيه، قيل فَمَا أَكثر مَا جرى بَيْنكُمَا؟ قَالَ: أقرب مَا أحل الله مِمَّا حرم، الْإِشَارَة بِغَيْر بَأْس، والتعرض لغير مساس، وَلَئِن كَانَت الْأَيَّام طَالَتْ بعْدهَا، لقد كَانَت قَصِيرَة مَعهَا. وَذكر بَعضهم مَسْجِد الْكُوفَة فَقَالَ: شاهدنا فِي هَذ الْمَسْجِد قوما كَانُوا إِذا خلعوا الْحذاء، عقدوا الحبا، وقاسوا أَطْرَاف الْأَحَادِيث، حيروا السَّامع وأخرسوا النَّاطِق.

стр. 1165

دخل عبد الله بن عبد الله بن الْأَهْتَم على عمر بن عبد الْعَزِيز مَعَ الْعَامَّة فَلم يفاجأ عمر إِلَّا وَهُوَ ماثل بَين يَدَيْهِ، فَتكلم، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَإِن الله خلق الْخلق غَنِيا عَن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، وَالنَّاس يَوْمئِذٍ فِي الْمنَازل والرأي مُخْتَلفُونَ، وَالْعرب بشر تِلْكَ الْمنَازل، أهل الْحجر والوبر، وَأهل الْمدر الَّذين تحتار دونهم طَيّبَات الدُّنْيَا، ورفاغة عيشها، ميتهم فِي النَّار، وحيهم أعمى مَعَ لَا يُحْصى من المرغوب عَنهُ، والمزهود فِيهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن ينشر عَلَيْهِم رَحمته، بعث إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم عَزِيزًا عَلَيْهِ مَا عنتوا، حَرِيصًا عَلَيْهِم، بِالْمُؤْمِنِينَ رءوفاً رحِيما، فَلم يمنعهُم ذَلِك من أَن جرحوه فِي جِسْمه، ولقبوه فِي اسْمه وَمَعَهُ كتاب من الله نَاطِق، لَا يرحل إِلَّا بأَمْره، وَلَا ينزل إِلَّا بِإِذْنِهِ، واضطروه إِلَى بطن غَار، فَلَمَّا أَمر بالعزيمة، انبسط لأمر الله لَونه، فأفلح الله حجَّته، وَأَعْلَى كَلمته، وَأظْهر دَعوته، وَفَارق الدُّنْيَا تقيا نقياً، ثمَّ قَامَ بعده أَبُو بكر فسلك سنته، وَأخذ بسبيله، وارتدت الْعَرَب، فَلم يقبل مِنْهُم بعد رَسُول الله ﷺ إِلَّا الَّذِي كَانَ قَابلا مِنْهُم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيرَان من شعلها، ثمَّ ركب بِأَهْل الْحق إِلَى أهل الْبَاطِل، فَلم يبرح يفصل أوصالهم، ويسقي الأَرْض دِمَاءَهُمْ حَتَّى أدخلهم فِي الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ، وقررهم بِالَّذِي نفروا مِنْهُ، وَقد كَانَ أصَاب من مَال الله بكرا يرتوي عَلَيْهِ، وحبشية ترْضع ولدا لَهُ، فَرَأى من ذَلِك غُصَّة عِنْد مَوته فِي حلقه، فَأدى ذَلِك إِلَى خَليفَة من بعده وَبرئ إِلَيْهِم مِنْهُ، وَفَارق الدُّنْيَا تقياً نقياً

стр. 1166

على منهاج صَاحبه ثمَّ قَامَ من بعده عمر بن الْخطاب فمصر الْأَمْصَار، وخلط الشدَّة باللين، فحسر عَن ذِرَاعَيْهِ، وشمر عَن سَاقيه وَأعد للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فَلَمَّا أَصَابَهُ قن الْمُغيرَة اسْتهلّ بِحَمْد الله أَلا يكون أَصَابَهُ ذُو حق فِي الْفَيْء فيستحل دَمه بِمَا اسْتحق من حَقه، فقد كَانَ أصَاب من مَال الله مائَة وَثَمَانِينَ ألفا فَكسر بهَا رباعه، وَكره بهَا كَفَالَة أَوْلَاده، فأوى ذَلِك إِلَى خَليفَة من بعده، وَفَارق الدُّنْيَا تقياً نقياً على منهاج صَاحِبيهِ، ثمَّ إِنَّا وَالله مَا اجْتَمَعنَا بعدهمَا إِلَّا على ظلع، ثمَّ إِنَّك يَا عمر ابْن الدُّنْيَا وَلدتك مُلُوكهَا، وألقمتك ثديها، فَلَمَّا وليتها ألقيتها حَيْثُ أَلْقَاهَا الله، فَالْحَمْد لله الَّذِي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امْضِ وَلَا تلْتَفت، فَإِنَّهُ لَا يعز على الْحق شَيْء، أَقُول قولي هَذَا واستغفر الله لي وَلكم وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات، وَلما أَن قَالَ: ثمَّ إِنَّا وَالله مَا اجْتَمَعنَا بعدهمَا إِلَّا على ظلع سكت النَّاس إِلَّا هشاما فَإِنَّهُ قَالَ: كذبت. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ حبيب الرّوم يَقُول فِي قصصه: اتَّقوا لقية من خنع فقنع، واقترف فاعترف، ووجل فَعمل، وحاذر فبادر، أَفَادَ ذخيرة، وأطاب سريرة، وَقدم مهاداً وَاسْتظْهر ذاداً. لما وصل عبد الْعَزِيز بن زُرَارَة إِلَى مُعَاوِيَة قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لم أزل اسْتدلَّ بِالْمَعْرُوفِ عَلَيْك، امتطي النَّهَار عَلَيْك، فَإِذا الوى بِي اللَّيْل فَقبض الْبَصَر وَعفى الْأَثر وَالِاجْتِهَاد يعْذر وَإِذا بلغتك فقطني. قَالَ أَعْرَابِي خرجت حِين انحدرت أَيدي النُّجُوم، وشالت أرجلها فَمَا زلت أصدع اللَّيْل، حَتَّى انصدع الْفجْر. سُئِلَ أَعْرَابِي عَن زَوجته - وَكَانَ حَدِيث عهد بعرس - كَيفَ رَأَيْت أهلك؟ فَقَالَ: أفنان أثلة، وجنى نَخْلَة، وَمَسّ رَملَة، وَرطب نَخْلَة، وَكَأَنِّي كل يَوْم آئب من غيبَة. وصف آخر مرح فرس فَقَالَ: كَأَنَّهُ شَيْطَان فِي أشطان. وَقيل لآخر: كَيفَ عَدو فرسك؟ قَالَ: يعدو مَا وجد أَرضًا.

стр. 1167

وَقَالَ الآخر لِأَخِيهِ وَرَأى حرصه على الطّلب: يَا أخي، أَنْت طَالب ومطلوب، يطلبك من لَا تفوته، وتطلب مَا قد كفيته، فَكَأَن مَا غَابَ عَنْك قد كشف لَك، وَمَا أَنْت فِيهِ قد نقلت عَنهُ. يَا أخي: كَأَنَّك لم تَرَ حَرِيصًا محروماً، وَلَا زاهداً مرزوقاً. ذمّ أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: أَنْت وَالله مِمَّن إِذا سَأَلَ ألحف، وَإِذا سُئِلَ سَوف، وَإِذا حدث خلف، وَإِذا وعد أخلف، تنظر نظرة حسود، وَتعرض إِعْرَاض حقود. قَالَ بَعضهم، مضى سلف لنا اعتقدوا منناً، وَاتَّخذُوا الأيادي عِنْد إخْوَانهمْ ذخيرة لمن بعدهمْ، وَكَانُوا يرَوْنَ اصطناع الْمَعْرُوف عَلَيْهِم فرضا وَإِظْهَار الْبر وَالْإِكْرَام عِنْدهم حَقًا وَاجِبا، ثمَّ حَال الزَّمَان عَن نشء آخر حدثوا، اتَّخذُوا مننهم صناعَة وأياديهم تِجَارَة، وبرهم مُرَابحَة، واصطناع الْمَعْرُوف بَينهم مقارضة، كنقد السُّوق، خُذ مني وهات. افْتتح بَعضهم خطْبَة فَقَالَ: بِحَمْد الله كَبرت النعم السوابغ، والحجج البوالغ، بَادرُوا بِالْعَمَلِ، بَوَادِر الْأَجَل، وَكُونُوا من الله على وَجل، فقد حذر وأنذر، وأمهل حَتَّى كَأَن قد أهمل. وَفد هَانِئ بن قبيصَة على يزِيد بن مُعَاوِيَة فاحتجب عَنهُ أَيَّامًا ثمَّ إِن يزِيد ركب يَوْمًا يتصيد، فَتَلقاهُ هَانِئ فَقَالَ: إِن الْخَلِيفَة لَيْسَ بالمحتجب المتخلي، المتنحي، وَلَا بالمتطرف المتنحي وَلَا الَّذِي ينزل على العدوات والفلوات، ويخلو باللذات والشهوات، وَقد وليت أمرنَا، فأقم بَين أظهرنَا، وَسَهل إذننا واعمل بِكِتَاب الله فِينَا، فَإِن كنت عجزت عَمَّا هَاهُنَا، واخترت عَلَيْهِ غَيره، فازدد علينا بيعتنا، نُبَايِع من يعْمل بذلك فِينَا ونقمه، ثمَّ عَلَيْك بخلواتك، وصيدك وكلابك. قَالَ: فَغَضب يزِيد وَقَالَ: وَالله لَوْلَا أَن أسن بِالشَّام سنة الْعرَاق لأقمت أودك. ثمَّ انْصَرف وَمَا هاجه بِشَيْء وَإِذن لَهُ وَلم تَتَغَيَّر مَنْزِلَته عِنْده، وَترك كثيرا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. كَانَ العيالمي يَقُول: النَّاس لصَاحب المَال ألزم من الشعاع للشمس وَمن

стр. 1168

الذَّنب للمصر، وَمن الحكم للقر، وَهُوَ عِنْدهم أرفع من السَّمَاء، وأعذب من المَاء، وَأحلى من الشهد، وأذكى من الْورْد، خَطؤُهُ صَوَاب، وسيئته حَسَنَة، وَقَوله مَقْبُول، يغشى مَجْلِسه، وَلَا يمل حَدِيثه قَالَ: والمفلس عِنْد النَّاس أكذب من لمعان السراب، وَمن رُؤْيا الكظة، وَمن مرْآة اللقوة وَمن سَحَاب تموز، لَا يسْأَل عَنهُ إِن غَابَ وَلَا يسلم عَلَيْهِ إِن قدم، إِن غَابَ شتموه، وَإِن حضر زبروه، وَإِن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الْوضُوء، وقراءته تقطع الصَّلَاة، أثقل من الْأَمَانَة، وَأبْغض من الْمُلْحِف المبرم. قَالَ أَعْرَابِي: خرجت فِي لَيْلَة حنلس قد أَلْقَت أكارعها على الأَرْض فمحت صور الْأَبدَان فَمَا كُنَّا نتعارف إِلَّا بِالْأَذَانِ، فسرنا حَتَّى أَخذ اللَّيْل ينفض صبغه. بعث النُّعْمَان جَيْشًا إِلَى الْحَارِث بن أبي شمر فَقَالَ: من يعرف عدونا الَّذِي أنقذنا إِلَيْهِ جيشنا؟ فَقَالَ بعض بني عجل: أَنا قلت: فصفه قَالَ: هُوَ قطف نطف، صلف قصف، فَقَامَ الوديم وَهُوَ عَمْرو بن ضرار فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن، أَو طَال العشوة، هُوَ وَالله حَلِيم النشوة، جواد الصحوة شَدِيد السطوة. فَقَالَ: هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون عدونا. سُئِلَ أَعْرَابِي من عبس عَن وَلَده، فَقَالَ: ابْن قد كهل، وَابْن قد رفل، وَابْن قد عسل، وَابْن قد فسل، وَابْن قد مثل، وَابْن قد فصل. قَالَ الْأَصْمَعِي: قيل لبني عبس: كَيفَ صَبَرْتُمْ، وَكَيف كَانَت حالكم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ؟ قَالُوا طاحت وَالله الغرائب من النِّسَاء، فَمَا بَقِي إِلَّا بَنَات عَم، وَمَا بَقِي مَعنا من الْإِبِل إِلَّا الْحمر الكلف، وَمَا بَقِي من الْخَيل إِلَّا الْكُمَيْت الوقاح

стр. 1169

وطاح مَا سوى ذَلِك من الأهلين وَالْمَال. وذم أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: بيُوت تدخل حبواً إِلَى غير نمارق، وشبارق فصح الْأَلْسِنَة برد السَّائِل، جذم الأكف عَن النائل. قَالَ الْأَصْمَعِي: حججْت فَبينا أَنا بِالْأَبْطح إِذا شيخ فِي سحق عباء، صعل الرَّأْس أثط أخزر أَزْرَق، كَأَنَّمَا ينظر من فص زجاج أَخْضَر، فَسلمت فَرد عَليّ التَّحِيَّة، فَقلت: مِمَّن الشَّيْخ؟ قَالَ: من بني حَمْزَة ابْن بكر بن عبد منَاف بن كنَانَة. قلت: فَمَا الِاسْم؟ قَالَ خميصة ابْن قَارب. ثمَّ أَعْرَابِي أَنْت؟ قلت: نعم قَالَ: من أَيَّة؟ قلت: من أهل بصرة قَالَ: فَإلَى من تعتزي؟ قلت: قيس بن غيلَان. قَالَ: لأيهم؟ قلت: أحد بني يعصر، وَأَنا أقلب ألواحاً معي. قَالَ: مَا هَذِه الخشبات المقرونات قلت: اكْتُبْ فِيهِنَّ مَا أسمع من كلامكم. قَالَ: وَإِنَّكُمْ مختلون إِلَى ذَلِك. قلت: نعم، وَأي خلة. ثمَّ صمت مَلِيًّا ثمَّ قَالَ فِي وصف قومه: كَانُوا كالصخرة الصلادة تنبو عَن صفحاتها المعاول ثمَّ زحمها الدَّهْر بمنكبه فَصَدَعَهَا صدع الزجاجة مَالهَا من جَابر فَأَصْبحُوا شذر مذر أيادي سبأ، وَرب يَوْم وَالله عَارِم قد أَحْسنُوا تأديبه، ودهر غاشم قد قومُوا صعره، وَمَال صَامت قد شتتوا تألفه، وخطة بؤس قد حسمها إحسانهم وَحرب عبوس ضاحكتها أسنتهم، أما وَالله يَا أَخا قيس لقد كَانَت كهولهم جحاجح، وشبابهم مراجح ونائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح وجنانهم ربيع وجارهم منيع. فَنَهَضت لأنصرف فأصر بِمَجَامِع ذيلي وَقَالَ: أَجْلِس فقد أَخْبَرتك عَن قومِي حَتَّى أخْبرك عَن قَوْمك فَقلت فِي نَفسِي: إِن الله يشيد فِي قيس وَالله وصمة تبقى على الدَّهْر. فَقلت: حسبي، لَا حَاجَة لي إِلَى ذكرك قومِي قَالَ: بلَى هم وَالله هضبة ململمة الْعِزّ أَرْكَانهَا وَالْمجد أحضانها، تمكنت فِي الْحسب الْعد تمكن الْأَصَابِع فِي الْيَد فَقُمْت مسرعاً مَخَافَة أَن يفْسد عَليّ مَا سَمِعت.

стр. 1170

قَالَ أَعْرَابِي لِقَوْمِهِ وَقد ضافوا بعض أَصْحَاب السُّلْطَان: يَا قوم لَا أغركم من نشاب مَعَهم فِي جعاب كَأَنَّهَا نيوب الفيلة وقسي كَأَنَّهَا العتل ينْزع أحدهم حَتَّى يتفرق شعر إبطه ثمَّ يُرْسل نشابه كَأَنَّهَا رشاء مُنْقَطع فَمَا بَين أحدكُم وَبَين أَن يصدع قلبه منزلَة! قَالَ: فصاروا وَالله رعْبًا قبل اللِّقَاء. ذكر أَعْرَابِي امْرَأَة فَقَالَ: رحم الله فُلَانَة إِن كَانَت لقريبة بقولِهَا بعيدَة بِفِعْلِهَا يكفها عَن الخنى أسلافها، ويدعونا إِلَى الْهوى كَلَامهَا كَانَت وَالله تقصر عَلَيْهَا الْعين وَلَا يخَاف من أفعالها الشين. وصف أَبُو الْعَالِيَة امْرَأَة فَقَالَ جَاءَ بهَا وَالله كَأَنَّهَا نُطْفَة عذبة فِي شن خلق ينظر إِلَيْهِ الظمآن فِي الهاجرة. وَقَالَ أَبُو عُثْمَان رَأَيْت عبدا أسود لبني أسيد قدم علينا من شقّ الْيَمَامَة فبعثوه ناطوراً وَكَانَ وحشياً يغرب فِي الْإِبِل فَلَمَّا رَآنِي سكن إِلَيّ، فَسَمعته يَقُول: لعن الله بلاداً لَيْسَ بهَا عرب قَاتل الله الشَّاعِر. حَيْثُ يَقُول: حر الثرى مستغرب التُّرَاب إِن هَذِه العريب فِي جَمِيع النَّاس كمقدار القرحة فِي جلد الْفرس فلولا أَن الله رق عَلَيْهِم فجعلهم فِي حشاه، لطمست هَذِه العجمان آثَارهم أَتَرَى الأعيار إِذا رَأَتْ الْعتاق لَا ترى لَهَا فضلا، وَالله مَا أَمر نبيه بِقَتْلِهِم إِلَّا لضنه بهم وَلَا ترك قبُول الْجِزْيَة مِنْهُم إِلَّا لتركها لَهُم. قَالَ حصن بن حُذَيْفَة: إيَّاكُمْ وصرعات الْبَغي وفضحات المزاح. وقف جَبَّار بن سلمى على قبر عَامر بن الطُّفَيْل فَقَالَ: كَانَ وَالله لَا يضل حَتَّى يضل النَّجْم وَلَا يعطش حَتَّى يعطش الْبَعِير، وَلَا يهاب حَتَّى يهاب السَّيْل،

стр. 1171

وَكَانَ وَالله خير مَا يكون حِين لَا تظن نفس بِنَفس خيرا. قيل لشيخ: مَا صنع بك الدَّهْر فَقَالَ: فقدت الْمطعم وَكَانَ الْمُنعم واجمت النِّسَاء وَكن الشِّفَاء فنومي سبات وسمعي خفات وعقلي تارات. وَسُئِلَ آخر فَقَالَ: ضعضع قناتي وأوهن شواتي وجرأ عَليّ عداتي. صعد أَعْرَابِي منبراً فَلَمَّا رأى النَّاس يرمقونه صَعب عَلَيْهِ الْكَلَام فَقَالَ: رحم الله عبدا قصر من لَفظه، ورشق الأَرْض بلحظه، ووعى القَوْل بحفظه قدم وَفد من الْعرَاق على سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَقَامَ خطيبهم فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أَتَيْنَاك رهبة وَلَا رَغْبَة فَقَالَ سُلَيْمَان: فَلم جِئْت لَا جَاءَ الله بك. قَالَ: نَحن وُفُود الشُّكْر أما الرَّغْبَة فقد وصلت إِلَيْنَا فِي رحالنا، وَأما الرهبة فقد أمناها بعدلك، وَلَقَد حببت إِلَيْنَا الْحَيَاة، وهونت علينا الْمَوْت. فَأَما تحبيبك الْحَيَاة إِلَيْنَا فبمَا انْتَشَر من عدلك وَحسن سيرتك وَأما تهوينك علينا الْمَوْت فَلَمَّا نثق بِهِ من حسن مَا تخلفنا بِهِ فِي أعقابنا الَّذين تخلفهم عَلَيْك. فاستحيى سُلَيْمَان وَأحسن جائزته. ذكر أَعْرَابِي فِي ظلم وَال وليهم فَقَالَ: مَا ترك لنا فضَّة إِلَّا فضها وَلَا دهباً إِلَّا ذهب بِهِ، وَلَا غلَّة إِلَّا غلها، وَلَا ضَيْعَة إِلَّا أضاعها وَلَا عقارا إِلَّا عقره، وَلَا علقاً إِلَّا اعتلقه، وَلَا عرضا إِلَّا عرض لَهُ، وَلَا مَاشِيَة إِلَّا امتشها، وَلَا جَلِيلًا إِلَّا جله، وَلَا دَقِيقًا إِلَّا دقه. قَالَ عمر لعَمْرو بن معدي كرب: أَخْبرنِي عَن قَوْمك. فَقَالَ: نعم الْقَوْم قومِي، عِنْد الطَّعَام الْمَأْكُول، وَالسيف المسلول. دخل خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي على السفاح وَعِنْده أَخْوَاله من بني الْحَارِث بن كَعْب فَقَالَ: مَا تَقول فِي أخوالي؟ قَالَ: هم هَامة الشّرف وخرطوم الْكَرم، وغرس الْجُود إِن فيهم لخصالاً مَا اجْتمعت فِي غَيرهم من قَومهمْ إِنَّهُم لأطولهم أمماً، وَأكْرمهمْ شيماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً وأبعدهم همماً، هم الْجَمْرَة فِي الْحَرْب، والرفد فِي الجدب، وَالرَّأْس فِي كل خطب، وَغَيرهم

стр. 1172

بِمَنْزِلَة الْعجب. فَقَالَ لَهُ: وصفت أَبَا صَفْوَان فأحسنت، فَزَاد أَخْوَاله فِي الْفَخر، فَغَضب أَبُو الْعَبَّاس لأعمامه فَقَالَ: أَفْخَر يَا خَالِد؟ فَقَالَ: أَعلَى أخوال أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ . قَالَ: نعم، وَأَنت من أَعْمَامه. فَقَالَ: وَكَيف أفاخر قوما هم بَين ناسج برد وسائس قرد، ودابغ جلد، وراكب عرد. دلّ عَلَيْهِم الهدهد، وغرقتهم فَأْرَة، وملكتهم امْرَأَة؟ فأشرق وَجه أبي الْعَبَّاس وَضحك. حدث أَن صبرَة بن شيمان الْحَرَّانِي دخل على مُعَاوِيَة، والوفود عِنْده فتكلموا فَأَكْثرُوا فَقَالَ صبرَة: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّا حَيّ فعال، ولسنا بحي مقَال وَنحن بِأَدْنَى فعالنا عِنْد أحسن مقالهم فَقَالَ: صدقت. يرْوى أَن مُعَاوِيَة قَالَ لدغفل: مَا تَقول فِي بني عَامر بن صعصعة؟ فَقَالَ: أَعْنَاق ظباء، وأعجاز نسَاء. قَالَ: فَمَا تَقول فِي بني تَمِيم؟ قَالَ: حجر أخشن إِن صادفته آذَاك، وَإِن تركته أعفاك. قَالَ: فَمَا تَقول فِي الْيمن؟ قَالَ: سيود أَبوك. قَالَ الجاحظ: رَأَيْت رجلا من غنى يفاخر رجلا من بني فَزَارَة ثمَّ أحد بني بدر بن عَمْرو، وَكَانَ الغنوي مُتَمَكنًا من لِسَانه، وَكَانَ الْفَزارِيّ بكياً. فَقَالَ الغنوي: ماؤنا بَين الرقم إِلَى كَذَا، وهم جيراننا فِيهِ، فَنحْن أقصر مِنْهُم رشاء، وأعذب مِنْهُم مَاء، لنا ريف السهول ومعاقل الْجبَال، وأرضهم سبخَة، ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، وَالْعرب من عز بز فبعزنا مَا تخيرنا عَلَيْهِم، وبذلهم مَا رَضوا عَنَّا بالضيم. ذكر حجل بن نَضْلَة بَين يَدي النُّعْمَان مُعَاوِيَة بن شكل فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن إِنَّه لقعو الأليتين، مقبل النَّعْلَيْنِ، مشاء بأقراء، تبَاع إِمَاء قتال ظباء. فَقَالَ النُّعْمَان: أردْت أَن تذيمه فمدهته.

стр. 1173

لما ظفر الْمُهلب بالخوارج وَجه كَعْب بن معدان إِلَى الْحجَّاج فَسَأَلَهُ عَن بني الْمُهلب فَقَالَ: الْمُغيرَة فارسهم وسيدهم، وَكفى بِيَزِيد فَارِسًا شجاعاً، وسخيهم قبيصَة، وَلَا يستحي الشجاع أَن يفر من مدرك، وَعبد الْملك سم ناقع، وحبِيب موت ذعاف، وَمُحَمّد لَيْث غَابَ، وَكَفاك بالمفضل نجدة. قَالَ: فَكيف خلفت جمَاعَة النَّاس؟ قَالَ: خلفتهم بِخَير، قد أدركوا مَا أملوا، وأمنوا مَا خَافُوا قَالَ: وَكَيف كَانَ بَنو الْمُهلب فيهم؟ قَالَ: كَانُوا حماة السرج نَهَارا، فَإِذا اليلوا ففرسان البيات. قَالَ: فَأَيهمْ كَانَ أنجد؟ قَالَ: كَانُوا كالحلقة المفرغة لَا يدرى أَيْن طرفها. قَالَ: فَكيف كُنْتُم أَنْتُم وَعَدُوكُمْ؟ قَالَ: كُنَّا إِذا أَخذنَا عَفَوْنَا جدوا فيئسنا مِنْهُم، وَإِذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا فيهم. فَقَالَ الْحجَّاج: إِن الْعَاقِبَة لِلْمُتقين. كَيفَ أفلتكم قطري؟ قَالَ: كدناه بِبَعْض مَا كادنا بِهِ فصرنا مِنْهُ إِلَى الَّتِي نحب. قَالَ: فَهَلا اتبعتموه؟ قَالَ: كَانَ الْحَد عندنَا أثرا من الفل. قَالَ: فَكيف كَانَ لكم الْمُهلب وكنتم لَهُ؟ قَالَ: كَانَ لنا مِنْهُ شَفَقَة الْوَالِد، وَله منا بر الْوَلَد. قَالَ فَكيف اغتباط النَّاس؟ قَالَ فَشَا فيهم الْأَمْن وشملهم النَّفْل. قَالَ: أَكنت أَعدَدْت هَذَا الْجَواب؟ قَالَ: لَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله . فَقَالَ: هَكَذَا وَالله يكون الرِّجَال، الْمُهلب كَانَ أعلم بك حَيْثُ وَجهك. وَقَالَ عمر لمتمم بن نُوَيْرَة: إِنَّك لجزل، فَأَيْنَ كَانَ أَخُوك مِنْك؟ قَالَ:

стр. 1174

كَانَ وَالله يخرج فِي اللَّيْلَة الصنبر يركب الْجمل الثفال، ومجنب الْفرس الحرور، وَفِي يَده الرمْح الخطي، وَعَلِيهِ الشملة الفلوت وَهُوَ بَين المزادتين حَتَّى يصبح، فَيُصْبِح مُتَبَسِّمًا. يرْوى أَن خَالِد بن صَفْوَان دخل على يزِيد بن الْمُهلب وَهُوَ يتغدى فَقَالَ: ادن، فَكل. فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير لقد أكلت أَكلَة لست ناسيها. قَالَ: وَمَا أكلت؟ قَالَ: أتيت ضيعتي لإبان الأغراس، وَأَوَان الْعِمَارَة فَجلت فِيهَا جَوْلَة حَتَّى إِذا صحرت الشَّمْس، وأزمعت بالركود، ملت إِلَى غرفَة لي هفافة، فِي حديقة قد فتحت أَبْوَابهَا، ونضح بِالْمَاءِ جوانبها وفرشت أرْضهَا بألوان الرياحين من بَين ضيمران نافخ، وسمسق فائح، وأقحوان زَاهِر، وَورد ناضر، ثمَّ أتيت بِخبْز أرز كَأَنَّهُ قطع العقيق، وسمك جراني بيض الْبُطُون، زرق الْعُيُون، سود الْمُتُون، عراض السرر: غِلَاظ الْقصر، ودقة وخلول، ومرى وَبقول، ثمَّ أتيت برطب أصفر صَاف غير أكدر لم تبتدله الْأَيْدِي، وَلم تهتشمه كيل المكاييل، فَأكلت هَذَا ثمَّ هَذَا، قَالَ يزِيد: يَا بن صَفْوَان لِأَلف جريب من كلامك، خير من ألف جريب مزروع. علم الْمَنْصُور ابْنه صَالحا خطْبَة فَقَامَ بهَا فِي النَّاس فِي مَجْلِسه فَلم يشيع كَلَامه أحد خوفًا من الْمهْدي، فَبَدَأَ شبة بن عقال الْمُجَاشِعِي من الصَّفّ فَقَالَ: وَالله مَا رَأَيْتُك الْيَوْم خَطِيبًا أبل ريقاً وَلَا أنبض عروقاً وَلَا أثبت جناباً وَلَا أعذب لِسَانا، وَقَلِيل ذَلِك لمن كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبَاهُ وَالْمهْدِي أَخَاهُ، هُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: هُوَ الْجواد فَإِن يلْحق بشاوهما ... على تكاليفه فَمثله لَحقا. . أَو يسبقاه على مَا كَانَ من مهل ... فَمثل مَا قدما من صَالح سبقا

стр. 1175

فَاسْتحْسن كَلَامه وعلقه الْمَنْصُور بِيَدِهِ. وَمن الْأَخْبَار الْقَدِيمَة أَن لُقْمَان بن عَاد ولقيم ابْنه أغارا فأصابا إبِلا، ثمَّ انصرفا نَحْو أهلهما، فنحرا نَاقَة فِي منزل نزلاه. فَقَالَ لُقْمَان: أتعشى أم أعشى لَك؟ فَقَالَ لقيم أَي ذَلِك شِئْت. قَالَ لُقْمَان: اذْهَبْ فارع إبلك وعشها حَتَّى ترى النَّجْم قمة رَأس، وَحَتَّى ترى الجوزاء كَأَنَّهَا قطاً نوافر وَحَتَّى ترى الشعرى كَأَنَّهَا نَار، فإلا تكن عشيت فقد آنيت. قَالَ لَهُ لقيم: واطبخ أَنْت لحم جزورك فأز مَاء واغله حَتَّى ترى الكراديس كَأَنَّهَا رُؤُوس شُيُوخ صلع، وَحَتَّى ترى اللَّحْم يَدْعُو غطيفاً أَو غَنِيا أَو غطفان، فَإِن لم تكن أنضجت فقد آنيت. ذكر عِنْد عمر الزَّبِيب وَالتَّمْر أَيهمَا أطيب، فَقَالَ رجل: الحبلة أفضل أم النَّخْلَة؟ فَقَالَ: الزَّبِيب إِن آكله أضرس وَإِن أتركه أغرث لَيْسَ كالصقر فِي رُؤُوس الرقل الراسخات فِي الوحل، المطعمات فِي الْمحل تحفة الصَّائِم، وتحفة الْكَبِير وصمتة الصَّغِير وتعلة الصَّبِي وَنزل مَرْيَم ابْنة عمرَان، وينضج وَلَا يعْنى طابخه وتحترش بِهِ الضباب من الصلعاء. قَالَ: وَبعث رجل بَنِينَ لَهُ يرتادون فِي خصب فَقَالَ أحدهم: رَأَيْت بقلاً وَمَاء غيلاً، يسيل سيلاً، وخوصة تميل ميلًا، يحسبها الرائد لَيْلًا. وَقَالَ الثَّانِي: رَأَيْت دِيمَة على دِيمَة فِي عهاد غير قديمَة، تشبع مِنْهَا الناب قبل الفطيمة. وَقيل لبَعْضهِم: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: التُّرَاب يَابِس، وَالْأَرْض سراب، فَالْمَال عائس عَابس. قَالَ خَالِد للقعقاع: أنافرك على أَيّنَا أعظم للسجاح، وأطعن بِالرِّمَاحِ. وَأنزل بالبراح قَالَ: لَا بل عَن أَيّنَا أفضل أَبَا وَأما وجدا وَعَما، وقديماً وحديثاً. فَقَالَ خَالِد: أَعْطَيْت يَوْمًا من سَأَلَ وأطعمت حولا من أكل، وطعنت فَارِسًا طعنة

стр. 1176

شَككت فَجَذَبَهُ بِجنب الْفرس، فَأخْرج الْقَعْقَاع نَعْلَيْنِ وَقَالَ: ربع عَلَيْهِمَا أبي أَرْبَعِينَ مرباعاً لم يثكل فِيهِنَّ تميمية ولدا. ذكر متمم بن نُوَيْرَة أَخَاهُ مَالِكًا فَقَالَ: كَانَ يخرج فِي اللَّيْل الصنبرة، عَلَيْهِ الشملة الفلوت، بَين المزادتين النضوحتين، على الْجمل الثفال، معتقل الرمْح الخطي فَيُصْبِح مُتَبَسِّمًا. وَسَأَلَ النَّبِي ﷺ عَمْرو بن الْأَهْتَم عَن الزبْرِقَان فَقَالَ: مَانع لحوزته، مُطَاع فِي أدنيه فَقَالَ الزبْرِقَان أما أَنه قد علم أَكثر مِمَّا قَالَ وَلكنه حسدني شرفي. فَقَالَ عَمْرو أما لَئِن قَالَ مَا قَالَ فوَاللَّه مَا عَلمته إِلَّا الضّيق العطن، زمر الْمُرُوءَة، لئيم الْخلق، حَدِيث الْغنى، فَلَمَّا رأى أَنه قد خَالف قَوْله الأول وَرَأى النكار فِي عين رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: يَا رَسُول الله رضيت؟ فَقلت: بِأَحْسَن مَا علمت وغضبت، فَقلت: بأقبح مَا علمت. كَانَت خطْبَة النِّكَاح لقريش فِي الْجَاهِلِيَّة: بِاسْمِك اللَّهُمَّ ذكرت فُلَانَة، وَفُلَان بهَا شغوف لَك مَا سَأَلت، وَلنَا مَا أَعْطَيْت. دخل الْهُذيْل بن زفر على يزِيد بن الْمُهلب فِي حمالات لَزِمته، ونوائب نابته. فَقَالَ لَهُ: أصلحك الله قد عظم شَأْنك عَن أَن يستعان بك، ويستعان عَلَيْك، وَلست تصنع شَيْئا من الْمَعْرُوف وَإِن عظم إِلَّا وَأَنت أعظم مِنْهُ، وَلَيْسَ الْعجب أَن تفعل وَإِنَّمَا الْعجب أَلا تفعل. فَقَالَ يزِيد: حَاجَتك؟ فَذكرهَا، فَأمر لَهُ بهَا وبمائة ألف دِرْهَم فَقَالَ: أما الحمالات فقد قبلتها، وَأما المَال فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه. وَسَأَلَ عمر ﵁ عَمْرو بن معدي كرب عَن سعد فَقَالَ: خير أَمِير، نبطي فِي حبوته، عَرَبِيّ فِي نمرته أَسد فِي تامورته يعدل فِي الْقَضِيَّة، وَيقسم بِالسَّوِيَّةِ، ينْقل إِلَيْنَا حَقنا، كَمَا تنقل الذّرة. فَقَالَ عمر: لسر مَا تقارضتما الثَّنَاء. قيل لوَاحِد من الْعَرَب: أَيْن شبابك؟ فَقَالَ: من طَال أمده وَكثر وَلَده،

стр. 1177

ودف عدده، وَذهب جلده، ذهب شبابه. وَقَالَ رجل من بني أَسد: مَاتَ لرجل منا ابْن، فَاشْتَدَّ جزعه عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ شيخ منا فَقَالَ: اصبر أَبَا مهدية فَإِنَّهُ فرط أفترطته، وَخير قَدمته، وَذخر أحرزته فَقَالَ مجيباً لَهُ، بل ولد ودفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته، وَالله لَئِن لم أجزع من النَّقْص، لم أفرح بالمزيد. قَالَ ابْن أقيصر: خير الْخَيل الَّذِي إِذا استدبرته حنأ، وَإِذا استقللته أقعى، وَإِذا استعرضته اسْتَوَى، وَإِذا مَشى ردى، وَإِذا عدا دحا. وَنظر إِلَى خيل عبد الرَّحْمَن ابْن أم الحكم، فَأَشَارَ إِلَى فرس مِنْهَا فَقَالَ: تَجِيء هَذِه سَابِقَة، قَالُوا: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: رَأَيْتهَا مشت فكتفت، وخبت فوجفت وعدت فنسفت فَجَاءَت سَابِقَة. قَالَ الْحجَّاج لرجل من الأزد: كَيفَ علمك بالزرع؟ قَالَ: إِنِّي لَا أعلم من ذَلِك علما. قَالَ: فَأَي شَيْء خَيره؟ قَالَ: ماغلظ قصبته وأعتم نبته وعظمت حبته. قَالَ: فَأَي الْعِنَب خير؟ قَالَ: مَا غلظ عموده، واخضر عوده، وَعظم عنقوده. قَالَ: فَمَا خير التَّمْر؟ قَالَ: مَا غلظ لحاه ودق نَوَاه ورق سحاه. وَتكلم أهل التَّمْر وَأهل الزَّبِيب عِنْد عمر فَقَالَ: أرْسلُوا إِلَى أبي حثْمَة الْأنْصَارِيّ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لَيْسَ كالصقر فِي رُؤُوس الرقل الراسخات فِي الوحل، المطعمات فِي الْمحل، تعلة الصَّبِي، ينضج وَلَا يعْنى طابخه بِهِ، يحترش بِهِ الضَّب من الصلعاء، لَيْسَ كالزبيب الَّذِي إِن أَكلته ضرست، وَإِن تركته غرثت. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس لخَالِد بن صَفْوَان: يَا خَالِد إِن النَّاس قد أَكْثرُوا فِي النِّسَاء، فَأَي النِّسَاء أحب إِلَيْك؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أحبها لَيست بالضرع الصَّغِيرَة، وَلَا بالفانية الْكَبِيرَة وحسبي من جمَالهَا أَن تكون فخمة من بعيد، مليحة من قريب، أَعْلَاهَا قضيب. وأسفلها كثيب، غذيت فِي النَّعيم، وأصابتها

стр. 1178

فاقة فأدبها النَّعيم، وأذلها الْفقر، لم تفتك فتمجن، الهلوك على زَوجهَا، الحصان من جارها، إِذا خلونا كُنَّا أهل دنيا، وَإِذا افترقنا كُنَّا أهل آخِرَة. قَالَ عمَارَة بن عقيل: أصابتنا سنُون ثَلَاث لم نحتلب فِيهِنَّ رئلاً، وَلم نلقح نَسْلًا، وَلم نَزْرَع بقلاً. تكلم الْوُفُود عِنْد عبد الْمُلُوك حَتَّى بلغ الْكَلَام إِلَى خطيب الأزد فَقَامَ فَقبض على قَائِم سَيْفه ثمَّ قَالَ: قد علمت الْعَرَب أَنا حَيّ فعال، ولسنا بحي مقَال، وَأَنا نجزى بفعلنا عِنْد أحسن قَوْلهم، ونعمل السَّيْف. فَمن مَال قوم السَّيْف أوده. وَمن نطق الْحق أرده. ثمَّ جلس. فَحفِظت خطبَته دون كل خطْبَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: بَلغنِي عَن بعض الْعَرَب فصاحة فَأَتَيْته لأسْمع من كَلَامه فصادفته يخضب فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: إِن الخضاب لمن مُقَدمَات الضعْف، وَلَئِن كنت قد ضعفت فطالما مشيت أَمَام الجيوش وعدوت على صيد الوحوش ولهوت بِالنسَاء، واختلت فِي الرِّدَاء، وأرويت السَّيْف، وقريت الضَّيْف، وأبيت الْعَار، وحميت الْجَار، وغلبت القروم، وعاركت الْخُصُوم، وشربت الراح، ونادمت الجحجاج، فاليوم قد حناني الْكبر، وَضعف الْبَصَر، وَجَاءَنِي بعد الصفاء الكدر. قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا يُعَاتب أَخَاهُ وَيَقُول: أما وَالله لرب يَوْم كتنور الطهاة رقاص بالحمامة، قد رميت بنفسي فِي أجيج سمومه أتحمل مِنْهُ مَا أكره لما نحب. قَالَ روح بن زنباع لمعاوية: نشدتك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تحط مني شرفاً أَنْت رفعته، أَو أَن تهدم مني بَيْتا أَنْت شيدته، وَأَن تشمت بِي عدوا أَنْت قمعته. ذكر عَمْرو بن معد يكرب بني سليم فَقَالَ: بَارك الله على حَيّ بني سليم مَا أصدق فِي الهيجاء لقاؤها، وَأثبت فِي النَّوَازِل بلاؤها، وأجزل فِي النائبات عطاؤها، وَالله لقد قاتلتهم فَمَا أجبنتهم، وهاجيتهم فَمَا أفحمتهم وسألتهم فَمَا أبخلتهم. جرى بَين الخوات وَبَين جُبَير وَالْعَبَّاس بن مرداس كَلَام فَقَالَ خَوات: أما

стр. 1179

وَالله لقد تعرضت لشبابي، وشبا أنيابي، وَحسن جوابي، لتكرهن غيابي. فَقَالَ عَبَّاس: أَنْت وَالله يَا خَوات لَئِن اسْتقْبلت لعني وفني، وذكا سني، لتنفرن مني. أإياي توعد يَا خَوات، يَا مأوى السوآت وَالله لقد استقبلك اللؤم فودعك، واستدرك فكسعك، وعلاك فوضعك، فَمَا أَنْت بمهجوم عَلَيْك من نَاحيَة إِلَّا عَن فصل أَو إيَّايَ ثكلتك أمك تروم وَعلي تقوم، وَالله مَا ميطت سوأتك بعد وَلَا ظَهرت مِنْهَا. فَقَالَ عمر: أَيهَا عنكما، إِمَّا أَن تسكتا، وَإِمَّا أَن أوجعكما ضربا. فصمتا وكفا. كَانَ الرّبيع بن ضبع من المعمرين وَدخل على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: وَأَبِيك يَا ربيع لقد طَلَبك جد غير عاثر ثمَّ قَالَ: فصل لي عمرك قَالَ: عِشْت مِائَتي سنة فِي الفترة من عِيسَى بن مَرْيَم وَعشْرين وَمِائَة فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام فَقَالَ: أَخْبرنِي من فتية من قُرَيْش المتواطئ الْأَسْمَاء. قَالَ: سل عَن أَيهمْ شِئْت. قَالَ: أَخْبرنِي عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: فهم وَعلم وَعَطَاء، خدم ومقرىء ضخم. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن عمر قَالَ: حلم وَعلم وَطول كظم، وَبعد عَن الظُّلم. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: رَيْحَانَة طيب رِيحهَا، لين مَسهَا، قَلِيل عَن الْمُسلمين ضرها. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن الزبير. قَالَ: جبل وعر، تنحدر مِنْهُ على الصخر. قَالَ: لله دَرك يَا ربيع مَا أخْبرك بهم؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قرب جواري، وَكثر استخباري. كَانَ كَعْب بن لؤَي يقوم فِي النَّاس أيا م الْحَج فَيَقُول: أَيهَا النَّاس اسمعوا وأنصتوا وَاعْلَمُوا وتعلموا، ليل سَاج، ونهار ضاح وَالْأَرْض مهاد، وَالْجِبَال أوتاد والنجوم أَعْلَام، وَالْأُنْثَى وَالذكر زوج، روالآخرين كالأولين، وإلف يَلِي كل مَا يهيج، هَل رَأَيْتُمْ ظَاعِنًا رَجَعَ الدَّار أمامكم؟ وَالظَّن غير مَا تَقولُونَ، صلوا أَرْحَامكُم، واحفظوا أظهاركم، وثمروا أَمْوَالكُم. حرمكم زينوه وعظموه، تمسكوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نبأ وَيبْعَث بِهِ نَبِي. كَانَ قَابُوس بن مُنْذر ملكا مترفاً قَلِيل الْغَزْو، كثير اللَّهْو وَكَانَ لَهُ سمار، وَكَانَ يُحِبهُ أَن يعري بَين أَصْحَابه ليتسابوا، فَاجْتمع فِي مَجْلِسه أَرْبَعَة من رجال الْعَرَب مِنْهُم الْحصين بن ضرار الضَّبِّيّ، وأحمير بن بَهْدَلَة السَّعْدِيّ، وضمرة بن

стр. 1180

جَابر النَّهْشَلِي وَعمارَة وَابْن رشد الْعَبْسِي فَقَالَ قَابُوس: يَا حُصَيْن إِن هَذَا وَأَشَارَ إِلَى ضَمرَة يزْعم أَنَّك غَانِم الفرى صيك الذَّر، إِنْزَال بالغموض، رعاء بالرفوض. فَقَالَ: أَيهَا الْملك إِن زعم ذَلِك فَإِنَّهُ خَبِيث الزَّاد، لاصق الرماد، قصير الْعِمَاد تبَاع للأذواد فَقَالَ ضَمرَة: وَالله أَيهَا الْملك إِنَّه لوعاء خطائط، وَزَاد مطائط. ولاج موارط، غير صميم لأواسط، ثمَّ أقبل على أُحَيْمِر فَقَالَ: إِن هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عمَارَة يزْعم إِنَّك بقاق فِي النزى، كل على القوى، مَذْمُوم الشيم محجل الْبرم. فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن أما إِنَّه إِن زعم ذَلِك فَإِنَّهُ لمناع للموجود سآل عَن الْمَفْقُود، بكاء على الْمَعْهُود، فناؤه وَاسع، وضيفه جَائِع، وشره شَائِع، وسره ذائع. فَقَالَ عمَارَة. هُوَ وَالله أَيهَا الْملك ذري المنظر سيء الْمخبر، لئيم المكسر يهلع إِذا أعْسر، وَيبْخَل إِذا أيسر، ويكذب إِذا أخبر. إِن عَاهَدَ غدر وَإِن أؤتمن ختر، وَإِن قَالَ أَهجر، وَإِن وعد أخلف، وَإِن سَأَلَ ألحف، يرى الْبُخْل حزماً، والسفاه حلما، والمرزئة كلما، فَقَالَ: قدك ألهمته. قَالَ رائد مرّة تركت الأَرْض مخضرة كَأَنَّهَا حولا بهَا قصيصة رقطاء، وعرفجة خاضبة، وعوسج كَأَنَّهُ النعام من سوَاده. وَقَالَ آخر فِي صفة نَاقَة إِذا اكحالت عينهَا وأللت أذنها وسجح خُذْهَا وهدل مشفرها واستدارت جمجمتها فَهِيَ كَرِيمَة.

стр. 1181

الْبَاب الثَّانِي فقر وَحكم للأعراب ذكرُوا أَن قوما أَضَلُّوا الطَّرِيق، فاستأجروا أَعْرَابِيًا يدلهم على الطَّرِيق، فَقَالَ: إِنِّي وَالله مَا أخرج مَعكُمْ حَتَّى أشرط لكم وَعَلَيْكُم. قَالُوا: فهات مَالك. قَالَ: يَدي مَعَ أَيْدِيكُم فِي الْحَار والقار. ولي مَوضِع فِي النَّار موسع عَليّ فِيهَا، وَذكر وَالِدي محرم عَلَيْكُم. قَالُوا: فَهَذَا لَك، فَمَا لنا عَلَيْك إِن أذنبت؟ قَالَ: إعراضة لَا تُؤدِّي إِلَى عتب، وهجرة لَا تمنع من مجامعة السفرة. قَالُوا: فَإِن لم تعتب؟ قَالَ: حذفة بالعصا أَصَابَت أم أَخْطَأت. كَانَ الرشيد معجباً بِخَط إِسْمَاعِيل بن صبح فَقَالَ لأعرابي حَضَره: صف إِسْمَاعِيل. فَقَالَ: مَا رَأَيْت أطيش من قلمه، وَلَا أثبت من حلمه. مدح أَعْرَابِي رجلا برقة اللِّسَان فَقَالَ: كَانَ وَالله لِسَانه أرق من ورقة، وألين من سَرقَة. وَقَالَ آخر: أتيناه فَأخْرج لِسَانه كَأَنَّهُ مِخْرَاق لاعب. نظر عمر بن الْخطاب إِلَى نهشل بن قطن وَكَانَ ملتفاً فِي بت فِي نَاحيَة الْمَسْجِد، وزاده آهبة وَقلة. وَعرف تَقْدِيم الْعَرَب لَهُ فِي الحكم وَالْعلم فَأحب أَن يكشفه ويسبر مَا عِنْده فَقَالَ: أَرَأَيْت لَو تنافرا إِلَيْك الْيَوْم لأيهما كنت تنفر، يَعْنِي عَلْقَمَة بن علاثة وعامر بن الطُّفَيْل. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو قلت فيهمَا كلمة

стр. 1182

لأعدتها جدعة قَالَ عمر: لهَذَا الْعقل تحاكمت إِلَيْك الْعَرَب. قَالَ عَامر بن الظرب: الرَّأْي نَائِم، والهوى يقظان فَمن هُنَاكَ يغلب الْهوى الداني. قَالَ أَعْرَابِي لهشام بن عبد الْملك بن مَرْوَان: أَتَت علينا أَعْوَام ثَلَاث، فعام أكل الشَّحْم، وعام أكل اللَّحْم، وعام أنتقي الْعظم، وعندكم فضول أَمْوَال، فَإِن كَانَت لله فأقسموها بَين عباد الله، وَلَو كَانَت لكم فتصدقوا، إِن الله يَجْزِي المتصدقين. قَالَ: هَل من حَاجَة غير ذَلِك؟ قَالَ: مَا ضربت إِلَيْك أكباد الْإِبِل، ادرع الهجير، وأخوض الدجى لخاص دون عَام. قيل لأعرابي: مَالك لَا تضع الْعِمَامَة عَن رَأسك؟ قَالَ: إِن شَيْئا فِيهِ السّمع وَالْبَصَر لحقيق بالصون. كَانَ هِشَام يسير وَمَعَهُ أَعْرَابِي إِذا انْتهى إِلَى ميل عَلَيْهِ كتاب، فَقَالَ للأعرابي أنظر أَي ميل هَذَا؟ فَنظر ثمَّ رَجَعَ. فَقَالَ: عَلَيْهِ محجن، وحلقة، وَثَلَاثَة كأطباء الكلبة وَرَأس كَأَنَّهُ منقار قطاة فَعرفهُ هِشَام بِصُورَة الهجاء وَلم يعرفهُ الْأَعرَابِي، وَكَانَ عَلَيْهِ خَمْسَة. قَالَ الْهَيْثَم بن عدي: يَمِين لَا يحلف بهَا الْأَعرَابِي أبدا أَن يَقُول لَهُ: لَا أورد الله لَك صادراً، وَلَا أصدر لَك وارداً، وَلَا حططت رحلك، وَلَا خلعت نعلك. خرج عُثْمَان من دَاره فَرَأى أَعْرَابِيًا فِي شَمله. فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي أَيْن رَبك؟ قَالَ: بالمرصاد. وَكَانَ الْأَعرَابِي عَامر بن عبد قيس وَكَانَ ابْن عَامر سيره إِلَيْهِ. سَأَلَ الْحجَّاج أَعْرَابِيًا عَن أَخِيه مُحَمَّد بن يُوسُف فَقَالَ: كَيفَ تركته؟ قَالَ: عَظِيما سينماً قَالَ لَيْسَ عَن هَذَا أَسأَلك قَالَ تركته ظلوماًغشوماً قَالَ: أما علمت أَنه أخي؟ قَالَ: أتراه بك أعز مني بِاللَّه. قيل لشيخ من الْأَعْرَاب: قُمْت مقَاما مَا خفنا عَلَيْك مِنْهُ؟ قَالَ: الْمَوْت أخاذ

стр. 1183

شيخ كَبِير، وَرب غَفُور لَا دين، وَلَا بَنَات. وَقَالَ آخر لبَعض السلاطين: أَسأَلك بِالَّذِي أَنْت بَين يَدَيْهِ، أدل مني بَين يَديك، وَهُوَ على عقابك أقدر مِنْك على عقابي، أَلا نظرت فِي أَمْرِي نظر من ير براءتي، أحب إِلَيْهِ من سقمي. قَالَ إِسْحَاق الْمدنِي: جلس إِلَى أَعْرَابِي فَقَالَ: إِنِّي أحب الْمعرفَة، وأجلك عَن الْمَسْأَلَة. حبس مَرْوَان بن الحكم رجلا من بني عبس فَأَتَاهُ بشيخ مِنْهُ فَكَلمهُ فِيهِ فَأبى أَن يُطلقهُ. فَقَالَ: أما وَالله لَئِن كنت حَبسته، لقد كَانَ تقياً، ذَا مُرُوءَة. قَالَ: وَمَا الْمُرُوءَة فِيكُم يَا أَخا بني عبس؟ قَالَ: صدق الحَدِيث وصلَة الرَّحِم، وَإِصْلَاح المَال. فأعجب مَرْوَان وَكَانَ إِذا أعجب الشَّيْء دَعَا لَهُ ابنيه عبد الْملك وَعبد الْعَزِيز ليسمعاه، قَالَ: فدعاهما ثمَّ استعاده، فَأَعَادَ الشَّيْخ القَوْل، وَحضر طَعَام مَرْوَان فَدَعَاهُ إِلَى طَعَامه فَلم يجبهُ، فَدَعَا ابْنا لَهُ كَانَ مَعَه فَأجَاب. قَالَ مَرْوَان لشيخ. ابْنك خير مِنْك يَا أَخا بني عبس، دعوناك إِلَى طعامنا فَلم تجب، ودعوناه فَأجَاب فَقَالَ الْعَبْسِي: مَا أَحْسبهُ ضرّ أَبَاهُ إِن كنت خيرا مِنْهُ. فَضَحِك مَرْوَان حَتَّى اسْتلْقى وَأطلق لَهُ صَاحبه. قَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان لرجل من الْعَرَب: كَيفَ علمك بالكواكب؟ قَالَ: لَو لم أعرف مِنْهَا غير النَّجْم لكفاني، - يُرِيد نجم الثريا - فَقَالَ لَهُ: وَكَيف ذَاك؟ قَالَ: إِذا طلعت من الْمشرق حصدت زرعي، وَإِذا توسطت السَّمَاء جردت نخلي، وَإِذا سَقَطت فِي الغرب دفنت بذري، هَذَا تَدْبِير معيشتي. فَقَالَ عبد الْملك: حَسبك بهَا علما. قَالَ هِشَام لأعرابي: كَيفَ أفلت من فلَان عَامل لَهُ؟ قَالَ: ببراءته وعدله. وَقَالَ آخر: نعم أَخُو الشريف درهمه، يُغْنِيه عَن اللئام، ويتجمل بِهِ فِي الْكِرَام. دخل أَعْرَابِي على بعض الْوُلَاة فَقَالَ: مِمَّن الرجل؟ فَقَالَ: من قوم إِذا أَحبُّوا مَاتُوا. قَالَ: عُذْري وَرب الْكَعْبَة.

стр. 1184

تَقول الْعَرَب: طلع النَّجْم غديه ... فابتغى الرَّاعِي شكيه طلع النَّجْم عشَاء ... فابتغى الرَّاعِي كسَاء يُرِيدُونَ الثريا، وَيَقُولُونَ فِي الْهلَال: ابْن لَيْلَة عتمه سخيله حل أَهلهَا برميلة. ابْن لَيْلَتَيْنِ، حَدِيث أمتين، بكذب ومين ابْن ثَلَاث، حَدِيث فتيات غير جد مؤتلفات. ابْن أَربع عتمة ربع، غير جَائِع وَلَا مرضع. ابْن خمس عشَاء خلفات قعس. ابْن سِتّ سر وَبت. ابْن سبع، دلجة الضبع. ابْن ثَمَان، قمر إِضْحِيَان، ابْن تسع، ملتقط مِنْهُ الْجزع، ابْن عشر يؤديك إِلَى الْفجْر. قَالَ أَعْرَابِي: مَا غبنت قطّ حَتَّى يغبن قومِي. قيل: وَكَيف؟ قَالَ: لَا أفعل شَيْئا حَتَّى أشاورهم. قَالَ أَعْرَابِي: وَرَأى إبل رجل كثرت بعد قلَّة، فَقيل لَهُ أَنه قد زوج أمه فَجَاءَتْهُ بِمَال. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من بعض الرزق. سَأَلَ أَعْرَابِي رجلا حَاجَة فَمَنعه فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي أفقرني من مَعْرُوفك وَلم يعنك عَن شكري. قَالَ أَعْرَابِي لِابْنِهِ وَتكلم فأساء: اسْكُتْ يَا بني، فَإِن الصمت صون اللِّسَان وَستر العي. قَالَ آخر: ابذل لصديقك كل مَوَدَّة، وَلَا تبذل لَهُ كل طمأنينة واعطه من نَفسك كل مواساة، وَلَا تفض إِلَيْهِ بِكُل الْأَسْرَار. اجْتمع قوم بِبَاب الْأَوْزَاعِيّ يتذاكرون، وأعرابي من كلب سَاكِت، قَالَ لَهُ

стр. 1185

رجل: بِحَق مَا سميتم خرس الْعَرَب. فَقَالَ: يَا هَذَا أما سَمِعت أَن لِسَان الرجل لغيره وسَمعه لَهُ. وَشتم رجل أَعْرَابِيًا فَلم يجبهُ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: أَنا لَا أَدخل فِي حَرْب الْغَالِب فِيهَا شَرّ من المغلوب. قَالَ أَعْرَابِي: أَكثر النَّاس بالْقَوْل مدل وبالفعل مقل. . وَقَالَ آخر: رب بعيد لَا يفقد بره، وَرب قريب لَا يُؤمن شَره. وَقَالَ آخر: أبين الْعَجز: قلَّة الْحِيلَة، وملازمة الحليلة. وَقَالَ آخر: ألم أكن نهيتك أَن تريق مَاء وَجهك بمسألتك من لَا مَاء فِي وَجهه؟ ! . وصف آخر عبد الله بن جَعْفَر فَقَالَ: كَانَ إِذا افْتقر نَفسه وَإِذا اسْتغنى لم يسْتَغْن وَحده. وَقَالَ آخر: أحسن الْأَحْوَال حَال يغبطك بهَا من دُونك، وَلَا يحقرك بهَا من فَوْقك. وصف آخر رجلا: إِن أَتَيْته احتجب، وَإِن غبت عَنهُ عتب وَإِن عاتبته غضب. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: أعجز النَّاس من قصر فِي طلب الأخوان، وأعجز مِنْهُ من ظفر بِهِ مِنْهُم، ثمَّ ضيعهم. وَقَالَ آخر: لَو عاونني الْحَال مَا استبطأتك إِلَّا بِالصبرِ وَلَا استزدتك إِلَّا بالشكر. وَقَالَ آخر: إِن يسير مَال أَتَانِي عفوا لم أبذل فِيهِ وَجها، وَلم أبسط إِلَيْهِ كفا، وَلم أغضض لَهُ طرفا، أحب إِلَيّ من كثير مَال أَتَانِي بالكد، واستفراغ الْجهد. وَقَالَ آخر: لَا تصغر أَمر من حَارَبت أَو عاديت فَإنَّك إِن ظَفرت لم تحمد وَإِن عجزت لم تعذر.

стр. 1186

هَنأ بَعضهم فَتى أَرَادَ الْبناء على أَهله فَقَالَ: بِالْبركَةِ وَشدَّة الْحَرَكَة وَالظفر فِي المعركة. قَالَ أَعْرَابِي وَقد نظر إِلَى دِينَار: قَاتلك الله مَا أَصْغَر قيمتك، وأكبر همتك. وَقَالَ آخر: اجْمَعُوا الدَّرَاهِم فَإِنَّهَا تلبس اليلمق: وَتطعم الجردق. قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: دفعت إِلَى نَاحيَة فِيهَا نفير من الْأَعْرَاب فرأيتها مُجْدِبَة فَقلت لبَعْضهِم مَا بلدكم هَذَا؟ فَقَالَ: لَا ضرع وَلَا زرع. قلت: فَكيف تعيشون؟ قَالَ: نحترش الضباب، ونصيد الدَّوَابّ فنأكلها، قلت: كَيفَ صبركم عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا هَناه! نسْأَل خَالق الأَرْض. هَل سويت؟ فَيَقُول: بل رضيت. قَالَ أَعْرَابِي: هُوَ أمزح من المطل الْوَاجِد والظمآن الْوَارِد، والعقيم الْوَالِد. قَالَ أَعْرَابِي: الْعَزِيز منوع، والذليل قنوع، والواجد متحير. وَقَالَ آخر: عَلَيْك بالأدب فَإِنَّهُ يرفع العَبْد الْمُلُوك حَتَّى يجلسه فِي مجَالِس الْمُلُوك. قيل لبَعْضهِم: مَا بَال فلَان يتنقصك؟ قَالَ: لِأَنَّهُ شقيقي فِي النّسَب، وجاري فِي الْبَلَد، وشريكي فِي الصِّنَاعَة. وَقَالَ آخر: عباد الله، الحذر، الحذر، فوَاللَّه لقد ستر كَأَنَّهُ غفر. وشكا أَعْرَابِي ركود الْهَوَاء فَقَالَ: ركد حَتَّى كَأَنَّهُ أذن تسمع. وَقَالَ آخر: كل مَقْدُور عَلَيْهِ مختور أَو مَمْلُوك. لَقِي رجل أَعْرَابِيًا لم يكن يعرفهُ قَالَ لَهُ: كَيفَ كنت بعدِي؟ فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي: وَمَا بعد مَالا قبل لَهُ.

стр. 1187

قيل لأعرابي: أعْطى الْخَلِيفَة فلَانا مائَة ألف. قَالَ: بل أعطَاهُ إِيَّاه الَّذِي لَو شَاءَ لأعطاه مَكَانَهُ عقلا. قيل لأعرابي لَهُ أمة يُقَال لَهَا زهرَة: أَيَسُرُّك أَنَّك الْخَلِيفَة وَأَن زهرَة مَاتَت؟ قَالَ: لَا وَالله! قيل: وَلم؟ قَالَ: تذْهب الْأمة، وتضيع الْأمة. أَتَى الْحجَّاج بأعرابي فِي أَمر احْتَاجَ إِلَى مَسْأَلته عَنهُ، فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج: قل الْحق وَإِلَّا قتلتك. فَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ أَنْت بِهِ فَإِن الَّذِي أَمر بذلك أقدر عَلَيْك مِنْك عَليّ. فَقَالَ الْحجَّاج: صدق، فخلوه. مدح أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: يقتحمون الْحَرْب حَتَّى كَأَنَّمَا يلقونها بنفوس أعدائهم. قَالَ أَعْرَابِي فِي حكم جليس الْمُلُوك: أَن يكون حَافِظًا للسمر، صَابِرًا على السهر. وَقَالَ بَعضهم: قلت لأعرابي: كَيفَ رَأَيْت الدَّهْر؟ فَقَالَ: وهوبا لما سلب، سلوبا لما وهب، كَالصَّبِيِّ إِذا لعب. وَقَالَ أَعْرَابِي: لَا يقوم عَن الْغَضَب بذل الِاعْتِذَار. وَوصف آخر رجلا فَقَالَ: ذَاك مِمَّن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، وَلَا يستمرا ظلمه. وَقَالَ آخر: فلَان حتف الأقران غَدَاة النزال، وربيع الضيفان عَشِيَّة النُّزُول. وَقَالَ آخر: لكل كاس حاس، وَلكُل عَار كاس. وَقَالَ آخر: لَا أمس ليومه، وَلَا قديم لِقَوْمِهِ. وَقَالَ آخر: فلَان أفْصح خلق الله كلَاما، إِذا حدث، وَأَحْسَنهمْ استماعاً إِذا حدث، وأمسكهم عَن الملاحاة إِذا خُولِفَ، يُعْطي صديقه النَّافِلَة وَلَا يسْأَله الْفَرِيضَة، لَهُ نفس عَن العوراء محصورة وعَلى الْمَعَالِي مَقْصُورَة، كالذهب

стр. 1188

الإبريز الَّذِي يعز فِي كل أَوَان وَالشَّمْس المنيرة الَّتِي لَا تخفى بِكُل مَكَان، هُوَ النَّجْم المضيء للجيران، والبارد العذب للعطشان. وَقَالَ آخر: فلَان لَيْث إِذا عدا، وغيث إِذا غَدا، وَبدر إِذا بدا، وَنجم إِذا هدى، وسم إِذا أردى. وَقَالَ آخر: الْفَقِير فِي الْأَهْل مصروم، والغني فِي الغربة مَوْصُول. وَقَالَ آخر: الاغتراب يرد الْجدّة ويكسب الْجدّة. وَقَالَ آخر: أعظم لخطرك، الآ ترى عَدوك أَنه لَك عَدو. قيل لأعرابي: كَيفَ أبنك؟ فَقَالَ: عَذَاب رعف بِهِ الدَّهْر، فليتني قد أودعته الْقَبْر، فَلِأَنَّهُ بلَاء لَا يقاومه الصَّبْر، وَفَائِدَة لَا يجب فِيهَا الشُّكْر. قَالَ أَعْرَابِي: لَا تضع سرك عِنْد من لَا سر لَهُ عنْدك. وَقَالَ آخر: من سعى رعى، وَمن لزم الْمَنَام رأى الأحلام. قَالَ أَعْرَابِي لرجل: وَيحك! إِن فلَانا وَإِن ضحك إِلَيْك فَإِن قلبه يضْحك مِنْك، وَلَئِن أظهر الشَّفَقَة عَلَيْك، فَإِن عقاربه لتسري إِلَيْك فَإِن لم تتخذه عدوا فِي علانيتك، فَلَا تَجْعَلهُ صديقا فِي سريرتك. وحذر آخر رجلا فَقَالَ: احذر فلَانا فَإِنَّهُ كثير الْمَسْأَلَة حسن الْبَحْث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخِره وَيعْتَبر مَا أخرت بِمَا قدمت فباثه مباثة الأَرْض، وَتحفظ مِنْهُ تحفظ الْخَائِف وَاعْلَم أَن من يقظة الْمَرْء إِظْهَار الْغَفْلَة مَعَ الحذر. قَالَ أَعْرَابِي: حاجيتك: مَا ذُو ثَلَاث آذان تسبق الْخَيل بالرديان؟ يَعْنِي: سَهْما. ومدح أَعْرَابِي نَفسه فَقيل لَهُ: أتمدح نَفسك؟ قَالَ: أفآكلها إِلَى غَيْرِي.

стр. 1189

قَالَ آخر: أفآكلها إِلَى عَدو يذمني. وَقَالَ آخر: الْخَيل تجْرِي فِي المروج على أعراقها، وَفِي الحلبة على جدود أَرْبَابهَا، وَفِي الطّلب على إقبال فرسانها وَفِي الْهَزِيمَة على آجالهم. وَقَالَ آخر: حق الجليس إِذا دنا أَن يرحب بِهِ، وَإِذا جلس أَن يُوسع لَهُ، وَإِذا حدث أَن يقبل عَلَيْهِ. وَقَالَ آخر: هَلَاك الْوَلِيّ فِي صَاحب يحسن القَوْل وَلَا يحسن الْعَمَل. وَقَالَ أَعْرَابِي فِي الثَّنَاء على الرشيد عَام حج، قد أصبح المختلفون مُجْتَمعين على تقريظك ومدحك، حَتَّى أَن الْعَدو يَقُول اضطراراً مَا يَقُوله الْوَلِيّ اخْتِيَارا، والبعيد يَثِق من إنعامك عَاما، بِمَا يَثِق بِهِ الْقَرِيب خَاصّا. وَقَالَ آخر لِلْحسنِ بن سهل: قد أَصبَحت للخاصة عدَّة، وللعامة عصمَة، وَللْإِمَام ثِقَة، وللغني جمالاً، وللفقير ثمالاً. وَمن كَلَامهم: اندب إِلَى طَعَامك من تَدعُوهُ إِلَى جفانك. وَمِنْه: الْحِيلَة لعطف المتجني، أعْسر من نيل المتمني. وَمِنْه: الْعقل وَزِير نَاصح، والهوى وَكيل فاضح. وَقَالَ آخر لصَاحب لَهُ: لَا تقل فِيمَا لَا تعلم، فتتهم فِيمَا تعلم. وَقَالَ آخر: نبو النّظر عنوان الشَّرّ، وَقَالَ آخر: استشر عَدوك الْعَاقِل، وَلَا تستشر صديقك الأحمق، فَإِن الْعَاقِل يَنْفِي على رَأْيه الزلل، كَمَا يَتَّقِي الْوَرع على دينه الْحَرج. وَمن كَلَامهم: الحسود لايسود. وَمِنْه: الواقية خير من الراقية. وَقَالَ بَعضهم: لم تَجْتَمِع ضعفا إِلَّا قووا حَتَّى يمتعوا، وَلم يتفرقوا قَوِيا إِلَّا ضعفوا حَتَّى يخضعوا. قَالَ أَعْرَابِي: العبوس بؤس، والبشر بشرى، وَالْحَاجة تفتق الْحِيلَة وَالْحِيلَة تشحذ الطبيعة.

стр. 1190

وَقَالَ آخر: مجالسة الأحمق خطر، وَالْقِيَام عَنهُ ظفر. قَالَ الْأَصْمَعِي: جلس إِلَى أَعْرَابِي تَقْتَحِمُهُ الْعين يحمي دربه. وَالله مَا ظننته يجمع بَين كَلِمَتَيْنِ فاستنطقته، فَإِذا نَار تأجج فَقلت: أتحسن شَيْئا من الْحِكْمَة تفِيد مِنْهُ؟ قَالَ: نعم، الرُّجُوع عَن الصمت أحسن من الرُّجُوع عَن الْكَلَام، والعطية بعد الْمَنْع، أجمل من الْمَنْع بعد الْعَطِيَّة، والإقدام على الْعَمَل بعد التأني فِيهِ، أحسن من الْإِمْسَاك عَنهُ بعد الْإِقْدَام عَلَيْهِ. قَالَ فَعظم فِي عَيْني حَتَّى مَلأ عَيْني وقلبي هَيْبَة. قَالَ أَعْرَابِي: الْعذر الْجَمِيل أحسن من المطل الطَّوِيل، فَإِذا أردْت الإنعام فانجح، فَإِن تَعَذَّرَتْ الْحَاجة فأفصح. قيل لأعرابي: مَا وقوفك هَا هُنَا؟ فَقَالَ: وقفت مَعَ أَخ لي يَقُول بِلَا علم، وَيَأْخُذ بِلَا شكر، وَيرد بِلَا حشمة. قَالَ أَعْرَابِي لآخر: لَا كل لسَانك عَن الْبَيَان، وَلَا أسكتك الزّجر والهوان. وَقَالَ آخر لرجل: حَاجَتي إِلَيْك حَاجَة الضال إِلَى المرشد، والمضل إِلَى المنشد. وَقَالَ آخر: بالفحول تدْرك الذحول. وَقَالَ آخر: أَنا أستنجدك إِذا كنت مُضَافا، وأسترفدك إِذا كنت مضيفاً. قيل لأعرابي: كَيفَ أَصبَحت؟ قَالَ: أَصبَحت أحتسب على الله الْحَسَنَة، وَلَا أحتسب على نَفسِي السَّيئَة. وَقَالَ آخر وَقد قيل لَهُ: أَيَسُرُّك أَنَّك أَحمَق وَأَن لَك مائَة ألف دِرْهَم؟ قَالَ: لَا. قيل: وَلم؟ قَالَ: لِأَن حمقة وَاحِدَة تَأتي على مائَة ألف، وَألْفي بعْدهَا أَحمَق. قَالَ آخر: من جاد بِمَالِه فقد جاد بِنَفسِهِ، إِلَّا يكن جاد بهَا فقد جاد بقوامها. وَقَالَ آخر: من هذل جَوَاده فِي الرخَاء، قَامَ بِهِ فِي الشدَّة.

стр. 1191

ذكر رجل عِنْد أَعْرَابِي بِشدَّة الْعِبَادَة فَقَالَ: هَذَا وَالله رجل سوء يظنّ أَن الله لَا يرحمه حَتَّى يعذب هَذَا التعذيب. قَالَ رجل لشيخ بدوي: تمرنا أَجود من تمركم. فَقَالَ: تمرنا جرد فطس، عراض كَأَنَّهَا ألسن الطير، تمضغ التمرة فِي شدقك فتجد حلاوتها فِي عقبك. قَالَ أَعْرَابِي: سَأَلت فلَانا حَاجَة أقل من قِيمَته، فردني ردا أقبح من خلقته. وَقَالَ: مواقعة الرجل أَهله من غير عَبث من الْجفَاء. قيل لأعرابي: مَا تصنع بالبادية إِذا اشْتَدَّ القيظ وحمي الْوَطِيس. فَقَالَ: يمشي أَحَدنَا ميلًا، حَتَّى يرفض عرقاً ثمَّ ينصب عَصَاهُ، ويلقي عَلَيْهَا كَسَاه، فَكَأَنَّهُ فِي إيوَان كسْرَى. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت أَعْرَابِيًا يُصَلِّي ويسيء الصَّلَاة فَقَالَ لَهُ رجل: يَا أَعْرَابِي، أحسن صَلَاتك. فَقَالَ: إِن المطالب بهَا كريم. عَابَ أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: هم أقل النَّاس ذنوباً إِلَى أعدائهم، وَأَكْثَرهم تجرماً على أصدقائهم، يَصُومُونَ عَن الْمَعْرُوف، ويفطرون على الْفَحْشَاء. وصف بعض الْأَعْرَاب النِّسَاء فَقَالَ: عَلَيْك مِنْهُنَّ بالجاليات الْعُيُون، الآخذات بالقلوب، بارع الْجمال، وَعظم الأكفال، وسعة الصُّدُور ولين الْبشرَة ورقة الأنامل وسبوطة الْقصب، وجزالة الأسوق، وجثولة الْفُرُوع، ونجالة الْعُيُون، وسهولة الخدود، وامتداد القوام، ورخامة الْمنطق، وَحسن الثغور، وَصغر الأفواه وصفاء الألوان. وصف أَعْرَابِي امْرَأَة: هِيَ خَالِيَة إِلَّا من أَلا وليت. قيل لأعرابي: كَيفَ كتمانك للسر؟ فَقَالَ: أجحد الْمخبر، وأحلف للمستخبر.

стр. 1192

قيل لآخر: بِمَاذَا تغلب النَّاس؟ قَالَ: أبهت بِالْكَذِبِ، وأستشهد بالموتى. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلت أَعْرَابِيًا عَن الدُّنْيَا فَقَالَ: إِن الآمال قطعت أَعْنَاق الرِّجَال، كالسراب، غر من رَآهُ، وأخلف من رجاه، وَمن كَانَ اللَّيْل وَالنَّهَار مطيته، أَسْرعَا السّير بِهِ وَالْبُلُوغ. ثمَّ أنْشد يَقُول: الْمَرْء يدْفع بِالْأَيَّامِ يَدْفَعهَا ... وكل يَوْم مضى يدني من الْأَجَل ذكر أَعْرَابِي رجلا بقلة الْحيَاء فَقَالَ: لَو دقَّتْ بِوَجْهِهِ الْحِجَارَة لرضها وَلَو خلا بِالْكَعْبَةِ لسرقها. قيل لأعرابي: بِمَ سدت قَوْمك؟ قَالَ: بِحَسب لَا يطعن عَلَيْهِ، ورأي لَا يسْتَغْنى عَنهُ. قيل لآخر: بِمَ تعرفُون السؤدد فِي الْغُلَام؟ قَالَ: إِذا كَانَ سابل الْغرَّة، طَوِيل الغرلة، ملتاث الأزرة، وَكَانَت فِيهِ لوثة، فلسنا نشك فِي السؤدد. وَقَالَ آخر لسنان بن سَلمَة الْهُذلِيّ: مَا أَنْت بأرسخ فَتكون فَارِسًا، وَلَا بعظيم الرَّأْس فَتكون سيداً. وَقَالَ بَعضهم: نَحن لَا نسود إِلَّا من موطننا رَحْله، ولفرسنا عرضه ويملكنا مَاله. سَأَلَ أَعْرَابِي عَن رجل فَقَالَ: أَحمَق مَرْزُوق. فَقَالَ: وَالله ذَاك الرجل الْكَامِل. قَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: تمرنا جرد فطس، يغيب فِيهَا الضرس عراض كَأَنَّهَا ألسن الطير تضع التمرة فِي فِيك فتجد حلاوتها فِي كعبك. قَالَ أَعْرَابِي لِأَخِيهِ: إِن لم يكن مَالك لَك، كنت أَنْت لَهُ، فَإِن لم تفنه، أفناك، فكله قبل أَن يَأْكُلك.

стр. 1193

وَحلف آخر فَقَالَ: لَا وَالَّذِي شقهن خمْسا من وَاحِد، وَأَشَارَ إِلَى كَفه، شقّ الرِّجَال للخيل، وَالْجِبَال للسيل. وَقَالَ آخر فِي رجل: صغره فِي عَيْني، كبر الدُّنْيَا فِي عينه. قيل لأعرابي: كَيفَ حزنك على ولدك؟ قَالَ: مَا ترك لنا حب الْغَدَاء وَالْعشَاء حزنا. قيل لرجل مِنْهُم كَانَ يجمع بَين ضرائر: كَيفَ تقدر على جمعهن قَالَ: كَانَ لنا شباب يظأرهن علينا، وَمَال يصيرهن لنا، ثمَّ قد بَقِي لنا خلق حسن، فَنحْن نتعايش بِهِ. قَالَ أَعْرَابِي: مَا تمّ عقل أحد، إِلَّا قل كَلَامه. وَقَالَ أَعْرَابِي: إِن فلَانا ليكنس على أَعْرَاض النّيل من غيظه. وَقَالَ آخر: مَعَ الشعاب التحاب، والافراط فِي الزِّيَارَة مُمل، والتفريط فِيهَا مخل. قدم أَعْرَابِي على السُّلْطَان وَمَعَهُ كتاب قد كتب فِيهِ قصَّته، فَجعل يَقُول: هاؤم اقْرَءُوا كِتَابيه. فَقيل لَهُ: هَذَا يُقَال يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ: هَذَا وَالله شَرّ من يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّه يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بحسناتي وسيئاتي، وَأَنْتُم جئْتُمْ بسيئاتي، وتركتم حسناتي. قَالَ أَبُو العيناء: قلت لأعرابي: إِن الله محاسبك فَقَالَ: سررتني فَإِن الْكَرِيم إِذا حاسب تفضل. وَقَالَ مُعَاوِيَة لأعرابي: مَا الْعَيْش؟ قَالَ: ركُوب الْهوى وَترك الحيا. قيل لأعرابي وَقد عمر مائَة وَعشْرين سنة: مَا أطول عمرك؟ قَالَ: تركت الْحَسَد فَبَقيت.

стр. 1194

حلف أَعْرَابِي بِالْمَشْيِ إِلَى بَيت الله أَلا يكلم ابْنه فحضرته الْوَفَاة فَقيل لَهُ: كَلمه قبل أَن تفارق الدُّنْيَا. قَالَ: وَالله مَا كنت قطّ أعجز عَن الْمَشْي إِلَى بَيت الله منى السَّاعَة. قَالَ عبد الْملك لأعرابي: تمن. قَالَ: الْعَافِيَة. قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: رزق فِي دعة. قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ الخمول، فَإِنِّي رَأَيْت الشَّرّ إِلَى ذَوي النباهة أسْرع. قيل لأعرابي من بني يَرْبُوع: مالكم على مِثَال وَاحِد؟ قَالَ: لأَنا من بني فَحل وَاحِد. ذمّ أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: عَلَيْهِ كل يَوْم قسَامَة من فعله تشهد عَلَيْهِ بِفِسْقِهِ وشهادات الْأَفْعَال، أعدل من شَهَادَات الرِّجَال. وَذكر آخر رجلا بالعي فَقَالَ: رَأَيْت عورات النَّاس بَين أَرجُلهم وعورة فلَان بَين فَكَّيْهِ. وَقَالَ آخر لرجل دَفعه: لتجدني ذَا منْكب مزحم، وركن مدعم، وَرَأس مصدم، ولسان مرجم وَوَطْء ميثم. قَالَ الْأَصْمَعِي: نظر أَعْرَابِي إِلَى الْهلَال فَقَالَ: لَا مرْحَبًا بك عقفان يحل الدّين، وَيقرب الْآجَال. قيل لأعرابي: مَا تلبس؟ فَقَالَ: اللَّيْل إِذا عسعس، وَالصُّبْح إِذا تنفس. سُئِلَ أَعْرَابِي عَن ألوان الثِّيَاب فَقَالَ: الصُّفْرَة أشكل والحمرة أجمل والخضرة أنبل والسواد أهول وَالْبَيَاض أفضل. وصف أَعْرَابِي الْكتاب، وَقد دخل الدِّيوَان فَرَآهُمْ فَقَالَ: أَخْلَاق حلوة وسمائل معشوقة ووقار أهل الْعلم وظرف أهل الْفَهم فَإِن سبكتهم وَجَدتهمْ كالزبد يذهب جفَاء. وذم أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: عبد الْبدن، خَز الثِّيَاب، عَظِيم الرواق، صَغِير الْأَخْلَاق، الدَّهْر يرفعهُ وهمته تضعه.

стр. 1195

قيل لأعرابي ينسج: أَلا تَسْتَحي أَن تكون نساجاً؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أستحي أَن أكون أخرق لَا أَنْفَع أَهلِي. مد الْمَأْمُون يَده إِلَى الْأَعرَابِي ليقبلها فَتَنَاولهَا بكمه فَقَالَ: أتتقزز مِنْهَا؟ قَالَ: لَا بل أتقزز لَهَا. وصف أَعْرَابِي قوما فَقَالَ: هم كلاب وَفُلَان من بَينهم سلوتي. سُئِلَ رجل عَن نسبه فَقَالَ: أَنا ابْن أُخْت فلَان. فَقَالَ أَعْرَابِي: النَّاس ينتسبون طولا وَأَنت تنتسب عرضا. رأى أَعْرَابِي عوداً فَلَمَّا عَاد إلىالبادية وَصفه لأَصْحَابه فَقَالَ: رَأَيْت خشباً محدودب الظّهْر، أرسح الْبَطن، أكلف الْجلد، أجوف أغضف، جَبينه فِي استه، وَعَيناهُ فِي صَدره، وأمعاءه خَارج بَطْنه، بهَا يتَكَلَّم، وعينه تترجم، معروك الْأذن، مخنوق الْحلق. سُئِلَ آخر عَن امْرَأَته فَقَالَ: أفنان أثلة، وجنى نَخْلَة، وَمَسّ رَملَة وَكَأَنِّي قادم فِي كل سَاعَة من غيبَة. اجْتمع إعرابي مَعَ صَاحِبَة لَهُ فَلَمَّا قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من امْرَأَته ذكر معاده فاستعصم وَقَالَ: إِن من بَاعَ جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض بِمِقْدَار فتر بَين رجليك، لقَلِيل الْبَصَر بالمساحة. اشْتَكَى أَعْرَابِي بالحضر فَقيل: مَا تشْتَهي؟ قَالَ: حشك فلاة، وحسي قلاة. قَالَ أَعْرَابِي لرجل: اكْتُبْ لِابْني تعويذاً. فَقَالَ: مَا اسْمه؟ قَالَ: فلَان قَالَ: فَمَا اسْم أمه؟ قَالَ: وَلم عدلت عَن اسْم أَبِيه؟ قَالَ: لِأَن الْأُم لَا يشك فِيهَا. قَالَ: فَاكْتُبْ: فَإِن كَانَ ابْني فعافاه الله، وَإِن لم يكن ابْني فَلَا شفَاه الله. قيل لأعرابي: مَا تَقول فِي إِبْنِ الْعم؟ قَالَ: عَدوك وعدو عَدوك. وَوعظ آخر ابْنا لَهُ أفسد مَاله فِي الشَّرَاب فَقَالَ: لَا الدَّهْر يعظك وَلَا الْأَيَّام تنذرك، وَلَا الشيب يزجرك، والساعات تعد عَلَيْك، والأنفاس تعد مِنْك والمنايا تقاد إِلَيْك، أحب الْأَمريْنِ إِلَيْك، أردهما بالمضرة عَلَيْك.
следующие страницы →