← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

المرزم وَهُوَ الَّذِي على طرف يَده الْيُمْنَى قُدَّام النير الْعَظِيم مَعَ الْكَوْكَب الْمُتَقَدّم من كوكبين خفيتين على ركبته الْيُسْرَى حضار وَالْوَزْن تسميهما المحلفين والمحنثين أَيْضا، لِأَنَّهُمَا يطلعان قبل السهيل، فيقدران أَحدهمَا سُهَيْل، وَفِي ذَلِك غلط لِأَن سهيلاً كَوْكَب نير عَظِيم فِي الْقدر الأول، مُنْفَرد، لَا يجاوره شَيْء من الْكَوَاكِب وَهَذَانِ هما من الْقدر الثَّالِث فِيمَا بَين كواكب كَثِيرَة يطلعان فِي وَقت وَاحِد ويرتفعان عَن الْآفَاق الَّتِي يرْتَفع فِيهَا سُهَيْل ارتفاعاً كثيرا، فَلَا يشبهان سهيلاً وكواكبها فِي السرطان والقرود خَارِجَة من الصُّورَة فِي الجوزاء. كوكبة الْكَلْب الْأَصْغَر وهما كوكبان بَين النيرين اللَّذين هما على رَأس التوأمين، وَبَين النير الْعَظِيم الَّذِي على فَم الْكَلْب الْأَكْبَر يتَأَخَّر عَنْهُمَا إِلَى الْمشرق، أَحدهمَا أنور وَهُوَ الشعرى الشامية وَيُسمى أَيْضا الشعرى الغميصاء لِأَن عِنْدهم أَنه أُخْت سُهَيْل وَأَنه لما عبرت اليمانية المجرة إِلَى الْجنُوب وإِلى نَاحيَة سُهَيْل فَبَكَتْ حَتَّى غمصت عَيناهَا ويسمون أَيْضا الِاثْنَيْنِ ذِرَاع الْأسد المقبوضة، سميت مَقْبُوضَة لتأخرها عَن الذِّرَاع الْأُخْرَى النيرين اللَّذين على رَأس التوأمين. وَأكْثر الروَاة زَعَمُوا أَنه الْمنزل السَّابِع من منَازِل الْقَمَر، وَذَلِكَ غلط لِأَن الْقَمَر ينزل بالذراع الْأُخْرَى المبسوطة وَهِي من الكوكبين النيرين الَّذين على رَأس التوأمين، والكوكبان اللَّذَان من صُورَة الْكَلْب الْمُتَقَدّم فِي السرطان. كوكبة السَّفِينَة وكواكبها خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ كوكباً من الصُّورَة، وَالرِّوَايَات عَن الْعَرَب فِي هَذِه الْكَوَاكِب وَفِي السهيل مُخْتَلفَة، فَروِيَ بَعضهم أَنهم يسمون النير الْعَظِيم الَّذِي على طرف السكان الثَّانِي سهيلاً على الْإِطْلَاق وَأَن الْكَوَاكِب النيرة الَّتِي تليه يسمونها سُهَيْل بلقين وَسُهيْل حضار وَسُهيْل رقاس وَسُهيْل الْوَزْن، وَسُهيْل المحلف والمحنث، وَزعم قوم أَن تَحت سُهَيْل قدمي سُهَيْل، وَأَن تَحت قدمي سُهَيْل كواكب زهر بيض، لَا ترى بالعراق وَلَا بِنَجْد، وَأَن أهل تهَامَة يسمونها الْبَقر، وَسُهيْل فِي الجوزاء. كوكبة الشجاع وكواكبها خَمْسَة وَعِشْرُونَ كوكباً من الصُّورَة وَاثْنَانِ خَارج الصُّورَة وعَلى آخر الْعُنُق كَوْكَب يُسَمِّيه الْعَرَب الْفَرد لانفراده عَن أشباهه وتنحيه إِلَى نَاحيَة الْجنُوب وَأما سَائِر الْكَوَاكِب فقد اخْتلفت الرِّوَايَة فِيهَا عَن الْعَرَب،

стр. 1367

وَقَالَ بَعضهم أَن بَين كَوْكَب الْفَرد وَبَين الخبأ كواكب مستطيلة مثل الْحَبل تسمى الشراسيف، الشراسيف والخبأ كواكب مستديرة تسمى المعلف أَرَادَ بذلك كَوْكَب الباطئة ثمَّ ذكر أَن هُنَاكَ عرش السماك وَأَنه يُسمى الْأَحْمَال وَهُوَ كوكبة الْغُرَاب بِعَينهَا وَذكر بعد ذَلِك أَن بَين الْفَرد وَبَين الزباني الْعَقْرَب الخبأ الْيَمَانِيّ وَلَيْسَ هُنَاكَ خبأ غير كوكبة الْغُرَاب وَقَالَ بَعضهم أَن بَين الْفَرد والزباني الْعَرَب الخبأ ثمَّ الْفَرد ثمَّ الشراسيف ثمَّ المعلف وَأكْثر رواياتهم عَن الْعَرَب كَذَلِك وَقد قَالَ غَيره والشراسيف هِيَ كوكبة الشجاع أَرَادَ بذلك كوكبة الشجاع، وَأَرَادَ بالخبأ كوكبة الْغُرَاب، وَأَن بَين الشراسيف، أَرَادَ بذلك كوكبة الشجاع بَين الْفَرد وَبَين كوكبه الْغُرَاب الَّتِي تسمى عرش السماك وَهِي أحد عشر كوكباً على مثلث على جنوب كوكبة الْغُرَاب، وَأحد الكوكبين الخارجين عَن الصُّورَة، وَهُوَ الثَّانِي مِنْهُمَا يخرج مِنْهُ سطر فِيمَا بَين كوكبه الخارجين والشجاع، وَبَين كوكبه الْأسد تسمى الْخَيل مَعَ الْكَوَاكِب النيرة الَّتِي تقع فِي السطر من كوكبة الْأسد مَعَ الْبَقِيَّة من كوكبة الشجاع وَالْكَوَاكِب الصغار الَّتِي فِي أَثْنَائِهَا، تسمى أفلاء الْخَيل، وَفِي خلالها كوكبة الباطئة بَين الْفَرد وَبَين كوكبة الْغُرَاب يُسمى المعلف. وكواكب الشجاع فِي السرطان والأسد والسنبلة. كوكبة الباطئة هِيَ سَبْعَة كواكب على شمال كوكبة الشجاع وَالْعرب تسميها المعلف، وَهِي السنبلة. كوكبة الْغُرَاب: سَبْعَة كواكب خلف الباطئة وعَلى جنوب السماك الأعزل وَالْعرب تسميها عجز الْأسد، فتزعم أَن الْقَمَر رُبمَا قصر فَنزل بعجز الْأسد، وتسميها أَيْضا عرش السماك الأعزل، وتسميها الْأَحْمَال أَيْضا والخبأ، وَهِي فِي السنبلة. كوكبة القنطورس وَهِي حَيَوَان مقدمه مقدم إِنْسَان من رَأسه إِلَى آخر ظَهره، ومؤخره مُؤخر فرس، من منشأ ظَهره إِلَى ذَنبه على جنوب كوكبة الْمِيزَان وَجهه إِلَى الشرق، ومؤخر الدَّابَّة إِلَى الْمغرب. وكواكبه سَبْعَة وَثَلَاثُونَ كوكباً. كوكبة السَّبع: وَهِي ثَمَانِيَة عشر كوكباً خلف كوكبة قنطورس وَبَعضهَا مختلطة بهَا، وَالْعرب تسمى كواكب الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا الشماريخ، وَهِي تشبه الشماريخ لكثرتها وكثافة جمعهَا، ويسمون النير الَّذِي على طرف الْيَد الْيُمْنَى من

стр. 1368

الدَّابَّة، مَعَ النير الَّذِي على ركبة الْيَد الْيُسْرَى مِنْهَا حضار وَالْوَزْن ويسمونها محلفين، لِأَن الْمُتَقَدّم مِنْهُمَا يمر على مجْرى سُهَيْل أَو قريب مِنْهُ، فَإِذا طلع أَحدهمَا يُشبههُ من رَآهُ بسهيل فَيَقُول إِنَّه سُهَيْل، وَيَرَاهُ غَيره فيعرفه فَيَقُول لَيْسَ بسهيل فيتحالفان فَيحنث أَحدهمَا. وَلم يذكر أَن أَيهمَا حضار وَأيهمَا الْوَزْن فَيجوز أَن يكون الْمُتَقَدّم حضار لأَنهم يبدأون بِهِ عِنْد ذكرهمَا، وكواكبه جَمِيعًا فِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب. كوكبة المجمرة سَبْعَة كواكب على جنوب الخرزة الرَّابِعَة وَالْخَامِسَة من ذَنْب الْعَقْرَب وَلم يذكر فِيهَا عَن الْعَرَب شَيْء وَهِي فِي الْقوس. كوكبة الإكليل الجنوبي ثَلَاثَة عشر كوكباً من الصُّورَة فِيمَا بَين النعامين، وَقَالُوا عَن الْعَرَب أَنَّهَا تسميها الْقبَّة لاستدارتها، وَزَعَمُوا أَنَّهَا أَسْفَل من شولة الْعَقْرَب، وَلَيْسَ هُنَاكَ كواكب مستديرة تشبه الْقبَّة غَيرهَا، وَذكر أَكْثَرهم أَن وَرَاء الْقبَّة الصردين، والصردان من كوكبة الرَّامِي أَحدهمَا على الْفَخْذ الْيُسْرَى من الدَّابَّة، وَهُوَ الصرد الْأَعْلَى وَالْآخر على سَاقه الْيُمْنَى، وَقَالَ آخَرُونَ أَنَّهَا تسمى أدحى النعام وَهُوَ عشه، لِأَنَّهَا على جنوب النعائم الصَّادِر والوارد وَهِي فِي الْقوس. كوكبه الْحُوت الجنوبي: أحد عشر كوكباً من الصُّورَة على جنوب كوكبة الدالي رَأسه إِلَى الْمشرق، وذنبه إِلَى الْمغرب، وَالْعرب تسمي الَّذِي على فَم الضفدع الأول الظليم وَهُوَ المُشْتَرِي بَينه ويبن كوكبة الدالي، وَهُوَ على آخر يم المَاء. هَذَا آخر الصُّور. مِمَّا كَانَت تَقوله الْعَرَب: كَانُوا يَقُولُونَ: أَن الدبران خطب الثريا وَأَرَادَ الْقَمَر أَن يُزَوجهُ فَأَبت عَلَيْهِ، وَوَلَّتْ عَنهُ، وَقَالَت للقمر: مَا أصنع بِهَذَا السبروت الَّذِي لَا مَال لَهُ؟ فَجمع الدبران قلاصه ليتزوج بهَا، فَهُوَ يتبعهَا حَيْثُ تَوَجَّهت بسوق صَدَاقهَا، قَالَ من يعنون القلاص ويزعمون أَن الجدي قتل نعشاً فبناته تدرن بِهِ تريده، وَأَن سهيلاً خطب الجوزاء فركضته برجلها، فَطَرَحته حَيْثُ هوى، وضربها هُوَ بِالسَّيْفِ فَقطع وَسطهَا.؟

стр. 1369

الْبَاب السَّادِس أسجاع الكهنة تحاكم عبد الْمطلب بن هِشَام وَبَنُو ثَقِيف إِلَى عزي سَلمَة الكاهن، فِي مَاء بِالطَّائِف يُقَال لَهُ ذُو الْهَرم فجَاء الثقفيون فاحتفروه فخاصمهم عبد الْمطلب إِلَى عزي وخبأوا لَهُ رَأس جَرَادَة فِي خرزة مزادة وجعلوه فِي قلادة كلب لَهُم يُقَال لَهُ سوار، فَلَمَّا وردوا عَلَيْهِ قَالَ: حَاجَتكُمْ؟ فَقَالُوا لَهُ: خبأنا لَك خبيئاً فأنبئنا عَنهُ أَولا. فَقَالَ: خبأتم لي شَيْئا طَار فسطع، فتصوب فَوَقع، فِي الأَرْض مِنْهُ بقع. قَالُوا: لاده، أَي بَينه. قَالَ هُوَ شَيْء طَار، فاستطار، ذُو ذَنْب جرار، وساقِ كالمنشار، وَرَأس كالمسمار فَقَالُوا: لاده، قَالَ: إِن لاده فلاده، هُوَ رَأس جَرَادَة فِي خرز مزادة فِي عنق سوار ذِي القلادة قَالُوا: صدقت. وانتسبوا لَهُ، وَقَالُوا: أخبرنَا فِيمَا اختصمنا إِلَيْك؟ قَالَ: أَحْلف بالضياء وَالظُّلم، وَالْبَيْت وَالْحرم، أَن الدفين ذَا الْهَرم، للقرشي ذِي الْكَرم، فَغَضب الثقفيون وَقَالُوا: اقْضِ لأرفعنا مَكَانا، وأعظمنا جفانا، وأشدنا طعانا، فَقَالَ عبد الْمطلب: اقْضِ لصَاحب الْخيرَات الْكبر، وَلمن كَانَ سيد مُضر، ولساقي الحجيج إِذا كثر. فَقَالَ الكاهن: إِن مقالي فَاسْمَعُوا شَهَادَة: إِن بني النَّضر كرام سادة، من مُضر الْحَمْرَاء ذِي القلادة، أهل سناء مُلُوك قادة، زِيَارَة الْبَيْت لَهُم عبَادَة. ثمَّ قَالَ: إِن ثقيفاً عبد من قيس فَأعتق فولد فأبق، فَلَيْسَ لَهُ فِي النّسَب من حق. دَعَا أُميَّة بن عبد شمس، هَاشم بن عبد منَاف إِلَى المنافرة فَقَالَ هَاشم: فَإِنِّي أنافره على خمسين نَاقَة سود الحدق ننحرها بِمَكَّة، أَو الْجلاء عَن مَكَّة عشر

стр. 1370

سِنِين، فَرضِي أُميَّة، وَجعلا بَينهمَا الْخُزَاعِيّ الكاهن، وخرجا إِلَيْهِ، ومعهما جمَاعَة من قومهما، فَقَالُوا: خبأنا خبيئاً فَإِن أَصَابَهُ تحاكمنا ليه، وَإِن لم يصبهُ تحاكمنا إِلَى غَيره، فوجدوا أَبَا همهمة، وَكَانَ مَعَهم أطباق جمجمة، فَأَمْسكهَا مَعَه، ثمَّ أَتَوا الكاهن فأناخوا بِبَابِهِ وَكَانَ منزله بعسفان فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قد خبأنا لَك خبيئاً فأنبئنا عَنهُ، فَقَالَ: أَحْلف بالضوء والظلمة، وَمن بتهامة من تُهْمَة، وَمَا بِنَجْد من أكمة، لقد خبأتم لي أطباق جمجمة، مَعَ البلندح أبي همهمة. قَالُوا: صدقت. احكم بَين هَاشم بن عبد منَاف وَبني أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، أَيهمَا أشرف بَيْتا ونسباً ونفساً؟ فَقَالَ: وَالْقَمَر الباهر، والكوكب الزَّاهِر، والغمام الماطر، وَمَا بالجو من طَائِر، وَمَا اهْتَدَى بِعلم مُسَافر، من منجد وغائر، لقد تسبق هَاشم أُميَّة إِلَى المآثر، أول مِنْهُ وَآخر، فَأخذ هَاشم الْإِبِل ونحرها وأطعمها من حضر، وَخرج أُميَّة إِلَى الشَّام فَأَقَامَ بهَا عشر سِنِين، فَيُقَال إِنَّهَا أول عَدَاوَة بَين بني هَاشم، وَبَين أُميَّة. كَانَت سعدى بنت كريز بن ربيعَة قد تطرقت وتكهنت، وَهِي خَالَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، رُوِيَ عَن عُثْمَان أَنه قَالَ: لما زوج النَّبِي ﷺ ابْنَته رقية من عتبَة بن أبي لَهب، وَكَانَت ذَات جمال رائع، دخلتني الْحَسْرَة أَو كالحسرة، أَلا أكون سبقت إِلَيْهَا، ثمَّ لم ألبث أَن انصرفت إِلَى منزلي فألقيت خَالَتِي، فَلَمَّا رأتني قَالَت: اُبْشُرْ وحييت ثَلَاثًا تترى ... ثمَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا أُخْرَى ثمَّ بِأُخْرَى كي تتمّ عشرا ... أَتَاك خيرٌ، ووقيت شرا نكحت وَالله حصانا زهرا ... وَأَنت بكر وَلَقِيت بكرا وافيتها بنت نفيسٍ قدرا ... بنت نَبِي قد أشاد ذكرا قَالَ عُثْمَان: فعجبت من قَوْلهَا، وَقلت: مَا تَقُولِينَ؟ فَقَالَت: عُثْمَان يَا ابْن أُخْتِي يَا عُثْمَان ... لَك الْجمال وَلَك الْبَيَان

стр. 1371

هَذَا نَبِي مَعَه الْبُرْهَان ... أرْسلهُ بِحقِّهِ الديَّان وجاءه التَّنْزِيل وَالْفرْقَان ... فَاتبعهُ لَا تحتالك الْأَوْثَان فَقلت: يَا خَالَة، إِنَّك لتذكرين مَا قد وَقع ذكره فِي بَلْدَتنَا فاثبتيه لي، فَقَالَت: إِن مُحَمَّد بن عبد الله رَسُول من عِنْد الله جَاءَ بتنزيل الله، يَدْعُو إِلَى الله، مصباحه مصباحٌ، وَقَوله صلاحٌ، وَدينه فلاحٌ، وَأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت لَهُ البطاح، مَا ينفع الصياح، لَو وَقع الذباح، وسلت الصفاح وَمَرَّتْ الرماح، قَالَ: ثمَّ قَامَت فَانْصَرَفت وَوَقع كَلَامهَا فِي قلبِي، وَجعلت أفكر فِيهِ. وَذكر بعد ذَلِك إِسْلَامه وتزويجه برقية، فَكَانَ يُقَال: أحسن زوج رقية وَعُثْمَان فَقيل فيهمَا: أحسن زوج رَآهُ إِنْسَان، رقية وزوجه عُثْمَان. وروى الْمَدَائِنِي: أَن قُريْشًا وثقيفاً اخْتَصَمُوا فِي أَرض، فَجعلت ثَقِيف أمرهَا إِلَى كدام أَو كلدة، وَقَامَ لقريش عبد الْمطلب، فَقَالَ الثَّقَفِيّ لعبد الْمطلب: أَنا فرك فأينا نفر فَالْمَال لأَصْحَابه، وتراضوا بسطيح، فَخَرجُوا وخبأوا لَهُ عين جَرَادَة، فِي خرزة مزادة، فَسَارُوا سبعا، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالَ: لقد سِرْتُمْ سيراً بلغ زعزعة، وَوضع حَتَّى تدليتم النَّقْع فِي آخر السَّبع، قَالُوا: صدقت. قَالَ: إِن شِئْتُم أَخْبَرتكُم قَالُوا: قد شِئْنَا. قَالَ: طَار فسطع، فصاح فضبح، وامتلأ فنضح، قَالُوا: زه، زهٍ، زهٍ. فَقَالَ الثَّقَفِيّ: احكم لأشدنا ضراباً، وأكثرنا أعتابا، وأفضلنا وطابا. فَقَالَ عبد الْمطلب: أحكم لأكرمنا فعالاً، وأكثرنا ضيفاناً، وأعظمنا جفاناً، قَالَ سطيح: وَالسَّمَاء وَالْأَرْض، وَمَا بَينهمَا من جدد ودحض، لعبد الْمطلب أولى بِكُل خفض وَرفع، وضر ونفع. وَذكر أَن بني كلاب وَبني ربَاب من بني نضر خاصموا عبد الْمطلب فِي مَال قريب من الطَّائِف، فَقَالَ عبد الْمطلب: المَال مَالِي، فسلوني أعطكم، قَالُوا: لَا. قَالَ: فَاخْتَارُوا حَاكما. قَالُوا: ربيعَة بن حذار الْأَسدي، فتراضوا بِهِ، وعقلوا مائَة نَاقَة فِي الْوَادي وَقَالُوا: من حكم لَهُ، فالإبل وَالْمَال لَهُ، وَخَرجُوا، وَخرج مَعَ عبد الْمطلب حَرْب بن أُميَّة: فَلَمَّا نزلُوا ربيعَة، بعث إِلَيْهِم بجزائر فنحرها عبد

стр. 1372

الْمطلب وَأمر فَصنعَ جزوراً وَأطْعم من أَتَاهُ، وَنحر الكلابيون والنضريون ووشقوا، فَقيل لِرَبِيعَة فِي ذَلِك فَقَالَ: أَن عبد الْمطلب امْرُؤ من ولد خُزَيْمَة فَمَتَى يملق يصله بَنو عَمه، وَأرْسل إِلَيْهِم أَن اخبأوا لي خبئاً فَقَالَ عبد الْمطلب: خبأت كَلْبا اسْمه سوار وَفِي عُنُقه قلادة، فِي خرزة مزادة، وضممتها بِعَين جَرَادَة. فَقَالَ الْآخرُونَ: قد رَضِينَا بِمَا خبأت، وَأَرْسلُوا إِلَى ربيعَة، فَقَالَ: خبأتم خبيئاً حَيا. قَالُوا: زد، قَالَ: ذُو برثنٍ أغبر، وبطن أَحْمَر، وَظهر أنمر، قَالُوا: قربت، قَالَ: سما فسطع، ثمَّ هَبَط فلطع، فَترك الأَرْض بلقع. قَالُوا. قربت، فطبق، قَالَ: عين جَرَادَة، فِي خرزة مزادة، فِي عنق سوار ذِي القلادة، قَالُوا: زهٍ زهٍ! أصبت، فاحكم لأشدنا طعاناً، وأوسعنا مَكَانا. قَالَ عبد الْمطلب: أحكم لأولانا بالخيرات، وأبعدنا عَن السوءات، وَأَكْرمنَا أُمَّهَات. قَالَ ربيعَة: والغسق والشفق، والخلق الْمُتَّفق، مَا لبني كلاب وَبني ربَاب من حق، فَانْصَرف يَا عبد الْمطلب على الصَّوَاب، وَلَك فصل الْخطاب، فوهب عبد الْمطلب المَال لِحَرْب بن أُميَّة. جلس نفر من قُرَيْش فتحدثوا فَقَالَ أَبُو ربيعَة بن المغير. لَيْسَ فِي قُرَيْش كرجال ابْن مَخْزُوم، منا عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَفُلَان. فَقَالَ أسيد: إِلَيْك، بَنو قصي أشرف، فتداعوا إِلَى المنافرة فَقَالَ أسيد. إِن نافرتك أخرجتك من مَالك، وَإِن نافرتني فلك مَالِي. فتراضوا بالكاهن الْخُزَاعِيّ فَقَالَ فقيم بن أبي همهمة، مهلا يَا ربيعَة، فَأتى، وَخَرجُوا وَسَاقُوا إبِلا يَنْحَرهَا المنفر، فوجدوا فِي طريقهم حمامة وثمامة، فَأَخَذُوهَا ودفعوها إِلَى أُسَامَة عبد أبي همهمة فَجَعلهَا فِي ريش ظليم، فَقَالُوا للكاهن: مَا خبأنا؟ قَالَ: أما وغمامة تتبعها عِمَامَة، فَوَقَعت بِأَرْض تهَامَة، فطفا من وبلها كل طلح، لقد خبأتم لي فرخ حمامة أَو أُخْتهَا يمامة، فِي زف عِمَامَة، مَعَ غلامكم أُسَامَة، وَقَالُوا: احكم. فَقَالَ: أما وَرب الواطدات

стр. 1373

الشم، والجراول السود الصم، إِن أسيداً لَهو الْخصم، لَا يُنكر الْفضل لَهُ فِي الْقَمَر، أما وَرب السَّمَاء وَالْأَرْض، مَا لَاحَ لناظر، لقد سبق أسيد أَبَا ربيعَة بِغَيْر مراء. قَالُوا: فَقضى بِالْفَضْلِ لمخزوم فَقَالَ: أما وَرب العاديات الضبح، مَا يعدل الْحر بِعَبْدِهِ مفشح، بِمن أحل قومه بِالْأَبْطح، فَنحر أسيد وَرَجَعُوا فَأخذ مَال أبي ربيعَة، وَكَانَت أُخْت أسيد عِنْد أبي جهل فكلموها، فكلمت أخاها فَرد مَاله. ذكر الْأَصْمَعِي أَن هنداً كَانَت عِنْد الْفَاكِه بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَكَانَ لَهُ بَيت ضِيَافَة يَغْشَاهُ النَّاس فيدخلونه من غير إِذن، فَخَلا ذَلِك الْبَيْت يَوْمًا واضطجع فِيهِ الْفَاكِه وَهِنْد، ثمَّ قَامَ الْفَاكِه فَترك هنداً لأمر عرض لَهُ، فَأقبل رجل مِمَّن كَانَ يغشى الْبَيْت فولجه فَلَمَّا رأى الْمَرْأَة نَائِمَة ولى هَارِبا، فأبصر الْفَاكِه، فَإِذا رجل قد خرج من الْبَيْت فَأقبل الْفَاكِه إِلَى هِنْد فَرَفعهَا بِرجلِهِ وَقَالَ: من هَذَا الَّذِي كَانَ عنْدك؟ فَقَالَت: مَا رَأَيْت أحدا وَلَا انْتَبَهت حَتَّى أنبهتني. فَقَالَ لَهَا: الحقي بأبيك. قَالَت: أفعل، وَمَضَت من فورها، وَتكلم النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ لَهَا أَبوهَا: يَا بنية، إِن النَّاس قد أَكْثرُوا فِيك الْكَلَام، فأخبريني بالقصة على الصِّحَّة، فَإِن كَانَ كَاذِبًا دسست إِلَيْهِ من يقْتله، فتنقطع القالة عَنْك فَحَلَفت أيمناً بِأَنَّهُ لَكَاذِب عَلَيْهَا، فَقَالَ عتبَة للفاكه: إِنَّك قد رميت ابْنَتي بِأَمْر عَظِيم فَهَل لَك فِي أَن تحاكمني إِلَى بعض الْحُكَّام؟ فَخرج الْفَاكِه فِي جمَاعَة من بني مَخْزُوم، وَخرج عتبَة فِي جمَاعَة من بني عبد منَاف، وَخرج مَعَه هنداً ونسوة مَعهَا يهْدُونَ بعض الكهنة، فَلَمَّا شارفوا بِلَاد الكاهن، تنكرت حَال هِنْد وَتغَير لَوْنهَا، وَرَأى ذَلِك أَبوهَا فَقَالَ لَهَا: يَا بنية، إِنِّي أرابني مَا بك، وَمَا ذَاك إِلَّا لمكروه عَنْك، فَهَلا كَانَ هَذَا من قبل أَن يشهر عِنْد النَّاس سرنا؟ قَالَت: يَا أَبَت وَالله مَا الَّذِي رَأَيْت مني لمكروه، وَلَكِنِّي أعلم أَنكُمْ تأتون بشرا يُخطئ ويصيب، فَلَا آمن أَن يسمني ميسماً يكون على عاراً فِي الْعَرَب، قَالَ لَهَا: فَإِنِّي سأمتحنه قبل الْمَسْأَلَة بِشَيْء، وصفر لفرس لَهُ فأدلى ثمَّ أَخذ حَبَّة بر فَأدْخلهَا فِي إحليلة ثمَّ أوكى عَلَيْهَا بسير، وَتَركه حَتَّى إِذا وردوا على

стр. 1374

الكاهن أكْرمهم وتحر لَهُم، فَلَمَّا أكلُوا قَالَ عتبَة إِنَّا قد جئْنَاك فِي أَمر وَقد خبأت لَك خبيئاً أختبرك بِهِ فَانْظُر مَا هُوَ فَقَالَ: تَمْرَة فِي كمرة، فَقَالَ لَهُ عتبَة؟ أُرِيد أبين من هَذَا. قَالَ: حَبَّة بر، فِي إحليل مهر. قَالَ: صدقت، فَانْظُر فِي أَمر هَؤُلَاءِ النسْوَة. فَجعل يدنو من إِحْدَاهُنَّ وَيضْرب كتفها وَيَقُول: انهضي، حَتَّى دنا من هِنْد. فَضرب على كتفها وَقَالَ: انهضي غير رسحاء وَلَا زَانِيَة، ولتلدن ملكا يُقَال لَهُ مُعَاوِيَة: فَوَثَبَ إِلَيْهَا الْفَاكِه، فَأخذ بِيَدِهَا وَقَالَ لَهَا: ارجعي إِلَى بَيْتك، فنترت يَدهَا من يَده، وَقَالَت: إِلَيْك عني فوَاللَّه إِنِّي لأحرص أَن يكون من غَيْرك، فَتَزَوجهَا أَبُو سُفْيَان فَجَاءَت بِمُعَاوِيَة. خرج خَمْسَة نفرٍ من طَيئ من ذَوي الحجا والرأي، مِنْهُم برج بن مسْهر، وَهُوَ أحد المعمرين، وأنيف بن حَارِثَة بن لأم، وَعبد الله بن الحشرج أَبُو حَاتِم طَيء، وعارق الشَّاعِر وَمرَّة بن عبد رَضِي، يُرِيدُونَ سَواد بن قَارب الدوسي، ليمتحنوا علمه، فَلَمَّا قربوا من السراة، قَالُوا: ليخبأ كل رجل مِنْكُم خبيئاً، وَلَا يخبر بِهِ صَاحبه، لنسأله عَنهُ، فَإِن أصَاب عرفنَا علمه، وَإِن أَخطَأ ارتحلنا عَنهُ، فخبأ كل وَاحِد مِنْهُم خبيئاً ثمَّ صَارُوا إِلَيْهِ، فأهدوا لَهُ إبِلا وطرفاً من طرف الْحيرَة، فَضرب عَلَيْهِم قبَّة، وَنحر لَهُم، فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث دَعَا بهم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ. فَتكلم برج - وَكَانَ أسنهم - فَقَالَ: جادك السَّحَاب، وأمرع لَك الجناب، وضفت عَلَيْك النعم الرغاب، وَنحن أولو الآكال والحدائق والأغيال وَالنعَم الجفال، وَنحن أَصْهَار الْأَمْلَاك، وفرسان العراك. يورى عَنهُ أَنهم من بكر بن وَائِل، فَقَالَ سَواد: وَالسَّمَاء وَالْأَرْض، والغمر والبرض وَالْفَرْض وَالْقَرْض، إِنَّكُم لأهل الهضاب الشم، والنخيل الْعم، والصخور

стр. 1375

الصم، من أجأ العيطاء، وسلمى ذَات الرَّقَبَة السطعاء. قَالُوا: إِنَّا كَذَلِك، وَقد خبأ كل وَاحِد منا خبيئاً لتخبره باسمه وخبيئته فَقَالَ لبرج: أقسم بالضياء والحلك، والنجوم والفلك، والشروق والدلك، لقد خبأت برثن فرخ، فِي إعليط مرخ، تَحت آسرة الشرخ قَالَ: مَا أَخْطَأت شَيْئا، فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت برج بن مسْهر، عصرة الممعر وثمال المحجر. ثمَّ قَامَ أنيف بن حَارِثَة فَقَالَ: مَا خبيئ وَمَا اسْمِي؟ فَقَالَ سَواد: والسحاب وَالتُّرَاب، والأصباب والأحداب، وَالنعَم والكثاب، لقد خبأت قطامة فسيط، وقذة مريط، فِي مَدَرَة من مدى مطيط. قَالَ: مَا أَخْطَأت شَيْئا فَمن أَنا؟ قَالَ أَنْت أنيف، قاري الضَّيْف، ومعمل السَّيْف، وخالط الشتَاء بالصيف ثمَّ قَامَ عبد الله بن سعد، فَقَالَ: مَا خبيئي؟ وَمن أَنا؟ فَقَالَ سَواد: أقسم بالسوام العازب، والوقير الكارب، وَالْمجد الرَّاكِب، والمشيح الحارب، وَلَقَد خبأت نفاثة فنن، فِي قطيع قد مرن، أَو أَدِيم قد جرن. قَالَ: مَا أَخْطَأت، فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت ابْن سعد النوال، عطاؤك سِجَال، وشرك عضال وعمدك طوال، وبيتك لَا ينَال. ثمَّ قَامَ عارق، فَقَالَ: مَا خبيئ وَمَا اسْمِي؟ قَالَ: أقسم بنفنف اللَّوْح، وَالْمَاء المسفوح، والفضاء

стр. 1376

المندوح، لقد خبأت زَمعَة طلاً أعفر، فِي زعنفة أَدِيم أَحْمَر، تَحت حلْس نضوٍ أدبر، قَالَ: مَا أَخْطَأت شَيْئا فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت عارق ذُو اللِّسَان العضب، وَالْقلب النّدب ومضاء الغرب، ومناع السرب، ومبيح النهب، ثمَّ قَامَ مرّة فَقَالَ: مَا خبيئ وَمَا اسْمِي؟ فَقَالَ سَواد: أقسم بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاء، والبروج والأنواء، والظلمة والضياء لقد خبأت دمة فِي رمة، تَحت مشيط لمة، قَالَ، مَا أَخْطَأت. فَمن أَنا؟ قَالَ: أَنْت مرّة، السَّرِيع الكرة، البطيء الفرة، الشَّديد الْمرة، قَالُوا: فَأخْبرنَا بِمَا رَأينَا فِي طريقنا إِلَيْك، فَقَالَ: والناظر من حَيْثُ لَا يرى، وَالسَّامِع قبل أَن يُنَاجِي، والعالم بِمَا لَا يدْرِي، لقد عنت لكم عِقَاب عجزاء، فِي شغانيب دوحة جرداء، تحمل جدلاً، فتماريتم إِمَّا يدا وَإِمَّا رجلا، فَقَالُوا: كَذَلِك، ثمَّ مَه؟ قَالَ: سنح لكم قبل طُلُوع الشرق، سيد أمق على مَاء طرق قَالُوا: ثمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: تَيْس أفرق، سَنَد فِي أبرق، فَرَمَاهُ الْغُلَام الْأَزْرَق، فَأصَاب بَين الوابلة والمرفق قَالُوا: صدقت وَأَنت أعلم من تحمل الأَرْض، ثمَّ انصرفوا فَقَالَ عارق: أَلا لله علم لَا يجاري ... إِلَى الغايات، فِي جَنْبي سَواد وَهِي أَبْيَات.

стр. 1377

الْبَاب السَّابِع أوابد الْعَرَب كَانَ الرجل مِنْهُم إِذا بلغت إبِله مائَة عمد الْبَعِير الَّذِي أمات بِهِ مائَة فأغلق ظَهره لِئَلَّا يركب، وليعلم أَن صَاحبه ممءٍ، حمى ظَهره، وإغلاق ظَهره: أَن تنْزع سناسن فقرته، ويعقر سنامه، وَالْفِعْل: تَعْنِي وَهُوَ معنى معني، قَالَ الفرزدق: علوتك بالمفقئ وَالْمعْنَى ... وَبَيت المحتبي والخافقات التعمية والتفقئة كَانَ الرجل إِذا بلغت إبِله ألفا فَقَأَ عين الْفَحْل، يَقُول: إِن ذَلِك يدْفع عَنْهَا الْعين والغارة وَهِي التفقئة قَالَ: وهبتها وَأَنت ذُو امتنان ... تفقأ فِيهَا أعين البعران فَإِذا زَادَت الْإِبِل على الْألف عموه بِالْعينِ الْأُخْرَى وَهِي التعمية قَالَ الشَّاعِر ينعي عَلَيْهِم ذَلِك: فَكَانَ شكر الْقَوْم عِنْد المنن ... كي الصحيحات وفقء الْأَعْين عقد الرتم

стр. 1378

كَانَ الرجل إِذا أَرَادَ سفرا عمد إِلَى شَجَرَة، فعقد غصناً من أَغْصَانهَا بآخر، فَإِن رَجَعَ وَرَآهُ معقوداً زعم أَن امْرَأَته لم تخنه: وَإِن رَآهُ محلولاً زعم أَنَّهَا قد خانته، قَالَ الشَّاعِر: هَل ينفعنك الْيَوْم إِن هَمت بهم ... كَثْرَة مَا توصي وتعقاد الرتم؟ خانته لما رَأَتْ شَيْئا بمفرقه ... وغره حَلفهَا وَالْعقد للرتم ذبح العتائر كَانَ الرجل مِنْهُم يَأْخُذ الشَّاة وَتسَمى العتيرة والمعتورة فيذبحها، وَيصب دَمهَا على رَأس الصَّنَم، وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ فِي رَجَب، والعتر قيل هُوَ مثل الذّبْح وَقيل هُوَ للصنم الَّذِي يعتر لَهُ. قَالَ الطرماح: فَخر صَرِيعًا مثل عاترة النّسك أزاد بالعاترة الشَّاة المعتورة. ذبح الظباء كَانَ الرجل ينذر أَنه إِذا بلغت إبِله أَو غنمه مبلغا مَا ذبح عَنْهَا كَذَا، فَإِذا بلغت ضن بهَا، وَعمد إِلَى الظباء يصطادها وَفَاء بِالنذرِ ويذبحها، قَالَ الشَّاعِر: عنتاً بَاطِلا وزوراً كَمَا يع؟ ... تَرَ عَن حجرَة الربيض الظباء كي السَّلِيم عِنْد الجرب

стр. 1379

زَعَمُوا أَن الْإِبِل إِذا أَصَابَهَا العر فَأخذُوا الصَّحِيح كووه، زَالَ العر عَن السقيم. قَالَ النَّابِغَة: لكلفتني ذَنْب امرئٍ وَتركته ... كذي العر يكوي غَيره وَهُوَ راتع وَيُقَال أَنهم يَفْعَلُونَ ذَلِك وَيَقُولُونَ نؤمن مَعَه الْعَدْوى. ضرب الثور ليشْرب الْبَقر كَانُوا إِذا امْتنعت الْبَقر عَن شرب المَاء ضربوا الثور، وَزَعَمُوا أَن الْجِنّ تركب الثيران، فتصد الْبَقر عَن الشّرْب. قَالَ الْأَعْشَى:؟ وَإِنِّي وَمَا كلفتماني وربكم ليعلم من أَمْسَى أعق وأحربا لكا لثور والجني يضْرب ظَهره ... وَمَا ذَنبه أَن عافت المَاء مشربا؟ وَمَا ذَنبه أَن عافت المَاء باقر ... وَمَا إِن تعاف المَاء إِلَّا ليضربا وَقَالَ آخر: كَذَاك الثور يضْرب بالهراوي ... إِذا مَا عافت الْبَقر الظماء عقد السّلع وَالْعشر كَانُوا إِذا استمطروا يَعْمِدُونَ إِلَى الْبَقر، ويعقدون فِي أذنابها السّلع وَالْعشر يضرمون فِيهَا النَّار، ويصعدونها فِي الْجَبَل، ويزعمون أَنهم يمطرون فِي الْوَقْت. قَالَ أُميَّة بِهِ أبي الصَّلْت:

стр. 1380

ويشقون باقر السهل للطو ... د مهازيل خشيَة أَن تبورا عاقدين نيران فِي ثكن الأذ ... نَاب مِنْهَا لكَي تهيج البحورا سلعٌ مَا وَمثله عشرٌ مَا ... عائلٌ مَا وعالت البيقورا كَعْب الأرنب كَانُوا يعلقونه على أنفسهم، وَيَقُولُونَ: إِن من فعل هَذَا لم تصبه عين وَلَا سحر؛ وَذَلِكَ أَن الْجِنّ تهرب من الأرنب؛ لِأَنَّهَا لَيست من مطايا الْجِنّ، لِأَنَّهَا تحيض. قَالَ الشَّاعِر: وَلَا ينفع التعشير إِن حم واقعٌ ... وَلَا ودعٌ يُغني، وَلَا كَعْب أرنب وَقيل لزيد بن كثوة: أَحَق مَا يَقُولُونَ إِن من علق على نَفسه كَعْب الأرنب لم تقربه جنان الْحَيّ وعمار الدَّار؟ فَقَالَ: إِي وَالله وَلَا شَيْطَان الحماطة، وجان الْعَشِيرَة وغول القفر وكل الخوافي، إِي وَالله وتطفأ عَنهُ نيران السعالي. دَائِرَة المهقوع وَهُوَ الْفرس الَّذِي بِهِ الدائرة الَّتِي تسمى الهقعة، فيزعمون أَنه إِذا عرق تَحت صَاحبه اغتلمت حليلته وَطلبت الرِّجَال قَالَ: إِذا عرق المهقوع بِالْمَرْءِ أنعظت ... حليلته وازداد حرا عجانها السنام والكبد زَعَمُوا أَن الْإِنْسَان إِذا عشي ثمَّ قلي لَهُ سَنَام فَأَكله، وَكلما أكل لقْمَة مسح جفْنه الْأَعْلَى بسبابته وَقَالَ: يَا سَنَام:

стр. 1381

يَا سناماً وكبد ... ليذْهب الهدبد لَيْسَ شفاءُ الهدبد ... إِلَّا السنام والكبد عوفي صَاحب الْعشي مِنْهُ. والهدابد: الْعشي. الطارف والمطروف ويزعمون أَن الرجل إِذا طرف عين صَاحبه فهاجت، فَمسح الطارف عين المطروف سبع مَرَّات وَقَالَ فِي كل مرّة: بِإِحْدَى جَاءَت من الْمَدِينَة، بِاثْنَتَيْنِ جاءتا من الْمَدِينَة، بِثَلَاث جئن من الْمَدِينَة إِلَى سبع، سكن هيجانها. بكاء الْمَقْتُول كَانَ النِّسَاء لَا يبْكين الْمَقْتُول إِلَى أَن يدْرك ثَأْره، فَإِذا أدْرك بكينه، قَالَ: من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار يجد النِّسَاء حواسراً يندبنه ... يلطمن حر الْوَجْه بالأسحار وَطْء المقاليت يَزْعمُونَ أَن الْمَرْأَة المقلات إِذا وطِئت قَتِيلا شريفاً بَقِي أَوْلَادهَا، قَالَ بشر بن أبي خازم: تظل مقاليت النِّسَاء يطأنه ... تقلن: أَلا يلقى على الْمَرْء مئزر؟ تَعْلِيق الْحلِيّ على السَّلِيم يَزْعمُونَ أَن السَّلِيم إِذا علق عَلَيْهِ الْحلِيّ أَفَاق فيلقون عَلَيْهِ الأسورة والرعاث

стр. 1382

ويتركونها عَلَيْهِ سَبْعَة أَيَّام وَيمْنَع من النّوم. قَالَ النَّابِغَة: يسهد من نوم الْعشَاء سليمها ... لحلي النِّسَاء، فِي يَدَيْهِ قعاقع شقّ الرِّدَاء والبرقع زَعَمُوا أَن الْمَرْأَة إِذا أحبت رجلا أَو أحبها، ثمَّ لم تشق عَلَيْهِ رِدَاءَهُ، أَو يشق عَلَيْهَا برقعها، فسد حبهما، فَإِذا فعلا ذَلِك دَامَ حبهما. قَالَ: إِذا شقّ بردٌ شقّ بالبرد برقعٌ ... دواليك حَتَّى كلنا غير لابس فكم قد شققنا من رِدَاء محبر ... وَكم برقع عَن طفلة غير عانس رمي السن فِي الشَّمْس يَقُولُونَ إِن الْغُلَام إِذا أثغر فَرمى سنه فِي عين الشَّمْس بسبابته وإبهامه وَقَالَ: أبدليني بهَا أحسن مِنْهَا، ولتكن إياتك فِيهَا أَمن على أَسْنَانه العوج والقلح والنغل، قَالَ طرفَة: بدلته الشَّمْس من منبته ... بردا أَبيض مصقول الأشر قَالَ النَّابِغَة: سقته إياة الشَّمْس إِلَّا لثاته وَقَالَ أَبُو دؤاد:

стр. 1383

ألقِي عَلَيْهِ إياة الشَّمْس أرواقا ذهَاب الخدر يَزْعمُونَ أَن الرجل إِذا خدرت رجله فَذكر أحب النَّاس إِلَيْهِ، ذهب عَنهُ الخدر. قَالَ كثير: إِذا خدر رجْلي دعوتك أشتفي ... بذكراك من مذل بهَا فيهون وَقَالَت امْرَأَة من كلاب: إِذا خدرت رجْلي ذكرت ابْن مصعبٍ ... فَإِن قلت: عبد الله! أجلى فتورها تراجع القلفة يَزْعمُونَ أَن من ولد فِي القمراء تراجعت قطعته فَكَانَ كالمختون، وَدخل امْرُؤ الْقَيْس مَعَ قَيْصر الْحمام فَرَآهُ أقلف فَقَالَ: إِنِّي حَلَفت يَمِينا غير كاذبةٍ ... أَنَّك أقلف إِلَّا مَا جنى الْقَمَر إِذا طعنت بِهِ مَالَتْ عمَامَته ... كَمَا تجمع تَحت الفلكة الْوَبر التعشير يَزْعمُونَ أَن الرجل إِذا أَرَادَ دُخُول قَرْيَة فخاف وباءها، فَوقف على بَابهَا قبل أَن يدخلهَا فعشر كَمَا ينهق الْحمار، ثمَّ دَخلهَا لم يصبهُ وباؤها. قَالَ عُرْوَة بن الْورْد: لعمري، لَئِن عشرت من خشيَة الردى ... نهاق الْحمير، إِنَّنِي لجزوع تَعْلِيق السن زَعَمُوا أَن الصَّبِي إِذا خيف عَلَيْهِ نظرة أَو خطفةٌ، فعلق عَلَيْهِ سنّ ثَعْلَب أَو

стр. 1384

سنّ هرة أَو غير ذَلِك أَمن، فَإِن الجنية إِذا أَرَادَتْهُ لم تقدر عَلَيْهِ، فَإِذا قَالَ لَهَا صواحباتها فِي ذَلِك. قَالَت: كَانَت عَلَيْهِ نغرة. ثعالب وهرره. وَالْحيض حيض السمره. أعوان السّنة يزْعم أَنه قيل للسّنة أَنَّك مبعوثة، فَقَالَت: ابْعَثُوا معي أعواني: الحصبة والجدري وَالذِّئْب والضبع. حبس البلايا كَانُوا إِذا مَاتَ الْمَيِّت يشدون نَاقَته إِلَى قَبره، ويعكسون رَأسهَا إِلَى ذنبها، ويغطون رَأسهَا بوليةٍ - وَهِي البرذعة - فَإِن أفلتت لم ترد عَن مَاء وَلَا مرعى، ويزعمون أَنهم إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك ليرْكبَهَا صَاحبهَا فِي الْمعَاد ليحشر عَلَيْهَا كي لَا يحْتَاج أَن يمشي، قَالَ عَليّ أَبُو زبيد: كالبلايا رءوسها فِي الولايا ... مانحات السمُوم حر الخدود خُرُوج الهامة زَعَمُوا أَن الْإِنْسَان إِذا قتل وَلم يطْلب بثأره، خرج من رَأسه طَائِر يُسمى الهامة وَصَاح على قَبره: اسقوني ﴿﴾ اسقوني ﴿﴾ إِلَى أَن يطْلب بثأره، قَالَ ذُو الإصبع: يَا عَمْرو إِلَّا تدع شمي ومنقصتي ... اضربك حَتَّى تَقول الهامة: اسقوني! الحرقوص

стр. 1385

دويبة أكبر من البرغوث يَزْعمُونَ أَنه يدْخل أحراح الأكابر فيفتضهن وأنشدوا: مَا لَقِي الْبيض من الحرقوص من مارد لص من اللُّصُوص يدْخل تَحت الغلق المرصوص بِمهْر لَا غالٍ وَلَا رخيص عض الصفر زَعَمُوا أَن الْإِنْسَان إِذا جَاع عض على شرسوفه حَيَّة، تكون فِي الْبَطن يُقَال لَهَا الصفر، قَالَ الشَّاعِر: لَا يتأرى لما فِي الْقدر يرقبه ... وَلَا يعَض على شرسوفه الصفر تَثْنِيَة الضَّرْبَة يَزْعمُونَ أَن الجنية تَمُوت من أول ضَرْبَة، فَإِذا ثنيت عاشت. قَالَ تأبط شرا: فَقَالَت: عد، فَقلت: رويداً ... إِنِّي على أَمْثَالهَا ثَبت الْجنان خِيَانَة الْقَيْن زَعَمُوا أَن عَمْرو بن شأس كَانَ غيوراً، ينزل ربوة من الأَرْض مُنْفَردا عَن النَّاس فطرق الْجِنّ لَيْلًا فأوجس مِنْهُم خيفة، ثمَّ تنحى عَنْهُم وَيسمع إِلَى مَا قَالُوا، فَقَالُوا: أما إِن مَحَله هَذَا على عين مَا، وَإِن فِي إبِله دويبة وَهِي دَاء إبِله، وَأَن أحد أَوْلَاده لَيْسَ لَهُ. فَلَمَّا أصبح ثاب إِلَيْهِ عقله فحفر الْموضع، فَوجدَ الْعين ثمَّ طلب الدويبة، فَوَجَدَهَا وقتلها ثمَّ فكر فَقَالَ: كَيفَ لي بتعرف خبر أَوْلَادِي؟ فَبينا هم

стр. 1386

مَعَ عَمْرو فِي الصَّيْد حَتَّى طردوا النعام، وأصابه الصَّيْد، لجأوا إِلَى ظلّ شَجَرَة فَقَالَ لأَحَدهم: لماذا تصلح هَذِه الشَّجَرَة؟ فَقَالَ: لقوم كرام طردوا الصَّيْد نصف النَّهَار ثمَّ جَاءُوا إِلَيْهَا، وَقَالَ للْآخر مثله فَقَالَ: لِأَن تكسر فتبني مِنْهَا مظلة، فَقَالَ: هما ابناي. ثمَّ قَالَ للثَّالِث: لماذا تصلح هَذِه الشَّجَرَة؟ فَقَالَ: لِأَن تحرق فَتَصِير فحماً. فاتهمه فتسمى بَنو أَسد: القيون: وَقَالَ أَوْس بن حجر: بكرت أُميَّة غدْوَة برهين ... خانتك إِن الْقَيْن غير أَمِين وَقَول آخر: وعهد الغانيات كعهد قين تعفير الزند إِذا قَدَحُوا أخذُوا يعفرون رَأس الزند، يَقُولُونَ إِن ذَلِك يخرج ناره قَالَ الطرماح: وَأخرج أمه لسواس سلمى ... لمعفور الضبا ضرم الْجَنِين حيض الضبع يَقُولُونَ إِن الضبع تحيض، وَأَنَّهَا تنتاب جيف الْقَتْلَى، فتركب كمرها وتستعمله، وَقَالُوا فِي قَول الشَّاعِر مَعَاني، أَحدهَا: هَذَا: تضحك الضبع لقتلي هُذَيْل ... فترى الذِّئْب لَهَا يستهل خضاب النَّحْر

стр. 1387

كَانُوا إِذا أرْسلُوا الْخَيل على الصَّيْد، فَسبق وَاحِد مِنْهَا، خضبوا صَدره بِدَم الصَّيْد عَلامَة لَهُ. قَالَ: كَأَن دمكاء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل نصب الرَّايَة كَانَت العواهر تنصب على أَبْوَاب بيوتها رايات لتعرف بهَا، وَمن شتائمهم: يَا بن ذَات الرَّايَة! . دم الْأَشْرَاف يَقُولُونَ إِنَّه ينفع من عضة الْكَلْب، قَالَ: من الْبيض الْوُجُوه بني نمير ... دِمَاؤُهُمْ من الْكَلْب الشِّفَاء رمي البعرة كَانَت الْمَرْأَة إِذا أحدت على زَوجهَا سنة، وَكَانَ رَأس الْحول رمت ببعرة، وَمَعْنَاهُ: أَن هَذَا هَين وَمِنْه الْمثل السائر: " أَهْون من لقعة ببعرة ". ضَمَان أبي الْجَعْد وَهُوَ الذِّئْب قَالَ الراجز: أخْشَى أَبَا الْجَعْد وَأم العمرو يَعْنِي الذِّئْب والضبع، وضمانه أَن الْعَرَب تَقول: إِن الضبع إِذا هَلَكت وَكَانَت لَهُ جراء تكفل الذِّئْب بقوتها. قَالَ الْكُمَيْت:

стр. 1388

وكما خامرت فِي حصنها أم عَامر ... لذِي الْحَبل حَتَّى عَال أَوْس عيالها معالجة الضبع كَانَ الرجل يَأْتِي وجارها وَمَعَهُ حَبل فيدخله وَيَقُول: خامري أم عَامر ابشري بشاءٍ هزلي، وجرادٍ عظلي. فتسكن حَتَّى يقيدها فَإِن رَأَتْ الضَّوْء قبل تقييدها، وَثَبت على الصَّائِد فَقتلته. رعية الجأب وَهُوَ الْحمار الوحشي يَقُولُونَ: إِنَّه يَعْلُو نشزا من الأَرْض مَعَ أتنه، مَال على الشَّمْس حَتَّى تغيب ثمَّ شرد؛ يفعل ذَلِك خشيَة القانص قَالَ: وظلت صَوَافِن خزر الْعُيُون ... إِلَى الشَّمْس من رهبة أَن تغيبا شرب العير يَزْعمُونَ أَن الْحمار إِذا ورد المَاء بالأتن تقدمها، فَخَاضَ المَاء من خوف الرماه، ثمَّ رشف المَاء رشفاً خَفِيفا، فَإِذا أَمن أَعلَى الجرع، فجئن إِلَيْهِ إِذا سمعن جرعه، قَالَ الشَّاعِر: فَلَمَّا رَمَاهَا بالنجار وأشرفت ... على راكد كالهدم سكانه الرأل ثناها بهمس الرشف حَتَّى قاربت ... وَأَعْلَى جرعاً، فاستجابت على مهل قطع المشافر كَانُوا إِذا سلكوا مفازةً جدباء أعطشوا الْإِبِل ثمَّ سقوها ريها، وَقَطعُوا مشافرها طولا فَلَا يُمكنهَا أَن ترعى، فَيبقى المَاء فِي أجوافها، فَإِذا أعوزهم المَاء، شَقوا الكرش بِالسَّيْفِ وَشَرِبُوا المَاء استقاء السَّيْف - يَعْنِي بِهِ - هَذَا هُوَ الْقطع. قَالَ الشَّاعِر:

стр. 1389

ودويةٍ بهَا يخْشَى الردى ... وَلَيْسَ بهَا إِلَّا الْيَمَانِيّ مخلف المخلف: المسقي أَي لَا يستقى فِيهَا إِلَّا السَّيْف. التسويد كَانُوا يجْعَلُونَ الدَّم فِي الْمصير ويلقونه على النَّار ثمَّ يَأْكُلُونَهُ. التصفيق كَانُوا إِذا ضل مِنْهُم الرجل فِي الفلاة، قلب ثِيَابه، وَحبس نَاقَته، وَصَاح فِي أذنيها كَأَنَّهُ يُومِئ إِلَى إِنْسَان، وصفق بيدَيْهِ قَائِلا: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، السَّاعَة السَّاعَة، إِلَيّ، إِلَيّ عجل، ثمَّ يُحَرك النَّاقة فتهتدي. قَالَ: وَأذن بالتصفيق من سَاءَ ظَنّه ... فَلم يدر من أَي الْيَدَيْنِ جوابها يَعْنِي: يسوء ظَنّه بِنَفسِهِ إِذا ضل. ضرب الْأَصَم يَزْعمُونَ أَن الْأَصَم يتشدد فِي الضَّرْب لِأَنَّهُ لَا يسمع شَيْئا فيظن أَنه قد قصر، قَالَ الشَّاعِر: فأوصيكما بطعان الكماة ... فقد تعلمان بِأَن لَا خلودا وَضرب الجماجم ضرب الْأَصَم ... حنكل شاته تجني هبيدا جز النواصي كَانُوا إِذا أَسرُّوا رجلا؛ ومنوا عَلَيْهِ وأطلقوه، جزوا ناصيته، ووضعوها فِي الكنانة، قَالَ الحطيئة:

стр. 1390

قد ناضلوك فَسَلُوا من كنانتهم ... مجداً تليداً ونبلاً غير أنكاس وَقَالُوا يَعْنِي بِالنَّبلِ: الرِّجَال. وَقَالَت خنساء: جززنا نواصي فرسانهم ... وَكَانُوا يظنون أَلا تجزا الِالْتِفَات زَعَمُوا أَن من خرج من سفر فَالْتَفت وَرَاءه، وتطيروا لَهُ من ذَلِك سوى العاشق، فَإِنَّهُم كَانُوا يتفاءلون إِلَى ذَلِك، ليرْجع إِلَى من خلف. الْبحيرَة كَانَ أهل الْوَبر يقطعون لآلهتهم من أَمْوَالهم من اللَّحْم، وَأهل الْمدر يقطعون لَهَا من الْحَرْث، فَكَانَت النَّاقة إِذا أنجبت خَمْسَة أبطن عَمدُوا إِلَى الْخَامِس - مَا لم يكن ذكرا - فشقوا أذنها وتركوها فَتلك الْبحيرَة، فَرُبمَا اجْتمع مِنْهَا هجمة من الْبَحْر فَلَا يجز لَهَا وبر وَلَا يذكر عَلَيْهَا إِن ركبت اسْم الله، وَلَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء، وَكَانَت أَلْبَانهَا للرِّجَال دون النِّسَاء. السائبة كَانَ يسيب الرجل الشَّيْء من مَاله، إِمَّا بَهِيمَة، وَإِمَّا إنْسَانا فَيكون حَرَامًا أبدا، مَنَافِعهَا للرِّجَال دون النِّسَاء. الوصيلة كَانَت الشَّاة إِذا وضعت سَبْعَة أبطن عَمدُوا إِلَى السَّابِع، فَإِن كَانَ ذكرا ذبح، وَإِن كَانَت أُنْثَى تركت فِي الشَّاء، فَإِن كَانَ ذكرا وَأُنْثَى قيل: وصلت أخاها فحرما جَمِيعًا. فَكَانَت مَنَافِعهَا، وَلبن الْأُنْثَى مِنْهَا للرِّجَال دون النِّسَاء. الحامي كَانَ الْفَحْل إِذا أدْرك أَوْلَاد أَوْلَاد أَوْلَاده، فَصَارَ وَلَده جدا، قَالُوا: حمى

стр. 1391

ظَهره، اتركوه فَلَا يحمل عَلَيْهِ، وَلَا يركب وَلَا يمْنَع من مَاء وَلَا مرعى، فَإِذا مَاتَت هَذِه الَّتِي جعلوها لآلهتهم، اشْترك فِي أكلهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء وَذَلِكَ قَول الله : " وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا وَإِن يكن ميتَة فهم فِيهِ شُرَكَاء ". وَأما أهل الْمدر والحرث كَانُوا إِذا حرثوا حرثاً، وغرسوا غرساً، خطوا فِي وَسطه خطا، فقسموه بَين اثْنَيْنِ، فَقَالُوا: مَا دون هَذَا الْخط لآلهتهم، وَمَا وَرَاءه لله. فَإِن سقط مِمَّا جعلُوا لآلهتهم أَقروهُ، وَإِذا أرْسلُوا المَاء فِي الَّذِي لآلهتهم فانفتح فِي الَّذِي سموهُ لله سدوه، وَإِن انْفَتح من ذَاك فِي هَذَا قَالُوا: اتركوه فَإِنَّهُ فَقير إِلَيْهِ. فَأنْزل الله : " وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا، فَقَالُوا: هَذَا لله بزعمهم وَهَذَا لشركائنا، فَمَا كَانَ لشركائهم فَلَا يصل إِلَى الله، وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يصل إِلَى شركائهم، سَاءَ مَا يحكمون ". الأزلام كَانُوا إِذا كَانَت مداراة أَو نِكَاح أَو أَمر يريدونه، فَلَا يَدْرُونَ مَا الْأَمر فِيهِ، وَلم يَصح لَهُم، أخذُوا قداحاً لَهُم فِيهَا افْعَل، وَلَا تفعل، وَنعم، لَا، خير، شَرّ، بطيء، سريع أما المداراة فَإِن قداحها كَانَت بيضًا لَيْسَ فِيهَا شَيْء، كَانُوا يجيلونها، فَمن خرج سَهْمه فَالْحق لَهُ، وللحضر وَالسّفر سَهْمَان فَيَأْتُونَ السادن من سدنة الْأَوْثَان فَيَقُول السادن: اللَّهُمَّ أَيهمَا كَانَ خيرا فَأخْرجهُ لفُلَان: فيرضى بِمَا خرج لَهُ. وَإِذا شكوا فِي نسب الرجل أجالوا لَهُ القداح وفيهَا: صَرِيح وملصق فَإِن خرج الصَّرِيح ألحقوه بهم وَلَو كَانَ دعياً، وَإِن خرج الملصق نفوه وَإِن كَانَ صَرِيحًا، فَهَذِهِ قداح الاستقسام. الميسر أما الميسر فَإِن الْقَوْم كَانُوا يَجْتَمعُونَ فيشترون الْجَزُور بَينهم، فيفصلونها على عشرَة أَجزَاء ثمَّ يُؤْتى بالحرضه وَهُوَ رجل يتأله عِنْدهم، لم يَأْكُل لَحْمًا قطّ بِثمن فَيُؤتى بِالْقداحِ وَهِي أحد عشر قدحاً، سَبْعَة مِنْهَا لَهَا حَظّ إِن فازت، وعَلى

стр. 1392

أَهلهَا غرم إِن خابت بِقدر مَالهَا من الْحَظ عِنْد الْفَوْز، وَأَرْبَعَة تثقل بهَا القداح، لاحظ لَهَا إِن فازت، وَلَا غرم عَلَيْهَا إِن خابت، فَأَما الَّتِي لَهَا الْحَظ: فأولها: الفدُّ، فِي صَدره حز وَاحِد، فَإِن خرج أَخذ نَصِيبا، وَإِن خَابَ غرم صَاحبه ثمن نصيب. ثمَّ التوءم لَهُ نصيبان إِن فَازَ، وَعَلِيهِ ثمن نَصِيبين إِن خَابَ. ثمَّ الضريب وَله ثَلَاثَة أنصباء. ثمَّ الحلس وَلها أَرْبَعَة. ثمَّ النافس وَله خَمْسَة. ثمَّ المسبل وَله سِتَّة. ثمَّ الْمُعَلَّى وَله سَبْعَة. وَأَسْمَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي تثقل بهَا القداح: السفيح والمنيح والمضعف والمصدر. فَيُؤتى بِالْقداحِ كلهَا، وَقد عرف كل رجل مَا اخْتَار من السَّبْعَة، وَلَا تكون الأيسار إِلَّا سَبْعَة، لَا يكونُونَ أَكثر من ذَلِك، فَإِن نَقَصُوا رجلا أَو رجلَيْنِ فَأحب الْبَاقُونَ أَن يَأْخُذُوا مَا فضل من القداح فَيَأْخُذ الرجل الْقدح أَو القدحين فَيَأْخُذ فوزهما إِن فازا، أَو يغرم عَنْهُمَا إِن خابا ويدعى ذَلِك التتميم. قَالَ النَّابِغَة: إِنِّي أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي، وأكسوا لجفنة الأدما فيعمد إِلَى القداح، فتشد مَجْمُوعَة فِي قِطْعَة جلد تسمى الربابة، ثمَّ يعمد إِلَى الحرضة فيلف على يَده الْيُمْنَى صنفة ثوب لِئَلَّا يجد مس قدح لَهُ فِي صَاحبه هوى فيحابيه فِي إِخْرَاجه، ثمَّ يُؤْتى بِثَوْب أَبيض يدعى المجول فيبسط بَين يَدي الحرضة، ثمَّ يقوم على رَأسه رجل يدعى الرَّقِيب وَيدْفَع ربابة القداح إِلَى الحرضة وَهُوَ محول الْوَجْه عَنْهَا، فيأخذها بِيَمِينِهِ، وَيدخل شِمَاله من تَحت

стр. 1393

الثَّوْب، فينكز القداح بِشمَالِهِ، فَإِذا نهد مِنْهَا قدح تنَاوله فَدفعهُ إِلَى الرَّقِيب، فَإِن كَانَ مِمَّا لاحظ لَهُ رد إِلَى الربابة، فَإِن خرج الْمُعَلَّى أَخذ صَاحبه سَبْعَة أنصباء، فَإِن خرج بعده المسبل أَخذ الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة، وَغرم الَّذين خابوا ثَلَاثَة أنصباء من جزور أُخْرَى، على هَذِه الْحَال يفعل بِمن فَازَ وبمن خَابَ فَرُبمَا نحرُوا عدَّة جزر، وَلَا يغرم الَّذين فازوا من ثمن الْجَزُور شَيْئا، وَإِمَّا الْغرم على الَّذين خابوا، وَلَا يحل للخائبين أَن يَأْكُلُوا من ذَلِك اللَّحْم شَيْئا، فَإِن فَازَ قدح الرجل فأرادوا أَن يُعِيدُوا قدحه ثَانِيَة على خطار مَا فعلوا ذَلِك بِهِ. نِكَاح المقت كَانَ الرجل إِذا مَاتَ، قَامَ أكبر وَلَده فَألْقى ثَوْبه على امْرَأَة أَبِيه، فورث نِكَاحهَا، فَإِن لم يكن لَهُ فِيهَا حَاجَة، يُزَوّجهَا بعض اخوته بِمهْر جَدِيد، فَكَانُوا يَرِثُونَ نِكَاح النِّسَاء كَمَا يَرِثُونَ المَال، فَأنْزل الله تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن ". الاستئسار وَكَانَ الرجل يحمل فِي الْحَرْب على الرجل بالطرف الَّذِي فِيهِ الزج، فَيَقُول: استأسر! فَإِن لم يفعل قلب لَهُ السنان. قَالَ زُهَيْر: وَمن يعْص أَطْرَاف الزّجاج فَإِنَّهُ ... يُطِيع العوالي ركبت كل لهذم الذئاب ويزعمون إِنَّه إِذا ظهر بِأحد الذئاب دم، مَال عَلَيْهِ صَاحبه فَقتله. قَالَ ابْن الطثرية: فَتى لَيْسَ لِابْنِ الْعم كالذئب إِن رأى ... بِصَاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهُوَ آكله

стр. 1394

نباح الْكلاب وَيَقُولُونَ: إِن الْكلاب إِذا نبحت السَّمَاء، دلّ ذَلِك على الخصب. قَالَ: وَمَا لي لَا أغزو وللدهر كرة ... وَقد نبحت نَحْو السَّمَاء كلابها نقب لحى الْكَلْب وَكَانُوا ينقبون لحى الْكَلْب فِي السّنة الصعبة، لِئَلَّا يسمع الأضياف نباحه. خرزة السلوان ويزعمون أَن للسلوان خرزة إِذا حكها العاشق بِمَاء، وَشرب مَا يخرج مِنْهَا، سلا وصبر. قَالَ ذُو الرمة: لَا أشْرب السلوان مَا سليت مَا بِي غنى عَنْك وَإِن غنيت نيران الْعَرَب نَار الاسْتِسْقَاء: مِنْهَا النَّار الَّتِي كَانُوا يستعملونها فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء، وَهِي الْجَاهِلِيَّة الأولى فَإِنَّهُم كَانُوا إِذا تَتَابَعَت عَلَيْهِم الأزمات، وركد عَلَيْهِم الْبلَاء وَاشْتَدَّ الجدب، واحتاجوا إِلَى الاستمطار واجتمعوا وجمعوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْبَقر، ثمَّ عقدوا فِي أذنابها وَبَين عراقيبها السّلع وَالْعشر ثمَّ صعدوا بهَا فِي جبل وعر

стр. 1395

وأشعلوا فِيهَا النَّار، وضجوا بِالدُّعَاءِ والتضرع، فَكَانُوا يرَوْنَ أَن ذَلِك من أَسبَاب السقيا. وَأنْشد الورل الطَّائِي: لَا در در رجالٍ خَابَ سَعْيهمْ ... يستمطرون لَدَى الأزمات بالعشر أجاعل أَنْت بيقوراً مسلعةً ... ذَرِيعَة لَك بَين الله والمطر؟ ونار أُخْرَى وَهِي الَّتِي توقد عِنْد ذَلِك، وَيدعونَ الله الحرمان وَالْمَنْع من مَنَافِعهَا، على الَّذِي ينْقض الْعَهْد ويخيس بالعهد، وَيَقُولُونَ فِي الْحلف: الدَّم، الدَّم، وَالْهدم الْهدم. يحركون الدَّال فِي هَذَا الْموضع لَا تزيده الشَّمْس إِلَّا شرا، وَطول اللَّيَالِي إِلَّا ضراً، مَا بل الْبَحْر صوفه، وَمَا قَامَت رضوى فِي مَكَانهَا - إِن كَانَ جبلهم رضوى، وكل قوم يذكرُونَ الْمَشْهُور من جبالهم - وَرُبمَا دنوا مِنْهَا حَتَّى تكَاد تحرقهم، يهولون على من يخَافُونَ الْغدر من جِهَته بحقوقها ومنافعها ومرافقها بالتخويف من حرمَان مَنْفَعَتهَا. قَالَ الْكُمَيْت: هم خوفوني بالعمى هوة الردى ... كَمَا شب نَار الحالفين المهول وَقَالَ أَوْس بن حجر: إِذا استقبلته الشَّمْس صد بِوَجْهِهِ ... كَمَا صد عَن نَار المهول حَالف وَلَقَد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عَوْف، فتحالفوا عِنْد نَار دنوا مِنْهَا وعشوا بهَا وهولوا بهَا حَتَّى محشتهم النَّار، فسموا المحاش وَكَانَ سيدهم والمطاع فيهم أَبُو ضَمرَة بن سِنَان بن أبي حَارِثَة وَلذَلِك يَقُول النَّابِغَة:

стр. 1396

جمع محاشك يَا يزِيد فإنني ... جمعت يربوعاً لكم وتميما وَرُبمَا تحالفوا وتعاقدوا على الْملح. وَالْملح شَيْئَانِ: أَحدهمَا الدقة وَالْآخر اللَّبن، وَأنْشد لأبي الطمحان: وَإِنِّي لأرجو ملحها فِي بطونكم ... وَمَا بسطت من جلد أَشْعَث أغبرا وَذَلِكَ أَنه جاورهم فَكَانَ يسقيهم اللَّبن فَقَالَ: أَرْجُو أَن تسرعوا فِي رد إبلي على مَا شربتم من أَلْبَانهَا. وَقَوله " وَمَا بسطت من جلد أَشْعَث أغبرا " كَأَنَّهُ يَقُول: كُنْتُم مهازيل، - والمهزول يتقشف جلده وينقبض، فسمنتهم - فَبسط ذَلِك من جلودكم. نَار الطَّرْد: نَار أُخْرَى: وَهِي الَّتِي كَانُوا رُبمَا أوقدوها خلف الْمُسَافِر، وَخلف الزائر، الَّذِي لَا يحبونَ رُجُوعه، يَقُولُونَ فِي الدُّعَاء: أبعده الله وأسحقه وأوقدوا نَارا على إثره، وأنشدوا: وجمة أَقوام حملت وَلم أكن ... كموقد نارٍ إثرهم للتندم والجمة: هِيَ الْجَمَاعَة يَمْشُونَ فِي الدَّم وَفِي الصُّلْح، يَقُول: لم تندم على مَا أَعْطَيْت من الْحمالَة عِنْد كَلَام الْجَمَاعَة، فتوقد خَلفهم نَارا لِئَلَّا يعودوا وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر: صحوت وَأوقدت للْجَهْل نَارا ... ورد عَلَيْك الصِّبَا مَا استعارا يَقُول: إِنِّي أردْت أَلا يراجعك الْجَهْل فأوقدت خَلفه نَارا. نَار أُخْرَى: وَهِي: كَانُوا إِذا أَرَادوا حَربًا، فتوقعوا جَيْشًا عَظِيما، وَأَرَادُوا الِاجْتِمَاع،

стр. 1397

أوقدوا لَيْلًا نَارا على جبلهم، ليبلغ الْخَبَر أَصْحَابهم قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم: وَنحن غَدَاة أوقد فِي خزازي ... رفدنا فَوق رفد الرافدينا وَرُبمَا جدوا فِي جمع عَشَائِرهمْ فأوقدوا نارين، وَذَلِكَ قَول الفرزدق: ضربوا الصَّنَائِع والملوك وأوقدوا ... نارين، أَشْرَفنَا على النيرَان وَرُبمَا أوقدوا نَارا وَاحِدَة، وَرُبمَا أوقدوا نَارا عدَّة، فَأَما النَّار الْوَاحِدَة فقد توقد للقريب، ويستدل بهَا بِاللَّيْلِ من يلْتَمس ذَلِك من بَاغ وزائر وجائع، فَإِن كَانَ الرجل قَادِرًا مطعاماً، أوقد اللَّيْل كُله، وَأكْثر ذَلِك فِي ليَالِي الشتَاء، وَرُبمَا صَنَعُوا ذَلِك عِنْد توقع الجيوش الْعِظَام، واستجماع قبائلهم، قَالَ ابْن مياده: وناراه نَار كل مدفع ... وَأُخْرَى يُصِيب الْمُجْرمين سعيرها ونار أُخْرَى وتسمي يلمع، وَهُوَ حجر يلمع، ويبصر من بعيد، فَإِذا دَنَوْت مِنْهُ لم تَرَ شَيْئا، قَالَ متمم: وقيساً وجزءاً بالمشقر ألمعاً ونار أُخْرَى وَهِي الَّتِي توقد للسليم إِذا سهد، كَمَا قَالَ النَّابِغَة:

стр. 1398

يسهد من اللَّيْل التَّمام سليمها ... ولحلى النِّسَاء فِي يَدَيْهِ فقاقع وَتلك النَّار توقد للمجروح والمضروب إِذا خَافُوا عَلَيْهِ الكزاز من نزف الدَّم، وهم يكْرهُونَ لَهُ النّوم فِي تِلْكَ الْحَال، والشطار لَا يدعونَ الْمَضْرُوب على ظَهره بالسياط أَن ينَام يرَوْنَ أَن حتفه فِيهِ، ويحمون النّوم صَاحب عضة الْكَلْب، وَفِي نَار الْمَجْرُوح يَقُول الْأَعْشَى: بداميةٍ يغشى الْفراش رشاشها ... يبيت لَهَا ضوء من النَّار جاحم ونار أُخْرَى وَذَلِكَ أَن الْمُلُوك إِذا سبوا الْقَبِيلَة بأسرها وَخرجت إِلَيْهِم السادات فِي الْفِدَاء أَو الاستيهاب، فيكرهون أَن يعرضُوا النِّسَاء نَهَارا فيفتضحن فيعرضهن لَيْلًا فِي الظلمَة دون النَّار والضوء، فيخفى عَلَيْهِ قدر مَا يجيس لنَفسِهِ من الصفى، وَقدر مَا تجود بِهِ نَفسه من أَخذ فدَاء أَو امتنان على الوقد فتوقد. لذَلِك قَالَ الشَّاعِر: نسَاء بني شَيبَان يَوْم أوارةٍ ... على النَّار إِذا تجلى لَهُ فتيانها ونار أُخْرَى، وَهِي نَار الوسم والميسم: يُقَال للرجل: مَا نارك؟ فَيَقُول: خباط أَو علاط أَو حَلقَة أَو كَذَا أَو كَذَا وَعرض بعض اللُّصُوص إبِلا قد أغار عَلَيْهَا وسلبها من كل جَانب، وَجَمعهَا من قبائل شَتَّى، ففر بهَا إِلَى بعض الْأَسْوَاق، فَقَالَ لَهُ بعض التُّجَّار. مَا نارك؟ - وَإِنَّمَا يسْأَلُون عَن ذَلِك لأَنهم يعْرفُونَ ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها بِهِ - فَقَالَ: يسألني الباعة مَا نجارها ... إِذا زعزعوها فَسَمت أبصارها وكل دَار لِأُنَاس دارها ... وكل نَار الْعَالمين نارها نَار الزحفتين:

стр. 1399

هِيَ نَار أبي سريع، وَهُوَ العرفج، لِأَن العرفج إِذا التهبت فِيهِ النَّار أسرعت وعظمت وشاعت واستفاضت أسْرع من كل شَيْء، فَمن كَانَ يقربهَا يزحف عَنْهَا ثمَّ لَا تلبث أَن تنطفئ من ساعتها، فِي مثل تِلْكَ السرعة فَيحْتَاج الَّذِي زحف عَنْهَا، إِلَى أَن يزحف إِلَيْهَا من سَاعَته، فَلَا تزَال وَلَا يزَال المصطلى بهَا كَذَلِك، فَمن أجل ذَلِك قيل لَهَا نَار الزحفتين. ونار أُخْرَى: وَهِي الَّتِي يذكر الْعَرَب أَن الغيلان توقدها بِاللَّيْلِ للعبث والتخييل وإضلال السابلة. ونار أُخْرَى: وَهِي مَذْكُورَة على الْحَقِيقَة لَا على الْمثل، وَهِي من أعظم مفاخر الْعَرَب وَهِي النَّار الَّتِي ترفع للسَّفر وَلمن يلْتَمس الْقرى، فَكلما كَانَت أضخم وموضعها أرفع، كَانَت أَفْخَر، قَالَ الشَّاعِر: لَهُ نَار تشب بِكُل وادٍ ... إِذا النيرَان ألبست القناعا نَار الإياب: ونار أُخْرَى: وَهِي الَّتِي توقد للقادم من سفر سالما غانماً، قَالَ: يَا لبيني أوقدي النارا ... إِن من تهوين قد حارا حَار: رَجَعَ. قَالَ الله تَعَالَى: " إِنَّه ظن أَن لن يحور بلَى " أَي لن يرجع. نَار الْعَار: ونار أُخْرَى: كَانَت الْعَرَب إِذا غدر الرجل بجار، أوقد لَهُ نَارا بمنى أَيَّام الْحَج على الأخشب، وَهُوَ الْجَبَل المطل على منى ثمَّ صاحوا: هَذِه غدرة فلَان

стр. 1400

فيدعو عَلَيْهِ النَّاس قَالَت امْرَأَة من بني هَاشم: فَإِن تهْلك فَلم تعرف عقوقا ... وَلم توقد لنا بالغدر نَارا وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: النيرَان أَرْبَعَة: نَار تَأْكُل وتشرب، وَهِي نَار الْمعدة، ونار لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وَهِي نَار الْحجر، ونار تشرب وَلَا تَأْكُل وَهِي نَار الْبَرْق، ونار تَأْكُل وَلَا تشرب وَهِي نَار الْحَطب. وَيُقَال أَيْضا: النيرَان أَرْبَعَة: فَنَار تشرب وَلَا تَأْكُل، ونار تَأْكُل وَلَا تشرب، ونار تَأْكُل وتشرب، ونار لَا تَأْكُل وَلَا تشرب؛ فَأَما النَّار الَّتِي تشرب وَلَا تَأْكُل فَهِيَ النَّار الَّتِي هِيَ من الشّجر، وَالنَّار الَّتِي تَأْكُل وَلَا تشرب فناركم هَذِه، وَالنَّار الَّتِي لَا تَأْكُل وَلَا تشرب فَالنَّار الَّتِي فِي الْحجر، وَالنَّار الَّتِي تَأْكُل وتشرب فَنَار جَهَنَّم.

стр. 1401

الْبَاب الثَّامِن وَصَايَا الْعَرَب أخبرنَا الصاحب إِسْمَاعِيل بن الْقَاسِم عَن الأبجي عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أبي نصر، عَن الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول لِبَنِيهِ وَهُوَ يوصيهم: اتَّقوا الظهيرة الغراء، والفلاة الغبراء، وردوا المَاء بِالْمَاءِ. أوصى الْحَارِث بن كَعْب بنيه فَقَالَ: يَا بني، قد أَتَت عَليّ مائَة وَسِتُّونَ سنة مَا صافحت يَمِيني يَمِين غادر، وَلَا قنعت نَفسِي بخلة فَاجر، وَلَا صبوت بابنة عَم وَلَا كنة، وَلَا بحت لصديق عَليّ بسر. وَلَا طرحت عِنْدِي مومسة قناعها، وَلَا بَقِي على دين عِيسَى بن مَرْيَم أحد من الْعَرَب غَيْرِي وَغير تَمِيم بن مرّة، وَأسد بن خُزَيْمَة، فموتوا على شريعتي، واحفظوا وصيتي، إِلَهكُم فاتقوه، يكفكم المهم من أُمُوركُم، وَيصْلح لكم حالكم، وَإِيَّاكُم وَالْمَعْصِيَة، يحل بكم الدمار ويوحش مِنْكُم الديار، وَكَانُوا جَمِيعًا، وَلَا تفَرقُوا فتكونوا شيعًا، بزوا قبل أَن تبزوا، فموت فِي عز، خير من حياةٍ فِي ذل وَعجز، فَكل مَا هُوَ كَائِن كَائِن، وكل جمع إِلَى تبَاين، والدهر صرفان: صرف بلاءٍ وَصرف رخاء. وَالْيَوْم يَوْمَانِ: يَوْم حبرَة وَيَوْم عِبْرَة، وَالنَّاس رجلَانِ: رجل مَعَك، وَرجل عَلَيْك. زوجوا النِّسَاء من الْأَكفاء وَإِلَّا فانتظروا بِهن الْقَضَاء، وَليكن طيبهن المَاء، وَإِيَّاكُم والورهاء فَإِنَّهَا أدوأ الدَّاء. يَا بني: قد أكلت مَعَ أَقوام، وشربت مَعَ أَقوام، فَذَهَبُوا وغبرت وَكَأَنِّي بهم قد لحقت. ثمَّ أنشأ يَقُول: أكلت شَبَابِي وأفنيته ... وأمضيت بعد دهورٍ دهورا فِي أَبْيَات أخر:

стр. 1402

قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: أنكح ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ ابْنَته من معبد بن زُرَارَة، فَلَمَّا أخرجهَا إِلَيْهِ قَالَ: يَا بنية أمسكي عَلَيْك الفضلين: فضل الغلمة، وَفضل الْكَلَام، ضرار هُوَ الَّذِي رفع عنزته بعكاظ وَقَالَ: " أَلا إِن شَرّ حَائِل أم، فزوجوا أُمَّهَات "، وَذَلِكَ أَنه صرع بَين القنا، فأشبل عَلَيْهِ إخْوَته لأمه حَتَّى أنقذوه. لما حضرت قيس بن عَاصِم الْوَفَاة، دَعَا بنيه فَقَالَ: يَا بني احْفَظُوا عني، فَلَا أحد أنصح لكم مني. إِذا مت، فسودوا كباركم وَلَا تسودوا صغاركم، فيسفه النَّاس كباركم وتهونوا عَلَيْهِم، وَعَلَيْكُم باستصلاح المَال، فَإِن منبهة للكريم، ويستغني بِهِ عَن اللَّئِيم، وَإِيَّاكُم ومسالة النَّاس فَإِنَّهَا أخر كسب الْمَرْء. لما أَقَامَ ابْن قميئة بَين العقابين قَالَ لَهُ أَبوهُ: أطر رجليك، وأصر إِصْرَار الْفرس، وَاذْكُر أَحَادِيث غدٍ، وَإِيَّاك وَذكر الله فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ من الفشل. أوصى أَبُو الْأسود ابْنه فَقَالَ: يَا بني، إِذا جَلَست فِي قوم فَلَا تَتَكَلَّم بِمَا هُوَ فَوْقك فيمقتوك، وَلَا بِمَا هُوَ دُونك فيزدروك، وَإِذا وسع الله عَلَيْك فابسط يدك، وَإِذا أمسك عَلَيْك فامسك وَلَا تجاود الله فَإِن الله أَجود مِنْك. قَالَ بَعضهم لِبَنِيهِ: يَا بني لَا تعادوا أحدا، وَإِن ظننتم أَنه يضركم، وَلَا تزهدوا فِي صداقة أحد، وَإِن ظننتم أَنه لَا ينفعكم، فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَتى تخافون عَدَاوَة الْعَدو، وَلَا مَتى ترجون صداقة الصّديق، وَلَا يعْتَذر إِلَيْكُم أحد إِلَّا قبلتم عذره، وَإِن علمْتُم أَنه كَاذِب، زجوا الْأَمر زجاً. وَقَالَ سعد الْعَشِيرَة لِبَنِيهِ عِنْد مَوته: إيَّاكُمْ وَمَا يَدْعُو إِلَى الِاعْتِذَار، ودعوا قذف الْمُحْصنَات، لتسلم لكم الْأُمَّهَات، وَإِيَّاكُم وَالْبَغي، ودعوا المراء وَالْخِصَام، تهبكم العشائر، وجودوا بالنوال تنم لكم الْأَمْوَال، وَإِيَّاكُم وَنِكَاح الورهاء، فَإِنَّهَا أدوأ الدَّاء، وابعدوا من جَار السوء داركم، ودعوا الضغائن فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى التقاطع. وَقَالَ بَعضهم: سَمِعت بدوياًُ يَقُول لِابْنِهِ: يَا بني: كن سبعا خالساً، أَو ذئباً خانساً، أَو كَلْبا حارساً، وَإِيَّاك وَأَن تكون إنْسَانا نَاقِصا.

стр. 1403

قَالَ هَانِئ قبيصَة بن مَسْعُود الشَّيْبَانِيّ يَوْم ذِي قار يحرض بني وَائِل: الحذر لَا يُنجي من الْقدر، والدنية أغْلظ من الْمنية، واستقبال الْمَوْت خير من استدباره، والطعن فِي الثغر، خير وَأكْرم مِنْهُ فِي الدبر، يَا بني: هَالك مَعْذُور، خير من نَاجٍ فرور، قَاتلُوا، فَمَا للمنايا من بُد. قَالَ أَكْثَم بن صَيْفِي: يَا بني تَمِيم لَا يفوتنكم وعظي إِن فاتكم الدَّهْر بنفسي، إِن بَين حيزومي وصدري لبحراً من الْكَلم، لَا أجد لَهُ مواقع غير أسماعكم، وَلَا مقار إِلَّا قُلُوبكُمْ فتلقوها بأسماع صَافِيَة، وَقُلُوب وَاعِيَة، تحمدوا عواقبها: إِن الْهوى يقظان، وَالْعقل رَاقِد، والشهوات مُطلقَة، والحزم مَعْقُول، وَالنَّفس مُهْملَة، والروية مُقَيّدَة، وَمن يجهل التواني، وَيتْرك الروية يتْلف الحزم. وَلنْ يعْدم المشاور مرشداً، والمستبد بِرَأْيهِ مَوْقُوف على مداحض الزلل، وَمن سمع سمع بِهِ، ومصارع الْأَلْبَاب تَحت ظلال الطمع، وَلَو اعْتبرت مواقع المحن، مَا وجدت إِلَّا فِي مقَاتل الْكِرَام، وعَلى الِاعْتِبَار طَرِيق الرشاد، وَمن سلك الجدد أَمن العثار، وَلنْ يعْدم الحسود أَن يتعب قلبه، ويشغل فكره، ويثير غيظه، وَلَا يُجَاوز ضره نَفسه. يَا بني تَمِيم: الصَّبْر على جرع الْحلم، أعذب من جني ثَمَر النَّدَم، وَمن جعل عرضه دون مَاله، استهدف الذَّم، وكلم اللِّسَان، أنكى من كلم الحسام، والكلمة مزمومة مَا لم تنجم من الْفَم، فَإِذا نجمت فَهِيَ سبع محرب، أَو نَار تلهب، وَلكُل خافية مختفٍ، وَرَأى الناصح اللبيب دَلِيل لَا يجور، ونفاذ الرَّأْي فِي الْحَرْب، أنفذ من الطعْن وَالضَّرْب. اسْتَشَارَ قومٌ أَكْثَم بن صَيْفِي فِي حربٍ أرادوها، وسألوا أَن يوصيهم، فَقَالَ: أقلوا الْخلاف على أمرائكم، وَاعْلَمُوا أَن كَثْرَة الصياح من الفشل، والمرء يعجز

стр. 1404

لَا المحالة، فَإِن أحزم الْفَرِيقَيْنِ الركين، وَرب عجلة تهب ريثاً، واتزروا للحرب وادرعوا اللَّيْل، فَإِنَّهُ أخْفى للويل، وَلَا جمَاعَة لمن اخْتلف. وَقَالَ عَلْقَمَة بن لبيد العطاردي لِابْنِهِ: يَا بني إِذا نازعتك نَفسك إِلَى صُحْبَة الرِّجَال، فاصحب من إِذا صحبته زانك، وَإِن خدمته صانك، وَإِن عرتك بِهِ مؤونة أعانك. اصحب من إِن قلت صدق قَوْلك، وَإِن ملت سدد صولك، واصحب من إِن مددت يدك بِفضل مدها، وَإِن بَدَت مِنْك ثلمة سدها، وَإِن رأى مِنْك حَسَنَة عدهَا. اصحب من إِن سَأَلته أَعْطَاك، وَإِن سكت أَغْنَاك، اصحب من لَا يَأْتِيك من البوائق، وَلَا يخْتَلف عَلَيْك مِنْهُ الطرائق، وَلَا يخذلك عِنْد الْحَقَائِق. وَقَالَ بَعضهم لِابْنِهِ: كن يَا بني جواداً بِالْمَالِ فِي مَوضِع الْحق، ضنيناً بالأسرار عَن جَمِيع الْخلق، فَإِن أَحْمد جود الْمَرْء، الْإِنْفَاق فِي وَجه الْبر، وَالْبخل بمكتوم السِّرّ. أوصى بعض الْأَنْصَار ابْنه فلقال: يَا بني، إِنِّي مُوصِيك بِوَصِيَّة، إِن لم تحفظها عني كنت خليقاً أَلا تحفظها عَن غَيْرِي: يَا بني اتَّقِ الله، وَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون الْيَوْم خيرا مِنْك من أمس، وَغدا خيرا مِنْك الْيَوْم، فافعل. وَإِذا عثر عاثر من بني آدم فاحمد أَلا تكونه، وَإِيَّاك والطمع، فَإِنَّهُ فقر حَاضر، وَعَلَيْك باليأس، فَإنَّك لن تيأس من شَيْء إِلَّا أَغْنَاك الله عَنهُ، وَإِيَّاك وَمَا يعْتَذر مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يعْتَذر من خير أبدا، وَإِذا قُمْت إِلَى صَلَاتك فصل صَلَاة مُودع، وَإنَّك ترى أَنَّك لَا تصلي بعْدهَا أبدا. روى عَن الْكَلْبِيّ قَالَ: لما قتل قيس بن زُهَيْر أهل الهبات خرج حَتَّى لحق بالنمر ابْن قاسط فَقَالَ: يَا معاشر النمر، أَنا قيس بن زُهَيْر، حريب طريد، شريد، موتور فانظروا لي امْرَأَة قد أدبها الْغنى وأدبها الْفقر، قَالَ: فَزَوجُوهُ امْرَأَة مِنْهُم فَقَالَ: إِنِّي لَا أقيم فِيكُم حَتَّى أخْبركُم بأخلاقي، إِنِّي فخور غيور آنف، وَلست أَفْخَر حَتَّى أَبْتَلِي، وَلَا أغار حَتَّى أرى، وَلَا آنف حَتَّى أظلم، فرضوا أخلاقه، فَأَقَامَ فيهم حَتَّى ولد لَهُ، ثمَّ أَرَادَ التَّحَوُّل عَنْهُم. فَقَالَ: يَا معشر النمر: إِنِّي أرى لكم عَليّ حَقًا بمصاهرتي إيَّاكُمْ، ومقامي بَين أظْهركُم، وَإِنِّي أوصيكم بخصال آمركُم بهَا، وأنهاكم عَن خِصَال: عَلَيْكُم بالأناة فَإِن بهَا تدْرك الْحَاجة،

стр. 1405

وتنال الفرصة، وتسويد من لَا تعابون بتسويده، وَالْوَفَاء فَإِن بِهِ يعِيش النَّاس، وَإِعْطَاء مَا تُرِيدُونَ إعطاءه قبل الْمَسْأَلَة، وَمنع مَا تُرِيدُونَ مَنعه قبل الإنعام وَإِجَارَة الْجَار على الدَّهْر، وتنفيس الْبيُوت عَن منَازِل الْأَيَامَى، وخلط الضَّيْف بالعيال، وأنهاكم عَن الرِّهَان فغني بِهِ ثكلت مَالِكًا أخي، وَعَن الْبَغي فَإِنَّهُ صرع زهيراً أبي، وَعَن السَّرف فِي الدِّمَاء، فَإِن قَتْلَى أهل الهبات أورثني الْعَار. وَلَا تعطوا فِي الفضول فتعجزوا عَن الْحُقُوق، وَأنْكحُوا الْأَيَامَى الْأَكفاء، فَإِن لم تصيبوا بِهن الْأَكفاء فَخير بُيُوتهنَّ الْقُبُور، وَاعْلَمُوا أَنِّي أَصبَحت ظَالِما مَظْلُوما؛ ظلمتني بَنو بدر بِقَتْلِهِم مَالِكًا، وظلمتهم بقتلي من لَا ذَنْب لَهُ. ثمَّ رَحل عَنْهُم فلحق بعمان، فَتَنَصَّرَ بهَا، وَأقَام حَتَّى مَاتَ. وَقيل إِنَّه احْتَاجَ فَكَانَ يَأْكُل الحنظل حَتَّى قَتله، لم يخبر أحد بحاجته. بلغ أَبَا الْأَغَر أَن أَصْحَابه بالبادية قد وَقع بَينهم شَرّ، فَأرْسل ابْنه الْأَغَر فَقَالَ: يَا بني كن يدا لأصحابك على من قَاتلهم، وَإِيَّاك وَالسيف فَإِنَّهُ ظلّ الْمَوْت، وَاتَّقِ الرمْح فَإِنَّهُ رشاء الْمنية، وَلَا تقرب السِّهَام فَإِنَّهَا رسلٌ لَا تؤامر مرسلها، قَالَ فبماذا أقَاتل؟ قَالَ: بِمَا قَالَ الشَّاعِر: جلاميد أملاء الأكف كَأَنَّهَا ... رُءُوس رجالٍ حلقت فِي المواسم وَقَالَ رجل من بني هِلَال لِبَنِيهِ: يَا بني اظهروا النّسك فَإِن النَّاس إِن رَأَوْا من أحدكُم بخلا قَالُوا: مقتصد لَا يحب الْإِسْرَاف وَإِن رَأَوْا عياً قَالُوا: متوق يكره الْكَلَام، وَإِن يرَوا جبنا قَالُوا: متحرج يكره الْإِقْدَام على الشُّبُهَات. وَكَانَت الْعَرَب إِذا أوفدت وافداً تَقول لَهُ: إياك والهيبة فَإِنَّهَا خيبة، وَعَلَيْك بالفرصة فَإِنَّهَا خلسة، وَلَا تبت عِنْد ذَنْب الْأَمر، وَبت عِنْد رَأسه. أوصت أعرابية ابْنَتهَا عِنْد إهدائها إِلَى زَوجهَا، فَقَالَت: اقلعي زج رمحه، فَإِن أقرّ فاقلعي سنانه، فَإِن أقرفا كسْرَى الْعِظَام بِسَيْفِهِ، فَإِن أقرّ فاقطعي اللَّحْم على
следующие страницы →