← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الْحُسَيْن، ﵇، ذَلِك الْكَلْب، وَكَانَ أبرص، فَكَانَ تَأْوِيل الرُّؤْيَا بعد سِتِّينَ سنة. روى مُصعب قَالَ: قَالَ لي رجل: شَردت لنا إبل، فَأتيت حلبسا الْأَسدي، فَسَأَلته عَنْهَا، فَقَالَ لبنيّة لَهُ: خُطي لَهُ، فخطّت وَنظرت، ثمَّ تقبّضت وَقَامَت، وَنظر إِلَيْهَا حَلبس فَضَحِك وَقَالَ: أَتَدْرِي لم قَامَت؟ قلت: لَا. قَالَ: رَأَتْ أَنَّك تتزوجها، وتجد إبلك، فاستحيت فَقَامَتْ. قَالَ: فَخرجت، فَأَصَبْت إبلي، ثمَّ تَزَوَّجتهَا بعد. وروى الْمَدَائِنِي عَن شُرَيْح بن الأقعس الْعَنْبَري قَالَ: عزبت لي إبل، فَأتيت رجلا من بني أَسد، فَقلت: انْظُر. قَالَ: فخطّط خُطُوطًا، فَقَالَ: تُصيب إبلك بكُناسة الْكُوفَة. قلت: بيّن. قَالَ: وَتذهب عَيْنك. قلت: زِدْنِي. قَالَ: وتُزوج امْرَأَة أشرف مِنْك، قَالَ: فَخرجت وَمَا شَيْء أبْغض إليّ من أَن أُصيب إبلي؛ ليكذب فِيمَا قَالَ. قَالَ: فَأتيت الكُناسة فَأَصَبْت إبلي، وَخرجت مَعَ ابْن الْأَشْعَث فَذَهَبت عَيْني. وَحَجَجْت مَعَ ابْنة قيس بن الحسحاس العنبريّ فَقَالَت لي مولاة لَهَا فِي الطَّرِيق: هَل لَك أَن تزوّج؟ قلت: وددت، قَالَت: فاخطبها إِذا قدمت. فَفعلت، فَأَبَوا ذَلِك، فَلم أزل حَتَّى زوّجونيها. قَالَ سلم بن قُتَيْبَة: لَقِيَنِي إِيَاس بن مُعَاوِيَة، وَأَنا لَا أعرفهُ وَلَا يعرفنِي، فَقَالَ: أَنْت ابْن قُتَيْبَة؟ قلت: نعم، قَالَ: عرفتك بشبه عمك عَمْرو بن مُسلم. قلت: وَأَيْنَ أَنا من عمّي؟ وعمّي ضخم أمعر، وَأَنا آدم نحيف الْجِسْم. فَقَالَ: لَيْسَ الْقيَاس على هَذَا. خرج عَمْرو بن عبيد الله بن معمر، وَمَعَهُ مَالك بن خِدَاش الْخُزَاعِيّ، غازيين، فمرّا بِامْرَأَة، وَعَلَيْهَا جمَاعَة، وَهِي تخط لَهُم، فَنظر إِلَيْهَا مَالك. فَضَحِك مِنْهَا هزؤاً. فَقَالَت أَيهَا الضاحك، أما وَالله لَا تخرج من سجستان حَتَّى تَمُوت، ويتزوّج هَذَا الرجل امْرَأَتك، وأشارت إِلَى عمر. فَمَاتَ سجستان، فتزوّج عمر امْرَأَته. وَهِي رَملَة بنت عبد الله الْخُزَاعِيّ.

стр. 1647

ولّى الْمَنْصُور الْحسن بن زيد الْمَدِينَة، ثمَّ غضب عَلَيْهِ فَعَزله، وبيعت أَمْوَاله فَاشْترى رجل من أهل الربذَة أمة لَهُ، فَقَالَت: إِن ابْن زيد قد وَقع بِي فَحملت. فكفّ عَنْهَا، فَوضعت غُلَاما، فَخرج بِهِ إِلَى ولد الْحسن، فخرجواجميعاً بِهِ. فَأتوا وَالِي مَكَّة، فَبعث إِلَى شيخ من الْقَافة، فَقَالُوا لَهُ: إِن هَذَا الْغُلَام لَهُ نسب يلْحقهُ إِلَى رَسُول الله ﷺ ، أَو يَنْفِيه مِنْهُ. قَالَ: فَخرج الشَّيْخ يتخطّى النَّاس ويقوف، فَأخذ بيد الْغُلَام وَقَالَ: هَذَا عَمه، فصيح بِهِ فَتَركه، ثمَّ أَتَى آخر فَقَالَ: عمّه، فصيح بِهِ فَتَركه، حَتَّى عدّد ولد الْحسن غير أَبِيه، وَكَانَ مُتكئا فَرفع رَأسه، فَقَالَ الشَّيْخ: الله أكبر، هَذَا أَبُو الْغُلَام. فَألْحق بِهِ. جَاءَ رجل إِلَى معبّر، فَقَالَ: رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن على حر امْرَأَتي كلبين يتهارشان. فَقَالَ: تَأْوِيله أَنَّهَا طلبت دبقاً تنتفه بِهِ فَلم تَجدهُ، فجزّته بمقراض. فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ. جَاءَ رجل إِلَى ابْن سترين فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَنِّي أَشد الزقاق شداً شَدِيدا - وَكَانَ مَعَ الرجل جراب - فَقَالَ لَهُ ابْن سِيرِين: أَنْت رَأَيْت هَذَا؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ لمن حوله: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الرجل يخنق الصّبيان، وَيَنْبَغِي أَن يكون فِي جرابه آلَة الخنق. فَوَثَبُوا إِلَى الجراب، فوجدوا فِيهِ أوتاراً وحلقاً، فسلموه إِلَى السُّلْطَان. رأى عبد الله بن الزبير أَنه صارع عبد الْملك بن مَرْوَان، فصرعه عبد الله وغرز فِيهِ أَرْبَعَة أوتاد فِي يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، فَأرْسل فَسَأَلَ سعيد بن الْمسيب. فَقَالَ: إِن صدقت رُؤْيَاهُ غَلبه عبد الْملك، وَخرج من صلبه أَرْبَعَة كلهم يكون خَليفَة. رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر قَالَ: وَالله إِنِّي لبسوق من أسواق الْمَدِينَة، بَعْدَمَا ذهب نصف اللَّيْل، إِذْ سَمِعت صائحاً يَقُول: رب خير ومير، ودينار كحافر عير ...

стр. 1648

قَالَ: فصاح بِهِ صائح آخر فَقَالَ: وَيلك! ضلّك ضلّك. فَقَالَ: بشرقيّ غربيّ بَيت أم عُمَيْر ... قَالَ: فَأتيت بَيت أم عُمَيْر، فَجَلَست عِنْد جِدَار خرب، فَوجدت عِنْده دِينَارا مثل القرص، فَبِعْته بتسعين درهما، وغُبنت فِيهِ. خرج هِشَام بن عبد الْملك يَوْمًا، فلقي أَعور، فتشاءم بِهِ، وَأمر بضربه. فَقَالَ الْأَعْوَر: إِن الْأَعْوَر شؤمه على نَفسه، وَالْأَحْوَال شؤمه على النَّاس. وَكَانَ هِشَام أَحول، فاستحيا وخلاّه. وَكَانَ عَمْرو بن اللَّيْث أَعور، وَكَانَ يتطيّر، فَخرج يَوْمًا مبكراً للصَّيْد، فلقي رجلا أَعور، فتطيّر مِنْهُ، وَأمر بضربه، فَقَالَ الرجل: لم تضربني؟ فَقَالَ: لِأَنَّك أَعور، وَقد تشاءمت بك، وَأَنا خَارج إِلَى الصَّيْد. فَقَالَ الْأَعْوَر: انْظُر الْآن أَي الأعورين أشأم على صَاحبه؟ فَضَحِك وخلاّه.؟

стр. 1649

الْبَاب الثَّالِث عشر من قَالَ شعرًا فانتُصف مِنْهُ بنثر هجا الأخطل سُوَيْد بن منجوف، فَقَالَ: وَمَا جذع سوء خرّق السوس جَوْفه ... لما حمّلته وَائِل بمطيق فَقَالَ لَهُ سُوَيْد: وَالله يَا أَبَا مَالك، مَا تحسن تهجو وَلَا تمدح، أردْت هجائي فمدحتني، جعلت وائلاً تحمّلني امورها، وَمَا طمعت فِي بني تغلب، فضلا عَن بكر. طعن عَامر بن الطُّفَيْل ضُبيعة بن الْحَارِث. فَقَالَ ضُبيعة: لَوْلَا اعْتِرَاض فِي الأغرّ وجرأة ... لفَعَلت فاقرةً بِجَيْش سعيد فَقَالَ عَامر: يعجز عَن فرسه ويتوعدني ﴿﴾ أنْشد بَعضهم: يَا مسمع ابْن مَالك يَا مسمع ... اصْنَع كَمَا كَانَ أَبوك يصنع ... فَقَالَ قَائِل: إِذا ينيك أمّه. أنْشد الْأَحْوَص جَرِيرًا: يقرّ بعيني مَا يقرّ بِعَينهَا ... وَأفضل شَيْء مَا بِهِ الْعين قرت فَقَالَ جرير: يقر بِعَينهَا أَن يولج فِيهَا مثل ذِرَاع الْبكر، أفيقر ذَلِك بِعَيْنِك؟ .

стр. 1650

لما قَالَ مِسْكين الدِّرَامِي: نَارِي ونار الْجَار وَاحِدَة ... وَإِلَيْهِ قبلي تُنزل الْقدر قَالَت امْرَأَته: صدق، لِأَنَّهَا ناره وَقدره. دخل عبد الله بن الْحُوَيْرِث على بشر بن عبد الْملك بن بشر بن مَرْوَان، فأنشده: إِنِّي رحلت إِلَى بشر لأعرفه ... إِذْ قيل بشر وَلم أعدل بِهِ أحدا فَقَالَ: لَو قلت: ليعرفني، لأعطيتك مَا سَأَلت، لَيْسَ الْمَدْح كَمَا قلت. أنْشد جرير قَول الأخطل: وَإِنِّي لقوّام مقاوم لم يكن ... جرير وَلَا مولى جرير يقومها فَقَالَ: صدق، أَنا لَا أقوم بَين يَدي قسّ لأخد القربان، وَلَا بَين يَدي سُلْطَان لأَدَاء الْجِزْيَة. سمع أَبُو الْهُذيْل رجلا ينشد: يُغشون حَتَّى مَا تهرّ كلابهم ... لَا يسْأَلُون عَن السوَاد الْمقبل فَقَالَ: يُوشك أَن تكون هَذِه دَار قوّاد أَو خمّار. سَأَلَ جَعْفَر بت سُلَيْمَان نُدماءه عَن قَول جرير: لَو كنت أعلم أَن آخر عهدكم ... يَوْم الرحيل فعلت مَا لم أفعل

стр. 1651

فَقَالَ أَعْرَابِي من أخر الْمجْلس: أَنا أعلم مَا كَانَ يفعل: كَانَ ينيكها. فضحكوا، وَقَالُوا: أصبت. أنْشد رجل يحي بن خَالِد: إِنِّي امْرُؤ فِي أعالي بَيت مكرمَة ... إِذا تمزّق ثوبي أرتدي حسبي فَقَالَ يحيى: مَا أقلّ غناء هَذَا الرِّدَاء فِي كانونين. وقف أَعْرَابِي من بني فقعس على جمَاعَة يسألهم، وَهُوَ عُرْيَان، فَأَنْشد: كساني فقعس وكسا بنيه ... عطاف الْمجد إِن لَهُ عطافا فَقَالَ بَعضهم: لَو كساك خرقَة تواريك كَانَت أصلح لَك من هَذَا العطاف. قصد بعض الشُّعَرَاء أَبَا دلف، فَقَالَ لَهُ: مِمَّن أَنْت؟ فقالك من بني تَمِيم. فَقَالَ أَبُو دلف: من الَّذين يَقُول فيهم الشَّاعِر: تَمِيم بطرق اللؤم أهْدى من القطا؟ ... فَقَالَ: نعم، بِتِلْكَ الْهِدَايَة جئْتُك. فَخَجِلَ أَبُو دلف، واستكتمة، وَأحسن جائزته. قَالَ بَعضهم فِي الصاحب ﵀: وردنا لنشكر كَافِي الكفاة ... ونسأله الكفّ عَن برّنا فَقَالَ لَهُ بَعضهم: قد كُفيت، فَلَيْسَ يُعطى أحدا شَيْئا. وَلما قَالَ إِبْرَاهِيم بن هُرمة: لَا أُمتع العوذ بالفصال وَلَا ... أبتاع إِلَّا قريبَة الْأَجَل

стр. 1652

قَالَ مزبّد: صدق ابْن الخبيثة؛ فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي إِلَّا شَاة الْأَضْحَى الَّتِي يذبحها من سَاعَته. سمع بَعضهم منشداً ينشد: وَمَا طبخوها غير أَن غلامهم ... سعى فِي نواحي كرمهم بشهاب فَقَالَ: أحرقوها أحرقهم الله. أُنشد الْمَأْمُون قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف: هم كتموني سيرهم ثمَّ أزمعوا ... وَقَالُوا: اتّعدنا للرواح وبكّروا فَقَالَ: سخروا بِأبي الْفضل أعزه الله. لما قَالَ أَرْطَاة بن سُهيّة للربيع بن قعنب: لقد رَأَيْتُك عُريَانا ومؤتزراً ... فَمَا علمت أأنثى أَنْت أم ذكر؟ قَالَ لَهُ: لَكِن سهيّة قد علمت، وسهيّة أمه، فغلبه. حضر أَعْرَابِي حَلقَة يُونُس، فَأَنْشد قَول جرير: يصرعن ذَا اللب حَتَّى لَا حراك بِهِ ... وَهن أَضْعَف خلق الله أركانا فَقَالَ: مَا أَرَادَ - وَالله - إِلَّا البراغيث. عمّى أَبُو الْحُسَيْن الصُّوفِي على الْأُسْتَاذ أبي الْفضل ابْن العميد بَيْتا على طَرِيق التَّرْجَمَة، وَهُوَ: أَنا إِن لم أك أهوا ... ك فرأسي فِي حرمّي فَأخْرجهُ، ووقّع تَحْتَهُ: وَإِن هويت؟

стр. 1653

قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم: أَنْشدني ابْن الْأَعرَابِي يَوْمًا: وَأصْبح من حَيْثُ الْتَقَيْنَا عَشِيَّة ... سوار، وخلخال ورد، ومطرف ومنقطعات من عُقُود تركنها ... كجمر الغضا فِي بعض مَا تتخطرف قَالَ: فَقلت لَهُ: يَا أَبَا عبد الله، لَا وَالله، وَلَا فِي معترك الرشيد وَأم جَعْفَر يكون هَذَا. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أنشدت أَبَا الْهُذيْل: وَإِذا توّهم أَن يَرَاهَا نَاظر ... ترك التوّهم وَجههَا مكلوما فَقَالَ يَنْبَغِي أَن تناك هَذِه بأير من خاطر. وأنشدت النظام: غذا همّ النديم لَهُ بلحظ ... تمشّت فِي مفاصله الكلوم فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي أَن ينادم هَذَا إِلَّا الْأَعْمَى. لما قتل مسلمة بن عبد الْملك يزِيد بن الْمُهلب قَالَ ثَابت قطنة يرثيه: يَا لَيْت أسرتك الَّذين تغيّبوا ... كَانُوا ليومك بالعراق شُهُودًا فَقَالَ مسلمة: وَأَنا - وَالله - وددت حَتَّى أسقيهم بكأسه. أنْشد عبد الْملك قَول بعض الْخَوَارِج: وَمنا سِنَان الْمَوْت وَابْن عُوَيْمِر ... ومرّة فَانْظُر أَي ذَاك تعيب؟

стр. 1654

فَقَالَ عبد الْملك: كل ذَاك أعيب. لما أسلمت رَملَة ابْنة شيبَة بن ربيعَة قَالَت هِنْد بنت عتبَة فِيهَا: تدين لمعشر قتلوا أَبَاهَا ... أقتل أَبِيك جَاءَك بِالْيَقِينِ؟ فَقَالَت: نعم، قَتله جَاءَنِي بِالْيَقِينِ. وقف أَعْرَابِي من بني فقعس على جمَاعَة يسألهم - وعَلى عُنُقه جراب - وَعَلِيهِ خرقَة لَا تواري عَوْرَته، وَأنْشد: كساني فقعس وكسا بنيه ... عطاف الْمجد إِن لَهُ عطافا فَقَالَ لَهُ ابْن أبي حُصَيْن: أَفلا كساك خرقَة تُواري بهَا عورتك؟ لما قَالَ جرير: صَارَت حنيفَة أَثلَاثًا فثلثهم ... من العبيد وَثلث من مواليها قيل لرجل من بني حنيفَة: من أَي الأثلاث أَنْت؟ قَالَ: من الثُّلُث الملغيّ. أنْشد ابْن أبي عَتيق قَول عمر بن أبي ربيعَة: حبذا أَنْت يَا بغوم وأسما ... ء وليل بضمّنا وخلاء فَقَالَ: وقمقم يسخّن فِيهِ المَاء. أنْشد عبد الْملك قَول بعض الْخَوَارِج: فمنّا يزِيد والبطين وقعنب ... وَمنا أَمِير الْمُؤمنِينَ شبيب وَمنا سِنَان الْمَوْت وَابْن عُوَيْمِر ... ومرّة فَانْظُر أَي ذَاك تعيب فَقَالَ عبد الْملك: كل ذَاك أعيب.

стр. 1655

عُرض على بِلَال بن أبي بردة الْجند، فَمر بِهِ رجل من بني نمير مَعَه رمح قصير، فَقَالَ لَهُ بِلَال: يَا أَخا بني نمير، مَا أَنْت كَمَا قَالَ الشَّاعِر: لعمرك مَا رماح بني نمير ... بطائشة الصُّدُور وَلَا قصار فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير، ماهو لي، إِنَّمَا استعرته من رجل من الْأَشْعَرِيين. وَلما قَالَ إِسْمَاعِيل بن يسَار فِي قصيدته الَّتِي يفتخر فِيهَا بالفرس على الْعَرَب: إِذْ نربي بناتنا وتدسّو ... ن سفاهاً بناتكم فِي التُّرَاب قَالَ لَهُ العربيّ: لِأَن حاجتنا للبنات غير حَاجَتكُمْ. يَعْنِي أَن الْفرس تنْكح بناتهم. كتب عَليّ بن الجهم إِلَى جَارِيَة كَانَ يهواها: خَفِي الله فِيمَن قد تبلت فُؤَاده ... وتيمته حَتَّى كَأَن بِهِ سحرًا دعِي الْبُخْل لَا أسمع بِهِ مِنْك إِنَّمَا ... سَأَلتك شَيْئا لَيْسَ يُعري لكم ظهرا فَكتبت إِلَيْهِ على ظهر الرقعة: إِن لم يعر لنا ظهرا فَإِنَّهُ يمْلَأ لنا بَطنا. قَالَ مُحَمَّد بن الْحَارِث: كَانَ علوّية بعيد الخجل، صفيق الْوَجْه، لَا يكَاد يخجله شَيْء، فَاجْتَمَعْنَا يَوْمًا عِنْد المعتصم ومعنا إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فَلَمَّا خرجنَا قَالَ إبراهي لعلوية: هَل أحدثت شَيْئا من الْغناء؟ قَالَ: صنعت: إِذا كَانَ لي شَيْئَانِ يَا أم مَالك ... فَإِن لجاري مِنْهُمَا مَا تخيّرا وَفِي وَاحِد إِن لم يكن غير وَاحِد أرَاهُ لَهُ أَهلا وَإِن كنت مُعسرا

стр. 1656

فَقَالَ إِبْرَاهِيم: وَإِن كَانَ امْرَأَتك كَانَت؟ فَانْقَطع علوِيَّة انْقِطَاعًا قبيحاً، وخجل حَتَّى لم ينفع نَفسه ذَلِك الْيَوْم. أنْشد الرشيد قَول ابْن عُيَيْنَة: لقد قُنّعت قحطان خزياً بخالدفهل لَك فِيهِ يخزك الله يَا مُضر؟ فَقَالَ: لَا، بل تؤثرون بِهِ وتكرمون. سمع مُحَمَّد بن مُوسَى المنجم قَول عديّ بن الرّقاع: وَعلمت حَتَّى لست أسأَل وَاحِدًا ... عَن علم وَاحِدَة لكَي أزدادها فَقَالَ مُحَمَّد: أَنِّي رَأَيْته فاعرض عَلَيْهِ أَصْنَاف الْعُلُوم، فَكلما مر بِهِ مَا لَا يُحسنه صفعته. سَمِعت سكينَة بنت الْحُسَيْن ﵇ قَول العرجي: يقعدن فِي التطواف آونةً ... ويطفت أَحْيَانًا على فتر فنزعن عَن سبع وَقد جثهدت ... أحشاؤهنّ: موائل الْخمر فَقَالَت لِلْجَارِيَةِ: قولي لَهُ: وَيحك! لَو طَاف الْفِيل بِهَذَا الْبَيْت لجهدت أحشاؤه. بصر الفرزدق بجرير محرما فَقَالَ: وَالله لأفدنّ على ابْن المراغة حجّه، ثمَّ جَاءَ مُسْتَقْبلا لَهُ فجهره بمشقص كَانَ مَعَه، ثمَّ قَالَ: إِنَّك لَاق بالمشاعر من منى ... فخاراً فخبّرني بِمن أَنْت فاخر؟ فَقَالَ جرير: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك. وَلم يجبهُ.

стр. 1657

وَلما قَالَ جرير: أعياش قد ذاق القيون مواسمي ... وأرقدت نَارِي فادن دُونك فاصطل قَالَ عَيَّاش: إِنِّي إِذا لمقرور، فغلب عَلَيْهِ. وَقَامَ عبد الله بن الْحجَّاج الثَّعْلَبِيّ إِلَى عبد الْملك، فَقَالَ: أدنو لترحمني، وتجبر خلّتي ... وأراك تدفعني، فَأَيْنَ المدفع؟ فَقَالَ عبد الْملك: إِلَى النَّار. قَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي: أَنْشدني ابْن كُناسة لنَفسِهِ: لقد كَانَ فِيهَا للأمانة مَوضِع ... وللكف مرتاد، وللعين منظر فَقلت: مَا بَقِي شَيْء. قَالَ: فَأَيْنَ الْمُوَافقَة؟ . قَالَ صَالح بن حسان للهيثم بن عدي: أعلمت أَن النَّابِغَة كَانَ مخنثاً؟ فَقَالَ: كَيفَ ذَاك؟ قَالَ: لقَوْله: سقط النصيف وَلم تُرد إِسْقَاطه ... فتناولته واتقتنا بِالْيَدِ وَالله مَا يحسن هَذِه الْإِشَارَة إِلَّا مخنث. فَسمع ذَلِك رجل من قيس، فَقَالَ: بل صَاحبك الْأَعْشَى هُوَ المخنث حَيْثُ يَقُول: قَالَت هُرَيْرَة لما جِئْت زائرها: ويلي عَلَيْك، وويلي مِنْك يَا رجل قَالَ يزْدَاد بن المتطبب: أَبُو الْعَتَاهِيَة أشعر النَّاس فِي قَوْله: فتنقّست ثمَّ قلت: نعم، حُب ... باً جرى فِي الْعُرُوق عرقاً فعرقا فَقَالَ لَهُ بعض الظرفاء: صَار عنْدك أشعر النَّاس من طَرِيق الْمحبَّة وَالْعُرُوق.

стр. 1658

الْبَاب الرَّابِع عشر أَمْثَال ونوادر على لِسَان الْبَهَائِم قَالُوا: عيّر ثَعْلَب لبؤةً بِأَنَّهَا إِنَّمَا تَلد فِي عمرها جرواً وَاحِدًا. فَقَالَت: نعم، إِلَّا أَنه أَسد. قَالُوا: يَقُول الأرنب: أَنا أسْرع عدوا من كل كلب، وَلَوْلَا أَنِّي ألتفت - فَأرى اللحي الَّتِي تركض أَصْحَابهَا خَلْفي، وأسمع صِيَاحهمْ، وَأرى اجتهادهم، فَيَقَع عليّ الضحك تَعَجبا من عُقُولهمْ، فأسترخي - لما لَحِقَنِي قطّ كلب. قَالُوا: صحب ذِئْب وثعلب أسداً، فاصطادوا عيرًا وظبياً وأرنبا، فَقَالَ الْأسد للذئب: اقْسمْ هَذَا بَيْننَا. فَقَالَ: العير لَك، والظبي لي، والأرنب للثعلب. فَغَضب الْأسد، وَأخذ الذِّئْب حَتَّى قطع رَأسه، وَقَالَ للثعلب: اقسمه أَنْت. فَقَالَ: العير لغدائك، والظبي لعشائك، والأرنب تتفكّه بِهِ فِي اللَّيْل. فَقَالَ: من علّمك هَذِه الْقِسْمَة العادلة؟ فَقَالَ: رَأس الذِّئْب الَّذِي بَين يَديك. قَالُوا: وجد بعير وأرنب وثعلب جبنة، فَاصْطَلَحُوا على أَن تكون لأكبرهم سنّاً، فَقَالَ الأرنب: أَنا ولدت قبل أَن خلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض. فَقَالَ الثَّعْلَب: صدق فَإِن حضرت وَقت وِلَادَته، فَأخذ الْبَعِير الجبنة بِفِيهِ، وَرفع رَأسه وَقَالَ: من رَآنِي يعلم أَنِّي لم أولد البارحة. قيل للثعلب: تحمل كتابا إِلَى الْكَلْب وَتَأْخُذ مائَة دِينَار؟ فَقَالَ: أما الْكِرَاء فوافر، وَلَكِن الطَّرِيق مخوف. وَقع فِي شرك صياد ثعلبان، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: يَا أخي، أَيْن نَلْتَقِي؟ قَالَ: فِي الفرّائين بعد ثَلَاثَة أَيَّام.

стр. 1659

دخل كلب مَسْجِدا خرابا، فَبَال على الْمِحْرَاب، وَفِي الْمَسْجِد قرد نَائِم، فَقَالَ للكلب: أما تخَاف الله؟ تبول فِي الْمِحْرَاب ﴿قَالَ الْكَلْب: مَا أحسن مَا صورك حَتَّى تتعصب لَهُ﴾ . قَالُوا: إِن جدياً وقف على سطح يشْتم ذئباً فِي الأَرْض. فَقَالَ لَهُ الذِّئْب: لست الَّذِي يَشْتمنِي، وَلَكِن مَكَانك يفعل ذَلِك. وَقَالُوا: إِن ثعلباً تعلّق بعوسجة ليصعد حَائِطا، فعقرته، فَأقبل يلومها. فَقَالَت: يَا هَذَا، لم تفسك فِي التَّعَلُّق بِمَا يتَعَلَّق بِكُل شَيْء. كَانَ رجل من بني أَسد يُسَايِر عَاملا للبند نيجين، فمرّا بدار خربة عَلَيْهَا بومتان تصفران، فَقَالَ الْعَامِل: لَيْت شعري مَا يَقُولَانِ؟ فَقَالَ الْأَسدي: إِن أمّنتني أَخْبَرتك. قَالَ: فَأَنت آمن. قَالَ: خطب أَحدهمَا، وَهُوَ الذّكر، الْأُخْرَى، وَهِي الْأُنْثَى، على ابْنه. فَقَالَت: قد زَوجتك على مِائَتي خربة. قَالَ: وَمن أَيْن لي مِائَتَا خربة؟ فَقَالَت: إِن بَقِي هَذَا الْعَامِل علينا إِلَى آخر السّنة فَأَنا أُعطيك خَمْسَة آلَاف خربة. فَغَضب الْعَامِل لذَلِك، وَقَالَ: لَوْلَا الْأمان لقتلتك. عدا كلب خلف ظَبْي، فَقَالَ لَهُ الظبي: إِنَّك لَا تلحقني. قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَنِّي أعدو لنَفْسي، وَأَنت تعدو لصاحبك. قَالُوا: قَالَت الخنفساء لأمها: مَا أمرّ بِأحد إِلَّا بزق عليّ. قَالَت: من حُسنك تُعوّذين. قَالُوا: قبض كلب على أرنب، فَقَالَ الأرنب: وَالله مَا فعلت بِي هَذَا لقوتك، وَلَكِن لضعفي. وَقَالُوا: صَاد رجل قُنبرةً، فَلَمَّا صَارَت فِي يَده قَالَت: مَا تُرِيدُ أَن تصنع بِي؟ قَالَ: أُرِيد أَن أذبحك وآكلك. قَالَت: فَإِنِّي لَا أُشفي من قرم، وَلَا أُشبع من جوع، وَإِن تَرَكتنِي علّمتك ثَلَاث كَلِمَات هِيَ خير لَك من أكلي، أما الأولى فأُعلّمك وَأَنا فِي يدك، وَأما الثَّانِيَة فأعلمك وَأَنا على الشَّجَرَة، وَالثَّالِثَة إِذا صرت على الْجَبَل. فَقَالَ: هَاتِي. فَقَالَت: لَا تلهفنّ على مَا فاتك. فَتَركهَا وَصَارَت

стр. 1660

على الشَّجَرَة، ثمَّ قَالَت: لَا تُصدقنّ بِمَا لَا يكون، ثمَّ قَالَت: يَا شقيّ، لَو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درّتين هما خير لَك من كنز. فعضّ على شَفَتَيْه متلهفاً، ثمَّ قَالَ: علميني الثَّالِثَة. فَقَالَت: أَنْت قد أُنسبت الثِّنْتَيْنِ، فَكيف أعلّمك الثَّالِثَة؟ ألم أقل لَك: لَا تتلهفنّ على مَا فاتك، وَلَا تُصدقنّ بِمَا لَا يكون؟ أَنا وريشي ولحمي لَا أكون زنة درّتين، فَكيف يكون فِي حوصلتي ذَاك؟ ثمَّ طارت فَذَهَبت. كَانَ أَبُو أَيُّوب الموريانيّ وَزِير الْمَنْصُور إِذا دَعَاهُ الْمَنْصُور يُصفرّ ويرعد مَعَ مَكَانَهُ مِنْهُ، ومحلّه عِنْده - فَقيل لَهُ فِي ذَلِك. فَقَالَ: - مثلي ومثلكم فِي هَذَا مثل باز وديك تناظرا، فَقَالَ الْبَازِي: مَا أعرف أقل وَفَاء مِنْك. قَالَ: وَكَيف؟ قَالَ: تُؤْخَذ بَيْضَة، فيحضنك أهلك وَتخرج على أَيْديهم، فيطعمونك بأكفهم، ويحسنون إِلَيْك، حَتَّى إِذا وجدت مِنْهُم غَفلَة طرت، وَصحت وعلوت الْحِيطَان، وَفَارَقت الدَّار الَّتِي كَبرت فِيهَا إِلَى غَيرهَا، وَأَنا أوخذ من الْجبَال، فأوثق، وتُحاط عينيّ، وأُطعم الشَّيْء الْيَسِير، وأؤنس يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ، ثمَّ أُطلق على الصَّيْد، فأطير وحدي، وَآخذه لصاحبي، وأُمسكه عَلَيْهِ، وأعود إِلَى مَكَاني. فَقَالَ لَهُ الديك: ذهب عَلَيْك الصَّوَاب، أَنْت وَالله لَو رَأَيْت على السَّفَافِيد من البزاة الْيَسِير من الْكثير الَّذِي أرَاهُ من الديكة، مَا عدت عَلَيْهِم قطّ - وَلَكِن لَو عَرَفْتُمْ من الْمَنْصُور مَا أعرفهُ لكنتم أَسْوَأ حَالا مني عِنْد طلبه لكم. وَقَالَ الثَّعْلَب: إِذا كَانَ البخت مُقبلاً كَانَ الْكَرم حَامِلا، وحافظ الْكَرم نَائِما، وَالنّهر مادّا، وَالْقَمَر زاهرا. وَقَالُوا: لَو كَانَ عِنَب الثَّعْلَب حُلواً مَا تركته الثعالب فِي الصحارى.

стр. 1661

الْبَاب الْخَامِس عشر نَوَادِر ونكت للمتكلمين حكى الصاحب ﵀ أَنه كَانَ فِي أَصْحَاب أبي الْهُذيْل غُلَام يعرف بِعَبْد الله الْفَارِسِي، فَدَعَاهُ يَوْمًا يحيى بن أصفح - وَكَانَ رَأس المُجبرة - إِلَى دَعوته، فأكلا، وَدعَاهُ إِلَى الشَّرَاب فَأَجَابَهُ وَشرب مَعَه، وَأَرَادَ يحيى أَن يُسكر الْغُلَام ويعدّه، فَسَكِرَ قبل الْغُلَام، فَقَامَ إِلَيْهِ الْغُلَام، وَفعل مَا أَرَادَ يحيى أَن يَفْعَله. وَأخذ قِطْعَة رقّ، وَكتب عَلَيْهَا: فعلة جَاءَت لعمري مُنكرهنيك شيخ من شُيُوخ الْمُجبر قدرَة أوجبت الْفِعْل وَلم ... يكن الله ليأبى قدره وألصقها بجبهته، فَلَمَّا أَفَاق وَرَأى ذَلِك قَالَ: لعن الله الْقَدَرِيَّة جِئْنَا ننيكهم، ناكونا.

стр. 1662

قَالَ رجل لعَمْرو بن عبيد: إِنِّي لأرحمك مِمَّا يَقُول النَّاس فِيك. قَالَ: فَمَا تسمعني أَقُول؟ قَالَ: مَا أسمعك تَقول إِلَّا خيراًز قَالَ: فإياهم فارحمم. ومرّ بِجَمَاعَة عكوف فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: سَارِق يُقطع. فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله! سَارِق السِّرّ يقطعهُ سَارِق الْعَلَانِيَة. قَالَ رجل لثمامة: لم كفر الْكَافِر؟ فَقَالَ: الْجَواب عَلَيْهِ. وَقَالَ هِشَام بن الحكم - وَكَانَ يَقُول بالجسم - لأبي الْهُذيْل: مَا الدَّلِيل على أَن الْبَارِي لَيْسَ بجسم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا نصف لَهُ. قَالَ أَبُو شمر: مَا شَككت فِي شَيْء قطّ. قَالَ النظام: لكني مَا شَيْء إِلَّا شَككت فِيهِ. ففضّل النَّاس قَول النظام. نَاظر بختويه الْجند يسابوري عَافِيَة بن شبيب البصريّ، فَقَالَ بختويه: مَا دليلك على إِثْبَات الْخَالِق؟ فَقَالَ: شَعْرَة أمك الَّتِي تحلقها فتنبت، فَلَو لم يكن لَهَا منبت لم تنْبت. قَالَ بختويه: فَيَنْبَغِي أَن يكون بظر أمك حِين قُطع فَلم ينْبت دَلِيلا على أَنه لَا منبت. قَالَ بعض وُلَاة الْبَصْرَة بَينا أَنا فِي مجلسي إِذْ سَمِعت صَحِيحَة عَظِيمَة ظَنَنْت أَنَّهَا فتْنَة، فَإِذا شيخ قد لبّب رجلا شَابًّا، فَلَمَّا دنيا مني قلت للشَّيْخ: مَا شَأْنك؟

стр. 1663

قَالَ: شَتَمَنِي وَشتم أبويّ، قَالَ: كَانَا يجمعان بَين الزَّانِي والزانية. قَالَ: فَقلت للشاب: مَا تَقول؟ قَالَ: صدق، وَقد فعلت ذَلِك، وَكَانَت خَطِيئَة، وَأَنا أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ، فَإِن عَفا وَإِلَّا فَأَنا بَين يَديك، خُذ لَهُ بِحقِّهِ مني. قَالَ الشَّيْخ: قد عَفَوْت عَنهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الشَّيْخ أَن يقوم سَأَلَهُ الشَّاب أَن يجلس. فَقلت: مَا بالك؟ قَالَ: قد قلت فِي أَبَوَيْهِ مَا قلت، واستغفرت الله من ذَلِك، وَهُوَ يزْعم أَن الله يجمع بَين الزَّانِي والزانية، فليستغفر الله من ذَلِك. قَالَ: فجهدنا بالشيخ أَن يسْتَغْفر مِنْهُ فَأبى. وَإِذ أَن الْكَلَام قد جرى بَينهمَا فِي الْعدْل والجبر، وَكَانَ الشَّيْخ مجبرا. قَالَ رجل من الْمُجبرَة: مَا سرق حماري بعد الله إِلَّا فلَان. فَقَالَ لَهُ آخر: قد وَقعت على أحد السارقين، فَخذ فِي طلب الآخر. قيل لمُحَمد بن وَاسع: مَا تَقول فِي الْقدر؟ فَقَالَ: إِن الله تَعَالَى إِذا جمع الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة سَأَلَهُمْ عَمَّا عهد إِلَيْهِم، وَلم يسألهم عَمَّا قضى عَلَيْهِم. وَقَالَ آخر: إِذا جمع الله الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة سَأَلَهُمْ عَمَّا فَعَلُوهُ، وَلم يسألهم عَمَّا فعل هُوَ بهم. قَالَ الشغافيّ: كَانَ عندنَا نَصْرَانِيّ خَبِيث يتَكَلَّم ويناظر، فَكَانَ إِذا أَتَاهُ مجبر ليناظره قَالَ: أَنْت تزْعم أَن الله خلق كُفري، وَأَنِّي لَا أقدر على الْإِسْلَام. فَمَا معنى مناظرتي؟ وَإِذا أَتَاهُ معتز لي قَالَ: خُذ سِلَاحك حَتَّى آخذ سلاحي؛ فَإِن الْأَمر بيني وَبَيْنك جد. قَالَ بَعضهم: سَمِعت مجبراً يَقُول - وَقد احْتج عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، وَاحْتج هُوَ أَيْضا بِالْقُرْآنِ. فَقيل لَهُ: أَتَرَى الَّذِي تلونا عَلَيْك ينْقضه مَا تلوته علينا؟ - فَقَالَ: لَا، وَلَكِن إِذا خلط رَبنَا علينا فَلَا بُد من أَن يخلّط عَلَيْكُم. وَقَالَ الشغافيّ: حضر أَبُو عبد الرَّحْمَن الحبلي عِنْد بعض الْوُلَاة بِالْبَصْرَةِ، وَحضر رجل من الْمُجبرَة، فَأتي الْوَالِي بطرّاز أَحول. فَقَالَ الْوَالِي للمجبر: مَا ترى فِيهِ؟ قَالَ: أرى أَن تضربه عشْرين درّة. فَقَالَ لأبي عبد الرَّحْمَن: مَا ترى؟ قَالَ: أرى أَن تضربه أَرْبَعِينَ: عشْرين لطرّه، وَعشْرين لحوله. فَقَالَ: يَا أَبَا

стр. 1664

عبد الرَّحْمَن، أأضربه على الْحول؟ قَالَ: نعم، إِذا كَانَا جَمِيعًا من خلق الله: الطر والحول، فَمَا جعل الله الضَّرْب على أَحدهمَا أَحَق مِنْهُ على الثَّانِي. قَالَ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ للموفق: أصلح الله الْأَمِير، لقد أهلك أَبُو مخالد النَّاس. فَقَالَ لَهُ: الله أم أَبُو مخالد أهلكهم؟ سَأَلَ رجل أَبَا الْهُذيْل، فَقَالَ: أَفعَال الْعباد مخلوقة؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمن خلقهَا؟ قَالَ أَبُو الْهُذيْل: أَنْت مشجوج؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمن شجك؟ قيل للنظام: أتناظر أَبَا الْهُذيْل؟ قَالَ: نعم، وأطرح لَهُ رخاء من عَقْلِي. سُئِلَ بعض الْمُتَكَلِّمين عَن النَّفس فَقَالَ: هِيَ النَّفس. وَسُئِلَ عَن الرّوح فَقَالَ: هِيَ الرّيح. فَقَالَ السَّائِل: فعلى هَذَا كَمَا تنفس الرجل خرجت نَفسه، وَكلما ضرط خرجت روحه، فَانْقَلَبَ الْمجْلس ضحكاً. قَالَ عُثْمَان الطَّوِيل: جَاءَ عَمْرو بن عبيد إِلَى أبي عَمْرو بن الْعَلَاء فَقَالَ: هَل تعرف فِي كَلَام الْعَرَب أَن أحدا فرّط فِيمَا لَا يثدر عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن قَول الله تَعَالَى: " يَا حسرتا على مَا فرّطت فِي جنب الله " أفرّط فِيمَا قدر عَلَيْهِ، أَو فِيمَا لَا يقدر عَلَيْهِ؟ قَالَ أَبُو عَمْرو لأَصْحَابه: قد أبان لكم أَبُو عُثْمَان الْقدر بحرفين. سَأَلَ بعض الْمُجبرَة أَبَا الْهُذيْل العلاف: من يجمع بَين الزَّانِي والزانية؟ فَقَالَ: أما عندنَا بِالْبَصْرَةِ فالقوّادون. اجْتمع مُحَمَّد بن جرير الطبريّ مَعَ أبي الْقَاسِم الْبَلْخِي الْمُتَكَلّم عِنْد

стр. 1665

الدَّاعِي، أَو النَّاصِر، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن جرير: كم فِي خمس من الْإِبِل؟ قَالَ أَبُو الْقَاسِم: لَيْسَ هَذَا من صناعتي. وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِك أَقُول: فِيهَا شَاة. قَالَ: فأسألك عَن صناعتك. أَخْبرنِي عَن هَذَا الْعَالم بأسره، أَلَيْسَ هُوَ ملك الله ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَيملك مَا لم يخلقه؟ - يُرِيد أَفعَال الْعباد - قَالَ أَبُو الْقَاسِم: فَأَخْبرنِي عَن هَؤُلَاءِ الْقيام من العبيد، أَلَيْسَ هم ملك النَّاصِر؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فخلقهم؟ فَانْقَطع ابْن جرير وخجل. فَقَالَ لَهُ النَّاصِر: هلاّ بَرِئت إِلَيْهِ من صناعته كَمَا برِئ إِلَيْك من صناعتك وَلم يزاحمك فِيهَا؟ . كَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: كَانَ لبيد مجبراً، وَكَانَ الْأَعْشَى عدلّيا وَأنْشد للبيد: من هداه سبل الْخَيْر اهْتَدَى ... ناعم البال، وَمن شَاءَ أضلّ وللأعشى: اسْتَأْثر الله بِالْوَفَاءِ وبال ... عدل، وولّى الْمَلَامَة الرجلا قَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين: دخانا على فينون النَّصْرَانِي، وَجرى ذكر ابْن كلاب الْمُتَكَلّم، فَقَالَ: ﵀، عني أَخذ مذْهبه فِي تِلْكَ الرِّوَايَة وَلَو عَاشَ نصّرنا الْمُسلمين. قَالَ رجل من أهل الْكُوفَة لهشام بن الحكم: أَتَرَى الله جلّ ثَنَاؤُهُ فِي فَضله وعدله وَكَرمه كلفنا مَا لَا نطيق ثمَّ يعذبنا عَلَيْهِ؟ قَالَ: قد فعل، وَلَكِن لَا نستطيع أَن نتكلم. قَالَ أَبُو عُثْمَان: كَانَ أَبُو إِسْحَاق النظام أضيق النَّاس صَدرا بِحمْل سر، وَكَانَ شَرّ مَا يكون إِذا يُؤَكد عَلَيْهِ صَاحب السِّرّ، وَكَانَ إِذا لم يُؤَكد عَلَيْهِ نسي الْقِصَّة، فَيسلم صَاحب السِّرّ.

стр. 1666

وَقَالَ لَهُ مرّة قَاسم التمار: سُبْحَانَ الله ﴿مَا فِي الأَرْض أعجب مِنْك، أودعنّك سرا فَلم تصبر عَن نشره يَوْمًا وَاحِدًا؟ وَالله لأشكونّك فِي النَّاس. فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ سلوه، نممت عَلَيْهِ مرّة ومرتين وَثَلَاثًا وأربعا فَلِمَنْ الذَّنب الْآن؟ فَلم يرض أَن يُشاركه فِي الذَّنب حَتَّى صيّر الذَّنب كلّه لصَاحب السِّرّ. كَانَ وَاصل بن عَطاء طَوِيل الْعُنُق، فيروى عَن عَمْرو بن عبيد أَنه نظر إِلَيْهِ من قبل أَن يكلمهُ فَقَالَ: لَا يفلح هَذَا مَا دَامَت عَلَيْهِ هَذِه الْعُنُق. وَكَانَ وَاصل ألثغ، قَبِيح اللثغة فِي الرَّاء، فحذفها من كَلَامه؛ لاقتداره. وَمِمَّا حُكي عَنهُ أَنه ذكر بشاراً فَقَالَ: أما لهَذَا الْأَعْمَى المُكتني بِأبي معَاذ من يقْتله؟ أما وَالله لَوْلَا أَن الغيلة خلق من أَخْلَاق الغالية لبعثت إِلَيْهِ من يبعج بَطْنه على مضجعه، ثمَّ لَا يكون إِلَّا سدوسيّاً أَو عُقيليّاً﴾ . فَقَالَ: الْأَعْمَى وَلم يقل: الضَّرِير، وَقَالَ: المكتني وَلم يقل: بشار، وَقَالَ: الغالية وَلم يقل: المغيرية وَلَا المنصورية، وَقَالَ لبعثت وَلم يقل: لأرسلت، وَقَالَ: على مضجعه وَلم يقل: على فرَاشه، وَذكر بني عقيل؛ لِأَن بشاراً كَانَ يتوالى إِلَيْهِم. قَالَ مُحَمَّد بن الجهم للمكي صَاحب النظام: أَرَاك مستبصراً فِي اعْتِقَاد الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ، فَيَنْبَغِي أَن يكون عنْدك حَقًا حَقًا. قَالَ: أما أَن يكون عِنْدِي حَقًا حَقًا فَلَا، وَلكنه عِنْدِي حق.

стр. 1667

وَكَانَ مُحَمَّد بن الجهم قد ولاّه موضعا فِي كسكر، فَكَانَ الْمَكِّيّ لَا يُحسن أَن يسمّي ذَلِك الْمَكَان وَلَا يتهجاه وَلَا يَكْتُبهُ وَلَا يقرأه، وَكَانَ اسْم الْموضع شاتمشنا. قَالَ الْحجَّاج يَوْمًا: عليّ بعدوّ الله: معبد الجهمي - وَكَانَ فِي حَبسه، قد حَبسه فِي الْقدر - فأُتي بشيخ ضَعِيف فَقَالَ لَهُ: تثكذّب بِقدر الله؟ قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، مَا أحب لَك أَن تكون عجولاً. إِن أهل الْعرَاق أهل بهت وبُهتان، وَإِنِّي خالفتهم فِي أَمر فشهّروا عليّ. قَالَ: وفيم خالفتهم؟ قَالَ: زَعَمُوا أَن الله قدّر عَلَيْهِم وَقضى قتل عُثْمَان، وَزَعَمت أَنا أَنهم كذبُوا فِي ذَلِك. قَالَ: صدقت أَنْت وكذبوا. خلّوا سَبيله.

стр. 1668

الْبَاب السَّادِس عشر نَوَادِر أبي العبر قيل لَهُ: قد أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بردّ الْمَظَالِم. قَالَ: فَقولُوا لَهُ: يردّ على سُورَة بَرَاءَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. عهد لأبي العبر من أبي العبر الرقيع ذِي الْحسب الرفيع لأبي الْعجل الوضيع: إِنِّي ولّيتك خراج ضيَاع الْهَوَاء، ووكّلت بك الْبلَاء، وفوّضت إِلَيْك مساحة سَحَاب الْهَوَاء، وعدّ ثمار الْأَشْجَار، وَكيل مَاء الْأَنْهَار، وَحفظ طراز الأوقار، وإحصاء حُمام الفار، وحدقات البوم، وورق الزقّوم، وَقِسْمَة الشوم بَين الْهِنْد وَالروم. وأجريت فِي ذَلِك لَك من الأرزاق بُغض أهل الحمص لأهل الْعرَاق، وأمرتك أَن تجْعَل ديوانك بالمغرب ومجلسك بإفريقية، وَعِيَالك بِمَيْسَان، وإصطبلك بأصبهان، ومطبخك بحرّان، وَبَيت مَالك بسجستان. وخلعت عَلَيْك خفّي حُنين، وقميصاً من الدّين، وسيفاً من حِين، وَسَرَاويل من شين، وعمامةً من سُخنة عين، وحملتك على حمَار مَقْطُوع الذَّنب والأذنين، مكوّر الرجلَيْن. وأمرتك أَن تَطوف على عَمَلك فِي كل يَوْم مرَّتَيْنِ. وَكتب الْأَرْبَعَاء غَدَاة الْأَحَد بعد الْعَصْر لست مَضَت من شهر ربيع الأول سنة ثَمَانِينَ إِلَّا مِائَتَيْنِ. وَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب: الظبي معرفَة أَو نكرَة؟

стр. 1669

قَالَ: إِن كَانَ مشويّاً مَوْضُوعا على الْمَائِدَة فَهُوَ معرفَة، وَإِن كَانَ فِي الصَّحرَاء فَهُوَ نكرَة. قَالَ أَبُو العبر: سَأَلت أَبَا الجحش فَقلت: أَيهَا الْحَكِيم، لم صَار الديك بالغدوات يرفع إِحْدَى رجلَيْهِ دون الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ لَو رفعهما جَمِيعًا لسقط. قَالَ: وَقلت لَهُ: أَي شَيْء لَا يُمكن أَن تلحم بِهِ؟ فَقَالَ: الهاون. دخل أَبُو العبر إِلَى مَالك بن طوق، وَمَالك لَا يعرفهُ، فَقَالَ: أَبُو من؟ قَالَ: أَبُو كل بصل. قَالَ: وَمَا هَذَا من الكنى؟ قَالَ: وَمَا أنْكرت؟ كم بَين كل ثوم وَبَين كل بصل؟ فَغَضب مَالك - وَكَانَت كنيته أَبُو كُلْثُوم - وَقَالَ: أَظُنك شارباً. قَالَ: بل إِنِّي صَاحب الكيلجة. قَالَ: خُذُوا مِنْهُ كَفِيل حَتَّى نَنْظُر فِي أمره. فَقَالَ: أَنا - أصلحك الله - إِنْسَان فَقير، فَخذ مني كشاة. قَالَ مَالك: وَيْلكُمْ! من هَذَا؟ خذوه. قيل: هَذَا أَبُو العبر. فسكن وعانقه. قَالَ: أما قبل: فَإنَّا وجدنَا فِي حِكْمَة أهل الشَّام أَنه لَا يَأْكُل إِنْسَان الْفَاكِهَة إِلَّا شرى أَو صَدَقَة أَو هَدِيَّة أَو سَرقَة. وَمن كَانَ فِي الْبَيْت لم ير النَّاس وَلم يروه إِلَّا أَن يدخلُوا إِلَيْهِ، أَو يخرج إِلَيْهِم. وَمَا أقلّ مَا تَجِد فِي مائَة يَهُودِيّ وَاحِدًا مُسلما. ويروى عَن أبي الزنبور بِأَن أول من يدْخل الْجنَّة من الْبَهَائِم الطنبور. قَالَ: وَكَيف ذَاك يَرْحَمك الله؟ قَالَ: لِأَنَّهُ فِي دَار الدُّنْيَا يُعصر حلقه، ويُعرك أذنَاهُ، ويُضرب بَطْنه فَيُقَال لَهُ يَوْم الْقِيَامَة: خُذُوا بِرجلِهِ ألقوه فِي الْجنَّة فَإِنَّهُ متعوب. وحدّث لبادة عَن أبي سوَادَة قَالَ: أول من يدْخل النَّار من الْبَهَائِم البرادة، لِأَنَّهَا تشرف على حرم الْجِيرَان السَّادة فتُحشر مَعَ المنجنيق والعرادة. وَقيل لَهُ، لم صَارَت دجلة أكبر من الْفُرَات؟ قَالَ: لِأَن الْقَلَم يكون فِي الدواة. وَقيل لَهُ: لم صَار الْجمل إِذا ضُربت استه صَاح رَأسه؟ قَالَ: لِأَن الأرزّ إِذا طبخوه أكلوه بسُكر، وَإِذا خبزوه أكلوه بمالح. قيل لَهُ: فَلم صَار كل أعرج يجمع؟ وَالْحب لَا يُشترى حَتَّى يُصفع؟ قَالَ: لِأَن المرآه ترى وَجهك فِيهَا، والسمكة لَا تأكلها حَتَّى تشويها.

стр. 1670

قَالَ: إِذا أردْت أَن تعلّم ابْنك السباحة حَتَّى تَمُوت أَنْت وَجِيرَانك من الْعَطش، فَخذ رَطْل داذي، وأوقيتين حبك، وَثَلَاثَة أَربَاع نهر كرخايا، وثلّثه بتسع سَاعَات من لَيْلَة الميلاد، فيجيك خف وَاسع. وَإِذا أردْت أَن تعلّم ابْنك رمي النشاب فَلَا تعرف الْقوس من الطباطب فِي سيته، فَخذ رَطْل نورة، وشمعة مربعة، وَمَا أَدْرِي مَا أَقُول، وَقد - وَالله - تعلّمت، فَإِن أردتها حامضةً فاصرح فِيهَا شيا من مصل. رقية الزنبور إِذا رَأَيْته فاهرب مِنْهُ، فَإِن لسعك فقد لسعك، وَإِن لم يلسعك فَخذه وسل حُمته وطيّره. حِيلَة مجربة. خطْبَة نِكَاح الْحَمد لله المفرّق بَين الْأَحِبَّة، ومعيدهم إِلَى التربة، خَالق الْمَوْت. ومبدّد الشمل، ومبعّد الآمال من الْأَهْل وَالْأَوْلَاد، ومدني الْآجَال، إِلَى من كثرت عِنْده الْأَمْوَال. أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ، وأومن بِهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا، ﷺ عَبده وَرَسُوله، وَأشْهد أَن كل شَيْء - لَا محَالة - زائل، وَمَا شَاءَ كَانَ من قَضَائِهِ، وَقد جعل الله لكل شَيْء سَببا، وَجعل سَبَب الطَّلَاق غَضبا، وَقد قَالَ : " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلّقتموهنّ من قبل أَن تمسوهنّ ". وَقَالَ: " يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقتم النِّسَاء فطلّقوهنّ لعدتهنّ ". فَعَلَيْكُم بالاقتداء بِمن كَانَ قبلكُمْ من الحمقى فقد سنّوا للحرّة حولا، وللأمة شهرا، فطلقوهن من بعد سنة وأخرجوهن من بُيُوتكُمْ، فقد قَالَ الأول: اذهبي قد قضيت مِنْك مرادي ... فَمَتَى شِئْت أَن تبيني فبيني واستبدلوا بهنّ فِي كل حول مرَّتَيْنِ؛ فَإِن ذَلِك أذهب لِلْمَالِ، وأسخن للعين. واحذروا كيدهنّ ومكرهنّ وخلافهنّ وعقوقهنّ، وعاملوهنّ بالسب، وتعاهدوهن بِالضَّرْبِ، إِن الله تَعَالَى يَقُول: " واهجروهن بالمضاجع واضربوهنّ " وَهَذَا فلَان بن فلَان.

стр. 1671

قَالَ أَبُو العبر: كُنَّا نَخْتَلِف - وَنحن أَحْدَاث - إِلَى رجل يعلّمنا الْهزْل فَكَانَ يَقُول: أول مَا تُرِيدُونَ قلب الْأَشْيَاء. فَكُنَّا نقُول إِذا أصبح: كَيفَ أمسيت؟ وَإِذا أَمْسَى: كَيفَ أَصبَحت؟ وَإِذا قَالَ لِأَحَدِنَا: تعال إليّ تَأَخّر إِلَى خلف، وَإِذا قَالَ اذْهَبْ سعى بَين يَدَيْهِ. وَكَانَت لَهُ أرزاق يعْمل كتَابَتهَا فِي كل سنة، فعملها مرّة - وَأَنا مَعَه - فَلَمَّا فرغ من التوقيع فِيهَا، وَبَقِي الْخَتْم قَالَ لي: أتربها وهاتها. قَالَ: فمضيت وصببت عَلَيْهَا مَاء، فبطلت، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ لي: وَيلك! مَا صنعت؟ قلت: مَا نَحن فِيهِ طول النَّهَار من عكس الْأَشْيَاء. فَقَالَ: وَالله لَا صحبتني، أَنْت أَجْهَل مني وأحمق.

стр. 1672

الْبَاب السَّابِع عشر نَوَادِر أبي العنبس كَانَ يَقُول: أَنا أقطع الْمُجبر بِمَسْأَلَة وَاحِدَة، أرفع يَدي بحذاء قَفاهُ وَأَقُول لَهُ: هَل أقدر على صفعك؟ فَإِن قَالَ: بلَى، فقد رَجَعَ عَن مذْهبه، وَإِن قَالَ: لَا، أعلمته اني قَادر على ذَلِك. قَالَ أَبُو العنبس: رَأَيْت رجلا يعرج، فَقلت لَهُ: مَالك؟ قَالَ: غَدا يُرِيد أَن يدْخل فِي رجْلي شوك. وَقَالَ: أَنا وَأخي توأمان، وَخرجت أَنا وَهُوَ من الصيمرة فِي يَوْم وَاحِد وَسَاعَة وَاحِدَة، وَدخلت أَنا وَهُوَ سر من رأى فِي وَقت وَاحِد، فولي هُوَ الْقَضَاء وصرت أَنا صفعانا، فَمَتَى يَصح أَمر النُّجُوم؟ . قَالَ أَبُو العنبس: سَمِعت حَمْدَوَيْه بنت الْخُرَاسَانِي فِي لَيْلَة كسوف وَهِي تبْكي، وتتضرّع وَتقول: يَا رب، عذّبني بِكُل شَيْء وَلَا تعذبني بالنَّار، اضربني بالفالج، ارمني بقاصمة الظّهْر، كل شَيْء وَلَا النَّار، أصرخ - وَالله - وأصيح إِن احترقت ثِيَابِي أبقى مُجَرّدَة ﴿﴾ . قَالَ: وَكَانَت مثل ياسمينة نقيّة أَو فضَّة مصفّاة إِلَّا أَنَّهَا كَانَت بلهاء.

стр. 1673

قَالَ أَبُو العنبس: سَأَلت أَبَا الْفضل بن الراشدية الْحَنْبَلِيّ المتصوف، فَقلت: يَا أَبَا الْفضل، صف لي الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: قوم أحرزوا براهينهم فِي الهرر، واستعملوا قبل ذَلِك الحذر، وَعَلمُوا ان الْأُمُور بِقَضَاء وَقدر. قلت: رَحِمك الله، فَصف لي أهل التَّوَكُّل. قَالَ: نعم، قوم تركُوا سَعَة الطَّرِيق، وسلكوا سبل الْمضيق، واستعملوا الْحَرَكَة بالشهيق، فَخرجت براهينهم وَلها بهيق. قلت: رَحِمك الله. فَمَا عَلامَة حب الْآخِرَة؟ قَالَ: أَن ترى أَعينهم ساهرة، وَقُلُوبهمْ طائرة، حَتَّى يضعوا الْبَرَاهِين فِي الْمَوَاضِع الغائرة. قلت: رَحِمك الله، فَمَا عَلامَة صدق الْمَوَدَّة؟ قَالَ: تراهم إِذا انكشفت حقائق الظُّهُور، وَبَلغت الْبَرَاهِين الصُّدُور، وَاشْتَدَّ الِاضْطِرَاب الْمَقْدُور، ظهر الكيد المستور، فَإِنَّهُ خرج من التَّنور. قلت: رَحِمك الله، فَمَا عَلامَة الرِّفْق؟ قَالَ: اللطف لإِخْرَاج الكيد من الْحَقِيقَة، إِذا كَانَت الطبيعة رقيقَة. قلت: فَمَا عَلامَة المؤيدين؟ قَالَ: إِذا كَانَ أول لَيْلَة من رَجَب، رَأَيْتهمْ قد جثوا على الركب، فوضعوا الْبَرَاهِين فِي الثقب، بِلَا كد وَلَا تَعب. قلت: فَمَا عَلامَة التقى؟ قَالَ: أَن ترى أَعينهم نَائِمَة، وَقُلُوبهمْ هائمة، وبراهينهم قَائِمَة. قلت: فَصف لي أهل الْإِخْلَاص؟ قَالَ: نعم، اعْلَم أَن لله عباداً عاينوا الْحَقَائِق بمكنون الْإِضْمَار، فَصَارَت الكمرات مِنْهُم كالمنار، وطلبوا الطَّرِيق إِلَى الِاعْتِبَار، فَالْتَفت السَّاق بالساق، وتبدت الأفخاذ بالزاق، فيا حسنهم فِي الشهيق والحنين، والزفير والأنين، حَتَّى إِذا صبّوا مَاء الصفاء، على حافات أَنهَار الْوَفَاء، وانتزعوا الْأَعْوَر الغريق، على رَأسه شَيْء أَحْمَر رَقِيق، فَذَاك عَلامَة التَّوْفِيق. قلت: فعلامة الْأَمَانَة؟ قَالَ: قوم أخرجُوا الكيد من السيدانة، وَهُوَ أَحْمَر مثل الرمانة. قلت: فعلامة الْخِيَانَة؟ قَالَ: إِذا وضع أحدهم الدِّرْهَم فِي الشدق والمرديّ فِي البثق، ثمَّ انتزعه بِرِفْق، رَأَيْت على رَأسه مثل الدبق. قلت: كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الْمصر؟ قَالَ: أَن تَأْخُذ الشوذر بالقهر، فتضع البيرم فِي الْحفر، وتُظهر الِاضْطِرَاب عِنْد المتر، تنجو بذلك من أهوال يَوْم الْحَشْر. قلت: فعلامة

стр. 1674

ضعف الْيَقِين؟ قَالَ: أَن تخرج الْبَرَاهِين من الورا، وَهِي مخضوبة بالخرا. قلت: فعلامة الصابرين؟ قَالَ: قوم أخذُوا براهين العارفين بأيمانهم، وأودعوها فِي مَكْنُون حقائقهم، فجالت فِي الظُّلُمَات، بفنون الحركات. فَلَمَّا دنا تدفق مَاء الْمحبَّة، فِي عُيُون رياض الْمَوَدَّة، ظهر الكيد المستور، وَهُوَ أَحْمَر مسرور. قلت: فعلامة أهل الْحزن؟ قَالَ: إِذا رَأَيْتهمْ فِي أَوْقَات السحر، قد أُولجت الْبَرَاهِين فِي الهرر، وتحركت الْجَوَارِح بِقدر، ثمَّ ظهر مَا استتر، شممت من الْقَوْم رَائِحَة القذر. قَالَ أَبُو العنبس: سَمِعت رجلا طَوِيل اللِّحْيَة يَقُول لآخر: لَيْسَ شعري من كَانَ القَاضِي على عهد رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالَ لَهُ الآخر: كَانَ هُوَ، ﵇، القَاضِي بَين الْمُسلمين، والناظر فِي أُمُورهم. فَقَالَ الألحى: اسْكُتْ يَا أَحمَق، كَانَ رَسُول الله ﷺ أتقى خلق الله، وأعقل من أَن يدْخل فِي عمل السُّلْطَان. قَالَ أَبُو العنبس: كنت إِذا لقِيت حجاجاً الْكَاتِب أَقُول لَهُ: حيّا الله وَجها أَرَاك بِهِ. فَقيل لَهُ: إِن أَبَا العنبس يطنز بك يَقُول إِذا لقيك: حيّا الله وَجها أَرَاك بِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيد وَجه نَفسه. فَقَالَ: أَنا لَهُ العاضّ حر أمّه. قَالَ: فَلَمَّا لَقِيَنِي بعد ذَلِك قلت لَهُ: - وَأَنا لَا أعلم أَنه قد فطن - حيّا الله وَجها أَرَاك بِهِ. فَقَالَ لي: وَلَكِن لَا حيّا الله وَجها أَرَاك بِهِ. فَقلت: وَلَا بيّاه.

стр. 1675

الْبَاب الثَّامِن عشر نَوَادِر لأَصْحَاب الْخطب وَالْأَذَان وَالصَّلَاة جَازَ شيخ بِبَاب مَسْجِد، والمؤذن يُقيم الصَّلَاة، فَدخل يستغنم الْجَمَاعَة، فَلَمَّا نظر الْمُؤَذّن إِلَى شيهته ووقاره سَأَلَهُ أَن يتَقَدَّم وَيُصلي بهم، فَامْتنعَ، وَتقدم الْمُؤَذّن فصلى بهم، فَلَمَّا فرغ أقبل على الشَّيْخ وَقَالَ: مَا مَنعك أَن تصلي بِنَا وتكتسب أجرا مَعَ محلّك من السن؟ فَقَالَ: أَنا - وحقّك - إِذا كنت على غير طهر لَا أؤم بِالنَّاسِ. قيل لأعرابي: مَا قَرَأَ إمامكم البارحة؟ فَقَالَ: أوقع بَين مُوسَى وَهَارُون شرا وشمرّاً. قَرَأَ إِمَام فِي صلَاته " وَمن يكن الشَّيْطَان لَهُ قريناً فسَاء. . " وَركع. وَقَرَأَ آخر: " قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا ... " وَركع. كَانَ بعض المغفلين يُؤذن فِي مَسْجِد، فَكَانَ إِذا فرغ من أَذَانه يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، سُبْحَانَكَ، هَذَا بهتان عَظِيم. اسْتَأْجر أهل ضَيْعَة مُؤذنًا بِعشْرَة دَرَاهِم كل شهر، فاستزادهم فَقَالُوا: لَا نزيدك، وَلَكِن نسامحك حيّ على الْفَلاح. كَانَ ابْن مكرم يسْجد سجدتيّ السَّهْو قبل الصَّلَاة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِذا لم أَشك فِي أَنِّي أسهو فَلم لَا أقدّم سَجْدَتي السَّهْو؟ رأى أَبُو حنيفَة رجلا يُصَلِّي وَلَا يرْكَع، فَقَالَ: يَا هَذَا، لَا صَلَاة لَك بِغَيْر رُكُوع. فَقَالَ: إِنِّي رجل عَظِيم الْبَطن، فَإِذا ركعت ضرطت، فأيما خير: صَلَاة بِلَا رُكُوع، أَو رُكُوع بضراط.

стр. 1676

قَالَ بَعضهم: رَأَيْت مُؤذنًا قد أذن ثمَّ عدا، فَقلت لَهُ: إِلَى أَيْن؟ فَقَالَ: أحب أَن أسمع أذاني من بعيد. وَفعل آخر مثل ذَلِك، فَسئلَ عَنهُ فَقَالَ: أردْت أَن أنظر إِلَى أَيْن يبلغ أذاني؟ . قَالَ: وَرَأَيْت مُؤذنًا يُؤذن من رقْعَة من فِي يَده، فَسَقَطت الرقعة واحتملها الرّيح، فَجعل يعدو وَيَقُول: خُذُوا أذاني، خُذُوا أذاني. قَالَ: وَرَأَيْت آخر يُؤذن من رقْعَة، فَقلت لَهُ: لم لَا تحفظه؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، وَلَكِن سل القَاضِي. فَجئْت إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد، فَدخلت وسلّمت عَلَيْهِ. فَعدا إِلَى بَيته وَأخرج دفتراً وتصفّحه ثمَّ قَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام. فعذرت الْمُؤَذّن لما رَأَيْت سخنة عين القَاضِي. بَينا إِمَام يُصَلِّي بِقوم التَّرَاوِيح فِي شهر رَمَضَان، وَهُوَ يقْرَأ سُورَة يُوسُف، إِذْ عرضت لَهُ فِي بَطْنه ريح، وَقد كَانَ بلغ قَوْله تَعَالَى: " قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز " وقدّر أَنه قد غلط فَرَكَعَ، وأفلتت مِنْهُ ضرطة عَظِيمَة، فَقَالَ وَاحِد من خَلفه: " الْآن حصحص الْحق ". وأحدث إِمَام فِي الصَّلَاة، فَتَأَخر وَقدم رجلا، وَذهب يجدد الْوضُوء، فقدّر الإِمَام الثَّانِي أَنه لَا يجوز أَن يصلّي لَهُ، فَوقف ينْتَظر صَاحبه، فَلَمَّا طَال قِيَامه تنحنحوا من خَلفه، فَالْتَفت إِلَيْهِم وَقَالَ: مالكم؟ إِنَّمَا قدمني رجل فَأَنا أحفظ مَكَانَهُ إِلَى أَن يرجع وَيعْمل مَا يرى. وَقيل ليونس النَّحْوِيّ - وَكَانَ لَهُم إِمَام يقنت ويطيل -: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، لَو قلت لإمامنا: يُخفف من قنوته؟ فَقَالَ: قد سَأَلته فَلم يفعل. قَالُوا: فَهَل عنْدك من الدُّعَاء مَا تَدْعُو بِهِ فِي طول قِيَامه؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي إِذا فرغت من دعائي لم أزل أَدْعُو عَلَيْهِ حَتَّى يرْكَع. قَرَأَ إِمَام فِي الصَّلَاة سُورَة القارعة، فَلَمَّا بلغ قَوْله تَعَالَى: " وَأما من خفّت مَوَازِينه. فأمه هاوية " قَالَ: فأمه زَانِيَة. فَقطع الْقَوْم صلَاتهم، وأنكروا ذَلِك. فَقَالَ: يَا قوم، تَمْنَعُونِي من شتم الْكفَّار؟ !

стр. 1677

قَالَ بشر المريسي لأبي الْعَتَاهِيَة: لَا تصلّ خلف إِمَام مَسْجِدكُمْ فَإِنَّهُ مُشبّه. قَالَ كلا، إِنَّه قَرَأَ بِنَا البارحة فِي الصَّلَاة " قل هُوَ الله أحد ". صعد عديّ بن أَرْطَاة الْمِنْبَر، فَلَمَّا رأى جمع النَّاس حصر فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي يُطعم هَؤُلَاءِ ويسقيهم. خطب مُصعب بن حَيَّان خطْبَة نِكَاح، فحصر فَقَالَ: لقّنوا مَوْتَاكُم قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله. قَالَت أم الْجَارِيَة: عجل الله موتك، أَلِهَذَا دعوناك؟ . وَلما حصر عبد الله بن عَامر على مِنْبَر الْبَصْرَة، فشقّ ذَلِك عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ زِيَاد: أَيهَا الْأَمِير، إِنَّك إِن أَقمت عَامَّة من ترى أَصَابَهُ أَكثر مِمَّا أَصَابَك، فَقيل لرجل من الْوُجُوه: قُم فاصعد الْمِنْبَر وتكلّم، فَلَمَّا صعد حصر وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي يرْزق هَؤُلَاءِ، وَبَقِي ساكتاً، فأنزلوه، وَصعد آخر، فَلَمَّا اسْتَوَى قَائِما وقابل بِوَجْهِهِ وُجُوه النَّاس وَقعت عينه على صَلْعَةٌ رجل، فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَن هَذِه الصلعة. وَقيل لوازع الْيَشْكُرِي: قُم فاصعد وتكلّم، فَلَمَّا رأى جمع النَّاس قَالَ: لَوْلَا أَن امْرَأَتي حَملتنِي على إتْيَان الْجُمُعَة الْيَوْم مَا جمّعت، وَأَنا أشهدكم أَنَّهَا طَالِق ثَلَاثًا. وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر: وَمَا ضرّني أَلا أقوم بِخطْبَة ... وَمَا رغبتي فِي ذَا الَّذِي قَالَ وازع؟ خطب وَال قلم تسمع خطبَته، فَسئلَ من كَانَ قَرِيبا مِنْهُ: مَا قَالَ الْأَمِير؟ قَالَ: سَار أهل عمله بِشَيْء لم أفهمهُ. حكى الصاحب عَن الطَّبَرَانِيّ قَالَ: كَانَ لأبي خَليفَة الْفضل بن حباب

стр. 1678

ابْن رقيع يركب مَعَ أُمَرَاء الْبَصْرَة، يضْرب الصوالجة، ويدّعي الفروسية ويحتل مَكَان أَبِيه، إِلَى أَن ورد عَلَيْهِم أَمِير غَرِيب، فَركب مَعَه على عَادَته، وتبرّم الْأَمِير بِهِ، فَتقدم إِلَى حَاجِبه بتنفيره. فَتقدم الْحَاجِب إِلَى أَصْحَاب الغواشي فَدَارُوا عَلَيْهِ دورةً، وَأخذت الغواشي قَفاهُ فهرب وَعَاد إِلَى منزله، وَسبق الْخَبَر إِلَى أَبِيه. وَكَانَ يصلّي الابْن بِأَبِيهِ وَأَصْحَابه، فَلَمَّا حَان وَقت الصَّلَاة وابتدأ بالركعة الأولى، فَقَرَأَ فَاتِحَة الْكتاب، ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَرَأَ " هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية "؟ وتذكر الْقِصَّة فأُرتج عَلَيْهِ، فَأَعَادَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، فصاح أَبوهُ من خَلفه: نعم، قد أَتَانِي حَدِيث الغاشية، مَا تتخلف. مرّ فِي صَلَاتك. اخْتصم بعض التُّجَّار فِي جَارِيَة، فجعلوها على يَدي الْمُؤَذّن وسألوه أَن تبيت عِنْده إِلَى غَد، فَلَمَّا أصبح الْمُؤَذّن قَالَ: ذهبت الْأَمَانَة من النَّاس. فَقيل لَهُ: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ: ذكرُوا أَنَّهَا بكر، وَقد جرّبتها فَوَجَدتهَا ثيّباً. صعد وَكِيع بن أبي سود الْمِنْبَر بخراسان، فَقَالَ فِي خطبَته: إِن الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه: لَيْسَ شَيْء على الْمنون بباق ... غير وَجه المسبّح الخلاق فَقَالَ لَهُ رجل: أصلح الله الْأَمِير، هَذَا شعر قَالَه عديّ بن زبد. قَالَ: أحسن - وَالله - عدي وأجمل، ثمَّ قَالَ: فَتى حروب لَا فَتى مَنَابِر. وَولي آخر الْيَمَامَة، فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر أُرتج عَلَيْهِ، فَقَالَ: حيّا الله هَذِه الْوُجُوه السارّة، وَجَعَلَنِي فداءها، قد أمرت طائفي بِاللَّيْلِ لَا يرى أحدا إِلَّا أَتَانِي بِهِ وَلَو كنت أَنا، ثمَّ نزل. نظر رجل إِلَى آخر يُصلّي، فَقَالَ الآخر: مَا أحسن صلَاته! فَقطع الرجل الصَّلَاة وَقَالَ: وَأَنا مَعَ هَذَا صَائِم.

стр. 1679

كَانَ بَعضهم إِذا فرغ من صلَاته وضع خدّه على الأَرْض وَقَالَ: المستغيث بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنَّار وَهُوَ يقدّر أَنه يستجير بِاللَّه من النَّار. قَالَ بَعضهم: دخلت الشَّام فَرَأَيْت جمَاعَة يتنقّصون أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا ﵇ وَمِنْهُم من يشتمه، فأنكرت ذَلِك، وَجَزِعت لَهُ، ولجأت إِلَى مَسْجِد كَانَ مني بِالْقربِ، فشكوت ذَلِك إِلَى الْمُؤَذّن، فَقَالَ: مَا أنْكرت؟ قد كَانَ هَا هُنَا مُنْذُ أَيَّام رجل يتنقّص أَبَا مُحَمَّد الْحجَّاج بن يُوسُف! . وَقَالَ: رَأَيْت بِالشَّام حانوتاً تَحت مَسْجِد، يُباع فِيهِ الْخمر. كَانَ سعيد بن حميد يهوى غُلَاما؛ فزاره يَوْمًا وَأقَام عِنْده، فَلَمَّا كَانَ وَقت الْمغرب أَرَادَ أَن ينْصَرف، فَقَالَ لَهُ: حِين سررنا بك أردْت أَن تُكدّره؟ لَا أقلّ من أَن تقيم إِلَى الْعشَاء؟ فَحلف الْغُلَام أَنه إِذا سمع أَذَان الْعَتَمَة لم يقْعد. فَقَالَ سعيد: رضيت، ثمَّ عمد إِلَى الدواة فَكتب إِلَى مُؤذن المحلّة: قل لداعي الْفِرَاق: أخّر قَلِيلا ... قد قضينا حق الصَّلَاة طَويلا لَيْسَ فِي سَاعَة تؤخّرها وز ... ر تجازى بِهِ، وَتَأْتِي جميلا وتُراعى حق الفتوة فِينَا ... وتُعافى من أَن تكون ثقيلا فَلَمَّا قَرَأَ الرقعة لم يُؤذن تِلْكَ اللَّيْلَة، وَمر الْقَوْم فِي سرورهم، والفتى يترقب الْأَذَان إِلَى أَن سمع صَوت الحارس، فَقَالَ لَهُ: إِذا شِئْت؟ قَالَ أَخَاف نَكِير الحارس. قَالَ: يَا غُلَام، افرش لَهُ، فَبَاتَ عِنْده. قَالَ المتَوَكل لعبادة: رُفع إليّ أَنَّك ضربت إِمَام مَسْجِد، وَإِن لم تأت بِعُذْر أدّبتك. قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كنت قد خرجت فِي بعض الْأَيَّام لحَاجَة لي

стр. 1680

غلسا، فمررت بِمَسْجِد قد أُذّن فِيهِ لصَلَاة الْفجْر، فَقلت: أَقْْضِي هَذِه الْعِبَادَة، ثمَّ أتوجه لحاجتي، فَدخلت، فاقام الْمُؤَذّن، ودخلنا فِي الصَّلَاة، فابتدأ الإِمَام فَقَرَأَ الْفَاتِحَة، وافتتح سُورَة الْبَقَرَة، فَقلت: لَعَلَّه يُرِيد أَن يقْرَأ آيَات من هَذِه السُّورَة فَانْتهى إِلَى آخرهَا فِي الرَّكْعَة الأولى، ثمَّ قَامَ إِلَى الثَّانِيَة، فَلم أَشك فِي أَنه يقْرَأ مَعَ الْفَاتِحَة سُورَة الْإِخْلَاص. فَافْتتحَ سُورَة آل عمرَان حَتَّى أتمهَا، ثمَّ أقبل بِوَجْهِهِ على النَّاس، وَقد كَادَت الشَّمْس تطلع. فَقَالَ: أعيدوا صَلَاتكُمْ - رحمكم الله - فَإِنِّي لم أكن على طَهَارَة، فَقُمْت إِلَيْهِ وصفعته. فَضَحِك المتَوَكل من ذَلِك. خطب عتّاب بن وَرْقَاء، فَقَالَ: هَذَا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: إِنَّمَا يتفاضل النَّاس بأعمالهم، وكلّ مَا هُوَ آتٍ قريب. قَالُوا لَهُ: إِن هَذَا لَيْسَ من كتاب الله. قَالَ: مَا ظَنَنْت إِلَّا أَنه من كتاب الله. قَرَأَ إِمَام سُورَة ق فِي صَلَاة الْفجْر، وَخَلفه أَعْرَابِي لَهُ حَاجَة فَلَمَّا بلغ الإِمَام قَوْله تَعَالَى: " هَل من محيص "؟ قَالَ الْأَعرَابِي: لَا وَالله أَو أُخْرَى فِي ثِيَابِي. صعد بعض الْوُلَاة الْمِنْبَر ليخطب فِي يَوْم الْجُمُعَة، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ حصر، فَلم يدر مَا يَقُول، ثمَّ قَالَ: معاشر الْمُسلمين، تَدْرُونَ مَا أُرِيد أَن أَقُول لكم؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِذا لم تدروا فلماذا أتعب نَفسِي؟ وَنزل. فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِيَة اجْتمع النَّاس وَقَالُوا: نقُول لَهُ: نعم، إِن قَالَ لنا مَا قَالَ فِي الْجُمُعَة الأولى. فَصَعدَ الْمِنْبَر وَقَالَ: معاشر النَّاس، تَدْرُونَ مَا أَقُول لكم؟ قَالُوا: نعم. قَالَ: فَإِذا كُنْتُم تَدْرُونَ فلماذا أرذي نَفسِي؟ وَنزل. فَلَمَّا كَانَت فِي الْجُمُعَة الثَّالِثَة قَالَ مثل قَوْله. فَقَالَ بعض النَّاس: لَا. وَقَالَ بَعضهم: نعم. قَالَ فَلْيقل من يعلم لمن لَا يعلم، وَنزل. صلّى الرشيد لَيْلَة فَقَرَأَ " وَمَالِي لَا أعبد الَّذِي فطرني "؟ وأُرتج عَلَيْهِ، فكرّر مرَارًا، وَابْن أبي مَرْيَم يُصَلِّي خَلفه، فصاح: لَا أَدْرِي وَالله! فَضَحِك الرشيد حَتَّى قطع صلَاته.

стр. 1681

الْبَاب التَّاسِع عشر نَوَادِر أَصْحَاب المهن والصناعات الخسيسة حج رجل من أهل الْعرَاق، فَتقدم إِلَى مزيّن وَقَالَ لَهُ: احْلق رَأْسِي حلقا جيدا، واستقبل الشّعْر بِالْمُوسَى، وَأَقْبل يصف لَهُ كَيفَ يعْمل. فَقَالَ لَهُ: حَسبك ﴿هوذا، أحلق رَأسك حلقا لَا يرَاهُ أحد إِلَّا اشْتهى أَن يصفعك. حدّث بَعضهم قَالَ: نكب بعض ندماء الْخَلِيفَة نكبةً اضْطر مَعهَا إِلَى الاستتار، فاستتر وَطَالَ شعره، فَقَالَ للرجل الَّذِي كَانَ مستتراً عِنْده: قد كَانَ لي غُلَام سنديّ مزين أَعتَقته وَلَا أعرف خَبره مُنْذُ حِين، واذهب إِلَى مَوضِع كَذَا واطلبه، واجلس إِلَيْهِ، ثمَّ اذْكُرْنِي لَهُ؛ فَإِن رَأَيْته يتوجع لي فعرفّه مَكَاني، وَخذ بِهِ مَعَك، وَإِن رَأَيْته يذمني أَو يشكوني فَدَعْهُ وَلَا تذكرني لَهُ. فَذهب الرجل حَتَّى لقِيه وجاراه فِي خبر مَوْلَاهُ. فَقَالَ: يَا سَيِّدي، وَمن أَيْن تعرفه؟ فَإِنِّي - وَالله - تَالِف شوقاً إِلَيْهِ، واغتماماً لَهُ، أحسن الله صحبته حَيْثُ كَانَ. فَقَالَ الرجل: هُوَ عِنْدِي، وَقد استدعاك، فَنَهَضَ السندي وقبّل يَد الرجل، وَصَارَ مَعَه إِلَيْهِ، فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ أظهر سُرُورًا بِهِ، وقبّل الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَأخذ شعره وَحَجمه، فَأعْطَاهُ دِينَارا. فَلَمَّا خرج لَقِي ابْنا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: وَيحك﴾ أَلَيْسَ وجّه إليّ فلَان مولَايَ وَهُوَ مستتر فِي دَار فلَان فِي الْموضع الْفُلَانِيّ، فصرت إِلَيْهِ وخدمته وحجمته النقرة وَأَعْطَانِي دِينَارا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنه ذَلِك: حجمته النقرة بِلَا أخدعين؟ قتلته! وَلَيْسَ هَذَا حقّه علينا، وَمَا عرّج على شَيْء حَتَّى قصد الدَّار الَّتِي وصفهَا لَهُ أَبوهُ، ودقّ الْبَاب، وَقَالَ: أَنا فلَان ابْن خادمك المزيّن، ففتحوا لَهُ، وقبّل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، واظهر من الاغتمام بأَمْره، مثل مَا أظهره أَبوهُ، ثمَّ قَالَ: عرّفني غلامك أبي أَنه حجمك النقرة وَحدهَا، وَهَذَا وَقت حَار، وَقد ثار الدَّم. وَالْوَجْه أَن تُحجم الأخدعين. فَقَالَ لم يكن بِي إِلَى هَذَا حَاجَة، والآن وَقد أَشرت بِهِ،

стр. 1682

فاستخر الله، فحجمه الأخدعين، وَأَعْطَاهُ دِينَارا وَأخرجه. فلقي أَخا لَهُ، فَقَالَ ذَلِك: كَانَ من الْأَمر كَذَا وَكَذَا، فَمر مبادراً، وَقَالَ مثل قَوْله، وَفعل مثل فعله حَتَّى حجمه على السَّاقَيْن، وَأخذ دِينَارا وَخرج. فلقي صهراً لَهُ فَأخْبرهُ بالقصة، فبادر مسرعاً حَتَّى صَار إِلَى بَاب الدَّار وَدخل، وَفعل مثل فعلهمَا، وَقَالَ: لَا بُد مَعَ حجامة السَّاقَيْن والأخدعين من قطع الجهارك. فَقَالَ الرجل: نعم، لَا أَدْرِي أيش ذَنبي إِلَيْكُم يَا بني القحاب، اجْلِسْ. فأجلسه وَقَامَ وَجلسَ فِي سمارية، وَانْحَدَرَ إِلَى دَار الْخَلِيفَة، فَلَمَّا رَآهُ الْحجاب يسْتَأْذن تعجبواودخلوا فَاسْتَأْذن لَهُ فَلَمَّا دخل انكب بَين يَدي الْخَلِيفَة فقبّل الأَرْض، ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسْمَع قصتي وحالي، وقص عَلَيْهِ خبر الحجامين وَمَا لَقِي مِنْهُم، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَاد القحاب هوذا، يَأْخُذُونَ دمي بالمحاجم، خُذْهُ أَنْت بِالسَّيْفِ دفْعَة وَاحِدَة، وارحمني مِمَّا أَنا فِيهِ. فَضَحِك، وَرجع لَهُ، ورده إِلَى منزله. جَاءَ حائك إِلَى الْأَعْمَش فَقَالَ: مَا تَقول فِي الصَّلَاة خلف الحائك؟ قَالَ: لَا بَأْس بهَا على غير وضوء. قَالَ: فَمَا تَقول فِي شَهَادَته؟ قَالَ: تقبل شَهَادَته مَعَ شَاهِدين عَدْلَيْنِ. فَقَالَ الحائك: فَهَذَا وَلَا شَيْء وَاحِد. تنبّى حائك بِالْكُوفَةِ، فَقَالُوا: مَا رَأينَا نبيّاً حائكاً. فَقَالَ: وَهل رَأَيْتُمْ نبيّاً صيرفيّاً؟ . وَقيل لحائك: لَو كنت خَليفَة أَي شَيْء كنت تشْتَهي؟ قَالَ: تمر وَكسب. قيل لِابْنِهِ: وَلَو كنت ابْن خَليفَة مَا كنت تشْتَهي؟ فَقَالَ: وَهل ترك هَذَا من اللَّذَّات شَيْئا حَتَّى أشتهيه؟ ارْتَفع رجل كَانَ فِي الأَصْل حائكاً حَتَّى ولي ولَايَة، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا مغنّ لَهُ - وَقد كَانَ قرُب الْعِيد -: هَب لي أَيهَا الْأَمِير عِمَامَة أتعمم بهَا يَوْم الْعِيد. فَقَالَ لَهُ: هَات الْغَزل حَتَّى أرد عَلَيْك الْعِمَامَة قبل الْعِيد بِثَلَاثَة أَيَّام. رُوِيَ عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: " واتّبعك الأرذلون ". قَالَ: الحاكة.

стр. 1683

وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: عقل سبعين امْرَأَة عقل رجل وَاحِد، وعقل سبعين حائكاً عقل امْرَأَة وَاحِدَة. وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: السَّلَام على الحائك يوهن الْعقل الركين. وَقَالَ فيهم: إِنَّهُم سرقوا نعل النَّبِي ﵇ وعمامة يحيى بن زَكَرِيَّا، وجراب الْخضر، وعصا مُوسَى، وغزل سارةً، وشَاة دانيال، وقصعة هود، وفأس عمر، وسمكة عَائِشَة من التَّنور. واستدلتهم مَرْيَم فدلّوها على غير الطَّرِيق، فدعَتْ عَلَيْهِم أَن الله يجعلهم سخرية النَّاس، وَألا يُبَارك فِي كسبهم. جَاءَ رجل بِهِ وجع الضرس إِلَى قلاّع ليقلعه، فَقَالَ: أُرِيد درهما فَقَالَ لَهُ: أحسن. فَقَالَ: أقلع ضرساً آخر - إِن أردْت - وَلَا أنقص من الدِّرْهَم شَيْئا. استدعى بَعضهم قلاّعاً ليقلع ضرساً لَهُ، وَكَانَ الرجل أبخر، فَلَمَّا فتح فَاه قَامَ القلاع وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا من عَمَلي، هَذَا من عمل الكناسين. دَعَا حجام جمَاعَة من الكناسين يكسحون لَهُ بِئْرا، فَقَالَ أحدهم لصَاحبه: اسْقِنِي مَاء. فَقَالَ الآخر: تَدْرِي عِنْد من نعمل نَحن! ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إِنَّا نعمل عِنْد حجّام. قَالَ: إِنَّا لله، الْحَمد لله حَيْثُ علمنَا بِهِ قبل أَن نشرب فِي كيزانهم، أردْت، وَالله، أَن أرمي بِكُل مَا فِي جوفي. قَالَ: وَسمعت وَاحِدًا يَقُول للْآخر: إِن كنت كناس بن كناس فَقل لي: كم رجل لابنَة وردان. قَالَ بَعضهم: نظرت إِلَى كناسين فِي دَاري، وهم يتغدّون، فَلَمَّا رأوني من بعد صَاح أحدهم: إِن كنت تُرِيدُ أَن تَأْكُل مَعنا فاغسل يدك أَولا؟ . جَاءَت امْرَأَة إِلَى صفّار بمرجل مثقوب ليصلحه، فسدّ الثقب بِقَلِيل طين، وسوّده، وردّه عَلَيْهَا. فَلَمَّا صبّت فِيهِ المَاء ابتل الطين، وسال المَاء، فَجَاءَت

стр. 1684

إِلَيْهِ وَقَالَت لَهُ: وَيلك ﴿أَلَسْت قلت: قد أصلحت الْمرجل؟ وَهَا هُوَ بعد مثقوب كَمَا كَانَ. قَالَ: لَعَلَّك صببت فِيهِ مَاء؟ قَالَت: نعم، لأيش نريده إِلَّا لماء؟ قَالَ: ظَنَنْت أَنَّك تجعلين فِيهِ نوى أَو نخالة أَو صُوفًا، فَأَما مَا يصبّ فِيهِ المَاء فَأَنا لَا أحسن أَن أصلحه. نظر ملاّح إِلَى رجل قد وثب على ظهر فرسه فَقَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ مَا أحسن مَا اسْتَوَى على كوثله ﴿﴾ قيل لملاح: كم بَيْننَا وَبَين الْعَصْر؟ قَالَ: مُرديّ شمس. قيل للمجّدر القرّاد: كَيفَ أَصبَحت؟ فَقَالَ: كَيفَ يصبح من يَرْجُو خير هَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَى قرده. قَالَ الْأَصْمَعِي: مَرَرْت بكنّاس فِي بعض الطّرق، وَهُوَ ينْقل على ظَهره وينشد: وأُكرم نَفسِي إِنَّنِي إِن أهنتهاوحقك لم تُكرم على أحد بعدِي فَقلت: عَن أَي شَيْء أكرمتها وَهَذِه الجرة على رقبتك؟ فَقَالَ: من الْوُقُوف بِبَاب مثلك. قَالَ الْوَاقِدِيّ: رَأَيْت بقّالاً بِالْمَدِينَةِ، وَقد أشعل بَين يَدَيْهِ سِرَاجًا بِالنَّهَارِ، فَقلت لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: أرى النَّاس يبيعون ويشترون حَولي، وَلَا يدنو مني أحد، فَقلت: عَسى لَا يروني، فأسرجت لَهُم حَتَّى يروني. وقف رجل على صَاحب لَهُ، وَهُوَ يُنَادي: هَذَا عسل، هَذَا سكر، هَذَا قند. فَتقدم إِلَيْهِ رجل وَقَالَ: عِنْدِي عليل يَشْتَهِي بطيخة حامضة، فَقَالَ لَهُ: خُذ وَلَا تلْتَفت إِلَى قولي فَإِنَّهُ خلّ. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت ثَلَاثَة من الهراسين على بقْعَة وَاحِدَة، وهم يتكايدون فِي مدح هرائسهم، فَرَأَيْت وَاحِدًا وَقد أخرج من هريسته قِطْعَة على المغرفة وأشالها وَهُوَ يَقُول: انزلي وَلَك الْأمان. فَقَالَ الثَّانِي: يَا قوم، أدركوني،

стр. 1685

الحقوني، أَنا أجذبها وَهِي تجذبني وَالْغَلَبَة لَهَا. فَقَالَ الثَّالِث: أَنا لَا أَدْرِي مَا يَقُولُونَ. من أكل من هريستي أَسْرج ببوله شهرا. خَاصم حجّام مرّة حذّاءً فَقَالَ للحذاء: أَنْت تمشّط وتسرّج وَأَنا أمشّط وأسرّج، وَأَنت تحذف وَأَنا أحذف وَأَنت تشقّ الْجلد بشفرة وَأَنا أشقه بمشراط، فَأَي فضل لَك عليّ؟ . تخاصم رجلَانِ، وَكَانَ أَحدهمَا ندّافاً. فَقَالَ الآخر: وَالله لَو وضعت إِحْدَى رجليك على حراء وَالْأُخْرَى على ثبير، ثمَّ اخذت قَوس قزَح وندفت الْغَيْم على جباب الْمَلَائِكَة، مَا كنت إِلَّا ندّافاً. قدّمت امْرَأَة رزام الطحّان إِلَى صَاحب الشرطة؛ فادّعت عَلَيْهِ شَيْئا، فجحدها، وَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، إِن كَانَت صَادِقَة فحريت سَيْفا بِالْعرضِ. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت بِجَمَاعَة من الكنّاسين قد وقفُوا على بِئْر لينقّوه فَقَالُوا لأَحَدهم: انْزِلْ، فتجرّد، فَنزل وَهُوَ يَقُول: لم يطيقوا أَن ينزلُوا ونزلنا ... وأخو الْحَرْب من أطَاق النزولا قَالَ بَعضهم: وَردت القرما - وَهِي على أَرْبَعَة فراسخ من الرملة - مَعَ رُفقاء لي، فَإِذا بصائح يَصِيح بِالْغَدَاةِ: الهريسة الهريسة. فأنفذنا من يَشْتَرِيهَا، فَرجع وَقَالَ: الهرّاس يَقُول: اثردوا، فثردنا، وَعَاد إِلَيْهِ. قَالَ: فَفتح بُزالا من قدر، فَإِذا بِمَاء صَاف قد انحدر مِنْهَا، فَبعد حِين خرجت حبّات حِنْطَة، فَضرب بِيَدِهِ على مَنْكِبي وَقَالَ: بختك مقبل، فَإِنَّهَا الْيَوْم ثخينة. جَاءَ رجل إِلَى صديق لَهُ من أهل السُّوق، فَشَكا إِلَيْهِ إضاقةً، وَسَأَلَهُ أَن يُقرضه دَرَاهِم. فَقَالَ نعم، وكرامةً، يَا غُلَام، هَات الْكيس وَالْمِيزَان والمرآة، وَوزن لَهُ مَا التمسه، فَأَخذه الرجل وَأثْنى عَلَيْهِ، وَقَامَ ليقبّل رَأسه فَقَالَ: يَا أخي،
следующие страницы →