← Адаб

Адаб · id 7853

نثر الدر في المحاضرات

الآبي

Полный текст (1 737 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

نَوَادِر أبي سَالم ووقف على أبي سَالم الْقَاص رجل رَاكب ١٤٥٦ حمارا يتطلع فِي حلقته. وَيسمع قصصه، فناداه: يَا صَاحب الْحمار؛ امْضِ لسبيلك لَا يدل حِمَارك، فَإِن عندنَا نسَاء. وَقيل لَهُ: كم ولدا لإبليس؟ فَقَالَ: أَرْبَعَة؛ ثَلَاثَة ذكورة وَبنت. قَالُوا: فَمن أمّهم؟ قَالَ: شَاة كَانَت لآدَم فأهداها لَهُ. وَقيل: ادْع لفُلَان أَن يردهُ على أَبِيه وَأعْطى دِرْهَمَيْنِ. فَقَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قيل: بالصين. قَالَ: يردهُ من الصين بِدِرْهَمَيْنِ؟ بلَى؛ لَو كَانَ بسيراف أَو بجنابة أَو تستر. سرق لبَعْضهِم منديل فَقَالَ لغلامه: أَيْن المنديل؟ قَالَ: يَا مولَايَ. لَا أَدْرِي فَقَالَ: يَا بن الزَّانِيَة وَالله مَا سَرقه - بعد الله - غَيْرك. نَوَادِر أبي أسيد وَمَات عِيسَى بن حَمَّاد الطلحي وَقد أوصى بِأَكْثَرَ من ثلث مَاله، فَأجَاز ذَلِك وَلَده وَامْرَأَته، فَأتوا أَبَا أسيد ليكتب بذلك كتابا، فَقَالَ لَهُم: يَا فتيَان أمكُم قد بلغت مبلغ النِّسَاء أم لَا؟ وَكَانَ أَبُو أسيد هَذَا يَقُول: كَانَ ابْن عمر يحف شَاربه حَتَّى يرى بَيَاض إبطَيْهِ. وَقَالَ يَوْمًا: مَا بَقِي من حمامي نافخ نَار، وَمر بِقوم يصيدون السّمك، فَقَالَ: يَا فتيَان؛ مالح أَو طري. وَدخل يَوْمًا فِي المَاء إِلَى كَعبه فصاح: الغريق، الغريق. فَقيل لَهُ: مَا دعَاك إِلَى هَذَا؟ فَقَالَ: أخذت بالوثيقة. قيل لبَعْضهِم: أَيَسُرُّك أَن الله أدْخلك الْجنَّة وَأَنت شَاة؟ قَالَ: نعم بِشَرْط أَلا يذهبوا بِي إِلَى التياس. جَاءَ رجل إِلَى وَاحِد مِنْهُم فَقَالَ: مَا تَقول فِي شرب النَّبِيذ؟ قَالَ: لَا يجوز قَالَ: فَإِن كَانَ الرجل قد أكل المالح؟ قَالَ: قد رجعت مسألتك إِلَى الطِّبّ. صلى سيفويه بِقوم وَسلم عَن يَمِينه وَلم يسلم عَن يسَاره، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: كَانَ فِي ذَلِك الْجَانِب إِنْسَان لَا ُأكَلِّمهُ.

стр. 912

على من حرم التَّخَتُّم بِالذَّهَب قَالَ بَعضهم: رَأَيْت بِالشَّام قَاصا روى فِي مَجْلِسه أَن أَبَا هُرَيْرَة رأى على ابْنَته خَاتم ذهب فَقَالَ لابنته: لَا تختمي بِالذَّهَب. فَإِنَّهُ لَهب. فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثهُمْ ويقص عَلَيْهِم إِذْ بَدَت يَده وَفِي إصبعه خَاتم ذهب، فَقَالُوا: يَا عَدو الله؛ تنْهى عَن شَيْء وتلبسه أَنْت؟ ووثبوا عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا قوم لست أَنا ابْنة أَبى هُرَيْرَة. إِنَّمَا حرم ذَلِك على تِلْكَ المشئومة. قَالَ آخر: رَأَيْت قصاصا يقص حَدِيث مُوسَى وَهَارُون وَيَقُول: لما صَار فِرْعَوْن فِي وسط الْبَحْر وَقَالَ الله للبحر: انطبق. وعلاه المَاء جعل فِرْعَوْن يضرط مثل الجاموس؛ نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك الضراط! قَالَ سيفويه يَوْمًا فِي قصصه أَتَدْرُونَ من هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّة؟ قَالُوا: من هم أكرمك الله؟ قَالَ: هم الَّذين يَجْلِسُونَ على الشط فيقدرون أستاه الغلمان. قَالَ آخر: رَأَيْت قَاصا يقص غَدَاة يَوْم، ثمَّ رَأَيْته عشياً فِي بَيت نباذ، والقدح فِي يَده فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالَ: أَنا بِالْغَدَاةِ قاص، وبالعشي ماص. من نَوَادِر ابْن كَعْب كَانَ ابْن كَعْب يقص فِي مَسْجِد عتاب بِالْبَصْرَةِ فِي كل يَوْم أَرْبعا، فاحتبس عَلَيْهِم فِي بعض الْأَيَّام، وَطَالَ انتظارهم، فَبَيْنَمَا هم إِذْ جَاءَ رَسُوله فَقَالَ: يَقُول لكم أَبُو كَعْب: انصرفوا راشدين فقد أَصبَحت الْيَوْم مخموراً. أَبُو ضَمْضَم ينْسب آدم جلس أَبُو ضَمْضَم ينْسب قبائل الْعَرَب فَقَالَ لَهُ بَعضهم: يَا أَبَا ضَمْضَم: آدم من أَبوهُ؟ فَحَمله استقباح الْجَهْل عِنْده بِشَيْء من الْأَنْسَاب على أَن قَالَ: آدم بن المضاء بن الخليج وَأمه ضباعة بن قرزام. فتضاحك الْقَوْم وثاب إِلَيْهِ عقله فَقَالَ: إِنَّمَا نسبت أَخا لآدَم من أمه. رأى بعض أهل نيسابور جَنَازَة فَقَالَ: رَبِّي وَرَبك الله لَا إِلَه إِلَّا الله. فَسَمعهُ آخر فَقَالَ: أَخْطَأت. قل: اللَّهُمَّ ألبسنا الْعَافِيَة، وتشاجرا ٤٥٧ فتحاكما إِلَى قاضٍ لَهُم فَقَالَ: لم يصب وَاحِد مِنْكُمَا. إِذا رَأَيْتُمْ جَنَازَة فَقولُوا: سُبْحَانَ من يسبح الرَّعْد بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَة من خيفته.

стр. 913

عبد الْأَعْلَى والاشتقاق كَانَ عبد الْأَعْلَى الْقَاص يتَكَلَّف لكل شَيْء اشتقاقاً فَقَالَ: الْكَافِر إِنَّمَا سمي كَافِرًا لِأَنَّهُ اكْتفى وفر. قيل لَهُ: بِمَاذَا اكْتفى وَمن أَي شَيْء فر؟ قَالَ: اكْتفى بالشيطان وفر من الله. وَقَالَ: سمي الزنديق زنديقاً لِأَنَّهُ وزن فدقق. وَسمي البلغم بلغماً لِأَنَّهُ بلَاء وغم. وَسمي الدِّرْهَم درهما لِأَنَّهُ دَاء وهم. وَسمي الدِّينَار دينارأ لِأَنَّهُ دين ونار. وَسمي العصفور عصفوراً لِأَنَّهُ عَصا وفر. وَسمي الطفبشل طفبشلاً لِأَنَّهُ طفا وشال. وَسمي نوحًا لِأَنَّهُ كَانَ ينوح على قومه. وَسمي الْمَسِيح مسيحاً لِأَنَّهُ مسح الأَرْض. جَاءَ رجل إِلَى بَعضهم فَقَالَ: أفطرت يَوْمًا من شهر رَمَضَان سَاهِيا، فَمَا عَليّ؟ قَالَ: تَصُوم يَوْمًا مَكَانَهُ. قَالَ: فَصمت. فَأتيت أَهلِي وَقد عمِلُوا حَيْسًا، فسبقتني يَدي إِلَيْهِ فَأكلت مِنْهُ. قَالَ: تقضي يَوْمًا آخر. قَالَ: فَقضيت يَوْمًا مَكَانَهُ، وأتيت أَهلِي وَقد عمِلُوا هريساً فسبقتني يَدي إِلَيْهِ فَأكلت مِنْهُ فَمَا ترى؟ قَالَ: أرى أَلا تَصُوم إِلَّا ويدك مغلولة إِلَى عُنُقك. مَاتَت أم عَيَّاش فَأَتَاهُ سيفويه معزيا فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد، عظم الله مصيبتك. فَتَبَسَّمَ ابْن عَيَّاش وَقَالَ: قد فعل. فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد؛ هَل كَانَ لأمك ولد؟ فَقَامَ ابْن عَيَّاش عَن مَجْلِسه وَضحك حَتَّى اسْتلْقى على قَفاهُ. قَالَ الجاحظ: كَانَ عبد الْعَزِيز الغزال يَقُول فِي قصصه: لَيْت أَن الله لم يكن خلقني وَأَنِّي السَّاعَة مَقْطُوع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ. وَذكر أَن أَبَا سعيد الرِّفَاعِي سُئِلَ عَن الدُّنْيَا والدائسة. فَقَالَ: أما الدُّنْيَا فَهَذِهِ الَّتِي أَنْتُم فِيهَا وَأما الدائسة فَهِيَ دَار نائية من هَذِه الدَّار، لم يسمع أَهلهَا بِهَذِهِ الدَّار وَلَا بِشَيْء من أمرهَا، وَكَذَلِكَ نَحن نسْمع بِذكر تِلْكَ الدَّار؛ إِلَّا أَنه قد صَحَّ عندنَا أَن بُيُوتهم من قثاء، وسقوفهم من قثاء، وأنعامهم من قثاء، وأنفسهم من قثاء، وقثائهم أَيْضا من قثاء. قَالُوا: يَا أَبَا سعيد؛ زعمت أَن أهل تِلْكَ الدَّار لم يسمعوا بِأَهْل هَذِه الدَّار وَلَا بِشَيْء من أمرهَا، وَكَذَلِكَ نَحن لَهُم، وأراك تخبرنا عَنْهُم بأخبار كَثِيرَة: قَالَ: فَمن ثمَّ أَنا أعجب أَيْضا. قَالَ الجاحظ: كَانَ عندنَا بِالْبَصْرَةِ قاص لَا يحفظ شَيْئا سوى حَدِيث جرجيس، فَقص يَوْمًا فَبكى رجل من النظارة، فَقَالَ الْقَاص: أَنْتُم لأي شَيْء تَبْكُونَ؟ إِنَّمَا الْبلَاء علينا معاشر الْعلمَاء.

стр. 914

وقص بعض العلوية بِالريِّ فَسَأَلَهُ وَهُوَ على كرسيه والعامة حواليه رجل مِنْهُم عَن مُعَاوِيَة فَقَالَ: أما مُعَاوِيَة فلحيته فِي إستي. قصّ أَبُو سَالم يَوْمًا وَفِي حلقته رجل أَعور، فَجعل الْأَعْوَر يهزأ بِهِ ويضحك مِنْهُ، فَفطن أَبُو سَالم فَقَالَ لأَصْحَابه: إِذا دَعَوْت فَقولُوا: آمين. قَالُوا: نعم. فَقَالَ: اللَّهُمَّ من كَانَ يسخر منا فافقأ عينه الْأُخْرَى. لَقِي رجل سيفويه فَسَأَلَهُ عَن حَاله وَعِيَاله فَقَالَ: هُوَ ذَا نقطع الدُّنْيَا يَوْمًا بِيَوْم، فَيوم لَا يرزقنا الله وَيَوْم يرزقنا الله. وَلَقي صاحباً لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أخي؛ أَيْن تكون؟ قد طلبتك عشْرين دفْعَة وَهَذِه الثَّانِيَة. دَعَا أَبُو سَالم على المتربصين فَقَالَ: اللَّهُمَّ امسخهم كلاباً وامسخنا ذئاباً حَتَّى نقطع لحومهم. قَالَ بَعضهم: سَمِعت قصاصا يَقُول: إِنِّي لأقص عَلَيْكُم، وَوَاللَّه إِنِّي لأعْلم أَنه لَا خبر عِنْدِي ١٤٥٧ وَلَا عنْدكُمْ. وَلَكِن تبلغوا بِي حَتَّى تَجدوا خيرا مني. حِيلَة قاص قصّ وَاحِد وَمَعَهُ تعاويذ يَبِيعهَا فَجعلُوا يسمعُونَ قصصه وَلَا يشْتَرونَ التعاويذ، فَأخذ محبرته وَقَالَ: من يَشْتَرِي مني كل تعويذة بدرهم، حَتَّى أقوم وأغوص فِي هَذِه المحبرة باسم الله الْأَعْظَم الَّذِي كتبته فِي هَذِه التعاويذ. فاشتريت مِنْهُ التعاويذ فِي سَاعَة وَجمع دَرَاهِم كَثِيرَة. وَقَالُوا لَهُ: قُم فَادْخُلْ الْآن فِي المحبرة. فَنزع ثِيَابه وتهيأ لذَلِك والجهال يظنون أَنه يغوص فِيهَا. فبدرت امْرَأَة من خلف النَّاس وتعلقت بِهِ، وَقَالَت: أَنا امْرَأَته، من يضمن لي نفقتي حَتَّى أتركه يدْخل، فَإِنَّهُ دَخلهَا عَام أول، وَبقيت سِتَّة أشهر بِلَا نَفَقَة. كَانَ بعض الْقصاص يَدْعُو فَيَقُول: اللَّهُمَّ أهلك أَوْلَاد الزِّنَى الَّذين أَسمَاؤُهُم الكنى، وأنسابهم الْقرى، وشعورهم شُعُور النسا، وَهَهُنَا مِنْهُم جمَاعَة فِيمَا أرى. وَسمع قاص كَانَ يحض على الْجِهَاد قَارِئًا يقْرَأ سُورَة يُوسُف. فَقَالَ: دَعْنَا من آيَات القحاب وَخذ فِي آيَات طرسوس.

стр. 915

الْبَاب الْعَاشِر نَوَادِر الْقُضَاة لمن تقدم إِلَيْهِم اخْتصم رجل وَامْرَأَة إِلَى سوار، فَقَالَ الزَّوْج لسوار: أصلح الله القَاضِي، لَو عرفتها لبصقت فِي استها. فَقَالَ سوار: اغرب، عَلَيْك لعنة الله. قَالَ بَعضهم: سَمِعت رجلا جِيءَ بِهِ إِلَى التَّيْمِيّ القَاضِي، فَقَالَ: يَا معشر القَاضِي: كم يجرونك إِلَيّ بِحَال أَنهم وَاحِد وَأَنا سِتَّة،، لَا يَجدونَ أحدا يظلمونك إِلَّا غيرري. خَاصم رجل رجلا إِلَى الشّعبِيّ فَقَالَ: إِن هَذَا بَاعَنِي غُلَاما نصيحاً صبيحاً. قَالَ: هَذَا مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد. قدمت جَارِيَة مولى لَهَا إِلَى بعض الْقُضَاة وَادعت عَلَيْهِ الْحَبل، فَأنْكر الْمولى وَادّعى أَنه كَانَ يسْتَعْمل الْعَزْل وَقت إتيانها، فاستثبته القَاضِي، وتعرف مِنْهُ صُورَة أمره مَعهَا فَقَالَ: أصلح الله القَاضِي، كنت آتيها فِي قبلهَا؛ فَإِذا أردْت الْفَرَاغ عزلت فأنزلت فِي دبرهَا. فَقَالَ القَاضِي: اسْكُتْ يَا فَاسق فَإنَّك هُوَ ذَا تسمي ولَايَة العراقين عزلاً. أحد الْخَصْمَيْنِ يعرض على القَاضِي فراريج وحنطة اخْتصم رجلَانِ إِلَى قَاض، فَدَنَا أَحدهمَا مِنْهُ وَقَالَ سرا: قد وجهت للدَّار فراريج كسكرية، وحنطة بلدية كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ القَاضِي بِصَوْت عَال: إِذا كَانَت لَك بَيِّنَة غَائِبَة انتظرناها، لَيْسَ هَذَا مِمَّا يسَار بِهِ. قَضِيَّة غير مفهومة قَالَ مُحَمَّد بن رَبَاح القَاضِي: تقدم إِلَى قثم مَعَ ابْن أَخِيه، فَادّعى عَلَيْهِ خَمْسَة آلَاف دِينَار فَقَالَ قثم: نعم لَهُ عَليّ ذَلِك من أَي وَجه. فَقلت: قد أَقرَرت لَهُ بِالْمَالِ،

стр. 916

فَإِن شَاءَ فسر الْوَجْه، وَإِن شَاءَ لم يُفَسر. فَقَالَ ابْن أَخِيه: أشهد أَنه بَرِيء مِنْهَا إِن لم أثبتها. فَقلت: وَأما أَنْت فقد أَبرَأته إِلَى أَن تثبت ذَلِك، فَمَا رَأَيْت أَضْعَف مِنْهُمَا فِي الحكم. يَمِين الطنبور ادّعى رجل على آخر طنبوراً وأحضره عِنْد القَاضِي فَأنْكر، فَقَالَ: حلفه فَقَالَ القَاضِي: إِن كَانَ عنْدك هَذَا الطنبور فأيري فِي حر أمك. فَقَالَ الرجل: أَي يَمِين هَذَا؟ فَقَالَ القَاضِي: ٤٥٨ يَمِين الطنبور. وَادّعى رجل على امْرَأَة عِنْد القَاضِي شَيْئا فأنكرت فَقَالَ لَهَا: إِن كنت كَاذِبَة فأير القَاضِي فِي حرك. فتوقفت الْمَرْأَة، فَقَالَ القَاضِي: قولي وَإِلَّا فاخرجي من حَقه. قَالَ بعض الْقُضَاة الحمقى: قد عزمت على أَن أخصي عَدْلَيْنِ للشَّهَادَة على النِّسَاء. قَاضِي جبل لما خرج الْمَأْمُون إِلَى فَم الصُّلْح لينقل بوران بنت الْحسن، إِذا جمَاعَة على الشط وَفِيهِمْ رجل يُنَادي بِأَعْلَى صَوته: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ نعم القَاضِي قَاضِي جبل جزاه الله عَنَّا أفضل مَا جزى أحدا من الْقُضَاة؛ فَهُوَ الْعَفِيف النَّظِيف، الناصح الجيب الْمَأْمُون الْغَيْب. وَكَانَ يحيى بن أَكْثَم يعرف قَاضِي جبل وَهُوَ ولاه وَأَشَارَ بِهِ. وَإِذا هُوَ القَاضِي نَفسه، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن هَذَا الَّذِي يُنَادي ويثني على القَاضِي هُوَ القَاضِي نَفسه. فاستضحك الْمَأْمُون واستطرفه وَأقرهُ على الْقَضَاء. وَقد كَانَ أهل جبل رفعوا عَلَيْهِ وَذكروا أَنه سَفِيه حَدِيد يعَض رُءُوس الْخُصُوم فَوَقع الْمَأْمُون: يشنق إِن شَاءَ الله. قَالَ بَعضهم: رَأَيْت امْرَأَة قدمت زَوجهَا إِلَى أبي جَعْفَر الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِي وَكَانَ قَضَاء المحول فَقَالَت لَهُ: أعزّك الله، هَذَا زَوجي لَيْسَ يمسكني كَمَا يجب، حَسبك أَنه مَا أَطْعمنِي لَحْمًا مُنْذُ أَنا مَعَه. قَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟ قَالَ: أعز

стр. 917

الله القَاضِي البارحة أكلنَا مضيرةً. قَالَت الْمَرْأَة: ويلي أَلَيْسَ كَانَ ماست؟ قَالَ: وتناي ... نَا سِتَّة. قَالَ القَاضِي: هَذِه مضيرة بعصبان. جلس أَبُو ضَمْضَم القَاضِي للْحكم فلمح فِي مَجْلِسه رجلا مَعَه أَلْوَاح يعلق نوادره فَرَمَاهُ بالدواة وَشَجه ثمَّ أَمر بِهِ إِلَى الْحَبْس. فَقَالَ كَاتبه: مَا أكتب قصَّته فِي الدِّيوَان. قَالَ: اكْتُبْ: اسْترق السّمع فَأتبعهُ شهَاب ثاقب. القَاضِي يحبس صَاحب الْحق اخْتصم إِلَى أبي ضَمْضَم رجلَانِ فَأقر أَحدهمَا لصَاحبه بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: أعز الله القَاضِي. إِنِّي كلما طلبته لأوفيه حَقه لَا أَجِدهُ فَإِنَّهُ رجل شريب منهمك فِي الشّرْب أبدا عِنْد أَصْحَابه وأصدقائه، وَأَنا رجل معيل أحتاج أَن أكسب قوت عيالي، وَلَا يتهيأ لي أَن أتعطل عَن كسبي وأدور فِي طلبه. فَأمر أَبُو ضَمْضَم بِحَبْس صَاحب الْحق. وَقَالَ لغريمه: اذْهَبْ فاشتغل بِطَلَب معاشك ومكسبك، فَإِذا حضرك مَا ترده عَلَيْهِ فاحمله إِلَى الْحَبْس حَتَّى لَا تحْتَاج أَن تَدور فِي طلبه. فَبَقيَ الرجل فِي الْحَبْس ثَمَانِينَ يَوْمًا وَصَاحبه يحمل إِلَيْهِ الشَّيْء بعد الشَّيْء إِلَى أَن بَقِي لَهُ عشرَة دَرَاهِم فَأرْسل إِلَى القَاضِي وَقَالَ: إِن رَأَيْت أَن تفرج عني فَلم يبْق لي على غريمي إِلَّا عشرَة دَرَاهِم فَقَالَ: لَا وَالله لَا تَبْرَح حَتَّى تَأْخُذ حَقك ﴿ قَضِيَّة غير مفهومة تقدم رجلَانِ إِلَى بعض الْقُضَاة فَقَالَ أَحدهمَا: أصلحك الله أَخُو ختن غُلَام أكار هَذَا سرق كسَاء أخي ختن أكار خَال ولد ختي. فَقَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟﴾ قَالَ: أعز الله القَاضِي. غير كسَاء غَيْرِي سرق غير ختن كسَاء هَذَا. أَنْت القَاضِي. أيش تُشِير عَليّ؟ قَالَ القَاضِي: أُشير عَلَيْك أَن تَأْخُذ أَي طَرِيق شِئْت فَمن كلمك فاصفعه. نوع من الْقَرَابَة ارْتَفع رجلات إِلَى قَاض أَحدهمَا يَدعِي على الآخر حَقًا لَهُ من مِيرَاث فَقَالَ القَاضِي للْمُدَّعِي: مَا تكون من هَذَا الرجل الَّذِي تَدعِي مِيرَاثه؟ قَالَ: أعز الله

стр. 918

القَاضِي أَنا أحد قراباته: كَانَت أم أم أمه جدها لأمها أَخا خَال عَم أخي ختني. أَعنِي ابْن بنت زَيْنَب خَالَتِي فَقَالَ القَاضِي: يَا سفله، هَذِه صفة أخلاط الْخبث. ارفعها إِلَى الصيادلة حَتَّى يميزوها خلطاً خلطاً ثمَّ ردوهَا. سمع بعض الْقُضَاة امْرَأَة تَقول لأخرى ٤٥٩ فِي جيرته فِي كَلَام بَينهمَا: وَإِلَّا فأير القَاضِي فِي حرك. فَقَالَ القَاضِي: إِن القَاضِي وَالله أَشْقَى بختاً من ذَاك. تشاجر رجل وَامْرَأَته فِي الأير إِذا قَامَ وانتفخ كم رطلا فِيهِ. فَقَالَ الرجل: يكون فِيهِ خَمْسُونَ رطلا، وَقَالَت الْمَرْأَة: لَا يكون. فَحلف بِطَلَاقِهَا أَنه إِذا انتفخ يكون فِيهِ أَكثر من ألف رَطْل. فارتفعا إِلَى الْحَاكِم ورشوه على الحكم لِئَلَّا يفرق بَينهمَا فَقَالَ: اذْهَبُوا، فَإِنَّهُ إِذا قَامَ فَهُوَ مثل شراع السَّفِينَة إِذا وَقع فِيهِ الرّيح يكون أَكثر من خَمْسَة آلَاف رَطْل. قدم رجل امْرَأَته إِلَى القَاضِي فَقَالَ: أعز الله القَاضِي أَنا رجل من دورق وَهَذِه امْرَأَة من درب عون، وَفِي قلبِي حب وَهِي تغار عَليّ وأريدها صاغرة. فَقَالَ القَاضِي: اذْهَبْ عافاك الله إِلَى دَار بانوكة حَتَّى يعْمل لَك قَاض من دن يحكم بَيْنكُمَا. غَابَ رجل فِي بعض أَسْفَاره، وطالت غيبته فَأَرْجَفَ بِهِ وبموته، وأتى على ذَلِك مُدَّة، وَبلغ قَاضِي الْبَلَد جمال امْرَأَته فَخَطَبَهَا وَتَزَوجهَا فَصَارَ إِلَيْهِ أهل بَيت زَوجهَا وَبَنُو أَعْمَامه وَقَالُوا: أعز الله القَاضِي. لم يَصح عندنَا موت هَذَا الرجل وَنحن فِي شكّ مِنْهُ، فَكيف تتَزَوَّج بامرأته؟ فَغَضب القَاضِي وَقَالَ: أَنْتُم تسخرون بِالنسَاء. وَالله مَا يغيب أحدكُم إِلَّا تزوجت بامرأته. يَمِين أَصْحَاب الرياحين تقدم رجلَانِ إِلَى قَاض وَادّعى أَحدهمَا على صَاحبه درهما من ثمن ريحَان اشْتَرَاهُ ف أنكر واستحلفه فَقَالَ القَاضِي: قل: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ. فَقَالَ الرجل: أصلحك الله لَيست هَذِه يَمِين أَصْحَاب الرياحين. قَالَ القَاضِي: وَمَا يمينهم؟ قَالَ: أَن يَقُول أمه فاعلة إِن كَانَ لهَذَا عَلَيْهِ شَيْء. قَالَ القَاضِي: مَا أَشك فِي صدقك، وَغرم الدِّرْهَم من عِنْده.

стр. 919

تقدم رجلَانِ إِلَى الشّعبِيّ، فَقَالَ أَحدهمَا: لي عَلَيْهِ - أعز الله القَاضِي - كَذَا وَكَذَا من المَال. فَقَالَ: مَا تَقول؟ قَالَ: يسخر بك أعزّك الله. قَاضِي حمص تقدم إِلَى قَاضِي حمص رجل وَامْرَأَته فَقَالَ الرجل: أصلح الله القَاضِي إِنَّهَا لَا تطيعني. قَالَت: أصلح الله القَاضِي. إِنِّي لَا أقوى بِمَا مَعَه قَالَ: يَا هَذَا لَا تحملهَا مَا لَا تطِيق. قَالَ: أصلحك الله إِنَّهَا كَانَت عِنْد رجل قبلي فَكَانَت تكرمه وَتُطِيعهُ. فضرط القَاضِي من فَمه ثمَّ قَالَ: يَا جَاهِل، الأيور كلهَا تستوي؟ هوذا أَنا معي مثل أير الْبَغْل وَمن فِي الْبَيْت أستودعهم الله يستصغرونه. كَيْفيَّة الْقصاص ارْتَفَعت امْرَأَة مَعَ رجل إِلَى قَاضِي حمص. فَقَالَت: أعز الله القَاضِي. هَذَا قبلني قَالَ القَاضِي: قومِي إِلَيْهِ فقبليه كَمَا قبلك. قَالَت: قد عَفَوْت عَنهُ إِن كَانَ كَذَا. قَالَ القَاضِي: فإيش قعودي هَهُنَا؟ حَيْثُ أردْت أَن تهبي جرمه لم جِئْت إِلَى هَذَا الْمجْلس؟ وَالله لَا بَرحت حَتَّى تقتصي مِنْهُ حَقك وَبعد هَذَا لَو نَا ... ك رجل بحذائي لم أَتكَلّم. رفع أَبُو الْجُود الشَّامي امْرَأَته إِلَى أبي شيبَة القَاضِي وَقَالَت: أصلحك الله اخلعني مِنْهُ وَإِلَّا طرحت نَفسِي فِي دجلة. فَقَالَ زَوجهَا: أصلحك الله إِنَّهَا تدل بسباحة. فَقَالَ القَاضِي: مَا أَدْرِي أيكما أرقع قَالَ الشَّامي: إِن كنت لَا بُد فَاعِلا فارقعني ودعها. من نَوَادِر قَاضِي حمص أرسل الْمَأْمُون رجلا مَعَه كتاب إِلَى قَاضِي حمص. قَالَ الرجل: فَدخلت حمص فمررت على جمَاعَة من الْمَشَايِخ فِي مَسْجِد، فاسترشدتهم فَقَالُوا: أمامك. وحركت البغلة فضرطت فَقَالَ شيخ مِنْهُم كَانَ أحْسنهم هَيْئَة وأسنهم: على أيري.

стр. 920

فتعجبت من قَوْله، وصرت إِلَى القَاضِي فَقَرَأَ كتابي ثمَّ تحدث ٤٦٠ فانبسطت مَعَه فَقلت: أَلا أطرفك أَيهَا القَاضِي بِشَيْء. وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة. فَقَالَ: يَا حَبِيبِي قد فسد النَّاس وَذَهَبت نصفتهم كَانُوا فِيمَا مضى إِذا سمعُوا ضرطة قَالُوا على أير القَاضِي فَصَارَ الْآن كل إِنْسَان يجر النَّار إِلَى قرصه. الْأَخ وَالْأَخ الهجين ذكر أَن أَعْرَابِيًا من بني العنبر صَار إِلَى سوار القَاضِي فَقَالَ: إِن أبي مَاتَ وَتَرَكَنِي وأخاً لي وَخط خطين ثمَّ قَالَ: وهجيناً. وَخط خطا نَاحيَة فَكيف يقسم المَال؟ فَقَالَ: أههنا وَارِث غَيْركُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: المَال بَيْنكُم أَثلَاثًا. قَالَ: لَا أحسبك فهمت. إِنَّه تركني وَأخي وهجيناً لنا، فَقَالَ سوار مثل مقَالَته الأولى. فَقَالَ الْأَعرَابِي: أيأخذ الهجين كَمَا أَخذ أَنا وكما يَأْخُذ أخي؟ قَالَ: أجل. فَغَضب الْأَعرَابِي ثمَّ أقبل على سوار فَقَالَ: تعلم وَالله إِنَّك قَلِيل الخالات بالدهناء، فَقَالَ سوار: إِذا لَا يضرني ذَلِك عِنْد الله شَيْئا. تقدم رجل إِلَى شريك وَمَعَهُ غَرِيم لَهُ فَقَالَ: أصلحك الله لي عَلَيْهِ خَمْسمِائَة دِرْهَم. فَقَالَ للْغَرِيم: مَا تَقول؟ قَالَ: أصلحك الله يسخر بك فَقَالَ: قُم يَا ماص بظر أمه. قَالَ الْأَصْمَعِي: لقِيت قَاضِي سبدان فَقلت: على من تقضي؟ فَقَالَ: على الضَّعِيف. كَانَ أَبُو السكينَة قَاضِيا للحجاج بن يُوسُف وَكَانَ طَويلا فَقَالَ يَوْمًا: بَلغنِي أَن الطَّوِيل يكون فِيهِ ثَلَاث خلال لَا بُد مِنْهَا قَالَ: قلت: مَا هِيَ؟ قَالَ: يفرق من الْكلاب وَلَا وَالله مَا خلق الله دَابَّة أنالها أَشد فرقا من الْكلاب، أَو تكون فِي رجله قرحَة لَا وَالله مَا فَارَقت رجْلي قرحَة قطّ أَو يكون أَحمَق وَأَنْتُم أعلم بقاضيكم. قَضَاء عكابة النميري ولي عكابة النميري قَضَاء الْبَحْرين فالتاث أَهلهَا عَلَيْهِ فَركب فرسه وَأخذ رمحه وَقَالَ: وَالله لَا أَقْْضِي إِلَّا هَكَذَا من خالفني طعنته برمحي.

стр. 921

كَانَ بِالْبَصْرَةِ قَاض، فاحتكم إِلَيْهِ حائك فِي حمامة فَأَخذهَا وَمسح عينهَا ثمَّ أرسلها. فَقَالَ الحائك: مَا فعلت أَيهَا القَاضِي؟ قَالَ: يذهب إِلَى بَيت صَاحبهَا. قَضَاء أم مزايدة وَتقدم إِلَيْهِ رجلَانِ ومعهما امْرَأَة فَقَالَ أَحدهمَا: أصلحك الله. هَذِه امْرَأَتي تَزَوَّجتهَا على سِتِّينَ درهما وَهَذَا يَدعِي أَنه يَتَزَوَّجهَا على سبعين فَقَالَ القَاضِي: عَليّ بِثَمَانِينَ. فَقَالَا: أصلحك الله جئْنَاك لِتَقضي بَيْننَا لم نجئك لتزايدنا. قَالَ القَاضِي: فَإِنَّمَا فِي شرى وَبيع، قوما فِي لعنة الله. قَاضِي ماهر فِي الْحساب تقدم إِلَى قَاض اثْنَان فَادّعى أَحدهمَا على صَاحبه ثَلَاثَة أَربَاع دِينَار. فَقَالَ القَاضِي: مَا تَقول؟ قَالَ لَهُ: عَليّ دِينَار غير ربع، ففكر سَاعَة ثمَّ قَالَ: أما تستحيان فِي هَذَا الْقدر. إِنَّمَا بَيْنكُمَا ثلث دِينَار! قوما فاصطلحا فَالصُّلْح خير. واختصم إِلَيْهِ رجلَانِ فِي ديك ذبحه أَحدهمَا فَقَالَ: ارتفعوا إِلَى الْأَمِير، فَإنَّا لَا نحكم فِي الدِّمَاء. وعزل يحيى بن أَكْثَم قَاضِيا كَانَ لَهُ على حمص من أَهلهَا فَلَمَّا قدم إِلَيْهِ رأى شَيخا وسيماً فَقَالَ لَهُ: من جالست يَا شيخ؟ فَقَالَ: أبي. فَظن أَن أَبَاهُ من أهل الْعلم. قَالَ: فَمن جَالس أَبوك: قَالَ: مَكْحُولًا قَالَ: فَمن جَالس مَكْحُول؟ قَالَ: سُفْيَان الثَّوْريّ. قَالَ: مَا كَانَ يَقُول أَبَاك فِي عَذَاب الْقَبْر؟ قَالَ: كَانَ يكرههُ. تزوج بعض الخصيان فِي زمن شُرَيْح بِامْرَأَة فَأَتَت بِولد فتبرأ مِنْهُ وترافعا إِلَى شُرَيْح. فَألْحق الْوَلَد بِهِ وألزمه أَن يحملهُ على عَاتِقه فَخرج على تِلْكَ الصُّورَة واستقبله خصي آخر. فَقَالَ لَهُ: انج بِنَفْسِك فَإِن شريحاً يُرِيد أَن يفرق الزِّنَى على الخصيان. ٤٦١ - سمع الْعَنْبَري القَاضِي صَبيا يَقُول لآخر وَإِلَّا فأير القَاضِي فِي حر أم الْكَاذِب، فَقَالَ القَاضِي: وَلم يَا صبي؟ قَالَ: لِأَن عَلَيْهِ أيراً مردوداً فِي حر أمه مثل سَارِيَة الْمَسْجِد. فَقَالَ القَاضِي: الِاسْتِقْصَاء شُؤْم.

стр. 922

قدم رجل جمَاعَة إِلَى قَاضِي حمص يشْهدُونَ لَهُ على شَيْء ادَّعَاهُ فَقَالَ لَهُم القَاضِي: بِمَ تَشْهَدُون؟ فَقَالُوا: تُرِيدُ منا أَن نَكُون نمامين؟ قدمت امْرَأَة زَوجهَا إِلَى القَاضِي وَمَعَهَا طِفْل ادَّعَت أَنه وَلَده وَأنكر الرجل فَقَالَ القَاضِي: الْوَلَد للْفراش وَقد أَقرَرت بِالزَّوْجِيَّةِ فَقَالَ: أَيهَا القَاضِي وَالله مَا تناي. . نَا إِلَّا فِي الإست، فَقَالَت الْمَرْأَة وَأَنت أَيهَا القَاضِي مَا رَأَيْت غرفَة تكف. قَالَ القَاضِي: صدقت. خُذ بِيَدِهَا وبيد ولدك. دخل على بعض الْوُلَاة قَاض وَعِنْده مضحك عيار فَوَثَبَ فانكشف إسته وتلقى بهَا القَاضِي، فَحل القَاضِي سراويله وَأخرج أيره وتلقى بِهِ أسته. وَقَالَ: إِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا. الْقَضَاء على شَيْء يُقَال: إِن غلامين من أهل سنجار تقدما إِلَى قاضيها فَقَالَا لَهُ: أَيهَا القَاضِي قد جئْنَاك فِي شَيْء وَإِن لم يكن شَيْء. مَاتَ أَبونَا، وَخلف لنا دَارا لَا تَسَاوِي شَيْء، فاقتسمناها فَمَا أَصَابَنَا مِنْهَا شَيْء، وعرضناها فَمَا أعطونا بهَا شَيْء، وَنحن فُقَرَاء لَا نملك شَيْء، وجياع مَا فِي بطوننا شَيْء، وحفاة لَيْسَ فِي أَرْجُلنَا شَيْء، وَقد جِئْنَا إِلَى القَاضِي حَتَّى يُعْطِينَا شَيْء فنضم شَيْء إِلَى شَيْء ونشتري بِهِ شَيْء. قَالَ القَاضِي: قد وليت سنجار وَمَا معي شَيْء وأنزلوني فِي دَار لَيْسَ فِيهَا شَيْء، فأقمت بَينهم شَهْرَيْن مَا أَطْعمُونِي شَيْء، وحلفتهم فَمَا أقرُّوا إِلَيّ بِشَيْء، وَالْقَوْم جِيَاع لَيْسَ عِنْدهم شَيْء، وَلَو كَانَت داركم تسوى شَيْء كُنَّا قد بعناها لكم بِشَيْء، أعطيناكم شَيْء وأخذنا شَيْء، فَكَانَ يكون عنْدكُمْ شَيْء وَعِنْدنَا شَيْء ﴿وَلَكِن هُوَ ذَا أفطنكم بِشَيْء﴾ من لَيْسَ مَعَه شَيْء لَا يسوى شَيْء.

стр. 923

الْبَاب الْحَادِي عشر نَوَادِر لأَصْحَاب النِّسَاء والزناة والزواني كَانَ رجل يتعشق امْرَأَة، ويتبعها فِي الطرقات دهراً، إِلَى أَن أمكنته من نَفسهَا. فَلَمَّا أفْضى إِلَيْهَا لم ينتشر عَلَيْهِ فَقَالَت لَهُ: أيرك هَذَا أير لئيم. قَالَ: بل هُوَ من الَّذين قَالَ فيهم الشَّاعِر: وَأفضل النَّاس أحلاماً إِذا قدرُوا نظر مُغيرَة الْمُهلب يوماُ إِلَى أَخِيه يزِيد وَهُوَ يطالع امْرَأَته وَيَقُول لَهَا: اكشفي ساقك وَلَك خَمْسُونَ ألف دِرْهَم فَقَالَ: وَيلك يَا فَاسق؛ هَات نصفهَا وَهِي طَالِق. قَالَ بَعضهم لأعرابي: هَل يطَأ أحدكُم عشيقته؟ فَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي. ذَاك طَالب ولد لَيْسَ ذَاك بعاشق. سمع إِسْمَاعِيل بن غَزوَان قَول الله ﵎ " قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين. ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين ". فَقَالَ: لَا وَالله إِن سَمِعت بأغزل من هَذِه الفاسقه. وَلما سمع بِكَثْرَة مراودتها ٤٦٢ ليوسف واستعصامه بِاللَّه قَالَ: أما وَالله لَو بِي محكت. قَالَ الْأَصْمَعِي: راودت أعرابة شَيخا عَن نَفسه، فَلَمَّا قعد مِنْهَا مقْعد الرجل من الْمَرْأَة أَبْطَأَ عَلَيْهِ الانتشار فَأَقْبَلت تستعجله وتوبخه فَقَالَ لَهَا: يَا هَذِه إِنَّك تفتحين بيتأ وَأَنا أنشر مَيتا.

стр. 924

أَشَارَ ضيف لقوم إِلَى بنت لَهُم بقبلة وَهِي خلف الخباء، فَلَمَّا سمع الشَّيْخ قَول الْجَارِيَة: إِنِّي إِذا الطَّوِيلَة الْعُنُق قَالَ: وَبَيت الله لقد أَشَارَ إِلَيْهَا بقبلة. أَتَى نَوْفَل بِابْن أَخِيه وَقد أحبل جَارِيَة لغيره فَقَالَ: يَا عَدو الله؛ هلا إِذا ابْتليت بالفاحشة عزلت. قَالَ: بَلغنِي أَن الْعَزْل مَكْرُوه. قَالَ: أفما بلغك أَن الزِّنَى حرَام. جَاءَ رجل إِلَى عَابِد فَسَأَلَهُ عَن الْقبْلَة للصايم، فَقَالَ: تكره للْحَدَث، وَلَا بَأْس بهَا للمسن، وَفِي اللَّيْل لَك فسحة. فَقَالَ: إِن زَوجهَا يعود إِلَى منزله لَيْلًا فَقَالَ: يَا بن أَخ؛ هَذَا يكره فِي شَوَّال أَيْضا. قَالَ الجاحظ: تعشق الْمَكِّيّ جَارِيَة ثمَّ تزَوجهَا نهارية، فخبرني أَنَّهَا كَانَت ذَات صبيان وَأَنه كَانَ معجباً بذلك مِنْهَا، وَأَنَّهَا كَانَت تعالجه بالمرتك، وَأَنه نهاها مرَارًا حَتَّى غضب فِي ذَلِك. قَالَ: فَلَمَّا عرفت شهوتي كَانَت إِذا سَأَلتنِي حَاجَة وَلم أقضها قَالَت: وَالله لأمرتكن ثَلَاثًا. فَلَا أجد بدا من أَن أَقْْضِي حَاجَتهَا. قَالَ: فَلم أسمع قطّ بأطرف من قَوْله: فَلَا أجد بدا من أَن أَقْْضِي حَاجَتهَا. قَالَ بَعضهم: إِذا جمشت فَلَا تبهت مثل الْمَجْنُون، وَلَكِن السع وطر. أَخذ رجل مَعَ زنجية وَكَانَ قد أَعْطَاهَا نصف دِرْهَم، فَلَمَّا أَتَى بِهِ إِلَى الْوَالِي أَمر بتجريده وَجعل يضْربهُ وَيَقُول: يَا عَدو الله؛ تَزني بزنجية ﴿فَلَمَّا أَكثر قَالَ: أصلحك الله، فبنصف دِرْهَم إيش أجد، وَمن يعطيني؟ فَضَحِك وخلاه. وجد شيخ مَعَ زنجية فِي لَيْلَة الْجُمُعَة فِي مَسْجِد، وَقد نومها على الْجِنَازَة فَقيل لَهُ: قبحك الله يَا شيخ. فَقَالَ: إِذا كنت أشتهي وَأَنا شيخ لَا يَنْفَعنِي شبابكم، قَالُوا: فزنجية. قَالَ: من يزوجني مِنْكُم بعربية؟ قَالُوا: فَفِي الْمَسْجِد﴾ قَالَ: من يفرغ لي بَيته مِنْكُم سَاعَة؟ قَالُوا: فعلى جَنَازَة! قَالَ: إِن شِئْتُم جِئتُكُمْ لَيْلَة السبت، فضحكوا مِنْهُ وخلوه. قَالَ بَعضهم لقينة كَانَت إِلَى جَانِبه فِي مجْلِس: أشتهي أَن أَضَع يَدي عَلَيْهِ.

стр. 925

قَالَت: إِذا كَانَ الْعَتَمَة. قَالَ: يَا ستي؛ إِذا كَانَ الْعَتَمَة وأطفئ السراج يكون الزحام عَلَيْهِ أَكثر من الزحام على الْحجر الْأسود. وَكَانَ بَعضهم فِي مجْلِس شرب فِيهِ مغنيات فَقَامَتْ وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَكَانَت مليحة، فَوضعت الطبل وَقَعَدت عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا إخوتي. مَا كنت أَحسب أَنِّي أحب يَوْمًا مَا أَن أكون طبلاً حَتَّى السَّاعَة ﴿وَحدث بَعضهم قَالَ: كنت فِي دَعْوَة وَبت، وَكَانَت هُنَاكَ مغنية قد باتت، فدب إِلَيْهَا بَعضهم فسمعتها فِي اللَّيْل تَقول: اعزل اعزل﴾ . وَهُوَ يَقُول لَهَا: يَا قحبه تولين أَنْت وأعزل أَنا. قَالَ بَعضهم: بَينا أَنِّي. . قحبة فِي شهر رَمَضَان، وَذَهَبت أقبلها فحولت وَجههَا عني. فَقلت: لم تمنعينني الْقبْلَة؟ قَالَت: بَلغنِي أَن الْقبْلَة تفطر الصَّائِم. أَدخل رجل قحبة إِلَى خربة، فَبينا هُوَ فَوْقهَا إِذْ أحس بِوَقع قدم، فَأَرَادَ أَن يقوم. فَقَالَت لَهُ: شَأْنك فَإِنَّهُ ٤٦٢ إِن كَانُوا أقل من أَرْبَعَة ضربوا الْحَد. كَانَ فِي جوَار ابْن المعذل قحبة تَزني نَهَارا وَتصلي بِاللَّيْلِ وَتَدْعُو وَتقول: اللَّهُمَّ اختم لي بِخَير. فَلَمَّا طَال ذَلِك على ابْن المعذل قَالَ لَهَا: يَا فاجرة، مَا ينفعك هَذَا الدُّعَاء؟ وَهُوَ يخْتم لَك بِاللَّيْلِ وتكسرين الْخَتْم بِالنَّهَارِ. كَانَ الحمدوني فِي مجْلِس فَقَالَت لَهُ قينة: ناولني ذَلِك الْكوز. فَقَالَ: يَا قحبة تريدين أَن تستأكليني. أَخذ شيخ مَعَ جَارِيَة سَوْدَاء فَقيل لَهُ: وَيحك تَزني بسوداء؟ ! قَالَ: أَنا الْيَوْم شيخ، إيش أُبَالِي مَا أَنِّي ... نزل سَبْعَة أنفس فِي خَان، وبعثوا إِلَى قوادة وَقَالُوا لَهَا: أحضري لكل وَاحِد منا امْرَأَة - وَكَانَ أحدهم يُصَلِّي - فَقَالَت: كم أَنْتُم؟ قَالُوا: نَحن سِتَّة. فَقَالَ الْمُصَلِّي: سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله. وَأخرج يَده وَقد عقد على سَبْعَة. - أَي نَحن سَبْعَة.

стр. 926

كَانَ بشيراز رجل وَله زَوْجَة فَاسِدَة، فَنزل بِهِ ضيف فَأَعْطَاهَا دَرَاهِم وَقَالَ لَهَا: اشْترِي لنا رُءُوسًا نتغدى بهَا، فَخرجت الْمَرْأَة ولقيها حريف فَأدْخلهَا إِلَى منزله وأحس بهَا الْجِيرَان، فرفعوهما إِلَى السُّلْطَان. وَضربت الْمَرْأَة وأركبت ثوراً ليطاف بهَا فِي الْبَلَد، فَلَمَّا أَبْطَأت على الرجل خرج فِي طلبَهَا، فرآها على تِلْكَ الْحَال فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا وَيلك؟ قَالَت: لَا شَيْء انْصَرف أَنْت إِلَى الْبَيْت فَإِنَّمَا بَقِي صفان: صف العطارين وصف الصيادلة ثمَّ أَشْتَرِي الرُّءُوس وأجيئك. قَالَت امْرَأَة أبي إِسْمَاعِيل الْقَاص لزَوجهَا: إِن الْجِيرَان يرمونني بالفاحشة قَالَ: لَا يحل لَهُم حَتَّى يروه فِيك كالميل فِي المكحلة. قيل لرجل: إِن فلَانا وَفُلَانًا حملا السّلم البارحة ونصباه إِلَى حَائِط دَارك؛ يُريدَان امْرَأَتك. قَالَ: على كل حَال إِذا حملوه بَين اثْنَيْنِ هُوَ أولى من أَن يكلفوني حمله وحدي. كَانَ على بعض أَبْوَاب الدّور خياط. وَكَانَت لَهُم جَارِيَة تخرج لحوائجهم فَقَالَ الْخياط لَهَا يَوْمًا - وَقد خرجت: أَخْبِرِي ستك أَن لي أيرين. فَدخلت الْجَارِيَة وَهِي تدمدم، قَالَت لَهَا ستها: مَالك؟ قَالَت: خير. قَالَت: لَا بُد من أَن تخبريني، فَأَخْبَرتهَا بقول الْخياط. فَقَالَت: أحضريه حَتَّى يقطع لنا أثواباً. فدعته وطرحت إِلَيْهِ ثوبا فَلَمَّا قطعه قَالَت لَهُ: بَلغنِي أَن لَك أيرين. قَالَ: نعم وَاحِد صَغِير أَنِّي. . بِهِ الْأَغْنِيَاء، وَآخر كَبِير أَنِّي ... بِهِ الْفُقَرَاء قَالَت الْمَرْأَة: لَا يغرنك شَأْننَا الَّذِي ترَاهُ؛ فَإِن أَكْثَره عَارِية. كَانَ عِنْد بَعضهم امْرَأَة يبغضها، وَكَانَت كل لَيْلَة تستعجله وَتقول: قُم حَتَّى تنام. وَكَانَ لَا ينشط، ويدافع بِالْوَقْتِ إِلَى أَن قَالَت لَهُ ذَات لَيْلَة ذَاك فَقَالَ: لَا تقولي حَتَّى تنام، وَلَكِن قولي حَتَّى تَمُوت. فَإِن الْمَوْت خير من النّوم مَعَك. تزوج رجل بامرأتين عَجُوز وشابة، فَجعلت الشَّابَّة كلما رَأَتْ فِي لحيته طَاقَة بَيْضَاء تنتفها، والعجوز كلما رَأَتْ طَاقَة سَوْدَاء تنتفها، فَمَا زَالا كَذَلِك حَتَّى أعاداه عَن قريب أَمْرَد أصلع. حكى عَن ابْن أبي طَاهِر قَالَ: كنت مَعَ عَليّ بن عُبَيْدَة فِي مجْلِس وَمَعَهُ

стр. 927

عشيقة لَهُ فَجَلَسْنَا حَتَّى فانتنا صَلَاة الْعَصْر. فَقلت لَهُ: قُم حَتَّى نصلي. فَقَالَ: حَتَّى تَزُول الشَّمْس - يَعْنِي عشيقته. قيل لرجل رئي وَهُوَ يكلم امْرَأَة فِي شهر رَمَضَان: أتكلمها فِي مثل ٤٦١ هَذَا الشَّهْر؟ قَالَ: أدرجها لشوال. اعْترض رجل من أهل خُرَاسَان جَارِيَة لبَعض النخاسين فازدراه، فَوضع يَده على هميان فِي وَسطه فِيهِ دَنَانِير كَثِيرَة، ثمَّ أنزل يَده إِلَى ذكره وَقد أنعظ وَقَالَ: أَتَرَى سلعتك تكسد بَين هذَيْن السوقين. نظر رجل إِلَى مغن يطارح جَارِيَة للغناء وَقد غمزها فَقَالَ لَهُ: مَا هَذِه الغمزة؟ قَالَ: غمزة فِي الْغناء. قَالَ: أَترَانِي لَا أعرف غمزة الْغناء من غمزة الزِّنَى. عشق أَبُو جَعْفَر الْقَارئ جَارِيَة بِالْمَدِينَةِ فَقيل لَهُ: مَا بلغ من عشقك إِيَّاهَا؟ قَالَ: كنت أرى الْقَمَر فِي دَارهم أحسن مِنْهُ فِي دَارنَا. قَالَ بَعضهم: مَرَرْت ذَات يَوْم بشارع السّري بسر من رأى فَرَأَيْت امْرَأَتي تمشي فظننتها من الْبَادِيَة، فتعرضت لَهَا وَقلت: إِلَى أَيْن يقْصد الغزال؟ فَقَالَت لي: إِلَى مغزلها يَا قَلِيل الْمعرفَة بِأَصْحَابِهِ. كَانَ فلَان مُفلسًا فَقَالَ لامْرَأَة: أَنا أحبك. قَالَت: وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك؟ قَالَ: تُعْطِينِي قفيز دَقِيق حَتَّى أعجنه بدموع عَيْني. قَالَت: على أَن تَجِيء بخبزه إِلَيْنَا. قَالَ: يَا سيدتي، فَأَنت تريدين خبازاً لَا تريدين عَاشِقًا. تزوج رجل بشيراز امْرَأَة فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الْخَامِس من زفافها ولدت ابْنا، فَقَامَ الرجل وَصَارَ إِلَى السُّوق وَاشْترى لوحاً ودواة فَقَالُوا لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: من يُولد فِي خَمْسَة أَيَّام يذهب إِلَى الْكتاب فِي ثَلَاثَة أَيَّام. ذكر أَن رجلا لزم آخر بِحَق لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلْزُوم: انْطلق معي إِلَى منزلي لعَلي أحتال لَك. فَانْطَلق مَعَه فَدخل وغريمه مَعَه فَجَلَسَ بَين يَدي الحجلة وَالْمَرْأَة

стр. 928

ممسكة بسجفها وَمَعَهُ فِيهَا صديق لَهَا، فَكلم الرجل امْرَأَته فَقَالَ لَهَا: إِن لهَذَا عَليّ دينا، وَلَا أقدر على قَضَائِهِ، فأعينيني بحليك، عَليّ أَن أخلفه عَلَيْك. فَأَقْبَلت الْمَرْأَة على الْغَرِيم فَقَالَت لَهُ: يَا هَذَا؛ عَلَيْك عهد الله وميثاقه إِن رَأَيْت شَيْئا لتكتمنه وَلَا تخبر أحدا، فَحلف لَهَا فَخرجت من الحجلة، فأكبت على زَوجهَا وَأخذت رَأسه فقبلته، وَقَالَت: أفديك بِكُل شَيْء أملكهُ، وَخرج الرجل من الحجلة فَمضى وخلت عَن رَأس الزَّوْج. وجد رجل مَعَ أمه رجلا، فَقتل أمه وخلى عَن الرجل، فَقيل لَهُ: أَلا قتلت الرجل وخليت أمك؟ قَالَ: إِذا كنت أحتاج أَن أقتل كل يَوْم رجلا. وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل. تمّ بِحَمْد الله وعونه وتوفيقه الْجُزْء الرَّابِع ويليه إِن شَاءَ الله تَعَالَى الْجُزْء الْخَامِس

стр. 929

الْجُزْء الْخَامِس / بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم مُقَدّمَة الْمُؤلف اللَّهُمَّ أَنْت الرَّاعِي لَا يُراع سوامهُ، والحافظ لَا يُضاع ذمامُه، والصادق لَا يخلف وَعْده، والغني لَا ينفّدُ مَا عندَه. نحمدُك ونستعينُك، ونستعصمك ونستخيرُك، ونؤمن بك ونتوكلُ عَلَيْكَ، ونخضعُ لَكَ، ونفزع إليْك. اللَّهُمَّ فوفقنا لكل مَا ترضاه، وجنبنا بعض مَا نهواه، وبلغنا من الْخَيْر مُنتهاه واهدنا فِي الدُّنْيَا إِلَى مَا نحمدُ فِي الْآخِرَة عُقباه، وأسِبغْ علينا لباسَ الْكِرَام واعصمْنا مِمَّا نتعقبه بالندامة، وتغمدنا فِي الدُّنيا بِنِعْمَة تضفُوا مدَارعُها وَفِي الْآخِرَة برحُمة تصفُو مشارعُها، وابسُط أيْدَينا إِلَى خلقك بالأفضال والإسْعاف، واقْبِض أيْديَنا عَنْهُم بالقناعة والكَفاف، واجْعلنا عصمَة للخائف مِنْهُم إِذا استجار، والحائر إِذا اسْتَشَارَ، والسائل إِذا استمَار. لَكَ الحمْدُ والمنةُ، ومنك الإحْسانُ والنِّعمةُ وَعَلَى رَسُولك محمدٍ وأهلِ بَيته الصلاةُ وَالرَّحْمَة. هَذَا هُوَ الفصلُ الخامسُ من كتاب نثر الدُّر وَهُوَ اثْنَان وَعِشْرُونَ بَابا. الْبَاب الأول كَلَام زِيَاد وَولده الْبَاب الثَّانِي: كَلَام الْحجَّاج. الْبَاب الثَّالِث: كَلَام الْأَحْنَف بن قيس. الْبَاب الرَّابِع: كَلَام الْمُهلب وَولده.

стр. 930

الْبَاب الْخَامِس: كَلَام أبي مُسلم صَاحب الدولة. الْبَاب السَّادِس: كَلَام جمَاعَة من أُمَرَاء الدولتين. الْبَاب السَّابِع: توقيعات وفصول للوزراء وَالْكتاب. الْبَاب الثَّامِن: كَلَام الْقُضَاة فِي الدولتين. الْبَاب التَّاسِع: كَلَام الْحسن الْبَصْرِيّ. الْبَاب الْحَادِي عشر: كَلَام الْخَوَارِج. الْبَاب الثَّانِي عشر: الْغَلَط، والتصحيف. الْبَاب الثَّالِث عشر: نَوَادِر فِي اللّحن والنحو. الْبَاب الرَّابِع عشر: نَوَادِر للمخنثين. الْبَاب الْخَامِس عشر: نَوَادِر اللاطة. الْبَاب السَّادِس عشر: نَوَادِر البغائين. الْبَاب السَّابِع عشر: نَوَادِر جحا. الْبَاب الثَّامِن عشر: نَوَادِر أشعب. الْبَاب التَّاسِع عشر: نَوَادِر السُّؤَال. الْبَاب الْعشْرُونَ: نَوَادِر المعلمين. الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: نَوَادِر الصّبيان. الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: نَوَادِر العبيد والمماليك.

стр. 931

الْبَاب الأول كَلَام زِيَاد وَولده قَالَ: إِن تَأْخِير جَزَاء المحسن لؤمٌ، وتعجيل عُقُوبَة المُسيء دناءةٌ. ثَوَاب المحسن والتثبٌّت فِي العُقوبة ربُّما أدّى إِلَى سَلامة مِنْهَا، وتأْخير الإحسانِ رْبِّما أدَّى إِلَى ندمٍ لم يُمكن صَاحبه أَن يتلافاهُ. كتب إِلَى معاويةُ: اعزل حُرَيثَ بن جَابر، فَإِنِّي مَا أذكُرُ قُبتَّه بصفِّين إِلَّا كَانَت حَرارةً، فِي جلدي. فَكتب إِلَيْهِ زيادٌ: خفِّض عَلَيْك أميرَ الْمُؤمنِينَ، فقد بسَق حُريثٌ بُسُوقاً لَا يرفُعه عملٌ، وَلَا يضعهُ عَزْلٌ. وَقَالَ زيادُ لَو أَن لي ألف ألْف دِرْهَم، ولي بعيرٌ أجربُ لقمتُ عَلَيْهِ قيامَ. رجل لَا يملكُ غيرَهُ. وَلَو أَن لي عشرَة دراهمَ لَا أمْلك غيرَها، ولزمني حقٌّ لوضعْتُها فِيهِ. وَقَالَ لِابْنِهِ: عليْك بالحجاب، فَإِنَّمَا تَجَّرأتِ الرُّعاةُ على السباح بِكَثْرَة نظرها إِلَيْهَا

стр. 932

وخطب فَقَالَ: الأُمورُ جاريةٌ بأقدار الله، والناسُ متصَرِّفون بِمَشِيئَة الله، وهمْ بَين متسخِّط وراض، وكل يجْرِي فِي أجل وَكتاب. ويصيرُ إِلَى ثَوَاب أَو عِقَاب. أَلا رُب مسرور بِنَا لَا نسرُّه، وخائف ضدنا لَا نضُرُّه. وَكَانَ مجْلسه الَّذِي يأْذن فِيهِ للنَّاس أربعةُ أسْطْر فِي نواحيه، أولُها: الشِّدةُ فِي غير عُنف، واللينُ فِي غير ضعْف. وَالثَّانِي: المُحسنُ يُجازى بإحسانه، والمسيءُ يكافأُ بإساءته. وَالثَّالِث العَطيَّاتُ والأرزاقُ فِي إبانها وأوقاتها. والرابعُ: لَا احتجاب عَن صَاحب ثغر وَلَا طَارق ليل. وَقَالَ: أحْسنوا إِلَى أهل الْخراج، فَإِنَّكُم لَا تزالون سماناً مَا سَمنْوا. قدم رجلٌ خصْماً إِلَى زِيَاد فِي حَقٍّ لَهُ عَليْه، فَقَالَ: إِن هَذَا يُدلُّ بِخَاصَّة ذكرَ أَنَّهَا لَهُ مِنْك. فَقَالَ زيادٌ: صدّق. وسأُخبُرك بِمَا ينفعُه عِنْدِي منْ مودته إِن يكُن الحقُّ لَهُ آخذُك بِهِ أخْذاً عنيفاً، وَإِن يكُنِ الحقُّ لَك عَلَيْهِ أقْضِي عَلَيْهِ ثمَّ أقْضي عَنهُ. وَقَالَ: لَيْسَ العاقلُ الَّذِي يحتالُ للأمْر إِذا وَقع، وَلَكِن العَاقل الَّذِي يحتالُ لِلْأَمْرِ أَلا يَقع فِيهِ. قَالُوا: قدم زيادٌ البصْرة والياً لمعاوية والفسْقُ بالبصْرة ظاهرٌ فاشٍ فَخَطب خطْبَة بَتْرَاءَ لم يحمدِ الله فِيهَا. ويُقالُ: بل قَالَ: الْحَمد لله على أفْضاله، ونسْأَلُه المزيدَ منْ نعمه وإكرامه. اللهُم كَمَا زدْتنا نعَماً فأَلهِمنْا شكْراً. أما بعدُ: فَإِن الْجَاهِلِيَّة الجهُلاء، والضلالة العمْياء والغَيَّ المُوفدَ لأَهله على النَّار، مَا فِيهِ سفهاؤُكمْ، ويشتعلُ عَلَيْهِ حُلماؤكم، مِنْهُ الْأُمُور الْعِظَام، ينبتُ فِيهَا الصغيرُ، وَلَا يتحَاشى منْها الكبيرُ. كأنكم لم تقْرءُوا كتاب الله، وَلم تسمعُوا مَا أعد الله من الثَّوَاب الْكَرِيم لأهل طَاعَته، وَالْعَذَاب الْأَلِيم لأهل معْصيته فِي الزَّمن السرمدي الَّذِي لَا يزُولُ. أتكونون كمنْ طرفتْ عينه الدُّنيا، وسَدتْ مَسامعَه الشهواتُ، واختارَ الفانية على الْبَاقِيَة وَلَا تذْكُرونَ أَنكُمْ أحْدثتُم فِي الْإِسْلَام الحدَثَ الَّذِي لم تُسْبقُوا إليْه: منْ تَرْككُمْ الضعيفَ يُقْهرُ، ويُؤخَذُ مالُه، والضعيفةَ المسلوبةَ فِي النهارِ المُبصِرِ، والعددُ غيرُ قَلِيل.

стр. 933

ألم يكنُ مِنْكُم نُهاةٌ تمنعُ الغُواةَ عنْ دَلَج الليلِ، وغارةِ النهارِ؟ قرَّبْتُم الْقَرَابَة، وباعْدتُمُ الدِّين. تعتذرُون بِغَيْر العُذْر وتُغُضون على المُخْتلسِ، كلُّ امْرِئ مِنْكُم يذُبُّ عَن شَفِيهِه ضنيع مَنْ لَا يخافُ عَاقِبَة، وَلَا يرجوُ مَعاداً. مَا أنتُم بالحُلماء، وَلَقَد اتَّبعُتم السُّفهاءَ، فَلم يزَلْ بهم مَا ترَوْن من قيامِكم دونَهُم، حَتَّى انتهكٌوا حُرَم الْإِسْلَام، ثمَّ أطْرَقُوا وراءَكم كُنُوساً فِي مكانِس الرِّيبَ حَرُم على الطعامُ والشرابُ حَتَّى أسَوِّيَها بِالْأَرْضِ هدماً وإحراقاً، إِنِّي رأيتُ آخر هَذَا الْأَمر لَا يصلحُ إِلَّا بِمَا صلح بِهِ أوَّلُه: لينٌ فِي غير ضعف، وشدةٌ فِي غير عنف. إِنِّي أقسمُ بِاللَّه لآخُذنَّ الْوَلِيّ بالمولىَ، والمقيمَ بالظاعن، والمقبل بالمُدبر، والصحيحَ مِنْكُم فِي نَفسه بالسقيم حَتَّى يَلْقى الرجلُ مِنْكُم أَخَاهُ فَيَقُول: انْجُ سعدٌ فقد هلك سُعَيد أَو تستقيمَ لي قناتُكُم. إِن كذبَة الْمِنْبَر. بلقاءُ مشهورةٌ، فَإِذا تعلقتم على بكذبة فقد حل لكم معصيَتي. من نُقِبَ عَلَيْهِ مِنْكُم فَأَنا ضامنٌ لمَا ذهب مِنْهُ، فإيايَ ودلج اللَّيْل، فإنِّي لَا أوتَى بمُدلِج إِلَّا سفكْتُ دَمه وَقد أجَّلتكُمْ فِي ذَلِك بِقدر مَا يَأْتِي الخبرُ إِلَى الْكُوفَة، ويرجعُ إِلَيْكُم. وإياي ودعَوى الْجَاهِلِيَّة، فإنِّي لَا أجد أحدا دَعَا بهَا إِلَّا قطعتُ لسانَهُ. وَقد أحدثْتُم أحداثاً لمْ تكن، وَقد أحْدثْنا لكلِّ ذنبٍ عُقُوبَة، فمَنْ غرَّق قوما غرَّقْناه، وَمن أحْرق على قومٍ أحْرَقناه ومَنْ نقَب على قوم بَيْتا نقَبْنا عنْ قلبه، وَمن نَبش قبر دفنَّاه فِيهِ حَيَّاً كُفُّوا عني أيْديكُم، وألْسنتكُم أكُفَّ عَنْكُم يَدي ولساني. وَلَا يظْهُر مْن أحدكُم خلافُ مَا عَلَيْهِ عامكم إِلَّا ضربْتُ عُنقَهُ. وَقد كَانَت بيني وبيْن أَقوام إحنٌ فجعلُتُ ذَلِك دبْرَ أذُني، وَتَحْت قدمي، فمنْ كَانَ مِنْكُم مُحْسناً فليزدَدْ إحساناً، ومَنْ كَانَ مُسيئاً فليرْتدعُ عَن إساءته. إِنِّي لَو علمتُ أَن أحدَكُم قد قتلهُ السُّل منْ بُغْضي لم أكشف عَنهُ قناعاً، وَلم أهُتكْ لَهُ سترا حَتَّى يُبْدي لي صَفحتهُ، فَإِذا فعَل لمْ أناظرهُ فاسْتأنفُوا أمُوركُم، وأعينُوا على أنْفُسكم، فُرب مُبْتئس بقُدُومنا سَيُسَرُّ، ومسرور لقُدومنا سَيبْتئسُ. أيُّها النَّاس: إِنَّا أصْبحنا لكم ساسةً، وعنكم ذادةً، نُسوسُكم بُسلْطان الله

стр. 934

الَّذِي أعْطاناهُ، ونذُودُ عَنْكُم بفيءٍ الله الَّذِي خَولَنا. فلنا عَلَيْكُم السمْعُ والطاعةٌ فِيمَا أحْببْنا، وَلَكِن علْينا العَدْلُ فِيمَا ولِينا. فاستوجبُوا عَدْلنا وفيْئنا بِمُناصحَتِكُمْ لنا. وَاعْلَمُوا أَنِّي مُهَما قصَّرتُ عَنهُ فَلَنْ أقصِّرَ عَن ثَلَاث: لستُ مُحْتجباً عَن طَالب حاجةٍ مِنْكُم، وَلنْ أَتَانِي طَارِقًا بلَيْل، وَلَا حابساً عَطاء وَلَا رزُقا عَن إبانه، وَلَا مُجمِّراً لكم بعْثاً، فادْعوا اللهب الصّلاح لأئمتِّكم، فَإِنَّهُم ساستُكُم المؤُدِّبون، وكهفُكمُ الَّذِي إِلَيْهِ تأوُون. وَمَتى صلحُوا تصَلْحُوا، وَلَا تْسْرِبوا قُلُوبكُمْ بعْضَهُم فيشتد لذَلِك غيظكُمُ، وَيطول لذَلِك خُزْنكمُ، وَلَا تُدْركُوا حاجَتكم مَعَ أَنه لَو اسْتُجيب لكم فيهم كَانَ شرا لكم. أسْأَلُ الله أنْ يُعين كُلاً على كُلٍّ. وَإِذا رأيتْمُوني أنفذُ فِيكُم الأمرَ فأنفذُه على أذْلاله، وأيْمُ الله إِن لي فِيكُم لصَرْعى كَثِيرَة. فليَحْذرْ كل امْرِئ أنْ يكون من صَرْعاي. قَالَ: فَقَامَ عبدُ الله بنُ الْأَهْتَم، فَقَالَ: أشهدُ أَيهَا الأميرُ لقد أُوتيت الْحِكْمَة وفصْل الْخطاب. فَقَالَ لَهُ: كذبْت. ذَاك نَبِي الله دَاوُد ﷺ . فقامَ إِلَيْهِ الأحْنفُ ابنُ قيْس، فَقَالَ: إِنَّمَا الثناءُ بعْدَ الْبلَاء، الحمدُ بعد العطاءِ، وَإِنَّا لَا نُثْنِي حَتَّى نبْتلي، وَلَا نُحمدُ حَتَّى نُعْطَى. فَقَالَ زِيَاد: صدّقْتُ. قَالَ: فَقَامَ أَبُو بِلَال يهمسُ وَهُوَ يقولُ: أنْبأَنا اللهُ - جلّ وَعز - بِغَيْر مَا قُلت. قَالَ اللهُ ﵎: وَإبْراهيمَ الَّذِي وَفى. أَلا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخْرَى. وَأَن لَّيْسَ للإنسانِ إِلَّا مَا سَعَى. وأنَّ سعُيَهُ سَوف يُرَى. ثُم يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفىَ وَأَنت تزْعُم أَنَّك تأْخُذُ الصحيحَ بالسقيم، والطيع بالعاصي، والمُقْبِلَ بالمُدْبرِ. فَسَمعَهَا زيادٌ، فَقَالَ: إنَّا لَا نبلُغُ مَا نُريدُ بأصْحابك حَتَّى نَخُوضَ إليكمُ الْبَاطِل خَوضاً.

стр. 935

وَقَالَ يَوْم على المنْبر: إِن الرجلَ ليتكلَّم بِالْكَلِمَةِ لَا يقطع بهَا ذنبَ عنز مَصُور لَو بَلغتْ إِمَامه سَفكَت دمَهُ. وَقَالَ. مَا قَرَأت كتابَ رجل قطُّ إِلَّا عرفتُ عَقْلَهَ فِيهِ. وخطب فَقَالَ: استوصُوا بِثَلَاثَة مِنْكُم خيرا: الشريف، والعالم، وَالشَّيْخ، فوَاللَّه لَا يأتيني شَريفٌ يستخفُّ بِهِ إِلَّا انْتقمتُ مِنْهُ، وَلَا يأتيني شيخٌ بشاب استخف بِهِ إِلَّا أوجعتُه، وَلَا يأتيني عالمٌ بجاهل استخف بِهِ إِلَّا نكلتُ بِهِ. قيل لزياد: مَا الحظُّ؟ قَالَ: منْ طالَ من عُمُرهُ، وَرَأى فِي عَدوِّه مَا يَسُرهُ فَهُوَ ذُو حظٍّ. وَكَانَ يَقُول: هُما طَرِيقَانِ للعَامة: الطاعةُ، والسيفُ. وَكَانَ المغيرةُ بن شُعبة يَقُول: لَا وَالله حَتَّى يُحمَلْوا على سَبْعُونَ طَرِيقا قبلَ السَّيْف. قَالَ رجلٌ لِلْحسنِ بن أبي الْحسن: أَلا أحَدِّثُك بِخطْبَة زِيَاد حِين دخَل العراقَ، وخطبة الْحجَّاج حِين قدمَ البصرةَ. أما زيادٌ فَحَمدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: إِن مُعَاوِيَة غيرُ مخوف على قومه، وَلم يكُنْ ليْلْحِق. بِنَسبه مَنْ لَيْسَ منهُ. وَقد شَهدتِ الشُّهودُ بِمَا قَد بَلغَكُم، والحقُّ أحَقُّ أَن يُتَّبعَ. واللهُ حيثُ وضعَ البيِّنات كَانَ أعلمَ. وَقد رَحلتُ عَنْكُم وَأَنا أعرفُ صديقي من عدوي وَقَدْ قدمت عَلَيْكُم وَقَدْ صَار الْعَدو صديقا

стр. 936

مناصحاً وَالصديق عدُوا مُكاشحاً، فَاشْتَمَلَ كلُّ امْرِئ على مَا فِي صدرِه، وَلَا يكونَنَّ لسانُه شفْرةً تجْرِي على ودَجِه وليعلم أحدُكم إِذا خلا بنفْسه أَنِّي قد حملتُ سَيفي بِيَدِهِ، فإنْ شَهرهُ لم أغُمدْهُ، وإنْ أغُمَدهُ لم أشْهره. ثمَّ نزل. وَأما الحجاجُ فَقَالَ: مَن أعياه داؤهُ فعلينا دوَاؤه، وَمن استَعجَل إِلَى أَجله فعلينَا أنْ نُعجلَه. أَلا إِن الحزْمَ والجِد استلَبا مني سَوطِيَ، وَجعلا سَوْطِي سَيفي، فنجادُهُ فِي عنقِي وقائِمُه بيَدي، وذُبَابُه قِلادةٌ لمن اغترني. فَقَالَ الحَسنُ: البؤسُ لَهما. مَا أغرهما بربِّهما ﴿﴾ ؟ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمِّنْ يعُتبُر بهما. قَالَ بعضهُم: مَا رأيتُ زياداً كاسِراً إِحْدَى عينْيِه، وَاضِعا إحْدى زِجْليه على الْأُخْرَى، يخاطِبُ رجلا إِلَّا رحِمْتُ المخاطبَ. قَالَ عُبْيدُ الله بنُ زِيَاد: نِعم الشيءْ الإمارةُ لَوْلَا قَعْقَعةُ البَريد، وتَشرفُ المنبرِ. تَذَاكُروا عِنْد يزيدَ الْبَصْرَة والكوفَة، فَقَالَ زيادٌ: لَو ضلِّت البصرةُ جعلتُ الْكُوفَة لمن دَلِّني عَلَيْهَا. سمع زيادٌ رجلا يُسبُّ الزَّمَان: فَقَالَ: لَو كَانَ يدْري: مَا الزمانُ. لضربتُ عُنقَه. إِن الزَّمَان هُوَ السُّلطانُ. قالب زيادٌ لحاجبه: يَا عجلانُ، إِنِّي ولُيتُك هَذَا الْبَاب، وعزلْتُكَ عَن أَرْبَعَة: عزلتُك عَن هَذَا الْمُنَادِي إِذا دَعَا للصَّلَاة، وفلا سَبِيل لَك عَلَيْهِ، وَعَن طَارق اللَّيْل، فشر مَا جَاءَ بِهِ. وَلَو جَاءَ بِخَير مَا كنتَ من حَاجبه. وَعَن رَسُول صَاحب الثغر، فَإِن إبطاء سَاعَة يُفسد تدبيرَ سنة فَأدْخلهُ على وَإِن كنتُ فِي لِحَافي. وَعَن هَذَا الطباخ إِذا فرغ من طَعَامه فَإِنَّهُ إِذا أُعِيد عَلَيْهِ التسخينُ فَسدَ. وَقَالَ يُعجُبني من الرجل إِذا سيمَ خُطة الضيم أَن يَقُول: لَا يملئ فِيهِ وَإِذا أَتَى نَادِي قومٍ عَلمَ أَيْن يَنْبَغِي لمثله أَن يجلسَ، فجلسَ. وَإِذا ركب دَابَّة حمَلها على مَا يُحب، وَلم يَتبعْها إِلَى مَا يكرَهُ.

стр. 937

وَكَانَ حارثةٌ بنُ بدر الغُدَاني قد غلبَ على زِيَاد - وَكَانَ الشَّرَاب قد غلب عَليه - فَقيل لزياد: إِن هَذَا قد غلب عَلَيْك وَهُوَ مُستهترٌ بِالشرابِ فَقَالَ زِيَاد: كَيفَ بأطراح رجل هُوَ يُسايُرني؟ قد دخلت عَلَيْهِ الْعرَاق، فَلم يصك ركابي ركاباه وَمَا راكبني قطّ فَسَمت ركبتي ركبتُه وَلَا تقدمني فَنَظَرت إِلَى قَفاهُ، وَلَا تأخًّر عني فلويتُ عُنقي إِلَيْهِ، وَلَا أَخذ عَليّ الشمسَ فِي شتاءٍ قطّ، وَلَا الرَّوْح فِي صيف قطّ، وَلَا سألْتُه عَن علْمٍ إِلَّا ظنتُه لم يُحسن غيرَه. فَلَمَّا مَاتَ زِيَاد جفاهُ عبيد الله، فَقَالَ لَهُ حارثةُ: أَيهَا الأميرُ. مَا هَذَا الجَفاءُ. مَعَ معرفتك بإحلال عِنْد أبي المُغيرة؟ فَقَالَ لَهُ عُبيدُ الله: إِن أَبَا الْمُغيرَة كَانَ قد برع بُروعاً لَا يلحقُه معَهُ وَأَنا حَدَثٌ، وَإِنَّمَا أُنَسبُ إِلَى مَن تغلَّب علىَّ، وَأَنت رجلٌ تُديم الشَّرَاب، فَمَتَى قرَّبتُك، فظهرت رائحةُ الشَّرَاب مِنْك لم آمَن أَن يُظن بِي. فدع النَّبِيذ، وكُن أول دَاخل، وَآخر خَارج. فَقَالَ لَهُ حارثةُ: أَنا لَا أدَعُه لمن يملكُ ضري ونفعي. أفأدعُه للْحَال عنْدك؟ قَالَ: فاختر من عَمَلي مَا شِئْت. قَالَ: تُولِّيني رامهرمز فَإِنَّهَا أرضٌ عَذِيَة وسُرَّق وإنَّ بهَا شرابًا وصف لي عَنهُ فولاه إياهُ. وَفِيه قيل: أحُارِ بن بدر قد وَليت ولَايَة فكُن جُرذاً فِيهَا تَخُونُ وتَسْرِقُ. وَقَالَ زِيَاد: كفى بالبخيل عاراً أَن أُسَمِّهِ لم يَقع فِي حَمد قطٌّ، وَكفى بالجواد مجداً أَن اسمَه لم يَقع فِي ذمّ قطّ. وَكَانَ عبيدُ الله بن زِيَاد قد لج فِي طلب الْخَوَارِج، وحَبْسهم، وقتلهم، فكُلِّم

стр. 938

فِي بَعضهم فَأبى وَقَالَ: أقمَعُ النِّفَاق قبْل أَن يُنجِمَ الكلامُ هولاً أسْرع إِلَى الْقُلُوب من النَّار إِلَى اليراع. وَقَالَ زيادٌ: المْحظُوظُ المغبوطُ. مَن طَال عمرُه، ورأي فِي عدوه مَا يُسرهُّ. وَقَالَ: مِلاكُ السُّلْطَان الشدةُ عل المُريب واللين للمُحْسن، والوفاءُ بالعهد، وصدقُ الحَدِيث. وَقَالَ عبيدُ الله بنُ زِيَاد: نعم الشَّيْء الإمارةُ لَوْلَا قعْقعَةُ الْبَرِيد، والتشرُّفُ للخُطب. وخطب بِالْبَصْرَةِ بعدَ موْت يزِيد فَقَالَ: يَا أهل الْبَصْرَة. انُسبوني، وَالله مَا مُهاجَرُ أبي إِلَّا إِلَيْكُم، وَمَا مَوْلدي إِلَّا فِيكُم، وَمَا أَنا إِلَّا رجلٌ مِنْكُم. وَالله لقد وَليَكُم أبي ومَا مُقاتِلتُكم إِلَّا أَرْبَعُونَ ألفا. وَلَقَد بَلغ بهَا ثَمَانِينَ ألفا. وَمَا ذُرِّيتُكُم إِلَّا ثَمَانُون ألفا. وَقد بلغ بهَا عشْرين وَمِائَة ألف. وَأَنْتُم أوسعُ النَّاس جِلادا، وأبعدُه مَقاداً، وَأَكْثَره جُنُودا، وأغنى النَّاس عَن النَّاس. انْظُرُوا رجُلاً تُولُّونه أمركمُ، يكُفُّ سُفهاءَكم، ويَجبْي فيْئكم، ويقسمُهُ بَيْنكُم، فَإِنَّمَا أَنا رجلٌ مِنْكُم. فَلَمَّا أبَوْا عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي أخافُ أَن يكون الَّذِي يَدْعوكُم إِلَى تأميري حداثةُ عهدٍ بأمْري. وَقَالَ زِيَاد: مَا أتيْتُ قطُّ مَجْلِسا إِلَّا تركتُ مَا لَو أخذتُه لَكَانَ لي. وترْكُ مَالِي أحَبُّ إِلَيّ من أَخذ مَا ليْس لي. وَقَالَ: مَا قرأتُ مثل كُتُب الرّبيع بن زِيَاد الْحَارِثِيّ؟ مَا كتب إِلَى كتابا إِلَّا فِي احتواء مَنْفَعَة، أَو دَفع مضرَّة، وَلَا كَانَ فِي موْكب قطُّ فَتقدم عنانُ من دَابَّته عنانَ دَابَّتي، وَلَا مست رُكبتُهُ رُكبتي، وَلَا شاورتُ إنْسَانا قد. فِي أَمر إِلَّا سبقهُ إِلَيّ بِالرَّأْيِ. لما بنى عُبيدُ الله بنُ زِيَاد البَيْضاءَ كتب رجلٌ على بَابهَا: شَيْء ونصفُ شي، وَلَا شَيْء: الشيءُ: مجهدان، ونصفُ شيءٍ: هد شَيْء أشما، وَلَا شَيْء: عبيْد الله بن زِيَاد فَقَالَ عُبيدُ الله: اكتُبوا إِلَى جنبه: لَوْلَا الَّذِي زعمْت أَنه لَا شَيْء، لما كَانَ ذَلِك الشيءُ شَيْئا وَلَا ذَاك النِّصفُ نصفا. وَلما وردَ الحارثُ بنُ قيس الجَهضمي بعبيد الله بن زِيَاد مَنزل مسْعود بن

стр. 939

عَمْرو العَتكي من غير إِذن، وَأَرَادَ مسعودٌ إِخْرَاجه عَن منزله - قَالَ عبيدُ الله. قد أجَارتني ابنةُ عمِّك عَلَيْك، وعقدُها العقدُ الَّذِي لَا يُحَلّ، ويلزُمك وَهَذَا ثوبها عَليّ، وطعامُها فِي مَدَاخري وَقد ألْتَفَّ عَليّ منزلُها. وَشهد لهُ الحارثُ بذلك. وأشارُوا مَرةً على عبيد الله بالحقنّة فتفحشها، فَقَالُوا: إِنَّمَا يتولاها الطبيبُ. قَالَ: أَنا بالصاحب آنس. وَقَالَ زِيَاد: لَا يغُرنك من الْجَاهِل كثرةُ الالتفاف، وسرعةُ الْجَواب. قدم رجلٌ إِلَى زِيَاد، فأمرَ بضرْبه بالسياط، فَقَالَ: أسأَلُك بِحَق عُبَيد قَالَ: دَعوه إِلَّا يكُن والداً فقد كَانَ أَبَا. قدم زِيَاد فَخَطب خُطبةً أعجبت مَن حضرهُ، فَقَالَ عَمْرُو بنُ الْعَاصِ: للهِ أَبُو هَذَا ﴿﴾ لَو كَانَ قُرشيا لساق الْعَرَب بعصَاه. قَالَ أَبُو سُفيان: أمَا وَالله إِنِّي لأعرفُ أَبَاهُ، وَالَّذِي وضعَهُ فِي رحم أمِّه. فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇: مَه يَا أَبَا سُفْيَان، فَإنَّك تعلم أَن عمَر إِلَيْك بالمساءَة سريعٌ. فَلَمَّا كَانَ زمنُ عَليّ ﵇، وَولي زيادٌ فارسَ تأوي إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ كَمَا تأوي الطير إِلَّا وُكُورها، وأيْمُ الله، إِنَّه لَوْلَا انتظاري بك مَا الله أعلم بِهِ، ولقلت كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بجنودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بهَا ولنُخرْجَنَّهم مِنْهَا أَذِلَّة وهُمْ صاغرون. وَكتب فِي أسْفل كِتَابه شعرًا يَقُول فِيهِ: تَنْسَى أَبَاك وَقد خفَّتْ نعامتُه ... إِذا تخطبُ الناسَ والوَالي لنا عُمَرُ فَقَامَ زِيَاد فَخَطب، ثمَّ قَالَ: والعَجَبُ كُل العَجب أَن ابْن آكِلَة الأكباد، وَرَأس النِّفاق يُهددني وبيني وَبَينه ابنُ عمِّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله، وزوجُ سيِّدة نساءِ الْعَالمين، وَأَبُو السِّبْطين، وصاحبُ الوَلاء والمنزلة والإخاء: أمَا وَالله لَو يَأذنُ لي فِيهِ لوجَدني أحُمرَ مِحَشًّا ضَرْوباً بِالسَّيْفِ

стр. 940

قَالَ: وَكتب إِلَى عَليّ ﵇ بِمَا كتب إِلَى معاويةُ، فَكتب إِلَيْهِ عَليّ ﵇. أما بعد فَإِنِّي وَليتك مَا وليتُك، وَأَنا أَرَاك لذَلِك أهْلاً. وَإنَّهُ قد كَانَت من أبي سُفيان فلتةٌ لزمان عُمر من أماني التيه. وَكذب الْيَقِين لم تستوجبْ بهَا مِيرَاثا، وَلم يسْتَحق بهَا نسبا. وَإِن مُعَاوِيَة يَأْتِي الرجل منْ بَين يَدَيْهِ من خَلفه، وَعَن يَمِينه وَعَن شِمَاله كالشيطان الرَّجِيم. فاحذَرْه ثمَّ احذرْه. والسلامُ. فَلَمَّا كَانَ زمنُ مُعَاوِيَة، وَقدم عَلَيْهِ زيادٌ جمعَ مُعاوية النَّاس، وَصعد الْمِنْبَر، وأصعدَ زياداً مَعَه، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا الناسُ، إِنِّي قد عرفتُ شَبَهنا أهْلَ الْبَيْت فِي زِيَاد. فمَن كَانَت عِنْده شهادةٌ فليَقُمْ بهَا. فَقَامَ الناسُ، فشهدُوا أَنه ابنُ أبي سُفيان، وَأقر بِهِ قبل مَوته. ثمَّ قَامَ أَبُو مَرْيَم السلُولي - وَكَانَ خَماراً فِي الْجَاهِلِيَّة - فَقَالَ: أشْهدُ - يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ - أَن أَبَا سُفْيَان قدم علينا الطائفَ، فأناني فاشتريتُ لَهُ لَحْمًا، وخمراً، وَطَعَامًا. فَلَمَّا أكل قَالَ: يَا أَبَا مَرْيَم، أصبْ لنا بغياً. فخرجتُ أتيتُ سُمية فقلتُ لَهَا: إِن أَبَا سُفْيَان مَنْ قد عرفت شرفَه وحاله. وَقد أَمرنِي أنْ أُصِيب لَهُ بغياً، فَقَالَت لي: نعم يجيءُ الْآن عُبيدٌ من قبَلِ غنمه - وَكَانَ رَاعيا - فَإِذا تعشى، وَوضع رأسَه أتيتُه فرجعتُ إِلَى أبي سُفْيَان فأعلمتُه. فَلم تلبثُ أَن جَاءَت تجُرُّ ذيلَهَا، فَدخلت مَعَه، فَلم تزلْ عِنْده حَتَّى أصبحتْ فقلتُ لما انصرفتْ: كيفَ رأيتَ صَاحبتَك؟ فَقَالَ: خَيْر صَاحب لَوْلَا دَفرٌ فِي إبطَيْها. فَقَالَ زِيَاد منْ فَوق الْمِنْبَر: مَهُ يَا أباَ مريْمَ: لَا تشتمْ أُمَّهَات الرجالِ فتُشتَمَ أمكَ. ثمَّ قَامَ زِيَاد، وأنْصت الناسُ، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا الناسُ: إِن مُعَاوِيَة والشهودَ قد قَالُوا مَا سمعتُم، ولستُ أَدْرِي حق هَذَا منْ باطله، وَهُوَ

стр. 941

والشهودُ أعلمُ بِمَا قَالُوا: وَإِنَّمَا عبيدٌ أبٌ مبْرورٌ أَو والدٌ مشكور. ثمَّ نزل. وَقَالَ الشّعبِيّ: قَدم زيادٌ الكوفةَ فدنوْتُ من الْمِنْبَر لأسمعَ كلامَه فَلم أرَ أحدا يتكلمُ فيُحسن إِلَّا تمنيت أنْ يسكتَ مخافةَ أَن يُسيءَ غيرَ زِيَاد، فإنَّه كَانَ لَا يزدَادُ إكثاراً إِلَّا ازدادَ إحساناً. فَقَالَ بعد أَن حمدَ الله: إِن هَذَا الأمرَ أَتَانِي وَأَنا بِالْبَصْرَةِ، فأردتُ أَن أخُرجَ إِلَيْكُم فِي أَلفَيْنِ مِنْ شُرطِها. ثمَّ ذكرتُ أَنكُمْ أهلُ حقٍّ، وَأَن الحقّ طالما دَفعَ الباطلَ. فخرجتْ إِلَيْكُم أهل بَيْتِي. فَالْحَمْد لله الَّذِي رفع منَّا مَا وضع الناسُ، وَحفظ منا مَا ضيعوا. أَيهَا النَّاس: إِنَّا سُسنا وساسَنا السائسون، وجَرَّبْنا، وجربَنا المجَرِّبون، فَوَجَدنَا هَذَا الأمرَ لَا يُصلحُنه إِلَى شدّة من غير عُنف، ولينٌ فِي غير ضعف، فَلَا أعلمَنَّ أنَّا أغلقْنا بَابا ففتحتُموه، وَلَا حللْنا عَقْدا فشدَدتُموه. وَإِنِّي لَا أعدُكم خيرا وَلَا شرا إِلَّا وفيتُ بِهِ، فَإِذا تعلقتُم على بكذبة فَلَا ولَايَة لي عَلَيْكُم. وَإِنِّي آمُرُكم بِمَا آمُرُ بِهِ نَفسِي وَأَهلي فمَنْ حَال دون أَمْرِي ضربتُ عُنُقه. أَلا وَأَنِّي لَا أهْتكُ لأحد مِنْكُم سِتْراً، وَلَا أطلع منْ وَرَاء بَاب، وَلَا أقيلُ أحدا مِنْكُم عَثْرةً. قَالَ: فحَصبْوه من كل جَانب فجلَس على الْمِنْبَر حَتَّى سكتُوا وأمسكوا ثُم نَادَى الشَّرْط، فَأخذُوا بِأَبْوَاب الْمَسْجِد، وَألقى كُرسياً على بعض الْأَبْوَاب ثمَّ عَرضَ الناسَ أَرْبَعَة أَرْبَعَة يستحلفهُم، فَمن حلف أَنه لم يحصبه تَركه، وَمن أَبى حبَسَه. قَالَ: فَقطع يَوْمئِذٍ أَيدي ثَمَانِينَ إنْسَانا ممنْ لم يحلف. فَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أوعدَ عمرُ بنُ الْخطاب فُعوفي وأوعدَ زيادٌ فابتُلي وَقَالَ أَيْضا: تشبه زيادٌ بعمرَ فأفْرط، وتشبه الْحجَّاج بِزِيَاد فأهْلك الناسَ. قَالَ زيادٌ لِابْنِهِ: إِذا دخلْتَ على السُّلْطان فادعُ لَهُ، ثمَّ اصفح عَنهُ صفْحاً جميلاً. وَلَا يَرينَّ فِيك تهالُكاً عَلَيْهِ وَلَا انقباضاً مِنْهُ.

стр. 942

وَسمع رجلا يَدْعُو عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُول: اللهمَّ اعزلْ عَنَّا زيادا. فَقَالَ لَهُ: قل، وأبْدلْنا بِهِ خيرا مِنْهُ. وَقَالَ لِابْنِهِ عبيد الله عِنْد مَوته: لَا تدنِّس عرضْك، وَلَا تَبْذُلَّن وَجهك، وَلَا تُخْلقن جدتك بِالطَّلَبِ إِلَى مَنْ ردك كَانَ ردُّه عليْكَ، وإنْ قضَى، حاجتَك جعلَها عليْك مَنًّا. فَاحْتمل الفقرَ بالتنزُّه عَمَّا فِي يَد غَيْرك، والزم القناعةَ بِمَا قُسم لَك، فَإِن سُوء حمل الْفقر يَضعُ الشريف، ويُخْملُ الذِّكْر، ويُوجبُ الحرمانَ. قَالَ زِيَاد: يُعجُبني من الرجل إِذا أَتَى مَجْلِسا أنْ يعلمَ أيْنَ مكانُهُ منْه فَلَا يتعداه إِلَى غَيره، وَإِذا سيمَ خُطةَ خسف أنْ يَقُول: لَا، بملء فِيهِ.

стр. 943

الْبَاب الثَّانِي كَلَام الْحجَّاج خطب فَقَالَ: أَيهَا الناسُ. من أعْياه داؤه فعنْدي دَواؤه، وَمن اسْتبط أَجله، فعلى أنْ أعجِّله. ومَنْ ثَقْلَ عَلَيْهِ رأسُه وضَعْتُ عَنهُ ثِقلَه، وَمن استطال ماضي عمره قصرْتُ عَلَيْهِ باقيَهُ: إنّ للشيطانِ طيفاً، وللسُّلطان سَيْفاً، فَمن سَقمتُ سريرَتُه صحت عقوبتُه، ومَن وضعَه ذنُبه رفعهُ صَلُبه، ومَن لم تسَعْهُ العافيةُ لم تضق عَنهُ الهلكةُ. وَمن سبقتهُ بادرةُ فَمه سَبقَ بدنَهُ بسفك دَمه. إِنِّي أنذرُ ثمَّ لَا أنظرُ، وأحذِّر ثمَّ لَا أعْذِر، وأتوعَّد ثمَّ لَا أغْفِر. إِنَّمَا أفْسدكُم تَرْنيقُ ولانكمُ. ومَنْ استرخى لببُه سَاءَ أدبُه. إِن الحزم والعزم سلباً مني سَوْطِي، وأبدلاني بِهِ سَيفي، فقائمهُ فِي يَدي ونِجَادُه فِي عنقِي، وذُبابُه قلادةٌ لمَنْ عَصَانِي. وَالله لَا آمُر أحَدكم أَن يخرج من بَاب من أَبْوَاب الْمَسْجِد، فيخْرجَ من الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ إلاّ ضربتُ عُنُقه. وخبط لما أَرَادَ الْحَج، فَقَالَ: أَيهَا الناسُ. إِنِّي أريدُ الحجَّ، وَقد استخْلفتُ عَلَيْكُم ابْني. وأوصيتُه بخلافِ وَصِيَّة النَّبِي ﷺ فِي الْأَنْصَار، فإنَّه أمرَ أَن يُقبلَ منْ مُحسنهم، ويُتجَاوز عَن مُسيئهم: أَلا وَإِنِّي أوصيتُه أَلا يقبل من مُحسنكم، وَلَا يتَجَاوَز عَن مُسيئكم. أَلا وإنكُم سَتقولُون بعّدي: لَا أحْسن الله لَهُ الصِّحابة. أَلا

стр. 944

وَإِنِّي مُعجِّلٌ لكم: لَا أحْسنَ الله عليكُم الخلافةَ. وَقَالَ الحجاجُ لأنس بن مَالك حِين دخل إِلَيْهِ فِي شأْن ابْنه عُبيد الله وَكَانَ خرج مَعَ ابْن الأشَعث - لَا مرْحَبًا وَلَا أهْلاً. لَعنه الله عَلَيْك منْ شيخ جَوَّالٍ فِي الْفِتَن، مرّة مَعَ أبي تُراب، وَمرَّة مَعَ ابْن الْأَشْعَث. وَالله لأقْلعنك قلْع الصمغة ولأعصبنّك عَصب السَّلَمة، ولأجردنَك جردَ الضبِّ. قَالَ أنسُ: مَنْ يَعْنِي الأميرُ؟ قَالَ: إياك أعْني. أحمَّ اللهُ مَدَاك. فَكتب أنس بذلك إِلَى عبد الْملك، فَكتب عبدُ الْملك إِلَى الْحجَّاج يَا بن المستفرمة بعَجم الزَّبِيب. لقد هممتُ بِأَن أرْكُلك ركْلةً تهوى مِنْهَا إِلَى نَار جَهنَّم. قَاتلك الله أخْيفش الْعَينَيْنِ، أصَكَ الرجلَيْن أسود الجاعرَتين. وخطب الْحجَّاج يَوْمًا فَقَالَ فِي خطبَته: وَالله مَا بَقِي من الدُّنْيَا إِلَّا مثلُ مَا مَضى، وَلَهو أشبهُ بِهِ من المَاء بِالْمَاءِ. وَالله مَا أحبُّ أنَّ مَا مضى من الدُّنْيَا لي بعمامتي هَذِه. وَقَالَ على الْمِنْبَر يَوْمًا: وَالله لألحونكم لحوَ العصَا، ولأعصبنَّكُم عصب السَّلمة، ولأضْربنكم ضرب غرائب الْإِبِل. يأهل الْعرَاق، يَا أهل الشِّقاق والنِّفاق، ومساوي الْأَخْلَاق. إِنِّي سمعتُ لكم تَكْبِيرا لَيْسَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يُراد بِهِ اللهُ فِي التَّرْغِيب، وَلكنه التكبيرُ الَّذِي يُراد بِهِ الترهيبُ. وَقد عرفْنا أَنَّهَا عجَاجةٌ تحتهَا قصْفٌ. أَي بَني اللكيعة، وعبيدَ الْعَصَا، وأبناءَ الْإِمَاء. إِنَّمَا مَثلى ومثلكم مَا قَالَ ابنُ براقة الهمدَاني: وَكنت إِذا قومٌ غزوْني غزوتهم ... فَهَل أَنا فِي ذَا يَالَ هَمدَان ظالمُ؟

стр. 945

مَتى تجمع الْقلب الذكي وصارماً ... وأنْفاً حميا تجتنْبك المظالمُ أما وَالله لَا تقْرعُ عَصاً عَصا إِلَّا جعلتُها كأمس الذَّاهب. قَالَ مالكُ بن دِينَار: رُبَّما سَمِعت الْحجَّاج يذكُر مَا صنع بِهِ أهلُ الْعرَاق، وَمَا صنَع بهم، فيقعُ فِي نَفسِي أَنه يظْلمُونه لبيانه، وَحسن تخلُّصه للحُجَج. وخطبَ الْحجَّاج مرّة فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي الغي غياً فأجتنبَه، وَأَرِنِي الهُدي هدى فَأتبعهُ، وَلَا تكلْني إِلَى نفْسي فأضل ضلالا بَعيدا. وَالله مَا أحب أَن مَا مضى من الدُّنْيَا بعمامتي هَذِه، وَلما بَقِي مِنْهَا أشْبهُ بِمَا مضى من المَاء بِالْمَاءِ وخطب بعد دَير الجَماجم فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق. إِن الشَّيْطَان قد استبطنكم فخالط. اللحمَ والدمَ والعصب والمسامع، والأطراف، والأعضاء، والشغاف، ثمَّ أفْضى إِلَى الأمخاخ والأصْماخ، ثمَّ ارْتَفع فعَشش، ثمَّ باض ففرخ، فحشاكم نفَاقًا وشقاقاً، وأشعركم خِلَافه. اتخذتموهُ دَلِيلا تتبعُونه، وَقَائِدًا تُطيعونه، ومؤآمِراً تستشيرونه. فَكيف تنفعكُم تجربةٌ، أَو تعظكم وقعةٌ، أَو يحجزُكم إسلامٌ، أَو ينفعكم بَيَان؟ ألستُم أَصْحَابِي بالأهواز حَيْثُ رُمتم المكَر، وسعيتُم بالغدر، واستجمعتُم للكُفْر. وظننْتُم أَن الله يخذُلُ دينه وخلافته، وَأَنا أرمْيكُم بطرْفي، وَأَنْتُم تتسللُون لوَاذاً، وتنهزمون سِرَاعاً؟ ثمَّ يَوْم الزاوية، وَمَا يومُ الزّاوية ﴿﴾ بهَا كَانَ فشَلكم وتنازعكُمُ وتخاذُلكم وتجادُلكم، وبراءةُ الله مِنْكُم، ونكوص وَلِيكُم عَنْكُم، إذْ وليتُم كَالْإِبِلِ الشوارد إِلَى أوطانها، النوازع إِلَى أعطانها. لَا يسألُ المرءُ عَن أَخِيه، وَلَا يلوي الشيخُ على بَنيه، حِين عضكم السلاحُ، ووقصتْكم الرِّماحُ.

стр. 946

ثمَّ دَير الجماجم، وَمَا ديُر الجمَاجم ﴿﴾ بهَا كَانَت المعارك والملاحمُ، بِضَرْب يُزيلُ الْهَام عَن مَقيله، ويْذْهل الْخَيل عَن خَلِيله. يَا أهل الْعرَاق. الكَفَرات بعد الفَجرات، والغَدرات بعد الخَتَرات، والنزْوة بعد النزوات ﴿﴾ إنْ بعثتكُم إِلَى ثُغوركم غلْلُتم وجَبْنتم، وَإِن أمنْتُم أرْجفْتم، وإنْ خِفْتُمْ نافقْتُم لَا تتذكرون حَسَنَة، وَلَا تشكرون نعْمَة. هَل استخفّكُم ناكثٌ أَو استغواكم غاو؟ أَو استفزكم عَاص، أَو استَنْصركم ظَالِم، أَو استعْضَدَ بكم خَالع إِلَّا تبعتُموه، وآويتموه ونصرتموه وزكّيتموه؟ يَا أهلَ الْعرَاق، هَل شغَبَ شاغب، أَو نعب ناعبٌ، أَو زفر كاذبٌ إِلَّا كنتُم أتباعَه وأنْصَاره؟ يَا أهل العراقِ، أَو لم تنهكُم المواعظُ، وَلم تزْجركم الوقائعُ؟ ثمَّ الْتفت إِلَى أهلِ الشَّام فَقَالَ: يَا أهل الشَّام: إِنَّمَا أَنا لكم كالظَّليم الرامح عَن فِراخه ينْفي عَنْهَا القَذَرَ، ويباعد عَنْهَا الحجرَ، ويَكنُّها من الْمَطَر ويحميها من الضِّباب، ويحرسُها من الذِّئاب. يَا أهل الشَّام، أنتُم الجُنة والرِّداء، وَأَنْتُم العُدّة والحذاءُ. هَذِه خطْبَة أُخْرَى قَالَ مالكُ بنُ دِينَار: غدَوتُ إِلَى الْجُمُعَة، فَجَلَست قَرِيبا من الْمِنْبَر، فصَعد الحجاجُ ثمَّ قَالَ: امْرُؤ زوَّر عملهُ، وامُرؤ حاسب نفْسَه، امْرُؤ فكر فِيمَا يَقْرَؤُهُ غَدا فِي صَحيفته، وَيَرَاهُ فِي مِيزَانه. امُرؤُ كَانَ عِنْد قلبه زاجرٌ، وَعند همه أمرٌ، أخذٌ بعنان قلبه كَمَا يأْخُذُ الرجل بخِطام. جَمَله، فَإِن قادهُ إِلَى طَاعَة الله تبعه، وَإِن قادَهُ إِلَى مَعْصِيّة الله كَفه. وَكَانَ يَقُول: إِنَّا وَالله مَا خُلقنا للفناء، وَإِنَّمَا خُلقنا للبقاء، وَلَكِن نُنقل من دَار إِلَى دَار. وخطب يَوْمًا فَقَالَ إِن الله أمَرنا بِطَلَب الْآخِرَة. وكفانا مئُونة الدُّنْيَا، فليتنا كُفينا مُونة الْآخِرَة، وأمِرْنا بِطَلَب الدُّنْيَا. فَقَالَ حسن: ضَالَّة الْمُؤمن خرجت من قلب الْمُنَافِق.

стр. 947

وأهدي إِلَى عبد الْملك فرسا وَبغلة وَكتب إِلَيْهِ: وجهتُ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فرسا سهل الخدِّ، حسن القدِّ، يسبقُ الطّرف، ويستغرقُ الْوَصْف وَبغلة هَواهَا زمامُها وسوطُها. وَكَانَ يَقُول: الْعَفو عَن المُقرِّ لَا عَن المُصر. وَقَالَ: الكوفةُ امْرَأَة حسناءُ عَاطل، والبصرةُ عجوزٌ درداء، قد أُوتيت من كل شَيْء. وَقَالَ بَعضهم، سمعتُ الْحجَّاج يَقُول - وَقد أذن فَلم تَجْتَمِع إِلَيْهِ النَّاس -: يُدعى: حَيّ على الصَّلَاة، فَلَا تُجيبون. أمَا وَالله لَو دُعي: حَيّ على أَرْبَعَة دراهمَ لغص الْمَسْجِد بأَهْله. وَقَالَ ابنُ الكلْبيِّ عَن أَبِيه: قاتِل الحُسَين ﵇ قد دخل إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ: أَنْت قتلت حُسيناً؟ فَقَالَ: نعم قَالَ: وَكَيف قتلتهُ؟ قَالَ: دَسَرْتُه بِالرُّمْحِ دَسْراً، وهبَرتُه بِالسَّيْفِ هبراً، ووكلتُ رأسَه إِلَى امرئٍ غير وكد. فَقَالَ الحجاجُ: وَالله لَا تجتمعان فِي الجَنة أبدا. فخرجَ أهلُ الْعرَاق يقولُون: صدَق الأميرُ. لَا يجتمعُ - وَالله - ابْن رَسُول وقاتله فِي الْجنَّة أبدا. وَخرج أهلُ الشَّام يَقُولُونَ: صدَق الْأَمِير. وَلَا يجْتَمع مَن شقّ عَصا الْمُسلمين، وَخَالف أميرَ الْمُؤمنِينَ، وقاتلهُ فِي طَاعَة الله - فِي الْجنَّة أبَداً. وَقَالَ يَوْمًا على الْمِنْبَر: يَقُول سليمانُ: ربّ اغفرْ لي وَهبْ لي مُلكاً لَا ينبَغي لأحد من بعدِي إِن كَانَ لَحَوداً. وَكتب إِلَى عبد الْملك كتابا يَقُول فِيهِ: كنتُ أَقرَأ فِي الصُحف، فانتهيتُ إِلَى قَوْله الله عزّم وَجل: فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعمَ اللهُ عَلَيْهِم من النَّبِيين والصِّدِّيقين والشُّهدَاء وَالصَّالِحِينَ فأردتُ أَن أزيدَ فِيهَا: وَالْخُلَفَاء قَالَ. فَجعل عبد الْملك يَقُول: مَا للحجاج ﴿﴾ قاتلهُ اللهُ. وَقَالَ لَهُ بعضُ وُلَاة الْحجاز: إِن رَأْي أميرُ الْمُؤمنِينَ أَن يستهديني مَا شاءَ فليَفعل.

стр. 948

قَالَ: أستهديك بغلة على شَرْطي. قَالَ: وَمَا شَرْطُك؟ قَالَ: بغلةٌ قصير شعْرُها، طويلٌ عِنانُها، همُّها أمامَها، وسوطُها لجامُها، تستبينُ فِيهَا العلفة، وَلَا تهزلها الرّكْبَة. وَقَالَ يَوْمًا لجلسائه: مَا يُذهبُ الإعياءَ؟ فَقَالَ بَعضهم: التمرُ. وَقَالَ آخر: التمزح وَقَالَ آخر: النومُ. قَالَ: لَا، وَلَكِن قضاءُ الْحَاجة الَّتِي أعْيَا بِسَبَبِهَا. أَتَى بدواب لِابْنِ الْأَشْعَث، فَإِذا سماتُها عدةٌ، فَوسَم تَحت ذَلِك للفرار. كتب الحجاجُ إِلَى قُتَيْبَة: لَا تهجنن بلاءَ أحد من جُندك وَإِن قل، فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك لم يرغب أحدٌ مِنْهُم فِي حُسْن البلاءِ. وأعْط الَّذِي يَأتيك بِمَا تكره صَادِقا مثل الَّذِي يأْتيك بِمَا تحبُّ كَاذِبًا، فَإنَّك إِن لم تفعل غرُّوك وَلم يأْتوك بِالْأَمر على وَجهه. واعلمْ أَنه لَيْسَ لمكذوبٍ رأيٌ، وَلَا فِي حسود، حِيلَة. وَقَالَ لكَاتبه: لَا تجعلن مَالِي عِنْد من لَا أَسْتَطِيع أَخذه مِنْهُ. قَالَ: ومَنْ لَا يَسْتَطِيع الأميرُ أَن يَأْخُذهُ مِنْهُ؟ قَالَ: المُفلس. وَكتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَيْهِ يأْمُره أَن يكْتب إِلَيْهِ بسيرته. فَكتب إِلَيْهِ: إِنِّي قد أيقظت رَأْيِي، وأنمت هواي، فأدنيت السيِّدَ المطاع فِي قومه، وَوليت الْحَرْب الحازمَ فِي أمره، وقلدت الْخراج الموفِّر لأمانته، وَقسمت لكل خصْم من نَفسِي قسْماً أعْطِيه حظاً منْ نَظَرِي، ولطيف عنايتي، وصرفت السَّيْف إِلَى النِطف. الْمُسِيء وَالثَّوَاب إِلَى المُحسن البريء، فخاف المُريب صولة الْعقَاب. وَتمسك المحسن بحظِّه من الثَّوَاب. وَقَالَ: لأطلبن الدنْيا طلب من لَا يَمُوت أبدا ولأنفقَنَّها كمَنْ لَا يعِيش أبدا. وخطب فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق: إِن الفتْنة تلْقح بالنجْوى، وتنبَح بالشكْوى، وتحْصدُ بِالسَّيْفِ. أمَا وَالله لقد أبغضتموني فَمَا تضرُّونني، وَلَئِن أحبَبْتموني مَا تنفعونني. وَمَا أَنا بالمُسْتوحش لعدَاوتكم، وَلَا المُسْتريح إِلَى مودتكم. زعمتم أَنِّي ساحرٌ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: وَلَا يفلح الساحرُ حَيْثُ أَتَى. وزعمتم أَنِّي أحسن الاسْمَ الأكبرَ. فلمَ تقاتلون من يعلم مَا لَا تعْلمون؟ ثمَّ الْتفت إِلَى أهل الشَّام، فَقَالَ: لأرواحُكم أطْيبُ منْ المسكِ، ولدنوُّكُم أنُس من الْوَلَد. وَمَا مثلكُم

стр. 949

إِلَّا كَمَا قَالَ أخُو ذُبيان. إِذا حاولتَ فِي أَسد فُجورا ... فَإِنِّي لستُ مِنْك وَلست منِّي هُمُ دِرْعِي الَّتِي استلاهتُ فِيهَا ... إِلَى يَوْم النِّار وهمْ مِجَنِّي ثمَّ قَالَ: يَا أهل الشَّام، بل أنتُم كَمَا قَالَ الله : وَلَقَد سبقتْ كلمتُنا لعبادِنا المُرْسلين. إنَّهمْ لَهُم المنصورون. قَالَ بعضُهمْ: رأيتُ الْحجَّاج وعنبسة بنَ سعيد واقفَيْن على دجْلة. فَأقبل الحجاجُ، وَقَالَ عنبسةُ، إِذا كنتَ فِي بلد يضعُفُ سلطانُه، فاخرجْ عَنهُ، فَإِن ضعْف السُّلْطَان أضرُّ على الرّعية منْ جُوده. وَكَانَ يقُول: خيرُ المعْروف مَا نعشتَ بِهِ عثرات الْكِرَام. وَمِمَّا كفَّره بِهِ الفقهاءُ قولهُ: والناسُ يطُوفونُ بِقَبْر رَسُول الله ﷺ ومنبره إِنَّمَا يطُوفُون بأعْوادٍ ورِمَّة. وَقَالَ يَوْمًا: وَالله إِن طَاعَتي أوجبُ من طَاعَة الله، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: " فتقُوا الله مَا استطعتُم فَجعل فِيهِ مثنويةً، وطاعتي لَا مثنوية فِيهَا. وَضرب رجلا فَقَالَ: اعتديت أيُّها الأميرُ. فَقَالَ: فَلَا عُدْوان إِلَّا على الظَّالِمين. وقف رجل لَهُ فَقَالَ: أصْلحَ اللهُ الأميرَ، جنى جَانٍ فِي الْحَيّ، فأُخذتُ بجريرته، وأسْقط عطائي. فَقَالَ: أمَا سَمِعت قَول الشَّاعِر: جانيك من يجني عَلَيْك وَقد ... تُعْدى الصِّحاحَ مباركُ الجرب ولُرب مأْخوذ بذنب صديقه ... وَنَجَا المُقارِفُ صاحبُ الذنبِ فَقَالَ الرجل: كتابُ الله أولى مَا اتّبع. قَالَ الله تَعَالَى: مَعاذَ الله أَن نأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا متاعَنا عِنْده. فَقَالَ الحجاجُ: صدقت. وأمَر بردِّ عطائه.

стр. 950

وَقيل لَهُ - وَقد احتُضر -: أَلا تَتُوبُ؟ فَقَالَ: إِن كَانَت مُسيئاً فليسَت هَذِه ساعةَ التَّوبة، وَإِن كنتُ مُحْسناً فليستْ سَاعَة الْفَزع. لما نصبَ المنجنيق على الكَعْبةِ جَاءَت نارٌ فأحرقتِ المنجنيقَ، وامتنعَ أَصْحَابه مِن الرّيّ، فَقَالَ الحجاجُ: إِن ذَلِك نَار القربان دلتْ على أَن فعلكم مُتقبَّل. وَقَالَ على الْمِنْبَر: اقطَعوا هَذِه الأنْفسَ فَإِنَّهَا اسْأَل شيءٍ إِذا أعطيتْ، وأعصي شيءٍ إِذا سُئِلت. فرحمَ الله امْرأ جعل لنَفسِهِ خطاماً وزماماً، فقادَها بخطامها إِلَى طَاعَة الله، وعطفها بزمامها عَن مَعصية الله، فَإِنِّي رَأَيْت الصبرَ عَن مَحَارمه أيسر من الصَّبْر على عَذَابه. وَكَانَ يَقُول: إنّ امْرأ أتتْ عَلَيْهِ ساعةٌ من عُمُره لم يذكر ربه، وَلم يستغْفر من ذَنبه، أَو يفكر فِي معَاده. لجديرٌ أنْ تطول حَسرته يومَ الْقِيَامَة. لما قتل الْحجَّاج عبدَ الله بن الزُّبير ارتجتْ مَكة بالبكاء، فأمرَ الْحجَّاج بِالنَّاسِ، فجمعُوا إِلَى الْمَسْجِد، ثمَّ صَعدّ المنبرَ، فَحَمدَ الله وأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أهل مَكَّة. بَلغنِي إكْباركم واستفْظاعُكم قتل ابْن الزُّبير. أَلا وَإِن ابْن الزبير، كَانَ منْ أخُيار هَذِه الْأمة، حَتَّى رغب فِي الْخلَافَة، وَنَازع فِيهَا أهْلها، فَخلع طَاعَة الله، واستكنَّ بحرَم الله. وَلَو كَانَ شيءٌ مَانِعا للعُصاة لمنعتْ آدمَ حُرْمَة الْجنَّة، لِأَن الله تَعَالَى خلقه بِيَدِهِ، وَنفخ فِيهِ من روحه، وأسجَدَ لَهُ مَلَائكَته، وأباحه جنته، فَلَمَّا أَخطَأ أخرجَه من الْجنَّة بخطيئته. وآدَم على الله تَعَالَى أكُرمُ من ابْن الزبير، وَالْجنَّة أعظُم حُرْمَة من الْكَعْبَة. فاذكُروا الله يذْكرْكم. وَصعد الْمِنْبَر بعد قَتله ابْن الزّبير مُتلثِّماً، فحطَّ. اللِّثامَ عَنهُ، ثمَّ قَالَ: مَوْجُ ليلٍ الْتَطَمْ ... فانجلي بضوء صبحه يَا أهل الْحجاز. كَيفَ رَأَيْتُمُونِي؟ ألم أكشف ظلْمة الْجور، وطخية الْبَاطِل
следующие страницы →