Полный текст (1 737 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ثمَّ دَير الجماجم، وَمَا ديُر الجمَاجم ﴿﴾ بهَا كَانَت المعارك والملاحمُ، بِضَرْب يُزيلُ الْهَام عَن مَقيله، ويْذْهل الْخَيل عَن خَلِيله. يَا أهل الْعرَاق. الكَفَرات بعد الفَجرات، والغَدرات بعد الخَتَرات، والنزْوة بعد النزوات ﴿﴾ إنْ بعثتكُم إِلَى ثُغوركم غلْلُتم وجَبْنتم، وَإِن أمنْتُم أرْجفْتم، وإنْ خِفْتُمْ نافقْتُم لَا تتذكرون حَسَنَة، وَلَا تشكرون نعْمَة. هَل استخفّكُم ناكثٌ أَو استغواكم غاو؟ أَو استفزكم عَاص، أَو استَنْصركم ظَالِم، أَو استعْضَدَ بكم خَالع إِلَّا تبعتُموه، وآويتموه ونصرتموه وزكّيتموه؟ يَا أهلَ الْعرَاق، هَل شغَبَ شاغب، أَو نعب ناعبٌ، أَو زفر كاذبٌ إِلَّا كنتُم أتباعَه وأنْصَاره؟ يَا أهل العراقِ، أَو لم تنهكُم المواعظُ، وَلم تزْجركم الوقائعُ؟ ثمَّ الْتفت إِلَى أهلِ الشَّام فَقَالَ: يَا أهل الشَّام: إِنَّمَا أَنا لكم كالظَّليم الرامح عَن فِراخه ينْفي عَنْهَا القَذَرَ، ويباعد عَنْهَا الحجرَ، ويَكنُّها من الْمَطَر ويحميها من الضِّباب، ويحرسُها من الذِّئاب. يَا أهل الشَّام، أنتُم الجُنة والرِّداء، وَأَنْتُم العُدّة والحذاءُ. هَذِه خطْبَة أُخْرَى قَالَ مالكُ بنُ دِينَار: غدَوتُ إِلَى الْجُمُعَة، فَجَلَست قَرِيبا من الْمِنْبَر، فصَعد الحجاجُ ثمَّ قَالَ: امْرُؤ زوَّر عملهُ، وامُرؤ حاسب نفْسَه، امْرُؤ فكر فِيمَا يَقْرَؤُهُ غَدا فِي صَحيفته، وَيَرَاهُ فِي مِيزَانه. امُرؤُ كَانَ عِنْد قلبه زاجرٌ، وَعند همه أمرٌ، أخذٌ بعنان قلبه كَمَا يأْخُذُ الرجل بخِطام. جَمَله، فَإِن قادهُ إِلَى طَاعَة الله تبعه، وَإِن قادَهُ إِلَى مَعْصِيّة الله كَفه. وَكَانَ يَقُول: إِنَّا وَالله مَا خُلقنا للفناء، وَإِنَّمَا خُلقنا للبقاء، وَلَكِن نُنقل من دَار إِلَى دَار. وخطب يَوْمًا فَقَالَ إِن الله أمَرنا بِطَلَب الْآخِرَة. وكفانا مئُونة الدُّنْيَا، فليتنا كُفينا مُونة الْآخِرَة، وأمِرْنا بِطَلَب الدُّنْيَا. فَقَالَ حسن: ضَالَّة الْمُؤمن خرجت من قلب الْمُنَافِق.
стр. 947
وأهدي إِلَى عبد الْملك فرسا وَبغلة وَكتب إِلَيْهِ: وجهتُ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فرسا سهل الخدِّ، حسن القدِّ، يسبقُ الطّرف، ويستغرقُ الْوَصْف وَبغلة هَواهَا زمامُها وسوطُها. وَكَانَ يَقُول: الْعَفو عَن المُقرِّ لَا عَن المُصر. وَقَالَ: الكوفةُ امْرَأَة حسناءُ عَاطل، والبصرةُ عجوزٌ درداء، قد أُوتيت من كل شَيْء. وَقَالَ بَعضهم، سمعتُ الْحجَّاج يَقُول - وَقد أذن فَلم تَجْتَمِع إِلَيْهِ النَّاس -: يُدعى: حَيّ على الصَّلَاة، فَلَا تُجيبون. أمَا وَالله لَو دُعي: حَيّ على أَرْبَعَة دراهمَ لغص الْمَسْجِد بأَهْله. وَقَالَ ابنُ الكلْبيِّ عَن أَبِيه: قاتِل الحُسَين ﵇ قد دخل إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ: أَنْت قتلت حُسيناً؟ فَقَالَ: نعم قَالَ: وَكَيف قتلتهُ؟ قَالَ: دَسَرْتُه بِالرُّمْحِ دَسْراً، وهبَرتُه بِالسَّيْفِ هبراً، ووكلتُ رأسَه إِلَى امرئٍ غير وكد. فَقَالَ الحجاجُ: وَالله لَا تجتمعان فِي الجَنة أبدا. فخرجَ أهلُ الْعرَاق يقولُون: صدَق الأميرُ. لَا يجتمعُ - وَالله - ابْن رَسُول وقاتله فِي الْجنَّة أبدا. وَخرج أهلُ الشَّام يَقُولُونَ: صدَق الْأَمِير. وَلَا يجْتَمع مَن شقّ عَصا الْمُسلمين، وَخَالف أميرَ الْمُؤمنِينَ، وقاتلهُ فِي طَاعَة الله - فِي الْجنَّة أبَداً. وَقَالَ يَوْمًا على الْمِنْبَر: يَقُول سليمانُ: ربّ اغفرْ لي وَهبْ لي مُلكاً لَا ينبَغي لأحد من بعدِي إِن كَانَ لَحَوداً. وَكتب إِلَى عبد الْملك كتابا يَقُول فِيهِ: كنتُ أَقرَأ فِي الصُحف، فانتهيتُ إِلَى قَوْله الله عزّم وَجل: فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعمَ اللهُ عَلَيْهِم من النَّبِيين والصِّدِّيقين والشُّهدَاء وَالصَّالِحِينَ فأردتُ أَن أزيدَ فِيهَا: وَالْخُلَفَاء قَالَ. فَجعل عبد الْملك يَقُول: مَا للحجاج ﴿﴾ قاتلهُ اللهُ. وَقَالَ لَهُ بعضُ وُلَاة الْحجاز: إِن رَأْي أميرُ الْمُؤمنِينَ أَن يستهديني مَا شاءَ فليَفعل.
стр. 948
قَالَ: أستهديك بغلة على شَرْطي. قَالَ: وَمَا شَرْطُك؟ قَالَ: بغلةٌ قصير شعْرُها، طويلٌ عِنانُها، همُّها أمامَها، وسوطُها لجامُها، تستبينُ فِيهَا العلفة، وَلَا تهزلها الرّكْبَة. وَقَالَ يَوْمًا لجلسائه: مَا يُذهبُ الإعياءَ؟ فَقَالَ بَعضهم: التمرُ. وَقَالَ آخر: التمزح وَقَالَ آخر: النومُ. قَالَ: لَا، وَلَكِن قضاءُ الْحَاجة الَّتِي أعْيَا بِسَبَبِهَا. أَتَى بدواب لِابْنِ الْأَشْعَث، فَإِذا سماتُها عدةٌ، فَوسَم تَحت ذَلِك للفرار. كتب الحجاجُ إِلَى قُتَيْبَة: لَا تهجنن بلاءَ أحد من جُندك وَإِن قل، فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك لم يرغب أحدٌ مِنْهُم فِي حُسْن البلاءِ. وأعْط الَّذِي يَأتيك بِمَا تكره صَادِقا مثل الَّذِي يأْتيك بِمَا تحبُّ كَاذِبًا، فَإنَّك إِن لم تفعل غرُّوك وَلم يأْتوك بِالْأَمر على وَجهه. واعلمْ أَنه لَيْسَ لمكذوبٍ رأيٌ، وَلَا فِي حسود، حِيلَة. وَقَالَ لكَاتبه: لَا تجعلن مَالِي عِنْد من لَا أَسْتَطِيع أَخذه مِنْهُ. قَالَ: ومَنْ لَا يَسْتَطِيع الأميرُ أَن يَأْخُذهُ مِنْهُ؟ قَالَ: المُفلس. وَكتب الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَيْهِ يأْمُره أَن يكْتب إِلَيْهِ بسيرته. فَكتب إِلَيْهِ: إِنِّي قد أيقظت رَأْيِي، وأنمت هواي، فأدنيت السيِّدَ المطاع فِي قومه، وَوليت الْحَرْب الحازمَ فِي أمره، وقلدت الْخراج الموفِّر لأمانته، وَقسمت لكل خصْم من نَفسِي قسْماً أعْطِيه حظاً منْ نَظَرِي، ولطيف عنايتي، وصرفت السَّيْف إِلَى النِطف. الْمُسِيء وَالثَّوَاب إِلَى المُحسن البريء، فخاف المُريب صولة الْعقَاب. وَتمسك المحسن بحظِّه من الثَّوَاب. وَقَالَ: لأطلبن الدنْيا طلب من لَا يَمُوت أبدا ولأنفقَنَّها كمَنْ لَا يعِيش أبدا. وخطب فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق: إِن الفتْنة تلْقح بالنجْوى، وتنبَح بالشكْوى، وتحْصدُ بِالسَّيْفِ. أمَا وَالله لقد أبغضتموني فَمَا تضرُّونني، وَلَئِن أحبَبْتموني مَا تنفعونني. وَمَا أَنا بالمُسْتوحش لعدَاوتكم، وَلَا المُسْتريح إِلَى مودتكم. زعمتم أَنِّي ساحرٌ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: وَلَا يفلح الساحرُ حَيْثُ أَتَى. وزعمتم أَنِّي أحسن الاسْمَ الأكبرَ. فلمَ تقاتلون من يعلم مَا لَا تعْلمون؟ ثمَّ الْتفت إِلَى أهل الشَّام، فَقَالَ: لأرواحُكم أطْيبُ منْ المسكِ، ولدنوُّكُم أنُس من الْوَلَد. وَمَا مثلكُم
стр. 949
إِلَّا كَمَا قَالَ أخُو ذُبيان. إِذا حاولتَ فِي أَسد فُجورا ... فَإِنِّي لستُ مِنْك وَلست منِّي هُمُ دِرْعِي الَّتِي استلاهتُ فِيهَا ... إِلَى يَوْم النِّار وهمْ مِجَنِّي ثمَّ قَالَ: يَا أهل الشَّام، بل أنتُم كَمَا قَالَ الله : وَلَقَد سبقتْ كلمتُنا لعبادِنا المُرْسلين. إنَّهمْ لَهُم المنصورون. قَالَ بعضُهمْ: رأيتُ الْحجَّاج وعنبسة بنَ سعيد واقفَيْن على دجْلة. فَأقبل الحجاجُ، وَقَالَ عنبسةُ، إِذا كنتَ فِي بلد يضعُفُ سلطانُه، فاخرجْ عَنهُ، فَإِن ضعْف السُّلْطَان أضرُّ على الرّعية منْ جُوده. وَكَانَ يقُول: خيرُ المعْروف مَا نعشتَ بِهِ عثرات الْكِرَام. وَمِمَّا كفَّره بِهِ الفقهاءُ قولهُ: والناسُ يطُوفونُ بِقَبْر رَسُول الله ﷺ ومنبره إِنَّمَا يطُوفُون بأعْوادٍ ورِمَّة. وَقَالَ يَوْمًا: وَالله إِن طَاعَتي أوجبُ من طَاعَة الله، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: " فتقُوا الله مَا استطعتُم فَجعل فِيهِ مثنويةً، وطاعتي لَا مثنوية فِيهَا. وَضرب رجلا فَقَالَ: اعتديت أيُّها الأميرُ. فَقَالَ: فَلَا عُدْوان إِلَّا على الظَّالِمين. وقف رجل لَهُ فَقَالَ: أصْلحَ اللهُ الأميرَ، جنى جَانٍ فِي الْحَيّ، فأُخذتُ بجريرته، وأسْقط عطائي. فَقَالَ: أمَا سَمِعت قَول الشَّاعِر: جانيك من يجني عَلَيْك وَقد ... تُعْدى الصِّحاحَ مباركُ الجرب ولُرب مأْخوذ بذنب صديقه ... وَنَجَا المُقارِفُ صاحبُ الذنبِ فَقَالَ الرجل: كتابُ الله أولى مَا اتّبع. قَالَ الله تَعَالَى: مَعاذَ الله أَن نأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا متاعَنا عِنْده. فَقَالَ الحجاجُ: صدقت. وأمَر بردِّ عطائه.
стр. 950
وَقيل لَهُ - وَقد احتُضر -: أَلا تَتُوبُ؟ فَقَالَ: إِن كَانَت مُسيئاً فليسَت هَذِه ساعةَ التَّوبة، وَإِن كنتُ مُحْسناً فليستْ سَاعَة الْفَزع. لما نصبَ المنجنيق على الكَعْبةِ جَاءَت نارٌ فأحرقتِ المنجنيقَ، وامتنعَ أَصْحَابه مِن الرّيّ، فَقَالَ الحجاجُ: إِن ذَلِك نَار القربان دلتْ على أَن فعلكم مُتقبَّل. وَقَالَ على الْمِنْبَر: اقطَعوا هَذِه الأنْفسَ فَإِنَّهَا اسْأَل شيءٍ إِذا أعطيتْ، وأعصي شيءٍ إِذا سُئِلت. فرحمَ الله امْرأ جعل لنَفسِهِ خطاماً وزماماً، فقادَها بخطامها إِلَى طَاعَة الله، وعطفها بزمامها عَن مَعصية الله، فَإِنِّي رَأَيْت الصبرَ عَن مَحَارمه أيسر من الصَّبْر على عَذَابه. وَكَانَ يَقُول: إنّ امْرأ أتتْ عَلَيْهِ ساعةٌ من عُمُره لم يذكر ربه، وَلم يستغْفر من ذَنبه، أَو يفكر فِي معَاده. لجديرٌ أنْ تطول حَسرته يومَ الْقِيَامَة. لما قتل الْحجَّاج عبدَ الله بن الزُّبير ارتجتْ مَكة بالبكاء، فأمرَ الْحجَّاج بِالنَّاسِ، فجمعُوا إِلَى الْمَسْجِد، ثمَّ صَعدّ المنبرَ، فَحَمدَ الله وأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أهل مَكَّة. بَلغنِي إكْباركم واستفْظاعُكم قتل ابْن الزُّبير. أَلا وَإِن ابْن الزبير، كَانَ منْ أخُيار هَذِه الْأمة، حَتَّى رغب فِي الْخلَافَة، وَنَازع فِيهَا أهْلها، فَخلع طَاعَة الله، واستكنَّ بحرَم الله. وَلَو كَانَ شيءٌ مَانِعا للعُصاة لمنعتْ آدمَ حُرْمَة الْجنَّة، لِأَن الله تَعَالَى خلقه بِيَدِهِ، وَنفخ فِيهِ من روحه، وأسجَدَ لَهُ مَلَائكَته، وأباحه جنته، فَلَمَّا أَخطَأ أخرجَه من الْجنَّة بخطيئته. وآدَم على الله تَعَالَى أكُرمُ من ابْن الزبير، وَالْجنَّة أعظُم حُرْمَة من الْكَعْبَة. فاذكُروا الله يذْكرْكم. وَصعد الْمِنْبَر بعد قَتله ابْن الزّبير مُتلثِّماً، فحطَّ. اللِّثامَ عَنهُ، ثمَّ قَالَ: مَوْجُ ليلٍ الْتَطَمْ ... فانجلي بضوء صبحه يَا أهل الْحجاز. كَيفَ رَأَيْتُمُونِي؟ ألم أكشف ظلْمة الْجور، وطخية الْبَاطِل
стр. 951
بِنور الْحق. وَالله لقد وطئكم الْحجَّاج وَطْأَة مُشْفق، عطفتْه رحمٌ، ووصْل قرَابَة. فإياكم أنْ تنزلُّوا عنْ سَنن مَا أقمناكم عَلَيْهِ، فأقطعَ عَلَيْكُم مَا وصَلْتُه لكم بالصارم البتَّات وأقيمَ من أوَدكم مَا يُقيم المُثقِّف من أوَد القنا بالنَّار. هَا إِلَيْكُم. ثمَّ نزل وَهُوَ يَقُول: أَخُو الْحَرْب إِن عضَّتْ بِهِ الحربُ عَضَّها ... وإنْ شمَّرتْ عَن سَاقهَا الحربُ شمرا. وخطب ذَات يَوْم فَقَالَ: إِنَّه وَالله مَا لكم عِنْدِي بُلهنيةٌ وَلَا رُفَهْنيةٌ، وَلَا رَبَغٌ عَن التحلية. وَلَا أَقُول لمن عثر مِنْكُم: دعْ. دعْ. وَلَكِن تعساً لِلْيَدَيْنِ وللفمِ. قَالَ الْحجَّاج لرجل من أهل الشَّام. وَقد أتِىَ بِرَجُل: قُم فاضربْ عُنقه فَقَالَ: أصلح الله الأميرَ، ولي نصْف أجرِه؟ فَقَالَ الحجاجُ: مَا أهمُّ بِأَمْر أَرْجُو فِيهِ القُربة والزُّلفة إِلَّا نازعنيه شاميٌّ. اضْرِب عنقهُ، وَلَك ثلثُ أجره. كَانَ الحجاجُ إِذا استغْرب ضحِكاً وَإِلَى بَين الاستغفارِ. وَكَانَ إِذا صعد الْمِنْبَر تلفَّعَ بمِطرَفه، ثمَّ تكلَّم رويداً فَلَا يكادُ يُسمعُ مِنْهُ، ثمَّ يتزيَّدُ فِي الْكَلَام حَتَّى يُخرج يَده مِن مطْرَفة يزجرُ الزْجرة فيقرعُ بهَا أقْصَى مَنْ فِي الْمَسْجِد. وَكَانَ يُطْعُم فِي كلِّ يَوْم على ألف مائدة، على كل مائدة ثريدٌ وجَنب من شوَاء، وسمكةٌ طريةٌ. ويطافُ بِهِ فِي مِحَفَةٍ على تِلْكَ الموائد ليفتقدَ أُمُور النَّاس، وعَلى كل مائدة عشرةٌ. ثمَّ يَقُول: يَا أهل الشَّام. كسرْوا الخُبز لِئَلَّا يُعادَ عليكُم. وَكَانَ لَهُ ساقيان: أحدُهما يسْقِي المَاء والعسلَ، وَالْآخر يسْقِي اللَّبن. يروي عَن مُحَمَّد بن المُنتشر الْهَمدَانِي، قَالَ: دفع إِلَى الْحجَّاج أزادْ مُرْد بن الهربذ وَأَمرَنِي أَن أستخرج مِنْهُ، وأُغلِظَ لَهُ. فَلَمَّا انْطَلَقت بِهِ قَالَ لي: يَا محمدُ. إِن لَك شرفاً وديناً، وَإِنِّي لَا أُعْطى على القسْر شَيْئا، فاستأْذِني، وارفُق بِي. قَالَ: فَفعلت. قَالَ: فأدّى إِلَيّ فِي أُسْبُوع خمْسَمائة ألف. قَالَ: فَبلغ ذَلِك الْحجَّاج، فأغضبَه، انتزعَه من يَدي، وَدفعه إِلَى رجل كَانَ يتَوَلَّى لَهُ الْعَذَاب، فدق يَدَيْهِ برجليه، وَلم يعطهم شَيْئا.
стр. 952
قَالَ مُحَمَّد بن المُنتشر: فَإِنِّي لأُمرُّ يَوْمًا فِي السُّوق إِذا صائح بِي: يَا محمدُ. فالتفتُّ فَإِذا بِهِ معُروضاً على حمَار، مَوْثوقَ الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فخِفْتُ الْحجَّاج إِن أتيتُه، وتذممت مِنْهُ. فملت إِلَيْهِ فَقَالَ لي: إِنَّك وليت منِّي مَا ولي هَؤُلَاءِ. فَرَفَقْت بِي فأحسنت إِلَيّ، وَإِنَّهُم صنعُوا بِي مَا ترى، وَلم أعْطهم شَيْئا. وَهَا هُنَا خَمْسمِائَة ألف عِنْد فلَان. فَخذهَا، فَهِيَ لَك. قَالَ: فَقلت: مَا كنت لآخذ مِنْك على معروفٌ أجْراً، وَلَا لأرزأك على هَذِه الْحَال شَيْئا. قَالَ: فَأَما إِذا أَبيت فاسمع أحدِّثك: حَدثنِي بعض أهل دينك عَن نبِّيك ﷺ ، قَالَ: إِذا رضى الله عَن قوم أمْطرهم المطرَ فِي وَقته، وَجعل المَال فِي سُمحَائهم، وَاسْتعْمل عَلَيْهِم خيارهم، وَإِذا سَخِط الله على قوم اسْتعْمل عَلَيْهِم شرارهم، وَجعل المَال عِنْد بخلائهم، وأمطرَ المطرَ فِي غير حِينه. قَالَ: فَانْصَرَفت، فَمَا وضعت ثوبي حَتَّى أَتَانِي رَسُول الْحجَّاج يأْمرني بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ. فَأَلْفَيْته جَالِسا على فرْشه. وَالسيف مُنْتضي فِي يَده. فَقَالَ لي: ادْن. فدنوت شَيْئا، ثمَّ قَالَ: ادْن. فدنوت شَيْئا. ثمَّ صَاح الثَّالِثَة: ادْن. لَا أبالك ﴿﴾ فَقلت: مَا بِي إِلَى الدُّنوِّ من حَاجَة. وَفِي يَد الْأَمِير مَا أرى. فأضحك الله سنه، وأغمد عني سيْفه. فَقَالَ لي: اجلسْ. مَا كَانَ من حَدِيث الْخَبيث؟ . فَقَالَت لَهُ: أيُّها الأميرُ. وَالله مَا غششتُك مُنْذُ استنصحتني، وَلَا كذبتك مُنْذُ اسْتخبرْتني، وَلَا خنتك مُنْذُ ائتمنتني. ثمَّ حّدثتُه الحَدِيث. فَلَمَّا صرت إِلَى ذكر الرجل الَّذِي المَال عِنْده أعْرض عنِّي بِوَجْهِهِ، وأوْمأ إِلَيّ بِيَدِهِ. وَقَالَ: لَا تسمِّه. ثمَّ قَالَ: إنّ للخبيث نفسا، وَقد سمع الْأَحَادِيث ﴿﴾ روى عَن عبد الْملك بن عُمير اللَّيْثي قَالَ: بيْنا أَنا جَالس فِي الْمَسْجِد الْجَامِع بِالْكُوفَةِ إِذا أَتَانِي آتٍ، فَقَالَ: هَذَا الحجّاج قد قدم أَمِيرا على الْعرَاق، فَإِذا بِهِ قدْ دخل الْمَسْجِد مُعُتماً بعمامة قد غطى بهَا أَكثر وَجْهه، مُتقلِّداً سيّفاً، متنكباً قوساً،
стр. 953
ويؤم الْمِنْبَر. فَقَامَ الناسُ نَحوه، حَتَّى صَعد المنبرَ فَمَكثَ سَاعَة لَا يتَكَلَّم. فَقَالَ الناسُ بَعضهم لبَعض: قبح الله بني أُميَّة حَيْثُ يستعملون مثل هَذَا على العَراق. حَتَّى قَالَ عميْر بن ضابئ البُرجُمي: أَلا أحصبُه لكم؟ قَالُوا: أمْهل حَتَّى ننظرَ. فَلَمَّا رأى عُيُون النَّاس إِلَيْهِ حَسَر اللثامَ عَن فَمه، ونهض فَقَالَ. أَنا ابنُ جَلا وطلاعُ الثنايا ... مَتى أضعِ العِمامَةَ تَعرفوني؟ وَالله يَا أهل الْكُوفَة، إِنِّي أرى رؤساً قد أينْعت، وحان قطافها، وَإِنِّي لصاحُبها كَأَنِّي أنظرُ إِلَى الدِّماء بيْن العَمائم واللِّحىَ: هَذَا أوَانُ الشدِّ فاشتدِّي زِيَمْ ... قد لفها اللَّيْل بسَوِّاقٍ حُطمْ لَيْسَ براعِي إبلٍ وَلَا غنمْ ... وَلَا بجَزَّارٍ على ظهْرِ وَضَمْ قد لفها اللَّيْل بعصلبِيٍّ ... أروعَ خّرَّاجٍ من الدَّوى مهَاجر لَيْسَ بأعرابي قد شمرت عَن سَاقهَا فشّدوا ... وجدَّتِ الحربُ بكمْ فجِدُّوا والقوسُ فِيهَا وتَرٌ عَرُدُّ ... مثل ذِرَاع الْبكر أَو أشدُّ إِنِّي - وَالله - يَا أهل الْعرَاق، مَا يقعْقع لي بالشِّنان، وَلَا يغمز جَانِبي كغمزْ التِّين، وَلَقَد فُرِرتُ عَن ذكاء، وفتِّشت عَن تجْربة. وَإِن أميرَ الْمُؤمنِينَ نثر كِنَانَته، فعجمَ عيدانها عوداً عُوداً، فوجدني أمَرَّها عُوداً وأصلبها مكسراً، فرماكم بِي، لأنكم طالما أوْضعتم فِي الْفِتْنَة واضطجعتم فِي الضَّلَالَة. وَالله لأحْزمنكم حزم السلمة، ولأضربنّكم ضرْب غرائب الْإِبِل، فَأنْتم لكلٍّ أهلٌ. إِنَّمَا أَنْتُم أهلُ قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنةً يَأْتِيهَا رِزُقُها رغداً من كلِّ مكانٍ فكفرتْ بأَنُعمِ اللهِ فأذاقَها
стр. 954
الله لباسَ الجُوعِ والخَوْف بِمَا كَانُوا يصنعُون وَإِنِّي - وَالله - مَا أَقُول إِلَّا وفَّيْتُ، وَلَا أهُم إِلَّا أمْضيت، وَلَا اخلق إِلَّا فَرَيْتُ. وَإِن أميرَ الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بإعطائكم، وَأَن أوَجِّهكم لمحاربة عدوِّكم مَعَ المُلهب بن أبي صفرَة. وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَا أجد رجلا تخلف بعد إِعْطَائِهِ ثَلَاثَة إِلَّا ضربت عُنُقه. يَا غُلَام: اقْرَأ عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَرَأَ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم: من عَبْدِ الْملك بن مرْوان أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مَن بالكوفةِ من الْمُسلمين. حَتَّى قَالَ إِلَيّ سلامٌ عليكمْ فَلم يقلْ أحدٌ شيْئاً. فَقَالَ الْحجَّاج: أكْفف يَا غُلَام. ثمَّ أقبل على النَّاس، فَقَالَ: أيسلِّم عليكُم أميرُ الْمُؤمنِينَ فَلَا تَردُونَّ ﵇؟ هَذَا أدّبُ ابْن أدّية. أما. وَالله لأؤَدِّبنكُم غير هَذَا الْأَدَب، أوْ تسْتقيمُن. اقْرَأ يَا غُلَام كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَرَأَ. فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله: سَلام عَلَيْكُم لم يبْق فِي الْمَسْجِد أحدٌ إِلَّا قَالَ: وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام، ثمَّ نزل. فَوضع للنَّاس أعطياتهم، فَجعلُوا يأْخذون، حَتَّى أَتَاهُ شيخٌ يرعَش - كبَراً، فَقَالَ: أيُّها الْأَمِير: إِنِّي فِي الضعْف على مَا ترى، ولي ابنٌ هُوَ أقوى مني على الْأَسْفَار. أفتقبله منِّي بديلاً؟ قَالَ: نَفْعل أيُّها الشَّيْخ. فَلَمَّا ولي قَالَ لَهُ قائلٌ: هَذَا ابْن ضابئ البرجمي الَّذِي يَقُول أَبوهُ:
стр. 955
هَمَمْتُ وَلم أفعلْ وكِدْتُ وَليْتَنِي تركت على عُثْمَان تبْكي حَلائله. وَدخل هَذَا الشَّيْخ على عُثْمَان مقتولاً، فوطئ بَطْنه، وكسَر ضلعين من أضلاعه. فَقَالَ: ردُّوه. فَلَمَّا: رُدَّ. قَالَ أيُّها الشَّيْخ: هلا بَعثْتَ يَوْم الدَّار فيرتحل، ويأْمر وليه أَن يلحَق بِهِ. فَفِي ذَلِك يَقُول ابْن الزَّبير الْأَسدي: تجهزْ فإمَّا أَن تزور ابْن ضابئ عُمَيْرًا وَإِمَّا أَن تزور المهلبا. وَكتب إِلَى الْوَلِيد بعد وَفَاة أَخِيه مُحَمَّد بن يُوسُف: أخبر أميرَ الْمُؤمنِينَ - أكرمَه الله - أَنه أُصِيب لمُحَمد بن يُوسُف خَمْسُونَ وَمِائَة ألف دِينَار، فَإِن يكن أَصَابَهَا من حلِّها فرحمه الله، وَإِن تكن من خِيَانَة فَلَا رَحْمَة الله. فَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد: أما بعد. فقد قَرَأَ أميرُ الْمُؤمنِينَ كتابك فِيمَا خلف محمدُ بن يُوسُف، وَإِنَّمَا أصَاب ذَلِك من تِجَارَة أحللناها لَهُ فترحم عَلَيْهِ، ﵀. وَكتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك: بَلغنِي أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عطسَ عطسة فشمته قومٌ. فَقَالَ: يغفُر الله لنا وَلكم. فيا لَيْتَني كنت مَعَهم. فأفوز فوزاً عَظِيما. ووفدَ مرّة على الْوَلِيد، فَقَالَ لَهُ الوليدُ - وَقد أكلا -: هَل لَك فِي الشَّرَاب؟ قَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ: لَيْسَ بِحرَام مَا أحللته، وَلكنني أمنع أهل عَمَلي مِنْهُ، وأكره أَن أُخَالِف قَول العَبْد الصّالح: وَمَا أريدُ أَن أخالِفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ فإعفاء. جلس الْحجَّاج لقتل أَصْحَاب ابْن الْأَشْعَث، فَقَامَ إِلَيْهِ رجلٌ مِنْهُم، فَقَالَ: أصلحَ الله الأميرَ. إِن لي عَلَيْك حَقًا. قَالَ: وَمَا حقُّك؟ قَالَ: سَبَّك عبدُ الرَّحْمَن يَوْم فَرددت عَلَيْهِ. فَقَالَ: من يعلُم ذَلِك؟ قَالَ: أنْشُدُ الله رجلا سّمع ذَلِك إِلَّا شهد بِهِ. فَقَامَ رجل من الأُسراء، فَقَالَ: قد كَانَ ذَلِك أيُّها الْأَمِير. قَالَ: خلُّوا عَنهُ. ثمَّ قَالَ: للِشَّاهدِ: فَمَا مَنعك أَن تنكرَ كَمَا أنكرَ؟ فَقَالَ: لقديم بغضي إياك. قَالَ: ولْيُخلَّ أَيْضا عَنهُ لصدقه.
стр. 956
وَكَانَ يَقُول: البُخل على الطَّعَام أقبحُ من البرص على الْجَسَد. وَلما أتَى الْحجَّاج الْبَصْرَة، وَندب النَّاس إِلَى محاربة الْخَوَارِج، واللَّحاق بالمهلب كَانَ عَلَيْهِم أَشد إلحافاً، وَقد كَانَ أَتَاهُم خبرهُ بِالْكُوفَةِ، فتحمَّل الناسُ قبل قدومه. فُيرى عَن بَعضهم أَنه قَالَ: إنّا لنتغدى مَعَه إِذا جَاءَهُ رجلٌ من بني سليم بِرَجُل يقودُه، فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير. إِن هَذَا عاصٍ. فَقَالَ لَهُ الرجل. أنْشُدُك الله أَيهَا الأميرُ فِي دَمى، فوَاللَّه مَا قبضتُ ديواناً قطٌّ، وَلَا شهِدت عسكراً، وَإِنِّي لحائكٌ أخِذت من تَحت الحُفٍ. فَقَالَ: اضربوا عُنُقه. فَلَمَّا أحس بِالسَّيْفِ سَجَد، فَلحقه السَّيْف - وَهُوَ ساجد - فأمسكنا - عَن الْأكل فَأقبل علينا الْحجَّاج، فَقَالَ: مَالِي أَرَاكُم صَفرت أَيْدِيكُم واصفرَّت وُجُوهكُم، وحَدَّ نظرُكم من قتلِ رجُل وَاحِد؟ إِن العَاصِي يجمع خلالا تُخِلُّ بمركزه، ويعصي أميره، ويَغُرُّ الْمُسلمين، وَهُوَ أجِيرٌ لكم، وَإِنَّمَا يَأْخُذ الْأُجْرَة لما يعْمل، والوالي مُخَّير فِيهِ إِن شَاءَ قَتله وَإِن شَاءَ عَفا. ثمَّ كتب الْحجَّاج إِلَى الْمُهلب. أما بعدُ، فَإِن بشرا ﵀ استكرهَ نفسَه عَلَيْك، وأراك غناءَه عَنْك. وَأَنا أريك حَاجَتي إلْيك فأربي الْجد فِي قتال عدوِّك. ومَن خفته على الْمعْصِيَة مِمَّن قبلك فاقتله، فَإِنِّي قَاتل مَن قبَلي. ومَن كَانَ عِنْدِي من وَلي مَن هرب عَنْك فَأَعْلمنِي مَكَانَهُ، فَإِنِّي أرى أَن أخُذ السمِي بالسمي وَالْوَلِيّ بالوليِّ. فَكتب إِلَيْهِ المهلبُ لَيْسَ قبلي إِلَّا مطيعٌ، وإنَّ الناسَ إِذا خافُوا الْعقُوبَة كبَّرْوا الذَّنب، وَإِذا أمنُوا الْعقُوبَة صغَّرُوا. الذَّنب، وَإِذا يئسوا من العَفْو أكُفرَهُم ذَاك. فهبْ لي هَؤُلَاءِ الَّذين سمَّيتهم عصاةً فإنهْمُ فريقان: أبطالٌ أرجُو أنْ يقْتل الله بهم العدوَّ، ونادمٌ على ذنْبه. وَصعد الْمِنْبَر بعد موتِ أَخِيه أَو ابْنه. فَقَالَ: يَقُولُونَ: مَاتَ ويموتُ الْحجَّاج. فمذ كَانَ مَاذا؟ واللهِ مَا أرجُو الخيرَ كُله إِلَّا بعد الموتِ. واللهُ مَا رَضِي الله
стр. 957
البقاءَ إِلَّا لأهونِ خلقه عَلَيْهِ: إبليسَ، إِذْ قَالَ: رب فأنْظِرْني إِلَى يومِ يُبْعثون. قَالَ فَإنَّك مِن المنظرِين. وَقَالَ لمعلِّم وَلَده: علِّم وَلَدي السباحة قبل الْكِتَابَة، فَإِنَّهُ يجدُون من يكتُب عنهُمْ وَلَا يَجدونَ من يسْبَحُ عَنْهُم. وَسَأَلَ غُلَاما فَقَالَ لَهُ: غُلام مَن أَنْت؟ قَالَ: غُلامُ سيِّد قيْس. قَالَ: ومَن ذَلِك؟ قَالَ: زُرارةُ بن أوْفى قَالَ: كَيفَ يكونُ سيِّداً وَفِي دَاره الَّتِي ينزلها سُكانٌ؟ قطع ناسٌ من بني عمْرو بن تَمِيم وحَنظلة الطَّرِيق على قوم زمن الْحجَّاج. فَكتب إِلَيْهِم: أما بعدُ: فَإِنَّكُم استبحتُمْ الفِتنة، فَلَا عَن حقٍّ تقاتِلُون، وَلَا عَن مُنكر تَنْهون. وأيمُ الله إِنِّي لأهمُّ أَن تكُونُوا أول من يرد عَلَيْهِ مِن قبلي مَن ينسفُه الطارِفَ والتالِدَ، ويُخلِّي النساءَ أيَامي، والصِّبيان يتامى فأيما رُفقه مرّت بِأَهْل ماءٍ، فأهلُ ذَلِك المَاء ضامنُون لَهَا حَتَّى تصيرَ إِلَى المَاء الَّذِي يَلِيهِ. تقدمةً مني إِلَيْكُم. والسعيد مَن وُعظ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ بَعضهم: ارجُ نفسَك، واحقن دمَك، فَإِن الَّذِي بَين قَتلك وَبَيْنك أقصر منْ إِبْهَام الحباري. قَالُوا: قدم الحجاجُ الْمَدِينَة، فَفرق فيهم عشرَة آلَاف دِينَار، ثمَّ صعدَ الْمِنْبَر فَقَالَ: يَا أهل الْمَدِينَة: أَنْتُم أوْلى مَنْ عذر، فو الله مَا قدمُنا إِلَّا على قلائصَ حَراجيجَ شُنَّربٍ، مَا تُتابَع، مَا تلْحقُ أرْجلُها أيدَيها، وأنتُم أوْلى مَن عذر. فَقَامَ عبد الله بن عمار الديلِي فَقَالَ: لَا عذر اللهُ مَنْ يعذرُك، وأنْت ابنُ عَظِيم القريتين. وأمير العراقين. إِلَى مَتى؟ وَحَتَّى مَتى؟ فَنزل الْحجَّاج فعين مَالا كثيرا بِالْمَدِينَةِ، وفرقه فِي النَّاس. خطب ذَات يَوْم بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق. وأتيتكُم وَأَنا أرْفُل فِي لِمتي، فَمَا زَالَ شقاقُكُم حَتَّى اخضر شعري. ثمَّ كشف عَن رَأس لَهُ أَقرع، وَقَالَ: مَنْ يكُ ذَا لمة تكشّفها ... فإنني غير ضمائري ذُعْري لَا يمنعُ المرءَ أنْ يسودَ وأنْ ... يضربَ بِالسَّيْفِ قلَّة الشّعْر
стр. 958
قَالَ الشعبيُّ: سمعتُ الْحجَّاج يقولُ: أما بعد، فَإِن الله. جلّ وَعلا كتب على الدُّنيا الفناءَ، وعَلى الْآخِرَة البقاءَ، فَلَا فنَاء لما كتب عَلَيْهِ البقاءَ، وَلَا بَقَاء لمَنْ كتب عَلَيْهِ الفناءَ، فَلَا يغرنكُم ساعد الدُّنْيَا عَن غَائِب الْآخِرَة، واقْهروا طول الأمل بقصر الْأَجَل. وَقَالَ ابْن عَيَّاش عَن أَبِيه، قَالَ: إِن أول يَوْم عُرِفَ فِيهِ الْحجَّاج - وَكَانَ فِي الشُّرط مَعَ عبد الْملك - أَن عبدَ الْملك بعث إِلَى زُفَر بن الْحَارِث عشرَة نفر، أَنا فيهم، ومعنا الحجاجُ وَغَيره من الشُّرط. قَالَ: فكلمناه، وأبلغُناه رِسَالَة عبد الْملك، فَقَالَ: لَا سَبِيل إِلَى مَا تُريدون. قَالَ: فَقلت لَهُ: يَا هَذَا، أراهُ وَالله سيأُتيكَ مَالا قبل لَك بِهِ، ثمَّ لَا يُغْني عَنْك فُسَّاقُك هَؤُلَاءِ شَيْئا، فأطِعْني واخرُجْ. قَالَ: وَحَضَرت الصلاةُ فَقَالَ: نُصلي، ثمَّ نتكلم. فَأَقَامَ الصَّلَاة وَنحن فِي بيِته، فَتقدم وَصلى بِنَا وتأخَّر الحجاجُ، فَلم يصلِّ. فَقلت لَهُ: أَبَا مُحَمَّد. مَا مَنعك مِن الصَّلَاة! ؟ قَالَ: أَنا لَا أُصَلِّي خلف مُخَالف للجماعةِ، مُشاقٍّ للخلافة. لَا. واللهِ لَا يكونُ ذَلِك أبدا. قَالَ: فبلغتْ عبدَ الْملك. فَقَالَ: إِن شُرطيكم هَذَا لجَلْدٌ. وخطب يَوْم فَقَالَ: أَيهَا النَّاس، إِن الصبْرَ من محارم الله أيسرُ من الصَّبْر على عَذَاب الله. فَقَامَ إِلَيْهِ رجلٌ فَقَالَ: مَا أصفق وجُهك، وأقَل حياءَك أَيهَا الحجاجُ؟ فَقَالَ لَهُ الحجاجُ: اجترأْت عَليّ. فَقَالَ لَهُ: أتجترئُ على الله وَلَا نُنْكِرُهُ. وأجْترئُ عَلَيْك فتُنكره فحلُم عَنهُ، وخلَّى سَبيله. قَالَ عبدُ الْملك بن عُمَيْر: سمعتُ الحجَاج يَقُول فِي خطبَته: أَيهَا الناسُ لَا يَملَّنَّ أحدُكم من المعروفِ، فَإِن صاحبَه يعْرِضُ خيرا، إِمَّا شكرٌ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا ثوابٌ فِي الْآخِرَة. وَقَالَ الحجاجُ لعبد الْملك: مَا فيَّ عيبٌ إِلَّا أَنِّي حسود، حقودٌ، لجوجُ فَقَالَ: مَا فِي الشَّيطان شيءٌ شرٌّ مِمَّا ذكرتَ.
стр. 959
الْبَاب الثَّالِث كَلَام الْأَحْنَف
رأى مَعَ رجل درهما، فَقَالَ: تحِبُّه؟ قَالَ: نعم. أما إِنَّه لَا ينفعكُ حَتَّى تُفَارِقهُ. قَالَ: مَا عرضتُ الْإِنْصَاف على رجل فقبِله إِلَّا هبْتُه، وَلَا أباهُ إِلَّا طمعتُ فِيهِ. وَقَالَ: الْأَذَى تحكك فِي نَاحيَة بَيْتِي أحب إِلَيّ من أيِّم رددت عَنْهَا كُفواً. وَقيل لَهُ: من السَّيِّد؟ : قَالَ: الذليلُ فِي نَفسه، الأحمقُ فِي مالهِ، المعْنيُّ بِأَمْر قومه، النَّاظر للعامّة. وَقَالَ: رُب رجل لَا تُملُّ فَوَائده وإنْ غَابَ، وَأخر لَا يسلمَ جليُسه وَإِن احُترس. وَقَالَ: كلُّ ملك غدار وكلّ دَابَّة شرود وكل امْرَأَة خئُوفٌ. وَقَالَ: سهرت لَيْلَة فِي كلمة أرْضى بهَا سُلطاني، وَلَا أسخطُ بِها ربيِّ فَمَا وجدتُها. وَقيل لَهُ: مَا الْحلم؟ قَالَ: الرِّضاءُ بالذُّل.
стр. 960
وَقيل لرجل: لَيْت طول حلمنا عَنْك لَا يدعُو جهل غَيرنَا إِلَيْك. وَقَالَ: أكْرمُوا سفهاءَكم فَإِنَّهُم يكفونكُم الْعَار وَالنَّار. وَقَالَ: وَإِيَّاكُم والكسل والضجر، فَإنَّك إِن كسلت لم تؤردِّ حَقًا، وَإِن ضَجِرت لم تصبر على حقِّ. وذكرَ رجلا فَقَالَ: لَا يحقر ضَعِيفا، وَلَا يحْسد شريفاً. وَقَالَ: الشرفُ مَن عُدَّت سقطاتُه. وَقيل لَهُ: مَا اللؤُّم؟ قَالَ: الاستعصاءُ على الملهوف. قيل: فَمَا الْجُود؟ قَالَ: الاحتيالُ للمعروف. وَسمع رجلا يَقُول: مَا بتُّ البارحةً من وجع ضرس. وَجعل يُكثر، فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَف: كم تكْثر ﴿﴾ فو الله لقد ذهبت عَيْني مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة، فَمَا قلتُ لأحد. وَقيل لَهُ: مَا الْحلم؟ قَالَ: الذُّل. وَقَالَ: لستُ بحليم وَلَكِنِّي أتحالم. وَقَالَ يومَ قُتل مُصعب: انْظُرُوا إِلَى المصعب، على أَي دَابَّة يخرج؟ فَإِن خرج على برْذَوْن فَهُوَ يُرِيد الْمَوْت، وَإِن خرج على فرس فَهُوَ يُرِيد الْهَرَب. قَالَ: فَخرج على برذونٍ يجر بَطْنه. وَقَالَ الْأَحْنَف: استميلُوا النِّساء بِحسن الْأَخْلَاق وفُحْشِ النكّاح. وَقَالَ: وجدتُ الحلمَ أنْصر لي من الرِّجال. جلس معاويةُ يَوْمًا - وَعِنْده وجُوه النَّاس، وَفِيهِمْ الأحنفُ، إِذا دخل رجلٌ من أهل الشَّام، فَقَامَ خَطِيبًا، وَكَانَ آخر كَلَامه: أَن لعَن عليا ﵇. فَأَطْرَقَ النَّاس، وَتكلم الأحنفْ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن هَذَا الْقَائِل آنِفا مَا قَالَ، لَو علم أَن رضاك فِي لعن الْمُرْسلين للعنهم، فَاتق الله، ودع عليا، فقد لَقِي الله، وافرد فِي حفرته، وخلا بِعَمَلِهِ. وَكَانَ - وَالله - مَا علمنَا المبرِّز بِسَيْفِهِ، الطَّاهِر فِي خُلُقه، الميمون النقيبة، الْعَظِيم الْمُصِيبَة.
стр. 961
فَقَالَ مُعَاوِيَة، يَا أحنفُ لقد أغضيتَ العينَ عَن القذى، وقُلت بِغَيْر مَا نرى، وأيْم الله لتصعدنَّ الْمِنْبَر، فلتلعننه طَائِعا أَو كَارِهًا. قَالَ الْأَحْنَف: إِن تُعفني فَهُوَ خيرٌ، وَإِن تجبرني على ذَلِك، فو الله لَا تجْرِي بِهِ شفتاي. قَالَ: قُم، فاصعد. قَالَ: أمَا وَالله لأُنصفنك فِي القَوْل وَالْفِعْل. قَالَ مُعَاوِيَة وَمَا أَنْت قائلٌ إِن أنصفتني؟ قَالَ: أصعد فَأَحْمَد الله بِمَا هُوَ أهلُه، وأصلي على نبيه. ثمَّ أقولُ: أيُّها النَّاس. إِن مُعَاوِيَة أمَرني أَن ألعن عليا. أَلا وَإِن عليا وَمُعَاوِيَة اخْتلفَا واقتتلا، وَادّعى كلُّ وَاحِد مِنْهُمَا أَنه مَبْغِيٌّ عَلَيْهِ، وعَلى فئته، فَإِذا دعوتُ فأمِّنوا - يَرْحَمكُمْ الله. ثمَّ أقولُ: اللَّهُمَّ ألعن أَنْت وملائكتُك، وأنبياؤُك، ورسلك، وَجَمِيع خلقك الْبَاغِي مِنْهُمَا على صَاحبه، والعن الفئة الباغية على الفئة المبغى عَلَيْهَا. آمين رب الْعَالمين. فَقَالَ مُعَاوِيَة: إِذن نُعفيك يَا أَبَا بَحر. وَقَالَ لَهُ رجل: بِمَ سُدْتَ؟ قَالَ: بَتْركي من أَمرك مَا لَا يعنيني، كَمَا عناك من أَمْرِي مَا لَا يَعْنِيك. وَقَالَ: من حقِّ الصّديق أَن تُحتمل لَهُ ثلاثٌ: ظلم الْغَضَب، وظلم الدَّالَّة، وظلم الهفوة. خطب مُعَاوِيَة مرّة، فَقَالَ: إِن الله يَقُول فِي كِتَابه: وَإِن مِّن شَيء إِلَّا عندنَا خزائنهُ فعلامَ تَلُومُونَنِي إِذا قصرتُ فِي أعطياتكم؟ فَقَالَ الأحنفُ: فَجَعَلته أَنْت فِي خزائنك، وحُلْت بَيْننَا وَبَينه وَلم تُنزله إِلَّا بِقدر مَعْلُوم. قَالَ: فَكَأَنَّمَا ألُقمه حَجَراً. وَقَالَ: مَا نَازَعَنِي أحد قطُّ إِلَّا أخذتُ عَلَيْهِ بأُمور ثَلَاثَة: إِن كَانَ فَوقِي عرفتُ لَهُ قدرهُ.
стр. 962
وَإِن كَانَ دوني أكرمتُ نَفسِي عَنهُ، وَإِن كَانَ مثلي تفضلتُ عَلَيْهِ. وَقَامَ بصفِّين، فَاشْتَدَّ، فَقيل لَهُ: أَيْن الْحلم يَا أَبَا بَحر؟ . قَالَ: ذَاك عِنْد عُقْر الْحَيّ. وَقَالَ: لم تزل العربُ تستخفُّ بأبناءِ الإمَاءِ حَتَّى لحق هَؤُلَاءِ الثلاثةُ: عليُّ بن الْحُسَيْن، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وَسَالم بن عبد الله. فاستقل بَنو الْإِمَاء ولحقُوا. وَقَالَ: لَا تشَاور الجائع حَتَّى يشْبع، وَلَا العطشان حَتَّى يَرْوى، وَلَا الأسيرَ حَتَّى يُطلق، وَلَا المضلَّ حَتَّى يجد، وَلَا الرَّاغِب حَتَّى ينجح. وأتى مصعبَ بنَ الزبير يكلِّمه فِي قوم حَبسهم، فَقَالَ: أصلح الله الْأَمِير، إِن كَانُوا حُبُسوا فِي بَاطِل فالحقُّ يُخرِجُهم، وَإِن كانُوا حُبسوا فِي حقٍّ فالعفو يسعُهم. فخلاهُم. وَقَالَ: السُّودَد، مَعَ السوَاد. يُرِيد أَن السَّيِّد مَن أتتهُ السِّيادةُ فِي حداثته وسَواد رَأسه ولحيته. وَجلسَ على بَاب زِيَاد، فمرت بِهِ ساقيةٌ، فَوضعت قربتها، وَقَالَت: يَا شيخُ. احفظ قربتي حَتَّى أعودَ، وَمَضَت، وأتاهُ الأذنُ فَقَالَ: انهض. قَالَ: لَا، فَإِن معي وَدِيعَة. وأقامَ حَتَّى جاءَت. وَشَتمه يَوْمًا رجلٌ وألح عَلَيْهِ فَقَالَ لهُ: يَا بن أُمِّي. هَل لَك فِي الْغَدَاء؟ فَإنَّك منذُ الْيَوْم تَحْدْو بجَمل ثَفال. وَقَالَ: كُنا نختلفُ إِلَى قيس بن عَاصِم فِي الْحلم، كمَا يُختلفُ إِلَى الفُقهاءِ فِي الْفِقْه. وَشَتمه رجلٌ، فسَكت عنهُ، فأعادَ، فَسكت، فَقَالَ الرجلُ: والهفاهُ وَمَا يمنعهُ أَن يرد عليَّ إِلَّا هَوانِي عَليه. وَقَالَ الأحنفُ: مَن لم يصبر على كملة سمع كَلِمَات، ورُبَّ غيظ قد تجرعتُه مخافةَ مَا هُواَ أشدُّ مِنْهُ. وَكَانَ إِذا أتاهُ إنسانٌ أوسع لهُ، فَإِن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أَنه يَوسعُ لَهُ.
стр. 963
وَقَالَ: مَا جلستُ قطّ. مَجْلِسا. فخفتُ أَن أقامَ عنهُ لغيري. وَكَانَ يقولُ: إياك وَصدر الْمجْلس فَإِنَّهُ مجْلِس قُلعةٌ. وَقَالَ: خير الإخوان من إِذا اسْتَغْنَيْت عَنهُ لم يزدك فِي الْمَوَدَّة وَإِن احتْجتَ إِلَيْهِ لم يَنقصك مِنْهَا، وَإِن كُوثرت عَضَّدك، وَإِن احتجت إِلَى معونته رفدك. وَقَالَ: العتابُ مفتاحُ التِّقالِي، والعتابُ خيرٌ من الحقد. وَمر بعكرَاش بن ذُؤيب - وَكَانَ مِمَّن شهد الْجمل مَعَ عَائِشَة - فقُطعت يَدَاهُ جَمِيعًا. فصاح بِهِ عكراش: يَا مخِّذلُ. فَقَالَ الأحنفُ إِنَّك لَو كنت أطعتني لأكلت بيمينك وامتسحت بشمالك. وَيُقَال: إِنَّه لم يُرَ قطُّ ضجرا إِلَّا مرّة وَاحِدَة، فَإِنَّهُ أعطي خياطاً قَمِيصًا بخيطُهُ، فحَبسه حَوْلَيْنِ. فَأخذ الأحنفُ بيَد ابْنه بَحر، فَأتى بِهِ الْخياط، وَقَالَ: إِذا متُّ فادفع الْقَمِيص إِلَى هَذَا. وَكَانَ يَقُول: لَا صديقِ لملَول، وَلَا وَفاءَ لكّذوب، وَلَا رَاحَة لحسود، وَلَا مُرُوءَة لبخيل، وَلَا سودَد لسيِّئ الخلْق. وَقَالَ: كَاد العلماءُ يلونُون أَرْبَابًا، وكل عزٍّ لم يوطِّد بعلمٍ فَإلَى ذلٍّ مَا يصير. قَالَ رجلٌ للأحنف: تسمعُ بالمعيديِّ خير من أَن ترَاهُ. قَالَ: وَمَا ذممت منِّي يَا أخي؟ قَالَ: الدمامة، وقِصَرَ الْقَامَة. قَالَ: لقد عبت مَا لم أؤامَر فِيهِ. وأسمعه رجلٌ، فَأكْثر. فَلَمَّا سكت، قَالَ الأحنفُ: يَا هَذَا، مَا ستر اللهُ أَكثر. وَقَالَ: كثرةُ الضحك تُذهبُ الهيبة، وكثرةُ المَزح تُذهبُ الْمُرُوءَة، ومَن لزمَ شَيْئا عُرف بِهِ. لما نَصَّب معاويةُ ابْنه يزيدَ لولاية الْعَهْد أقعدهُ قبَّة حَمْرَاء، فَجعل النَّاس يُسلِّمون على مُعَاوِيَة، ثمَّ يميلُون إِلَى يزيدَ حَتَّى جاءهُ رجلٌ فَفعل ذَلِك. ثمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اعْلَم أَنَّك لَو لم تُولِّ هَذَا أُمُور الْمُسلمين لأضعتها - والأحنفُ جالسٌ - فَقَالَ لَهُ معاويةُ: مَا بالُك لَا تقولُ يَا أَبَا بَحر ﴿﴾ فَقَالَ:
стр. 964
أخافُ الله إِن كذبتُ، وأخافكم إِن صدقتُ. فَقَالَ جَزَاك اللهُ عَن الطاعَة خيرا. وأمرَ لَهُ بأُلُوف. فَلَمَّا خرج الأحنفُ لقيَهُ الرجلُ بِالْبَابِ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَحر: إِنِّي لأعْلم أَن شَرّ مَا خلق الله هَذَا وابنُه، وَلَكنهُمْ قد استوثقوا من هَذِه الْأَمْوَال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمعُ فِي استخدامها إِلَّا بِمَا سَمِعت. فَقَالَ لَهُ الأحنفُ: يَا هَذَا أمُسِك، فَإِن ذَات الوَجهين خليقٌ أَلا يكون عِنْد الله وَجيهاً. وَقَالَ الْأَحْنَف: أَلا أدلكُم على المحمَدة بِلَا مرزئة: الخلقُ السجيح والكفُّ عَن الْقَبِيح. وَقَالَ الْأَحْنَف: أَلا أخبركُم بأدوأ الداءِ؟ الخلقُ الدنيءُ، وَاللِّسَان الْبَذِيء وَقَالَ: ثلاثٌ فيَّ مَا أقولُهن إِلَّا ليعتبرَ معتبرٌ: مَا دَخلتُ بَين اثْنَيْنِ حَتَّى يُدخلاني بينهُما، وَلَا أتيتُ بَاب أحد من هَؤُلَاءِ مَا لم أدع إِلَيْهِ - يَعْنِي: السُّلطان - وَلَا حَللتُ حَبَوتي إِلَى مَا يقومُ إِلَيْهِ النَّاس. وَقيل لَهُ: أَي الْمجَالِس أطيبُ؟ قَالَ: مَا سَلم فِيهِ الْبَصَر، واتَّدع فِيهِ البدَنُ. وَكَانَ يَقُول: مَا تزالُ العربُ بِخَير مَا لَيست العمائمَ، وتقلدتِ السيوف وَلم تَعُدَّ الْحلم ذُلاً وَلَا النواهب بَينهَا ضعةً. قَوْله: لبست العمائم، يُرِيد مَا حافظت على زيِّها. وَقَالَ: مَا شاتمتُ أحدا منذُ كنت رجلا، وَلَا زحَمتْ رُكبتاي رُكْبَتَيْهِ، وَإِذا لم أصل مُجنديَّ حَتَّى يُنتح جَبينه - كَمَا تنتح الحميتُ فو الله مَا وصلتُه. وَقَالَ: إِنِّي لأجالس الأحمق السَّاعَة فأتبين ذَلِك فِي عَقْلِي.
стр. 965
وَقَالَ لَهُ معاويةُ: بلَّغني عَنْك الثقّةُ. فَقَالَ: إِن الثِّقَة لَا يبلِّغُ. وعُدَّت على الْأَحْنَف سَقطةٌ، وَهُوَ أَن عَمرو بن الْأَهْتَم دس إِلَيْهِ رجلا ليسفِّههُ. فَقَالَ: يَا أَبَا برح: مَن كَانَ أَبوك فِي قومه؟ قَالَ: كَانَ من أوْسطهم، لم يسدُهم وَلم يتَخَلَّف عَنْهُم. فَرجع إِلَيْهِ ثَانِيَة، ففطِن الأحنفُ أَنه من قِبل عَمْرو. فَقَالَ: مَا كَانَ مالُ أَبِيك؟ قَالَ: كَانَت لَهُ صِرمةٌ يمنح مِنْهَا، ويقرى وَلم يكُن أهتَم سَلاَّحاً. وَسمع رجلا يَقُول: التعُّلم فِي الصِّغر، كالنقش على الْحجر. فَقَالَ الْأَحْنَف. الكبيرُ أكبرُ عَقْلاً، وَلكنه أشْغلُ قلْباً. وَلما قدَم على عمرَ فِي وفْد أهْل الْبَصْرَة وَأهل الْكُوفَة فَقضى حَوائجهُم قَالَ الأحْنفُ: إِن أهل هَذِه الْأَمْصَار نزلُوا على مثل حدّقة الْبَعِير، من الْعُيُون الْعَذَاب، تأْتيهم فواكهُهم لم تَتَغَيَّر. وَإِنَّا نزلنَا بِأَرْض سبخَة نشاشة، طرَفٌ لَهَا بالفلاة. وطرف بالبحر الأُجاج. يأْتينا مَا يأْتينا فِي مثل مَرئ النعامة، فَإِن لم ترفع خسيستنا. بعطاءٍ تُفضِّلُنا بِهِ على سَائِر الْأَمْصَار نهلك. قيل: لما أجمَع مُعاويةُ على الْبيعَة ليزيدَ جمع الخطباءَ فتكلموا - والأحنفُ ساكتٌ - فَقَالَ: يَا أَبَا بَحر. مَا منعَك من الْكَلَام؟ قَالَ: أَنْت أعلُمنا بيزيدَ ليله ونهاره، وسره، وعَلانيته، فَإِن كنت تعلُم أَن الْخلَافَة خيرٌ لهُ فاستخلفْه وَإِن كنت تعلُم أَنَّهَا شرُّ لَهُ فَلَا تُوَلِّه الدُّنَيا وَأَنت تذهبُ إِلَى الْآخِرَة، فَإِنَّمَا لَك مَا طَابَ، وعلينا أَن نقُول: سمعنَا وأطعنا: وَقَالَ الأحنفُ: المروءةُ كلُّها إصلاحُ المَال، وبذلُه للحقوق. وَكتب إِلَيْهِ الحسينُ ﵇: فَقَالَ للرسول: قد بلونا أَبَا حسن، وَآل أبي حسن، فَلم نجد عندَهُم إيالةً للمُلك، وَلَا مكيدةً فِي الْحَرْب. وَقَالَ لعلّي ﵇: إِنِّي قد عجمتُ الرجل، وحلبتُ أشطرَهُ فوجدتُه قريب العقْر، كليل المُدْية. يَعْنِي أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
стр. 966
وَكَانَ يَقُول: مَا بعدَ الصَّوَاب إِلَّا الخطأُ، وَمَا بعد مَنْعِهِنَّ الأَكْفاءَ بذلُهن للسلفة والغوغاء. وَكَانَ يَقُول: لَا تطلُبوا الْحَاجة إِلَى ثَلَاثَة: إِلَى كذوبٍ فَإِنَّهُ يُقرِّبها عَلَيْك وَهِي بعيدةٌ، ويباعدُها وَهِي قريبةٌ، وَلَا أَحمَق فَإِنَّهُ يُرِيد أَن ينفعَك فيضرك، وَلَا إِلَى رجل لَهُ إِلَى صَاحب الْحَاجة حاجةٌ، فَإِنَّهُ يجعلُ حَاجَتك وقاية لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ: مَا كشفتُ أحدا قطُّ عَن حَال عِنْده إِلَّا وجَدتُها دون مَا كنتُ أظنُّ. وَقَالَ: رُب ملوم لَا ذنْب لَهُ. وَقدم وَفد الْعرَاق على مُعَاوِيَة: وَفِيهِمْ الْأَحْنَف - فَخرج الْآذِن، فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يعزمُ عَلَيْك أَلا يتَكَلَّم أحدٌ إِلَّا لنَفسِهِ. فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ قَالَ الأحنفُ: لَوْلَا عزمةُ. أَمِير الْمُؤمنِينَ لأخبرتُه أَن دفةً دفت، ونازلةً نزلت، ونائبة نابت ونابتةً نَبتَت، كلُّهم بِهِ حاجةٌ إِلَى مَعْرُوف أَمِير الْمُؤمنِينَ، وبرِّه. قَالَ: حَسبك يَا أَبَا بَحر، فقد كفيت الْغَائِب والساعد. وَجرى ذكُر رجل عِنْده فاعتابوه. فَقَالَ الأحنفُ: مَا لكُم ولهُ؟ يَأْكُل لَذَّته، وَيَكْفِي قِرنه، وتحملُ الأَرْض ثقله. وَقَالَ لمعاوية - وَقد ذكَّره مقامهُ بصفين -: وَالله إِن الْقُلُوب الَّتِي أبغضناك بهَا لبين جوانحِنا، وَإِن السيوف الَّتِي قَاتَلْنَاك بهَا لعلى عواتِقنا. وَلَئِن مددت بشبر من غدر لنمدن بباع مِن مَحْتد، وَلَئِن شِئْت لتستصِفيَن كدر قُلوبنا بصفو حِلمك. قَالَ: فَإِنِّي أفعلُ. وَلما خطب زيادٌ بِالْبَصْرَةِ قَامَ الأحنفُ فَقَالَ: أَيهَا الأميرُ، قد قلت فأَسمعتَ ووعظت فأَبلغت أيُّها الأميرُ، إِنَّمَا السَّيْف بحدِّه، والفرُس بشدِّه، والرجلُ بجِده، وَإِنَّمَا الثناءُ بعد البلاءِ، والحمدُ بعد العطاءِ، وَلنْ نُثني حَتَّى نبتلي.
стр. 967
وَقَالَ الأحنفُ: لَا تَعْدَّنَّ شتم الْوَالِي شتماً، وَلَا إغلاظهُ إغلاظاً، فَإِن ريحَ الْعِزَّة تبسط اللِّسان بالغِلظةِ فِي غير بأْس وَلَا سَخط. وَقَالَ: لَا تنقبضُوا عَن السُّلطان، وَلَا تتهالكُوا عليهِ، فَإِنَّهُ من أشرف للسُّلْطَان ازدراه، ومَنْ تفرغَ لَهُ تخطاه. وَقَالَ: مَا جَلستُ مذ كنت مَجِلِسَ قُلْعَةٍ وَلَا ردَدتُ على كُفو مقَالَة تُسوءُه وَلَا خاصمتُ فِي أمرِ كريهةٍ لي، لِأَن مَا بذلُتُ لصاحِبها أكثرُ مِمَّا أخاصِمُه فِيهِ من أجْلِها. وَقَالَ كفى بالرجلِ حَزْماً إِذا اجْتمع عَلَيْهِ أمْران، فَلم يدرِ أيُّهما الصًّوابُ أَن ينظْرَ أغلبهما عَلَيْهِ فيحذرهُ. وَلما حُكِّم أَبُو مُوسَى أتاهُ الأحنفُ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى. إِن هَذَا مسيرٌ لَهُ مَا بَعْدَه من عزِّ الدُّنيا أَو ذُلِّها آخرَ الدَّهْر. ادعُ القوْم إِلَى طَاعَة عَليّ، فَإِن أبَوْا فادْعهُم إِلَى أَن يخْتَار أهلُ الشَّام من قُرَيْش الْعرَاق مَن أحبُّوا، ويختار أهلُ الْعرَاق من قُرَيْش الشامِ من أحبُّوا. وَإِيَّاك إِذا لقِيت ابْن الْعَاصِ أَن تصافحَه بنية أَو أَن يُقعِدَك على صَدْر الْمجْلس، فَإِنَّهَا خديعةٌ، أَو أَن يَضُمَّكَ وإياه بيتٌ يكمنُ لَك فِيهِ الرجالُ، ودَعْهُ فليتكلمْ لتَكون عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، فَإِن البادئ مُستغلقٌ، والمجيب ناطقٌ. فَمَا عمل أَبُو مُوسَى إِلَّا بِخِلَاف مَا أَشَارَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ الأحنفُ - والتقيا بعد ذَلِك -: أدْخِلْ - واللهِ - قدميْك فِي خُفٍّ وَاحِد. وَقَالَ بخُراسان: يَا بني تَميم، تحابُّوا وتباذَلَوا تعْتدل أمورُكم، وابدءُوا بجهادِ بطونكم، وفروجِكم يصلُح دينكُمْ، وَلَا تَغُلُّوا يسلم لكم جهادكم. وَقَالَ لأهل الْكُوفَة: نَحن أبعدُ مِنْكُم سرَّيةً، وأعظَمُ مِنْكُم تجربةً، وَأكْثر مِنْكُم دُرِّيةً، وأعْدى مِنْكُم برِّية. وَلما قدمت الوفودُ على عُمَر قَامَ هلالُ بنُ بِشر، فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ إِنَّا غُرَّةُ من خَلْفنا مِن قَومنَا، وشادةُ من وَرَاءَنَا من أهلِ مِصْرِنَا، وَإنَّك إِن تصرِفنا بِالزِّيَادَةِ فِي أعطِياتنا، والفرائض لعيالاتنا - يزددُ بذلك الشريفُ تأميلاً، وتكُن لَهُم أَبَا وَصُولا، وَإِن تكُنْ - مَعَ مَا نَمُتُّ بِهِ من فضائِلكُ ونُدْلي بأسبابك - كالجُدِّ لَا
стр. 968
يُحلُّ وَلَا يرْحلُ نرْجِع بآنُفٍ مَصْلوَمة، وجُدود عاثرةٍ، فِمحنا وأهالينا بَسْجلٍ مُتْرَع من سِجالك المُترعة. وَقَامَ زيدُ بن جبلة، فَقَالَ: يَا أميرَ الْمُؤمنِينَ، سوِّدِ الشريف، وَأكْرم الحسيبَ، وأزْرعْ عِندنا من أيَاديِك مَا تسدُّ بِهِ الْخَصَاصَة ونطرد بِهِ الْفَاقَة. فَإنَّا بقُف من الأَرْض يَابِس الأكناف، مٌقشعرِّ الذروَة، لَا شجر وَلَا زرع، وَإِنَّا من الْعَرَب الْيَوْم إِذا أَتَيْنَاك بمرأى ومسمع. فَقَامَ الأحنفُ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن مفاتيحَ الْخَيْر بيد الله، والحرصَ قائدُ الحرمان، فَاتق الله فِيمَا لَا يُغني عَنْك يومَ الْقِيَامَة قيلا، وَلَا قَالَا وَاجعَل بَيْنك وَبَين رعيتك من الْعدْل والإنصاف، شَيْئا يَكْفِيك وفادة الوُفوِد، واستماحةَ المُمْتاح، فَإِن كُل امْرِئ إِنَّمَا يجمع فِي وعائه إِلَّا القُل مِمَّن عَسى أَن تقتحمهُ الأعينُ وتخونهم الألسن، فَلَا يفد إِلَيْك.
стр. 969
الْبَاب الرَّابِع كَلَام الْمُهلب وَولده
قيل للمهلِّب: مَا النبلُ؟ قَالَ أَن يخرج الرجلُ من منزله وَحده ويعودَ فِي جمَاعَة. وَقَالَ: مَا رأيتُ الرجل يضيقُ قلوبُها عِنْد شَيْء كَمَا تضيق عِنْد السرِّ. خطب يزيدُ بنُ الْمُهلب بواسطٍ فَقَالَ: إِنِّي قد أسمعُ قَول الرِّعاع: قد جَاءَ مسلمةُ وَقد جاءَ العباسُ، وَقد جَاءَ أهلُ الشَّام. وَمَا أهل الشَّام إِلَّا تسعةُ أسياف: سبعةٌ مِنْهَا معي، وَاثْنَانِ عَليّ. وَأما مسلمة فجرادة صَفراء، وَأما العباسُ فنسطوسُ بنُ نسطوس، أَتَاكُم فِي بَرابَرة وصقالية، وجَرَامقة، وأقباط، وأنباط، وأخلاط. إِنَّمَا أقبل إِلَيْكُم الفلاحُون وأوباشٌ كأشْلاء اللَّحْم. وَالله مَا لقوا قطّ كحدكم، وحَديدكم، وعَديدكم. وأعيُروني سَواعدكم سَاعَة من نَهَار تصِفقُون بهَا خراطيمهُم. وَإِنَّمَا هِيَ غَدوة أَو روحةٌ حَتَّى يحكُمَ الله بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الظَّالِمين. قَالَ المهلبُ: يَا بني، تباذلُوا تحَابوا، فَإِن بني الْأُم يختلفُون، فَكيف ببني العلات؟ إِن الْبر ينسأ فِي الأجَل، ويزيدُ فِي العَدَد، وَإِن القطيعة تُورث الْقلَّة، وتُعقب النَّار بعد الذلة. وَاتَّقوا زلَّة اللِّسان، فَإِن الرجل تزلُّ رجلُه، فينتقشُ، ويزل
стр. 970
لسانُه فيهلكُ، وعليكُم فِي الْحَرْب بالمكيدة، فَإِنَّهَا أبلغُ من النجدة، فَإِن الْقِتَال إِذا وَقع دَفع القضاءَ، فَإِن ظفر فقد سَعد، وَإِن ظُفر بِهِ لم يقولُوا فَّرط. قَالَ الجاحظُ: قَالَ المهلبُ: لَيْسَ أنمَى مِن سيف. فوجدَ الناسُ تَصْدِيق قَوْله فِيمَا قَالَ وَلَده من السَّيْف، فَصَارَ فيهم النَّماءُ. وَقَالَ عَليّ ﵇: بقيةُ السَّيْف أنمى عَدَداً، وأكرمُ ولدا. وَوجد الناسُ ذَلِك بِالْبَيَانِ الَّذِي صَار إِلَيْهِ ولُده مِن نهكِ السيفِ، وَكَثْرَة الذُّرِّيَّة وكرم النجل. وَمن كَلَام الْمُهلب: عجبتُ لمن يَشْتَرِي الممالِيك بمالِه، وَلَا يَشْتَرِي الْأَحْرَار بمعُرُوفه.
стр. 971
وَقَالَ يزيدُ بن الْمُهلب لِابْنِهِ مخلد - حِين ولاه جُرجَان: استظرفْ كاتِبك، واستعِقلْ حاجِبَك. قَالَ حبيب بن الْمُهلب: مَا رَأَيْت رجلا مُستلئماً فِي الْحَرْب إِلَّا كَانَ عِنْدِي رجُلين، وَلَا رَأَيْت حاسرين إِلَّا كُنَّا عِنْد وَاحِدًا. فَسمع بعض أهل الْمعرفَة هَذَا الْكَلَام، فَقَالَ: صَدق: إِن للسلاح فَضِيلَة. أمَا تراهم ينادون عِنْد الصَّرِيخ: السلاحَ السِّلَاح، وَلَا ينادُون: الرِّجَال، الرِّجَال. قيل يزيدَ بن الْمُهلب: أَلا تبني دَارا؟ فَقَالَ: مَنزلي دَار الإمَارة أَو الْحَبْس. أغْلظ. رجلٌ للمهلب، فحلم عَنهُ، فَقيل لَهُ: جَهل عَلَيْك وتحلُمُ عَنهُ؟ فَقَالَ: لم أعرف مَساوَيه، وكرهت أَن أبهته بِمَا لَيْسَ فِيهِ. قَالَ يزيدُ بن الْمُهلب: مَا رَأَيْت عَاقِلا ينوبه أمرٌ إِلَّا كَانَ مقوله على لَحْييه. وَقيل لَهُ: إِنَّك لتُلْقي نفسَك فِي المهالك. قَالَ: إِنِّي إِن لم آتٍ الْمَوْت مُسترسلاً أَتَانِي مُستعجلاً. إِنِّي لست أُتِي الْمَوْت من حُبِّه، وَإِنَّمَا أتيه من بغضه، ثمَّ تمثل: تأَخرت أستبقى الْحَيَاة فَلم أجد لنَفْسي حَيَاة مثل أَن أتقدمَا. كتب الْمُهلب إِلَى الْحجَّاج لما ظفر بالأزارقة: الحمدُ لله الَّذِي كفى بِالْإِسْلَامِ فقدُ مَا سواهُ، وَجعل الْحَمد مُتَّصِلا بنعَمه، وَقضى أَلا يَنْقَطِع المزيدُ من فَضله، حَتَّى يَنْقَطِع الشُّكْر من عبَاده ثمَّ إِنَّا وعَدوَّنا كُنَّا على حَالين مُختلفتين، نرى فيهم مَا يسرُّنا أَكثر مِمَّا يسوؤُنا، ويروَن فِينَا مَا يُسوءُهم أَكثر ممَا يسرُّهم. فَلم يزل الله يكثرُنا ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم، على اشتداد شوكتهم، فقد كَانَ عَلن أمُرهم حَتَّى ارتاعَت لَهُ الفتاة، ونوِّم بِهِ الرضيعِ، فْانتهزْتُ مِنْهُم الفرصة فِي وَقت إمكانها، وأدنَيْتُ السوادَ، مِن السوَاد حَتَّى تعارفَتِ الوُجوه. فَلم نزل كَذَلِك حَتَّى بلغ بِنَا وبهم الْكتاب أجَله. فقطِعَ دَابُر القومِ الَّذين ظَلَمْوا والحمدُ لله ربِّ الْعَالمين.
стр. 972
وَقَالَ الْمُهلب لِبَنِيهِ: يَا بني، إِذا غَدا عَلَيْكُم الرجل، ولاحَ مُسلِّما، فَكفى بذلك تقاضيا. وَقيل لَهُ: أيُّ الْمجَالِس خيرٌ؟ قَالَ: مَا بَعُدَ فِيهِ مَدَى الطرْف، وَكثر فِيهِ فَائِدَة الجليس. قَالَ الْمُهلب: الْعَيْش كلُّه فِي الجليس المُمتع. وَقَالَ يزيدُ بن الْمُهلب: مَا يسرُّني أَنِّي كفيت أمَر الدُّنيا. قيل مُهَاجِرين: وَلم؟ قَالَ: أكره عَادَة العَجْز. وَقَالَ المهلبُ لبنية: إِذا وليتُم فلينُوا للمُحْسن، واشتدُّوا على المُريب، فَإِن الناسَ للسُّلطان أهيبُ مِنْهُم لِلْقُرْآنِ. وَكَانَ يَقُول: أدْنى أَخْلَاق الشريف كتمانُ السِّر، وأعْلى أخلاقه نسيّانُ مَا أسر إِلَيْهِ. وَلما اسْتخلف ابْنه الْمُغيرَة على حَرْب الْخَوَارِج، وَعَاد هُو إِلَى مُصْعب بن الزبير جمعَ الناسَ فَقَالَ لَهُم: إنِّي قد استخلفتُ عَلَيْكُم الْمُغيرَة، وهُو أَبُو صغيركم رقةً وَرَحْمَة، وابنُ كبيركم طَاعَة وَبرا وتبجيلا، وأخُو مثله مواساة ومناصحة. فلتحُسن لَهُ طاعتُكم، ولْيِلن لَهُ جانبكُم، فوَاللَّه مَا أردتُ صَوَابا قطُّ إِلَى سَبقني إِلَيْهِ. وَكَانَ الحجاجُ كتب إِلَيْهِ وَهُوَ فِي وَجْه الْخَوَارِج: أما بعدُ فَإِنَّهُ بَلغنِي أَنَّك قد أَقبلت عَلى جبَاية الْخراج، وَتركت قتال العدُوِّ. وَإِنِّي ولَّيْتُك وَأَنا أرى مَكَان عبد الله بن حكيمٍ الْمُجَاشِعِي، وَعباد بن حصَين الحَبطي، واخترتُك وَأَنت من أهل عمان، ثمَّ رجل من الأزد. فالْقهُم يَوْم كَذَا فِي مَكَان كَذَا وَإِلَّا أشرعتُ إِلَيْك صَدْر الرماح فشاورَ بنيهِ، فَقَالُوا: إِنَّه أميرٌ فَلَا تغْلْظ عَلَيْهِ فِي الْجَواب. فَأَجَابَهُ المهلبُ: وردَ علىَّ كتابُك، تزعُم أَنِّي أقبلتُ على جباية الْخراج، وتركتُ قتال العدُو. ومَن عجز عَن جبايةِ الْخراج فهُو عَن قتال العدوِّ أعجَزُ، وزعمتَ أَنَّك وليتني، وَأَنت ترى مَكَان عَبدِ الله بن حَكِيم، وعَبادِ بن حُصَيْن ولوْ وليْتهُما لكانا مُسْتحقَّيْن لذَلِك فِي فضلهما، وغنائهما، وبطشِهما. وَإنَّك اخترتني - وَأَنا رجلٌ من الأزد. ولعَمَري إِن شرا من الأزد لقبيلةٌ تنازعها ثلاثُ قبائل لم تستقِر
стр. 973
فِي وَاحِدَة منهُن. وَزَعَمت أَنِّي إِن لم ألقهُم فِي يَوْم كَذَا أشرعْت إِلَى صَدْر الرُّمْح. فَلَو فعلت لَقلَبْتُ إِلَيْك ظَهْرْ المِجّنِّ وَالسَّلَام. وَوجه الحجاجُ إِلَيْهِ الجراحَ بن عَبْد الله يستبطئُه فِي مناجَزة الْقَوْم. وَكتب إِلَيْهِ: أما بعد. فَإنَّك جَبيتَ الْخراج بالعلل، وتحصنتَ بالخنادق، وطاولت الْقَوْم وَأَنت أعزُّ ناصراً، وَأكْثر عَددا. وَمَا أظنُّ بك مَعَ هَذَا مَعْصِيّة وَلَا جبْناً، وَلَكِنَّك اتخذتهم أُكْلاً. وَكَانَ بقاؤهم أيْسرَ عَلَيْك من قِتَالهمْ. فناجزْهم، وَإِلَّا أنْكرتني. والسلامُ. فَقَالَ الْمُهلب للجراح: يَا أَبَا عقبَة. وَالله مَا تركتُ حِيلَة إِلاَّ احتلْتُها، وَلَا مكيدة إِلَّا أعُملتُها. وَمَا العجبُ من إبطاء النَّصْر، وتراخي الظفر، وَلَكِن الْعجب أَن يكون الرأيُ لمنْ يملُكه دون مَن يبصرهُ. ثمَّ ناهضهم ثَلَاثَة أَيَّام يُغاديهم الْقِتَال، وَلَا يزالُون كَذَلِك إِلَى الْعَصْر، حَتَّى قَالَ الْجراح: قد أعذرت وينصرفُ أصحابهُ. وبهم قَرْح، وبالخوارج قَرْح، وَقتل. وَكتب الْمُهلب إِلَى الْحجَّاج: أَتَانِي كتابُك: تستبطئُني فِي لِقَاء الْقَوْم. على أَنَّك لَا تُظنُّ بِي مَعْصِيّة وَلَا جبْناً. وَقد عاتبْتني مُعاتبة الجَبان، وواعدتني وعيدَ العَاصِي. فسل الْجراح. وَالسَّلَام. وَكتب إِلَيْهِ الحجاجُ: أما بعد. فَإنَّك تتراخى عَن الْحَرْب حَتَّى يأْتيك رُسلي فيرجعوا بُعذْرك، وَذَاكَ أَنَّك تُمسك حَتَّى تَبرأ الجِرَاحُ، وتُنَسى القتْلى، ويجُمَّ الناسُ، تلْقاهم فتحتملَ مِنْهُم مثْلَ مَا يحْتَملُونَ مِنْك من وْحشة الْقَتْل، وألمِ الْجراح. وَلَو كُنت تلْقاهُم بذلك الجِد لَكَانَ الداءُ قدْ حُسِم، والقرنُ قد قُصِم. ولعَمْرِي مَا أنْت والقومُ سَوَاء، لِأَن مِنْ ورائك رجِالاً. وأمامك أَمْوَالًا. وَلَيْسَ للْقَوْم إِلَّا مَا مَعَهم،؟ وَلَا يُدرَكُ الوجيفُ. بالدبيبِ وَلَا الظفَر بالتعذير. فَكتب الْمُهلب إِلَيْهِ: أما بعدُ. فإنِّي لم أعْط رسلك على قَول الحقِّ أجرا، وَلم أحتج مِنْهُم مَعَ الشاهدة إِلَى تلقين ذكرت أَنِّي أجُمُّ الْقَوْم، وَلَا بُد من رَاحَة
стр. 974
يستريح فِيهَا الْغَالِب، ويحتال فِيهَا المغلوب، وذكرتَ أَن فِي الجمام مَا يُنسي الْقَتْلَى، ويْبرِئُ الْجراح. وهيهات أنْ يُنَسى مَا بَيْننَا وَبينهمْ تأْتي ذَلِك قَتْلَى لم تُجَن، وقروح لم تُتَقرف. وَنحن وَالْقَوْم على حَالة وهم يرقبُون منا حَالات، وَإِن طمعُوا حَاربُوا، وَإِن مَلُّوا وقفُوا، وَإِن يئُسوا انصرَفوا، وعلينا أَن نقاتلهم إِذا قَاتلُوا، ونتحرز إِذا وَقفُوا، ونطلب إِذا هربوا، فإنْ تَرَكتنِي والرأي كَانَ القِرن مفصُوما، والداءُ - بِإِذن الله - محسُوماً، وَإِن أعجَلتني لم أطعك، وَلم أعص، وَجعلت وَجْهي إِلَى بابك وَأَنا أعوذ بِاللَّه من سَخط الله ومَقت النّاس ﴿وخطبَ يزيدُ بن الْمُهلب بواسط﴾ فَقَالَ: يَا أهل الْعرَاق، يَا أصحَاب السَّبق والسِّباق، وَمَكَارِم الْأَخْلَاق. إِن أهل الشَّام فِي أفوَاههم لقمةٌ دَسمةٌ قد زيِّنت لَهَا الأشداق، وقامُوا لَهَا على سَاق، وهم غير تاركيها لكم بالمراءِ والجدال، فالْبُسوا لَهُم جُلودَا النمر. وَقيل للمهلب فِي بعض حروبه: لَو نمت. فَقَالَ: إِن صَاحب الْحَرْب إِذا نَام نامَ جَدُّه. وَقَالَ كفى بِالْمَرْءِ مَسْأَلَة أَن يغدُوَ عَلَيْك ويرُوح. وَقَالَ لَهُ رجل: إِن لي حَاجةً لَا ترزؤك فِي مَالك، وَلَا تنكُدُك فِي نَفسك قَالَ: وَالله لَا قَضَيتْها. قَالَ: ولمَ؟ قَالَ: لِأَن مثلي لَا يسال مثلهَا. وَقَالَ: مَا السَّيْف الصارم فِي كف الشجاع بِأَعَز من الصِّدق؟ وَمر بِقوم من ربيعَة فِي مجْلِس لَهُم، فَقَالَ رجلٌ من الْقَوْم: هَذَا سَيِّدُ الأزد، قيمتُه خَمْسمِائَة دِرْهَم. فَسَمعهُ الْمُهلب، فَأرْسل إِلَيْهِ بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم. قَالَ: دُونك يَا ابنُ، قيمةَ عمِّك، وَلَو كنت زِدْت فِيهَا لزدتك.
стр. 975
الْبَاب الْخَامِس كَلَام أبي مُسلم
قيل لَهُ: مَا كَانَ سبَب خُرُوج الدولة عَن بني أُميَّة؟ فَقَالَ: ذَلِك لأَنهم أبعدُوا أولياءهم ثِقَة بهم، وأدَنوْا أعداءَهم تأَلُّفاً لَهُم، فَلم يصر العدوُّ بالدنُّو صَديقاً وَصَارَ الصّديق بالبعاد عدُوّاً. وَقيل لَهُ فِي حداثته: إِنَّا نرَاك تأْرق كثيرا، وَلَا تنام كأَنك مُوَكلٌ برَعي الكوَاكب، وأو مُتوقِّعٌ للوَحي من المساءِ. فَقَالَ: وَالله مَا هُوَ ذَاك، وَلَكِن لي رأيٌ جوالٌ، وغريزةٌ تامةٌ، وذهنٌ صَاف، وهمة بعيدَة ونفسٌ تَتُوقُ إِلَى معالي الْأُمُور مَعَ عَيْش كعيش الهمَج والرِّعاع، وحَالٍ مُتناهية من الأتَضاع، وإنِّي لأَرى بعض هَذِه مُصِيبَة لَا تجبرُ بسهر، وَلَا تتلافى بأرق. قيل لَهُ: فَمَا الَّذِي يُبْرِدُ عَليك، ويشفي أجَاج صدرك؟ قَالَ: الظفرُ بالمُلك. وَقيل لَهُ: فاطلب. قَالَ: إِن المُلك لَا يطْلب إِلَّا بُركوب الْأَهْوَال. قيل: فاركب الأَهوال: قَالَ: هَيْهَات. الْعقل مانعٌ من ركُوب الْأَهْوَال. قيل. فمَا تصنع وَأَنت تُبْلَى حسرةً وتذوب كمداً؟ . قَالَ: سأجعَل من عَقلي بعضه جهلا، وأحاول بِهِ خطراً، لأنال بِالْجَهْلِ مَالا يُنال إِلَّا بِهِ. وأدَبِّر بِالْعقلِ مَالا يحفَظ. إِلَّا بقوته، وأعيش عَيْشًا يُبين مَكَان حَياتِي فِيهِ من مَكَان مَوتي عَلَيْهِ، فإنّ الخمول أخُوا العَدم والشُّهرةَ أَبُو الْكَوْن.
стр. 976
قَالَ رجلٌ من أهل الْعرَاق: أَوْصَانِي أَبُو مُسلم وآنَسنى، ثمَّ سَأَلَني، فَقَالَ: أيُّ الْأَعْرَاض أدنى؟ فَقلت: عِرْض بخيل. قَالَ: كلا. رُبَ بُخْل لم يَكْلَم عرضا. قلت: فأيها أصلحَ الله الأميرَ؟ قَالَ: عرضٌ لمَ يَرتع فِيهِ حربٌ وَلَا دمٌ. قَالَ أَبُو زيد: سَمِعت رؤبة يَقُول: مَا رَأَيْت أروَى لأشعارنا أبي مُسلم من رجل يرتضخ لُكْنةً. قَالَ أَبُو زيد: وَإِذا قَالَ رؤبة لرجل يرتضخ لكنة فَهُوَ من أفْصح النَّاس. وَقَالَ أَبُو سلم: أَشد من يُقَاتِلكُمْ مُمتعضٌ من ذلةٍ، أَو محام على ديانَة أَو غيورٌ على حُرْمَة. كَانَ فاذوسبان. من كبار أهل نيسابور، وَكَانَت لَهُ عِنْد أبي مُسلم يدٌ فِي اجتيازه إِلَى خُراسان، فَكَانَ يرعَى لَهُ ذَلِك. فَقَالَ لَهُ يَوْمًا الفاذُوسبان: أيُّها السَّلاَّرُ - وَبِذَلِك كَانَ يخاطَبُ أَبُو مُسلم قبل قَتله ابنَ الكِرماني -: هَل مَال قَلْبك إِلَى أحد بخراسان؟ فَقَالَ: كنت فِي ضِيَافَة رجل يُقَال لَهُ فلانٌ السَّمرقَنْدِي، فَقَامَتْ بَين يَدي جاريةٌ لَهُ توضيني فاستحليتُها قَالَ: فانفذ الفاذوسبان إِلَى سَمَرْقَنْد، واحتال فِي تَحْصِيل الْجَارِيَة، ثمَّ أضَاف أَبَا مُسلم، وأمرَها بأَن توضئه، فَلَمَّا نظر إلّيها عرفهَا فَوَهَبَهَا لَهُ الفاذوسبان وَكَانَ لَا يُحجَب عَن أبي مُسلم فِي أَي وَقت جَاءَهُ، فَدخل إِلَيْهِ يَوْمًا فَوَجَدَهُ نَائِما فِي فرَاشه، فَانْصَرف، فَأمر أَبُو مُسلم برده، فجاءَ حَتَّى وقف عَلَيْهِ رَآهُ مضاجعاً تِلْكَ الْجَارِيَة وهما فِي ثيابهما وَبَينهمَا سيفٌ مْسلولٌ. فَقَالَ: يَا فاذو سبان، إِنَّمَا أَحْبَبْت أَن تقف على صُورَة مَنَامِي، لتعلم أَن من قَامَ بِمثل مَا قُمْت بِهِ لَا يفرغ إِلَى مُباشرة النِّساء. وَأنْشد: قومٌ إِذا حَاربُوا شدُّوا مآزرهم ... دون النِّساء وَلَو باتت بأطهار. وَكتب المنصورُ إِلَيْهِ: أحص خَزَائِن عبد الله عليَّ. فَقَالَ أبوْ مُسلم لتُعِطينَّ: قُل لَهُ: يَا بن سَلامَة نحنُ أمناءُ على الدِّماء، خونةٌ على الْأَمْوَال. كتب عبد الحميد عَن مَرْوَان كتابا إِلَى أبي مُسلم: صَاحب الدولة. وَقَالَ
стр. 977
لمروان: إِنِّي قد كتبتُ كتابا إِن نجع فَذَاك وَإِلَّا فالهلاكُ. وَكَانَ من كبر حجمه يُحمل على جمل، وَكَانَ نفث فِيهِ خَراشِي صَدره، وضمَّنه غرائب عجَره وبُجَره. وَقَالَ: إِنِّي ضامنٌ أنّه مَتى قَرَأَ الرسولُ - على المُستكفين قولَ أبي مُسلم، ذَلِك بمشهد مِنْهُ - أَنهم يَخْتَلِفُونَ وَإِذا اخْتلفُوا كَلَّ حَدُّهم، وَذَلِكَ جدُّهم. فَلَمَّا ورد الْكتاب على أبي مُسلم دَعَا بِنَار فطرحه فِيهَا إلاًّ قَدْرَ ذِراع فَإِنَّهُ كتب عَلَيْهِ: محا السيفُ أسطار البلاغة وانتحى ... عَلَيْك لُيوث الغاب من كل جَانب فَإِن تُقْدِمُوا نُعمل سُيوفاً شحيذة ... يهون عَلَيْهَا العتبَ من كلِّ عَاتب. ورَدَّه. فَحِينَئِذٍ وَقع اليأْسُ من مُعالجته. وَلما بلغهُ خبرُ وَفَاة السفاح فِي طَرِيق مَكَّة عَائِدًا. وَكَانَ قد تقدم المنصورُ كتب إِلَيْهِ: لأبي جَعْفَر من أبي مُسلم. أما بعد: فَإِن أَبَا الْعَبَّاس قد هلك، وَإِن تحتج إلىّ تجدْني بحيثُ تُحب. فَلَمَّا وبَّخهُ أبْو جَعْفَر عِنْد قَتله قَالَ وتُكاتُبني - وَأَنا الخليفةُ - لأبي جَعْفَر من أبي مُسلم. وَشَجر بَين أبي مُسلم وَصَاحب مَرْو كلامٌ أربى فِيهِ صَاحب مرو عَلَيْهِ. فاحتمله أَبُو مُسلم. فندم صَاحب مرو، ووجع إِلَى أبي مُسلم معتذراً. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُسلم: مَه؟ ؟ لسانٌ سبق، وهمٌ أَخطَأ، والغشب شيطانٌ وَأَنا جَرًّأتك عَليّ باحتمالك، فَإِن كنت للذنب مُعْتَمدًا فقد شاركتك فِيهِ وَإِن كنتَ مَغْلُوبًا، بِالْعَفو يسعُك.
стр. 978
فَقَالَ لَهُ صَاحب مرو: وعِظَمُ ذَنبي يمْنَع قلبِي من الهدوء. فَقَالَ أَبُو مُسلم يَا عجبا، أقابلك بِإِحْسَان أَنْت مُسيء، ثمَّ أقابلك بإساءة وَأَنت محسنٌ وَقَالَ صَاحب مرو: الْآن وثِقْت بك. وَكتب إِلَى السفاح: أرِحُ نَفسك من كَبْشَي الْعرَاق: سُليمِ بن حبيب بن الْمُهلب، وَعبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن الْمُهلب، فقتلْهما جَمِيعًا. وَكَانَ أولَ من أظهر السوَاد بِالْبَصْرَةِ عبدُ الرَّحْمَن بن يزِيد، وَجعل يَقُول حِين دَعَا إِلَى بني هَاشم: أما وَالله إِنِّي لأَفْعَل هَذَا، وأعلمُ أَنِّي من ذَبَائِحهم. قيل لِأَنِّي مُسلم: من أَشْجَع؟ قَالَ: كلُّ قوم فِي إقبال دولتهم.
стр. 979
الْبَاب السَّادِس كَلَام جمَاعَة من الأُمراء
خطب يُوسُف بن عُمر، فَقَالَ: اتَّقوا الله عباد الله. فكم من مُؤمِّل أملاً لَا يبلُغُه، وجامعٍ مَالا يأْكله، ومانعٍ مَا سَوف يترُكه، وَلَعَلَّه من باطلٍ جمَعَهُ، وَمن حقٍّ مَنعه. أَصَابَهُ حَرَامًا وَورثه عدُوا، وَاحْتمل إصره، وباءَ بوزره، وورَد عَلَى ربه آسفاً لاهفاً خسر الدُّنيا وَالْآخِرَة ذَلِك هُوَ الخسْران المبينُ. صعد وردُ بن حَاتِم الْمِنْبَر، فَلَمَّا رَآهُمْ قد فتحُوا أسماعَهم، وشَقُّوا أبْصارهم نَحوه قَالَ: نكِّسوا رؤوْسكم، وغُضُّوا أبْصاركم، فَإِن أوَّل مركبٍ صعبٌ، وَإِذا يسَّر الله فتْحَ قُفْلِ تَيسَر. كَانَ يوسفُ بنُ عُمر يَقُول: كَانَ الْحجَّاج الدُّخان وَأَنا اللهب؟ قَامَ خالدُ بنُ عبد الله على الْمِنْبَر بواسط خَطِيبًا. فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، وَصلى على النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ: أيُّها النَّاس تنافُسوا فِي المكارم، وسارعُوا إِلَى الْمَغَانِم، واشتُروا الْحَمد بالجُود، وَلَا تكتسبُوا بالمَطْل ذماً وَلَا تعتدُّوا بِالْمَعْرُوفِ مَا لم تُعجِّلُوه، وَمهما يكُن لأحدكم عِنْد أحد نعمةٌ فَلم يبلُغ شكرَها فَالله أحسنُ لَهَا جَزَاء وأجزلُ عَلَيْهَا عَطاء. واعلُموا أَن حوائج النّاس إليكُم نعمَ من الله
стр. 980
عليكُم، فَلَا تملُّوا النِّعم فتتحولَ نقماً. وأعلمُوا أَن أفضل المَال مَا أكسبَ أجرا، وورَّث ذكرا، وَلَو رأيتُم الْمَعْرُوف رجلا رأيتُموه حسنا جميلاً يسر الناظرين ويفوق الْعَالمين وَلَو رَأَيْتُمْ الْبُخْل رجلا رَأَيْتُمُوهُ مُشوَّهاً قبيحاً تنفر عنهُ القُلوبُ وتغضِي عنهُ الأبصارُ. أَيهَا الناسُ: إِن أَجود النَّاس من أعْطى من لَا يرجُوهُ، وأعظمَ النَّاس عفوا من عَفا من قُدرة، وأوصل النَّاس من وصل من قطعهُ وَمن لم يطب حرثُه لم يَزْكُ نبتُه. والأصولُ عَن مغارسها تنمُو، وبأُصولها تسمُو. أقولُ قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي ولكُم. أَرَادَ رجلٌ أَنِّي مدح رجلا عِنْد خَالِد بن عبد الله، فَقَالَ: وَالله لقد دخلتُ إِلَيْهِ فرأيته أهْدى النَّاس دَارا وفَرْشاً وَآلَة. فَقَالَ خالدٌ: لقد ذممتُه من حَيْثُ أردْت مدحهُ هَذَا وَالله حَال من لم تدع فِيهِ شهوتُهُ للمعروف فضلا. حدث بعضُهم قَالَ: لما وَلي أبُو بكر بنُ عبد الله الْمَدِينَة وَطَالَ مُكُثهُ عَلَيْهَا كَانَ يبلُغُهُ عَن قوم من أَهلهَا تناولٌ لأَصْحَاب رسُول الله ﷺ ، وإسعافٌ من آخَرين لهُم على ذَلِك، فَأمر أهل البُيوتات، ووجوه النَّاس فِي يَوْم جُمعة أَن يقرُبُوا من الْمِنْبَر، فَلَمَّا فرغ من خطْبَة الجُمعة قَالَ: أيُّها الناسُ: إنِّي قائلٌ قولا، فَمن وعاهُ وأدأه فعلى الله جزاؤُه وَمن لم يعه فَلَا يَعْدَمَنَّ ذماً. مهما قصرتُم عنْهُ من تفْضِيلة فَلَنْ تعجِزُوا عَن تحصيلهِ، فأرعُوه أبصَاركُم، وأوعُوهُ أسمَاعَكُم، واشْعِرُوه قُلُوبَكُم، فالموعِظةُ حَيَاةٌ والمؤمنُون إخُوةٌ. وعَلى الله قصدُ السَّبِيل، وَلَو شاءَ لهداكُم أَجْمَعِينَ. فأْتوا الهدّي تهتدوا، وَاجْتَنبُوا الغي ترشُدوا وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون. وَالله جلّ ثَنَاؤُهُ. وتقدست أسماؤه أمَرَكم بِالْجَمَاعَة، ورضيَها لكم، ونهاكم عَن الْفرْقَة، وسخطها مِنْكُم " اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ. واعتصموا بحَبل الله جَمِيعًا لَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذا كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا ". جعلنَا الله وَإِيَّاكُم مِمَّن تتبع رضوانه، وتجنبَ سخطه، فَإِنَّمَا نَحن بِهِ وَله. إِن الله بعث مُحَمَّدًا ﷺ بالدِّين، وَاخْتَارَهُ على الْعَالمين، وَاخْتَارَ لَهُ أصحاباً
стр. 981
على الحقِّ، ووزراءَ دون الْخلق، اخْتصم بِهِ، وانتخبهم لَهُ، فصدقوه، ونصروه، وعَزروه، ووَقروه، فَلم يُقدِموا إِلَّا بأَمره، وَلم يُحْجِموا إِلَّا عَن رَأْيه، وَكَانُوا أعوانه بعهده، وخلفاءَه من بعده، فوصفهم فأحسَن صفتهمْ، وَذكرهمْ فَأثْنى عَلَيْهِم، فَقَالَ وَقَوله الحقُّ: " محمدٌ رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداءُ على الكفاء رُحَمَاء بَينهم تراهم رُكَعاً سُجّداً يَبْتغُونَ فضلا من اللهِ ورضواناً سِيماهم فِي وُجُوههم من اثر السُّجود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرجَ شطأه فآزره فاستغلظ. فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزُّراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعدّ الله الَّذِي آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغفرةٌ وَأَجرا عَظِيما. فَمن غاظوه فقد كفرَ، وخاب، وفجر، وخسر، وَقَالَ : " للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضواناً الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون. وَالَّذِي تبوءُوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبُّون مَن هاجرَ إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَةٌ وَمن يُوقَ شح نَفسه فأُولئك هم المفلحون. وَالَّذِي جاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجعَل فِي قُلُوبنَا إلاّ للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤُوفٌ رَحِيم ". فَمن خَالف شريطة الله عَلَيْهِ لَهُم، وأمْرَه إِيَّاه فيهم، فَلَا حق لَهُ فِي الْفَيْء، وَلَا سَهمَ لَهُ فِي الْإِسْلَام فِي آيٍ كَثِيرَة من الْقُرْآن. فَمَرقت مارقةٌ من الدِّين وفارقوا الْمُسلمين، وجعلوهم عِضين، وتشعبوا أحزاباً أشابات، وأوشابا، فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءَه عَلَيْهِم، وآذوا رَسُول الله ﷺ وَآله وَسلم - فهيم، فخابوا، وخسروا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين. " أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَة من ربه كمن زيِّن لَهُ سوءُ عَمله وَاتبعُوا أهواءَهم ". مَالِي أرى عيُونا خُزْرا، ورقاباَ صُعْرا، وبطونا بُجْرا، وشجى لَا يسيغه المَاء، وداءً لَا يشرب فِيهِ الدَّوَاء. " أفنضرب عَنْك الذكرَ صفحاً أَن كُنْتُم قوما مسرفين ". كلا وَالله، بل هُوَ الهناءُ، والطلاء حَتَّى يظهرَ الْعذر، ويبوح الشرُّ، ويَضِحَ الغيْب، ويُسَوَّسَ الجُنُب، فَإِنَّكُم لم تخلقوا عَبَثا، وَلنْ تتركوا
стр. 982
سدى. وَيحكم ﴿﴾ إِنِّي لست أتاوياً أعَلم، وَلَا بَدَوياً أفهم. قد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطناً، وأظهرا، فَعرفت أنحاءكم، وأهواءَكم، وَعلمت أَن قوما أظهرُوا الْإِسْلَام بألسنتهم، وأسروُّا الكفرَ فِي قُلُوبهم، فَضربُوا بعض أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وولَّدْوا الرِّوَايَات فيهم، وضربوا الِاثْنَيْنِ. ووجَدوا على ذَلِك من أهل الْجَهْل من أبنائهم أعواناً يأْذنون لَهُم، ويُصْغُون إِلَيْهِم. مهلا مهلا. قبل وُقُوع القوارع وحلول الروائع، هَذَا لهَذَا، وَمَعَ ذَلِك فلست أعتنش آئباً، وَلَا أؤنب تَائِبًا. عَفا الله عَمَّا سلف وَمن عادَ فينتقم الله مِنْهُ وَالله عزيزٌ ذُو انتقام: فأسرُّوا خيرا، وأظهروه، وأجهَروا بِهِ، وَأَخْلصُوا، فطالما مَشيْتُم الْقَهْقَرَى ناكصين. وليعلمْ مَن أدبَر وأسَرَّ أَنَّهَا موعظةٌ بَين يَدَي نقمةٍ. وَلست أدعوكم إِلَى هوى يتبع، وَلَا إِلَى رَأْي يبتدع. إِنِّي أدعوكم إِلَى الطَّرِيقَة المُثلى الَّتِي فِيهَا خير الْآخِرَة والأُولى. فَمن أجَاب فَإلَى رُشْده، ومَن عَمِىَ فَعَن قَصده. فَهلُم إِلَى الشَّرَائِع لَا إِلَى الخدَائع، وَلَا تَوَلًّوا عَن سَبيل الْمُؤمنِينَ، وَلَا تستبدلوا الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خيرٌ، بئسَ للظالمين بَدَلا. وَإِيَّاكُم وبُنَيَّات الطَّرِيق، فَعندهَا الترنيق، والرهق وَعَلَيْكُم بالجادة فَهِيَ أسدُّ وَأورد، ودَعُوا الْأَمَانِي فقد أردَتْ من كَانَ قبلكُمْ. وَلَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سَعى، وَللَّه الْآخِرَة وَالْأولَى و " لَا تفتُروا على الله كذبا فُيسحتكم بِعَذَاب وَقد خَابَ من افترى " " رَبنَا لَا تزع قلوبَنا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لُدنك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الوهابُ " قَالُوا: إِن قُتَيْبَة بن مُسلم قَالَ لما قدم خراسَان: مَن كَانَ فِي يَده شَيْء من مَال عبد الله بن خازم فليَنبذه، وَإِن كَانَ فِي فِيهِ فليلفظه، وَإِن كَانَ فِي صَدره فليَنفثه. فَعجب النَّاس من حسن مَا فصًّل وقسَّم. وَقَالَ قُتَيْبَة: إِن الحريصَ يستعجل الذِّلة قبل إِدْرَاك البُغية. أهْدى عبيدُ الله بن السّدي إِلَى عبد الله بن طَاهِر لما وَلي مصرَ - مائَة
стр. 983
وصيف، مَعَ كلِّ وصيف ألف دِينَار، ووجهَ بذلك لَيْلًا. فَرده، وبَعَثَ إِلَيْهِ: لَو قبلت هديتك لَيْلًا لقبلتها نَهَارا وَمَا " أَتَانِي الله خيرٌ مِمَّا أَتَاكُم بل أَنْتُم بهديتكم تفرَحُون " قَالَ الْمَأْمُون لطاهر بن الْحُسَيْن: صف لي عبد الله ابْنك. قَالَ: عَن مدَحتُه هجّنتُه، وَإِن هجوتُه ظلمتُه. ولدَ الناسُ ابْنا، وَولدت ابْنا يُحِسن مَا أحسن وَلَا أحسن مَا يحسن. وليّ عبدُ الله بن طَاهِر رجلا بريدَ مَا وَرَاء النَّهر، فَكتب إِلَيْهِ: أنَّ هَا هُنَا قوما من الْعَرَب قد تعصبُوا وتأشبوا، أظنُّ أمَرهم سيرتقي إِلَى مَا هُوَ أغْلظ. مِنْهُ. فَكتب إِلَيْهِ عبدُ الله: إِنَّمَا بُعِثْتَ للْأَخْبَار السَّابِقَة والحوادث الظاهرَة لَا للكهانة والتظنَّي. قَالَ عبيدُ الله بن عبد الله بن طَاهِر: لَا يَنْقَضِي عَجبي من ثَلَاثَة: إفلات عبّاس بن عَمْرو من القرمطيِّ، وهُلْك أَصْحَابه، وَوُقُوع الصغار، وإفلات أَصْحَابه. وَولَايَة ابْني الجسريْن وَأَنا متعظل. وَقَالَ محمدُ بن عبد الله بن طَاهِر لوَلَده: عِفُّوا تشرُفوا، واعشقوا تَظْرُفوا وَقَالَ عُبيدُ الله بن عبد الله فِي علته: لم يبْق على من بأْس الزَّمَان إِلَّا الْعلَّة والخَلة وأشدهما على أهونهما على النَّاس. ولأنَّ ألمَ جسمي بالأوجاع أَهْون عَليّ من ألم قلبِي للحقِّ المُضاع. جرى ذكرُ رجل فِي مجْلِس سَلم بن قُتَيْبَة، فنال مِنْهُ بَعضهم، فَأقبل سَلم فَقَالَ: يَا هَذَا، أوحَتْستَنا من نَفسك، وأيأَستنا من مودتك، ودَللْتَنا على عورتك. قَالَ بَعضهم: كنت عِنْد يزِيد بن حَاتِم بإفريقية، وَكنت بِهِ خَاصّا فَعرض عَلَيْهِ تاجرٌ أدراعاً، فَأكْثر تقليبها، ومزاولة صَاحبهَا. فَقلت لَهُ: أصلح الله الأميرَ. فعلامَ تلوم السُّوق؟ فَقَالَ: ويحَك ﴿﴾ إين لست أَشْتَرِي أدراعاً إِنَّمَا أَشْتَرِي أعماراً.
стр. 984
قَالَ الْمَأْمُون لطاهر بن الحُسَين: أشر عَليّ بِإِنْسَان يَكْفِينِي أمرَ مصرَ والشّام. فَقَالَ لَهُ طاهرٌ: قد أصبته. قَالَ: من هُوَ؟ قَالَ: عبدُ الله ابْني، وخادُمك، وعَبدُك. قَالَ كَيفَ شجاعته؟ قَالَ: مَعَه مَا هُوَ خيرٌ من ذَلِك قَالَ لَهُ المأْمون: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الحزم. قَالَ: فيكف سخاؤه؟ قَالَ: مَعَه مَا هُوَ خير من ذَلِك. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: التنزُّه وخُلْفُ النَّفس. قَالَ: فولاه فَعَفَّ عَن إِصَابَة خَمْسَة آلَاف ألف دِينَار. وَهب الْمَأْمُون لطاهر الهني والمري - وهما نهران بِقرب الرقة - فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: كفى بِالْمَرْءِ شرَهاً أَن يَأْخُذ كل مَا أعطي. مَا هما يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من ضيَاع السُّوقة، مَا يصلحان إِلَّا لخليفة أَو وليّ عهد. فَلم يقبلهما. كتب الحجاجُ إِلَى قُتَيْبَة بن مُسلم: أَنِّي قد طلقت أم خَالِد بنت قطن الْهِلَالِيَّة عَن غير رِيبَة، وَلَا سوءٍ، فتزوَّجْها. فَكتب إِلَيْهِ قُتَيْبَة: إِنَّه لَيْسَ كلُّ مَطالع الْأَمِير أحِبُّ أَن أطلع. فَقَالَ الْحجَّاج: ويَل أمِّ قُتَيْبَة. وَأَعْجَبهُ ذَلِك. وَكَانَ خالدُ بن عبد الله الْقَسرِي مَال عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇، وتنقّصه على المنابر. وذُكر أَنه اتخذ طستاً فِي الْمَسْجِد بِالْكُوفَةِ ميضأةُ، وخَرق قناةً من الْفُرَات إِلَيْهَا. ثمَّ أَخذ بيد أَسْقُف النَّصَارَى يمشي فِي مَسْجِد عَليّ حَتَّى وقف على الطست. ثمَّ قَالَ للأسقف: ادْع فِيهَا بالبرَكة. فوَاللَّه لدُعُاؤك عِنْدِي أَرْجَى من دُعاء عَليّ بن أبي طَالب - صلوَات الله عَلَيْهِ وسلامُه على عَليّ، وغضبُه على خَالِد. وَقدم عَلَيْهِ محمدُ بن عبد الله بن عَمْرو عُثْمَان يَسْتمْنِحُه، فَلم يفعل بِمَا يُحب. فَقَالَ: أما الْمَنَافِع فلهذين الهاشميَّين. يَعْنِي داودَ بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس، وزيدَ بن عَليّ ﵇.
стр. 985
وَأما نَحن فَلَيْسَ لنا إِلَّا شتمُةُ عليا على الْمِنْبَر. فَبلغ ذَلِك خَالِدا فَقَالَ: إِن أحب تناولنا لَهُ عُثمان بِشَيْء. وَكَانَ لعنهُ الله يلعن على المنابر عَلياً ﵇ فَيَقُول: لعن الله لَاعن عليِّ بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب ابْن هَاشم بن عبد منَاف، وَابْن عمِّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَزوج ابْنَته، وَأَبا الْحسن والحُسين، ثمَّ يُقبِل على النَّاس فيقولك أكَنَيْتُ. وَبنى خالدٌ بِيعةً لأمِّه - وَكَانَت نَصْرَانِيَّة فاستعفاه الْمُسلمُونَ مِنْهَا. فَقَالَ: لعن الله دينهم إِن كَانَ شرا من دينكُمْ. قَالَ الْمَأْمُون لطاهر: يَا أَبَا الطّيب صف لي أَخْلَاق المخلُوع. قَالَ: كَانَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَاسع الطرَب، وضيِّق الأدَب، يُبيح لنَفسِهِ مَا تعافهُ هِمَمُ ذَوي الأقدار. قَالَ: كَيفَ كَانَت حرُوبُه؟ قَالَ: كَانَ يجمع الْكَتَائِب بالتبذير، ويفضُّها عَنهُ بِسوء التّدبير. قَالَ: فَكيف كنتُم لَهُ؟ قَالَ: كُنَّا أُسْداً تبيتُ، وَفِي أشداقها حُلوقُ النَّاكِثِينَ، وَتَحْت صدورها صدورُ المارقين. قَالَ: إمَا أَنه أولُ مَن يأْخذُ اللهُ بدَمه يومَ الْقِيَامَة ثلاثةٌ: لستُ أَنا وَلَا أَنْت رابعَهم، وخامسهُم: الْفضل بنُ الرّبيع، وَبشر بن المُعتمر، والسندي بن شاهك. واللهُ ثأَر أخي، وَعِنْدهم دَمُه. مرض عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، فَركب إِلَيْهِ الوزيرُ، فَلَمَّا انْصَرف عَنهُ كتب إِلَيْهِ عبيدُ الله: مَا أعرفُ أحدا جزى الْعلَّة خيرا غَيْرِي، فَإِن جزيتُها الخيرَ، وشكرتُ نعمتها عَليّ، إِذْ كَانَت إِلَى رُؤيتك مؤديةً. فَأَنا كالأعرابي الَّذِي جزى يومَ الروع خيرا فَقَالَ: جَزى اللهُ يَوْم الروع خيرا فإنهُ أرانا على علاته لُقى ثَابت وَكتب المأْمونُ إِلَى طَاهِر يسألهُ عَن اسْتِقْلَال ابْنه عبد الله.
следующие страницы →