Полный текст (439 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أو تراه يشمه ... قلت مسك بعنبره
أجج العبد ناره ... وهو للنار كندره
أبد الدهر خلفه ... فارس في مؤخره
وحدثني يعقوب بن ناصح البردعي قال: لما قال دعبل هذه الأبيات، وخرج من عند المطلب، جعل يفرق على صبيان الكتاب الزبيب والنبق ويقول لهم: إذا مر بكم أبو سعد فصيحوا:
يا أبا سعد قوصرة ... زاني الأخت والمره
ففعلوا، فطال عليهم، فهرب من بغداد إلى الري، وأقام بها حتى مات. وحدثني أبو جعفر قال: أبو سعد يأخذ نفسه بآلات الأشراف وكان دعياً، وبآلات الشجعاء وكان جباناً، وربما جلس على مزرد. ولكن كان جيد الشعر وهو القائل لدعبل:
ولولا معد وأيامها ... وأنهم السنخ والمنصل
لضاق الفضاء على أهله ... ولم يك ناس ولا منزل
وزلزت الأرض زلزالها ... وأدخل في أست أمه دعبل
وهو كثر الشعر جيده.
стр. 282
أخبار مخلد بن بكار الموصلي
حدثني أبو الأزهر الخرزي العوفي قال: قدم مخلد على أبي تمام فقال له: هلك لك في دخول الحمام - وكان في داره حمام، وكان بيتاً واحداً طوله أربعة أذرع، وكان يوقد بسرقين حمار مريسي كان عنده، فلا يحتاج إلى غيره - فدخل فلم يلبث شيئاً أن خرج، فقال له أبو تمام: لم تلبث حتى تعرق؟ فقال مخلد: يا بن البظراء، القعود في الشتاء في السرداب يورث البواسير.
ومما رويناه له قوله:
سائلي عن كنه أمري لا تسل ... أنا عن تفسير شأني في شغل
كنت موصولا بأسباب القلى ... يدريني الهجر عن قوس الملل
فجرت تفاحة معضوضة ... بين من أهوى وبيني فوصل
لطفت لي حمرة في جنبها ... حين أومى لوصالي بالخجل
جاد لي بعد جماح فبدت ... لي في خديه آثار القبل
يا رسولا أوصل الصب به ... عش نضير الغصن يا مولى الرسل
وكان مخلد خرج إلى العراق، وبها شعراء الناس، فاجتمعوا بباب
стр. 283
المعتصم، فأذن لهم، فجعلوا ينشدون فيعطي كل واحد منهم ما بين الألف والألفين، ولم يزد واحداً منهم، وفيهم مخلد، وكان قد قدم تلك السنة، ولم يعرفه أحد من الشعراء، فأنشد المعتصم في ذلك اليوم شعراً. استحسنه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا مخلد. قال: الموصلي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال قد أثبتنا كلمتك قبل خروجك إلينا. وأمر له بثلاثة آلاف درهم.
أخبار أبي الأصبغ الحصني
هو محمد بن يزيد، من أهل حصن مسلمة، وهو من ولد مسلمة ابن عبد الملك بن مروان. حدثني عبد القدوس بن إبراهيم الشامي قال: حدثني ابن أبي فنن قال: لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفتخر فيها بأبيه طاهر ويذكر شجاعته ويفتخر بأجداده مصعب ورزيق وغيرهما وهي التي يقول فيها:
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده؟ قولوا
طحن المخلوع كلكله ... وحواليه المقاويل
قطعت عنه تمائمه ... وهو مرهوب ومأمول
قال أبو الأصبغ الحصني:
لا يرعك القال والقيل ... كل ما بلغت تحميل
стр. 284
إن عددت العذل فيّ، إذن ... أنا فيك الدهر معذول
أيها البادي بنسبته ... ما لما قد قلت تحصيل
قاتل المخلوع مقتول ... ودم القاتل مطلول
بأخي المخلوع طلت يدا ... لم يكن في باعها طول
وبنعماه التي كفرت ... فعلت تلك الأفاعيل
يا ابن بنت النار يوقدها ... ما لحاذيه سراويل
من حسين من أبوه ومن ... طاهر غالتهم غول
من رزيق إذ تعدده ... نسب في الخلق مجهول
تلك دعوى لا يناسبها ... لك آباء أراذيل
ما جرى في عود أثلتهم ... ماء مجد فهو مدخول
قدحت منه أسافله ... وأعاليه مهازيل
فبلغت القصيدة عبد الله بن طاهر، فلما خرج إلى الشام جعل طريقه على حصن مسلمة عمداً، ثم مضى مع نفر من إخوانه إلى أبي الأصبغ متنكراً من حيث لا يعرفه، فلما رآه قال له: أنت أبو الأصبغ؟ قال: نعم، قال: ما حملك على ما قلت في جواب عبد الله؟ قال: وما قلت؟ قال: عبد الله: قولك:
من حسين من أبوه ومن ... طاهر غالتهم غول
стр. 285
من رزيق إذ تعدده ... نسب والله مجهول
ففطن له الحصني وعلم أنه عبد الله فقال: أنت حملتني على ذلك يقول:
وأبي من لا كفاء له ... من يسامي مجده؟ قولوا
فلما قلت: قولوا. لم نجد بدا من أن نقول. فتبسم عبد الله وقال: صدقت، وقد عذرناك، وأمرنا لك بألف دينار، ولكن لا يغرك حلمي فتعاود هجو الأمراء، فإنك لا تدري كيف يقع، لعله يتفق لك من لا يحلم عليك. فأفرغ بعد ذلك الحصني شعره في مدح آل طاهر.
أخبار أحمد بن الحجاج
هو من موالي المنصور. حدثني أبو جعفر محمد بن ميمون المصيصي قال: أخبرني دعبل بن على الشاعر قال: لما خرجت من بغداد أريد المطلب بن عبد الله الخزاعي بمصر، فوافينا الأنبار، نزلت في بعض الخانات، فصادفت رجلاً رث الحال، في أطمار خلقان، وهو في زاوية من الخان فقلت له: من أين أنت؟ قال: من أهل بغداد. قلت: فأين تريد، قال: مصر إن شاء الله. قلت: وما تبغي بها؟ قال أريد قرابة لي هناك.
قلت: معك شيء تركبه؟ قال: ما سوى رجلي. قلت فإن المضرب بعيد.
فهل لك أن تلزم رحلنا فأعطيك بغلا من بغال الثقل، تركبه، وتتولى شراء الحوائج في هذا الطريق إلى أن ترد مصر؟ فإني أرجو ألا تذم صحبتنا. قال: ذلك لك أصلحك الله. فدفعت إليه بغلاً فركبه، وكنت معه في الطريق في عافية. لا يبقي غاية فيما يجد إليه السبيل من الاحتياط فيما يشتريه، والاسترحاض وأداء الأمانة، حتى وصلنا مصر. فقلت له يوماً
стр. 286
من الأيام: سل حاجتك فقد وجب حقك، فقال لي: أسألك أن توصلني إلى هذا الأمير، فقلت سألت شيئاً سهلا، قال: ما أريد إلا ذاك، قلت: إذا كان في غد فتأهب لذاك حتى تدخل معنا إليه. فلما كان من الغد أخذت بيده بعد أن دخلت الباب، فأقعدته في مكان قد قعد فيه الشعراء الزوار، فجعل المطلب يدعو بواحد واحد، فمن كان زائر ذكر له وسيلة، ومن كان شاعراً أنشده شعره، حتى إذا أتى على القوم كلهم وبقي صاحبي قال له المطلب: أيها الرجل، إن كانت لك حاجة فاذكرها وإلا فانصرف، فنهض والله صاحبنا وأنشأ يقول:
ما زرت مطلباً إلا بمطلب ... وهمة بلغت بي غاية الرتب
أفردته ببياتي أن يشاركه ... في الرسائل أو ألقاه بالكتب
رحلت عنسي إلى البيت الحرام على ... ما كان من تعب فيها ومن دأب
أرمي بها وبوجهي كل هاجرة ... تكاد تقدح بين الجلد والعصب
حتى إذا ما انقضى نسكي عطفت لها ... ثني الزمام فأمت سيد العرب
إني اعتصمت بإستارين مستلماً ... ركنين مطلباً والبيت ذا الحجب
стр. 287
فالبيت للآجل المرجو آجله ... وأنت للعاجل المرجو للرغب
يا بعد ما طلبت من غير ما سبب ... يا قرب ما أملت من جود مطلب
هذا رجائي وهذي مصر سانحة ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب
فقال المطلب: لبيك لبيك، من أنت؟ قال: أنا أحمد بن الحجاج مولى المنصور. قال: مرحباً بك وأهلاً، قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لجميع الشعراء، فإذا شئت فاقبض ذلك. قال دعبل: فبقيت متحيراً من جودة شعره وقوة نمطه وحسن تأتيه، فلما أن حمل معه المال وخرجنا قلت: ما أحسنت فيما بيني وبينك، أخفيت عني أمرك وأخفيته حتى أحللتك ذلك المحل، وقصرت فيما يجب من حق مثلك: فقال والله لقد أحسنت إلى العشرة والصحبة وكرهت أن أعلمك أمري فيجيء التحاسد. فقلت: سبحان الله ولم أحسدك؟ فقال: دعني يا أبا علي من هذا، فإن القاص لا يحب القاص. فاستفرغت ضحكاً، ثم افترقنا.
وأحمد بن الحجاج هو القائل:
أما الذي حج الحجيج لبيته ... على العيس تحدي في الفجاج السباسب
لقد منع الجفنان أن يتصافحا ... ووكل إنسان برعي الكواكب
أخبار الصيني شاعر طاهر بن الحسين
حدثني إبراهيم بن الخصيب قال: حدثني عبد الله بن جعفر الأصم قال: كان الصيني في جملة طاهر، لا يمدح سواه منذ اتصل به، وكان مطبوعاً
стр. 288
مقتدراً، وغضب طاهر عليه فأمر بحبسه، فبلغ ذلك المأمون، فقال لطاهر: ما فعل شاعرك الصيني؟ قال: هو محبوس يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذاك؟ قال: لموجدة وجدتها عليه، فقال: أيستحق من زعم أن الخلافة ما استقامت دارها إلا بمقامك تحت ظلال السيوف أن يساء إليه؟ ولكن إذا فعلت ما فعلت فما أحد يطلبه بحقي غيري، ليعلم كيف يقول بعدها والله لئن أخرجته من الحبس لأضربن عنقه، قال: فعلم طاهر أنه أخطأ وقابله بغير الجميل. فكان طاهر يجري عليه في محبسه الكثير ولا يستجريء على إخراجه خوفاً من المأمون. والصيني هو الذي يقول:
زعموا أن من تشاغل باللذ ... ات عمن يحبه يتسلى
كذبوا والذي تساق له البد ... ن ومن لاذ بالطواف وصلى
لرسيس الهوى أحر من الجم ... ر على قلب عاشق يتقلى
وأخبار الصيني قليلة جداً، وكان لا يوجد إلا بمدينة السلام.
أخبار القصافي التميمي
حدثني ابن أبي المنذر قال: قال لي الحسين بن دعبل: سمعت أبي دعبل بن علي بن رزين يقول: عمرو القصافي مولى
стр. 289
لبني ربيعة بن كلب بن زيد بن تميم.
وقال الحسين: سمعت أبي يقول: كان عمرو القصافي يقول الشعر ستين سنة، ولم يقل شيئاً جيداً غير بيت واحد، وهو قوله:
خوص نواج إذا حث الحداة بها ... رأيت أرجلها قدام أيديها
ومما يستحسن له من غزله قوله في قصيدة طويلة:
إن الخليفة عدل في حكومته ... فامضي إلى بابه أني موافيك
وأرجعي لي فؤاداً قد ذهبت به ... يا أبين الناس ظلماً في تباريك
لقد ظلمت أخا جود ومكرمة ... وقد مريت فتى ما كان يمريك
أراك يا زينة الدنيا وبهجتها ... تنسين من ليس في حال بناسيك
كأن راحا وتفاحاً يخالطه ... حب القرنفل بعد النوم في فيك
للناس دين، ودنيا يشغلون بها ... وما لنفسي شغل غير ذكرك
وله أيضاً:
يا شبيه القضيب حسناً وقدا ... وبديعاً أخدى إلى الصب وجدا
أنت في الحسن والملاحة والغن ... ج وكل البهاء قد صرت فردا
أنا أصبحت يا مناي وسؤلي ... روجائي لحسن وجهك عبدا
فأجرني من القلى واعف عني ... واسقني من رضاب ريقك شهدا
стр. 290
أخبار الخاركي
واسمه أحمد بن إسحاق لا يعرف إلا بالخاركي حدثني أبو جعفر محمد بن عمر قال: حدثني ابن الداية قال: قال لي أبو نواس: ما مجنت ولا خلعت العذار حتى عاشرت الخاركي فجاهر بذلك ولم يحتشم فامتثلنا نحن ما أتى به وسلكنا مسلكه، ونحن ومن يذهب مذهبنا عيال عليه.
ومن شعره السائر قوله:
لما أتوني بنار من شرابهم ... يدعى الطلاء صليباً غير خوار
أظهرت نسكا وقلت الخمر أكرهها ... والله يعلم أن الخمر إضماري
آلي زعيمهم بالله: قد طبخت ... يريد مدحتها بالشين والعار
فقلت من ذا الذي بالنار عذبها ... لا زحزح الله عنه كية النار
وله أيضاً:
ذهب في ذهب را ... ح بها غصن لجين
стр. 291
فأتت قرة عين ... في ندى قرة عيني
مرحباً بالراح والرا ... ئح من ريحانتين
ألفا إلفين شكلي ... ن معاً مؤتلفين
لا جرى بيني ولا بي ... نهما طائر بين
بل غنينا ما بقينا ... أبداً معتنقين
في صبوح وغبوق ... لم نبع نقداً بدين
ومما يستملح له أيضاً:
يضحك محلول بمربوط ... ضحك رخي البال مغبوط
يضحك من شجو فتى عاشقٍ ... صب بريح الحب مقموط
دلهه حب رشاً أحورٍ ... أحوى غضيض الطرف محطوط
يقول للبلوى إذا أقبلت ... برأس من يعشقني خوطي
أخبار محمد بن حازم الباهلي
حدثني محمد بن الصقر الموصلي قال: أخبرني دعامة قال: سمعت محمد بن حازم يقول: وجه إليّ عبد الله بن طاهر بجارية حسناء وضيئة، فلم أتمالك أن وقعت عليها، فوجدتها من السعة والبرد فوق الصفة، مفازة مكة عندها ثقب عفصة، وثلج همذان عندها الحمام فأحببت أن
стр. 292
أعرف عبد الله أمرها فكتبت إليه:
لله جوهرة يرو ... ق للعين حسن صفائها
أبصرتها فحمدتها ... من قبل حين جلائها
فندمت إلا كنت قد ... تركتها بغطائها
ورضيت واستمتعت م ... نها زهرها برواتها
فلما وصلت الأبيات إليه بعث بأخرى ظاهرها كباطنها، فبعث الأولى بخمسمائة دينار. وحدثني أبو الأسود المكي قال: حدثني ابن أبي عون المديني - وكان المديني فقيها - قال: كان محمد الباهلي من ألحف الناس إذا سال، وألحهم إذا استماح، مع كثرة ذكره للقناعة بشعره، وهو أحد جماعة كانوا يصفون أنفسهم بضد ما هم عليه حتى اشتهروا بذلك، منهم أبو نواس، كان يكثر ذكر اللواط ويتحلى به وهو أزنى من قرد. وأبو حكيمة كان يصف نفسه بالعنة والعجز عن النكاح وكان يقال له: إنه يقصر عن التيس. وجحشويه كان يصف نفسه القناعة والنزاهة وكان أحرص من الكلب، كان يركب النيل في ردهم واحد فضلاً عن غيره.
وهو أجود الشعراء لفظاً وألطفهم معنى، وهو القائل:
إن الأمور إذا سدت مسالكها ... فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
اطلب لرجلك قبل الخطو موضعها ... فمن علا زلقاً عن غرة زلجا
стр. 293
وذكر على خلاف ما وصفنا من حرصه وكلبه فعل عجيب يدل على كبر الهمة وشرف النفس، وهو أنه كان ألح على محمد بن حميد بن قحطبة يهجوه الهجاء المؤلم الذي يؤذيه، فكان يتلافى الأمر معه بكل حيلة ولا ينجع فيه، فعمد إلى بدرة فيها عشرة آلاف درهم، وتخت فاخر من الثياب، وفرس عتيق، ووصيف رائع، فوجه إليه بجميع ذلك مع ثقة له، وكتب إليه رقعة يحلف فيها أنه ما يعلم بذلك غيره وغير رسوله، ويقول له فيها: أما لك أن تقبل هذه وتكفيني أمرك وتكف عني؟ قال: فرد جميع ذلك وكتب له في ظهر رقعته:
وفعلت فعل ابن المهلب إذ ... كعم الفرزدق بالندى الغمر
لا أقبل المعروف من رجل ... ألبسته عاراً على الدهر
وبعثت بالأموال ترغبني ... كلا ورب الحشر والنشر
وكتب تحت الأبيات: ولكني والله لا عدت بعدها إلى ذكرك بسوء فأمسك عنه فما هجاه بعد ذلك. وهذا عجيب من مثله، فإنه حدثني أبو إبراهيم الجرجاني قال: حدثني إسحاق بن شيبة قال: أخبرني ربيعة الرازي قال: رأيت محمد بن حازم يطلب من إسحاق بن حميد بن نهيك تِكَّةً فمنعه، فقال له ابن حازم: يا أبا يعقوب إن لم يمكنك تكة ففرد نيفق أو ليس بعجيب أن يفعل مثل تلك الفعلة وهو بهذا الحد من الجشع؟
стр. 294
أخبار محمد بن وهيب
حدثني أحمد بن الهيثم قال: حدثني العرمزي قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال:
قال ابن وهيب الشاعر: والله لأحدثنك حديثاً ما مر بمسامعك مثله، إن أنت جعلته أمانة وكتمته علي، قلت: حدثني، قال: إنه ليس مما سمعت قط، قلت: كم هذا التعقد بالأمانة، حدثني ولا أخبر به أحداً ما دمت حياً، قال: بينا أنا بمكة أيام الموسم معها صبي يبكي، وهين تسكته ويأبى ولا يسكت، فأخرجت من فيها شق درهم فناولته الصبي فسكت، فتأملتها فإذا هي ذات وجه جميل وشكل رطب وظرف ليس بعده شيء، فقلت لها: أفارغة أنت أم مشغولة؟ قالت: بل مشغولة، وزوجي رجل من بني مخزوم، ولكني عندي فارغة ذات حر ضيق ووجه حسن وثبج كبير، أجمع لك هذا كله بأصفر سليم، قلت وما أصفر سليم؟ قالت: دينار، قلت: ليست هذه من شرائط الدنيا. هذه من شرائط الجنة، قالت: فهات إذن الشرط. فدفعت إليها فأخذته، وأخرجت آخر فقلت: اصرفي هذا في الطيب، قالت: إنها لا تمس الطيب للرجال، قلت: فاصرفيه في غيره، ثم مضت ودخلت زقاق العطارين فصعدت غرفة وقالت: اصعد، فصعدت، وصفقت بيدها لجارية لها فقالت: قولي لفلانة عجلي ولا تبطئي، فأقبلت جارية كأنها الشمس.
стр. 295
وقالت: قولي لأبي الحسن وأبي الحسين ليحضرا: فقلت: هذا نعت علي بن أبي طالب ﵇. ثم جعلت أنظر إلى حسن وجه صاحبتها وحلاوة صورتها فكت أجن. وقالت لي صاحبتي: هذا التي ذكرت لك، وقالت للجارية: إني قد ذكرتك لهذا الفتى، وهو على ما ترين من الهيئة والجمال والنظافة والظرف، قالت: حياه الله وقربه، قالت: وقد بذل لك من الصداق دينارين، فقالت: يا أماه، أخبرته بشرطي؟ قالت: إني والله نسيت، فنظرت إليّ وقالت: إنها والله أشجع من عمرو بن معد كرب، وأكثر زهواً من ربيعة بن مكدم، ولست تصل إليها حتى تسكر، فإذا سكرت ففيها مطمع فقلت: هذا هين. فإذا شيخان قد أقبلا، فخطب أحدهما وأجاب الآخر، فزوجاني ثم انصرفا، وأتينا بطعام فأكلنا، ثم أحضرت شراباً فشربت وسقتني. فلما دب فينا الشراب غنت بهذا الصوت
راحوا يصيدون الظباء وإنني ... لأرى تصيدها عليّ حراما
أشبهن منك سوالفاً ومدامعاً ... فأرى لهن بذا ذماما
وهي توقع بقضيب على دواة. فوالله إني لأنتاب القيان منذ ثلاثين سنة إن كنت سمعت قط أحسن من صوتها، ولا غناء أحسن من غنائها، فكدت أطير طرباً وقلت: يا سيدة النساء ما سمعت بهذا الصوت قط، ولا عرفت هذا الشعر، قالت: بلى ولكن قام لمعبد فيه صوتان قلت: جعلت فداكن وليس إلا ما قلت؟ قالت: بلى ولكن ليس هذا وقته. فلما أمسينا قامت فصلت، وقمت فصليت. والله ما أدري كم صليت، حرصاً وطمعاً، وعدنا
стр. 296
إلى شرابنا فشربت وناولتني، فلما مضت ساعة من الليل قلت لها: جعلت فداك أتأذنين لي في الدنو منك؟ قالت: قم أولا فتجرد وأمش مقبلاً ومدبراً حتى أراك. فقمت وتجردت ومشيت وأنا منعظ، ولا أدري ما يراد بي، ثم وقعت بالقضيب على الدواة وغنت بأحسن صوت وأصنع غناء
كأني بالمجرد قد علته ... نعال القوم والخشب السواري
فلم افطن للحين الذي يراد بي، وقلت: جعلت فداك، أوليس لهذا البيت ثان؟ قالت: بلى، وسوف تسمعه بعد ساعة ثم قالت: امش حتى أراك بين يدي، ومشيت فقالت: توسط المجلس واقرب مني ففعلت، وهناك خرق إلى أسفل قد غطي ببواري ولا أعلم. فما وضعت رجلي عليه إذا أنا في سوق العطاري قائم، وإذا الشيخان قد كمنا لي بنعالهما، فضرباني حتى كدت أموت وأنا عريان، وإذا الصوت من الغرفة:
ولو علم المجرد ما أردنا ... لحاصرنا في الصحارى
فوالله يا أبا محمد لقد وقع على قفاي من النعال خفاف وثقال حتى رضضت، وإذا رجل يقول: ويلك رحلك لا ينذورا بك السلطان فنقع في بلية، فقمت وأنا مرضوض عريان متجرد حتى صرت إلى رحلي، فلما أصبحت وتهيأت للخروج مع أصحابي جعلت طريقي على سوق العطاري فنظرت فإذا الجارية في الغرفة فقالت لي: يا فتى هل لك في العود؟
стр. 297
قلت: أما على تلك الشرائط فلا. فسألت عنها فقيل: جارية من آل أبي لهب.
ومما يستحسن له من شعره قوله:
مات الثلاثة لما مات مطلبُ ... مات الحياء ومات الرغب والرهب
لله أربعة قد ضمهم كفن ... أضحى يعزى به الإسلام والعرب
يا يوم مطلب أبكيت أعيننا ... بعد الدموع دماً ما دامت الحقب
فاذهب ذهاب غوادي المزن ما سفحتْ ... صوباً على الأرض أو ما اخضرت العشب
أخبار أبي خالد المهلبي
اسمه يزيد بن محمد، وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة. وكان ينزل الشام ثم انتقل إلى مدينة السلام. حدثني ابن هامان قال: حدثني أبو الأخوص الكوفي قال: عن بعض الكتاب قال: قال لي أبو خالد المهلبي: دخلت يوماً على صديق لي من أهل بغداد أسلم عليه، وعنده، وعنده ابنان له شابان، وإذا هما أرقع خلق الله، وأخذا يتكلمان بكل حماقة وكل محال. وأبوهما ينظر إليهما ويتعجب منهما، فأردت أن أسرى عنه فقلت: سبحان الله ما أطيب كلامكما! فقال الأب: إن كنت كاذباً فرزقك الله مثلهما.
قال أبو العباس: كان أبو خالد هذا من فحولة المحدثين ومجيديهم، وشعره قليل جداً، ومما رويناه له هذه:
стр. 298
قالوا تمن، فقلت: القوتَ في دَعة ... ببطن مرة لا وحل ولا سهك
بطن إذا افترش المسكين تربته ... رأيت أنظف فرش يفرش الملك
لي حرة من عباد الله صالحة ... لا الجار تؤذي ولا الإسلام تنتهكُ
والصقر والكلب إما كنت ذا جلدٍ ... وإن ضعفت فريشي الدبق والشبك
وطائرات على برج مطوقة ... كأنما ريشها السمور والفنك
وإن يفاجئك أضاف أتاك لهم ... مقلو بسر به البرني ينعلك
في منزل لم يكن من مكسب سحت ... لا يخاف به من عامل درك
تسلم النسك للنساك خلوته ... ويستر الفتك من قوم إذا فتكوا
يا منزلاً لم يساعدني الزمان به ... ولم يدر لي بأن أحيا به الفلك
لقد تمنيت عيشاً ليس يعرفه ... إلا بصير بطيب العيش محتنك
أخبار العتبي
حدثني ابن القرشي قال: حدثني أبو عبد الله الأموي قال: قال العتبي: بينا أنا أمر في شارع المربد يوماً إذ أنا بامرأة جميلة، فتبعتها وقلت:
стр. 299
يا أمة اله، هل لك زوج؟ قالت: لا، قلت: فما رأيك في؟ فدنت مني وقالت: إن رأسي أشمط. فوليت عنها، فلما بعدت نادتني، يا فتى ارجع، فرجعت، فكشفت قناعها، فإذا أنا بشعر كالغراب، فبقيت متعجباً، فقالت: كرهنا منك ما كرهته منا.
ومما روينا في هذا المعنى للعتبي:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وكن متى أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقعن الكوى بالمحاجر
فإن عطفت عني أعنة أعين ... نظرن بأحداق المها والجآذر
فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر
ومما يستحسن له قوله:
ولما رأيتك لا فاسقاً ... قوياً ولا أنت بالزاهد
وليس عدوك بالمتقى ... وليس صديقك بالحامد
أقمتك في السوق سوق الرقيق ... وناديت: هل فيك من زائد
على رجل غادر بالصديق ... كفور لنعمائه جاحد
فما جاءني رجل واحد ... يزيد على درهم واحد
سوى رجل خانه عقله ... وحلت به دعوة الوالد
فبعتك منه بلا شاهدٍ ... مخافة ردك بالشاهد
стр. 300
وأبت حميداً إلى منزلي ... وحل البلاء على الناقد
وله أيضاً:
ليس احتيال ولا عقل ولا أدب ... يجدي عليك إذا لم يسعد القدر
ولا توان ولا عجز يضر إذا ... جاء القضاء بما فيه له الخير
ما قدر الله لا يعييك مطلبه ... والسعي في نيل ما لم يقضه عسر
وما عرتني من الأيام معضلة ... إلا صبرت لها، والحر مصطبر
إني على عسري بالله ذو ثقةورب قوم إذا ما أعسروا كفروا
كم مانع نفسه لذاتها حذراً ... للفقر ليس له من ماله ذخر
إن كان إمساكه للفقر يحذره ... فقد تعجل فقراً قبل يفتقر
أخبار عمارة بن عقيل
هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية.
حدثني مسلم بن رياح الجريري قال: حدثني أبو رياح بن عمرو قال: قدم عمارة من البادية إلى الحضر حين اتصل بالناس شعره، وكان أشعر أهل زمانه، وكان ينحو نحو أبيه وجده، ولا يأخذ في معنى من المعاني إلا استغرقه، وكان نقي الشعر، محكم الرصف جيد الوصف، من أهل بيت الشعر، وكان مداحاً للخلفاء والوزراء والأشراف والملوك، فكسب مالاً عظيماً وانصرف إلى البادية.
حدثني عمر: قال: قدم عمارة بن عقيل من البادية إلى الحضر، وهو
стр. 301
أفصح الناس، وأحسنهم هدياً وقصداً، صحيح الدين، ليس عنده من المجون والسخف شيءٌ، فما رجع إلى البادية وهو مؤمن بحرف من كتاب الله، وذلك أنه وقع إلى قوم يقولون بالدهر، فعاشرهم فأفسدوا عليه دينه، فكان بعد ذلك لا يرجع إلى شيء من أمر الدين.
ومما يستجاد لعمارة بن عقيل:
عناء القلب من سلمى عناءُ ... وما أبداً له منها عزاءُ
تكلفني هواها النفس جهلاً ... وخير نصيبها منها الرجاء
رقيقة مرشف المسواك، فيها ... مع الدل الملاحة والبهاء
غذاها عيش مرغدة وشيب ... تمدحها، وتعسفها النساء
تطببها له بصدود عمرو ... فأعيانا التطبب والدواء
وشر جزاء ذي نعمى نجرنا ... بنو عمرو إذا احتمل الجزاء
منعناهم بني سعد وعمروعبيد عصاً لسعد أو إماءُ
ومما يختار له أيضاً:
ويرفع المال أقواماً وإن خملوا ... ويزري الفقر أقواماً وإن كرموا
وقد رأيت رجالاً إذ رأيتهمُ ... خلو مواريثهم للناس واخترموا
стр. 302
لم يحملوا بالذي خلوا وراءهمُ ... ولم يحوزا به إلا الذي اجترموا
عُمار إن أحق الناس كلهم ... بأن تزور إمام الأمة الحكم
الواهب الألف والمخشى صولته ... والمحكم العقد لما خانت الأمم
والقائد الخيل نحو الثغر معلمة ... شعثاً تصلصل في أفواهها اللجم
وله أيضاً:
طرقت أميمة والعيون نيام ... شعثاً وأطلاحاً بهن أوام
أوقعن تحليل اليمين بقفرة ... يهماء طامسة بها الأعلام
جبن الدجى وجشمن كل تنوفة ... حتى كأن صحاحهن سقام
حيا الإله خيالها من زائر ... ومع التحية خيرة وسلام
أأميم إنك لو بليت خلائقي ... لعلمت أني ماجد بسام
شهاد أندية الكرام مزور ... وفر التلاد ملوم لوام
أشبهت آبائي فجئت كمثلهم ... كانوا الأُلى قدم لها وإمام
ومما يستحسن له قوله - والمرثية في أخيه -:
أخي يوم أحجار الثمام بكيته ... ولو حم يومي قبله لبكاني
стр. 303
تداعت له أيامه فاخترمنه ... وأبقين لي شجواً بكل مكان
فليت الذي يبكي بعثمان غدوة ... دعا عند قبري مثلها فنعاني
فلو قسمت في الجن والإنس عبرتي ... عليه بكى من حرها الثقلان
أخبار علي بن الجهم السامي
حدثني الشيرازي قال: حدثني ابن أبي طاهر قال: سمعت أبا عبد الله ابن محمد يسأل الجهم بن بدر - معلم علي - أن يحبسه في المكتب لشيء وجد عليه، فحبسه إلى الظهر، وضاق صدره، فأخذ شق لوح وكتب فيه إلى أمه، وبعث به مع بعض الصبيان إليها من حيث لا يعلم أبوه:
يا أمنا أفديك من أم ... أشكو إليك فظاظة الجهم
قد سرح الصبيان كلهم ... وبقيت محصوراً بلا جرم
فلما قرأت الأم البيتين وثبت إلى لحية الجهم فنتفت أكثرها، فذهب الجهم بنفسه حتى أطلقه.
وحدثني أبو العباس الشاعر قال: حدثني ابن أبي عروبة قال: كان علي بن الجهم شاعراً مفلقاً مطبوعاً، يضع لسانه حيث يشاء، وكان هجاء، فأولع بآل طاهر يهجوهم وينسبهم إلى الرفض. فمما عرض به قوله وهو محبوس:
стр. 304
تضافرت الروافض والنصارى ... وأهل الإعتزال على هجائي
وعابوني وما نبي إليهم ... سوى بصري بأولاد الزناءِ
وإنما عني بالروافض الطاهريين. وبأهل الاعتزال بني داود، وبالنصارى بختيشوع بن جبريل، فإنه كان يعاديه. ووجد عليه طاهر من ذلك، فما زالوا يكاتبون المتوكل في أمره ويحتالون، حتى أخرج إلى خراسان، فلما وقع في أيديهم صلبوه بباب الشاذياخ، فاجتمع الناس ينظرون إليه وقد صلب عرياناً، فقال وهو على خشبته:
لم ينصبوا بالشاذياخ صبيحة ال ... إثنين مغموزاً ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملءَ عيونهمْ ... حُسناً وملءَ قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا
فاتصلت الأبيات بالقوم فأنزلوه وأكرموه.
ومن خبيث هجائه:
بني متيم هل تدرون ما الخبر ... وكيف يستر أمر ليس يستتر
حاجيتكم: من أبوكم يا بني عصبٍ ... شتى ولكنما للعاهر الحجرُ
قد كان شيخكم شيخاً له خطرٌ ... لكن أمكم في أمرها نظر
فلم تكن أمكم والله يكلؤهامحجوبة دونا الأبواب والستر
كانت مغنية الفتيان إن شروا ... وغير محجوبة عنهم إذا سكروا
وكان إخوانه غراً جحاجحة ... لا يمكن الشيخ أن يعصى إذا أمروا
قوم أعَفّاء إلا في بيوتكم ... فإن في مثلها قد تخلع العذر
стр. 305
قوم إذا نسبوا فالأم واحدة ... والله أعلم بالآباء إذ كثروا
حدثني ابن أبي فنن قال: حدثني أبو عبد الله اليحصبي قال: لما قال علي بن الجهم وهو محبوس كلمته التي يخاطب فيها المتوكل: قالت:
حُبست فقلت ليس بضائري ... حبسي، وأي مهند لا يغمدُ
ثم قال حين صلب:
ما ضره أن بز عنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا
حكموا له بأنه أشعر الناس، فأذعنت له الشعراء وهابته الأمراء.
ومما يختار له قوله:
هي النفس ما حملتها تتحملُ ... وللدهر أيام تجور وتعدلُ
ولا عار أن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عاراً أن يزول التجمل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضلُ
وله:
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى
وأعلاك حتى لو أن السما ... تنال لجاوزتها مصعدا
فما بين ربك جل اسمه ... وبينك إلا نبي الهدى
وأنت بسنته مقتد ... وفيها نجاؤك منه غدا
ويستحسن له أيضاً قوله من رائيته في المتوكل:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعاً ... وبالشمس قالوا حق للشمس والبدر
ولو قُرنت بالبحر سبعة أبحر ... لما بلغت جدوى أناملك العشر
стр. 306
وله:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعاً ... بخسناك حظاً أنت أبهى وأكمل
ونظلم إن قسناك بالليث في الوغى ... فإنك أحمى للذمار وأبسلُ
فلا عرف إلا قد تجاوزت حده ... ولا بحر إلا سيب كفك أفضل
وهو ممن شهر بشعره، ووجد عند الخاصة والعامة، وليس قصدنا الاستقصاء، وفيما ذكرناه كفاية.
أخبار عبد الله بن أبي أمية
حدثني أحمد بن علي البصري قال: حدثني أبو خالد الخزري قال: ذكر دعبل بن علي الشاعر أن هذا البيت أهل بيت شعر، وأن محمد ابن أبي أمية وابنه عبد الله بن أبي أمية، وابنه العباس بن أبي أمية وابن ابنه محمد بن علي ابن عبد الله بن أبي أمية وهو أبو حشيشة كلهم شعراء، وأشعرهم عبد الله بن أبي أمية وهو القائل:
هذي الزقاق لدى الفراق ملأتها ... بالجد في طوعي وفي إكراهي
ضحك الفراق بكاء صب مدنفٍ ... وبكاؤه ضحك الضعيف الواهي
وله:
دعْ دارسات الطلولِ ... وكل ربع محيلِ
ولا تصف دار سلمى ... ذرها لكل جهول
لا تقل: آل ليلى ... قد آذنوا برحيل
стр. 307
حسبي بحب مهنا ... عمن غدا في الحمول
بذي دلال وجيد ... لدى محب بخيل
صعب العنان شموس ... بالمقلتين قتول
كغصن بان تثنى ... على كثيب مهيل
وشامخ الأنف يزهى ... بحسن قد أسيل
ونخوة وازورار ... وكسر طرف كحيل
أغراه بالهجر وجدي ... وما رأى من نحول
وحاسدٌ لي أتاه ... عني بقالٍ وقيل
وما وصفتُ مهنا ... بوصف خل وصولِ
ولم أقل: فزت يوماً ... بلذة التقبيلِ
ففيم يا من تعدى ... على الأسير الذليل
ما لي لديك ثقيلا ... وتستخف رسولي
لا كنت إن كان هذا ... هذا لبعض دخيل
أخبار خالد النجار
حدثني عبد الوهاب بن محمد البصري قال: حدثنا: مسلم بن عقبة قال: قال لي خالد النجار: رأيت جارية مولدة بالبصرة ومعها تور فيه نورة
стр. 308
فقلت: يا جارية يكفي ما في هذا التور حرين؟ قالت: نعم إذا كانا صغيرين.
قال: وكان خالد النجار شاعراً متقلبا، إلا أنه كان خبيث اللسان سريعاً إلى أعراض الناس، وشعره في غير هذا المعنى وهو القائل:
أنا النجار أنجر كل أير ... غليظ الأصل منتفخ الوريدِ
سأنجر إن بقيت بغير فأس ... فياشل صلبةً مثل الحديد
وأجعل بعضها باعاً وبعضاً ... دُوين الباع ذا أشر شديد
وأهديها لطيبة تتخذها ... مطاياها إلى السفر البعيد
وتحمل إبنها أيضاً عليها ... إذا طلب الركوب مع العبيد
فيا حسن العقيلة حين تعلو ... على متن الأشج أبي الوليد
بلا سرج هناك ولا لجام ... ولا تبن ولا علف عتيد
تسير بليلة عشرين ميلاً ... وترحل غير مرتحل الوفود
وما كان الوليد لذاك أهلاً ... ولو بذل الطريف مع التليد
أبا العباس دونك فارتبطه ... فما هو بالعنود ولا البليد
فإني قد طلبت الأجر فيه ... وفي حمل العجوز على البريد
стр. 309
أخبار خالد القناص
قال: مما يستحسن من شعر خالد القناص كلمته التي هي سائرة في الناس:
عوجوا على طلل بالقفص خلاني ... أقوى، فقطانه أرآل هيقان
قد غيرت آيه ريح شآمية ... ووبل مثعنجر بالسيل مرنان
أمسى خلاء وأمسى أهله شحطت ... نواهم حيث أموا أرض نجران
ومنها:
دار لجارية بيضاء لاهية ... كالشمس ضاحية في خلق جنان
بيضاء خرعبة خود مطيبةٍ ... للعين معجبة نفي لأحزان
ثم طرد أبياته كلها على هذا النمط وقال في آخرها:
حتى إذا ثملوا من طول ما نهلوا ... مالوا وما عقلوا تميال وسنان
قتلى وما قتلوا جهلي وما جهلوا ... سكرى وما انتقلوا من حكم لقمان
درات قواقزهم لانت مغامزهم ... ذلت غرائزهم من نقر عيدان
قال: زعم مرداس بن محمد أن من رواها ثم لم يقل الشعر فلا ترجُ
стр. 310
خيره. قال ابن المعتز: وأنا أقول أيضاً: إن من روى هذه ثم لم يقل الشعر فأبعده الله وأسحقه.
أخبار عيسى بن زينب
أخبرني محمد بن القاسم عن أبي ماجد الكوفي قال: قال عيسى بن زينب: كان لي غلام من أكسل خلق الله، وكنت لا أبعثه في حاجة إلا أذهب نهاره كله فيها، ثم ربما رجع ولم يقضها، قال: فكنت أضربه كثيراً وأقول له: يا ابن الفاعلة، لو كنت كيساً كنت إذا بعثتك في حاجة واحدة قضيت ثنتين. ورجعت سريعاً. قال: فاعتللت عقيب هذا علة خفيفة لا يخاف من مثلها على أحد، وكان لي صديق متطبب، فقلت للغلام: اذهب إليه فقل له: تعال إلينا، وكان منزله بعيداً من منزلي جداً، فما شككت في أنه لا يعود إلى آخر النهار. لما أعرف من عادته. فوالله ما غاب عن بصري حتى وافاني بالطبيب ومعه رجل آخر لا أعرفه، فقلت في نفسي: لقد أسرع جداً، ومن أخرى: قد آن له أن يفلح، وقلت له: يا فلان، هذا الطبيب قد عرفته فمن هذا الرجل؟ قال: الغاسل. قلت: ومن أمرك أن تدعو الغاسل؟ قال: ألست كنت قلت لي: لو كنت
стр. 311
إنساناً كيساً كان إذا بعثتك في حاجة قضيت ثنتين؟ وقد فعلت، وكان أخوك قد استقبلني فأردت أن أجيء به، ولكن كان مشغولا بحاجة فلم يفعل. قلت: وأخي لم أردت أن تجيء به؟ قال: ليصلى عليك.
وعيسى بن زينب يعرف بالمراكبي. زعم الأثرم أنه من موالي بني أمية. وكان محسناً مفلقاً. وأحد من يجيد في الخمر، ويشربها ولا يفتر عنها، وهو القائل:
حي الصبابة ميت الصبر ... قامت عليه قيامة الهجرِ
متحير سدت مذاهبه ... لهفان حيث غرامه يغرى
لو كان يسبق ميتٌ أجلا ... لسكنت قبل منيتي قبري
من حب من فاقت محاسنه ... لولا مشابهة من البدر
وله:
سبى فؤادي بمقلتيه وقد ... أمسى فؤادي سبته عيناه
حتى حبست العمى فيدركني ... فأغمض الطرف للذي راه
يهتز كالغصن في غضارته ... زينه بالرحيق مولاه
أسفله كالكثيب تحسبه ... وكالقضيب الرشيق أعلاه
أخبار محمد اليزيدي
حدثني محمد بن إسرائيل. قال: حدثني جعفر بن غياث الموصلي قال: قال أيوب بن أبي سفيان: كنت أنا ومحمد بن أبي محمد اليزيدي
стр. 312
نتحدث على شراب لنا في بعض المتنزهات. غذ أقبل قنفذ أبيض يدب مكانه فظنناه جائعاً، فألقينا له كسرة، فأكلها، ثم قلنا: لو سقيناه. فوضعنا له نبيذاً في قدح واسع، فقلت لمحمد: هل لك أن تقول فيه شيئاً نُغالط به سعيد بن مسلم غداً؟ قال: نعم. ثم أنشد:
وطارق ليلٍ جاءنا بعد هجعة ... من الليل إلا ما تحدث سامر
قريناه صفو الراح إذ جاء صارقاً ... على الزاد لم يشعر بنا وهو سادر
جميل المحيا في الرضا. فإذا أبى ... حمته من الضيم الرماح الشواجر
ولست تراه واضعاً لسلاحه ... من الدهر موتوراً ولا هو واتر
ثم لقينا سعيداً فأنشدناه الأبيات فاستحسنها، وقال: هكذا والله أحب الفتى متيقظاً. فضحكنا. فقال: لكما والله قصة، لا تفارقاني أو تخبراني. فأخبرناه، فضحك ثم قال: لا يعلم الغيب إلا الله فكنا بعد ذلك لا نأتيه إلا تبسم في وجوهنا.
ومما يستحسن له قوله:
أتظن والذي تهوى مقيمُ ... لعمرك إن ذا خطر عظيمُ
إذا ما كنت للحدثان عوناً ... عليك مع الزمان فمن تلومُ
شقيت به فما أنا عنه سال ... ولا هو إذ شقيت به رحيم
وله:
يا قمر الكرخ إن عبدكم ... غريق شوق صريع أسقامِ
لم يخط سهمُ الفراق مهجته ... شلت يمين الفراق من رام
стр. 313
وهمّنيك اشتياق ذي فكر ... مثلكم في اعتراض أوهام
ومحمد هذا من المشهورين، وشعره موجود كثير.
أخبار أبي هلال الأحدب
حدثني أبو النجد قال: حدثني الأثرم قال: اسم أبي هلال عصين بن براق، وكان أعرابياً هاجر إلى بغداد، وكان شاعراً مفلقاً مطبوعاً، وله ببغداد بنون، وكان بعض بنيه يقول الشعر ويجيد، وليس كأبيه، ومما رويناه لبي هلال واخترناه:
أروح ولم أحدث لليلى زيارة ... لبئس إذاً راعي المودة والوصل
تراب لأهلي، لا ولا نعمة لهم ... لشد إذا ما تقد تعبدني أهلي
ومما استحسناه قوله:
أقول يا فاتن والحب لا ... يبقي على مهجة محزونِ
عندك يا فاتن من حيلة ... فإن حادي الموت يحدوني
يا فاتني إن الذي ضمنت ... نفسي شيء ليس بالدون
يا سادتي ظبيكم قاتلي ... ظلماً وما قتلي بالدين
ما زال عن قوس الهوى طرفه ... فوق لي سهماً ويرميني
حتى إذا أقصدني سهمه ... حط، وأدنى ذاك يكفيني
يا ذا الذي أسقمني ليس لي ... غيرك من خلق يداويني
ولست والله إذا رمته ... منك على قلبي بمامون
стр. 314
لكنني أقنع يا سيدي ... دون وصال أن تمنيني
تعلتي فيك بطيب المنى ... دهراً، فعيشي عيش كمون
وهذا من جملة شعره المستحسن المستجاد.
أخبار أبي الأسد الثعلبي
حدثني جعفر بن جندب. قال: حدثني أبو زرعة الرقي قال: كان أبو الأسد الشاعر يشبه الأخطل في أيامه لجودة شعره، وكان دعبل هجا الحسن بن مرة فغضب أبو الأسد للحسن بن مرة فكتب إلى دعبل هذه الأبيات:
يا دعبل بن علي أنت في حسن ... كالكلب ينبح من بعد على الأسد
فاكفف لسانك عما قلت في حسن ... فقد رأيت له مثلي من العدد
فكتب إليه دعبل: لا أعود. واتصل الخبر بالحسن فبعث بخمسين ثوباً إلى أبي الأسد.
ومما رويناه واخترناه:
روحي مقيم بين أثوابي ... مستوفز عن جسدي نابِ
نَحُفتُ حتى ما بقي مسلك ... في جسدي مجرى لأوصاب
لم يبق إلا حركات الهوى ... مني وعين ذات تسكاب
من يرني يحسبني لم أمتأرده في شك مرتاب
стр. 315
أي سقام وهوى فادحٍوأي ضر حل أثوابي
لو لمسوني ملء أيديهم ... لم يجدوا غير أسلابي
حدثني أحمد بن مروان الخزري قال: حدثني عبد الوارث بن عمرو من أهل الجزيرة قال: كان أبو الأسد الثعلبي حين ترعرع أخذ في قول الشعر، وكان أصحابنا يقولون: يخرج والله أبو الأسد خروجاً يتحدث به، لأنه كان غواصاً، وما زال كذلك حتى سمي الأخطل الصغير. ثم لم يبق إلا يسيراً حتى لحق بالعسكر، ومدح الملوك، وأجزلوا له. فكان يقدم القدمة ومعه من الورق الكثير، والحملان والطرف ما يعلمه الله، حتى اعتقد ضياعاً بالجزيرة، وكان من أيسر أهلها.
أخبار ابن شادة المعروف بالمخنث
تذاكرنا يوما الطبائع الأربع وتكلمنا فيها، وابن شادة حاضر، فقال: أكثرتم القول في الطبائع، وما حقيقتها عندي إلا أن تأكل وتشرب وتنيك. فقلنا: هذه ثلاث، والطبائع أربع، قال: صدقتم، والغلط كان مني، الطبائع أن تأكل وتشرب وتنيك وتناك. ومما روينا: حدثني عمر بن عبد الرحمن قال: حدثني باذنجانة وهو أحد أولاد الفضل بن ربيع قال:
بالله يا مُنية حتى متى ... يرتفع الحب وينحط
وكيف منجاتي إذا صرت في ... بحر هوى ليس له شطُّ
يا أقدر الناس على علتي ... ما إن أتى الناس بها قط
قد صرت نصواً فوق فرش الهوى ... كأنني من دقتي خط
стр. 316
وهو صاحب بديع رفيق. ومما استملحنا له قوله:
ها أنا ذا يسقطني للبلى ... عن فرشي أنفاس عوادي
لو حسد الساك على دقة ... خلقاً لأمسى بعض حسادي
وله أيضاً:
قل للغزال أقمت يا ... سكني على قلبي القيامة
لما رأيتك لا عدم ... تُ رؤاك تخطر في العمامة
كالشمس يزهو نورها ... إما تبدت من غمامه
نظري إليك بما لكم ... في القلب يعطيك ألوَلامه
والجسم فيه شواهد ... بالحب يشهد لي قسامه
وحلفت أنك قاتلي ... والفتك يعقبك الندامه
بجمال وجهك شج لي ... كأس الهوان من الكرامه
فلقد أميل إلى هوا ... ك وقد أغصص بالملامه
ولقد شربت مدامة ... فذكرت ريقك بالمدامه
ولقد يئست من الحيا ... ة كما يئست من السلامه
ولم يكن ابن شادة مخنثاً، إنما كان لا يهجو أحداً ولا يعرض له، فسمي بذلك مخنثاً على التلقيب، وكان آدب الناس.
стр. 317
أخبار المعلى الطائي
حدثني ابن أبي فنن قال: كان المعلى الطائي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان من أقنع الناس. وقال يوماً: يكفيني في كل سنة خمسون درهماً فضة، فتعجب من ذلك بنوه. وكان لا يغتاب أحداً ولا يتكلم فيه، وكان أعف الناس فرجا وأصدقهم لساناً، وكان من قبل هذه الحال يتعاطى الفتوة والشطارة، ويطلب ويعبث ويفسد ويقطع ويشرب الخمر، ثم تاب وصار بالصفة التي وصفناها. ومما رويناه له قبل التوبة ولكن كان كف عن الفساد الفاحش قوله في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي:
يا شاهر السيف إلى فتنه ... يؤوب مسعاها إلى فوتِ
اخطُبْ إلى مطلبٍ ضربةً ... إن كنت مشتاقاً إلى الموتِ
ترى فتى يروي القنا من دمٍ ... يكسوك منها خلعة الفوت
إذا انتضى أسيافه سخطة ... عجّلن عن سوف وعن ليت
وله أيضاً:
لقد سعدت عيني بوجه كريمةٍ ... وإن كان في غب السرور بها حتفي
فإن مت من شوق إلى عودِ نظرة ... فحسبي من دنياي ما ناله طرفي
إذا سمعت أذناي منطق عودها ... وأفصحت الأوتار عنها بما تخفي
стр. 318
وغنت كصوت الصنج تحت لهاتها ... تجاوبه النايات في نغم الأنف
فيجمع بين الرجز والشج حذقها ... وتسكت من غنجٍ على مقطع الحرف
موردة الخدين مهضومة الحشى ... معقربة الصدغين فاترة الطرف
تقمَّص أثواب الرجال تمرداً ... وتأنف من لبس القلادة والشنف
وهو حسن الشعر مليحه، ولما تاب ترك الشعر، وكان يقال له: لم لا تقوله وأنت نسيج وحدك؟ فيقول: قد أبدلني الله تلاوة كتابه. وما قال بعد ذلك شعراً حتى مات.
أخبار درست المعلِّم
وقد أحتج الجاحظ بشعره. حدثني أبو حاتم الأسدي قال: حدثني أبو حاتم الأحول قال: كان درست المعلم أقصر من رأيت وأضعفه بدنا، وكان مع ذلك يقول: لولا أنني معلم، والمعلم عند الناس أحمق، وأنا مولى. وليس بالمولى كالصريح، لما دعا الناس إلى بغض هذه الدولة - يعني دولة بني العباس -، أو حي يقال له: درست. وكان يرى رأى الخوارج ويرى الدار دار كفر، ويقول: قد عطلوا الأحكام وغيروها. وقد قال الله: " ومن لم يحكم بما أنزل الله
стр. 319
فأولئك هم الكافرون " وكان مع هذا أرقع خلق الله، إلا أنه كان فصيحاً جيداً لقول الشعر.
حدثنا أبو نزار الخارجي قال: حدثني من رأى درست المعلم يناظر في مسجد البصرة صنوف أهل العلم فيغلبهم، لأنه كان عمل في الكلام وجود، وكان ذا بيان وشدة عارضة.
ومما رويناه له في جيرانه:
لي جيران ثقال كلهم ... وخفيف فيهم مثل الرصاص
قلت لما قيل لي: قد غضبوا: غضب الخيل على اللجم الدلاص
ومما سار له في الدنيا لجودة معناه قوله:
لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطا وقليل الصوابْ
ألجُّ لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
ومما يستملح من غزله قوله:
أما والخال في الخد الأصيل ... وطرف فاتر غنج كحيلِ
وقد مائل يحكيه غصن ... على دعص من الردف الثقيلِ
أنا المقتول من بين الأساري ... فهل ترثى لمحزون نحيل
لقد أبدى هواك لنا سيوفاً ... فكم بسيوف حبك من قتيلِ
ألا يا عين قبل البين جودي ... بدمع وَاكِفٍ هَمِلٍ هَطُولِ
على جسم براه هجر حب ... أراه سوف يؤدي عن قليل
стр. 320
أخبار محمد بن الدورقي
هو مولى عبد الله بن مالك الخزاعي.
حدثني أبو العنبس الصيمري قال: أخبرني ابن أبي الذلفاء قال: قدم محمد بن الدورقي على يحيى بن عبد الله بن مالك الخزاعي وهو على أصبهان فقصر في بره، وشغل عنه، فلما كان بعد أيام ضجر من المقام على الجفاء وكان هناك رجل من ولد هرثمة فوهب له مالا فقال:
تنقلت كي أطلب المرحمه ... وأرفع عن نفسي المغرمة
وقد كنت مولى بني مالك ... فأصبحتُ مولى بني هرثمة
فأخذه يحيى فحبسه في حبس بأصبهان، يقال له الدليج. فاحتال حتى تخلص، ثم هجاه بكل قبيح، ولم يُبق غاية في مكروهه. ومما قال فيه:
يقول جليساه إذا خَلَو به ... تنفس يحيى ويحه أم تغوطا
وهي طويلة. إلا أنها فاحشة فتركناها. فلما صرف يحيى، وورد بغداد أهدى إليه طرائف كثيرة، وبره ووصله، ثم ولي قزوين. فبعث إلى ابن الدورقي أن يتأهب للخروج معه، ووعده كل إحسان وخير، فجاءه وقال: يا سيدي، كم تدفع إلي إذا خرجت معك؟ قال: عشرة آلاف درهم. قال: أحسنت والله وجودت، إنما تدفع إلي ديتي، وما أحسبني أجوز النهروان حتى تقتلني، ولن يراني الله فاعلا ذلك أبداً، ولو أعطيتني
следующие страницы →