Полный текст (439 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وهو صاحب بديع رفيق. ومما استملحنا له قوله:
ها أنا ذا يسقطني للبلى ... عن فرشي أنفاس عوادي
لو حسد الساك على دقة ... خلقاً لأمسى بعض حسادي
وله أيضاً:
قل للغزال أقمت يا ... سكني على قلبي القيامة
لما رأيتك لا عدم ... تُ رؤاك تخطر في العمامة
كالشمس يزهو نورها ... إما تبدت من غمامه
نظري إليك بما لكم ... في القلب يعطيك ألوَلامه
والجسم فيه شواهد ... بالحب يشهد لي قسامه
وحلفت أنك قاتلي ... والفتك يعقبك الندامه
بجمال وجهك شج لي ... كأس الهوان من الكرامه
فلقد أميل إلى هوا ... ك وقد أغصص بالملامه
ولقد شربت مدامة ... فذكرت ريقك بالمدامه
ولقد يئست من الحيا ... ة كما يئست من السلامه
ولم يكن ابن شادة مخنثاً، إنما كان لا يهجو أحداً ولا يعرض له، فسمي بذلك مخنثاً على التلقيب، وكان آدب الناس.
стр. 317
أخبار المعلى الطائي
حدثني ابن أبي فنن قال: كان المعلى الطائي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان من أقنع الناس. وقال يوماً: يكفيني في كل سنة خمسون درهماً فضة، فتعجب من ذلك بنوه. وكان لا يغتاب أحداً ولا يتكلم فيه، وكان أعف الناس فرجا وأصدقهم لساناً، وكان من قبل هذه الحال يتعاطى الفتوة والشطارة، ويطلب ويعبث ويفسد ويقطع ويشرب الخمر، ثم تاب وصار بالصفة التي وصفناها. ومما رويناه له قبل التوبة ولكن كان كف عن الفساد الفاحش قوله في مدح المطلب بن عبد الله الخزاعي:
يا شاهر السيف إلى فتنه ... يؤوب مسعاها إلى فوتِ
اخطُبْ إلى مطلبٍ ضربةً ... إن كنت مشتاقاً إلى الموتِ
ترى فتى يروي القنا من دمٍ ... يكسوك منها خلعة الفوت
إذا انتضى أسيافه سخطة ... عجّلن عن سوف وعن ليت
وله أيضاً:
لقد سعدت عيني بوجه كريمةٍ ... وإن كان في غب السرور بها حتفي
فإن مت من شوق إلى عودِ نظرة ... فحسبي من دنياي ما ناله طرفي
إذا سمعت أذناي منطق عودها ... وأفصحت الأوتار عنها بما تخفي
стр. 318
وغنت كصوت الصنج تحت لهاتها ... تجاوبه النايات في نغم الأنف
فيجمع بين الرجز والشج حذقها ... وتسكت من غنجٍ على مقطع الحرف
موردة الخدين مهضومة الحشى ... معقربة الصدغين فاترة الطرف
تقمَّص أثواب الرجال تمرداً ... وتأنف من لبس القلادة والشنف
وهو حسن الشعر مليحه، ولما تاب ترك الشعر، وكان يقال له: لم لا تقوله وأنت نسيج وحدك؟ فيقول: قد أبدلني الله تلاوة كتابه. وما قال بعد ذلك شعراً حتى مات.
أخبار درست المعلِّم
وقد أحتج الجاحظ بشعره. حدثني أبو حاتم الأسدي قال: حدثني أبو حاتم الأحول قال: كان درست المعلم أقصر من رأيت وأضعفه بدنا، وكان مع ذلك يقول: لولا أنني معلم، والمعلم عند الناس أحمق، وأنا مولى. وليس بالمولى كالصريح، لما دعا الناس إلى بغض هذه الدولة - يعني دولة بني العباس -، أو حي يقال له: درست. وكان يرى رأى الخوارج ويرى الدار دار كفر، ويقول: قد عطلوا الأحكام وغيروها. وقد قال الله: " ومن لم يحكم بما أنزل الله
стр. 319
فأولئك هم الكافرون " وكان مع هذا أرقع خلق الله، إلا أنه كان فصيحاً جيداً لقول الشعر.
حدثنا أبو نزار الخارجي قال: حدثني من رأى درست المعلم يناظر في مسجد البصرة صنوف أهل العلم فيغلبهم، لأنه كان عمل في الكلام وجود، وكان ذا بيان وشدة عارضة.
ومما رويناه له في جيرانه:
لي جيران ثقال كلهم ... وخفيف فيهم مثل الرصاص
قلت لما قيل لي: قد غضبوا: غضب الخيل على اللجم الدلاص
ومما سار له في الدنيا لجودة معناه قوله:
لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطا وقليل الصوابْ
ألجُّ لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
ومما يستملح من غزله قوله:
أما والخال في الخد الأصيل ... وطرف فاتر غنج كحيلِ
وقد مائل يحكيه غصن ... على دعص من الردف الثقيلِ
أنا المقتول من بين الأساري ... فهل ترثى لمحزون نحيل
لقد أبدى هواك لنا سيوفاً ... فكم بسيوف حبك من قتيلِ
ألا يا عين قبل البين جودي ... بدمع وَاكِفٍ هَمِلٍ هَطُولِ
على جسم براه هجر حب ... أراه سوف يؤدي عن قليل
стр. 320
أخبار محمد بن الدورقي
هو مولى عبد الله بن مالك الخزاعي.
حدثني أبو العنبس الصيمري قال: أخبرني ابن أبي الذلفاء قال: قدم محمد بن الدورقي على يحيى بن عبد الله بن مالك الخزاعي وهو على أصبهان فقصر في بره، وشغل عنه، فلما كان بعد أيام ضجر من المقام على الجفاء وكان هناك رجل من ولد هرثمة فوهب له مالا فقال:
تنقلت كي أطلب المرحمه ... وأرفع عن نفسي المغرمة
وقد كنت مولى بني مالك ... فأصبحتُ مولى بني هرثمة
فأخذه يحيى فحبسه في حبس بأصبهان، يقال له الدليج. فاحتال حتى تخلص، ثم هجاه بكل قبيح، ولم يُبق غاية في مكروهه. ومما قال فيه:
يقول جليساه إذا خَلَو به ... تنفس يحيى ويحه أم تغوطا
وهي طويلة. إلا أنها فاحشة فتركناها. فلما صرف يحيى، وورد بغداد أهدى إليه طرائف كثيرة، وبره ووصله، ثم ولي قزوين. فبعث إلى ابن الدورقي أن يتأهب للخروج معه، ووعده كل إحسان وخير، فجاءه وقال: يا سيدي، كم تدفع إلي إذا خرجت معك؟ قال: عشرة آلاف درهم. قال: أحسنت والله وجودت، إنما تدفع إلي ديتي، وما أحسبني أجوز النهروان حتى تقتلني، ولن يراني الله فاعلا ذلك أبداً، ولو أعطيتني
стр. 321
مائة ألف درهم بعد ما قلت فيك ما قلت. فقال له يحيى: إن الكرام والأشراف لا يفعلون ما تقول، وإنما عاداتهم اصفح والعفو والإحسان والزيادة، يريدون بذلك جميل الذكر. فقال: يا سيدي، دعني من هذا، فإني أرى الموت عياناً إن خرجت معك. فأعطاه العشرة الآلاف معجلة وقال: والله لئن خرجت لأفعلن لك ولأصنعن لك. فقال: إني لا أستجرئ على ذلك، وأخاف أن تسكر وتدعوني وتضرب عنقي.
وهو القائل في هاشم بن عبد الله بن مالك يرثيه:
مضى من هاشم مالاً يعود ... وولى والزمان به حميدُ
فتى كانت به الأيام تزهى ... ودنيانا به أبداً تزيد
أخبار ابن عائشة القرشي
واسمه عبد الرحمن بن عبيد الله. وعائشة أمه هي أم محمد بنت عبد الله بن عبيد الله من تيم قريش، يكنى أبا سعيد، وكانت سمية أم زياد بن أبي سفيان إحدى جداته، وهو مع ذلك يتسع في هذا المعنى ويقول:
أيا أسفي على إسعاف دهرٍ ... وحظ من حظوظ بني الزواني
стр. 322
على أني أمت إلى الليالي ... بعرق من سمية غير واني
وقال يهجو ابن أبي داود، أولها:
أنت امرؤ غث الصنيعة رثها ... لا تحسن النعمى إلى أمثالي
نعماك لا تدعوك إلا لامرئ ... في مثل مثلك من ذوي الأشكال
إذا نظرت إلى صنيعك لم تجد ... حراً سموت به إلى الإفضال
فاسلم لغير صنيعة ترجى لها ... إلا لسدك حالي لا السؤال الملحفُ
وهل:
لما رأيت الدهر دهر الجاهلِ ... ولم أر المعروف عند العاقلِ
رحلت عنساً من خمور بابل ... وبت من عقلي على مراحلِ
وقال يحكي من مصعب بن الزبير:
من يكن إبطه كآباط ذا الخَلْ ... ق فإبطاي في عداد الفقاحِ
لي إبطان يرميان جليسي ... بشبيه السلاح أو بالسلاح
وهذا من أحسن الهجو، وله أشياء كلها حسنة.
أخبار إسماعيل بن يوسف البصري
حدثني حامد بن محمد العدوي عن أبي علي المكي قال: اجتمع أبو السفاح الأنصاري وعبد اله ب رضا وإسماعيل بن يوسف،
стр. 323
وكانوا خلعاءَ مجاناً فقالوا: نتفق على أن نقول في صفة الخمر لا نتعدى ذلك إلى غيره، فبقوا على ذلك إلى أن ماتوا.
فمما رويناه لإسماعيل قوله:
يا رُبَّ خمّارة بالقفص حانتها ... عادية ذات أطمارٍ مهاريتِ
نبهتها سحراً والنجم منكدرٌ ... والديك يمزج تصفيقاً بتصويت
فأوجست خيفة مني وما علمت ... أني طريق لربات الحوانيت
فقلت: عندك خمر تمتعين بها ... صحبي؟ وحظك عندي كل ماشيت
قالت: أصبت المنى من عانس عُصرت ... في العهد من صاحب اليقطين والحوت
وقتل لما رأيت الكأس ساطعة ... تجلو الظلام: ألا يا خمر حُييت
فقلت ما نالها غيري فكيف بها ... قالت فأنت لها قلنا لها إيتي
ولم أزل أتحساها مصفقةً ... مع كل مدرعٍ بالحكم سكيت
ترى وجوههم منها إذا خضعوا ... للسكر تلمع كالبيض المصاليت
ينقضّ منها شرار كلما مُزجت ... كالشهب تنقض في إثر العفاريت
ترى لها في أعالي كأسها حدقاً ... من الحباب كأحداق المباهيت
كأنها حين حل الماء يرثمها ... شيبت بمسك ذكي الريح مفتوت
стр. 324
١
فكم لها من صريع فارس بطل ... قد كان يُرهب يوم الروع مسبوت
ومما يستحسن له قوله:
نور تحدر من فم الإبريقِ ... في ريح كافورٍ ولون خلوق
صبغ الظلام شعاعها لما رمت ... أقطاره بصواعق وبروق
فكأنه سبج زها بسواده ... ثم ارتدى منها بثوب عقيق
وكأنها وشرارها متطايرٌ ... والماء يخمدها ضرام حريق
أخبار أبي العجل
حدثني محمد بن حبيب قال: قال لي أبو العجل: تزوجت امرأة بحران، فولدت بعد أربعين يوماً، فقلت: يا هذه قد كذب من يزعم أن المرأة تلد لتسعة أشهر. قالت: وكيف ذلك؟ قلت: لأنك ولدت لأربعين يوماً، قالت: ليس كما ظننت. قلت: يا قرة العين، فكيف ذاك؟ قالت: بنيت جدارك على أساس غيرك.
وكان أبو العجل ينحو نحو أبي العِبر، ويتحامق كثيراً في شعره.
ومما رويناه:
أيا عاذلي في الحمق دعني من العذل ... فإني رخيّ البال من كثرة الشغلِ
وأصبحت لا أدري وإني لشاهد ... أفي سفر أصبحت أم أنا في الأهل
فمُرني بما أحببتَ آتِ خلافه ... فإن جئتني بالجد جئتك بالهزل
وإن قلت لي: لم كان ذاك؟ جوابه ... لأني قد استكثرت من قلة العقل
стр. 325
فأصبحت في الحمقى أميراً مُؤَمَّراً ... وما أحد في الناس يمكنه عزلي
وصيّر لي حمقي بغالاً وغلمة ... وكنت زمان العقل ممتطياً رِجلي
وقال أيضاً
عذلوني على الحماقة جهلاً ... وهي محمد نعقلهم ألذ وأحلى
لو لقوا ما لقيت من حُرفة العق ... ل لساروا إلى الحماقة رَسْلا
أذعن الناس لي جميعاً وقالوا ... يا أبا العجل مرحبين وسهلا
فبها لا عدمتها صرت فيهمسيداً أُتَّقى ورأساً ورِجلا
وله أيضاً:
اكفف ملامك محسناً ... أو مُجملاً متطولا
أعَلَى الحماقة لمتني ... قد كنت مثلك أولا
فدخلت مصر وأرضها ... والشام ثم الموصلا
وقرى الجزيرة لم أدع ... فيها لحى منزلا
إلا حللت فِناءه ... بالعقل كي أتمولا
وإذا التعاقل حرفةٌ ... فعزمت أن أتحولا
فانظر إلى أما ترى ... حال الحماقة أجملا
من ذا عليه مؤنبي ... حتى أعود فأعقلا
وحماقات أبي العجل ومجاناته كثيرة.
стр. 326
أخبار أبي العبر
واسمه أحمد بن محمد وهو هاشمي من بني العباس.
حدثني غيلان بن مران قال: أخبرني منصور الماهاني قال: لما بلغ إسحاق بن إبراهيم الطاهري ما فيه أبو العبر من الخلاعة والمجانة وإظهار الحماقة أمر بحبسه، فكتب إليه رقة يكر فيها أنه تائب، ويسأله أن يخرجه من الحبس حتى يعلمه بأنه يعرف رقية العقرب فيعلمه إياها. وأنه ليس في الدنيا مثلها. فأحضره وقال له: هات علِّمنا رقيتك. قال: على أن توثق أنك لا تعرض لي بعدها. فوثق له بذلك. فقال له: إذا رأيت العقرب فتناول النعل واضربها ضربة شديدة فإنها لا تعود تتحرك. قال إسحاق: خلوا عنه فإنه لا يفلح أبداً حدثني الفيض بن محمد عن أبي روح قال: كان أبو العبر يزيد كنيته كل سنة حرفاً، وكان في الأول: أبو العبر، فما زال يزيد حتى صار: أبو العبر طرذرز لو حمق مق. وكان من آدب الناس، إلا أنه لما نظر إلى الحماقة والهزل أنفق على أهل عصره أخذ منها وترك العقل، فصار في الرقاعة رأساً.
حدثني أحمد بن أبي الهيثم عن محمد بن رجاء قال: نشطت يوماً لأبي العبر فصرت إليه، فإذا هو قاعد في تغار فيه ماء،
стр. 327
في أشد ما يكون من الحر، وعلى رأسه سمورية، وحواليه جماعة يكتبون عنه. وقام المستملي بين القوم فجلست أسمع، فقال له واحد: يا أبا العبر، لم صار دجلة أعرض من الفرات، والقطن أبيض من الكمْأة؟ فقال لأن الشاة ليس لها منقار، وذنب الطاووس أربعة أشبار. وقال له آخر: لم صار العطار يبيع اللبد وصاحب السقط يبيع اللبن؟ قال لأن المطر يجيء في الشتاء، والمنخل لا يقوم به الماء. وقال آخر: لم صار كل خصي أمرد، والماء في حزيران لا يبرد؟ فقال لأن السفينة تجنح. والحمار يرمح. ومر له في مثل هذا من الجهالات ما لا يعلمه إلا الله. وكان يمدح الخلفاء ويهجو الملوك بمثل هذه الركاكة وكان يُؤَمَّر على الحمقى فيشاورونه في أمورهم كأبي السواق وأبي الغول وأبي الصبارة وطبقتهم من أهل الرقاعة. وهو القائل:
أنا أنا أنت أنا ... أنا أبو العبرنَّهْ
أنا الغني الحمقوقوا ... أنا أخو المجَنَّه
أنا أحرر شعري ... وقد يجي بردَنَّه
فلو سمعت بشعري ... في الدس والوترنه
لسقر قر سقرنفر ... وما تارنّه
لكنت تضحك حتى ... تمسك البططنه
وله عجائب كثيرة من هذا الشأن لا حاجة بنا إلى استقصائها إذا كان
стр. 328
لا نفع فيها، وإنما أحببنا أن لا نترك شيئاً مما ذكره أحدٌ مَدَح في هذه الدولة خليفة وذكر في الشعراء، وكفى ما أوردناه ونوادره.
أخبار منصور الأصبهاني
حدثني إسحاق بن إبراهيم الكرخي: حدثني ابن عوف قال: تزوج أبو دلف سعاد بن باذان أخت منصور، فبلغ ذلك منصوراً فكرهه، وعلم أنه سيخرجها عن قريب فقال عمداً ليطلقها أبو دلف: ومما رويناه من شعره واخترناه من قوله:
ألا سقني الصهباء إن كنت ساقيا ... وروّح من الراح الرؤوس الصواديا
رءوساً تراها في الرجاء مصونة ... وعند التحام الحرب تلقى الدواهيا
فطوراً ترى فيها أكفاً نواعماً ... وطوراً ترى فيها الرماح المداريا
وله في ابن أبي نوفل:
خوانك يا ابن أبي نوفلِ ... كما زعموا فلكةُ المغزلِ
وكبرى قصاعك مخروطة من البخل من أصغر الخردل
وله:
يا نفس لا تجزعي من التلف ... فإن في الله أعظم الخلفِ
стр. 329
فإن تجتزي بالقليل تغتبطي ... ويغنك الله عن أبي دلف
إني إذا النفس راودت طمعاً ... يقصر عن نيله ذوو الشرف
وحاولت خطة تقصر بي ... كبحتها بالحياء والأنف
حتى أتاني الذي أؤمله ... بالرفق من حيلتي ومن لَطَفي
وله أيضاً:
أبا دُلَفٍ ما الحبس عندي بعينه ... سوى رجل يرجو نداك ونائله
رأيتك لا تهدي من الفكر ضلة ... وشحَّا على الشيء الذي أنت آكله
وأنت كطبل فارع الصوت فارغ ... خلاءٍ من الخيرات قفر مداخله
ومن أعجب الأشياء تسليم إمرة ... عليك على طنزٍ وإنك قابله
ومن مختاراته في أبي دلف يمدحه:
إذا حدثته النفس أمضى حديثها ... وهان عليها ما يرى في العواقبِ
فما إن تراه الدهر إلا معززاً ... بنفس أبت إلا صعاب المطالب
يعاف من الكسب الذي ليس دونه ... حمام المنايا أو قراع الكتائب
إذا فاجأته الخيل لم ينتظر لها ... لحاق رجال واجتماع مقانب
ولكنه يرمي الصفوف بنخوة ... إذا جشأت نفس الجبان المواربِ
стр. 330
يكون، إذا قالوا: البراز، أمامها ... ويلفى إذا ولت حمى كل هارب
ولست تراه الدهر إلا مغامساً ... بِخوض رماح لاكتساب الرغائب
فأحر بهذا إن توق حمامه ... إذا كان يستدعيه من كل جانب
ومن قارع الأبطال أوشك أن يرى ... منيته بين القنا والقواضب
وله:
كفى حزناً أن النوى قذفت بنا ... بعيداً وأن النأي أعيت مطالبه
فلو أننا إذ فرق الدهر بيننا ... عسى واحد منا تمول صاحبه
ولكننا من دهرنا في مؤونة ... يكالبنا طوراً وطوراً نكالبه
ومن طلب الدنيا على ما يريده ... أصاب ثراء أو أرنت حبائبه
فدونك هذا الصبر إني وجدته ... معيناً على الأمر الذي عز جانبه
فلا تحسب المقدور فات وقوعه ... فإن قضاء الله لا بد طالبه
ومما يستحسن له قوله أيضاً:
فدهري دؤوب بين حل ورحلة ... يطوف بي ما عشت أرضاً إلى أرضِ
كأني، بتعبير البلاد موكَّل ... لأَبلغ منها مبلغ الطول والعرض
فإن يقض لي يوماً رجوع فإننيسأكفر بالديوان والقرض والفرض
وأبعد نفسي عن أمور تشينها ... وألزم بيتي وافر الدين والعرض
فإن دام لي عز القناعة سرني ... وإلا فبعض الشر أهون من بعض
стр. 331
وله في أخيه خثنام:
دلس لي خثنام برذونه ... وكان دهراً طالما دلسا
كان يناوي دهره موسرا ... فكيف باليائس إذ أفلسا
لما فشا في الناس إفلاسه ... ولم يجز تمويهه غطسا
فلا تغرنك قعاقيعه ... ما عنده شيء وإن دخمسا
لم يبق إلا شبح ماثل ... يا ويحه في الفقر ما أفرسا
قرطس في الإفلاس من غلوة ... ولو رمى من فرسخ قرطسا
وله في آل الفيض:
لا تعجبوا جهلاً بأحسابكم ... فتوقعوا أنفسكم في الحتوف
متى غزوناكم فأفلتم ... بعفو أو بقتل عنيف
فكم أقمنا بينكم مأتماً ... بطعنة من قيل شريف
يلجأ في الروع إلى نفسه ... ما إن يعاف الموت بين الصفوف
يصونها في الأمن لكنه ... يهينها تحت ظلال السيوف
وله أيضاً
ليتك أدبتني بواحدة ... أولها آخر لدى العدد
تحلف ألا تبرني أبداً ... فإن فيها برداً على كبدي
اشف فؤادي مني فإن به ... علي قرحاً نكأته بيدي
стр. 332
أبعدني الله حيث تحملني ... نفسي على مثل ذا من الأود
عهدي بنفسي وليس يبعثها ... هذا الذي قد نعت من أحد
فكيف أخطأت لا أصبت ولا ... نهضت من عثرة إلى سدد
إن كان رزقي إليك فارم به ... في ناظري حية على الرصد
أصبحت فيما رضيت منك به ... أدعى أبا الكلب لا أبا الأسد
وقد رويت هذه الأبيات لأبي الأسد وهي لمنصور أثبت: وله أيضاً:
يا ذا الذي ذم دهره ... من أجل أن حط قدره
لا تأسفن لشيءٍ ... ففي المغيرة عِبره
لو نيل رزق بعقل ... لم يعطه الله بعره
أو لم يكن منه جود ... كفته ما عاش كسره
وله فيه أيضاً
فضيحة جاءت على ... غفلة يبلى الجديدان ولا تبلى
مغيرة بن الفيض في بيته ... جارية من غيره حبلى
وله فيه أيضاً:
وجه المغيرة كله أنفُ ... موف عليه كأنه سقف
رجل كوجه البغل طلعته ... ما ينقضي من قبحه الوصف
من حيث ما تأتيه تبصره ... من أجل ذاك أمامه خلف
стр. 333
حصن له من كل نائبة ... وعلى بنيه بعده وقْف
جفت المدائح عن خلائقه ... ولقد يليق بوجهه القذف
ولمنصور أيضاً في المغيرة:
ثكلتك أمك لم تذد عنك الذي ... سيرت فيك من الهجاء السائر
حتى أتيت مشاتماً لتكفني ... عن شتم فاجرة ونغلٍ فاجر
زعم المغيرة أنه بي آمر ... إن كان يكذب نكت أم الآمر
ومما يستحسن له في آل سلم:
أن مستيقن رضاك ولكن ... ليس يخفيه منك طرف حقود
حُدث عني وصرت تنظر شزرا ... نظراً دونه يكون الوعيد
وله في أخيه وكان خطيب البلد:
أقول غداة العيد والناس شُهدٌ ... ومنبرنا العالي البناء رفيع
لعمري لئن أضحى رفيعاً فإنه ... بمن يرتقي أعواده لوضيع
أقول إذا ما قام ينهق فوقه ... أتبلغ هذا المرتقى وأضيع
ومن عجب الدنيا صعودك منبراً ... وحولك ألف سامع ومطيع
стр. 334
وما كنت أخشى مثلها البوم نكبة ... أذل لها، والمسلمون جميع
وله فيه أيضاً:
قلت لخثنام على بخله ... يا بأبي يا ذا القرون الطوال
لو تملك الأرض بأقطارها ... لكنت كشخاناً على كل حال
فهمة الأنذال في بخله ... وهم من في البيت جمش الرجال
ولمنصور في رجل يرميه بأنه كان حجّاماً:
يا ذا الذي صار يعمل القلما ... قد كنت دهراً تقعقع الجلما
عشت زماناً وأنت تعمله ... أحذق من يمشي ومن حجما
فإن تكن بالقريض مشتغلاً ... فرب يوم سفكت فيه دما
كم من كريم سفعت نقرته ... فطأطأ الرأس منك ما انتقما
وكم رقاب جرحت خاضعة ... وإن يرمها سواك كن حمى
بسيف شيخ قد كان فارسه ... ومن حكى شيخه فما ظلما
حتى إذا هزه ليعمله ... شفى بذاك الصداع والألما
فإن يكن بالجبال منكتما ... فإنه بالعراق على كسائي
стр. 335
أصيرتم كسائي قهرماناً ... تكفل بالغداء وبالعشاء
فكيف سلبت من بين الندامى ... ألم يحضر غداءكم سوائي
فردوا قد نصحت لكم كسائيولا تجلو إلى كشف الغطاء
فإني إن هجوتكم ببيت ... كشفت الستر عن باب النساء
وله أيضاً:
أأترك الخمر لان حرمت ... وأسأل الأنذال شرب الحلال
آليت لا أتركها طائعاً ... قد آذنت توبتنا بارتحالِ
وله أيضاً:
غيرك الدهر بعد ود ... ما أقبح الغدر يا غزالُ
داريت فيك العدو دهراً ... حتى إذا أمكن الوصال
وصار ما أرتجي خلالاً ... وطاب فيه لنا المقال
أعرضت عني فليس ود ... ولا حرام ولا حلال
وله:
أنا محلول الحرام ... مثل عيسى بن هشام
وعلي الهدى والمش ... يُ إلى بيت الحرام
إن رأى عيسى لعبد ال ... قيس وجهاً في المنام
وله:
لا تكثري اللوم فيما ليس ينفعني ... إليك عني جرى المقدور بالقلم
سأتلف المال في عسر وفي يسر ... إن الجواد الذي يعطى على العدم
كم قد قضيت حقوقاً كان أهملها ... غيري، وقد أخذ الإفلاس بالكظم
стр. 336
ولمنصور في محمد بن وهيب الشاعر:
أني احتجبت وذاك منك عجيب ... أجهلت ما يأتي وأنت أديبُ
أو ما علمت بأن ذلك منكرٌ ... من فع من قرض القريض عجيب
من ذا الذي يأتيك إلا مكرهاً ... وهو الخبير بأنه مغلوب
فدع الحجاب لمن يليق ببابه ... فمن الكبائر شاعر محجوب
وله في علي بن المهلب:
عجبت لجسمك ما أصغره ... ومما تلقم ما أكبره
أراك تطفل طول الحياة ... ويأمن خبزك أن تكسره
وتلفي لعودك مستبطنا ... تدير على زيره الحنجره
فليتك وريتني بعضه ... وكثر ربي بك المقبره
وبكت المزعفر في خده ... وملت إلى النار من زعفره
فقد كان يحرمه نفسه ... وكل نعيم مع المقتره
إذا ما بدا لك فوق الحمار ... فقنبرة فوقها قنبره
تحرم في بيتك المشربات ... وفي بيت غيرك ما أكثره
فطوراً تجرجرها نخبةً ... وطوراً تجرجرها تذكره
стр. 337
وله أيضاً:
له وجه خنزير وخيشوم بغلة ... وصدرة ملاح وتقطيع حائك
شكا فسوه جن البلاد وإنسها ... وقد خفت أن يؤذي خيار الملائكِ
فلو كان في أهل الجحيم لَوَلْوَلُوا ... إلى ربهم من فسوه المتدارك
وقالوا: العذاب الضعف أهون عندنا ... وكلهم مستصرخ نحو مالك
وله أيضاً:
قل للذي جاء من الحج ... يا أحوج الناس إلى العفجِ
لم تهد لي نعلاً ولا مقلة ... كأنما جئت من البرج
تهت بأن جئت بحجامة ... ونعفة من نعف الزنج
لو نلت ملكاً ناله طاهر ... لكنت مقطوع الايرطنج
كيف انكباب يا أبا جعفر ... تقدم اللبد مع السرج
فلست تلفي بعده مفلحا ... ما أطلع الحجاج من فجّ
وله في عقبة بن مالك:
يا خطبة ضيعها مالك ... أضيع منها المنبر الهالكُ
يا آل بكر قبلوا قاسما ... صار على شرطته مالك
عضادة المنبر في كفه ... أير حمار أسود حالك
وكان أبو دلف يقول: ما رأيت أحداً فوق منبر، وعضادة المنبر في كفه
стр. 338
إلا ذكرت قول منصور بن باذان فكدت أضحك. وكان منصور من المجيدين لا سيما للهجو فإنه كان أهجى الناس.
أخبار العنبري الأصبهاني
حدثني وائل بن يشكر قال: حدثنا خشنام بن أحمد قال:
لما قال علي بن عاصم العنبري أرجوزته التي يهجو فيها أهل الماهيات، وأنشدها أبا دلف:
لقد أتتكم وائل بعير ... يحملن أوقاراً من الأيور
أيرين أيرين على بعير ... أعيت على البغال والحمير
فلما بلغ المنشد هذا البيت:
مرت على الكرج ولم تعرج
قال: اسكتوا حتى يجوزكم.
وكان علي بن عاصم هذا من الشعراء المجيدين. وكان يسكن الجبل. وكان قد دخل العراق ومدح ملوكها. ولو أقام بها لخضعت له رقاب الشعراء، فإنه كان محاسن شعر من مسلم وأبي الشيص وطبقتهما، وهو صاحب القصيدة اللامية التي ليس لأحد مثلها:
نُحِرَتْ جمالكم على الأطلال ... كم تتبعوني وقفة الأحمالِ
كم تعذلوني قد حشوت مسامعي ... فسددتها عن نغمة العذال
كم تعنفون على الذين صدورهم ... طويت على الزفرات والبلبال
مطرت خدودهم سحاب شئونهم ... فعفت طلولهم مع الأطلال
стр. 339
فتكاد تبدؤهم لطول وقوفهم ... في المنزل الأطلال بالتسآل
بعث الرحيل بصبره أيدي سبا ... حين الحسان برزن للترحال
زم العزاء غداة زم مطيهم ... فحدا الحداة به مع الأجمال
بيض سلبن مها الصريم عيوها ... ومن الصريم مآكم الأكفال
قضب على كثب تقل أهلّة ... تركت أهلتنا بغير جمال
أخذت لنا أهب البعاد وقربت ... آجالنا بمحاجر الآجال
من كل بهكنة يريك سفورها ... قرن الغزالة فوق جيد غزال
غصت خلاخلها وجال نطاقها ... ونطاقها فأقل من خلخال
قطع الحوادث وصلهن بريبها ... فكأنما قطعن من أوصالي
سقيا لأيام مضين سوالفا ... قصر الحبائب طولها بوصال
ما كان طول سرورها لما انقضتإلا اكتحال متيم بخيال
والحادثات متى فغرن لغصتي ... ألقمتهن شجى بوخد جمال
ونضوت سربال المفارز بالسرى ... وجعلت أردية الدجى سربالي
ونشرت من حبر القصائد يمنة ... نجمت أهلتها على ابن هلال
فالشعر ليس بنافع أو يرتدي ... ألي وألّ مطيتي بالآل
стр. 340
والنجع في كنف الدروب مقيله ... لا في مقيلك عن بني الأقبال
قطع التنائف وصل ما أملته ... فصل الغدو بها إلى الآصال
بأبي معاذ فاستعذ بل جوده ... لك عوذة من لزبة الإمحال
رد لجة المعروف ترو بفيضه ... حتام أنت تحوم في الأوشال
قل يا عبيد الله يا بن هلاله ... تزل الحوادث عنك كل مزال
ملك ترى الأملاك عنه إذا بدا ... خولاً من الإعظام والإجلال
مغناه مصرع أجمل وأيانق ... وذراه مطرح أحلس ورحال
ونداه معروف تدفق حوله ... لجج من الإنعام والإفضال
وإذا الكماة تخالسوا مهجاتهم ... ضرباً بكل مهند قصال
وحسبت غمغمة الفوارس في الوغى ... زأر الأسود زأرن في الأغيال
صنعت بأرواح العداة سيوفه ... ما كان يصنع جوده في المال
نفسي فداؤك أي ليث كريهة ... ندعو به والمعلمون: مَزَال
والخيل قاصدة على قصد الفتى ... نحو الحتوف كأنهن متالي
مدت سنابكها عليه سرادقاً ... نسجت مضاربه من القسطال
في حومة ما إن يبين من الوغىإلا: هلا في زجرهن وهال
стр. 341
ليل من الغمرات أنت سراجه ... ونجومه هندية وعوالي
بيض وسمر إن عرين تسربلت ... بدل الجفون جماجم الأبطال
أوردتهن تواضعاً لجج الردى ... فصدرن في قمص من الجريال
أضحكت سن الدين بعد عبوسه ... في فرسجين وقيعة الضلال
غادر أيام الضلال ليالياً ... ولياليَ الإسلام غير ليال
والدين متزراً بثوب جماله ... والكفر متزراً بثوب نكال
كان كماتهم لديك عانة ... لعبت بهن براثن الرئبال
شبهت يومك يوم حجر وصنوه ... عمرو صبيحة ليلة الأجبال
ما ضر دارم يوم قمت بمجدها ... أن لا تقوم مجاشع بجلال
بأبي وأمي أنتم من معشر ... بكم الملاذة ساعة الزلزال
من يعتصم بقراه في مثلها ... يلقِ العصا بمعاقل الأوعال
أُسدٌ متى ندبت ليوم كريهة ... أدرْن في غيل من الآسال
وإذا الكماة تنازلوا ألفيتهم ... كالأُسدِ حانية على الأشبال
لولا محاسن من علاهم لم تسر ... في الخافقين محاسن الأمثال
يا من تكفل بأسهم وسماحه ... للناس بالإكثار والإقلال
стр. 342
لما خلعت أعنة الأموال ... عطفت عليك أعنة الآمال
أين المحيص لحازم أو عازم ... عند النوائب عنك يا ابن هلال
وجناب دارك مسكن الآمال ... وغرار سيفك مسكن الآجال
ومما يستحسن من شعر العنبري كلمته:
سببت لي من حاجتي سبباً ... بجميل رأيك يا أخا البذلِ
حتى إذا وطأت أوعرها ... ومن أخرى: دفعتها في الموضع السهل
أرجأتها فكأنها وقعت ... مكسورة الرجلين في الوحل
وشعر علي بن عاصم أكثره مختار. وهو أحد المعدودين.
أخبار ابن العلاف النهرواني
حدثني مضرس بن أحمد قال: حدثني ابن السدرسي قال: كان ابن العلاف من قرى النهروان. وكان مصاباً بعين، وزعم خالد بن يزيد الكاتب أن أباه كان يبيع القت في قنطرة بردان.
ومما اخترناه قوله:
يتلقّى الندى بوجه حيي ... وصدور القنا بوجه وقاحِ
هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجد غير طرف المزاح
وله أيضاً:
تزينك خلات من الله أربعٌ ... فثنتان للدنيا وثنتان للدينِ
سماح أخي طيٍّ ويأس ابن ظالمٍ ... وصدق أبي ذر ونسك ابن سيرينِ
стр. 343
ومما يستحسن له أيضاً قوله:
أداري بضحكي عن هواك وربما ... سهرت فتبدي ما أجن المدامعُ
وأمنع طرفي وهو ظمآن ورده ... وأخفي الذي تحنو عليه الأضالعُ
عجبت لطرفي كيف يبقي على الهوى ... وليس لقلبي من ضميرك شافع
أذوب وأبلي من رسيس هواكم ... وتسهر عيني والعيون هواجع
بكيت وما أبكي لما قد خبرته ... ولكنني أبكي لما هو واقع
ومما يستحسن قوله:
نم فقد وكلت بي الأرقا ... لاهياً بعدي بمن عشقا
إنما أبقيت من بدني ... شبحاً غير الذي خُلقا
وفتى ناداك من كربٍ ... أشعلت أحشاؤه حرقا
ولابن العلاف أشعار كثيرة، وهو أحد المجيدين، وهو رواية للشعر القديم والحديث.
أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي
حدثني محمد بن حبيب البصري قال: حدثني إبراهيم بن حيان قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقيراً، ثم إنه كثر ماله واشترى بالبصرة شيئاً كثيراً من أرض النخل، وتحول إليها. وخد خمسة من الخلفاء بظرفه وأدبه وبراعته في صناعته، فلما أفضت الوزارة إلى علي بن هشام
стр. 344
كتب إليه كتاباً لطيفاً يسأله اللحاق به، فلما قرأ إسحاق الكتاب ساءه ذلك، لأنه كان قد ضعف عن الخدمة، واشتغل بما فيه من المال، فكتب إليه: قدم إلي - أيدك الله - أبو نصر بكتاب منك، يرتفع عن قدري، ويقصر عنه شكري، فلولا ما عرفت من معانيه، لقلت: غلط بي فيه، فما لنا ولك يا أبا عبد الله، تركتنا حتى إذا نسينا الدنيا وأبغضناها، وأقبلنا على الِآخرة وآثرناها، ورجونا السلامة منها، أفسدت علينا قلوبنا، وعلقت بها أنفسنا وزينتها في أعيننا، وحببتها إلينا بما تجدده من أياديك التي يقصر عنها كل عيش ورخاء نعمة، ويكدر مع شرورها كل سرور، فبم هذا - أيدك الله - وأما ما ذكرت من شوقك إلينا، فلولا أنك حلفت عليه لقلنا:
يا من شكا عبثاً إلينا شوقه ... شكوى المحب وليس بالمشتاقِ
لو كنت مشتاقاً إلي تريدني ... ما طبت نفساً ساعةً بفراقي
وحفظتن حفظ الخليل خليله ... ووفيت لي بالعهد والميثاق
هيهات، قد حدثت أمور بعدنا ... وشغلت باللذات عن إسحاق
وقد تركت - أدام الله عزك، وأطال بقاءَك - ما كرهت من العتاب وغيره، وقلت أبياتاً لا أزال أخرج بها إلى ظهر المربد وأتنسم أرواحكم فيه ثم يكون، الله أعلم بنا. وهي هذه.
ألا قد أرى أن الثوى قليل ... وأن ليس يبقى للخليل خليلُ
وإني وإن مليت في العيش حقبة ... كذي سفر قد حان منه رحيلُ
стр. 345
فهل لي إلى أن تنظر العين نظرةًإلى ابن هشام في الحياة سبيل
فقد كدت ألقى المنايا بحسرة ... وفي النفس منه حاجة وغليل
وأما بعد، فإني أعلم أنك وإن لم تَسَلْ عن حالي تحب أن تعلمها، وأن تأتيك عني سلامة، وأنا يوم كتبت إليك سالم النفس مريض القلب.
وكان في الكتاب رقة فيها: أنا في صنعة كتاب مليح ظريف، فيه تسمية القوم وأنسابهم وبلادهم وأزمنتهم وطبقاتهم وبعض أحاديثهم، وأحاديث قِيان الحجاز والكوفة والبصرة المعروفات بها، المذكورات، وما قيل فيهن من الأشعار، ولمن كن، وإلى من صرن ومن كان يغشاهن، ومن كان يُرَخِّص في لاغناء من الفقهاء والأشراف، فأعلمني رأيكما تشتهي لأعمل على قدره إن شاء الله تعالى.
أخبار ابن أبي حكيم
هو مولى لبني مخزوم.
حدثني الأشجعي قال: أخبرني الصلت بن إبراهيم الكوفي قال: كان ابن أبي حكيم الشاعر يحلق لحيته كلها، وذّكر أنه كان يُرمى بالأُبنة، وكان هاجي أبا تمام، وأنشدتُ فيه لأبي تمام:
والعير يُقدم من ذُعرٍ على الأسد
стр. 346
ومما رويناه له واخترناه قوله في الفتح بن خاقان:
أما الثنايا فيحكى لونها البرد ... أما لرضاب فيحكى طعمه الشهدُ
أما الخدود فتفاح على شجر ... جلاه طل ولم تبسطْ إليه يدُ
أما الثدايا فرمان الجنان سقى ... أصوله صخبُ الآذى مطردُ
أما الخصور فلولا عز بارئها ... لكن من ثقل الأرداف تنحصد
يا من إذا قلت إن البدر يشبهه ... قالوا صدقت فلا لوم ولا فندُ
ومما يختار له قوله:
طول اشتياق وضعف مصطبر ... يذوبان الفؤاد بالفكرِ
والحب داء عليه معتكر ... والقلب في ميتة على خطر
يبتعث الشوق من مباركه ... وجه زها حسنه على القمر
كأنما الله حين صوره ... جمع فيه محاسن الصور
فالحسن منه ولا شريك لهفُرّق فيمن ترى من البشر
قضيب بانٍ كثيب أندية ... في لين عطف وجِذل محتضر
стр. 347
في حُسن قد لم يُؤت من قصر ... ولم يزد طوله على القدر
مر وقد جرحت محاسنهمشتعل الوجنتين بالنظر
وله أيضاً:
إذا كنت تدعوني لأدعو من غدٍ ... وكيسك فياض وكيسي جازرُ
فهجرك خيرٌ من وصالك إنني ... لكل امرئ يبغي المكافئات هاجر
أخبار العتاهية بن أبي العتاهية
حدثني علي بن إسحاق عن الفضل بن المبارك قال: كان العتاهية بن أبي العتاهية شاعراً مطبوعاً قادراً على الكلام، وكان أبوه خبيث الدين يذهب مذهب التنوية، إلا أنه كان ناسك الظاهر، وكان العتاهية صحيح الدين ورعاً، وولي القضاء برهة، وكان محمود السيرة حسن الصفة، وكان جمع مع الشعر الفقه.
ومما يستحسن له:
أراعك شيب في السواد يلوحُ ... يبث بأسباب البلا ويبوحُ
وما شبت إلا للخطوب ومرها ... لعمرك تغدو مرة وتروح
تمر خطوب مفصحات بنطقها ... فتزور أحياناً وهن جنوح
وكم جسد يهتز بالخفض ناعماً ... سيصبح مفقوداً ويذهب روح
стр. 348
تغيرت عن عهد الشباب وطيبه ... وكان، وطيب العيش منه يفوح
إذا شئت فاستدع المشيب خضابه ... فرأسه يبكي للبلا وينوح
وله أيضا:
قد سلم الساكت الصموت ... كلام واعي الكلام قوتُ
ما كل لفظ له جواب ... جواب ما يحذر السكوت
يا عجباً لامرئٍ ضحوك ... مستيقن أنه يموت
ومما يستحسن له أيضا قوله:
صبرت وإني يا عليُّ جزوعُ ... على كربٍ ممن هويت تروعُ
خضعتُ له حتى سجدت لعبده ... ولم يدنني شيئاً إليه خضوع
وأبطأتُ عنه بالإساءة إنه ... إلى كل أمرْ شائن لسريع
أبا حسنٍ أشكو إليك من الجوى ... بكيتُ، وإني بالبكاء ولوع
أخبار عبد الله بن أبي الشيص
حدثني النوفلي قال:
كنا بواسط ومعنا ابن أبي الشيص، فتجارينا أمر الشعراء، ففضلنا بعضاً على بعض. فقال ابن أبي الشيص: أنا أشعر الناس، وكان أشعر مني أبي ونمن جميع من مضى ومن بقي، فقلت له: كذبت في نفسك خاصةً، فأما أبوك فلعمري إنه كان أشعر أهل زمانه - وكانت بابن
стр. 349
أبي الشيص لوثة، لأن السوداء غلبت عليه - فاختلط واشتاط وخرق ثيابه، ثم زج نفسه في دجلة وكان فينا جماعة يسبحون فأخرجناه وهو لا يعقل لما به من البرد - وكان يوم شديد البرد - فدثرناه حتى تماسك وقوي قليلاً، فلما أصبح مات.
ومما يستحسن له:
أظن الدهر قد آلى فبراً ... بأن لا يُكسب الأموال حراً
كأن صفائح الأحرار أردت ... أباه فحارب الأبرار طُرا
وأمكن من رقاب المال قوماً ... وملَّكهم بها نفعاً وضرا
وأصبح كل ذي شرف ركوباً ... لأعناق الدجى بحراً وبرا
يهتك جيب درع الليل عنه ... إذا ما جيب درع الليل ذرا
يراقب للغنى ونجهاً ضحوكا ... ووجهاً للمنية مكفهرا
ليكسب من أقاصي الأرض مالا ... يحل به المحل المشمخرا
ومن جعل الظلام له قعودا ... أصاب به الدجى خيراً وشرا
وله أيضاً:
كفى حزناً أني أرى من أحبه ... لدي صريعاً لا أطيق له نفعا
سوى أنني أدعو له الله مخلصاً ... وأُذري على خدي بمصرعه دمعا
стр. 350
أخبار محمود الوراق
حدثني القاسم بن داوود قال: أخبرني الحسن العلويّ قال: كان سكن جارية محمود الوراق من أحسن خلق الله وجهاً، وأكثرهم أدباً، وأطيبهم غناء، وكانت تقول الشعر فتأتي بالمعاني الجياد والألفاظ الحسان، وكان محمود قد رقت حاله في بعض الدهر، واختلت اختلالا شديداً، فقال لجاريته سكن: قد ترين يا سكن ما أنا فيه من فساد الحال، وصعوبة الزمان، وليس بي وجلال الله ما ألقاه في نفسي ولكن ما أراه فيك، فإني أحب أن أراك بأنعم حال وأخفض عيش، فإن آثرت أن أعرضك على البيع فعلتُ، لعل الله أن يخرجك من هذا الضيق إلى السعة، ومن هذا الفقر إلى الغنى.
قالت الجارية: ذلك إليك. فعرضها، فتنافس الناس ورغبوا في اقتنائها، وكان أحد من بذل فيها أحد الطاهريين مائة ألف درهم، وأحضر المال، فلما رأى محمود تلك البِدَر سَلِس وانقاد ومال إلى البيع، وقال: يا سكن البسي ثيابك واخرجي. فلبست ثيابها وخرجت على القوم كأنها البدر الطالع، وكان محمود - وهي كذلك - معها، فقالت سكن وأذرت دمعها: يا محمود، هذا كان آخر أمري وأمرك أن اخترت علي مائة ألف درهم؟ قال محمود: فتجلسين على الفقر والخسف؟ قالت: نعم، أصبر أنا وتضجر أنت، فقال محمود:
стр. 351
أُشهدكم إنها حرة لوجه الله، وأني قد أصدقتها داري وهي ما أملك، وقد قامت علي بخمسين ألفاً. خذوا مالكم بارك الله لكم فيه، قال الطاهري: أما إذ فعلت ما فعلت فالمال لكما، ووالله لا رددته إلى ملكي. فأخذ محمود المال وعاش مع سكن بأغبط عيش.
وشعر محمود كثير، وأكثره أمثال وحكم ومواعظ وأدب، وليس يقصر بهذا الفن عن صالح بن عبد القدوس وسابق البربري.
ومن قوله:
يُثمل ذو الحزم في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثلا
رأى الهم يُفضي إلى آخرٍ ... فصير آخره أولا
وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا
فإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا
ولو قدم الحزم في نفسه ... لعلمه الصبر عند البلا
توفي محمود الوراق في حدود المائتين والثلاثين.
أخبار عبد الصمد وأحمد ابني المعذل
حدثني أحمد بن عبد الله البكري عن ابن سنان البصري قال:
كان أحمد بن المعذل لي صديقاً، وكنت أغشاه كثيراً، فلما قدم
стр. 352
من سر من رأى، من عند أمير المؤمنين صرت إليه، ورأيت جلة أهل البصرة عنده، وقد كان الخليفة أكرمه، وخلع عليه ووصله بمال كثير، فلم أر أخاه عبد الصمد عنده فيمن أراه، فقلت: ما لي لا أرى أبا القاسم عندك؟ فقال: إن أبا القاسم أعزه الله وافتنى هديته في هذه الليلة التي قدمت فيها بما يكون من الأخ البار بأخيه، فإن أحببتم أريتكم ذلك، قلنا له: قد أحببنا، أصلحك الله، فمثله من بر، ومثله من وصل وأكرم أخاه. فرفع ثِنى وسادته وأخرج رقعة وإذا فيها:
وغاب وخصيتاه كأكرتين ... وآب وخصيتاه كنصف دُبّهْ
ولما أن أتته دريهمات ... من السلطان باع بهن ربه
وكان يذمهم في كل يوم ... يشي بالجهل والهذيان خُطبه
كسبت أبا الفضول لنا معاباً ... وعاراً قد شملت به وسبه
ولم نر مالكاً أجدى عليه ... كما أجدى على النرسي شعبه
ثم قال: هذا بره وإكرامه إياي. قلنا: بئس والله ما أهدى. وقبحنا فعله. فقال: إن لم يكن مع هذا غيره فنحن بخير، قلنا: وما عسى أن يكون؟ فقال: هيهات، أنا أعرف أبا القاسم أعزه الله.
ومما يستحسن له قوله:
ناديته وظلام الليل معتكر ... تحت الرواق دفينا في الرياحينِ
فقلت: قم. قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ. قال: كفى لا تواتيني
إنى غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين
стр. 353
وله أيضاً:
لما رأيت البدر في ... أُفق السماء وقد تعلى
ورأيت قرن الشمس في ... أفق الغروب وقد تدلى
شبهت ذاك وهذه ... وأرى شبيههما أجلا
وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولى
وهذا معنى ما سبقه إليه أحد: تشبيه الوجه مقبلا بالبدر، وتشبيه القفا مولياً بالشمس ليلة المقابلة ولكنه أخذه من كلام مشهور لأبي نواس ومسلم بن الوليد، كانا واقفين في الشماسية إذ أقبل غلام كأن خوط بانٍ، بوجه كالبدر، بهاء، فقال مسلم لأبي نواس: ويحك يا أبا علي أماترى هذا؟ قال: رأيته، فتبارك الله رب العاملين وخالق هذا، ثم ولي الغلام فإذا قفاه مستدير لم ير الناس مثله في الدنيا فتحيرا فيه فقال مسلم:
الوجه بدر والقفا شمس.
فقال أبو نواس: ووجه ذابح.
стр. 354
أخبار الحمدوني باعث الطيلسان
حدثني إسحاق بن إبراهيم النصيبي قال: قال الحمدوني: مررت ببعض الأسواق ببغداد يوماً والزحام كثير، وإذا ببغاء، قد لزق بي في الزحمة يمس متاعي ويؤذيني، وإذا بلوطي خلفي قد ظنني أمرد، فهو يتعرض فقحتي ويسدد متاعه على جحري، فما رأيت أني قد ضُغطت من خلفي ومن قدامي أخذت يد البغاء فوضعتها على متاع اللوطي وخرجت من بينهما في عافية.
وكان الحمدوني من أملح الناس شعراً وأقدرهم على الوصف، وكان عامة شعره في طيلسان ابن حرب وهو القائل فيه:
يا ابن حرب كسوتني طيلساناً ... مل من صحبة الزمان وصدا
فحسبنا نسج العناكب لو قِي ... س إلى ضعف طيلسانك سداً
إن تنفست فيه ينشق شقاً ... أو تنحنحت فيه ينقدُّ قدا
طال ترداده إلى الرفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدى
وله:
يا ابن حرب أطلت فقري برفوي ... طيلساناً قد كنت عنه غنياً
فهو في الرفو آل فرعون في العر ... ض على النار بكرة وعشيا
وله:
فيما كسانيه ابن حرب معتبر ... فأنظر إليه فإنه إحدى أنكبر
стр. 355
قد كان أبيض ثم ما زلنا به ... نرفوه حتى اسود من صدإ الإبر
وله فيه قريب من مائتي بيت في خمسين قطعة تفتن معانيها.
وله في ابن أبي خزرة:
ألم تر في ابن أبي خزرة ... يحب عجاباً كما قد زعمْ
وليس بكافيه من حبها ... سوى أن يدلك أو يحتلم
إذا بات سكران من حبها ... وأصبح من جوعه متخم
فيالك من عاشق مفلس ... أخي صبوة موسر من عدم
ونبئته زارها ليلة ... تُبيل الحمار من القُرّ دَمْ
عليه قميص له واحد ... يقص عليك حديث الأمم
فغنت فآثرها بالقميص ... وغودر عُريان كالمستحم
وغنى وقد ضربته الشمالوأصبح من بردها قد صُدم
أخذت بريدي فأعريتني ... وأورثتِ جسمي طول السقم
أخبار الجماز البصري
حدثني ابن أبي عرفة قال: كان الجماز رجلاً من موالي قريش يكنى أبا عبد الله من ساكني
следующие страницы →