ويستدل منها على النسخ: بأن مجموع هذه الأدلة يثبت منها أن بعض الصحابة ﵃ كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ ، ثم جاء الأمر بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، وجُعل قراءة الإمام قراءة للمأموم، وهو يشمل السر والجهر، فدل ذلك على نسخ القراءة خلف الإمام، ويؤكد ذلك أن في حديث أبي هريرة ﵁ (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ وأبو
стр. 1017
هريرة ﵁ متأخر الإسلام، فتكون هذه الأدلة بعد القراءة خلف الإمام و ناسخة له (١).
واعترض عليه: بأنه إن أريد أن القراءة خلف الإمام غير الفاتحة كان يعمل به بعض
الصحابة-﵃ فنُهي عنه وأُمر بالاستماع إلى قراءة الإمام، فهذا ما يدل عليه بعض ما سبق من الأدلة، أما إن أريد به أن قراءة الفاتحة وراء الإمام نسخ فهذا غير مسلم؛ لما يلي:
أ- إنه ثبت في أحاديث كثيرة النهي عن القراءة خلف الإمام، واستثني منه قراءة الفاتحة، كما جاء أحاديث تصرح بأن إنكار النبي ﷺ ونهيه عن القراءة خلف الإمام جاء بعد قراءة بعض الصحابة-﵃-خلفه غير الفاتحة (٢).
ب-إن القول بأن هذه الأدلة متأخرة عن الأدلة الدالة على قراءة الفاتحة خلف الإمام فتكون ناسخة لها مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وتأخر إسلام الراوي لا يدل على تأخر ما رواه؛ لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي متقدم الإسلام (٣)،
ج-إن الاستدلال بتأخر إسلام أبي هريرة ﵁، وبحديثه الذي فيه: (فانتهى الناس عن القراءة .. ) على النسخ غير صحيح؛ لأن ما رواه لو كان
стр. 1018
ناسخاً للقراءة خلف الإمام لما أفتى بخلافه، مع أنه أفتى بقوله: (اقرأ بها في نفسك). فدل ذلك على عدم النسخ (١).
د-إنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين الأحاديث، وهنا أمكن الجمع بينها؛ لأن الأحاديث الدالة على النهي عن القراءة خلف الإمام عامة، والأحاديث الدالة على قراءة الفاتحة خلف الإمام خاصة، وبناء العام على الخاص واجب، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعمومها (٢).
دليل من قال بنسخ القراءة خلف الإمام في الجهْريَّة
أولاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقُلت عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هَذّاً (٣) يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٤).
стр. 1019
ثانياً: ما سبق من الأدلة في دليل القول السابق.
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول ورواية أبي العالية يدلان على أنه كان يجوز للمؤتَمِّين أن يقرؤوا الفاتحة خلف الإمام في الجهريّة، ثم جاء الأمر بعد ذلك بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، فنهاهم عن القراءة كلها خلف الإمام في الجهريّة، وقال: «مالي أنازع القرآن) فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة. فثبت من ذلك نسخ القراءة وراء الإمام في الجهريّة (١).
ويعترض على هذا ما اعترض به وجه استدلال القول السابق.
دليل القول بأن المنسوخ هو ما يدل على النهي عن قراءة فاتحة الكتاب
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من
стр. 1020
رسول الله ﷺ (١).
ثانياً: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب» (٢).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي
خِداجٌ (٣) ثلاثاً، غير تمام. فقيل لأبي هريرة ﵁: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل … » (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديثين الأخيرين فيهما دلالة على لزوم قراءة فاتحة الكتاب لكل مصلٍ سواء كان إماماً أو مأموماً، وحديث أبي هريرة ﵁ الأول يدل على النهي عن القراءة خلف الإمام، لكن الأحاديث الدالة على لزوم قراءة الفاتحة خلف الإمام متأخرة، يدل على ذلك قول أبي هريرة
стр. 1021
-﵁ للسائل: (اقرأ بها في نفسك) فإن هذا كان بعد موت رسول الله ﷺ ، فلو كان النهي عن القراءة خلف الإمام متأخراً وناسخاً لما أمره أبو هريرة ﵁ بالقراءة خلف الإمام، فثبت من ذلك أن الأمر بالقراءة بعد النهي عنه فيكون ناسخاً له (١).
واعترض عليه: بأن أمر أبي هريرة ﵁ بالقراءة خلف الإمام ليس لأنه هو المتأخر، وأنه الناسخ للنهي عن القراءة خلف الإمام، بل لأن الفاتحة مستثناة من عموم النهي عن القراءة خلف الإمام، فلو كان عنده تعارض بين الحديثين أو أن أحدهما ناسخ للآخر، لبينه، ولقال بالمتأخر منهما (٢).
هذه كانت أقوال القائلين بالنسخ، وأدلتهم.
وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يقرأ المؤتم خلف الإمام، لا فيما أسرّ، ولا فيما جهر.
وهو مذهب الحنفية (٣)، وروي ذلك عن: علي، وسعد، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وحذيفة بن يمان، وأبو سعيد، وابن عباس، وزيد بن ثابت-﵃ (٤).
стр. 1022
وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن حيّ (١).
القول الثاني: يقرأ المؤتم مع الإمام فاتحة الكتاب فيما أسرّ فيه، ولا يقرأ فيما جهر فيه.
وهو مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، والقول القديم للإمام الشافعي (٤).
وروي نحو ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر-﵃ (٥).
وبه قال سعيد بن المسيب، وسالم، وقتادة، والزهري، وابن المبارك، وإسحاق، وداود، وابن جرير (٦).
القول الثالث: يقرأ المؤتم خلف الإمام الفاتحة، سواء كان الصلاة سرية أم جهريّة.
وهو القول الجديد للإمام الشافعي، ومذهب الشافعية (٧)، وروي ذلك
стр. 1023
عن عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس-﵃. وبه قال عروة، وسعيد بن جبير
ومكحول، والحسن البصري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو ثور، وابن حزم (١).
الأدلة
يستدل للقول الأول- وهو أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
فهذه الآية في الصلاة، كما قاله غير واحد من أهل العلم (٣)، وفيها الأمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكناً عند المخافتة بالقراءة فالإنصات ممكن، لذلك لا يقرأ المؤتم خلف الإمام لا في الجهرية ولا في السرية (٤).
واعترض عليه: بأن المراد بالآية غير فاتحة الكتاب، فهي مستثناة من
стр. 1024
عمومها بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (١).
ثانياً: حديث أبي موسى وأبي هريرة-﵄ مرفوعاً: «وإذا قرأ فأنصتوا» (٢).
ففيه الأمر بالسكوت عند قراءة الإمام (٣).
ويعترض عليه ما اعتراض به على الاستدلال من الآية الكريمة (٤).
ثالثاً: عن عبد الله ﵁ قال: كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ فقال: «خَلَطْتُمْ عليّ القرآن» (٥).
فهذا يدل على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام لأنه يخلط عليه (٦).
واعترض عليه بما يلي:
стр. 1025
أ- إنه يدل على منع التخليط على الإمام، ولكن التخليط لا يكون إلا إذا قرأ مَن خلف الإمام بالجهر، أما إذا قرأ سراً وفي النفس فلا يكون التخليط، وقد ورد الحديث المذكور بلفظ: قال النبي ﷺ لقوم يقرؤون القرآن فيجهرون: «خلطتم علىّ القرآن» (١)، فدل ذلك على النهي عن القراءة خلف الإمام جهراً، لا على نفس القراءة (٢).
ب- إنه إن أريد به المنع من القراءة خلف الإمام فتكون فاتحة الكتاب، مستثناة من عمومه بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (٣).
رابعاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي هريرة ﵁ والذي فيه: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
فهذا يدل على أن النبي ﷺ زجر المؤتمّيْن عن القراءة، وكره ذلك، وأن الناس تركوا القراءة خلفه عند ذلك، فثبت منه ترك القراءة خلف الإمام (٤).
стр. 1026
واعترض عليه بما يلي:
أ-إنه لا يصح الاستدلال منه لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام، وإنما يدل على منع الجهر بالقراءة؛ لأنه يفضي إلى المنازعة «مالي أنازع القرآن»، أما القراءة سراً فلا يؤدي
إلى المنازعة فلا يكون ممنوعاً (١).
ب-إنه محمول على ترك قراءة ما عدا الفاتحة، أو أن الفاتحة مستثناة من عمومه للأحاديث الدالة على الأمر بقراءتها خلف الإمام (٢).
خامساً: عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسَبّح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: «أيُّكم قرأ» أو «أيُّكم القارئ؟» فقال رجل: أنا. فقال: «قد ظننت أن بعضكم خالجنيها (٣)(٤).
стр. 1027
ووجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق.
واعترض عليه: بأن الإنكار فيه على الجهر ورفع الصوت، لا على أصل القراءة؛ لأن المنازعة لا تقع في السر (١).
سادساً: عن أنس ﵁ قال: صلى النبي ﷺ ثم أقبل بوجهه فقال: «أتقرؤون والإمام يقرأ؟» فسكتوا، فسألهم ثلاثاً، فقالوا: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا» (٢).
فهذا كذلك يدل على النهي عن القراءة خلف الإمام (٣).
واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال منه على ترك القراءة؛ لأن هذه الرواية فيه اختصاراً، ففي رواية أخرى عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: «أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟» فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» (٤).
والروايات يفسر بعضها البعض، فدل أن النهي هو عن قراءة غير
стр. 1028
الفاتحة (١).
سابعاً: عن جابر بن عبد لله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا وراء الإمام» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» (٣).
فهذا الحديث يدل أن قراءة الإمام قراءة للمقتدي فلا حاجة لقراءته، فلا يقرأ خلف الإمام (٤).
стр. 1029
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن الحديث الأول اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح وقفه على جابر ﵁، والحديث الثاني اختلف في إرساله، وإسناده وإيصاله، والأكثرون على إرساله، فهذا مما يضعف
الاستدلال به في نفسه، فكيف في مقابلة الأحاديث المعارضة له (١).
ب-إن المراد بالقراءة في هذا الحديث ما عدا الفاتحة، بقرينة الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة، فعمومه مخصوص بتلك الأحاديث (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن المأموم يقرأ خلف الإمام فاتحة الكتاب فيما أسرّ فيه، لا فيما جهر فيه- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣).
ثانياَ: حديث أبي هريرة وأبي موسى الأشعري الذين فيهما: (وإذا قرأ فأنصتوا) (٤).
ووجه الاستدلال منها: أن فيها الأمر بالإنصات عند قراءة القرآن
стр. 1030
ليسمع القراءة، وذلك إنما يكون فيما يجهر فيه، دون صلاة السر، لذلك لا يقرأ خلف الإمام في الجهر بل يستمع للقراءة، أما في السر فيقرأ؛ لأنه لا يسمع القراء (١).
واعترض عليه: بأن المراد بها غير فاتحة الكتاب، فهي مستثناة من عمومها بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (٢).
ثالثاً: ما سبق من حديث أبي هريرة ﵁ والذي فيه: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٣).
فهذا يدل على المنع والزجر عن القراءة مع الإمام، والمنازعة إنما تكون في صلاة الجهر، لذلك لا يقرأ في الجهرية خلف الإمام، أما في الصلاة السرية فإنما يسمع نفسه دون غيره فلا تكون هناك منازعة، فلذلك يقرأ في السرية خلفه (٤).
стр. 1031
واعترض عليه: بما يلي:
أ-إنه لا يصح الاستدلال منه لأنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام، وإنما يدل على منع الجهر بالقراءة؛ لأنه يفضي إلى المنازعة «مالي أنازع القرآن»، أما القراءة سراً فلا يؤدي إلى المنازعة فلا يكون ممنوعاً (١).
ب-إنه محمول على ترك قراءة ما عدا الفاتحة، أو أن الفاتحة مستثناة من عمومه للأحاديث الدالة على الأمر بقراءتها خلف الإمام (٢).
ثالثاً: حديث عمران بن حصين ﵁ الذي سبق ذكره، والذي فيه: «قد ظننت أن بعضكم خالجنيها» (٣).
ووجه الاستدلال منه كالاستدلال من الحديث السابق.
ويعترض عليه: بأن الإنكار فيه على الجهر ورفع الصوت، لا على أصل القراءة؛ لأن المنازعة لا تقع إذا قرأ سراً وفي نفسه (٤).
رابعاً: ما سبق ذكره من حديث ابن مسعود ﵁ والذي فيه: كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ فقال: «خَلَطْتُمْ عليّ القرآن» (٥).
فهذا يدل على أن المأموم إذا قرأ خلف الإمام فإنه يخلط عليه، وذلك لا
стр. 1032
يكون إلا في الجهريّة، لذلك لا يقرأ في الجهرية، أما في السريّة فلا يكون تخليط، فيقرأ فيها خلفه (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إنه يدل على منع التخليط على الإمام، ولكن التخليط لا يكون إلا إذا قرأ مَن خلف الإمام بالجهر، أما إذا قرأ سراً وفي النفس فلا يكون التخليط، وقد ورد الحديث المذكور بلفظ: قال النبي ﷺ لقوم يقرؤون القرآن فيجهرون: «خلطتم علىّ القرآن» (٢)، فدل ذلك على النهي عن القراءة خلف الإمام جهراً، لا على نفس القراءة (٣).
ب- إنه إن أريد به المنع من القراءة خلف الإمام فتكون فاتحة الكتاب، مستثناة من عمومه بدليل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءتها خلف الإمام (٤).
خامساً: حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» (٥).
فهذا يدل على أن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة، وأن قراءته قراءة
стр. 1033
له، وذلك في الجهريّة، لذلك يستمع لقراءته، أما في السرية فيقرأ خلفه؛ للأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة (١).
واعترض عليه: بأن المراد بالقراءة في هذا الحديث ما عدا الفاتحة، بقرينة الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة، فعمومه مخصوص بتلك الأحاديث (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن المأموم يقرأ الفاتحة، على كل حال- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٣).
ثانياً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقُلت عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هَذّاً يا رسول الله، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٤).
وفي رواية عنه ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي
стр. 1034
يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: «هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟» فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: «فلا، وأنا أقول: ماينازعني القرآنُ، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت، إلا بأم القرآن» (١).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج» ثلاثاً، غير تمام. فقيل لأبي هريرة ﵁: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل … » (٢).
رابعاً: عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال: «أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟» فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» (٣).
خامساً: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : «لعلكم
стр. 1035
تقرؤون والإمام يقرأ؟» مرتين أو ثلاثاً. قالوا: نعم يا رسول الله إنّا لنفعل. قال: «فلا تفعلوا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (١).
سادساً: عن عبد الله بن عمرو-﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتقرؤون خلفي؟»، قالوا: نعم، إنا لنهُذُّه هَذّاً. قال: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن» (٢).
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث: أن حديث عبادة بن الصامت ﵁ الأول عام في كل مصل، ولم يثبت تخصيصه بغير المأموم بمخصص صريح، فبقي على عمومه، ويؤكد ذلك حديثه الثاني، فهو صريح في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام، وقد كان ذلك في صلاة جهريّة، فيثبت من ذلك قراءة الفاتحة في جميع الصلوات سواء كانت جهريّة أم سرّية. كما أن الأحاديث الباقية كلها تنص على أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام، وما عارض به المخالفون لهذه الأحاديث فليس فيها ما يدل على عدم قراءة الفاتحة إلا عن طريق العموم، والنص مقدم على ذلك (٣).
стр. 1036
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن أقوال النسخ الثلاثة كلها ضعيفة، إذ ليس على أي واحد منها دليل يثبت به ذلك، وقد سبق وجوه الرد عليه. كما أن القول به خلاف الأولى؛ لأن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة ممكن، وهو كذلك مما يضعف القول بالنسخ.
ثانياً: إن سُلّم أن الأحاديث التي فيها النهي والزجر عن القراءة مع الإمام يدل على نسخ القراءة، فلا يُسلّم شمول ذلك للفاتحة؛ لأن في بعض تلك الأحاديث جاء استثناء الفاتحة من ذلك الحكم، ففي حديث عبادة ﵁: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» كما جاء استثناء ذلك في حديث أنس، ورجل من أصحاب النبي ﷺ ، وعبد الله بن عمرو-﵃. فثبت من ذلك أن النسخ إن قيل به ففي القراءة غير الفاتحة، أما الفاتحة فقد جاء الأمر بقراءتها عموماً، وفي بعض تلك الأحاديث الدالة على النهي عن القراءة مع الإمام جاء الأمر بقراءتها خلف الإمام خصوصاً، وليس هناك حديث ينص على النهي عن قراءة الفاتحة خصوصاً حتى يعارض به حديث قراءتها خصوصاً، فضلاً عن أن يكون ناسخاً له (١).
ثالثاً: إن الراجح هو القول الثالث، وهو أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف
стр. 1037
الإمام، سواء كانت الصلاة سريّة أم جهريّة (١)، وذلك لما يلي:
أ-لأن الأحاديث التي استُدل بها لهذا القول أكثرها نصوص صريحة في أن المأموم عليه أن يقرأ الفاتحة خلف الإمام، وهي لا تحتمل غير ذلك، لذلك يكون القول بمقتضاها متعيناً (٢).
ب-ولأنه ليس هناك حديث صحيح ينص على النهي عن قراءة الفاتحة خصوصاً، و الأحاديث التي فيها الزجر عن القراءة مع الإمام، أو التي فيها الأمر بالإنصات للقراءة عمومات، ثم قد وجد ما يخص الفاتحة من ذلك العموم، وهو الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعموم تلك الأحاديث، ومستثناة من عمومها (٣).
ج-ولأن هذا القول يمكن أن يُجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة كلها، وذلك بحمل الأحاديث التي فيها النهي أو الزجر عن القراءة مع الإمام، أو التي فيها الأمر بالإنصات للقراءة، أو ما يدل على أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، على قراءة غير الفاتحة، وحمل الأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة أو عدم صحة الصلاة بدونها على خصوص الفاتحة، فيقرأ المأموم الفاتحة خلف الإمام، ولا يقرأ معه غير الفاتحة بل يستمع وينصت لقراءته، ويكون قراءته لغير
стр. 1038
الفاتحة قراءة له، وبهذه الطريقة يمكن أن يُجمع بين هذه الأحاديث كلها، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (١).
والله أعلم.
стр. 1039
المطلب السادس: صلاة المفترض خلف المتنفل
ذهب بعض الحنفية منهم الكاساني (١)، وابن الهمام (٢)، وكذلك بعض المالكية (٣)، إلى نسخ حديث معاذ ﵁ الذي يدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل.
وذكر الطحاوي أنه يحتمل ذلك (٤).
стр. 1040
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلافهم في هل يؤم أحد في صلاة غير واجبة عليه، من وجبت عليه أم لا سبب آخر لاختلافهم فيها (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عمر-﵄ قال: «صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدُوّ، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم،
مقبلين على العدُوّ، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ . ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة» (٢).
ثانياً: عن سليمان بن يسار- مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (٣).
ثالثاً: عن خالد بن أيمن المعافري قال: كان أهل العوالي يصلون في
стр. 1041
منازلهم، ويصلون مع النبي ﷺ ، «فنهاهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين» (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن النبي ﷺ صلى في صلاة الخوف بكل طائفة ركعة ركعة، فدل ذلك على نسخ صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأنه لو كان جائزاً ولم ينسخ لصلى بكل طائفة ركعتين ركعتين، كما أن حديث معاذ ﵁ يحتمل أنه كان في حين كان يُصلى صلاة واحدة في اليوم مرتين، ثم نسخ ذلك كما يدل عليه الحديث الثاني والثالث، فيكون حديث معاذ ﵁ منسوخاً به كذلك (٢).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إنه قد ثبت أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف مرة بكل طائفة ركعتين ركعتين، فلا يصح الاستدلال من صلاة الخوف بكل طائفة ركعة ركعة، على نسخ صلاة المفترض خلف المتنفل، بل هو يؤكد ذلك (٣).
ثانياً: أما الاستدلال على النسخ من الأحاديث التي تدل على النهي عن الصلاة الواحدة في اليوم مرتين، فهو غير صحيح كذلك؛ لأن النهي إن كان
стр. 1042
عن أن يصلى الفريضة الواحدة في يوم مرتين، فهو لا يشمل صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن المتنفل متنفل عندما يصلى مرة ثانية، وليس بمفترض حتى يقال إنه صلى صلاة واحدة مرتين، أما إن كان المراد بالنهي عن الصلاة الواحدة في يوم مرتين: أن من صلى الفريضة مرة فلا يجوز له أن يصليها مرة ثانية بنية النفل، فهذا ما لا يسلم إطلاقه أحد حتى من قال بنسخ صلاة المفترض خلف المتنفل (١).
ثالثاً: إن ما ذكر من الاستدلال على النسخ مجرد احتمال، ليس عليه حجة صحيحة، ثم لا يعرف أن النهي عن الصلاة الواحدة في يوم مرتين كان بعد حديث معاذ ﵁، حتى يستدل منه على النسخ، إلا مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في صلاة المفترض خلف المتنفل على قولين:
القول الأول: لا يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد، وهي
стр. 1043
المذهب عند الحنابلة (١).
وهو كذلك قول الحسن، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وأبي قلابة، وسفيان الثوري (٢).
القول الثاني: يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل.
وهو مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الحنابلة (٤). وهو كذلك قول الأوزاعي، وطاوس، وعطاء، وأبي ثور، وداود، وابن المنذر، وابن جرير الطبري (٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل-بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث عبد الله بن عمر-﵄-الذي سبق ذكره في
стр. 1044
دليل القول بالنسخ (١)، وقد سبق وجه الاستدلال منه، والرد عليه.
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين. وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» (٢).
وجه الدلالة منه: أن الحديث يدل على أن الإمام إنما جعل ليؤتم به، والائتمام به هو الاقتداء به في جميع تلك الصلاة، ومن خالفه في نيته فلم يأتم به، كما أن فيه النهي عن الاختلاف عليه، وهو عام، ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات إذ هي ركن العمل، فثبت منه عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل (٣).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إن المراد بالائتمام وعدم الاختلاف عليه، هو في الأفعال الظاهرة؛ حيث فسره الحديث بعد ذلك بالأفعال الظاهرة (٤).
ثانياً: إنه لو يُسلم أن النهي عن الاختلاف يعم كل اختلاف، فتكون
стр. 1045
الأدلة الدالة على جواز أن يصلي المفترض خلف المتنفل مخصصة له (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز أن يصلي المفترض خلف المتنفل- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄: «أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها لهم، هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة) (٣).
وهذا صريح في أن صلاة معاذ ﵁ مع النبي ﷺ هي المكتوبة، وصلاته
стр. 1046
بقومه بعد ذلك كانت نافلة، وصلاتهم خلفه كانت فريضة، فثبت منه جواز صلاة المفترض خلف المتنفل (١).
ولفظ هذا الحديث صريح في أن صلاة معاذ مع النبي ﷺ كانت هي الفريضة، فلا يصح اعتراض من يقول: إن معاذ ﵁ كان يصلي معه ﷺ تطوعاً ثم يصلي بقومه مكتوبة، كما لا يصح دعوى من يدعي أن هذا كان من معاذ ﵁، ولم يكن بأمر النبي ﷺ ؛ لأن ذلك بلغ النبي ﷺ ، ولم ينكره على معاذ، وإنما أنكر عليه التطويل في القراءة (٢).
ثانياً: عن جابر ﵁: (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصلى رسول الله ﷺ
بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين) (٣).
ثالثاً: عن أبي بكرة ﵁ قال: (صلى النبي ﷺ في خوف الظهر فصفّ بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدُوّ، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلُّوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعاً، ولأصحابه
стр. 1047
ركعتين، ركعتين) (١).
ففي هذين الحديثين: أن النبي ﷺ صلى بالطائفة الثانية ركعتين، وقد صلى قبل ذلك بالطائفة الأولى ركعتين، فكان النبي ﷺ متنفلاً في الثانية، وهم خلفه مفترضون، فدل ذلك على جواز صلاة المفترض خلف التنفل (٢).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ حديث معاذ ﵁ الذي يدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل غير صحيح؛ لأنه دعوى لا أصل لها، إذ لم يأت قائله بحجة صحيحة يثبت ذلك، ثم يرده قول أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ صلى في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين، مما يدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وأبو بكرة ﵁ أسلم بعد فتح مكة، فكيف يقال: إن صلاة المفترض خلف المتنفل كان في أول الإسلام؛ حين كان يجوز أن يصلى صلاة واحدة
стр. 1048
في يوم
مرتين، ثم نسخ ذلك (١).
ثانياً: إن الراجح هو جواز أن يصلي المفترض خلف المتنفل، وذلك لما يلي:
أ-لأن الأدلة الدالة على ذلك ظاهرة وصريحة، وصحيحة.
ب-ولأن أدلة القول الأول غير صريحة في النهي عن ذلك، ثم الحديث الدال على النهي عن الاختلاف على الإمام عام فيخصص منه هذه المسألة، كما خصص منه صلاة المتنفل خلف المفترض، فقد قال بجواز ذلك حتى من لم يقل بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل، مع أن اختلاف النية موجود فيها كما في عكسها، فعليهم إما أن يقولوا بعدم جواز ذلك لعموم حديث الائتمام وعدم الاختلاف على الإمام، وإما أن يجوزا صلاة المفترض خلف المتنفل، كما أجازوا عكس ذلك (٢).
والله أعلم.
стр. 1049
المطلب السابع ما يعاد من الصلوات مع الجماعة إذا صلاها المصلي قبل ذلك في رحله
ذهب الطحاوي إلى أن من صلى في رحله ثم أدرك الجماعة فإنه يصليها معهم، إلا الفجر والعصر والمغرب فلا يعيدها معهم؛ لأن ذلك قد نسخ (١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف أهل العلم في المسألة هو تعارض مفهوم الآثار الواردة فيها (٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: أحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ومن هذه الأحاديث:
أ-عن ابن عباس-﵄ قال: شهد عندي رجال مرضِيُّون وأرضاهم عندي عمر: «أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب» (٣).
ب- عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس» (٤).
ج-عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا
стр. 1050
صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس» (١).
ثانياً: الأحاديث التي فيها أن الصلاة المعادة نافلة، ومنها:
أ-عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال:
«صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٢).
ب-عن يزيد بن الأسود العامري ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «عليّ بهما» فجيء بهما تُرعدُ فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (٣).
ثالثاً: الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة الواحدة في اليوم مرتين، ومنها:
أ- عن سليمان بن يسار- مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر على
стр. 1051
البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (١).
ب- عن خالد بن أيمن المعافري قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ويصلون مع النبي ﷺ (فنهاهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين) (٢).
رابعاً: عن ناعم بن أُجَيْل (٣)، مولى أم سلمة-﵂-قال: (كنت أدخل المسجد لصلاة المغرب، فأرى رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ جلوساً في آخر المسجد، والناس يصلون فيه، قد صلوا في بيوتهم) (٤).
خامساً: عن نافع أن عبد الله بن عمر-﵄ كان يقول: (من صلى المغرب
أو الصبح، ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما) (٥).
وفي رواية عنه: (إن صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة فصلها، إلا
стр. 1052
الصبح والمغرب، فإنهما لا يعادان في يوم) (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن الصلاة المعادة مع الجماعة إما تكون نافلة، أو فريضة:
فإن كانت نافلة كما صُرِّحَت به في حديث أبي ذر ﵁ وغيره، فتكون منسوخة بأحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس؛ لأن هذا النهي عام يشمل الصلاة المعادة وغيرها، فتكون إعادتها بعد الفجر وبعد العصر منسوخة بالأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة في هذين الوقتين.
وإن كانت الصلاة المعادة فريضة، فتكون منسوخة كذلك بأحاديث النهي عن الصلاة الواحدة في اليوم مرتين.
أما إعادة صلاة المغرب، فهي وإن لم تكن في وقت النهي إلا أن عمل الصحابة ﵃-كما ذكر في رواية ناعم يدل كذلك على نسخها؛ حيث أن بعضهم لم يعدها مع الإمام، ولم ينكر عليهم الباقون، فدل ذلك على نسخها؛ لأنه لا يجوز أن يكون مثل ذلك من قول رسول الله ﷺ قد ذهب عليهم جميعاً، حتى يكونوا على خلافه، ولكن كان ذلك منهم لما قد ثبت عندهم فيه من نسخ ذلك القول، ويقويه قول ابن عمر ﵁ (٢).
стр. 1053
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إنه لا يوجد دليل يدل على تأخر أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها على الأحاديث التي فيها الأمر بإعادة الصلاة إذا أدركها مع الجماعة، ويوجد ما يدل على تأخّر أحاديث الأمر بالإعادة عليها، وهو حديث يزيد بن الأسود العامري ﵁، وحديث أم سلمة-﵂، أما حديث يزيد فإنه يدل على أن الأمر بالإعادة كان في حجة الوداع، وذلك في السنة العاشرة وفي آخر حياة النبي ﷺ ، وقد أنكر النبي ﷺ فيه على من صلى في رحله صلاة الصبح ولم يعدها معه ﷺ . أما حديث أم سلمة-﵂ فإنه يدل على أن النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب كان قبل وفد عبد القيس؛ حيث قالت: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه. فلما انصرف قال: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (١). وقدوم وفد عبد القيس على النبي ﷺ كان سنة الوفود سنة
стр. 1054
تسع (١)، قبل حجة الوداع.
فثبت من مجموع الحديثين: أن الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة- ومنها صلاة الصبح- كان بعد النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس.
فكيف يُدّعى نسخ المتأخر بالمتقدم عليه؟ فثبت من ذلك أن القول بنسخ إعادة الصلاة مع الجماعة في أوقات النهي بأحاديث النهي عن الصلاة فيها بعيد كل البعد.
ثانياً: إنه لا يصح كذلك نسخ أحاديث إعادة الصلاة مع الجماعة بأحاديث النهي عن أن تُصلى صلاة واحدة في يوم مرتين؛ لأن الصلاة المعادة نافلة كما هو مصرح به في حديث أبي ذر ﵁ وغيره، والنهي عن أن تُصلى صلاة واحدة مرتين هو أن يصليها ثانية ينوي بها الفرض مرة أخرى يعتقد ذلك، أما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنة وتطوع فليس ذلك بإعادة للصلاة مرتين (٢).
على أنه لا يوجد دليل أن النهي عن أن تُصلى صلاة واحدة في يوم مرتين كان بعد الأمر
بإعادة الصلاة مع الجماعة، وقد ثبت أن الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة كان في حجة الوداع، وهو في السنة العاشرة، فكيف
стр. 1055
يُدّعى نسخه؟ ثم كيف يُدّعى نسخه في بعض الصلوات، ويستدل به على إعادة بعض، مع أن الحديث في ذلك واحد؟.
ثالثاً: إن أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وكذلك أحاديث النهي عن أن تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين، عامة، وأحاديث إعادة الصلاة مع الجماعة خاصة، فتكون هذه الأحاديث مقدمة عليها، ومخصصة لعمومها (١).
رابعاً: إن القول بنسخ إعادة صلاة المغرب مع الجماعة بما روي عن بعض الصحابة ﵃ أنهم ما أعادوها مع الجماعة، وقول ابن عمر ﵁ أنها والصبح لا تعادان، غير صحيح؛ لأن من لم يعدها فيمكن أنه لم ير إعادتها واجبة، وكذلك من لم ينكر عليهم ذلك، والإعادة غير واجبة عند كثير من أهل العلم (٢)، لكن قد روي عن غيرهم إعادتها، منهم حذيفة ﵁، فقد روى عنه أنه أعادها مع الجماعة، وكان ذلك بعد النبي ﷺ (٣)، وفعله هذا أولى من فعل من خالفه؛ لأن له مستند من عموم الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة.
ثم من يستدل بقول ابن عمر ﵁ في عدم إعادة المغرب قد خالفه في مفهوم قوله في إعادة العصر؛ حيث أن قوله يدل على عدم إعادة المغرب