← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فهي واجبة ولكن ليست بشرط لصحة الصلاة (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنها فرض كفاية- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها بيان أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ حيث إنها تدل على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين؛ لأن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين (٢). ثانياً: عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاةُ إلا استحوذ (٣) عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية (٤) (٥). فهذا يدل على وجوبها، لكن صرفه عن الوجوب العيني الأحاديث التي

стр. 982

تدل على أفضلية الجماعة على صلاة الفذ؛ حيث أن تفضيل أحد الفعلين يشعر بتجويزهما جميعاً (١). واعترض عليه: بأن صلاة الجماعة لو كانت فرض كفاية لما أنكر النبي ﷺ على من تخلف عنها مع أنه قد حضرها مع النبي ﷺ جماعة من الصحابة-﵃ (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن صلاة الجماعة واجبة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية (٣). ولو لم تكن الجماعة واجبة لرخص في تركها في حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها (٤). ثانياً: ما سبق في دليل القول الثاني من حديث أبي الدرداء ﵁،

стр. 983

وفيه: (فعليك بالجماعة) فإن فيه الأمر بالجماعة، وظاهر الأمر للوجوب (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (٢). فهذا الحديث ظاهر في وجوبها، إذ لو كانت غير واجبة لما توعد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ﷺ ومن معه، فدل على أنها واجبة (٣). واعترض عليه: أ- بأن الحديث ورد في حق المنافقين، وسياق الحديث يقتضي ذلك، إذ لا يظن بالمؤمنين من الصحابة-﵃ أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله ﷺ . فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، لذلك لا يصح الاستدلال منه على الوجوب (٤).

стр. 984

وأجيب عنه: بأن النبي ﷺ إنما علق الحكم على التخلف عن الصلاة، لا بخصوص المنافقين، على أن النبي ﷺ كان معرضاً عن عقوبتهم (١). ب-بأن المراد بالحديث من يتخلف عن الجمعة، كما جاء في بعض الروايات (٢). وأجيب عنه: بأن حديث أبي هريرة ﵁ لا تختص الصلاة فيها بالجمعة، والحديث في التخلف عن الجمعة حديث مستقل، فهما واقعتان، على أنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يُرَخِّص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم. قال: «فأجب» (٤). وإذا لم يرخص للأعمى الذي لا يجد قائداً في التخلف عنها فغيره أولى (٥). خامساً: عن عبد الله ﵁ قال: (من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي

стр. 985

هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى (١) بين الرجلين حتى يقام في الصف) (٢). وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، وقد نُهينا عن التشبه بهم، فدل ذلك على وجوبها (٣). سادساً: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له، إلا من عذر» (٤).

стр. 986

وهذا يؤكد كونها واجبة؛ حيث جعل الصلاة بدون جماعة كالعدم إذا كانت بغير عذر. فهذه الأدلة تدل على وجوب صلاة الجماعة، ولكنها ليست شرطاً لصحة الصلاة بدليل الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ (١). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع-وهو أن الجماعة فرض عين وشرط لصحة الصلاة-بأدلة القول السابق (٢). ووجه الاستدلال منها: هو أن النبي ﷺ توعد من تخلف عنها بالتحريق، ولم يرخص للأعمى في التخلف عنها، وبين أنه لا صلاة لمن سمع النداء ثم لم يجب وليس له عذر، فدل ذلك على وجوبها، وعدم صحة صلاة من صلى بدون جماعة وليس له عذر (٣). وأجاب هؤلاء عن الأحاديث التي تدل على تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ: بأن المراد بها من له عذر، أي أنهم تصح صلاتهم إذا صلوها بغير جماعة، ويكون صلاة من صلاها بجماعة أفضل من صلاتهم بخمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة (٤).

стр. 987

واعترض على هذا: بأن المعذور إذا صلاها بدون جماعة، وقد حبسه عنها العذر فإن له من الأجر كمن صلاها بجماعة (١)، بدليل: أ- عن أبي موسى ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» (٢). ب- عن عبد الله بن عمرو-﵄ عن النبي ﷺ قال: «ما أحد من الناس يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله الملائكة الذين يحفظونه، فقال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير، ما كان في وثاقي» (٣). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: إن القول بنسخ وجوب صلاة الجماعة، قول له احتمال؛ لأمرين: أ-لأن حديث عتبان بن مالك ﵁ يظهر منه أنه بعد حديث الأعمى الذي لم يرخص له النبي ﷺ في التخلف عن الجماعة، يؤكد ذلك الإجماع على عدم وجوب صلاة الجماعة على أصحاب الأعذار، كما سبق ذكره. ب- لأن حديث أبي هريرة في التخلف عن صلاة الجماعة فيه تهديد

стр. 988

بتحريق المتخلفين عنها، والتعذيب بالنار قد نسخ، فيكون ذلك قبل نسخ التعذيب بالنار، كما سبق بيانه. لكن هذا القول ضعيف؛ لأمرين: أ- لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (١). ب- لأن القول بالنسخ مبني على أن الأحاديث الدالة عل الوجوب معارضة بأحاديث تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وقد سبق أنه يمكن الجمع بينهما بأن يكون صلاة الجماعة واجبة لأدلة الوجوب، ولكن لا تكون شرطاً لصحة الصلاة، لأحاديث التفضيل ونحوها. ثانياً: إن الراجح هو القول الثالث، هو أن صلاة الجماعة واجبة وليست شرطاً لصحة الصلاة، وذلك لما يلي: أ- لصراحة الأدلة الدالة عليه، وظهورها، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى. ب- ولأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة- وذلك بحمل ما يدل على تفضيل صلاة الجماعة ونحوه على أن المراد به هو أنها ليست شرطاً لصحة الصلاة، وحمل غيره من الأدلة على الوجوب-، بخلاف الأقوال الأخرى، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (٢). والله أعلم.

стр. 989

المطلب الثاني: موقف المأمومين إذا كانوا اثنين ذهب بعض أهل العلم إلى أن وقوف المأمومين إذا كانوا اثنين إلى جانبي الإمام كان أولاً، ثم نسخ ذلك، وأن موقفهما خلف الإمام (١). وممن قال بالنسخ وصرح به: الأثرم (٢)، والبيهقي (٣)، والحازمي (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن الأسود قال: دخلت أنا وعمي على عبد الله بالهاجرة، فأقام الصلاة فتأخرنا خلفه، فأخذ أحدنا بيمينه والآخر بشماله، فجعلنا عن يمينه وعن يساره، فلما صلى قال: «هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع إذا كانوا ثلاثة» (٦).

стр. 990

ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ أن جدته مُليكة (١) دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فلأصلي لكم»، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لُبِس فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم (٢) وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف) (٣). ثالثاً: حديث جابر ﵁ الطويل، وفيه: «ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر (٤) فتوضأ فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بيدينا جميعاً، فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (٥). وفي رواية عنه ﵁ قال: (سرت مع رسول الله ﷺ في غزوة فقام يصلي، قال: فجئت حتى قمت عن يساره، فأخذني فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا بيديه جميعاً، فدفعنا حتى أقامنا خلفه) (٦).

стр. 991

ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية: أولاً: إن هذه الأحاديث المذكور فيها وقوف الاثنين خلف الإمام متأخرة عن حديث ابن مسعود ﵁ الذي فيه ذكر قيام الاثنين إلى جانبي الإمام؛ لأن ابن مسعود ﵁ إنما تعلم هذه الصلاة من النبي ﷺ وهو بمكة، وفيها التطبيق وأحكام أخرى هي الآن متروكة ومن جملتها هذا الحكم، ولما قدم النبي ﷺ المدينة تركه، يدل عليه حديث أنس وجابر-﵄-لأن ذلك كان بعد الهجرة، وجابر ﵁ إنما شهد المشاهد التي كانت بعد بدر (١). ثانياً: إن في قيام جبار بن صخر ﵁ عن يسار النبي ﷺ كذلك دلالة على أن قيام الاثنين عن جانبي الإمام كان مشروعاً، وأنه استعمل الحكم

стр. 992

الأول حتى منعه منه النبي ﷺ ودله على الحكم الثاني؛ حيث جعله مع جابر ﵁ خلفه، فيكون هذا الحكم الثاني ناسخاً للحكم الأول؛ لأنه بعده (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في موقف الاثنين من الإمام إذا كانوا يصلون جماعة على قولين: القول الأول: أن موقفهما خلف الإمام. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر-﵃، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء بن أبي رباح (٦). القول الثاني: أن الإمام يقف بينهما، وهما إلى جانبيه. روي ذلك عن ابن مسعود ﵁، وهو قول علقمة، والأسود، وإبراهيم النخعي (٧).

стр. 993

وبه قال أبو يوسف من الحنفية (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أنهما يقفان خلف الإمام- بأدلة منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإن فيها دلالة ظاهرة على أن الاثنين يقفان خلف الإمام إذا كانوا يصلون جماعة (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أنهما يقفان بجانبي الإمام-بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن مسعود ﵁. وفي رواية عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله ﵁، فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: «هكذا فعل رسول الله ﷺ » (٣). فهذا الحديث يدل على أن المأمومين إذا كانوا اثنين فإنهما يقفان إلى جانبي الإمام وهو يتوسطهما (٤).

стр. 994

الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي: أولاً: لكثرة أدلته مع صحتها وصراحتها (١). ثانياً: ولأن القول بنسخ حديث ابن مسعود ﵁ في قيام الاثنين إلى جانبي الإمام إذا كانوا يصلون جماعة له وجه؛ حيث إنه ذُكر معه التطبيق، وهو كان في أول الإسلام. أما حديث أنس وجابر-﵄ فبعد ا لهجرة بلا شك (٢). ثالثاً: ولأن حديث ابن مسعود ﵁ رُوي مرفوعاً، ورُوي موقوفاً ثم يحتمل أموراً، منها: النسخ كما سبق بيانه. ومنها: أنه صلى كذلك لضيق المكان (٣) والله أعلم.

стр. 995

المطلب الثالث حكم إذا صلى المسبوق ما فاته ثم يدخل مع الإمام ذهب بعض أهل العلم إلى أن كون المسبوق (١) أن يصلي ما فاته أولاً ثم يدخل مع الإمام، كان أولاً ثم نسخ. وممن صرح بالنسخ: الإمام الشافعي (٢)، والسرخسي (٣)، والحازمي (٤)، والكاساني (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦). وبقية أهل العلم وإن لم يصرحوا بالنسخ إلا أنهم لا خلاف بينهم في أن المسبوق إذا دخل مع الإمام في الصلاة فإنه يتابعه، ويصنع كما يصنع، ثم يقضي ما سبقه به إذا سلم الإمام (٧).

стр. 996

ويستدل لما سبق بما يلي: أولاً: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: وحدثنا أصحابنا- إلى أن قال: - (وكان الرجل إذا جاء يسأل فيُخبرُ بما سُبق من صلاته، وإنهم قاموا مع رسول الله من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله ﷺ ، فجاء معاذ فأشاروا إليه، فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها، قال: فقال: «إن معاذاً قد سنّ لكم سُنَّةً كذلك فافعلوا» (١). وفي رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنا نأتي الصلاة إذ جاء رجل وقد سُبق بشيء من الصلاة أشار إليه بالذي يليه: قد سُبقت بكذا وكذا، فيقضي، قال: فكنا بين راكع، وقائم، وقاعد، فجئت يوماً وقد سُبقت ببعض الصلاة، وأُشير إليَّ بالذي سُبقت به، فقلت: لا أجده على حال إلا كنت عليها، فكنت بحالهم التي وجدتهم عليها، فلمّا فرغ رسول الله ﷺ قمت فصليت، واستقبل رسول الله ﷺ الناس، وقال: «من القائل كذا وكذا؟»، قالوا: معاذ بن جبل، فقال: «قد سَنَّ لكم معاذ فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم وقد سُبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به» (٢).

стр. 997

ثانياً: عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام» (١). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسعَون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٢). رابعاً: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (تخلف رسول الله ﷺ ، فذكر هذه القصة (٣)، قال: فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلي بهم الصبح، فلما رأى النبي ﷺ أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن يمضي، قال: فصليت أنا والنبي ﷺ خلفه ركعة، فلما سلم قام النبي ﷺ فصلى الركعة التي سُبق بها، ولم يزد عليها شيئاً) (٤).

стр. 998

وجه الاستدلال منها ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر، حيث إن بعض هذه الأدلة يدل أنه كان أولاً إذ جاء رجل وقد سُبق بشيء من الصلاة قضى ما سُبق به ثم يدخل مع الإمام، ثم أمر النبي ﷺ بأن من جاء وقد سُبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام ويصنع كما يصنع الإمام، فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به. وبعضها يدل على أن النبي ﷺ لما سُبق بركعة صلى مع الإمام ما أدركه ثم قضى ما فاته، وأنه أمر كل من سُبق بشيء من الصلاة أن يصلي مع الإمام ما أدركه وأن يقضي ما فاته. فثبت من هذا كله نسخ أن يصلي المسبوق ما فاته ثم يدخل مع الإمام، وأن المسبوق إذا جاء يدخل مع الإمام، ويصنع كما يصنع الإمام، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام (١). والله أعلم.

стр. 999

المطلب الرابع كيفية صلاة المأموم إذا صلى الإمام جالساً ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة المأموم جالساً إذا كان الإمام يصلي جالساً لعذر قد نسخ؛ لذلك إذا كان الإمام يصلي جالساً لعذر فإن المأمومين يصلون خلفه قياماً لا قعوداً (١). وممن روي عنه القول بالنسخ أو قال به: عبد الله بن المبارك (٢)، والإمام الشافعي (٣)، والحميدي (٤)، والبيهقي (٥)، وابن عبد البر (٦)، والسرخسي (٧)، والحازمي (٨). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد الأسباب الرئيسيَّة لاختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٩). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ ركب فرساً فصُرع عنه

стр. 1000

فجُحِشَ (١) شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتَمّ به فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون» (٢). ثانياً: عن جابر ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً، فلَمّا سلّم قال: «إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمُّوا بأئمتكم إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً» (٣). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس»، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى ما يقم مقامك لا يُسمع الناسَ، فلو أمرت عمر. فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس» فقلت لحفصة: قولي

стр. 1001

له: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لم يُسمع الناس فلو أمرت عمر. فقال: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس» فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائماً، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعداً، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١). رابعاً: حديث ابن عباس ﵁ وفيه: ثم جاء بلال يُؤْذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق حَصِر (٢)، ومتى لا يراك يبكي، والناس يبكون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس. فخرج أبو بكر فصلى بالناس، فوجد رسول الله ﷺ من نفسه خِفَّة، فخرج يُهادى بين رجلين، ورجلاه تخُطَّان في الأرض، فلما رآه الناس سَبّحوا بأبي بكر، فذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ أي مكانك، فجاء رسول الله ﷺ فجلس عن يمينه، وقام أبو بكر، وكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس

стр. 1002

يأتَمُّون بأبي بكر. قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﷺ من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر (١). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أنس، وجابر-﵄-يدلان على أن المأمومين يصلون قعوداً إذا كان الإمام يصلي جالساً، وحديث عائشة وابن عباس ﵃-فيهما أن النبي ﷺ صلى قاعداً، وصلى أبو بكر ﵁ والصحابة-﵃-خلفه قياماً، وهذا كان في مرض موت رسول الله ﷺ ، فدل ذلك على نسخ صلاة المأمومين قعوداً إذا كان الإمام يصلى قاعداً لعذر؛ لأن صلاة الصحابة-﵃ خلف رسول الله ﷺ قعوداً لما صلى قاعداً وأمره لهم بالقعود إذا صلى الإمام قعوداً كان قبل ذلك؛ وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٢). واعترض عليه: بأن الإمام في تلك الصلاة كان أبو بكر ﵁ وهو كان يصلي قائماً فصلى الناس خلفه قياماً، والنبي ﷺ كان فيها مأموماً، يدل على ذلك:

стр. 1003

أولاً: عن عائشة-﵂ قالت: «صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً» (١). ثانياً: عن أنس ﵁ قال: «آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم، صلى في ثوب واحد متوَشِّحاً (٢)، خلف أبي بكر ﵁) (٣). وأجيب عنه: بأن صلاة النبي ﷺ خلف أبي بكر ﵁ كان في غير تلك الصلاة في مرضه، فهما واقعتان لا واحدة، ويدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمام لا أبو بكر: ما ذكر في حديث عائشة-﵂ أن النبي ﷺ جلس عن يسار أبي بكر ﵁ وهو موقف الإمام، وكما جاء في بعض الأحاديث من أنه ﷺ أخذ القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، فدل ذلك أنه

стр. 1004

- ﷺ كان هو الإمام، وقد صلوا خلفه قياماً (١). واعترض عليه كذلك: بأنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى النسخ، وهنا أمكن الجمع بينها، وذلك بحمل حديث عائشة وابن عباس-﵃ الذين سبق ذكرهما على ما إذا بدأ الإمام قائماً ثم حصلت له علة، فإن من خلفه يتمُّون صلاتهم قياماً، أما إذا بدأ الإمام الصلاة قعوداً فإن المأمومين يصلون خلفه قعوداً؛ للأحاديث الدالة على ذلك (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في صلاة المأموم وكيفيتها إذا كان الإمام يصلي قاعداً لعذر على ثلاثة أقوال: القول الأول: تجوز الصلاة خلف الإمام القاعد، لكن من ليس له عذر فلا يجوز له أن يصلي خلفه قعوداً.

стр. 1005

وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية عن الإمام مالك (٢)، ومذهب الشافعية (٣)، وقول سفيان الثوري، وأبي ثور، والحميدي (٤). القول الثاني: لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد، فلا يصلي خلفه لا قائماً ولا قاعداً. وهو مذهب المالكية (٥)، وقول محمد بن الحسن من الحنفية (٦). القول الثالث: لا تصح الصلاة خلف الإمام العاجز عن القيام إلا إمام الحيّ المرجُوّ زوال علته فتصح، ويصلون خلفه جلوساً ندباً، وإن اعتل الإمام في أثنائها فجلس فإن من خلفه يتمُّونها قياماً وجوباً. وهو مذهب الحنابلة (٧). وروي القول بالصلاة قعوداً خلف الإمام إذا صلى قاعداً عن: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، و أسيد بن حضير، وقيس بن قَهد (٨) -رضي

стр. 1006

الله عنهم- (١). وهو قول الأوزاعي، وحماد بن زيد (٢)، وإسحاق وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن حبان (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنهم يصلون خلفه قياماً-بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وابن عباس ﵃. ووجه الاستدلال منهما: أن الصحابة-﵃ صلوا قياماً خلف النبي ﷺ ، وهو كان يصلي قاعداً، فدل ذلك أن المأمومين يصلون قياماً إذا كان الإمام يصلي جالساً لعذر. ويؤكد ذلك أن القيام ركن من أركان الصلاة، فإذا أطاقه الإمام صلى قائماً وكان ذلك فرضه، وإذا لم يطقه صلى جالساً وكان ذلك فرضه، فكذلك يصلي المأمومون كما يطيقون (٤). واعترض عليه: بأن الأحاديث التي فيها الأمر بالصلاة قعوداً إذا كان

стр. 1007

الإمام يصلي قاعداً لم يختلف في سياقها، ثم هي صريحة في المراد بها، أما الأحاديث التي يستدل منها على صلاة المأموم قائماً إذا كان الإمام يصلي جالساً فهي تحتمل ذلك وغيره؛ حيث إنها تحتمل أنهم إنما صلوا قياماً لأن الإمام بدأ الصلاة قياماً، وإذا حملت تلك الأحاديث على هذا فلا تعارض بينها (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو عدم صحة الصلاة خلف من يصلي قعوداً- بما روي عن الشعبي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحد بعدي جالساً» (٢). فهذا يدل على أنه لا يصح الصلاة خلف من يصلي قعوداً (٣). واعترض عليه: بأنه ضعيف لا تقوم به حجة (٤). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أنه إذا صلى إمام الحيّ جالساً صلوا خلفه جلوساً- بأدلة منها ما يلي:

стр. 1008

أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة وابن عباس ﵄؛ حيث إنهما يدلان على أن الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائما ثم حصلت له علة وجلس، فإن من خلفه يتمّون صلاتهم قياماً (١). ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أنس، وجابر-﵄؛ حيث إنهما يدلان على أن المأمومين يصلون قعوداً إذا كان الإمام يصلي جالساً. ثالثاً: عن عائشة أم المؤمنين-﵂ قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتَمّ به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» (٢). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين. وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» (٣).

стр. 1009

فهذه الأحاديث تدل على أن الإمام إذا صلى جالساً فإن من خلفه يتابعونه ويصلون جلوساً كما فعل النبي ﷺ وأمر به (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي: أولاً: إن القول بنسخ الصلاة قعوداً إذا كان الإمام يصلي جالساً له وجه؛ لأن الصحابة-﵃ قد صلوا خلف النبي ﷺ قياماً في مرض موته ﷺ وهو جالس، وكان ذلك بعد ما بدأ أبو بكر ﵁ بالصلاة قياماً واقتدى من خلفه به، ثم جاء النبي ﷺ فصلى بهم تلك الصلاة وهو جالس، وهم خلفه قيام. وقد كان ذلك بعد قول النبي ﷺ «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً). فيدل ذلك على نسخه؛ لأنه لا شك أن صلاتهم خلفه ﷺ قياماً وهو قاعد كان بعد الأمر الأول. إلا أن صلاتهم خلف النبي ﷺ قياماً في مرض موته ﷺ يتطرق إليه احتمالات منها: أ-أن يكون ذلك ناسخاً للأمر الأول. ب- أنه ﷺ لم يأمرهم بالقعود لأنهم ابتدءوا الصلاة قياماً.

стр. 1010

وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال. ثانياً: إن الراجح أن الإمام إذا صلى جالساً أن يصلي من خلفه جلوساً، لما يلي: أ- لكثرة الأدلة الدالة على ذلك مع صحتها وصراحتها (١). ب-لعمل بعض الصحابة ﵃ على ذلك بعد النبي ﷺ ، فلو كان ذلك منسوخاً لما عملوا به (٢). ج-ولأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث كلها، وذلك إذا حملت الأحاديث الدالة على الأمر بالجلوس- إذا كان الإمام يصلي جالساً- على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة جلوساً، والأحاديث التي فيها صلاة الصحابة ﵃ خلف النبي ﷺ قياماً وهو قاعد في مرض موته، على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة قياماً ثم حصل له عذر فجلس، فإن من خلفه يتمونها قياماً، وعليها فلا تعارض إذَنْ بين النوعين من هذه الأحاديث، حيث حملت على حالتين، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار معه إلى النسخ ولا إلى ترك بعضها (٣). ثالثاً: إنه يجوز الصلاة جلوساً خلف كل إمام إذا كان له حق الأسبقية على غيره وصلى جلوساً لعذر، فلا فرق في ذلك بين إمام الحيّ وغيره؛ لأن

стр. 1011

الأحاديث الواردة في الأمر بالجلوس إذا صلى الإمام جالساً مطلقة. رابعاً: إذا مرض الإمام ولم يستطع أن يصلي قائماً، فإن الأولى أن يستخلف ويُقَدِّمَ من أحق بالإمامة من الأصحاء؛ وذلك خروجاً من خلاف أهل العلم، فإنه لا خلاف في جواز أن يؤم المفضول مع وجود من هو أفضل منه. أما إذا صلى هذا الإمام المعذور جالساً فإن صلاة من خلفه لا تصح عند بعض أهل العلم؛ لذلك يكون الأولى الخروج من الخلاف (١). والله أعلم.

стр. 1012

المطلب الخامس: القراءة خلف الإمام ذهب بعض الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة خلف الإمام قد نسخ (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة قد نسخ، لذلك إذا كان الإمام يجهر بالقراءة فلا يقرأ من خلفه بل ينصت ويستمع (٢). وذهب الحميدي إلى أنه لو ثبت الحديث الذي يدل على النهي عن قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، فإنه هو المنسوخ (٣). وظهر منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر

стр. 1013

لاختلافهم فيها (١). دليل من قال بنسخ القراءة خلف الإمام أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ (٢) القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1014

ثانياً: عن أبي العالية قال: «كان نبي الله ﷺ إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه حتى نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فسكت القوم، وقرأ رسول الله ﷺ ) (١). ثالثاً: حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا-إلى قوله- وإذا قرأ فأنصتوا» (٢).

стр. 1015

رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (١). خامساً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة» (٢).

стр. 1016

ويستدل منها على النسخ: بأن مجموع هذه الأدلة يثبت منها أن بعض الصحابة ﵃ كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ ، ثم جاء الأمر بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، وجُعل قراءة الإمام قراءة للمأموم، وهو يشمل السر والجهر، فدل ذلك على نسخ القراءة خلف الإمام، ويؤكد ذلك أن في حديث أبي هريرة ﵁ (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ وأبو

стр. 1017

هريرة ﵁ متأخر الإسلام، فتكون هذه الأدلة بعد القراءة خلف الإمام و ناسخة له (١). واعترض عليه: بأنه إن أريد أن القراءة خلف الإمام غير الفاتحة كان يعمل به بعض الصحابة-﵃ فنُهي عنه وأُمر بالاستماع إلى قراءة الإمام، فهذا ما يدل عليه بعض ما سبق من الأدلة، أما إن أريد به أن قراءة الفاتحة وراء الإمام نسخ فهذا غير مسلم؛ لما يلي: أ- إنه ثبت في أحاديث كثيرة النهي عن القراءة خلف الإمام، واستثني منه قراءة الفاتحة، كما جاء أحاديث تصرح بأن إنكار النبي ﷺ ونهيه عن القراءة خلف الإمام جاء بعد قراءة بعض الصحابة-﵃-خلفه غير الفاتحة (٢). ب-إن القول بأن هذه الأدلة متأخرة عن الأدلة الدالة على قراءة الفاتحة خلف الإمام فتكون ناسخة لها مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، وتأخر إسلام الراوي لا يدل على تأخر ما رواه؛ لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي متقدم الإسلام (٣)، ج-إن الاستدلال بتأخر إسلام أبي هريرة ﵁، وبحديثه الذي فيه: (فانتهى الناس عن القراءة .. ) على النسخ غير صحيح؛ لأن ما رواه لو كان

стр. 1018

ناسخاً للقراءة خلف الإمام لما أفتى بخلافه، مع أنه أفتى بقوله: (اقرأ بها في نفسك). فدل ذلك على عدم النسخ (١). د-إنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين الأحاديث، وهنا أمكن الجمع بينها؛ لأن الأحاديث الدالة على النهي عن القراءة خلف الإمام عامة، والأحاديث الدالة على قراءة الفاتحة خلف الإمام خاصة، وبناء العام على الخاص واجب، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعمومها (٢). دليل من قال بنسخ القراءة خلف الإمام في الجهْريَّة أولاً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقُلت عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هَذّاً (٣) يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٤).

стр. 1019

ثانياً: ما سبق من الأدلة في دليل القول السابق. ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول ورواية أبي العالية يدلان على أنه كان يجوز للمؤتَمِّين أن يقرؤوا الفاتحة خلف الإمام في الجهريّة، ثم جاء الأمر بعد ذلك بالاستماع والإنصات لقراءة الإمام، فنهاهم عن القراءة كلها خلف الإمام في الجهريّة، وقال: «مالي أنازع القرآن) فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة. فثبت من ذلك نسخ القراءة وراء الإمام في الجهريّة (١). ويعترض على هذا ما اعترض به وجه استدلال القول السابق. دليل القول بأن المنسوخ هو ما يدل على النهي عن قراءة فاتحة الكتاب أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: «إني أقول مالي أُنازعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من

стр. 1020

رسول الله ﷺ (١). ثانياً: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداجٌ (٣) ثلاثاً، غير تمام. فقيل لأبي هريرة ﵁: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل … » (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن الحديثين الأخيرين فيهما دلالة على لزوم قراءة فاتحة الكتاب لكل مصلٍ سواء كان إماماً أو مأموماً، وحديث أبي هريرة ﵁ الأول يدل على النهي عن القراءة خلف الإمام، لكن الأحاديث الدالة على لزوم قراءة الفاتحة خلف الإمام متأخرة، يدل على ذلك قول أبي هريرة
следующие страницы →