← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (١). ب- عن خالد بن أيمن المعافري قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ويصلون مع النبي ﷺ (فنهاهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين) (٢). رابعاً: عن ناعم بن أُجَيْل (٣)، مولى أم سلمة-﵂-قال: (كنت أدخل المسجد لصلاة المغرب، فأرى رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ جلوساً في آخر المسجد، والناس يصلون فيه، قد صلوا في بيوتهم) (٤). خامساً: عن نافع أن عبد الله بن عمر-﵄ كان يقول: (من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما) (٥). وفي رواية عنه: (إن صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة فصلها، إلا

стр. 1052

الصبح والمغرب، فإنهما لا يعادان في يوم) (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الصلاة المعادة مع الجماعة إما تكون نافلة، أو فريضة: فإن كانت نافلة كما صُرِّحَت به في حديث أبي ذر ﵁ وغيره، فتكون منسوخة بأحاديث النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس؛ لأن هذا النهي عام يشمل الصلاة المعادة وغيرها، فتكون إعادتها بعد الفجر وبعد العصر منسوخة بالأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة في هذين الوقتين. وإن كانت الصلاة المعادة فريضة، فتكون منسوخة كذلك بأحاديث النهي عن الصلاة الواحدة في اليوم مرتين. أما إعادة صلاة المغرب، فهي وإن لم تكن في وقت النهي إلا أن عمل الصحابة ﵃-كما ذكر في رواية ناعم يدل كذلك على نسخها؛ حيث أن بعضهم لم يعدها مع الإمام، ولم ينكر عليهم الباقون، فدل ذلك على نسخها؛ لأنه لا يجوز أن يكون مثل ذلك من قول رسول الله ﷺ قد ذهب عليهم جميعاً، حتى يكونوا على خلافه، ولكن كان ذلك منهم لما قد ثبت عندهم فيه من نسخ ذلك القول، ويقويه قول ابن عمر ﵁ (٢).

стр. 1053

واعترض عليه بما يلي: أولاً: إنه لا يوجد دليل يدل على تأخر أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها على الأحاديث التي فيها الأمر بإعادة الصلاة إذا أدركها مع الجماعة، ويوجد ما يدل على تأخّر أحاديث الأمر بالإعادة عليها، وهو حديث يزيد بن الأسود العامري ﵁، وحديث أم سلمة-﵂، أما حديث يزيد فإنه يدل على أن الأمر بالإعادة كان في حجة الوداع، وذلك في السنة العاشرة وفي آخر حياة النبي ﷺ ، وقد أنكر النبي ﷺ فيه على من صلى في رحله صلاة الصبح ولم يعدها معه ﷺ . أما حديث أم سلمة-﵂ فإنه يدل على أن النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب كان قبل وفد عبد القيس؛ حيث قالت: سمعت النبي ﷺ ينهى عنها ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل عليّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي بجنبه قولي له: تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه. فلما انصرف قال: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (١). وقدوم وفد عبد القيس على النبي ﷺ كان سنة الوفود سنة

стр. 1054

تسع (١)، قبل حجة الوداع. فثبت من مجموع الحديثين: أن الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة- ومنها صلاة الصبح- كان بعد النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس. فكيف يُدّعى نسخ المتأخر بالمتقدم عليه؟ فثبت من ذلك أن القول بنسخ إعادة الصلاة مع الجماعة في أوقات النهي بأحاديث النهي عن الصلاة فيها بعيد كل البعد. ثانياً: إنه لا يصح كذلك نسخ أحاديث إعادة الصلاة مع الجماعة بأحاديث النهي عن أن تُصلى صلاة واحدة في يوم مرتين؛ لأن الصلاة المعادة نافلة كما هو مصرح به في حديث أبي ذر ﵁ وغيره، والنهي عن أن تُصلى صلاة واحدة مرتين هو أن يصليها ثانية ينوي بها الفرض مرة أخرى يعتقد ذلك، أما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنة وتطوع فليس ذلك بإعادة للصلاة مرتين (٢). على أنه لا يوجد دليل أن النهي عن أن تُصلى صلاة واحدة في يوم مرتين كان بعد الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة، وقد ثبت أن الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة كان في حجة الوداع، وهو في السنة العاشرة، فكيف

стр. 1055

يُدّعى نسخه؟ ثم كيف يُدّعى نسخه في بعض الصلوات، ويستدل به على إعادة بعض، مع أن الحديث في ذلك واحد؟. ثالثاً: إن أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وكذلك أحاديث النهي عن أن تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين، عامة، وأحاديث إعادة الصلاة مع الجماعة خاصة، فتكون هذه الأحاديث مقدمة عليها، ومخصصة لعمومها (١). رابعاً: إن القول بنسخ إعادة صلاة المغرب مع الجماعة بما روي عن بعض الصحابة ﵃ أنهم ما أعادوها مع الجماعة، وقول ابن عمر ﵁ أنها والصبح لا تعادان، غير صحيح؛ لأن من لم يعدها فيمكن أنه لم ير إعادتها واجبة، وكذلك من لم ينكر عليهم ذلك، والإعادة غير واجبة عند كثير من أهل العلم (٢)، لكن قد روي عن غيرهم إعادتها، منهم حذيفة ﵁، فقد روى عنه أنه أعادها مع الجماعة، وكان ذلك بعد النبي ﷺ (٣)، وفعله هذا أولى من فعل من خالفه؛ لأن له مستند من عموم الأمر بإعادة الصلاة مع الجماعة. ثم من يستدل بقول ابن عمر ﵁ في عدم إعادة المغرب قد خالفه في مفهوم قوله في إعادة العصر؛ حيث أن قوله يدل على عدم إعادة المغرب

стр. 1056

والصبح فقط. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم فيما يعاد من الصلوات مع الجماعة إذا صلاها المصلي في بيته قبل ذلك على ستة أقوال: القول الأول: لا يعيد مع الجماعة إلا صلاة الظهر والعشاء. وهو مذهب الحنفية (١). القول الثاني: يعيد جميع الصلوات إلا المغرب. وهو مذهب المالكية (٢). وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري، والنعمان بن مقرن (٣) ﵄ وأبي مجلز، وإبراهيم النخعي (٤). القول الثالث: يعيد جميع الصلوات. وهو مذهب الشافعية (٥)،

стр. 1057

وقول داود (١). القول الرابع: يستحب إعادة جميع الصلوات إلا المغرب، فإن أعادها شفعها برابعة. وهو مذهب الحنابلة (٢). وروي إعادة جميع الصلوات وشفع المغرب برابعة عن علي، وأبي موسى الأشعري، و حذيفة، وأنس-﵃ (٣)، وسعيد بن المسيب، والزهري، ومسروق (٤). القول الخامس: يعيد جميع الصلوات إلا المغرب والفجر. وهو قول عبد الله بن عمر ﵁ والأوزاعي (٥). القول السادس: يعيد جميع الصلوات إلا العصر والفجر. وهو قول أبي ثور (٦). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يعيد إلا الظهر والعشاء- بما

стр. 1058

يلي: أولاً: أما إنه يعيد مع الجماعة الظهر والعشاء فللأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها الأمر بالإعادة. ثانياً: أما إنه لا يعيد الفجر والعصر فللأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب (١). ثالثاً: أما إنه لا يعيد المغرب فلقول ابن عمر ﵁ أنها مما لا تعاد. ولأنه لو أعادها لصلى النافلة وتراً، والنافلة لا تكون وتراً في غير الوتر (٢). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها عامة، وأحاديث إعادة الصلاة مع الجماعة خاصة، فتكون هذه الأحاديث مقدمة عليها، ومخصصة لعمومها، ثم حديث أسود بن يزيد ﵁ نص في موضع الخلاف؛ حيث دل على إعادتها بعد الصبح فهو قاطع للنزاع (٣). ثانياً: أما قول ابن عمر ﵁ فمعارض بقول غيره من الصحابة-﵃، وليس قوله بأولى من قول غيره من الصحابة، مع أن قولهم له مستند من عموم قول النبي ﷺ .

стр. 1059

أما أنه لو صلى المغرب فيكون صلى النافلة وتراً، ولا وتر في التطوع غير الوتر، فهذا ليس مجمع عليه، ثم لو شفعها برابعة كما روي ذلك عن غير واحد من الصحابة-﵃ لزال هذا الذي يعدونه محظوراً (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يعيد جميع الصلوات إلا المغرب- بما يلي: أولاً: أما إعادة الصلوات غير المغرب فللأحاديث سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها الأمر بالإعادة. ثانياً: أما إنه لا يعيد المغرب فلما يلي: أ-عن ابن عمر-﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل: فقال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتر له ما قد صلى» (٢). ب-عن طلق بن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا وتران في ليلة» (٣).

стр. 1060

ووجه الاستدلال منهما: أن المغرب إذا أعادها، فإما يشفعها برابعة فيكون قد صلى التطوع أربعاً، وسنة التطوع أن تصلى مثنى مثنى، وإن لم يشفعها برابعة فيكون صلاته وتراً، ولا وتران في ليلة كما في حديث طلق بن علي ﵁؛ لذلك لا يعيد الوتر مع الجماعة (١). واعترض عليه: بأن صلاة الليل مثنى مثنى، هو الأفضل، ويجوز غيره، فلو صلى أربعاً فيجوز. وقد روي عن غير واحد من الصحابة-﵃ أنه كان يرى إعادة المغرب ويشفعها برابعة، فلو لم يكن ذلك جائزاً لما عملوا به (٢). على أنهم يجوزون إعادة صلاة العشاء مع الجماعة، وهي ليست مثنى مثنى (٣). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أنه يعيد جميع الصلوات كما هي- بما يلي:

стр. 1061

أولاً: عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (١). ثانياً: عن يزيد بن الأسود العامري ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «عليّ بهما» فجيء بهما تُرعدُ فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (٢). ثالثاً: عن محجن ﵁ أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله ﷺ : «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟» فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي. فقال له رسول الله ﷺ : «إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت» (٣). ووجه الاستدلال منها: أن هذه الأحاديث عامة لم تفرق بين صلاة

стр. 1062

وصلاة، كما أنها مطلقة فليس فيها أن المغرب يضيف إليها أخرى، فيُعمل بها عامة مطلقة كما وردت (١). دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو أنه يعيد جميع الصلوات ويشفع المغرب برابعة-بما يلي: أولاً: أما إعادة جميع الصلوات فللأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها الأمر بالإعادة. ثانياً: أما أن المغرب يضيف إليها رابعة: أ- فلما روي عن بعض الصحابة ﵂ فعل ذلك أو القول به (٢). ب- ولأنه هذه الصلاة نافلة، ولا يجوز التنفل بوتر غير الوتر (٣). أما القولان الخامس، والسادس- فأدلتهما ووجه الاستدلال من تلك الأدلة وما يعترض عليها، لا تخرج عن أدلة القول الأول، ووجه الاستدلال منها، وما اعترض عليها، لذلك لا داعي لإعادتها. الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي-والله أعلم

стр. 1063

بالصواب-ما يلي: أولاً: إن القول بنسخ إعادة صلاة الفجر والعصر والمغرب مع الجماعة إذا صلاها المصلي قبل ذلك في بيته، ضعيف بل مردود وغير صحيح؛ لأنه لا يوجد ما يدل على النسخ، بل الأحاديث التي تدل على الإعادة معها ما يدل على تأخرها عن أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وقد سبق بيان ذلك وغيره مما يرد به على القول بالنسخ. ثانياً: يجوز أن يعيد جميع الصلوات من غير أن يشفع المغرب برابعة؛ وذلك لإطلاق الأحاديث الواردة في الإعادة مع الجماعة، إلا أن الأولى هو أن يشفعها برابعة، وذلك لما روي عن بعض الصحابة- ﵃ أنهم قالوا بشفعها برابعة (١)، وهم أعلم بأقوال رسول الله ﷺ عن غيرهم، وعمن بعدهم، كما أنهم أولى من يُقتدى بهم بعد النبي ﷺ . والله أعلم.

стр. 1064

المبحث السابع: في الجمعة والعيدين وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: خطبة الجمعة بعد الصلاة. المطلب الثاني: تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام يخطب. المطلب الثالث: خروج النساء إلى العيدين.

стр. 1065

المطلب الأول: خطبة الجمعة بعد الصلاة ذهب بعض أهل العلم (١)، ومنهم الحازمي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣)، إلى أن خطبة الجمعة كانت بعد الصلاة، ثم نُسخ ذلك وجعلت قبل الصلاة. واستدلوا على ذلك بما يلي: عن مقاتل بن حيان (٤) قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة، والنبي ﷺ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة (٥) قدم بتجارة، وكان

стр. 1066

دحية إذا قدم تلقّاه أهله بالدّفاف، فخرج الناس لم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، فقدّم النبي ﷺ الخطبة يوم الجمعة، وأخر الصلاة، وكان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي ﷺ يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي ﷺ يشير إليه بيده، فكان من المنافقين من تثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل مسلم قام المنافق إلى جنبه مستتراً به حتى يخرج، فأنزل الله : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] الآية) (١). فهذا يدل على أن الخطبة كانت يوم الجمعة بعد الصلاة، ثم نسخ ذلك وجعلت قبل الصلاة (٢). واعترض عليه: بأن القول بنسخ حكم ما يستلزم ثبوته أولاً، والحديث الذي استُدل به ضعيف لا تقوم به حجة، فلا يثبت النسخ بمثله (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. ولا خلاف بين أهل العلم في أن خطبة الجمعة قبل الصلاة، ولا

стр. 1067

يجوز جعلها بعد الصلاة، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١). وذلك لما يلي: أولاً: عن السائب بن يزيد (٢) ﵁ قال: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر-﵄، فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء (٣) (٤). وفي رواية عنه ﵁ قال: (كان بلال يؤذّن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر،

стр. 1068

وعمر-﵄) (١). فهذا يدل على أن الخطبة يوم الجمعة سابقة على الصلاة؛ لأن الأذان لا يكون إلا قبل الصلاة، وإذا كان يقع حين يجلس الإمام على المنبر دل على سبقية الخطبة على الصلاة (٢). ثانياً: ولحديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). والثابت من صلاته ﷺ يوم الجمعة إنما هو بعد الخطبتين (٤). ثالثاً: وللإجماع على ذلك (٥). والله أعلم.

стр. 1069

المطلب الثاني تحية المسجد يوم الجمعة إذا دخل والإمام يخطب ذهب بعض أهل العلم إلى أن من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه يجلس ويستمع ولا يصلي ركعتين، وأن حديث صلاة الركعتين يوم الجمعة إذا دخل أحد المسجد والإمام يخطب قد نسخ (١). وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، والكاساني (٣). والقول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم، لكن السبب الأصلي لاختلافهم في المسألة هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥). ثانياً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: جاء رجل يوم الجمعة-

стр. 1070

والنبي ﷺ يخطب-بهيئة بَذَّة (١)، فقال له رسول الله ﷺ : «أصليت؟»، قال: لا، قال: «صل ركعتين»، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثياباً، فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية، جاء ورسول الله ﷺ يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله ﷺ «جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذّة، فأمرت الناس بالصدقة، فألقوا ثياباً، فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما» فانتهره، وقال: «خذ ثوبك» (٢). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (٣) (٤).

стр. 1071

رابعاً: عن عبد الله بن بسر (١) ﵁ قال: جاء رجل يتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال له النبي ﷺ : «اجلس، فقد آذيت» (٢). خامساً: عن ابن عباس-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، فليس له جمعة» (٣). سادساً: عن ابن عمر-﵄ قال: سمعت النبي ﷺ

стр. 1072

يقول: «إذا دخل أحدكم المسجد والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن الأمر بالركعتين، إذا دخل أحد والإمام يخطب، كان قبل نسخ الكلام والأفعال في الخطبة، ثم جاء الأمر بالإنصات والاستماع للخطبة، ونهي عن الكلام إذا خطب الإمام، فنُسخ الكلام والصلاة إذا خطب الإمام بذلك؛ ولذلك أمر النبي ﷺ الرجل الذي تخطّى رقاب الناس بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، وجعل قول الرجل لصاحبه: (أنصت) -وهو من الأمر بالمعروف الذي هو فرض، وزمنه قصير- لغواً، فكيف التشاغل بالتّحيّة مع طول زمنها، وكونها تطوعاً؟، فهذا كله يدل على النهي عن الكلام والصلاة عند خطبة الإمام يوم الجمعة، وعلى نسخ ذلك، ويؤكده رواية ابن عمر: (إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام) (٢). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن حديث ابن عمر ﵁ ضعيف لا تقوم به حجة. أما بقية الأدلة فتدل على الإنصات والاستماع للخطبة، ولكن ليس فيها ما يدل

стр. 1073

على النهي عن صلاة الركعتين إذا دخل والإمام يخطب إلا بطريق المفهوم. والحديث الذي فيه الأمر بصلاة الركعتين إذا دخل والإمام يخطب صريح ونص، فكيف يُنسخ ما هو صريح ونص بالمفهوم مع أنه لا يوجد دليل يثبت أن ما يدل على هذا المفهوم متأخر عن هذا النص الصريح، والذي حصلت له هذه الواقعة وأُمر بالركعتين متأخر الإسلام (١)، لذلك ليس القول بالنسخ إلا مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢). ثانياً: إن إسقاط أحد الدليلين أوالقول بالنسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع بين الأدلة، والجمع بين الأدلة هنا ممكن؛ وذلك بأن الأدلة التي يُستدل منها على النهي عامة، فتخصص بالأحاديث التي فيها الأمر بصلاة الركعتين إذا دخل والإمام يخطب (٣). ثالثاً: إن عدم الأمر بصلاة الركعتين للذي تخطى رقاب الناس، يحتمل أموراً، منها: أ-أن ذلك كان قبل الأمر بصلاة الركعتين لمن دخل والإمام يخطب. ب- إنه لم يأمره بالتحية لبيان الجواز؛ فإنها ليست واجبة (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.

стр. 1074

وقد اختلف أهل العلم في الركعتين لمن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب على قولين: القول الأول: لا يصلي ركعتين، بل يجلس ويستمع للخطبة. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وعقبة بن عامر، وابن عمر، وابن عباس-﵃ (٣)، وعطاء، وشريح، وابن سيرين، وعلقمة، والنخعي، والشعبي، والزهري، وأبي قلابة، ومجاهد، والثوري، والليث (٤). القول الثاني: أنه إذا دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين. وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وروي عن أبي سعيد الخدري

стр. 1075

-﵁. وبه قال الحسن، ومكحول، وإسحاق، والحميدي، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وابن جرير الطبري (١). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه يجلس، ولا يصلي ركعتين- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأدلة التي سبقت في دليل القول بالنسخ؛ فإنها بمجموعها تدل على وجوب الإنصات والاستماع إلى الخطبة، وعدم الشغل بشيء آخر، ومن ذلك الصلاة (٢). ثانياً: عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدّهن من دهنه أو يمسّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٣). ثالثاً: عن نُبيشة (٤) الهذلي ﵁ يحدث عن رسول الله ﷺ : «أن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي أحداً، فإن لم يجد

стр. 1076

الإمام خرج، صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج، جلس فاستمع وأنصت، حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه، إن لم يُغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها، أن تكون كفارة للجمعة التي تليها» (١). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجِّر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة. فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» (٢). خامساً: عن ابن عمر-﵄ (أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ ، فناداه عمر: أيّة ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضاً؟ وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل) (٣).

стр. 1077

ويستدل منها على أن الداخل يجلس ولا يصلي إذا كان الإمام يخطب: بأن الحديثين الثاني والثالث يدلان على الجلوس والاستماع إلى الخطبة إذا دخل أو كان في داخل المسجد. أما الحديث الرابع فإنه يدل على أنه لا عمل إذا خرج الإمام إلا استماع الخطبة، لطيّ الصحف فيما عدا ذلك. أما الحديث الخامس فإنه يدل كذلك على عدم الصلاة وقت الخطبة؛ لأن عمر ﵁ أنكر على الرجل ترك الغسل، ولم يأمره بالصلاة، ولا نقل أنه صلاهما (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن هذه الأدلة تدل على الإنصات والاستماع إلى الخطبة، وليس فيها ما يدل صريحاً على النهي عن صلاة الركعتين إذا دخل والإمام يخطب، بخلاف أدلة الاستحباب؛ فإنها صريحة في ذلك، ولا تحتمل غيره. وعدم الإنكار في بعضها على من دخل ولم يصل، لبيان الجواز، وأنها ليست واجبة (٢). ثانياً: إن الجمع بين هذه الأحاديث ممكن، وذلك بتخصيص عموم الأدلة الدالة على الإنصات والاستماع إلى الخطبة بالأحاديث التي فيها الأمر بالركعتين لمن دخل والإمام يخطب، والجمع بين الأدلة أولى من إسقاط

стр. 1078

بعضها (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن الداخل عند خطبة الإمام يصلي ركعتين- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄ قال: جاء سليك الغطفاني (٢) يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: «يا سليك قم فاركع ركعتين، وتجوّز فيهما»، ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصلّ ركعتين» (٤). ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ السابق، وفيه: جاء رجل يوم

стр. 1079

الجمعة-والنبي ﷺ يخطب-بهيئة بَذَّة، فقال له رسول الله ﷺ : «أصليت؟»، قال: لا. قال: «صل ركعتين» الحديث (١). ثالثاً: عن أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٢). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث إن حديث أبي قتادة ﵁ عام، فيشمل لمن دخل المسجد والإمام يخطب، أما حديث جابر وأبي سعيد ﵄ فهو نص صريح في المسألة لا يتطرق إليه تأويل؛ لذلك يكون القول بموجب هذه الأحاديث متعيناً (٣). واعترض عليه اعتراضات، منها ما يلي: أ- أن أمر النبي ﷺ للرجل بالركعتين وكلامه له كان قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، فلما نسخ الكلام في الصلاة، نسخ في الخطبة أيضاً؛ لأنها شطر صلاة الجمعة (٤). ب- أن النبي ﷺ لما أمر الرجل بالركعتين أنصت له حتى فرغ من صلاته-كما جاء ذلك في بعض الروايات (٥)، -لذلك فلا يكون صلاته

стр. 1080

والإمام يخطب. ج-أن أمر النبي ﷺ له بالركعتين كان قبل شروعه ﷺ في الخطبة (١). وأجيب عنه بما يلي: أ-إن القول بأن ذلك كان ثم نسخ بنسخ الكلام في الصلاة، فقد سبق ما يرد به على ذلك. ب- أما القول بأن النبي ﷺ أنصت له حتى فرغ من صلاته، فالرواية التي يدل عليه متكلم فيها (٢)، ثم هي مخالفة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ حيث جاء فيه: «فأمره فصلى ركعتين، والنبي ﷺ يخطب» (٣)، وهو أصح منه (٤)، كما أن حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما». نص صريح في المسألة، ولا

стр. 1081

يتقوى غيره على معارضته؛ لعدم احتماله للتأويل، بخلاف ما يعارضون به (١). ج-إن القول بأن الأمر للرجل بالركعتين كان قبل شروع النبي ﷺ بالخطبة، مخالف لحديث أبي سعيد ﵁ السابق، كما هو مخالف لأكثر روايات حديث جابر ﵁. د- إن جميع ما يعترضون به مردود بقوله ﷺ : «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما»؛ حيث إنه نص صريح لا يتطرق إليه التأويل (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن القول بنسخ صلاة الركعتين والإمام يخطب ضعيف؛ لما يلي: أ-لأنه لا يوجد ما يدل على النسخ، إلا مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، كما سبق ذكره. ب- إنه يرده عمل أبي سعيد الخدري ﵁ بعد النبي ﷺ ؛ حيث أنه أحد من روى حديث أمر النبي ﷺ للرجل الداخل بالركعتين، ثم كان يعمل بهذا الحديث بعد النبي ﷺ ، فقد روي عنه أنه صلى الركعتين والإمام كان يخطب، ثم قال: ما كنت لأتركهما بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، ثم ذكر: «أن رجلاً جاء يوم الجمعة في هيئة بذّة والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فأمره فصلى

стр. 1082

ركعتين، والنبي ﷺ يخطب» (١). فلو كان ذلك منسوخاً لما صلى ركعتين، ولأُنكر عليه لو كان عند أحد غيره علم بالنسخ، عندما رآه يفعل ذلك. ثانياً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو أن من دخل والإمام يخطب يوم الجمعة يصلي ركعتين خفيفتين، ثم يستمع للخطبة، وذلك لما يلي: أ-لأن الأحاديث الدالة على ذلك نصوص صريحة صحية لا يتطرق إليها التأويل، بخلاف ما يعارضون به تلك الأحاديث (٢). ب-ولأنه يمكن الجمع به بين هذه الأحاديث كلها، وذلك بأن الأحاديث الدالة على الركعتين للداخل يوم الجمعة والإمام يخطب، أحاديث خاصة، والأحاديث التي تدل على المنع عن الكلام والإمام يخطب أحاديث عامة- على أنه لو قدر أن الصلاة كلام ومنهي عنه حالة الخطبة-، فيكون عموم هذه الأحاديث مخصصاً بتلك الأحاديث، ومستثناة من عمومها. والجمع بين الأحاديث المختلفة أولى من إسقاط بعضها (٣). والله أعلم.

стр. 1083

المطلب الثالث: خروج النساء إلى العيدين ذهب الطحاوي إلى أن خروج النساء إلى العيدين (١) كان في أول الإسلام والمسلمون قليل، فأريد به تكثير سوادهم، فأما إذا كثر المسلمون فلا داعي إلى ذلك، فيكون خروجهنّ منسوخاً (٢). ونصر قوله هذا العيني (٣). والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة فيها، وهل يقاس العيد على الجمعة أم لا سبب آخر لاختلافهم فيها (٤).

стр. 1084

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أم عطية (١) ﵂ قالت: «أُمرنا أن نخرج الحُيّض يوم العيدين وذوات الخدور (٢)، فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحُيّض عن مصلاهن»، قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب (٣)، قال: «لتُلبسها صاحبتها من جلبابها» (٤). وفي رواية عنها-﵂-قالت: (كنا نؤمر أن نَخرُج يوم العيد، حتى نُخرج البكر من خدرها، حتى نُخرج الحُيّض، فيكنّ خلف الناس،

стр. 1085

فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) (١). ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: (لو أدرك النبي ﷺ ما أحدث النساء لمنعهنّ المسجد كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل) (٢). ووجه الاستدلال منهما: أن حديث أم عطية-﵂ يدل على أن خروجهن لم يكن للصلاة بل لتكثير سواد المسلمين، يدل عليه أمر رسول الله ﷺ بخروج الحُيّض، وهن يعتزلن المصلى ولا تصلين، فثبت أن ذلك كان لتكثير سواد المسلمين، ولإرهاب العدو، وقد زال تلك العلة؛ حيث كثر المسلمون، فيكون خروجهن في العيدين منسوخاً. وحديث عائشة-﵂ يدل على منعهن المساجد لكثرة ما أحدثن، ولكثرة الفتن، وإذا مُنعن المساجد فالمصلى أولى (٣). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن ما ذكر احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم يرده كون ابن عباس ﵁ شهد خروجهن العيد، وقد كان ذلك بعد فتح مكة، وقد دخل

стр. 1086

الناس في دين الله أفواجاً، ولم يكن حاجة لخروجهن لقوة الإسلام (١). ثانياً: إن القول بنسخ خروجهن يرده كذلك ما كانت أم عطية-﵂ تفتي به من خروجهن في العيدين، وقد كان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ بمدة، ولم يخالفها أحد من الصحابة-﵃، وحديث عائشة-﵂-لا يدل على المنع، ولا على النسخ، بل فيه دليل كذلك على أن النبي ﷺ لم يمنعهن (٢). ثالثاً: إن العلة في خروجهن هي ما ذكر في حديث أم عطية-﵂، وهو شهودهن الخير، ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم، وطهرته؛ ولذلك خرجت إليه من تصلي وغيرها، وهذه العلة لم تزل، فلذلك يكون القول بنسخ خروجهن مردوداً، وغير صحيح (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في خروج النساء إلى العيدين على ستة أقوال: القول الأول: يرخص للعجوز في الخروج إلى العيدين، ولا يرخص للشواب. وهو مذهب الحنفية (٤)، ونحوه رواية عن الإمام أحمد (٥).

стр. 1087

القول الثاني: يكره لهن الخروج إلى العيدين. وهو قول المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وبه قال إبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والثوري، وابن المبارك (٣). القول الثالث: يستحب للعجائز وغير ذوات الهيئة شهود العيد، أما ذوات الهيئات -وهن اللواتي يشتهين لجمالهن- فيكره حضورهن. وهو مذهب الشافعية (٤). القول الرابع: إن خروجهن إلى العيدين جائز غير مستحب. وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥). القول الخامس: يستحب لهن حضورها. وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة (٦). القول السادس: حق عليهنّ الخروج للعيدين.

стр. 1088

روي ذلك عن جماعة، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر-﵃ (١). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو جواز شهود العجائز للعيدين، دون غيرها- بما يلي: أولاً: عموم قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢). والأمر بالقرار نهي عن الانتقال (٣). ثانياً: حديث عائشة ﵂: (لو أدرك النبي ﷺ ما أحدث النساء لمنعهنّ المسجد كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل) (٤). فهذا يدل على منعهن المساجد لكثرة ما أحدثن، ولكثرة الفتن، وإذا مُنعن المساجد فالمصلى أولى (٥). ثالثاً: ولأن خروجهنّ سبب الفتنة، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام (٦). أما الرخصة للعجائز في الخروج؛ فلأن المنع من الخروج لأجل الفتنة، وذا

стр. 1089

لا يتحقق في العجائز، ثم كثرة خروج الصلحاء والعلماء في العيد يمنع من الوقوع في المأثم (١). واعترض عليه: بأن تخصيص الشواب بالمنع يأباه صريح الحديث الصحيح؛ حيث جاء فيه الأمر بإخراج ذوات الخدور، كما سبق ذكره، وحديث عائشة-﵂-يدل على منع من أحدثت، فينبغي تخصيص المنع بهن دون غيرهن (٢). دليل القول الثاني ويستدل لمن قال بكراهة خروجهن للعيدين، بحديث عائشة-﵂-السابق. ولما في خروجهن من الفتنة (٣). واعترض عليه: بأن القول بكراهة خروجهن على الإطلاق رد للأحاديث الصحيحة الصريحة، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع (٤). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو استحباب الخروج للعجائز وغير ذوات الهيئات، دون غيرهن- بما يلي: أولاً: حديث أم عطية-﵂. فهو يدل على استحباب

стр. 1090

خروجهن للعيدين. ثانياً: حديث عائشة-﵂. فهو يدل على كراهة خروجهن؛ لأجل الفتنة. والفتن وأسباب الشر، كانت في زمن النبي ﷺ مأمونة، وإنما كثرت ذلك بعد العصر الأول لذلك كره خروج من هي سبب للفتنة -وهن ذوات الهيئات-دون غيرهن (١). واعترض عليه: بأن النبي ﷺ أمر بخروجهن حتى الحيض وذوات الخدور، وهو مطلق يشمل ذوات الهيئات وغيرهن، وسنة رسول الله أحق أن تتبع (٢). على أنه إذا خرجن فتسترن وتحجبن حجاباً لا يكون معه سفوراً، فإنه يستوي حين ذلك ذوات الهيئات وغيرهن في عدم التسبب في الفتنة. لذلك لو يؤمرن بالخروج للعيدين، ويؤمرن بالحجاب وعدم السفور، يكون في ذلك عملاً بالأدلة كلها، وتجنباً عن الفتنة وأسبابها. دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو أن خروجهن إلى العيدين جائز غير مستحب-بما يلي: أولاً: حديث أم عطية، وحديث عائشة-﵂. وقد سبق ذكرهما. ثانياً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا
следующие страницы →