الناس في دين الله أفواجاً، ولم يكن حاجة لخروجهن لقوة الإسلام (١).
ثانياً: إن القول بنسخ خروجهن يرده كذلك ما كانت أم عطية-﵂ تفتي به من خروجهن في العيدين، وقد كان ذلك بعد وفاة النبي ﷺ بمدة، ولم يخالفها أحد من الصحابة-﵃، وحديث عائشة-﵂-لا يدل على المنع، ولا على النسخ، بل فيه دليل كذلك على أن النبي ﷺ لم يمنعهن (٢).
ثالثاً: إن العلة في خروجهن هي ما ذكر في حديث أم عطية-﵂، وهو شهودهن الخير، ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم، وطهرته؛ ولذلك خرجت إليه من تصلي وغيرها، وهذه العلة لم تزل، فلذلك يكون القول بنسخ خروجهن مردوداً، وغير صحيح (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في خروج النساء إلى العيدين على ستة أقوال:
القول الأول: يرخص للعجوز في الخروج إلى العيدين، ولا يرخص للشواب.
وهو مذهب الحنفية (٤)، ونحوه رواية عن الإمام أحمد (٥).
стр. 1087
القول الثاني: يكره لهن الخروج إلى العيدين.
وهو قول المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وبه قال إبراهيم النخعي، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، والثوري، وابن المبارك (٣).
القول الثالث: يستحب للعجائز وغير ذوات الهيئة شهود العيد، أما ذوات الهيئات -وهن اللواتي يشتهين لجمالهن- فيكره حضورهن.
وهو مذهب الشافعية (٤).
القول الرابع: إن خروجهن إلى العيدين جائز غير مستحب.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
القول الخامس: يستحب لهن حضورها.
وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة (٦).
القول السادس: حق عليهنّ الخروج للعيدين.
стр. 1088
روي ذلك عن جماعة، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر-﵃ (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو جواز شهود العجائز للعيدين، دون غيرها- بما يلي:
أولاً: عموم قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢). والأمر بالقرار نهي عن الانتقال (٣).
ثانياً: حديث عائشة ﵂: (لو أدرك النبي ﷺ ما أحدث النساء لمنعهنّ المسجد كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل) (٤).
فهذا يدل على منعهن المساجد لكثرة ما أحدثن، ولكثرة الفتن، وإذا مُنعن المساجد
فالمصلى أولى (٥).
ثالثاً: ولأن خروجهنّ سبب الفتنة، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام (٦).
أما الرخصة للعجائز في الخروج؛ فلأن المنع من الخروج لأجل الفتنة، وذا
стр. 1089
لا يتحقق في العجائز، ثم كثرة خروج الصلحاء والعلماء في العيد يمنع من الوقوع في المأثم (١).
واعترض عليه: بأن تخصيص الشواب بالمنع يأباه صريح الحديث الصحيح؛ حيث جاء فيه الأمر بإخراج ذوات الخدور، كما سبق ذكره، وحديث عائشة-﵂-يدل على منع من أحدثت، فينبغي تخصيص المنع بهن دون غيرهن (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل لمن قال بكراهة خروجهن للعيدين، بحديث عائشة-﵂-السابق. ولما في خروجهن من الفتنة (٣).
واعترض عليه: بأن القول بكراهة خروجهن على الإطلاق رد للأحاديث الصحيحة الصريحة، وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع (٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو استحباب الخروج للعجائز وغير ذوات الهيئات، دون غيرهن- بما يلي:
أولاً: حديث أم عطية-﵂. فهو يدل على استحباب
стр. 1090
خروجهن للعيدين.
ثانياً: حديث عائشة-﵂. فهو يدل على كراهة خروجهن؛ لأجل الفتنة. والفتن وأسباب الشر، كانت في زمن النبي ﷺ مأمونة، وإنما كثرت ذلك بعد العصر الأول
لذلك كره خروج من هي سبب للفتنة -وهن ذوات الهيئات-دون غيرهن (١).
واعترض عليه: بأن النبي ﷺ أمر بخروجهن حتى الحيض وذوات الخدور، وهو مطلق يشمل ذوات الهيئات وغيرهن، وسنة رسول الله أحق أن تتبع (٢).
على أنه إذا خرجن فتسترن وتحجبن حجاباً لا يكون معه سفوراً، فإنه يستوي حين ذلك ذوات الهيئات وغيرهن في عدم التسبب في الفتنة. لذلك لو يؤمرن بالخروج للعيدين، ويؤمرن بالحجاب وعدم السفور، يكون في ذلك عملاً بالأدلة كلها، وتجنباً عن الفتنة وأسبابها.
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو أن خروجهن إلى العيدين جائز غير مستحب-بما يلي:
أولاً: حديث أم عطية، وحديث عائشة-﵂. وقد سبق ذكرهما.
ثانياً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا
стр. 1091
نساءكم المساجد، وبيوتهنّ خير لهنّ» (١).
ثالثاً: عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها (٢) أفضل من صلاتها في بيتها» (٣).
وجه الاستدلال منها: أن حديث أم عطية-﵂ فيها الأمر بخروجهن في العيدين، وحديث ابن عمر، وابن مسعود-﵄ يدلان على أن صلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد. وحديث عائشة-﵂ يدل على منعهن من الخروج لما أحدثن من الفتن، فيكون الأمر في حديث أم عطية-﵂ للجواز فقط؛ لأن
الأفضل لها صلاتها في بيتها كما يدل عليه بقية الأحاديث (٤).
واعترض عليه: بأن صلاتها في بيتها أفضل، لكن فد يستثنى من ذلك العيد للأحاديث الواردة في خروجهن في العيدين. على أن خروجهن في العيدين ليس للصلاة فقط، بل لشهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء بركة
стр. 1092
ذلك اليوم وطهرته؛ ولذلك أُمر بخروج الحيض وغيرها (١).
دليل القول الخامس
ويستدل للقول الخامس- وهو استحباب خروجهن للعيدين- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: حديث أم عطية-﵂، وقد سبق ذكره.
ثانياً: عن ابن عباس-﵄ يقول: أشهد على رسول الله ﷺ لصلى قبل الخطبة. قال: ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهن، فذكّرهنّ، ووعظهنّ، وأمرهنّ بالصدقة، وبلال قائل بثوبه، فجعلت المرأة تلقي الخاتم، والخرص (٢)، والشيء) (٣).
ثالثاً: عن جابر بن عبد الله-﵄ يقول: «قام النبي ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل، فأتى النساء فذكّرهنّ، وهو يتوكّأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة» (٤).
стр. 1093
رابعاً: عن ابن عباس-﵄ «أن النبي ﷺ كان يخرج بناته ونساءه في العيدين» (١).
ووجه الاستدلال منها: أن حديث جابر وابن عباس-﵄ يدلان على أن النساء كن يخرجن للعيدين في زمن النبي ﷺ ، وحديث أم عطية-﵂ فيه الأمر بخروجهنّ، وهو وإن كان ظاهراً في الوجوب إلا أنه حمل على الاستحباب للأدلة التي تحث المرأة على عدم الخروج من البيت، ومنها ما جاء فيه أن صلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد (٢).
دليل القول السادس
ويستدل للقول السادس- وهو أن الخروج حق عليهنّ للعيدين- بما يلي:
أولاً: الأدلة التي استُدل بها للقول السابق.
ثانياً: عن أبي بكر ﵁ قال: (حق على ذات نطاق (٣) الخروج إلى العيدين) (٤).
стр. 1094
فهذا يدل على أن الخروج للعيدين حق عليهنّ (١).
واعترض عليه: بأن قوله: (حق) يحتمل الوجوب، ويحتمل تأكيد الاستحباب، وحمله على الاستحباب أولى؛ للأدلة الصارفة عن الوجوب (٢).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ خروج النساء في العيدين، قول لا دليل عليه، فهو غير صحيح، وقد سبق ما يرد به على هذا القول. كما سبق أن المقصود من خروجهن ليس الصلاة فقط، بل ليشهدن دعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته.
ثانياً: إن الراجح هو استحباب خروج النساء للعيدين، وذلك لما يلي:
أ-لصحة الأحاديث في ذلك وصراحتها، ولعمل الصحابة بها في عهد النبي ﷺ وبعد وفاته.
ب-ولعدم وجود ما يخالفها أو يعارضها من النبي ﷺ .
والله أعلم.
стр. 1095
المبحث الثامن قضاء الصلاة، وصلاة الخوف
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: من فاتته الصلاة فقضاها فهل يقضي معها من الغد مثلها.
المطلب الثاني: تأخير الصلاة عن وقتها عند الخوف.
المطلب الثالث: صلاة الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين.
стр. 1096
المطلب الأول من فاتته الصلاة فقضاها فهل يقضي معها من الغد مثلها
ذهب الطحاوي إلى أن من فاتته الصلاة، فقضاها (١) فإنه كان يقضي معها من الغد مثلها ثم نسخ ذلك؛ لذلك من فاتته الصلاة فإنه يقضيها إذا ذكرها، ولا شيء عليه غير ذلك (٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف أهل العلم في المسألة هو اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في مفهوم تلك الآثار (٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي قتادة الأنصاري فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء (٤)، بهذه القصة، قال: فلم توقظنا إلا الشمس
стр. 1097
طالعة، فقمنا وهلين (١) لصلاتنا، فقال النبي ﷺ «رويداً رويداً» حتى إذا تعالت الشمس قال رسول الله ﷺ : «من كان منكم يركع ركعتي الفجر فليركعهما» فقام من كان يركعهما ومن لم يكن يركعهما فركعهما، ثم أمر رسول الله ﷺ أن ينادى بالصلاة، فنودي بها، فقام رسول الله ﷺ فصلى بنا، فلما انصرف قال: «ألا إنّا نحمد الله أنّا لم نكن في شيء من أمور الدنيا يشغلنا عن صلاتنا، ولكن أرواحنا كانت بيد الله ، فأرسلها أنَّى شاء، فمن أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحاً، فليقض معها مثلها» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة
стр. 1098
الأخرى. فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها» (١).
ثانياً: عن ذي مخبر بن أخي النجاشي (٢) ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنمنا فلم نستيقظ إلا بحر الشمس، فتنحّينا من ذلك المكان، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ فلمّا كان من الغد حين بزغت الشمس-أي طلعت-، أمر بلالاً فأذّن ثم أمره فأقام، فصلى بنا الصلاة، فلمّا قضى الصلاة قال: «هذه صلاتنا بالأمس» (٣).
ثالثاً: عن عمران بن حصين ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، أو قال في سرية، فلما كان آخر السحر عرّسنا (٤)، فما استيقظنا حتى أيقظنا حرّ الشمس، فجعل الرجل منا يثب فزعاً دهشاً (٥)، فاستيقظ
стр. 1099
رسول الله ﷺ فأمرنا فارتحلنا من مسيرنا، حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا، فقضى القوم حوائجهم، ثم أمر بلالاً فأذّن، فصلينا ركعتين، فأقام فصلى الغداة، فقلنا: يا نبي الله! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال النبي ﷺ : «أينهاكم الله عن الربا، ويقبله منكم» (١).
رابعاً: عن أنس ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٢).
خامساً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة
стр. 1100
خيبر، سار ليلهُ، حتى إذا أدركه الكرى (١) عرّس. وقال لبلال: «اكلأ (٢) لنا الليل» فصلى بلال ما قُدِّر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه. فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالاً عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس. فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله ﷺ فقال: «أي بلال» فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ-بأبي أنت وأمي يا رسول الله- بنفسك، قال: «اقتادوا» فاقتادوا رواحلهم شيئاً. ثم توضأ رسول الله ﷺ . وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح. فلما قضى الصلاة قال: «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]» (٣).
سادساً: عن ابن مسعود ﵁ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فقال رسول الله ﷺ : «من يكلؤنا» فقال بلال: أنا. فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: «افعلوا كما كنتم تفعلون» قال: ففعلنا، قال: «فكذلك فافعلوا، لمن نام أو نسي» (٤).
стр. 1101
وفي رواية عنه ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما كنا بدهاس (١) من الأرض قال رسول الله ﷺ : «من يكلؤنا الليلة؟» قال بلال: أنا، قال: «إذاً تنام» فنام حتى طلعت الشمس، فاستيقظ فلان وفلان، فقالوا: تكلموا حتى يستيقظ، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «افعلوا ما كنتم تفعلون، وكذلك يفعل من نام أو نسي» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي قتادة، وذي مخبر، ﵄-يدلان على أن من فاتته صلاة فإنه يقضيها، وإذا صلاها من الغد يقضي معها مثلها.
وحديث عمران بن حصين ﵁ فيه أن الصحابة لما سألوا رسول الله ﷺ أن يقضوا مع الصلاة الفائتة من الغد مثلها، نهاهم عن ذلك. فدل ذلك أن قضاء المثل من الغد كان قد ثبت عندهم، ثم نهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك.
وحديث أبي هريرة، وابن مسعود-﵄ يدلان على أن من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يصليها إذا ذكرها، ويفعل كما يفعل من
стр. 1102
يصلي أداءً.
وحديث أنس ﵁ يدل على أن من نام عن صلاة أونسيها فإنه يصليها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلا ذلك.
فثبت أن حديث عمران بن حصين، وأبي هريرة، وابن مسعود، وأنس-﵃
وما في معناها ناسخة لحديث أبي قتادة، وذي مخبر-﵄؛ لأنها بعدها، وقد ثبت فيها أنه ليس عليه إلا قضاء ما فاته إذا ذكرها (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في القضاء أكثر من مرة على من فاتته الصلاة بنوم أو نسيان على قولين:
القول الأول: إن من فاتته الصلاة فإنه يقضيها متى ما ذكرها، وليس عليه إعادة مثلها من الغد.
وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (٢).
القول الثاني: إن من فاتته الصلاة فإنه يقضيها، ثم يقضي معها من
стр. 1103
الغد مثلها.
وهو قول قوم من أهل العلم (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يلزمه القضاء أكثر من مرة- بأدلة منها: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وابن مسعود، وأنس بن مالك-﵃؛ فإنها تدل على أن من فاتته الصلاة لنوم أو نسيان فإنه يصليها إذا ذكرها، وليس عليه غير ذلك، بل هي كفارة ذلك (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يصليها ثم يقضي معها من الغد مثلها-بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث أبي قتادة، وذي مخبر-﵄؛ حيث إنهما يدلان على أن من فاتته الصلاة فإنه يصليها إذا ذكرها، ومن الغد يقضي معها مثلها (٣).
واعترض عليه: بأن حديث أبي قتادة ﵁ ورد بألفاظ مختلفة،
стр. 1104
بعضها يدل على أنه يقضي معها من الغد مثلها، وبعضها لا يدل على ذلك، وبعضها يحتمل الأمرين، مع أن الواقعة واحدة، فتطرق لحديثه احتمالات؛ لذلك يكون الأولى الأخذ من حديثه بما يوافق مع الأحاديث الكثيرة التي تدل على أن من فاتته الصلاة فإنه يقضيها ولا يلزمه غير ذلك كحديث أنس وعمران بن حصين وأبي هريرة-﵃ (١).
وحديث ذي مخبر ﵁ كذلك ورد من طريقين، ففي بعض طرقه ليس ذكر إعادتها مرة ثانية (٢)، وفي أحد طرقه ذكر ذلك (٣)، فهو كذلك محتمل، ثم هو مخالف للأحاديث الكثيرة التي فيها أن من فاتته الصلاة فإنه يصليها إذا ذكرها، وليس عليه غير ذلك، وهي أصح منه بلا شك، لذلك فهو لا يقوى على معارضة تلك الأحاديث.
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وأدلتهم، يظهر لي- والله أعلم
стр. 1105
بالصواب- أن الراجح هو القول الأول-وهو أنه يصليها إذا ذكرها، وليس عليه غير ذلك-؛ وذلك لما يلي:
أولاً: لكثرة الأحاديث الدالة على ذلك، مع صحتها في الجملة، وليس فيها تعرض للقضاء مرة ثانية.
ثانياً: ولأن أدلة هذا القول لا يتطرق إليها احتمالات، بخلاف ما يعارضها (١).
ثالثاً: ولأن الأحاديث التي تدل على أنه يقضيها، ومن الغد يقضي معها مثلها يتطرق إليها أن تكون منسوخة بالأحاديث التي فيها أنه يصليها إذا ذكرها، وليس عليه غير ذلك؛ لأن معها ما يدل على تأخرها؛ لما جاء في بعض الروايات أن ذلك كان في غزوة تبوك (٢). وهي آخر غزوة غراها النبي ﷺ (٣). لذلك لو ثبت قضاؤها مرة ثانية، فيكون ذلك منسوخاً بالأحاديث التي فيها الأمر بالقضاء فقط، وأن ذلك هي كفارتها (٤).
والله أعلم.
стр. 1106
المطلب الثاني: تأخير الصلاة عن وقتها عند الخوف
ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يؤخر الصلاة عن وقتها عند الخوف، وأن تأخير النبي ﷺ الصلاة عن وقتها يوم الخندق قد نسخ بصلاة الخوف (١).
وممن صرح بالنسخ: الإمام الشافعي (٢)، والنووي (٣)، وأبو حامد الرازي (٤).
وذهب بعض أهل العلم، منهم المزني (٥)، إلى عكس القول السابق؛ حيث قال: إن صلاة الخوف نسخ بتأخير النبي ﷺ الصلوات يوم الخندق (٦).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في
стр. 1107
المسألة، وأن السبب الثاني للاختلاف فيها هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها (١).
ويستدل لمن قال بنسخ تأخير الصلاة عن وقتها بصلاة الخوف، بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢).
ثانياً: عن علي ﵁ قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ : «ملأ الله بيوتهم و قبورهم ناراً، شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٣).
ثالثاً: عن عبد الله ﵁ قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس أو اصفرت. فقال رسول الله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً» أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً» (٤).
стр. 1108
رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حُبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوِيٍّ من الليل حتى كُفينا، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، قال: (فدعا رسول الله ﷺ بلالاً، فأقام صلاة الظهر فصلاها، وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر، فصلاها، وأحسن صلاتها، كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب، فصلاها كذلك. قال: وذلكم قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]) (١).
خامساً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (شُغل النبي ﷺ في شيء من أمر المشركين فلم يصل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما فرغ صلاهنّ الأول فالأول، وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف). (٢)
стр. 1109
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ وأصحابه شُغلوا
يوم الخندق عن بعض الصلوات حتى خرج وقتها. ثم حديث أبي سعيد، وابن مسعود-﵄-الأخير، يدلان على أن ذلك كان قبل صلاة الخوف، وأن قوله تعالى: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ نزل بعد ذلك. فثبت من ذلك كلها أن تأخير الصلاة عن وقتها عند الخوف قد نسخ بصلاة الخوف (١).
واعترض عليه: بأن النبي ﷺ قد صلى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع (٢)، وهي كانت قبل الخندق على ما قاله بعض أهل السير. فلا يكون صلاة الخوف ناسخاً لتأخير الصلاة عن وقتها عند القتال (٣).
وأجيب عنه: بأن الصحيح أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد الخندق، يدل عليه آثار كثيرة، منها ما سبق ذكره من حديث أبي سعيد
стр. 1110
الخدري ﵁ (١).
دليل من قال بنسخ صلاة الخوف
واستدل من قال بنسخ صلاة الخوف بما سبق في دليل القول السابق من حديث علي، وابن مسعود-﵄ (٢).
ويستدل منهما على النسخ: بأن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي كانت قبل الخندق (٣)، وفي غزوة الخندق فاتته صلوات وأَخَّرها عن وقتها، فلو كانت صلاة الخوف جائزة لفعلها، ولم يفوت الصلاة ولم يؤخرها عن وقتها، فدل ذلك على نسخ صلاة الخوف (٤).
واعترض عليه: بأن الصحيح-كما سبق- أن غزوة ذات الرقاع والتي فيها صلى النبي ﷺ صلاة الخوف كانت بعد غزوة الخندق، فغزوة الخندق متقدمة عليه، فيكف ينسخ المتأخر بالمتقدم (٥).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
стр. 1111
وقد اختلف أهل العلم في تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف وحال القتال على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يؤخر الصلاة عن وقتها في الخوف إلا حال القتال والمسايفة فيشتغل بالقتال ويصلي بعد الوقت.
وهو مذهب الحنفية (١).
القول الثاني: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف وحال القتال، بل يصليها على حسب قدرته.
وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثالث: لا يؤخر الصلاة عن وقتها في الخوف، إلا أنه يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٥).
القول الرابع: أن صلاة الخوف تؤخر عن وقت الخوف إذا لم
стр. 1112
يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن.
وهو قول طائفة من علماء الشام، منهم مكحول (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه يؤخر الصلاة حال الفتال والمسايفة- بما يلي:
أولاً: الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ أخر بعض الصلوات يوم الخندق، وقد سبق ذكر بعضها.
ولو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها النبي ﷺ عن وقتها (٢).
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن غزوة الخندق كانت قبل مشروعية صلاة الخوف، فيكون تأخير الصلاة عن وقتها منسوخاً بصلاة الخوف (٣).
ب-إنه لا يصح الاستدلال من تأخير بعض الصلوات يوم الخندق على تأخير الصلوات حال القتال والمسايفة؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه يوم الخندق لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة، أو تأخرها عن وقتها (٤).
стр. 1113
ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (حضرت عند مناهضة (١) حصن تستر (٢) عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار،
فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، قال أنس: وما يسرّني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها) (٣).
فهؤلاء الصحابة أخروا الصلاة عند القتال، وأميرهم أبو موسى الأشعري ﵁، وهو كان قد حضر صلاة الخوف مع النبي ﷺ ، فدل ذلك على أنه يؤخر الصلاة عند القتال والمسايفة (٤).
واعترض عليه: بأنه يمكن أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلاً من شدة القتال، أو أنهم عجزوا عن الصلاة حتى بالإيماء (٥).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنهم لا يؤخرون الصلاة عن
стр. 1114
وقتها ولو في حالة القتال- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١).
فهذه الآية عامة تشمل حال القتال وغيره (٢).
ثانياً: عن نافع أن عبد الله بن عمر-﵄ كان إذا سُئل عن صلاة الخوف قال: (يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدوّ لم يصلوا، فإذا صلوا الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحد من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين. فإن كان خوف هو أشدّ من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها). قال نافع: لا أُرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا
عن رسول الله ﷺ (٣).
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في صلاة الخوف: «أن
стр. 1115
يكون الإمام يصلي بطائفة معه، فيسجدون سجدة واحدة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدوّ، ثم ينصرف الذين سجدوا السجدة مع أميرهم، ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلوا مع أميرهم سجدة واحدة، ثم ينصرف أميرهم وقد صلى صلاته، ويصلي كل واحد من الطائفتين بصلاته سجدة لنفسه. فإن كان خوف أشدّ من ذلك فرجالاً أو ركباناً» قال: يعني بالسجدة الركعة (١).
فهذا يدل على أنه إذا كان الخوف أشد، فيصلون كيفما أمكنهم رجالاً أو ركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها (٢).
ثالثاً: ولأن النبي ﷺ صلى بأصحابه في غير شدة الخوف، فأمرهم بالمشي إلى وجه العدوّ، ثم يعودون لقضاء ما بقي من صلاتهم، وهذا مشي كثير، وعمل طويل، واستدبار للقبلة، وأجاز ذلك من أجل الخوف الذي ليس بشديد، فمع الخوف الشديد أولى (٣).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أنه يجوز حال القتال تأخير الصلاة عن وقتها- بالأدلة التي فيها أن النبي ﷺ أخر الصلاة يوم الخندق (٤).
стр. 1116
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأنه كان قبل نزول آية صلاة الخوف (١).
ب-أنه لم ينقل أنهم كانوا في حال المسايفة (٢).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو أن صلاة الخوف تؤخر عن وقت الخوف إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن- بالأدلة التي فيها أن النبي ﷺ أخر بعض الصلوات عن وقتها يوم الخندق (٣).
ويعترض عليه بما اعترض به على القول السابق.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ صلاة الخوف غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بعد غزوة الخندق، وعمل به أصحابه-﵃ بعد
стр. 1117
وفاته ﷺ ، فكيف يقال بنسخ المتأخر بالمتقدم؟ (١).
ثانياً: إن القول بنسخ تأخير الصلاة في الخوف بصلاة الخوف قول يدل عليه بعض الآثار، منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ويؤكده أن أبا موسى الأشعري، وأبا هريرة ﵄-صليا صلاة الخوف مع النبي ﷺ ، وهما قد قدما على النبي ﷺ بعد غزوة الخندق (٢).
ثالثاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو أنه لا يؤخر الصلاة في الخوف حتى في حال القتال؛ وذلك لصحة أدلته وعدم تطرق الاحتمال إليها، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى (٣).
ولكن مع هذا إذا اشتد الخوف والتحم القتال، ولم يقدر الشخص أن يصلي على أي حال فله أن يؤخر الصلاة (٤)؛ وذلك:
أ- لأنه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٥).
ب-ولعمل بعض الصحابة على نحو ذلك، كما رواه أنس ﵁ (٦).
والله أعلم.
стр. 1118
المطلب الثالث صلاة الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين
ذهب بعض أهل العلم، منهم الطحاوي، إلى أن صلاة الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين، قد نسخ، لذلك لا يصلي بهم إذا كان في سفر إلا ركعة ركعة (١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلاف أهل العلم فيها هو اختلافهم في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل (٢).
دليل من قال بالنسخ
قال من ادعى النسخ بان صلاة الإمام بالطائفة الثانية ركعتين، لا تخلو من أن تكون فريضة أو نافلة.
فإن كانت فريضة فيكون الإمام قد صلى الفريضة مرتين، وصلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين قد نسخ.
وإن كانت صلاته بالطائفة الثانية نافلة، فيكون صلاة من خلفه صلاة مفترض خلف متنفل، وهو كذلك قد نسخ.
أما نسخ صلاة الفريضة الواحدة في اليوم مرتين، فدليله:
стр. 1119
أولاً: عن سليمان بن يسار- مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» (١).
ثانياً: عن خالد بن أيمن المعافري قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ويصلون مع النبي ﷺ ، «فنهاهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين» (٢).
والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة، فدل ذلك أن الفريضة الواحدة كانت تُصلى في اليوم مرتين، ثم نسخ ذلك (٣).
أما نسخ صلاة المفترض خلف المتنفل، فدليله:
عن ابن عمر-﵄ قال: «صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدُوّ، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم، مقبلين على العدُوّ، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ . ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة» (٤).
فالنبي ﷺ صلى في صلاة الخوف بكل طائفة ركعة ركعة، فدل ذلك على نسخ صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأنه لو كان جائزاً ولم ينسخ لصلى
стр. 1120
بكل طائفة ركعتين ركعتين (١).
فثبت من هذا كله أن صلاة الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين، قد نسخ (٢).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إنه قد ثبت أن النبي ﷺ كان يصلى صلاة الخوف أحياناً بكل طائفة ركعتين ركعتين، لذلك لا يصح الاستدلال من صلاة الخوف بكل طائفة ركعة ركعة، على نسخ أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين. كما لا يصح الاستدلال منه على نسخ صلاة المفترض خلف المتنفل (٣).
ثانياً: أما الاستدلال على نسخ أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين بالأحاديث التي تدل على النهي عن الصلاة الواحدة في اليوم مرتين، فهو غير صحيح كذلك؛ لأن النهي إن كان عن أن يصلى الفريضة الواحدة في يوم مرتين، فهو لا يشمل صلاة الإمام بالطائفة الثانية ركعتين، ولا صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن الإمام والمتنفل، كل منهما متنفل عندما يصلى مرة ثانية، وليس بمفترض حتى يقال إنه صلى صلاة واحدة مرتين، أما إن كان المراد بالنهي عن الصلاة الواحدة في يوم مرتين: أن من صلى الفريضة
стр. 1121
مرة فلا يجوز له أن يصليها مرة ثانية بنية النفل، فهذا ما لا يسلم إطلاقه أحد حتى من قال بنسخ صلاة المفترض خلف المتنفل (١).
ثالثاً: إن ما ذكر من الاستدلال على النسخ مجرد احتمال، ليس عليه دليل؛ إذ لا يعرف أن النهي عن الصلاة الواحدة في يوم مرتين كان بعد صلاة النبي ﷺ في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين، حتى يستدل منه على النسخ، إلا مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في صلاة الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين على قولين:
القول الأول: إن الإمام لا يصلي بكل طائفة ركعتين ركعتين إذا كانوا مسافرين، بل يصلي بهم ركعة ركعة.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤).
стр. 1122
القول الثاني: يجوز أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة جميع الصلاة ويسلم، ثم بالطائفة الثانية جميع الصلاة كذلك.
وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وقول الحسن البصري، والأوزاعي، وداود
الظاهري (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يصلي بهم جميع الصلاة- بما يلي:
أولاً: حديث عبد الله بن عمر-﵄ السابق، وقد سبق وجه الاستدلال منه، والرد عليه.
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين. وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» (٤).
стр. 1123
وجه الدلالة منه: أن الحديث يدل على أن الإمام إنما جعل ليؤتم به، والائتمام به هو الاقتداء به في جميع تلك الصلاة، ومن خالفه في نيته فلم يأتم به، كما أن فيه النهي عن الاختلاف عليه، وهو عام، ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات إذ هي ركن العمل، فثبت منه عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، والإمام إذا صلى بالطائفة الثانية كذلك ركعتين فصلاته هذه تطوع، فتكون صلاة من خلفه صلاة مفترض خلف متنفل، وهو لا يجوز (١).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إن المراد بالائتمام وعدم الاختلاف عليه، هو في الأفعال الظاهرة، حيث فسره الحديث بعد ذلك بالأفعال الظاهرة (٢).
ثانياً: أنه لو يُسلم أن النهي عن الاختلاف يعم كل اختلاف، فتكون الأدلة الدالة على
جواز أن يصلي المفترض خلف المتنفل-ومنها أدلة جواز صلاة الإمام بالطائفة الثانية في الخوف كامل الصلاة- مخصصة له (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة كامل الصلاة-بما يلي:
стр. 1124
أولاً: عن جابر ﵁: (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين) (١).
ثانياً: عن أبي بكرة ﵁ قال: (صلى النبي ﷺ في خوف الظهر فصفّ بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدُوّ، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلُّوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعاً، ولأصحابه ركعتين، ركعتين) (٢).
ووجه الاستدلال منهما ظاهر؛ حيث إن النبي ﷺ صلى بالطائفة الثانية ركعتين، وقد صلى قبل ذلك بالطائفة الأولى ركعتين، فدل ذلك على جواز أن يصلي الإمام بكل طائفة كامل الصلاة (٣).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: بأنه يحتمل أنه كان حينما كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين، وقد نسخ ذلك، فيكون هذا نحوه (٤).
وقد سبق ما يرد به على هذا الاعتراض.
стр. 1125
ثانياً: إن النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين ركعتين؛ لأن ذلك كان في الحضر، فصلى النبي ﷺ بهم ركعتين ركعتين، ثم هم أتموا لأنفسهم (١).
وأجيب عنه: بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف في الحضر، وسلام النبي ﷺ في كل ركعتين منها يدل على أنه كان في سفر (٢).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ أن يصلى الإمام بكل طائفة كامل الصلاة قول ضعيف وغير صحيح؛ إذ ليس عليه دليل يثبت ذلك، فهو مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت به (٣).
ثانياً: إن الراجح هو جواز أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة كامل الصلاة، وذلك لما يلي:
أ- لنقل ذلك عن النبي ﷺ ، مع صحة دليله، وكونه ظاهراً.
ب-ولأن أدلة من قال بعدم جواز ذلك، أدلة عامة يمكن تخصيصها بالأحاديث السابقة الدالة على الجواز، على أن تلك الأدلة ليست صريحة في الدلالة على عدم الجواز.
والله أعلم.