مرة فلا يجوز له أن يصليها مرة ثانية بنية النفل، فهذا ما لا يسلم إطلاقه أحد حتى من قال بنسخ صلاة المفترض خلف المتنفل (١).
ثالثاً: إن ما ذكر من الاستدلال على النسخ مجرد احتمال، ليس عليه دليل؛ إذ لا يعرف أن النهي عن الصلاة الواحدة في يوم مرتين كان بعد صلاة النبي ﷺ في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين، حتى يستدل منه على النسخ، إلا مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، لذلك لا يصح الاستدلال منه على النسخ (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في صلاة الإمام في الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين على قولين:
القول الأول: إن الإمام لا يصلي بكل طائفة ركعتين ركعتين إذا كانوا مسافرين، بل يصلي بهم ركعة ركعة.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤).
стр. 1122
القول الثاني: يجوز أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة جميع الصلاة ويسلم، ثم بالطائفة الثانية جميع الصلاة كذلك.
وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وقول الحسن البصري، والأوزاعي، وداود
الظاهري (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يصلي بهم جميع الصلاة- بما يلي:
أولاً: حديث عبد الله بن عمر-﵄ السابق، وقد سبق وجه الاستدلال منه، والرد عليه.
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين. وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» (٤).
стр. 1123
وجه الدلالة منه: أن الحديث يدل على أن الإمام إنما جعل ليؤتم به، والائتمام به هو الاقتداء به في جميع تلك الصلاة، ومن خالفه في نيته فلم يأتم به، كما أن فيه النهي عن الاختلاف عليه، وهو عام، ولا اختلاف أشد من اختلاف النيات إذ هي ركن العمل، فثبت منه عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، والإمام إذا صلى بالطائفة الثانية كذلك ركعتين فصلاته هذه تطوع، فتكون صلاة من خلفه صلاة مفترض خلف متنفل، وهو لا يجوز (١).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إن المراد بالائتمام وعدم الاختلاف عليه، هو في الأفعال الظاهرة، حيث فسره الحديث بعد ذلك بالأفعال الظاهرة (٢).
ثانياً: أنه لو يُسلم أن النهي عن الاختلاف يعم كل اختلاف، فتكون الأدلة الدالة على
جواز أن يصلي المفترض خلف المتنفل-ومنها أدلة جواز صلاة الإمام بالطائفة الثانية في الخوف كامل الصلاة- مخصصة له (٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة كامل الصلاة-بما يلي:
стр. 1124
أولاً: عن جابر ﵁: (أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله ﷺ أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين) (١).
ثانياً: عن أبي بكرة ﵁ قال: (صلى النبي ﷺ في خوف الظهر فصفّ بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدُوّ، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلُّوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعاً، ولأصحابه ركعتين، ركعتين) (٢).
ووجه الاستدلال منهما ظاهر؛ حيث إن النبي ﷺ صلى بالطائفة الثانية ركعتين، وقد صلى قبل ذلك بالطائفة الأولى ركعتين، فدل ذلك على جواز أن يصلي الإمام بكل طائفة كامل الصلاة (٣).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: بأنه يحتمل أنه كان حينما كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين، وقد نسخ ذلك، فيكون هذا نحوه (٤).
وقد سبق ما يرد به على هذا الاعتراض.
стр. 1125
ثانياً: إن النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين ركعتين؛ لأن ذلك كان في الحضر، فصلى النبي ﷺ بهم ركعتين ركعتين، ثم هم أتموا لأنفسهم (١).
وأجيب عنه: بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف في الحضر، وسلام النبي ﷺ في كل ركعتين منها يدل على أنه كان في سفر (٢).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ أن يصلى الإمام بكل طائفة كامل الصلاة قول ضعيف وغير صحيح؛ إذ ليس عليه دليل يثبت ذلك، فهو مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت به (٣).
ثانياً: إن الراجح هو جواز أن يصلي الإمام في الخوف بكل طائفة كامل الصلاة، وذلك لما يلي:
أ- لنقل ذلك عن النبي ﷺ ، مع صحة دليله، وكونه ظاهراً.
ب-ولأن أدلة من قال بعدم جواز ذلك، أدلة عامة يمكن تخصيصها بالأحاديث السابقة الدالة على الجواز، على أن تلك الأدلة ليست صريحة في الدلالة على عدم الجواز.
والله أعلم.
стр. 1126
المبحث التاسع: الجنائز
وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: القيام للجنازة.
المطلب الثاني: جلوس من تبع جنازة قبل وضعها.
المطلب الثالث: الصلاة على الجنازة في المسجد.
المطلب الرابع: الزيادة على أربع تكبيرات في الجنازة.
المطلب الخامس: صلاة الجنازة على من مات وعليه دين.
المطلب السادس: صلاة الجنازة على من قتل نفسه.
المطلب السابع: الصلاة على المنافقين.
المطلب الثامن: الاستغفار لموتى المشركين.
المطلب التاسع: النياحة على الميت.
المطلب العاشر: زيارة القبور.
стр. 1127
المطلب الأول: القيام للجنازة
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن القيام للجنازة (١) كان أولاً، ثم نسخ، لذلك لا يقوم لها أحد (٢).
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن سبب اختلاف أهل العلم
стр. 1128
في المسألة شيئان: اختلاف الآثار الواردة فيها، والقول بالنسخ (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن علي ﵁ يقول في شأن الجنائز: «إن رسول الله ﷺ قام، ثم قعد» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا). يعني في الجنائز (٣).
وفي رواية ثالثة عنه ﵁ يقول: «كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (٤).
وعن أبي مَعْمَر (٥) قال: كنا عند علي، فمرت به جنازة، فقاموا لها،
стр. 1129
فقال علي: ما هذا؟ قالوا: أمرُ أبي موسى، فقال: «إنما قام رسول الله ﷺ لجنازة يهودية، ولم يعد بعد ذلك» (١).
وفي رواية أخرى عن أبي معمر، قال: كنا مع علي، فمرّ به جنازة، فقام لها ناس، فقال علي: من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى. قال: «إنما فعل ذلك رسول الله ﷺ مرة، وكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهي انتهى» (٢).
ثانياً: عن ابن سيرين قال: مُرّ بجنازة عل الحسن بن عليّ وابن عباس، فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أما قام لها رسول الله ﷺ ؟! قال ابن عباس: «قام لها، ثم قعد» (٣).
стр. 1130
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يقوم للجنازة، وأنه أمر بذلك، ثم قعد بعد ذلك فلم يكن يقوم لها، وأمر بالجلوس، فثبت أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو الجلوس، وترك القيام لها، فيكون ذلك ناسخاً للأمر الأول (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في القيام للجنازة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يقوم لها.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 1131
ورُوي ذلك عن علي، والحسن بن علي، وابن عباس-﵃، وعلقمة، و الأسود، وسعيد بن المسيب، وعروة، والنخعي (١).
القول الثاني: يستحب القيام للجنازة.
وهو قول بعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، رواية عن الإمام أحمد، واختاره بعض الحنابلة (٤).
وروي نحوه عن ابن عمر، وأبي مسعود البدري، وأبي سعيد الخدري، وقيس بن سعد (٥)،
وسهل بن حنيف (٦) ﵃،
стр. 1132
وسالم بن عبد الله (١).
القول الثالث: إن القيام وعدمه سواء، فلا بأس بالقعود، وإن قام فلا يُعاب.
وهو رواية أخرى عن الإمام أحمد (٢)، وقول إسحاق بن راهوية (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يقوم للجنازة- بالأدلة التي سبقت في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أن من مرت به جنازة فإنه يجلس ولا يقوم لها (٤).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يقوم للجنازة، وأن ذلك مستحب- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (٥).
ثانياً: عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم
стр. 1133
الجنازة فقوموا لها، حتى تخلفكم أو توضع» (١).
ثالثاً: عن جابر بن عبد الله-﵄ قال: مرّت جنازة، فقام لها رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله إنها يهوديّة، فقال: «إن الموت فزع. فإذا رأيتم الجنازة فقوموا» (٢).
فهذه الأحاديث تدل على القيام للجنازة إذا رآها الشخص أو مرت به؛ حيث إن النبي ﷺ قام لها، كما أمر بالقيام لها (٣).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل على القيام للجنازة، إلا أن الأحاديث الدالة على عدم القيام لها متأخرة عنها؛ لذلك تكون هي ناسخة لما يخالفها (٤).
стр. 1134
دليل القول الثالث
أما القول الثالث-وهو أن القيام وعدمه سواء- فيستدل له بأدلة القول الأول، وأدلة القول الثاني.
ووجه الاستدلال منها: هو أن بعض تلك الأحاديث يدل على القيام للجنازة، وبعضها يدل على عدم القيام لها؛ لذلك فمن قام لها فلا يعاب، ومن لم يقم فلا بأس (١).
واعترض عليه: بأن بعض هذه الأحاديث يدل على القيام للجنازة، وبعضها يدل على عدمه، لكن التي تدل على عدم القيام لها معها ما يدل على تأخرها، والأخذ بالآخر من أمر رسول الله ﷺ أولى؛ لأنه يكون ناسخاً لأمره الأول (٢).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو أن القيام للجنازة قد نسخ؛ وذلك لأن أدلة القول الثاني وإن كانت أكثر، إلا أن أدلة القول بالنسخ معها ما يدل على أنها متأخرة عن أدلة القول الثاني،
стр. 1135
وهي بمجموع رواياتها وطرقها صالحة للاحتجاج بها، وتفيد نسخ القيام للجنازة.
والله أعلم.
стр. 1136
المطلب الثاني: جلوس من تبع جنازة قبل وضعها
ذهب بعض أهل العلم (١) -وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣) - إلى أن النهي عن الجلوس لمن تبع جنازة قبل وضعها قد نسخ؛ لذلك يجوز لمن تبعها أن يجلس قبل وضعها.
وممن صرح بالنسخ: الإمام الشافعي (٤)، و الطحاوي (٥)، وابن عبد البر (٦).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم، كما أن اختلاف الآثار الواردة في المسألة، والاختلاف في مفهومها، سبب آخر لاختلافهم فيها (٧).
стр. 1137
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن علي ﵁ قال: (رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا). يعني في الجنائز (١).
وفي رواية أخرى عنه ﵁ يقول: «كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (٢).
وفي رواية ثالثة عنه ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ مع الجنازة حتى توضع، وقام الناس معه، ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود» (٣).
وعن مسعود بن الحكم (٤)، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه ذُكر القيامُ في الجنائز حتى توضع. فقال علي ﵁: «قام رسول الله ﷺ ثم قعد» (٥).
стр. 1138
وفي رواية أخرى عن مسعود بن الحكم، قال: شهدت جنازة بالعراق، فرأيت رجالاً قياماً ينتظرون أن توضع، ورأيت علي بن أبي طالب ﵁ يشير إليهم: أن اجلسوا «فإن النبي ﷺ قد أمرنا بالجلوس بعد القيام» (١).
ثانياً: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في
стр. 1139
الجنازة حتى توضع في اللحد (١)، فمرّ به حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ ، وقال: «اجلسوا،
خالفوهم» (٢).
ثالثاً: عن ابن أبي يحيى (٣)، يقول: (كان ابن عمر-﵄-وأصحاب النبي ﷺ يجلسون قبل أن توضع الجنازة) (٤).
стр. 1140
ويستدل منها على النسخ بوجهين:
الأول: أن حديث علي ﵁ بمجموع طرقه، يدل على أن النهي عن الجلوس قبل وضع الجنازة كان أولاً، ثم نسخ ذلك بالأمر بالجلوس.
وحديث عبادة بن الصامت ﵁ يدل على النسخ كذلك؛ حيث يدل أن الأمر بالجلوس كان بعدما كان النبي ﷺ يقوم لها حتى توضع في اللحد، فلما أخبره اليهودي أنهم يصنعون كذلك، أمر بالجلوس، وبمخالفتهم، فدل ذلك على ثبوت نسخ النهي عن الجلوس قبل وضع الجنازة (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن حديث علي ﵁ صريح في نسخ القيام للجنازة، لكنه في نسخ النهي عن الجلوس قبل وضعها محتمل؛ حيث يحتمل أن يراد به نسخ النهي عن الجلوس قبل وضع الجنازة، ويحتمل أن يراد به أن رسول الله ﷺ قام لها ثم قعد، وترك القيام لها. والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢).
كما أنه يحتمل أن يكون المراد بالوضع فيه الوضع عن أعناق الرجال، ويحتمل أن يكون المراد به الوضع في اللحد، وإذا أريد به هذا
стр. 1141
الثاني فيكون فيه جواز الجلوس قبل وضعها في اللحد، ويكون معناه ومعنى حديث عبادة بن الصامت ﵁ واحداً، ولا يكون فيه نسخ النهي عن الجلوس قبل وضعها عن أعناق الرجال (١).
ب-إن حديث عبادة ﵁ ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة الثابتة التي فيها النهي عن الجلوس لمن تبع جنازة قبل وضعها (٢).
كما أن فيه أنه ﷺ كان لا يجلس حتى توضع الجنازة في اللحد، ثم أمر بمخالفة اليهود وأمر بالجلوس قبل وضعها في اللحد، فيكون النسخ لعدم الجلوس قبل وضعها في اللحد، لا للنهى عن الجلوس قبل وضعها عن أعناق الرجال (٣).
الوجه الثاني للنسخ: أن ابن عمر-﵄ روى عن عامر بن ربيعة ﵁ حديث النهي عن الجلوس قبل وضع الجنازة، ثم كان هو يجلس قبل وضعها، فدل فعله ذلك على ثبوت نسخ ما رواه عن النهي من الجلوس قبل وضعها (٤).
واعترض عليه بما يلي:
стр. 1142
أ-إنه كما روى عن ابن عمر ﵁ أنه كان يجلس قبل وضع الجنازة، فكذلك روي عنه خلاف ذلك، فعن نافع قال: (كان ابن عمر إذا وضعت الجنائز على الأرض جلس) (١).
وعن ابن سيرين: عن ابن عمر ﵁: (أنه كان إذا صحب جنازة لم يجلس حتى يوضع السرير) (٢).
ففعل ابن عمر ﵁ الموافق لما رواه أولى، من فعله المخالف لروايته.
ب- إن ما روي عن ابن عمر وغيره من الصحابة ﵃ من الجلوس قبل وضع الجنازة، يمكن أن يكون المراد به الوضع في اللحد، أي كانوا يجلسون قبل وضع الميت في اللحد، وبهذا لا يكون بين ما روي عنهم من الجلوس، وما روي عنهم من عدم ذلك تعارضاً؛ لأن الجلوس المنهي عنه، هو ما كان قبل وضع الجنازة من أعناق الرجال، وهم ما فعلوا ذلك، بل جلسوا قبل وضعها في اللحد (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الجلوس قبل وضع الجنازة، على قولين:
القول الأول: إن من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، وأن الجلوس قبل وضعها مكروه.
стр. 1143
وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، واختيار بعض الشافعية (٣)، وقول أكثر الصحابة، والتابعين (٤).
وممن روي عنه ذلك أوقال به: أبو هريرة، والحسن بن علي، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وابن عمر، وابن الزبير، ﵃، والنخعي، والشعبي، وابن سيرين
والأوزاعي، وإسحاق (٥).
القول الثاني: أن من تبع جنازة يجوز له أن يجلس قبل وضع الجنازة، وأنه أولى من القيام لها.
وهو مذهب المالكية (٦)، والشافعية (٧).
стр. 1144
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يجلس حتى توضع الجنازة- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (١).
ثانياً: عن كيسان بن سعيد المقبري (٢)، قال: كنا في جنازة فأخذ أبو هريرة ﵁ بيد مروان (٣)، فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد ﵁ فأخذ بيد مروان فقال: قم، فوالله لقد علم هذا: «أن النبي ﷺ نهانا عن ذلك». فقال أبو هريرة ﵁: «صدق» (٤).
стр. 1145
ثالثاً: عن أبي هريرة وأبي سعيد-﵄، قالا: «ما رأينا رسول الله ﷺ شهد
جنازة قطُّ فجلس حتى توضع» (١).
رابعاً: عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، حتى تخلفكم أو توضع» (٢).
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن النبي ﷺ لم يكن يجلس قبل وضع الجنازة، وأنه نهى عن الجلوس قبل وضعها؛ فلذلك لا يجلس من تبعها حتى توضع (٣).
دليل القول الثاني
أما القول الثاني فيستدل له بالأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أن النبي ﷺ جلس بعدما كان يقوم لها (٤).
وقد سبق ما يرد به على الاستدلال من تلك الأدلة.
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن من تبع جنازة
стр. 1146
فلا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، وذلك لما يلي:
أولاً: لكثرة أدلة القول الأول، مع كونها صحيحة، وصريحة (١).
أما أدلة القول الثاني فبعضها ضعيف، وبعضها روي بطرق مختلفة بين صريح ومحتمل-مع أن القصة واحدة- وهو مما يضعف وجه الاستدلال به (٢).
ثانياً: إن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة-﵄ قد رويا: أنهما لم يريا النبي ﷺ شهد جنازة فجلس قبل وضعها.
كما أن أبا سعيد الخدري ﵁ لما رأى أبا هريرة ومروان جلسا قبل وضع الجنازة، أمر مروان بالقيام، وبين له أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وصدّقه أبو هريرة ﵁. وكان ذلك بعد موت النبي ﷺ بزمان، وكان كذلك بمشهد من حضر الجنازة، ولم يقل أحد لأبي سعيد أن ذلك قد نسخ.
فثبت من هذا كله: أن من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، وأن ذلك محكم لم ينسخ.
والله أعلم.
стр. 1147
المطلب الثالث: الصلاة على الجنازة في المسجد
ذهب بعض الحنفية منهم الطحاوي، إلى أن الصلاة على الجنازة في المسجد قد نسخ، لذلك يكره الصلاة عليها في المسجد (١).
ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة: أن سبب الاختلاف في المسألة عند أهل العلم أمران: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (٢).
واستدل من قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂ أنها أمرت أن يُّمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد، فتُصلي عليه. فأنكر الناس ذلك عليها. فقالت: ما أسرع ما نسي الناسُ! «ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء (٣) إلا في المسجد» (٤).
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى على
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة-﵂ يدل على أن النبي ﷺ صلى على الجنازة في المسجد، ففيه إخبار عن فعل رسول الله ﷺ في حالة الإباحة التي لم يتقدمها نهي. كما يدل على أنهم قد كانوا تركوا الصلاة على الجنائز في المسجد، بعد أن كانت تفعل فيه، ولذلك أنكر بعض أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم على عائشة الصلاة على الجنازة في المسجد.
وحديث أبي هريرة ﵁ يدل على ترك الصلاة على الجنازة في المسجد، ففيه إخبار عن نهي رسول الله ﷺ الذي قد تقدمته الإباحة. فيكون حديثه ناسخاً لحديثها، ولذلك أنكروا عليها الصلاة على الجنازة في المسجد، فهو يدل على أنهم علموا في ذلك خلاف ما علمت، ولولا ذلك لما أنكروا ذلك عليها (١).
واعترض عليه: بأن حديث أبي هريرة ﵁ لا يقاوم حديث عائشة-﵂؛ لما تُكلم فيه (٢).
стр. 1150
أما إنكار من أنكر على عائشة ﵂ الصلاة على الجنازة في المسجد، فلا يصح الاستدلال منه على النسخ؛ لأن الصحابة-﵃ صلوا على أبي بكر، وعمر-﵄ في المسجد، فلو كانت الصلاة على الجنازة في المسجد منسوخةً لما صلوا عليهما في المسجد، ولا يمكن أن يذهب على جميعهم معرفة ذلك (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على الجنازة في المسجد على قولين:
القول الأول: لا يصلى على الجنازة في المسجد، وأن ذلك مكروه.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣).
القول الثاني: يجوز أن يصلى على الجنازة في المسجد، ولا كراهة في ذلك.
стр. 1151
وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعائشة وسائر أزواج النبي ﷺ . وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو كراهة الصلاة على الجنازة في المسجد- بما يلي:
أولاً: حديث أبي هريرة ﵁ الذي سبق ذكره في دليل القول بالنسخ (٤).
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأنه ضعيف، ضعفه غير واحد من أهل العلم، فلا يصلح لمعارضة حديث عائشة
﵂-الذي يدل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد (٥).
стр. 1152
وأجيب: بأن حديث أبي هريرة ﵁ وإن لم يكن في درجة حديث عائشة-﵂ إلا أنه صححه أوحسنه كذلك غير واحد من أهل العلم (١).
ب-إن المراد بقوله: «فلا شيء له» المراد به: «فلا شيء عليه»، وهو واقع لغة، وورد كذلك في بعض روايات الحديث (٢).
وأجيب: بأن الصحيح رواية: «فلا شيء له». أما حمله على أن المراد به «فلا شيء عليه» فهو مما يرده ما جاء في رواية: «فلا أجر له» (٣).
ثانياً: ما جاء في إحدى روايات حديث عائشة-﵂: (فبلغهنّ أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد) (٤).
فهذا يدل على كراهة دخول الجنائز المسجد، وأن الصحابة-﵃-الذين أنكروا على عائشة-﵂-ذلك، قد كانوا
стр. 1153
علموا في ذلك خلاف ما علمت، لذلك أنكروا عليها ذلك (١).
واعترض عليه: بأنه يحتمل أنه أنكر ذلك من لم يكن له علم بالجواز، فلما روت عائشة ﵂ فيه الخبر سكتوا، ولم ينكروه. ثم هو معارض بصلاة الصحابة على أبي بكر، وعمر-﵄-في المسجد، ولم ينكر ذلك أحد، فلو كان ذلك مكروهاً
لأنكروه (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز أن يصلى على الجنازة في المسجد- بما يلي:
أولاً: حديث عائشة-﵂ الذي سبق ذكره في دليل لقول بالنسخ، فإنه يدل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد (٣).
ثانياً: عن عروة قال: (ما صُلّيَ على أبي بكر إلا في المسجد) (٤).
стр. 1154
ثالثاً: عن ابن عمر-﵄ قال: (صُلّيَ على عمر بن الخطاب في المسجد) (١).
فهذه الأدلة تدل على جواز الصلاة على الجنازة في المسجد (٢).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ صلاة الجنازة في المسجد غير صحيح؛ لما يلي:
أ-لأن الذين أنكروا على عائشة-﵂ صلاة الجنازة في المسجد، سكتوا حين روت فيه الخبر، فلو كان ذلك منسوخاً لبينوه ولما سكتوا (٣).
ب- ولأن الصحابة-﵃ المهاجرون والأنصار، صلوا على أبي بكر، و
عمر-﵄-في المسجد، ولم ينكر ذلك أحد-ومنهم أبو
стр. 1155
هريرة ﵁، ولا بين أحد أن ذلك منسوخ. فلو كان ذلك منسوخاً، وكان عندهم علم بذلك لبينوه (١).
ثانياً: إن الراجح هو جواز الصلاة على الجنازة في المسجد؛ لما يلي:
أ-لحديث عائشة ﵂-الذي سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
ب-ولعمل الصحابة-﵃ بعد النبي ﷺ على ذلك؛ حيث صلوا على أبي بكر، وعمر-﵄ في المسجد، فلو لم يكن ذلك جائزاً لما عملوا به.
ثالثاً: إن الأفضل والأولى الصلاة على الجنازة خارج المسجد، وذلك لما يلي:
أ-لحديث أبي هريرة ﵁ الذي سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
ب-ولأنه لم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة على الجنازة في المسجد، وإنما كان يصلي عليها خارج المسجد، ولذلك خرج بالناس إلى المصلى حين صلى على النجاشي (٢).
стр. 1156
كما أن إنكار من أنكر على عائشة-﵂-لما صلت على جنازة في المسجد، قد يكون لذلك.
ج- وخروجاً من خلاف أهل العلم.
والله أعلم.
стр. 1157
المطلب الرابع: الزيادة على أربع تكبيرات في الجنازة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الزيادة على أربع تكبيرات في الجنازة منسوخ (١).
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، وابن شاهين (٣)، والنووي (٤)، وزين الدين المنجا (٥)، وأبو إسحاق الجعبري (٦)، والعيني (٧).
وسبب الاختلاف في المسألة عند أهل العلم شيئان: اختلاف الآثار الواردة فيها، والقول بالنسخ (٨).
стр. 1158
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات» (١).
ثانياً: عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشيّ، فكبر أربعاً» (٢).
ثالثاً: عن عبد الله بن عباس-﵄-قال: «آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربعاً» (٣).
стр. 1159
وفي رواية عنه ﵁: «أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد فكبر تسعاً تسعاً، ثم سبعاً سبعاً، ثم أربعاً أربعاً، حتى لحق بالله» (١).
وفي رواية أخرى عنه ﵁: «أن النبي ﷺ كان يكبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم خمس تكبيرات، ثم كان آخر صلاته أربع تكبيرات حتى خرج من الدنيا» (٢).
رابعاً: عن ابن عمر-﵄-قال: «آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربعاً» (٣).
خامساً: عن أنس بن مالك ﵁: «أن رسول الله ﷺ كبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، وكان آخر صلاته أربعاً حتى خرج من الدنيا» (٤).
стр. 1160
سادساً: عن سليمان بن أبي حثمة (١) قال: «كان النبي ﷺ يكبر على الجنائز أربعاً، وخمساً، وستاً، وسبعاً، وثمانياً، حتى جاء موت النجاشيّ، فخرج إلى المصلى فصف الناس وراءه، وكبر عليه أربعاً، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى توفاه الله » (٢).
سابعاً: عن سعيد بن المسيب يحدث عن عمر ﵁ قال: (كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً، فاجتمعنا على أربع التكبير على الجنازة) (٣).
ثامناً: عن أبي وائل: (أن عمر بن الخطاب ﵁ جمع أصحاب رسول الله