← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أهرِقْ هذه القلال (١) يا أنس. قال: فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل) (٢). فهذا يدل على أن هؤلاء الصحابة-﵃ قبلوا خبر الواحد وعملوا بمقتضاه، وهو يفيد نسخ إباحة الخمر عندهم، وقد كان ذلك معلوماً لهم بالتواتر (٣). ج- ولأن النبي ﷺ كان يرسل رسله لتبليغ الأحكام، وهم آحاد، وكانوا يبلغون الأحكام المبتدأة وناسخها (٤). ويظهر-والله أعلم بالصواب- رجحان القول الثاني، وذلك لقوة أدلته. رابعاً: نسخ السنة بالقرآن اختلف أهل العلم في نسخ السنة بالقرآن على قولين: القول الأول: يجوز نسخ السنة بالقرآن. وهو قول جمهور أهل العلم (٥).

стр. 107

القول الثاني: أن السنة لا ينسخها إلا سنة لرسول الله ﷺ ، ولو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة. وهو قول الإمام الشافعي (١). دليل القول الأول استدل أصحاب القول الأول-وهو جواز نسخ السنة بالقرآن- بورود ذلك في الشرع في غير موضع، منها ما يلي: أ- أن التوجه إلى بيت المقدس عُرف بالسنة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣).

стр. 108

ومما يؤكد أن نسخ التوجه من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، وقع بالكتاب: ١ - عن البراء بن عازب (١) ﵄-قال: (كان رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجّه نحو الكعبة) (٢). ٢ - عن ابن عمر ﵁ قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة» فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (٣). فقوله في الحديث الأول: (فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ

стр. 109

وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجّه نحو الكعبة)، وقوله في الحديث الثاني: (إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة). يدل على التوجه إلى الكعبة كان بأمر الله الذي أنزله في القرآن، وهو قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). ب- أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٣). ج- أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً بالسنة، ثم نُسخ ذلك بفرض صوم رمضان (٤)، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥). واستُدل للقول الثاني: بأن الله جعل السنة بياناً للكتاب، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

стр. 110

وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). فلو نُسخت السنة بالقرآن لخرجت السنة من كونها بياناً، ولاختلط البيان بالنسخ، لكن إذا انضم إلى السنة الأولى وإلى القرآن الذي أتى برفعه سنة أخرى تبين أن السنة الأولى منسوخة فقد زال ما يُخوف من اختلاط البيان بالنسخ (٢). ولا شك أن القول الأول هو الأرجح والأقوى؛ لوقوع نسخ السنة بالقرآن في مسائل كثيرة، وعدم وجود دليل واضح يمنع من نسخ الكتاب للسنة (٣). وكون السنة بياناً للقرآن لا يمنع أن تنسخ به؛ لأن بيانها بعد النسخ باق في الجملة، وذلك بالنسبة لما لم ينسخ منها (٤) والله أعلم.

стр. 111

الفرع الثالث: أنواع النسخ باعتبار الحكم الشرعي التكليفي قسم أهل العلم (١) الحكم (٢) الشرعي (٣) الثابت لأفعال المكلفين (٤) إلى أقسام خمسة، وهي: أولاً: الفرض (٥) والواجب (٦).

стр. 112

ثانياً: المندوب (١). ثالثاً: المباح (٢). رابعاً: المكروه (٣).

стр. 113

خامساً: الحرام (١). وهذه الأقسام يقع نسخها على أوجه مختلفة، وتفصليها على النحو التالي: القسم الأول: الفرض والواجب وهذا القسم يقع نسخه على ثلاثة أوجه، وهي: الوجه الأول: أن ينسخ من الوجوب إلى المنع. مثاله: نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس بالمنع منه (٢). الوجه الثاني: أن ينسخ من الوجوب إلى الاستحباب.

стр. 114

مثاله: نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة إلى الاستحباب (١). الوجه الثالث: أن ينسخ من الوجوب إلى الإباحة. مثاله: نسخ وجوب الوضوء مما مست النار إلى الإباحة (٢). القسم الثاني: المندوب والمستحب وهذا القسم يقع نسخه كذلك على ثلاثة أوجه، وهي: الوجه الأول: أن ينسخ من الندب والاستحباب إلى الوجوب. مثاله: الصوم في رمضان، فإن صومه كان مستحباً، وكان جائزاً لمن افتدى أن يتركه ثم نُسخ ذلك بوجوب الصوم في رمضان في حق الصحيح المقيم (٣). الوجه الثاني: أن ينسخ من الندب والاستحباب إلى التحريم. مثاله: الإعراض والصفح عن المشركين واللطف بهم، فإن ذلك كان مستحباً ومندوباً في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالأمر بقتالهم (٤). الوجه الثالث: أن ينسخ من الاستحباب والندب إلى الإباحة (٥).

стр. 115

القسم الثالث: المباح. ويقع نسخه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن ينسخ من الإباحة إلى التحريم. مثاله: أن الخمر كانت مباحة في أول الإسلام، ثم حرمت (١). الوجه الثاني: أن ينسخ من الإباحة إلى الكراهة. مثاله: الالتفات في الصلاة، فإنه كان جائزاً ومباحاً، ثم نسخ فصار مكروهاً (٢). الوجه الثالث: أن ينسخ من الإباحة إلى الوجوب. مثاله: أن قتال المشركين كان قد نُهي عنه، ثم نُسخ ذلك بالإباحة، ثم نُسخ إباحة قتالهم بوجوبه، فصار المباح واجباً (٣). القسم الرابع: المكروه. ويقع نسخه على وجه واحد، وهو أن يُنسخ من الكراهة إلى الإباحة والجواز.

стр. 116

مثاله: نسخ كراهة ذكر الله تعالى على غير وضوء إلى إباحة ذكره بغير وضوء (١). القسم الخامس: الحرام. وهذا القسم يقع نسخه على وجهين: الوجه الأول: أن ينسخ من التحريم إلى الاستحباب والندب. مثاله: زيارة القبور، فإنها كانت قد نُهي عنها، ثم زار النبي ﷺ القبور، وأمر بزيارتها، فصارت مستحبة (٢). الوجه الثاني: أن ينسخ من التحريم إلى الإباحة. مثاله: الأكل والشرب والجماع، فإنها كانت محرمة على الصائم بعد النوم في ليالي رمضان، ثم نسخ ذلك، فصار مباحاً (٣) والله أعلم.

стр. 117

الفرع الرابع: أنواع النسخ باعتبار البدل النسخ قد يكون إلى بدل من حكم شرعي، وقد يكون إلى غير بدل من حكم شرعي؛ وذلك أن الحكم الشرعي الذي ينسخه الله، إما أن يُحلّ- محله حكماً آخر أولا. فإذا أحلّ محله حكماً آخر فذلك هو النسخ ببدل، وإذا لم يحلّ محله حكماً آخر، فذلك هو النسخ إلى غير بدل، وكلاهما جائز (١). أما النسخ إلى غير بدل فمن أمثلته: أ- نسخ إيجاب الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ إلى غير بدل (٢). ب-نسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي إلى غير بدل (٣). ج- نسخ الإمساك عن الأكل بعد الإفطار في ليالي رمضان إلى غير بدل (٤). أما النسخ إلى بدل فهو على ثلاثة أقسام:

стр. 118

القسم الأول: أن ينسخ الحكم بمثله في التخفيف والتغليظ. مثاله: نسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة (١)، في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢). القسم الثاني: أن ينسخ الحكم إلى بدل أخف على نفس المكلف من الحكم السابق. مثاله: نسخ العدة حولاً كاملاً في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٣). بالعدة أربعة أشهر وعشراً، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٤). والعدة بأربعة أشهر وعشراً أخف من العدة حولاً كاملاً (٥). القسم الثالث: أن ينسخ الحكم بما هو أغلظ منه، فيكون النسخ إلى

стр. 119

بدل أثقل من الحكم المنسوخ. وقد خالف في جواز هذا القسم بعض أهل الظاهر (١)، والجمهور على جوازه (٢)، ويدل على ذلك وقوعه، ومن أمثلته ما يلي: أ- أن الله وضع القتال في أول الإسلام، ثم نسخه بفرضه، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣). والقتال أثقل وأغلظ من عدمه (٤). ب- أنه نسخ الإمساك في البيوت في الزنى في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٥).

стр. 120

بالجلد في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). والجلد أثقل وأغلظ من الإمساك في البيوت (٢). ج- أن الله نسخ التخيير بين الصوم والفدية في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣). بفرضية الصوم في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤). وانحتام الصوم أغلظ وأثقل من التخيير بينه وبين الفدية (٥). والله أعلم.

стр. 121

المطلب الثاني: زمن النسخ الدين الإسلامي دين شرعه الله لعباده، ليس لأحد غيره أي اختيار في شرعه، فهو مالك السماوات والأرض يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فلما كان شرعه خالصًا به ، فإنه ، له وحده أن يمحو منه ما يشاء ويثبت ما يشاء. وهذا الدين إنما أنزله الله على رسوله محمد ﷺ ، فهو المبلغ لدينه، فيكون معرفته من طريقه، فما أخبر به رسول الله ﷺ كان هو دين الله . وهذا الدين إنما جاء ونزل على رسول الله ﷺ بطريق الوحيين: المتلوُّ، وهو القرآن الكريم، وغير المتلُوِّ، وهو السنة. فلما كان هذا الدين من طريق رسول الله ﷺ ، فإنه يكون النسخ فيه موقوفاً على زمن النبي ﷺ وحياته، ولا يكون النسخ إلا بالوحيين الكتاب والسنة. وعليه فلا ينسخ بالإجماع، ولا بالقياس؛ وذلك: -أما الإجماع: أ- فلأنه لا يكون ولا يصح إلا بعد موت النبي ﷺ ؛ إذا لا اعتبار للإجماع في حياته وإذا كان الإجماع بعد النبي ﷺ فلا يكون ناسخاً؛ لأن بموته ﷺ انقطع زمن النسخ (١).

стр. 122

ب- ولأن الإجماع إما أن يكون له مستند من النص، أو لا يكون. فإن لم يكن له مستند من النص فهو خطأ، وإن كان له مستنداً من النص فالناسخ هو ذلك النص، لا الإجماع، وإن قيل إن الإجماع ناسخ فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ (١). والخلاصة: أن الإجماع لا يُنسخ به، لكنه قد يكون دليلاً على النسخ (٢). - أما أن القياس لا يكون ناسخاً للكتاب والسنة (٣)، فذلك: أ- لأن القياس يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص (٤). ب-ولأن القياس دليل محتمل، والنسخ إنما يكون بأمر مقطوع غير

стр. 123

محتمل (١). ج-ولأن القياس إذا عارض نصاً فهو فاسد الوضع، فكيف يكون ناسخاً له (٢). فتبين مما سبق أن النسخ إنما يكون في حياة النبي ﷺ ، وأنه يكون بالوحيين الكتاب والسنة، لا بغيرهما. ثم النسخ في زمن النبي ﷺ إما يكون بعد العلم بالمنسوخ والعمل به، وإما يكون بعد العلم به واعتقاد وجوبه، وقبل العمل به، وإما يكون قبل العلم به واعتقاد وجوبه. فتكون صور أوقات النسخ وزمنه على ثلاثة أضرب، وهي: الضرب الأول: أن ينسخ الحكم بعد العلم والعمل به.

стр. 124

وهذا النوع يجوز نسخه بلا خلاف، سواء عمل به كل الناس أو بعضهم (١). وذلك كنسخ استقبال بيت المقدس، وتقديم الصدقة عند مناجاة الرسول ﷺ (٢). الضرب الثاني: أن ينسخ الحكم بعد العلم به واعتقاد وجوبه، وقبل العمل به، أو قبل التمكن من العمل به. وهذا النوع اختلف أهل العلم في جواز نسخه على قولين: القول الأول: يجوز نسخه. وهو قول جمهور أهل العلم (٣). القول الثاني: لا يجوز نسخه قبل التمكن من العمل به. وهو قول بعض الحنفية (٤)، وبعض الشافعية (٥)، وبعض الحنابلة (٦). من أدلة القول الأول ما يلي: أولاً: أن الله أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخ ذلك بالفداء قبل فعله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٧). فدل هذا على جواز نسخ الحكم قبل العمل به وقبل التمكن منه (٨).

стр. 125

ثانياً: أن الله فرض على النبي ﷺ وعلى أمته ليلة المعراج خمسين صلاة، ثم نسخ ذلك بخمس صلوات، ففي حديث أنس بن مالك ﵁: قال رسول الله ﷺ : «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال موسى: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هنّ خمس وهنّ خمسون، لا يبدل القول لديَّ، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربّي» الحديث (١). ففي هذا الحديث نسخ خمسين صلاة بخمس، بعد العلم وقبل التمكين من العمل به، فدل على جواز النسخ بعد العلم بالحكم وقبل التمكن أوالعمل به (٢). واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:

стр. 126

أ- أن الشارع إذا أمر بشيء فإنه يقتضي أن يكون حسناً وفيه مصلحة، وإذا نهى عن شيء فإنه يقتضي أن يكون قبيحاً وفيه مفسدة. فإذا أمر بشيء ثم نهى عنه ونسخه قبل مجيء وقته وقبل التمكن منه فإنه يلزم منه اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في وقت واحد، وهو من المحال، ويصير بمعنى البداء وهو لا يجوز على الله تعالى (١). واعترض عليه بما يلي: ١ - بأن هذا نوع من النسخ وليس من البداء في شيء، وقد سبق ما يفرق به بين النسخ والبداء، ومن جعل هذا بداء فقد جعل النسخ كله بداء ولا فرق؛ لأن ما دخلوه في نسخ الشيء قبل أن يعمل به، راجع عليهم في نسخه بعد أن يعمل به. ثم يقال: إن ما قلتم كان يصح أن لو كان المقصود من الأمر بالفعل الإتيان بالمأمور به فقط، لكن الأمر ليس كذلك، بل المقصود بالأمر يكون أحياناً الإتيان بالمأمور به، وأحياناً إنما يؤمر بالفعل لحكمة تنشأ من نفس الأمر، من الابتلاء، والانقياد، والعزيمة على الفعل، واعتقاد وجوبه، وهذا يجوز نسخه قبل التمكن منه وقبل العمل به (٢).

стр. 127

٢ - أن عقد القلب على الحكم واعتقاد الحقيَّة فيه يصلح أن يكون مقصوداً منفصلاً عن الفعل، كما أن عزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل، وإذا كان الأمر كذلك فنسخ الحكم قبل التمكن منه لا يلزم منه اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في وقت واحد؛ لأنه لا يثبت حقيقة الحسن للفعل المأمور به بالتمكن من الفعل قبل وجوده؛ لأن الحسن صفة له فلا يتحقق قبل وجوده. ولا بد للنسخ من تحقق المأمور به ليكون الناسخ بياناً لانتهاء حسنه، ثم لما جاز النسخ بلا خلاف بعد التمكن من الفعل قبل حصول حقيقته، لا بد من أن يكون صحته مبنيةً على كون الاعتقاد مقصوداً بالأمر كالفعل، ليصلح الناسخ بياناً لانتهاء حسنه، إذ لم يصلح أن يكون بياناً لانتهاء حسن الفعل؛ لاستحالة انتهاء الشيء قبل وجوده (١). ب- ولأن الأمر لا بد له من فائدة، فإذا نسخ الحكم قبل التمكن منه سقطت فائدة الأمر، فيكون من العبث، وهو محال على الله تعالى (٢). واعترض عليه: بأن الأمر في هذه الحالة لا يتجرد عن الفائدة، بل إن من فوائده وحكمته ابتلاء الله لعباده أيقبلونه أم لا، فيتميز به من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، والطيب من الخبيث، فالأمر بالفعل في هذه الحالة لحكمة

стр. 128

تنشأ من نفس الأمر دون المأمور به (١). الضرب الثالث: النسخ قبل العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه. وهذا القسم لا يجوز نسخه على قول عامة أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أن مثل هذا لا يكون نسخاً (٢) والله أعلم.

стр. 129

المطلب الثالث: ما يدخله النسخ وما لا يدخله الدين الإسلامي دين شامل لجميع نواحي الحياة، فهو يشمل: -أمور الاعتقاد، من الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وغير ذلك من الأمور الاعتقادية والإيمانيات. -الإخبار عمّا كان وما يكون، والوعد والوعيد. -الأحكام العملية، من العبادات، والمعاملات. والنسخ لا يدخل جميع هذه الأمور، فلذا من الضروري معرفة ما يدخله النسخ ويقع فيه وما لا يدخله. وتفصيله على النحو الآتي: أولاً: الأمور التي يقع فيها النسخ يدخل النسخ ويقع في: الأمر، والنهي-ولو بلفظ الخبر- الدالان على الأحكام الشرعية العملية من العبادات والمعاملات (١). ثانياً: ما لا يقع فيه النسخ ولا يدخله ذكر أهل العلم عدة أمور مما لا يدخله النسخ ولا يقع فيه، وفيما يلي بيان هذه الأمور-وإن كان بعضها اختلف فيها بعض الناس-: أ- أصول الاعتقاد، من توحيد الله ، وأسمائه وصفاته،

стр. 130

والإيمان به، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وغير ذلك من الإيمانيات وأمور الاعتقاد. وذلك لأن العقائد حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، فلا يتعلق بها نسخ (١). ب- أصول العبادات، والمعاملات. وذلك لحاجة الخلق إليهما باستمرار؛ لتزكية النفوس وتطهيرها، ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق، والخلق فيما بينهم على أساسهما؛ لذلك فليس من الحكمة رفعها بالنسخ (٢). ج- أمهات الأخلاق، أو الأخلاق العامة، كالبر بالوالدين، والصدق، والعدل، والحياء، وتحريم البغي والإثم، والكذب، ونحوها. وذلك لأن الحكمة في تشريعها، ومصلحة الناس في التخلق بها، أمور لا تتأثر بمرور الزمن، ولا باختلاف الأشخاص والأمم؛ ولذلك كان دين الأنبياء فيها واحداً، ولم يتنوع فيها الشرائع، فدل ذلك على عدم وقوع النسخ فيها (٣).

стр. 131

د-مدلولات الأخبار المحضة، كالأخبار عن القرون الماضية والأمم السابقة، والأخبار عمّا يكون في المستقبل، وغيرها. فلا يجوز دخول النسخ في شيء من أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله ﷺ (١). وذلك؛ (لأن المخبر بشيء كان أو يكون، إذا رجع عن ذلك الخبر، لم يخل رجوعه عنه من: تكذيبه لنفسه، أو غلطه فيما أخبر به، أو نسيانه لذلك. وقد جلَّ الله عن ذلك، وعصم رسوله في الشريعة والرسالة منه) (٢). فنسخ مدلولات الأخبار يؤدي إلى دخول الكذب في أحد خبري الناسخ والمنسوخ من أخبار الله تعالى وأخبار رسوله ﷺ ، وهو محال عقلاً ونقلاً. أما عقلاً؛ فلأن الكذب نقص، والنقص عليه تعالى محال (٣). وأما نقلاً: فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (٥). هذا الكلام عن مدلولات الأخبار المحضة، أما نسخ لفظ الخبر دون

стр. 132

مدلوله فيجوز بلا خلاف بين من قال بجواز النسخ، ولذلك صورتان: إحداهما: أن تنزل الآية مخبرة عن شيء ثم تنسخ تلاوتها فقط (١)، ومن أمثلته: ما روي عن أبي موسى الأشعري (٢) ﵁ أنه قال: (وإنا كنا نقرأ سورة، كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأُنسيتها. غير أنّي قد حفظت منها: ﴿لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب﴾، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأُنسيتها، غير أنّي حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتُسألون عنها يوم القيامة﴾ (٣). ثانيتهما: أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شيء ثم ينهانا أن نتحدث به (٤). كما أن الخبر إذا لم يكن محضاً بل بمعنى الأمر أو النهي فإنه يجوز

стр. 133

نسخه كذلك بلا خلاف (١). وذلك؛ لأن الاعتبار للمعنى (٢). فمثال الخبر بمعنى الأمر، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣). ومثال الخبر بمعنى النهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). فإن معناه: لا تنكحوا مشركة ولا زانية، ولا تُنكحوهما، وذلك على بعض وجوه الاحتمالات (٥). ومن الأدلة التي يُستدل بها على عدم دخول النسخ في الأمور السابقة ما يلي: ١ - قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦). ٢ - قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي

стр. 134

أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١). ٣ - قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٣). ٥ - قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤). ٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٥).

стр. 135

٧ - عن أبي هريرة (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» (٢). فهذه بعض الأدلة التي تدل على عدم دخول النسخ في الأمور السابقة (٣). والله أعلم.

стр. 136

المطلب الرابع: طرق معرفة النسخ إذا ورد دليلان شرعيان مختلفين في حكم شيء واحد، فإما أن يكون الجمع بينهما ممكناً أولا، فإن أمكن الجمع فإنه يُجمع بينها، ولا يُصار إلى النسخ؛ لأن في ادعاء النسخ إبطال العمل على أحد الدليلين، وإخراجه عن المعنى المفيد وهو على خلاف الأصل (١). أما إذا تحقق ورود دليلين شرعِيَّين متناقضين تناقضاً حقيقياً، بحيث لا يمكن الجمع بينهما على أي وجه من وجوه الجمع بين الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، فإنه يصار إلى اعتبار أحد الدليلين أو الحكمين ناسخاً والآخر منسوخاً؛ وذلك دفعاً للتناقض في كلام الشارع الحكيم (٢). ثم لا بد لاعتبار أحد الدليلين ناسخاً والآخر منسوخاً من دليل صحيح يدل على أن أحدهما متأخر عن الآخر، فيكون السابق هو المنسوخ، واللاحق هو الناسخ (٣). ولمعرفة الحكم المتأخر الناسخ من المتقدم المنسوخ طرق، بعضها متفق عليها أو الخلاف فيها قليل أو غير معتبر، وبعضها طرق مختلف فيها، وفيما يلي تفصيل كلتا الطريقتين:

стр. 137

أولاً: طرق معرفة المتأخر الناسخ من المتقدم المنسوخ المتفق عليها أو التي الخلاف فيها قليل: أولاً: أن يكون في أحد النصين ما يدل على تعيين المتأخر منهما، ويشمل ذلك: أ- أن يكون في اللفظ تصريح بما يدل على النسخ (١). مثاله: ١ - قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). فإنه صريح في نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة (٣). ٢ - قول النبي ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً» (٤).

стр. 138

فإنه صريح في نسخ النهي عن الأمور المذكورة (١). ب- أن يكون لفظ النص يتضمن التنبيه على النسخ (٢). مثاله: نسخ الإمساك في البيوت المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٣). بحد الزنى المذكور في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤). فقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ تنبيه على عدم الاستدامة في الإمساك (٥). ثانياً: إجماع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر (٦).

стр. 139

مثاله: الإجماع على أن الزكاة نسخت سائر الحقوق المالية (١). فالإجماع يدل على تأخر الناسخ، وليس الإجماع هو الناسخ (٢). ثالثاً: أن يرد من طريق صحيحة عن أحد من الصحابة ما يصرح بتقدم أحد النصين على الآخر (٣). مثاله: ١ - حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار» (٤). ٢ - عن علي ﵁ يقول: «كان رسول الله ﷺ أمرنا بالقيام في

стр. 140

الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (١). رابعاً: أن ينقل ويثبت عن رسول الله ﷺ حكم شيء، ثم يثبت عنه من فعله حكماً يخالف ما سبق من قوله (٢). مثاله: أن النبي ﷺ قال: «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (٣). ثم إنه ﷺ رجم المحصن ولم يجلده، فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه. فتنحّى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ ، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» (٤).

стр. 141

وفي رواية: قال: لا. والله إنه قد زنى الأخر (١). قال: «فرجمه» (٢). فيكون فعله هذا وأمره بالرجم دون الجلد ناسخاً للجلد في قوله: «الثيب بالثيب جلد مائة». لتأخره عنه (٣). خامساً: أن يعلم بالتاريخ تقدم أحد الدليلين على الآخر، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم. ويشمل هذا: ١ - أن ينقل الراوي أن أحد الحكمين شرع بمكة قبل الهجرة، والآخر شرع بالمدينة. ٢ - أن ينقل الراوي أن هذه الآية مكية، وهذه مدنية. ٣ - أن ينقل الراوي أن هذه الآية نزلت قبل آية كذا (٤).

стр. 142

ثانياً: طرق معرفة الناسخ والمنسوخ المختلف فيها: أولاً: قول أحد الصحابة: هذا ناسخ، وهذا منسوخ. فهذا عند الحنفية أحد طرق معرفة النسخ (١)، وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد (٢). و ذلك: أ- لأن تعيين العدل لناسخ لا يكون إلا عن علم بالتاريخ والتعارض (٣). ب- أن النسخ لا يقع بالمحتمل، والصحابة أعلم بذلك، فثبت أنه لا يقول: إنه منسوخ إلا وسمعه من رسول الله ﷺ (٤). وليس هو عند الجمهور من طرق معرفة النسخ، ما لم يذكر دليل النسخ (٥)، وذلك: أ- لأن قوله هذا قد يكون عن اجتهاد، فيعتقد ما ليس بنسخ نسخاً،

стр. 143

وبمثله لا يثبت النسخ (١). ب-ولأن أهل العلم مختلفون في أسباب النسخ، كالزيادة على النص، والتخصيص، فقد يعتبر ذلك نسخاً، وهو ليس منه (٢). ثانياً: أن يكون الراوي لأحد النصين قد أسلم بعد موت الآخر. ذهب بعض أهل العلم إلى عدم صحة الاستدلال على النسخ برواية من أسلم بعد موت الراوي للنص الآخر؛ لأن تأخر إسلام راوي أحد الدليلين لا يدل على أن ما رواه ناسخ؛ لاحتمال أن يكون سمعه عن غيره ممن تقدم صحبته (٣). وذهب آخرون إلى أن رواية من أسلم بعد موت الراوي للنص المعارض ناسخة له؛ لأن الظاهر أن تكون روايته متأخرة (٤). ثالثاً: أن يكون أحد الراويين أسلم قبل الآخر. فلا يكون رواية المتأخر إسلاماً ناسخاً لرواية المتقدم إسلاماً. وهو قول جمهور أهل العلم (٥).

стр. 144

وذلك: لأنه يجوز أن يكون سماع متقدم الإسلام بعد سماع متأخر الإسلام، كما يجوز أن يكون من تأخر إسلامه تحمل الحديث قبل إسلامه (١). وذهب بعض أهل العلم إلى أن رواية المتأخر صحبة ناسخة لرواية المتقدم صحبة (٢).

стр. 145

رابعاً: أن يكون أحد الراويين من أحداث الصحابة دون الراوي للنص الآخر. فلا يُحكم بتأخر ما رواه الصغير على ما رواه الكبير؛ لاحتمال أن يكون الكبير سمع ما رواه بعد سماع رواية الصغير، كما أن ما رواه الصغير يحتمل أن يكون سمعه عمن تقدمت صحبته (١). خامساً: أن يكون أحد النصيين موافقاً للبراءة الأصلية دون الآخر. إذا ورد نصان متعارضان، وأحدهما يوافق البراءة الأصلية والعادة، والآخر يخالفه، فإنه لا يكون ما يخالف البراءة الأصلية ناسخاً لما يوافقه، كما لا يكون ما يوافق البراءة ناسخا لما يخالفه. وهذا هو قول جمهور أهل العلم (٢).
следующие страницы →