← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أُمّتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأُعطيتُ الشفاعة، وكان النبيُّ يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة» (١). أما الشرذمة المنكرة للنسخ من المسلمين فمنهم أبو مسلم الأصفهاني (٢)، وبعض الآخرين ممن تشيَّع له من قدامى ومُحْدثين (٣)، لكنهم لم ينكروا نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، بل أنكروا وقوع النسخ في الشريعة الإسلامية (٤). وهم قد أَوَّلُوا الآيات التي تدل على النسخ كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ

стр. 72

نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). بأن المراد بها نسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام (٣). ومنعوا النسخ في الشريعة الإسلامية، بدليل أن النسخ إبطال، والله قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٤). فالآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبداً، ولو وقع النسخ في القرآن لأتاه الباطل؛ لأن النسخ فيه إبطال لحكم سابق (٥). ويرد على زعمهم الباطل بما يلي: أولاً: أن قولهم هذا مخالف للإجماع؛ حيث إن الأمة قبل أصحاب هذا القول أجمعت على جواز النسخ ووقوعه في الشريعة الإسلامية؛ فلذا ليس لهذا الزعم أي اعتبار (٦).

стр. 73

ثانياً: أن تأويل الآيات التي تدل على النسخ في الشريعة الإسلامية بأن المراد بها نسخ الشرائع السابقة، بعيد جداً؛ ولم ينقل عن أحد من السلف تفسيره بذلك، بل المنقول عنهم أن المراد به نسخ آيات من القرآن بآيات أخرى منه، أو نسخ بعض أحكامه بأحكام أخر (١). ثالثاً: أن استدلالهم بأن النسخ إبطال والقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيرد على استدلالهم ذلك بما يلي: أ- أن القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما نص عليه القرآن، والنسخ إبطال وليس بباطل، فالباطل ما خالف الحق، والنسخ حق، ومعنى الآية: أن عقائد القرآن موافقة للعقل، وأحكامه مسايرة للحكمة، وأخباره موافقة للواقع، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل، فلا يتطرق إليه الخطأ بأي حال (٢). ب- أن الضمير في قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ عائد لمجموع القرآن، أي أن القرآن كله لا ينسخ، وهو مما لا خلاف فيه (٣). ج- أن معنى الآية: أن القرآن الكريم لم يتقدمه من كتب الله ما

стр. 74

يبطله، ولا يأتيه من بعد ما يبطله، وهذا لا ينافي أن يوجد في القرآن نفسه ما ينسخ بعضه بعضاً، فلا يتم الاستدلال من الآية على عدم جواز النسخ أو عدم وقوعه (١). رابعاً: أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية، وثبت ذلك بأدلة كثيرة، فإنكاره إنكار للواقع، ومن أدلة وقوعه ومشروعيته ما يأتي ذكره. الأدلة على مشروعية النسخ وجوازه: أولاً: الأدلة الشرعية على مشروعية النسخ وجوازه، ووقوعه: ١ - قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). فهذه الآية نص في وقوع النسخ، وأن الله تعالى ينسخ الآيات فيُبدلها ويغيرها، فيحول الحلال حراماً، والحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤). عن ابن عباس-﵄ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ قال: (من

стр. 75

القرآن، يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب) (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). عن مجاهد (٣): ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ قال: نسخناها، بدلناها، رفعناها، وأثبتنا غيرها (٤). فتبديل حكم الآية أو لفظها بغيره، هو النسخ (٥). ٤ - قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٦).

стр. 76

وتحريم الشيء بعد تحليله هو حقيقة النسخ (١). ٥ - الإجماع، فإنه لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ، ووقوعه (٢). ثانياً: الأدلة العقلية على جواز النسخ. العقل يُجَوِّزُ النسخ ولا يمنعه، يدل عليه ما يلي: أ-لأن النسخ لا يلزم منه محال لذاته، وما لا يلزم منه محال لذاته يجوزه العقل ولا يمنعه (٣). ب-ولأن الله له ملك السماوات والأرض، فله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، فهو يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وهو على كل شيء قدير (٤).

стр. 77

ج- ولأن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات، والأحوال، والأشخاص، فقد يكون الشيء مصلحة في وقت وحال، ولا يكون مصلحة في وقت آخر، وقد يكون مصلحة لشخص، ولا يكون مصلحة لشخص آخر، كشرب دواء في وقت دون وقت، ولشخص دون شخص آخر، وإذا كان الأمر كذلك فلا بُعد في أن تكون المصلحة في وقت تقتضي شرع ذلك الحكم، وفي وقت تقتضي رفعه (١). والله أعلم.

стр. 78

المطلب الخامس: الحكمة من وقوع النسخ إن الله حكيم، فما شرعه لعباده لا يخلو عن حكمة بالغة، أو مصلحة ظاهرة، أو منفعة عاجلة أو آجلة، فالشريعة كلها (مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها) (١). ثم النسخ قد حصل للشريعة السابقة باللاحقة، ثم كلها بشريعة الإسلام، كما وجد النسخ في الشريعة الإسلامية؛ حيث نُسخ بعض أحكام هذا الدين ببعض. وكل منهما لا يخلو من حكمة، وبيانه فيما يلي: أولاً: الحكمة من نسخ الشريعة السابقة باللاحقة، ثم جميعها بشريعة الإسلام: إن نسخ الشريعة السابقة باللاحقة، ثم جميعها بشريعة الإسلام مبني على حكم ومصالح عديدة، منها ما يلي: أ- أن هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء، فشرع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها (٢). ب-الحفاظ على مصالح العباد؛ وذلك أنه إذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم، وشريعة بشريعة، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة (٣). ج-بيان شرف نبينا ﷺ ، فإنه نُسخ بشريعته الشرائع السابقة، وشريعته لا

стр. 79

ناسخ لها (١). د-بيان أن الشريعة الإسلامية أكمل تشريع يفي بحاجات الإنسانية في مرحلتها التي انتهت إليها، وأنها تصلح للأفراد والمجتمعات بجميع أشكالها وألوانها، وتصلح لكل زمان ومكان، فكان بذلك ديناً عاماً خالداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (٢). ثانياً: الحكمة من وجود النسخ في الشريعة الإسلامية إن وجود النسخ في الشريعة الإسلامية، ونسخ بعض أحكامها ببعض، بُني على حكم، ومراعاة مصالح للمكلفين في كل وقت وحين، ومن تدبر في الناسخ والمنسوخ من الآيات والآثار ظهر له الشيء الكثير من حكم النسخ، ومنها ما يلي: أ-حفظ مصالح العباد؛ وذلك أنه إذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم، كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة (٣). ب-التدرج في تشريع الأحكام حتى يكون ذلك موافقاً وملائماً لقدرات المكلفين، ومعيناً لهم على حسن الامتثال؛ وذلك أن الأمة في بدايتها كانت تعاني فترة انتقال شاق في ترك موروثاتها وعاداتها، فلو أخذوا بهذا الدين مرة واحدة لأدى ذلك إلى نقيض المقصود، ولم يدخل فيه إلا النزر اليسير،

стр. 80

فمن هنا جاءت الشريعة تمشي على مهل، متألّفة لهم، متلطِّفة في دعوتهم، متدرجة بهم إلى الكمال رويداً رويداً، فشرع لهم فيما بعد متدرجة بعض ما يخالف الأمور السابقة؛ وذلك لما استقر الإسلام في نفوسهم، وسهل عليهم الامتثال لأوامره والانزجار عن نواهيه (١). ج-رحمة الله تعالى بعباده والتخفيف عنهم، وذلك أن النسخ إما أن يكون إلى ما هو أشق، أو إلى ما هو أيسر، فإن كان إلى ما هو أشق فهو لزيادة المثوبة والأجر، وإن كان إلى ما هو أيسر، فهو للتخفيف ورفع الحرج، وفي كل ذلك رحمة من الله بعباده، وإسعادهم في الدنيا والآخرة (٢). د-ابتلاء العباد واختبارهم ليميز الله المنافق من المؤمن، والخبيث من الطيب (٣). قال سبحانه و تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (٤). وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا

стр. 81

إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١). والله أعلم.

стр. 82

المطلب السادس: شروط النسخ قد ورد النسخ في الشريعة الإسلامية، ومعرفته أمر مُهِمُّ وضروري، ولمعرفته لا بد من معرفة شروطه (١). وأهم هذه الشروط ما يلي: أولاً: أن يكون النسخ بدليل شرعي، فلا يكون ارتفاع الحكم بموت المكلف أو جنونه نسخاً، بل سقوط تكليف (٢). ثانياً: أن يكون المنسوخ حكماً شرعياً، أي ثبت بدليل الشرع ثم رفع، وبهذا يخرج ما كان ثابتاً بالعادة والبراءة الأصلية، فإن رفع ذلك لا يسمى نسخاً بل ابتداء شرع (٣). ثالثاً: أن لا يكون الحكم السابق مقيداً بوقت، أما لو كان كذلك فلا

стр. 83

يكون انقضاء وقته الذي قُيّد به نسخاً له (١). ومثاله: النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، فلا يكون النهي عن النوافل في هذا الوقت المخصص ناسخاً لما قبل ذلك من الجواز؛ لأن التأقيت يمنع النسخ (٢). رابعاً: أن يكون الحكم في الناسخ متناقضاً لحكم المنسوخ. بحيث لا يمكن العمل بهما جميعاً، فإن كان العمل بهما جميعاً ممكناً لم يكن أحدهما ناسخاً للآخر (٣). خامساً: أن يكون الحكم المنسوخ متقدماً وثابتاً قبل ثبوت الحكم الناسخ، ويكون الحكم الناسخ متأخراً عنه، ويُعلم ذلك بطريقين: أحدهما: أن يرد في النص ما يدل على تأخر أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ

стр. 84

يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). الثاني: أن يعلم المتأخر عن المتقدم بطريق التاريخ، كأن يصرح الراوي أن هذا الحكم كان قبل هذا الحكم (٢). سادساً: أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ، متراخياً عنه، فإن كان مقترناً ومتصلاً كالشرط والاستثناء، فإن ذلك لا يسمى نسخاً بل تخصيصاً (٣). سابعاً: أن يكون الطريق الذي ثبت به الناسخ مثل الطريق الذي ثبت به المنسوخ أو أقوى منه، فإن كان أضعف منه ودونه، فإنه لا يجوز أن يكون ناسخاً للأقوى؛ لأن الضعيف لا يزيل القوي (٤). ثامناً: أن يكون مما يصح ويجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأن الله سبحانه بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال. وكذلك لا يدخل النسخ

стр. 85

الأخبار وكل ما لا يكون إلا على صفة واحدة (١). تاسعاً: أن يكون الناسخ والمنسوخ من الكتاب أو السنة، فلا يكون النسخ بغيرهما (٢). والله أعلم.

стр. 86

المطلب السابع: فضيلة علم الناسخ والمنسوخ علم الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة علم مهم وضروري كما سبق ذكره في أهمية الموضوع وأسباب اختباره. وأهميته يدل على فضيلته، كما يدل عليه الأمور التالية: أولاً: أن معرفة الناسخ والمنسوخ من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً، فعن ابن عباس-﵄ أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١). قال: (المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، وحرامه، وحلاله، وأمثاله) (٢). فدل هذا على فضيلة علم الناسخ والمنسوخ، وضرورة معرفته وتعلمه. ثانياً: أنه روي عن جمع من الصحابة ﵃ عدم جواز الإفتاء إلا لمن عرف الناسخ والمنسوخ وعلمه، فعن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: انتهى علي بن أبي طالب ﵁ إلى رجل يعظ الناس، فقال: (أعلمت الناسخ والمنسوخ؟) قال: لا. قال: (هلكت وأهلكت) (٣). وفي رواية عنه ﵁ أنه دخل المسجد، فإذا رجل يخوّف الناس، فقال: ما هذا؟ قالوا رجل يذكّر الناس، فقال: (ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه، أتعرف الناسخ والمنسوخ؟) فقال: لا.

стр. 87

قال: (فاخرج من مسجدنا، ولا تذكّر فيه) (١). وعن حذيفة ﵁ أنه قال: (إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، وأحمق متكلف) (٢). وعن ابن عباس-﵄-أنه مرّ بقاص يقصّ، فركضه برجله، فقال: (تدري ما الناسخ من المنسوخ؟) قال: وما الناسخ من المنسوخ؟ قال: (وما تدري ما الناسخ من المنسوخ؟) قال: لا. قال: (هلكت وأهلكت) (٣). ثالثاً: ومما يدل على فضله وضرورة معرفته كذلك: أن الفقهاء والمجتهدين جعلوا من شروط الاجتهاد معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، بحيث لا يخفى على المجتهد شيء من ذلك، وذلك مخافة أن يقع في الحكم المنسوخ (٤). فدل كل هذا على فضلية علم الناسخ والمنسوخ، وضرورة تعلمه ومعرفته (٥). والله أعلم.

стр. 88

المبحث الثاني أنواع النسخ وأقسامه، وزمنه، وما يدخله النسخ وما لا يدخله، وطرق معرفته، وبعض من ألف فيه . وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: أنواع النسخ وأقسامه. وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: أنواع النسخ في القرآن. الفرع الثاني: أنواع نسخ القرآن والسنة. الفرع الثالث: أنواع النسخ باعتبار الحكم الشرعي التكليفي. الفرع الرابع: أنواع النسخ باعتبار البدل. المطلب الثاني: زمن النسخ. المطلب الثالث: ما يدخله النسخ وما لا يدخله. المطلب الرابع: طرق معرفة النسخ. المطلب الخامس: بعض من ألف في النسخ.

стр. 89

المطلب الأول: أنواع النسخ وأقسامه وفيه أربعة فروع: الفرع الأول: أنواع النسخ في القرآن. الفرع الثاني: أنواع نسخ القرآن والسنة. الفرع الثالث: أنواع النسخ باعتبار الحكم الشرعي التكليفي. الفرع الرابع: أنواع النسخ باعتبار البدل.

стр. 90

الفرع الأول: أنواع النسخ في القرآن النسخ الواقع في القرآن على ثلاثة أنواع، وهي: أولاً: ما نسخ تلاوته وحكمه معاً. ومثاله ما روي عن عائشة (١) ﵂-قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يُحرِّمْن». ثم نُسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله ﷺ وهنّ فيما يُقرأُ من القرآن) (٢). فهذا مما نُسخ تلاوته وحكمه معاً (٣). ومعنى قولها: (فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأُ من القرآن) أن نسخها كان قرب وفاة رسول الله ﷺ ، فبعض الناس لم يكن بلغهم نسخها إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فكانوا يقرؤونها ويجعلونها قرآناً، ثم بلغهم نسخها (٤).

стр. 91

ثانياً: ما نسخ حكمه دون تلاوته مثاله: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (١). فهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢). فحكم الآية الأولى منسوخ بالآية الثانية، مع أن تلاوته باقية (٣). ثالثاً: ما نسخ تلاوته دون حكمه مثاله: ما روى ابن عباس-﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ : (إن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (٤).

стр. 92

وفي رواية عنه ﵁ أنه قال: (وقد قرأتها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده) (١). فهذه الآية لا وجود لها الآن في المصحف، وحكمها باق، فهي مما نسخ تلاوته، وبقي حكمه (٢). والله أعلم.

стр. 93

الفرع الثاني: أنواع نسخ القرآن والسنة النسخ في الشريعة الإسلامية قد يرد به القرآن، وقد ترد به السنة. والمنسوخ كذلك قد يرد به القرآن، وقد ترد به السنة، فتكون الأقسام أربعة، وهي كالتالي: أولاً: نسخ القرآن بالقرآن وهو جائز وواقع بلا خلاف (١)، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). ومن أمثلته كذلك بعض ما سبق في الفرع السابق. ثانياً: نسخ القرآن بالسنة وقد اختلف أهل العلم في هذا النوع في جوازه ووقوعه على قولين: القول الأول: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو قول الإمام الشافعي (٣)،

стр. 94

والمشهور عن الإمام أحمد (١). القول الثاني: يجوز نسخ القرآن بالسنة. وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤). واستدل من قال بعدم الجواز بأدلة منها ما يلي: أ- قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥). فهذه الآية تدل على أن الله إذا نسخ آية فإنه يأتي بخير منها

стр. 95

أو مثلها، والسنة ليست خيراً من القرآن ولا مثله، فلا تكون ناسخةً له (١). واعترض عليه: بأن السنة كذلك من عند الله تعالى، والنسخ في الآية أعم من أن يكون في الأحكام أو في التلاوة، والخيرية والمثلية أعم من أن تكونا في المصلحة أو في الثواب، وعلى هذا فقد تكون السنة الناسخة خيراً من القرآن المنسوخ من هذه الناحية، وإن كان القرآن خيراً من السنة من ناحية امتيازه بخصائصه العليا (٢). ب- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). وهذه الآية كذلك تدل على أن الآية إذا بدلت يأتي بدلها آية، فيكون نسخ القرآن بالقرآن لا بغيره (٤). واعترض عليه: بأنه لم يقل: أنه لا يبدل آية إلا مكان آية، بل إنه قال: إنه يبدل آية مكان آية، وليس فيه نفي أنه لا يبدل آية بغيرها (٥).

стр. 96

ج-قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١). فهذه الآية تدل على أن الله فرض على نبيه اتباع ما يُوحى إليه، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه، وفي قوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ بيان أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، فلا تكون السنة ناسخة له (٢). واعترض عليه: بأن السنة كذلك وحي من عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). وإذا كانت السنة وحياً من عند الله تعالى فنسخ القرآن بها نسخ من عند الله تعالى وليس من تلقاء نفس الرسول ﷺ (٤). د- ويدل عليه كذلك أن الصحابة-﵃ والتابعين الذين

стр. 97

أُخذ عنهم علم الناسخ والمنسوخ، إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن، لا يذكرون نسخه بغير قرآن، والكتب المؤلفة في ناسخ القرآن ومنسوخه تتضمن هذا، فلو كان ناسخ القرآن غير القرآن لوجب أن يذكروا ذلك كذلك (١). واعترض عليه: بأن إطلاق هذا القول على خلاف الواقع؛ حيث إن بعضاً ممن ألف في ناسخ القرآن ومنسوخه، قد ذكرو في مؤلفاتهم نسخ بعض الآيات بالسنة (٢). دليل من قال بجواز نسخ القرآن بالسنة استدلوا بأدلة منها ما يلي: أ- أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٣). نُسخ بقوله ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث» (٤).

стр. 98

فالوصية للوالدين والأقربين كانت فرضاً بهذه الآية، ثم نسخ بالحديث المذكور (١). واعترض عليه: بأن الوصية للورثة نسخت بآيات المواريث، يدل عليه الحديث المذكور؛ حيث جاء فيه: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه»، وهذا الحق هو المذكور في آيات المواريث (٢). كما يدل عليه ما جاء عن ابن عباس-﵄ أنه قال: (كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل

стр. 99

للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع) (١). ب- أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). نُسخ بقوله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر (٣) جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب (٤) جلد مائة والرجم» (٥). فالإمساك في البيوت المذكور في الآية، نُسخ بالحديث المذكور، فجعل

стр. 100

للبكر والباكرة الزانيين جلد مائة، وللثيب والثيبة الزانيين الرجم (١). واعترض عليه: بأن النسخ ثبت بالقرآن؛ حيث إن جلد الزاني ثابت بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى، ثم نُسخ لفظه، وبقي حكمه وهو قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» (٣). فلا يكون نسخ الآية بالسنة، بل بالقرآن (٤). ج- أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). نُسخ بحديث ابن عباس-﵂ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير» (٦).

стр. 101

فالنهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ناسخ لهذه الآية فتكون السنة قد نسخت القرآن (١). واعترض عليه بما يلي: أ-أن الآية جواب لمن سأل عن أشياء بعينها، فوقع الجواب بخصوصها، أي أجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء، وليس المراد حصر جميع المحرمات فيما ذكر في الآية فقط (٢). وعلى هذا فلا يكون للنسخ وجهاً في الآية، بل تكون محكمة، ويضم إليها بالسنة ما فيها من محرم (٣). ب- أن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها، فغير ما ذكر فيها مباح بالبراءة الأصلية، والأحاديث التي ذكر فيها محرمات غيرها، رفعت هذه البراءة، ورفعها لا يسمى نسخاً (٤). وأجيب عن هذا: بأن الحصر في الآية يفهم منه إباحة ما سوى

стр. 102

الأربعة المذكورة فيها شرعاً، فتكون إباحة شرعية؛ لدلالة القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ (١). هذا كان أظهر أدلة القولين، والذي يظهر-والله أعلم- أنه لا ما نع من نسخ القرآن بالسنة، لكن في وقوعه خلاف قوي. لكنه إذا أريد بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). حصر المحرمات في الأربعة المذكورة، ونفي التحريم عمّا عداها، فإن الأظهر القول بنسخ هذا الحصر بالأحاديث التي جاء فيها ذكر محرمات كثيرة (٣) والله أعلم. ثالثاً: نسخ السنة بالسنة نسخ السنة بالسنة أربعة أنواع: ١ - نسخ سنة متواترة (٤) بسنة متواترة.

стр. 103

٢ - نسخ سنة آحادِيَّة (١) بسنة متواترة. ٣ - نسخ سنة آحادِيّة بسنة آحادية. ٤ - نسخ سنة متواترة بسنة آحادِيّة. أما الثلاثة الأول، وهي نسخ السنة المتواترة بالمتواترة، والآحادية بالمتواترة، والآحادية بالآحادية، فجائز بلا خلاف بين أهل العلم (٢). واختلفوا في نسخ المتواترة بالسنة الآحادية على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، وأنه غير واقع. وهو قول الجمهور (٣). القول الثاني: أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، وأنه واقع. وهو رواية عن الإمام أحمد، ويحتمله قول الإمام الشافعي، وقال به جماعة من أهل العلم، منهم ابن حزم (٤). استدل أصحاب القول الأول: بأن المتواتر قطعي الثبوت، وخبر

стр. 104

الواحد ظني، و القطعي لا يرتفع بالظني؛ لأن الشي لا يبطل أقوى منه (١). واعترض عليه بما يلي: أ- أنه لا تعارض بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته؛ إذ لا خلاف بين أهل العلم في عدم لزوم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها (٢). ب- بأنه مخالف للواقع، يدل عليه ما يذكر في أدلة القول الثاني. واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي: أ- عن عبد الله بن عمر (٣) ﵄-قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة» فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى

стр. 105

الشام فاستداروا إلى الكعبة) (١). فأهل قباء قبلوا خبره، واستداروا وهم في صلاتهم، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأقرهم، فدل ذلك على جواز نسخ الخبر المتواتر بالخبر الواحد، وعلى وقوعه (٢). ب- عن أنس (٣) ﵁ قال: (ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة (٤) وفلاناً وفلاناً، إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: «حُرّمت الخمر». قالوا:

стр. 106

أهرِقْ هذه القلال (١) يا أنس. قال: فما سألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل) (٢). فهذا يدل على أن هؤلاء الصحابة-﵃ قبلوا خبر الواحد وعملوا بمقتضاه، وهو يفيد نسخ إباحة الخمر عندهم، وقد كان ذلك معلوماً لهم بالتواتر (٣). ج- ولأن النبي ﷺ كان يرسل رسله لتبليغ الأحكام، وهم آحاد، وكانوا يبلغون الأحكام المبتدأة وناسخها (٤). ويظهر-والله أعلم بالصواب- رجحان القول الثاني، وذلك لقوة أدلته. رابعاً: نسخ السنة بالقرآن اختلف أهل العلم في نسخ السنة بالقرآن على قولين: القول الأول: يجوز نسخ السنة بالقرآن. وهو قول جمهور أهل العلم (٥).

стр. 107

القول الثاني: أن السنة لا ينسخها إلا سنة لرسول الله ﷺ ، ولو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة. وهو قول الإمام الشافعي (١). دليل القول الأول استدل أصحاب القول الأول-وهو جواز نسخ السنة بالقرآن- بورود ذلك في الشرع في غير موضع، منها ما يلي: أ- أن التوجه إلى بيت المقدس عُرف بالسنة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣).

стр. 108

ومما يؤكد أن نسخ التوجه من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، وقع بالكتاب: ١ - عن البراء بن عازب (١) ﵄-قال: (كان رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجّه نحو الكعبة) (٢). ٢ - عن ابن عمر ﵁ قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة» فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (٣). فقوله في الحديث الأول: (فأنزل الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ

стр. 109

وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجّه نحو الكعبة)، وقوله في الحديث الثاني: (إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة). يدل على التوجه إلى الكعبة كان بأمر الله الذي أنزله في القرآن، وهو قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). ب- أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن (٢)، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٣). ج- أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً بالسنة، ثم نُسخ ذلك بفرض صوم رمضان (٤)، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥). واستُدل للقول الثاني: بأن الله جعل السنة بياناً للكتاب، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

стр. 110

وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). فلو نُسخت السنة بالقرآن لخرجت السنة من كونها بياناً، ولاختلط البيان بالنسخ، لكن إذا انضم إلى السنة الأولى وإلى القرآن الذي أتى برفعه سنة أخرى تبين أن السنة الأولى منسوخة فقد زال ما يُخوف من اختلاط البيان بالنسخ (٢). ولا شك أن القول الأول هو الأرجح والأقوى؛ لوقوع نسخ السنة بالقرآن في مسائل كثيرة، وعدم وجود دليل واضح يمنع من نسخ الكتاب للسنة (٣). وكون السنة بياناً للقرآن لا يمنع أن تنسخ به؛ لأن بيانها بعد النسخ باق في الجملة، وذلك بالنسبة لما لم ينسخ منها (٤) والله أعلم.
следующие страницы →