كما أن إنكار من أنكر على عائشة-﵂-لما صلت على جنازة في المسجد، قد يكون لذلك.
ج- وخروجاً من خلاف أهل العلم.
والله أعلم.
стр. 1157
المطلب الرابع: الزيادة على أربع تكبيرات في الجنازة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الزيادة على أربع تكبيرات في الجنازة منسوخ (١).
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، وابن شاهين (٣)، والنووي (٤)، وزين الدين المنجا (٥)، وأبو إسحاق الجعبري (٦)، والعيني (٧).
وسبب الاختلاف في المسألة عند أهل العلم شيئان: اختلاف الآثار الواردة فيها، والقول بالنسخ (٨).
стр. 1158
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نعى النجاشيّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات» (١).
ثانياً: عن جابر ﵁: «أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشيّ، فكبر أربعاً» (٢).
ثالثاً: عن عبد الله بن عباس-﵄-قال: «آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربعاً» (٣).
стр. 1159
وفي رواية عنه ﵁: «أن رسول الله ﷺ صلى على قتلى أحد فكبر تسعاً تسعاً، ثم سبعاً سبعاً، ثم أربعاً أربعاً، حتى لحق بالله» (١).
وفي رواية أخرى عنه ﵁: «أن النبي ﷺ كان يكبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم خمس تكبيرات، ثم كان آخر صلاته أربع تكبيرات حتى خرج من الدنيا» (٢).
رابعاً: عن ابن عمر-﵄-قال: «آخر ما كبر رسول الله ﷺ على الجنائز أربعاً» (٣).
خامساً: عن أنس بن مالك ﵁: «أن رسول الله ﷺ كبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلى بني هاشم سبع تكبيرات، وكان آخر صلاته أربعاً حتى خرج من الدنيا» (٤).
стр. 1160
سادساً: عن سليمان بن أبي حثمة (١) قال: «كان النبي ﷺ يكبر على الجنائز أربعاً، وخمساً، وستاً، وسبعاً، وثمانياً، حتى جاء موت النجاشيّ، فخرج إلى المصلى فصف الناس وراءه، وكبر عليه أربعاً، ثم ثبت النبي ﷺ على أربع حتى توفاه الله » (٢).
سابعاً: عن سعيد بن المسيب يحدث عن عمر ﵁ قال: (كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً، فاجتمعنا على أربع التكبير على الجنازة) (٣).
ثامناً: عن أبي وائل: (أن عمر بن الخطاب ﵁ جمع أصحاب رسول الله
стр. 1161
- ﷺ ، فسألهم عن التكبير على الجنازة، فأخبر كل واحد منهم بما رأى، وبما سمع، فجمعهم عمر ﵁ على أربع تكبيرات كأطول الصلوات صلاة الظهر) (١).
تاسعاً: عن إبراهيم: أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمساً، وستاً، وأربعاً، حتى قبض النبي ﷺ ، ثم كبروا بعد ذلك في ولاية أبي أبكر ﵁ حتى قبض أبو بكر ﵁، ثم ولي عمر بن الخطاب ﵁ ففعلوا ذلك في ولايته، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إنكم معشر أصحاب محمد ﷺ متى ما تختلفون يختلف من بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية، فأجمعوا على شيء يجتمع عليه من بعدكم، فأجمع رأي أصحاب محمد ﷺ أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها النبي ﷺ حين قبض فيأخذون به، فيرفضون به ما سوى ذلك، فنظروا فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسول الله ﷺ أربعاً) (٢).
وفي رواية عنه قال: (اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ في بيت أبي مسعود الأنصاري، فأجمعوا أن التكبير على الجنازة أربع) (٣).
стр. 1162
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بوجهين:
الأول: إن أبا هريرة ﵁ روى أن النبي ﷺ كبر في الصلاة على النجاشيّ أربعاً، وأبو هريرة ﵁ متأخر الإسلام، والنجاشي توفي سنة تسع، فدل ذلك على أن الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ كبر على الجنازة أربعاً متأخرة، وحديث سليمان بن أبي حثمة صريح في ذلك؛ حيث يدل أن النبي ﷺ كبر على جنازة النجاشي أربعاً، ثم ثبت على أربع حتى توفّاه الله . فثبت من هذا كله أن التكبير على الجنازة أربعاً ناسخ لما روي من الزيادة عليها. ويؤكد ذلك بقية الأحاديث التي فيها أن التكبير على الجنازة أربعاً آخر شيء، وهي وإن كان فيها ضعفاً إلا أن كثرتها وكثرة طرقها تدل على أن لها أصلاً (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إنه كما ثبت عن النبي ﷺ أنه كبر على الجنازة أربعاً، كذلك ثبت عنه ﷺ أنه كبر عليها أكثر من أربع، وهو كذلك صحيح، والأحاديث التي تدل على أن التكبير على الجنازة أربعاً متأخرة، ليست في درجته؛ لذلك فهي لا تقوى على نسخ ما ثبت وصح عن النبي ﷺ فعله، ويؤكد ذلك أن بعض الصحابة-﵃ عملوا به بعد وفاة النبي ﷺ (٢).
стр. 1163
ب-إن تكبير النبي ﷺ على آخر جنازة أربعاً، يحتمل أمرين:
١ - : إنه فعل ذلك ليكون فعله ذلك ناسخاً لغيره.
٢ - إنه فعل ذلك اتفاقاً، لا على قصد إبطال غيره.
والنسخ لا يثبت بالاحتمال (١).
ثانياً -من وجهي النسخ-: إن إجماع الصحابة-﵃ على أربع تكبير على الجنازة يدل على نسخ غيرها؛ وذلك لأن الإجماع وإن لم ينسخ به إلا أنه يدل على أن له مستنداً يدل على النسخ، ويؤكد ذلك ما جاء في رواية إبراهيم أنهم لما اجتمعوا قالوا: انظروا آخر جنازة صلى عليها النبي ﷺ ، فنظروا فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسول الله ﷺ أربعاً (٢).
واعترض عليه: بأنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة-﵃-أنه كبر على الجنازة أكثر من أربع، أو أنه كان يرى جواز ذلك، وقد كان بعض ذلك بعد موت عمر ﵁ (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
стр. 1164
وقد اختلف أهل العلم في عدد التكبير على الجنائز على أقوال أشهرها ثلاثة، وهي:
القول الأول: يكبر على الجنائز أربع تكبيرات.
وهو قول جمهور أهل العلم، منهم أصحاب المذاهب الأربعة (١). و ممن روي عنه أنه فعل ذلك أو قال به: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، وحذيفة، وأبو مسعود، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب، والبراء بن عازب، وأبو
هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس، وابنا علي الحسن، والحسين-﵃ (٢).
وبه قال: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وعطاء، والشعبي، وعلقمة، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك،
стр. 1165
وإسحاق، وداود، وابن جرير الطبري (١).
القول الثاني: يكبر على الجنازة خمساً.
قال به ابن أبي ليلى، وروي ذلك عن ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان-﵃ (٢).
القول الثالث: لا ينقص في التكبير على الجنائز من أربع، ولا يزيد على سبع.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن التكبير على الجنائز أربع- بأدلة، منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أن النبي ﷺ كبر عليها أربعاً، وأن الصحابة اتفقوا على ذلك بعد النبي ﷺ (٤).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يكبر على الجنائز خمساً، بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد يكبر على جنائزنا
стр. 1166
أربعاً، وإنه كبر على جنازة خمساً. فسألته فقال: «كان رسول الله ﷺ يكبرها» (١).
ثانياً: عن حذيفة ﵁ أنه كبر على جنازة خمساً، ثم قال: (رأيت رسول الله ﷺ فعله» (٢).
والحديثان يدلان على أنه يكبر على الجنائز خمساً (٣).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث يتطرق إليها احتمال النسخ؛ لأن الأحاديث التي تدل على أن التكبير على الجنائز أربع، معها ما يدل على تأخرها على غيرها (٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أنه لا ينقص في التكبير على الجنائز من أربع، ولا يزيد على سبع- بأدلة منها ما يلي:
стр. 1167
أولاً: الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ كبر على الجنازة أربعا، وكذلك التي فيها أنه كبر عليها خمساً، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ، وبعضها في دليل القول الثاني.
ثانياً: عن ابن مسعود ﵁ قال: «حفظنا التكبير عن النبي ﷺ ، قد كبر أربعاً، وكبر خمساً، وكبر سبعاً، فما كبر إمامكم فكبروا» (١).
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كبر على الجنازة أربعاً، وكبر خمساً، وكبر سبعاً، فثبت من ذلك أن كل ذلك جائز؛ لذلك فلا يزيد في التكبير عليها عن سبع، ولا ينقص عن أربع (٢).
ويعترض عليه بما اعترض به على استدلال القول الثاني.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أنه يكبر على الجنازة أربعاً، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن الأحاديث التي فيها التكبير على الجنازة أكثر من أربع، يتطرق إليها احتمال النسخ؛ حيث جاءت روايات كثيرة تدل على أن التكبير أربعاً على الجنازة آخر الأمور. وهي بمجموعها تدل على أن لها أصلاً، وهو وإن
стр. 1168
كان احتمالاً إلا أنه احتمال قوي، يؤكده اتفاق الصحابة على ذلك. وقد سبق بيان ذلك كله.
ثانياً: ولأن التكبير أربعاً هو أشهر وأكثر عمل النبي ﷺ ، وقد روي من طريق جماعة من الصحابة أكثر عدداً ممن روي عنهم غير ذلك (١).
ثالثاً: ولأن الصحابة-﵃ أجمعوا على الأربع، وما روي عن بعضهم أنه كبر أكثر من أربع على بعض الجنائز، فهو يحتمل التخصيص ببعض الأموات (٢).
والله أعلم.
стр. 1169
المطلب الخامس: صلاة الجنازة على من مات وعليه دين
ذهب بعض أهل العلم إلى أن ترك النبي ﷺ الصلاة على من مات وعليه دين، كان أولاً، ثم نسخ ذلك (١).
وممن صرح بالنسخ: البيهقي (٢)، والحازمي (٣)، وابن قدامة (٤)، والنووي (٥)، وأبو إسحاق الجعبري (٦).
وأهل المذاهب الأربعة وغيرهم من أهل العلم على أنه لا تترك الصلاة على من مات وعليه دين (٧).
ومن الأدلة على ذلك ما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرجل
стр. 1170
المتوفّى عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدَينه فضلاً؟» فإن حُدّث أنه ترك لدَينه وفاءً صلّى وإلا قال للمسلمين: «صلّوا على صاحبكم»، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفّيَ من المؤمنين فترك ديناً فعلَيّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته» (١).
ثانياً: عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يُصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتيَ
بميت، فقال: «أعليه دين؟»، قالوا: نعم، ديناران، قال: «صلّوا على صاحبكم»، فقال أبو قتادة الأنصاري: هما عليّ يا رسول الله، فصلّى عليه رسول الله ﷺ ، فلمّا فتح الله على رسوله قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديناً فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته» (٢).
ثالثاً: عن الزهري: أن رسول الله ﷺ كان لا يُصلي على من مات وعليه دين. ثم قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك ديناً فعلينا قضاؤه»، ثم صلى عليهم بعد (٣).
стр. 1171
رابعاً: عن ابن عباس-﵄، قال: كان رسول الله ﷺ لا يصلي على من مات وعليه دين، فمات رجل من الأنصار، فقال النبي ﷺ : «أعليه دين؟»، فقالوا: نعم، فقال: «صلّوا على صاحبكم» فنزل جبريل، فقال: «إن الله يقول: إنما الظالم عندي في الديون التي حُملتْ في البغي، والإسراف، والمعصية، فأما المتعفّفُ ذو العيال، فأنا ضامن أن أُؤدّيَ عنه»، فصلى عليه النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ بعد ذلك: «من ترك ضياعاً، أو ديناً فإليّ، وعليّ، ومن ترك ميراثاً فلأهله»، وصلى عليهم (١).
فهذه الأدلة تدل بمجموعها: على أن النبي ﷺ كان لا يصلي على من مات وعليه دين ولم يترك وفاءً، إلا أن يتحمله أحد فيصلي عليه، ثم لما فتح الله عليه الفتوح، لم يترك النبي ﷺ الصلاة على من مات وعليه دين، بل صلى عليه، وأدّى ما عليه من الدين مما فتح الله عليه. فثبت من ذلك نسخ تركه الصلاة على من مات وعليه دين (٢).
والله أعلم.
стр. 1172
المطلب السادس: صلاة الجنازة على من قتل نفسه
ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يترك الصلاة على من قتل نفسه، وأن ترك الصلاة عليه قد نسخ (١).
والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسالة عند من قال به، إلا أن السبب الأصلي لاختلاف أهل العلم فيها هو اختلافهم في سبب ترك النبي ﷺ الصلاة على من قتل نفسه (٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، براً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل
стр. 1173
مسلم براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر» (١).
وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر» (٢).
ثانياً: عن واثلة بن الأسقع (٣) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلوا على كل ميت، و جاهدوا مع كل أمير» (٤).
стр. 1174
ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «صلوا على من قال لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله» (١).
رابعاً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصل الدين: الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل أمير ولك أجرك، والصلاة على كل من مات من أهل القبلة» (٢).
خامساً: عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من السنة: الصف خلف كل إمام لك صلاتك وعليه إثمه، والجهاد مع كل أمير لك جهادك وعليه شره، والصلاة على كل ميّت من أهل التوحيد وإن كان
стр. 1175
قاتل نفسه» (١).
فهذه الأحاديث فيها ضعف إلا حديث أبي هريرة ﵁ فهو صحيح الإسناد، إلا أنه مرسل، والمرسل إذا اعتضد بعمل أكثر أهل العلم يعمل به، وهو موجود هنا. وهي تدل على الصلاة على كل مسلم، سواء كان براً أو فاجراً، ومنهم قاتل نفسه، ونص عليه في الحديث الأخير (٢).
فلعل من قال بنسخ حديث ترك الصلاة على من قتل نفسه يرى أن هذه الأحاديث متأخرة عنه، فتكون ناسخة له.
ويعترض عليه: بأن حديث ترك النبي ﷺ الصلاة على من قتل نفسه صحيح، وهذه الأحاديث ضعيفة فكيف تكون ناسخة له؟. على أنه لا يوجد ما يدل على أنها متأخرة عنه.
كما أنه لا تعارض بينه وبين هذه الأحاديث؛ لأن ترك النبي ﷺ الصلاة على من قتل نفسه لم يكن لأنه لا يجوز الصلاة عليه، بل زجراً للناس عن ارتكاب مثل فعله، لذلك لم يصل عليه، وصلت عليه الصحابة-﵃ (٣).
стр. 1176
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على من قتل نفسه عمداً على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يُصلّى عليه.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وقول جمهور
أهل العلم، منهم: عطاء، والحسن، والنخعي (٥).
القول الثاني: لا يُصلّي عليه الإمام، ويُصلّي عليه سائر الناس.
وهو مذهب الحنابلة (٦).
القول الثالث: لا يُصلّى عليه.
стр. 1177
وهو قول أبي يوسف القاضي (١)، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي (٢)،
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه يُصلى عليه- بما يلي:
أولاً: الأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ (٣).
ثانياً: عن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص (٤)، فقال رسول الله ﷺ : «أما أنا فلا أصلي عليه» (٥).
فالنبي ﷺ قال: (أما أنا فلا أصلي عليه) ولم ينه عن الصلاة عليه، وكان ترك الصلاة عليه من النبي ﷺ زجراً وأدباً، كما جاء في رواية:
стр. 1178
(وكان ذلك منه أدباً) (١). فدل ذلك على أنه
يُصلى عليه (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أنه لا يصلي عليه الإمام، ويصلي عليه غيره- بما يلي:
أولاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
ثانياً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «أُتِيَ النبيُ ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقصَ، فلم يصل عليه» (٣).
ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يصل عليه، فلا يصلى الإمام عليه، ويصلي عليه سائر الناس للأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ (٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن من قتل نفسه فلا يُصلى عليه-بما سبق ذكره في دليل القول الأول من حديث جابر بن سمرة ﵁. فإنه لمّا لم
стр. 1179
يصلّ عليه النبي ﷺ دل ذلك على أنه لا يُصلى عليه (١).
واعترض عليه: بأن ترك النبي ﷺ الصلاة عليه لا يدل على أنه لا يجوز الصلاة عليه، بل كان ذلك أدباً وزجراً كما سبق بيانه (٢).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن القول بنسخ ترك صلاة النبي ﷺ على من قتل نفسه غير صحيح، إذ ليس عليه أي دليل كما سبق ذكره.
ثانياً: إن للإمام أن يترك الصلاة على من قتل نفسه، إذا كان في ذلك زجراً للناس عن ارتكاب مثل فعله، كما ترك النبي ﷺ الصلاة عليه. ويصلى عليه سائر الناس؛ لكونه مسلماً، وعدم وجود ما يدل على حرمة الصلاة عليه.
والله أعلم.
стр. 1180
المطلب السابع: الصلاة على المنافقين
كانت الصلاة على المنافقين (١) جائزة، فصلى رسول الله ﷺ على أبي ابن سلول (٢)، رأس المنافقين، لما مات، ثم نسخ الله ذلك، ونهى رسوله ﷺ عن الصلاة عليهم.
وممن صرح بنسخ الصلاة عليهم: الحازمي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤).
ولا خلاف بين أهل العلم في عدم جواز الصلاة على المنافقين، ولا على أحد غيرهم من الكافرين (٥).
стр. 1181
والدليل على ذلك:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١).
ثانياً: عن ابن عباس-﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دُعيَ له رسول الله ﷺ ليصلي عليه. فلما قام رسول الله ﷺ وثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله أتُصلي على ابن أبيّ؟ وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا، أُعدّدُ عليه قوله. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «أخّر عنّي يا عمر»، فلمّا أكثرت عليه قال: «إنّي خُيِّرتُ فاخترتُ، لو أعلم أنّي لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها». قال فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة براءة: ٨٤]. قال: فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله أعلم) (٢).
ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-أنه قال: لمّا تُوفّيَ عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله (٣) إلى رسول الله ﷺ فأعطاه قميصه،
стр. 1182
وأمره أن يكفّنه فيه. ثم قام يُصلي عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تُصلي عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: «إنما خيّرني الله، أو أخبرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال: سأزيده على سبعين». قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]) (١).
فهذه الأدلة تفيد أن النبي ﷺ صلى على أبيّ ابن سلول، وكان رأس المنافقين، ثم نهي الله تعالى عن الصلاة على المنافقين، فترك رسول الله ﷺ الصلاة عليهم، فنُسخت بذلك الصلاة عليهم، فلم يجز لأحد بعد ذلك أن يصلي على منافق (٢) والله أعلم.
стр. 1183
المطلب الثامن: الاستغفار لموتى المشركين
ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ استغفر لعمه أبي طالب، بعد موته، وقد مات مشركاً، ثم نهى الله النبي ﷺ والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين. فنسخ بذلك جواز الاستغفار لهم (١).
وممن صرح بالنسخ: الحازمي (٢)، والنووي (٣)، وابن حجر (٤).
ولا خلاف بين أهل العلم في عدم جواز الاستغفار لموتى المشركين (٥).
ويدل على ما سبق
أولاً: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
стр. 1184
الْجَحِيمِ﴾ (١).
ثانياً: عن سعيد بن المسيب عن أبيه (٢)، أنه أخبره أنه لمّا حضرت أبا طالب (٣) الوفاةُ
جاءه رسولُ الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام (٤)، وعبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة (٥)، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: «يا عمّ
стр. 1185
قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : «أما والله لاستغفرنّ لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية [التوبة: ١١٣] (١).
ثالثاً: عن علي ﵁ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس استغفر إبراهيمُ لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]) (٢).
стр. 1186
وفي رواية عنه ﵁ قال: «أن النبي ﷺ كان يستغفر لأبويه (١) وهما مشركان، حتى نزلت: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]» (٢).
فهذه الأدلة تفيد أن النبي ﷺ ، وبعض المسلمين استغفروا لبعض أقاربهم وهم مشركون، فنهاهم الله تعالى عن الاستغفار لهم، فنُسخ به عملهم ذلك، وحرم الاستغفار للمشركين (٣).
والله أعلم.
стр. 1187
المطلب التاسع: النياحة على الميت
ذهب بعض أهل العلم إلى أن النياحة (١) كانت أولاً لا بأس بها، ثم نُسخت فحرمت (٢).
ولا خلاف بين أهل العلم في أن النياحة محرمة (٣).
واستدل من قال بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ لمّا رجع من أحد، سمع نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ، فقال: «لكن حمزةُ (٤) لا بواكيَ له». فبلغ ذلك نساء الأنصار، فجئن يبكين على حمزة، قال: فانتبه رسول الله
стр. 1188
- ﷺ من الليل، فسمعهنّ وهنّ يبكين، فقال: «ويحهُنّ! لم يزلن يبكين بعدُ منذ الليلة؟! مروهُنّ فليرجعن، ولا يبكينَ على هالك بعد اليوم» (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: فقال رسول الله ﷺ : «لكن حمزة لا بواكي له» قال: ثم نام، فاستنبه وهنّ يبكين، قال: «فهُنّ اليوم إذاً يبكين يندُبن (٢) .......................
بحمزة» (٣).
ثانياً: عن عبد الله بن عمر-﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة ﵁ شكوى له. فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود-﵃، فلما دخل عليه وجده في غشيّة، فقال: «أقد قضى؟» قالوا: لا. يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ . فلمّا رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا. فقال رسول الله ﷺ : «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا
стр. 1189
بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه- أو يرحم» (١).
ثالثاً: حديث ابن عباس ﵁ في موت إحدى بنات رسول الله ﷺ ، وفيه: قال: فبكت النساء فجعل عمرُ يضربهنّ بسوطه، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، وقال: «مهلاً يا عمر»، ثم قال: «ابكِين وإياكنّ ونعيق الشيطان» ثم قال: «إنه مهما كان من العين والقلب، فمن الله، ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان، فمن الشيطان» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول يدل على أن نساء الأنصار بكين على هلكاهنّ وعلى حمزة ﵁، وكان في هذا البكاء نوح وندبة، يدل عليه الرواية الثانية، وكذلك النهي في آخر الحديث؛ لأن مجرد البكاء غير منهي عنه؛ بدليل الحديث الثاني والثالث، ولم ينههنّ النبي ﷺ أولاً، ثم نهاهنّ عن ذلك، فقال: «ولا يبكين على هالك بعد اليوم»، فنسخ به الجواز السابق، وحرمت النياحة (٣).
هذا كان القول بالنسخ، ودليله.
стр. 1190
ويدل على تحريم النياحة أدلة كثيرة، منها- إضافة إلى ما سبق- ما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اثنان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» (١).
ثانياً: عن أبي مالك الأشعري (٢) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهنّ: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران (٣)، ودرع من جرب» (٤).
ثالثاً: عن أم عطية-﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ في البيعة: «ألا تَنحْنَ». فما وَفَتْ منَّا غير خمس، منهنّ أم سليم (٥)، (٦).
стр. 1191
رابعاً: عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «الميّت يعذّبُ في قبره بما نيح عليه» (١).
فهذه الأحاديث ظاهرة في تحريم النياحة على الميت، فيكون فيها كذلك دلالة على نسخ ما يدل على إباحتها (٢) والله أعلم.
стр. 1192
المطلب العاشر: زيارة القبور
ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعية زيارة القبور، وأن زيارتها كان منهياً عنها أولاً، ثم نسخ ذلك (١).
وممن صرح بالنسخ: ابن شاهين (٢)، وابن عبد البر (٣)، والحازمي (٤)، وابن قدامة (٥)، و النووي (٦)، وأبو إسحاق الجعبري (٧)، وابن حجر (٨).
ويدل على مشروعية زيارة القبور، ونسخ النهي عنها ما يلي:
أولاً: عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة
стр. 1193
القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً» (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة» (٢).
ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت» (٣).
ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإن فيها عبرة، ونهيتكم عن النبيذ، ألا فانتبذوا، ولا أحل مسكراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا
стр. 1194
وادخروا» (١).
رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنه يُرِقُّ القلب، وتُدمع العين، وتُذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً» (٢).
خامساً: عن ابن أبي مليكة (٣)، أن عائشة-﵂-أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، «كان نهى ثم أمر بزيارتها» (٤).
стр. 1195
وفي رواية عنها-﵂: «أن رسول الله ﷺ رخّص في زيارة القبور» (١).
فهذه الأحاديث ظاهرة في مشروعية زيارة القبور، ونسخ النهي عن زيارتها؛ لأنها جاء فيها الأمر بالزيارة بعد النهي عنها (٢).
هذا وقد اختلف أهل العلم في هذا النسخ، وفي الرخصة في الزيارة هل ذلك مختص بالرجال أم لهم وللنساء كذلك، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يشرع لهن زيارة القبور، إذا أمنت الفتنة.
وهو قول بعض الحنفية (٣)، وبعض المالكية (٤)، وبعض الشافعية (٥)،