← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

رابعاً: عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «الميّت يعذّبُ في قبره بما نيح عليه» (١). فهذه الأحاديث ظاهرة في تحريم النياحة على الميت، فيكون فيها كذلك دلالة على نسخ ما يدل على إباحتها (٢) والله أعلم.

стр. 1192

المطلب العاشر: زيارة القبور ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعية زيارة القبور، وأن زيارتها كان منهياً عنها أولاً، ثم نسخ ذلك (١). وممن صرح بالنسخ: ابن شاهين (٢)، وابن عبد البر (٣)، والحازمي (٤)، وابن قدامة (٥)، و النووي (٦)، وأبو إسحاق الجعبري (٧)، وابن حجر (٨). ويدل على مشروعية زيارة القبور، ونسخ النهي عنها ما يلي: أولاً: عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة

стр. 1193

القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذن لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها، فإنها تذكر الآخرة» (٢). ثانياً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت» (٣). ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإن فيها عبرة، ونهيتكم عن النبيذ، ألا فانتبذوا، ولا أحل مسكراً، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا

стр. 1194

وادخروا» (١). رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنه يُرِقُّ القلب، وتُدمع العين، وتُذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً» (٢). خامساً: عن ابن أبي مليكة (٣)، أن عائشة-﵂-أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، «كان نهى ثم أمر بزيارتها» (٤).

стр. 1195

وفي رواية عنها-﵂: «أن رسول الله ﷺ رخّص في زيارة القبور» (١). فهذه الأحاديث ظاهرة في مشروعية زيارة القبور، ونسخ النهي عن زيارتها؛ لأنها جاء فيها الأمر بالزيارة بعد النهي عنها (٢). هذا وقد اختلف أهل العلم في هذا النسخ، وفي الرخصة في الزيارة هل ذلك مختص بالرجال أم لهم وللنساء كذلك، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يشرع لهن زيارة القبور، إذا أمنت الفتنة. وهو قول بعض الحنفية (٣)، وبعض المالكية (٤)، وبعض الشافعية (٥)،

стр. 1196

ورواية عن الإمام أحمد (١). وروي ذلك عن عائشة-﵂ (٢). ونسبه بعض أهل العلم إلى الأكثرين (٣). القول الثاني: يكره لهنّ زيارة القبور. وهو قول بعض الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥)، .................... ومذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). القول الثالث: يحرم لهنّ زيارة القبور. وهو قول بعض الحنفية (٨)، وبعض المالكية (٩)، وبعض الشافعية (١٠)، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار بعض الحنابلة (١١).

стр. 1197

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه يشرع لهن زيارة القبور- بأدلة منها ما يلي: أولاً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث بريدة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس-﵃؛ فإنها عامة تشمل الرجال والسناء. ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عائشة-﵂؛ حيث إنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فلما سُئلت عن زيارة القبور أليس منهياً عنها؟ قالت: «كان نهى ثم أمر بزيارتها». ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي، انقلب فوضع رداءَه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع. فلم يلبث إلا ريثما (١) ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رويداً، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه (٢) رويداً. فجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري. ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع، فقام، فأطال القيام. ثم رفع يديه ثلاث مرات. ثم انحرف فانحرفت. فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت.

стр. 1198

فأحضر فأحضرت (١)، فسبقته فدخلت. فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: «مالك يا عائش؟ حشياً (٢) رابية (٣)!»، قالت: قلت: لا شيء. قال: «لتخبريني أو ليخبرنّي اللطيف الخبير» قالت: قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمّي! فأخبرته. قال: «فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟» قلت: نعم. فلهَدَني في صدري لهدَة (٤) أوجعتني. ثم قال: «أظننت أن يحيف (٥) الله عليك ورسوله؟» قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله. نعم. قال: «فإن جبريل أتاني حين رأيت. فناداني، فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك. وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك. وخشيت أن تستوحشي. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله! قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم للاحقون» (٦).

стр. 1199

رابعاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري»، قالت: إليك عنّي، فإنّك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ . فأتت باب النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوّابين. فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١). ووجه الاستدلال منها، هو: أن حديث بريدة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، و أنس-﵃ عام يشمل الرجال والنساء، وحديث عائشة-﵂ الأول يدل عليه كذلك؛ حيث إنها زارت قبر أخيها، وذكرت أن النبي ﷺ أمر بالزيارة بعد النهي. فمعناه أن الأمر بالزيارة هو للرجال والنساء جميعاً (٢). وحديثها الثاني يدل كذلك على جواز زيارتهن للقبور؛ لأن قولها: (قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله) فهي تعنى إذا زارت القبور، فقال النبي ﷺ لها: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم للاحقون».

стр. 1200

فهو كذلك ظاهر الدلالة على جواز زيارتهنّ القبور (١). وحديث أنس ﵁ يؤيد الجواز كذلك؛ حيث أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة (٢). فثبت مما تقدم أن النساء يجوز لهن زيارة القبور، وأن النهي عن زيارة القبور نسخ في حقهن كما نُسخ في حق الرجال (٣). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن حديث بريدة ﵁، وما في معناه، أدلة عامة، تدل بعمومها على جواز زيارة القبور للنساء، والأدلة التي تدل على نهي النساء عن زيارة القبور، أدلة خاصة، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة (٤). ثانياً: إن حديث عائشة-﵂-جاء في بعض طرقها أنها قالت بعد ما زارت قبر أخيها: (ولو شهدتك ما زرتك) (٥). وهذا يدل

стр. 1201

على أنه من المستقر المعلوم عندها: أن النساء لا يشرع لهنّ زيارة القبور؛ لأنه لو شرعت لها، لزارت قبره سواء شهدته أو لم تشهده (١). وأجيب عنه: أ-بأن حديث بريدة ﵁ وما في معناه عام إلا أنه يقوى بعدم إنكار النبي ﷺ على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره ﷺ حجة (٢). ب- أن الأحاديث التي تدل على نهي النساء عن زيارة القبور، جاء بلفظين (٣): أحدهما: «زوّارات القبور». والثاني: «زائرات القبور». وهذا الثاني ضعيف، وقد روي هو كذلك بلفظ: (زوّارات القبور) والأول صحيح، وهو يدل على نهي النساء اللاتي يكثرن الزيارة. لذلك لا تكون هذه الأدلة معارضة للأحاديث التي تدل على مشروعية عموم الزيارة. وحديث عائشة-﵂-وفعلها موافق لهذه الأحاديث؛ حيث إنها زارت قبر أخيها، ولكنها لم تكثر من الزيارة (٤). واعترض على هذا: بأن قوله: «زوارات القبور» يحتمل أن يكون

стр. 1202

المراد به النسبة، أي نسبة الزيارة لهن، أو ذوات زيارة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١). أي ليس بذي ظلم، وليس للمبالغة في الزيارة، وإذا كان كذلك فإن زيارتهن يكون منهياً عنها (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يكره زيارتهنّ للقبور- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ لعن زوّارات القبور» (٣). ثانياً: عن حسان بن ثابت (٤) ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ زوّارات

стр. 1203

القبور» (١). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، و المتخذين عليها المساجد والسرج» (٢).

стр. 1204

فهذه الأحاديث جاءت خاصة في النساء، وهي تدل على نهيهنّ عن زيارة القبور، والأحاديث التي فيها الأمر بزيارة القبور بعد النهي عنه، عامة، فتكون أحاديث النهي مخصصة لعمومها، فلا يكون نسخ النهي الوارد فيها شاملاً للنساء؛ ولذلك يكون زيارتهنّ للقبور مكروهاً (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: أن الأمر بالزيارة بعد النهي عام للرجال والنساء، يدل عليه ما روته عائشة ﵂، خاصة حديثها الذي قالت فيه بعد رجوعها من زيارة قبر أخيها: «كان نهى ثم أمر بزيارتها». فهو ظاهر في أن الأمر بالزيارة عام يشمل الرجال والنساء، وأنه متأخر عن النهي عن زيارة القبور (٢). ثانياً: أنه لا تعارض بين الأحاديث التي فيها الأمر بزيارة القبور، وبين الأحاديث التي فيها اللعن على زوّارات القبور؛ لأن اللعن فيها للاتي

стр. 1205

يكثرن زيارة القبور؛ حيث جاء لفظ: (زوّارات القبور)، وهو يدل على لعن النساء اللاتي يكثرن الزيارة. بخلاف غيرهنّ فلا يشملهنّ اللعن. أما ورود الحديث عن بعض الصحابة بلفظ: (زائرات القبور) فهو ضعيف، وقد ورد نفس الحديث بلفظ: (زوّارات القبور). وهو الموافق لغيره من الأحاديث فيكون شاهداً لغيره، موافقاً له، وإن كان ضعيفاً في نفسه. وإذاً فيكون الأحاديث التي فيها الأمر بزيارة القبور دالة على مشروعية الزيارة لهن، ويكون النهي واللعن على اللاتي يكثرن زيارة القبور. فالأمر بالزيارة عام، واللعن خاص باللاتي يكثرن الزيارة، ولا تعارض بين العام والخاص (١). وأجيب: بأنه ليس المراد من قوله: (زوارات القبور) المبالغة، بل المراد به النسبة، أي نسبة الزيارة لهن، ولذلك يكون ذلك دليلاً على النهي مطلقاً (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو أن زيارتهنّ للقبور حرام- بما يلي: أولاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول الثاني. ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث جاء فيها اللعن على زوّارات القبور، واللعن يدل على التحريم. فيكون زيارتهنّ للقبور

стр. 1206

حراماً (١). ويعترض على هذا الاستدلال بما اعترض به على استدلال القول السابق. ثانياً: عن أم عطية-﵂-قالت: «نُهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا» (٢). فهذا يدل على نهي النساء عن اتباع الجنائز، - مع ما فيه من الثواب- فزيارة القبور أولى؛ لأنه مختلف في مشروعيته وتحريمه (٣). واعترض عليه: بأن اتباع الجنائز للنساء ليس حراماً عليهنّ، كما هو ظاهر الحديث، وهو قول جمهور أهل العلم (٤). على أن الأمر بزيارة القبور عاماً جاء بعد النهي عنه، أما النهي عن اتباعهنّ الجنائز فلا يوجد ما يدل أنه جاء بعد الأمر باتباع الجنائز.

стр. 1207

الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: يستحب زيارة القبور للرجال؛ للأحاديث الكثيرة الصحيحة الواردة في ذلك، من قول النبي ﷺ ، وفعله، وأن النهي عن زيارة القبور قد نسخ بذلك. ثانياً: يدل على عدم تحريم زيارة النساء للقبور- إذا أمنت الفتنة، ولم يكثرن منه، ولم يترتب على زيارتهنّ ارتكاب محظور من الدعاء لغير الله، وغير ذلك من أمور شركية أو بدعية، وكذلك النياحة وشقّ الجيوب، والسفور والتبرج، وغير ذلك من الأمور المحظورة شرعاً -ما يلي: أ-عموم الأدلة التي تدل على مشروعية زيارة القبور؛ حيث إنها تشمل الرجال والنساء. ب-احتمال أن يكون نهيهنّ عن زيارة القبور منسوخاً، ويقوى هذا الاحتمال بعمل عائشة-﵂، وروايتها الدال على مشروعية الزيارة بعد النهي عنه، وقد قالت ذلك بعد زيارتها لقبر أخيها. كما يؤيد ذلك عدم إنكار النبي ﷺ على المرأة قعودها عند القبر. ج-إن الأحاديث التي يُستدل منها على النهي، تدل-كما قاله غير واحد من أهل العلم- على نهيهنّ من التكثير من الزيارة، فيكون النهي

стр. 1208

فيها من التكثير من الزيارة، لا عن مطلق الزيارة. ولكن مع هذا الأولى والأظهر القول بمنع زيارة النساء للقبور، وذلك لما يلي: أ- لأن حديث بريدة ﵁، وما في معناه، أدلة عامة، تدل بعمومها على جواز زيارة القبور للنساء، والأدلة التي تدل على نهي النساء عن زيارة القبور، أدلة خاصة، والعام لا يعارض الأدلة الخاصة (١). ولا يعترض عليه بأن المراد بالزوارات في الحديث اللواتي تكثرن الزيارة؛ لأنه قد تكون المراد به النسبة إلى الزيارة، لا المبالغة في الزيارة، كما سبق بيانه، ويؤكد هذا الاحتمال كون الحديث جاء في رواية بذكر لفظ: (زائرات القبور). ب- ولأن أهل العلم اختلفوا في حكم زيارتهنّ للقبور، فقيل بالجواز، وقيل بالتحريم. وما اختلف في جوازه وتحريمه-ولا يوجد ما يدل على القطع- فتركه أولى؛ لقول النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢). ج- ولأن القول بالمنع أحوط؛ لأن المرأة إذا تركت الزيارة لا تأثم، وإذا حصلت منها الزيارة تعرضت للعن (٣).

стр. 1209

د-ولأن ارتكاب المحظورات قد كثر عند القبور. كما كثرت الفتن، ولذلك كره كثير من أهل العلم خروجهنّ إلى الصلوات، فالخروج إلى زيارة القبور أولى بالكراهة. والله أعلم.

стр. 1210

الباب الثاني الزكاة، والصوم، والحج وأحكام الحرمين وفيه فصلان: الفصل الأول: الزكاة. الفصل الثاني: الصوم، والحج وأحكام الحرمين.

стр. 1211

الفصل الأول: الزكاة وفيه مبحثان: المبحث الأول: وجوب الزكاة، وزكاة بهيمة الأنعام. المبحث الثاني: زكاة الحبوب والثمار، وقسم الصدقات، وزكاة الفطر.

стр. 1212

المبحث الأول وجوب الزكاة، وزكاة بهيمة الأنعام وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حقوق المال سوى الزكاة. المطلب الثاني: أخذ شطر مال مانع الزكاة. المطلب الثالث: استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة. المطلب الرابع: إخراج زكاة البقر بالغنم.

стр. 1213

المطلب الأول: حقوق المال سوى الزكاة ذهب بعض أهل العلم إلى أن وجوب الزكاة (١) نسخ وجوب غيرها من الحقوق (٢) والصدقات (٣). وممن صرح بالنسخ: الضحاك بن مزاحم (٤)، وأبو بكر

стр. 1214

الجصاص (١)، ................. والبيهقي (٢)، وابن عبد البر (٣)، والسمعاني (٤)، والمجد ابن تيمية (٥). وروي نحوه عن علي بن أبي طالب (٦)، وابن عباس (٧) ﵄. ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة

стр. 1215

شيئان: الاختلاف في مفهوم الأدلة الواردة فيها، والقول بالنسخ (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً أتى النبي ﷺ فقال: دُلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: «تعبدُ الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلمّا ولّى قال النبي ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (٢). ثانياً: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطّوّع». فقال رسول الله ﷺ : «وصيام شهر رمضان»، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع»، قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (٣). ثالثاً: عن خالد بن أسلم (٤) قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر-رضي الله

стр. 1216

عنهما-، فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال ابن عمر: (من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له. إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلمّا أُنزلت جعلها الله طُهراً للأموال) (١). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك» (٢). خامساً: عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شرّه» (٣).

стр. 1217

سادساً: عن فاطمة بن قيس (١) ﵂ مرفوعاً: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (٢). سابعاً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (٣). ثامناً: الإجماع، فقد أجمع الصحابة-﵃ على عدم وجوب حق في المال سوى الزكاة (٤).

стр. 1218

ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية: أولاً: إن الأحاديث الخمس الأول تدل على أن من أدى الزكاة المفروضة فقد قضى ما عليه، وليس عليه شيء غير ذلك إلا أن يتطوع. وأن الزكاة طُهْرة للمال، ويذهب عن الشخص شره. فتكون هذه الأحاديث ناسخة للأحاديث التي تفيد أن في المال حقاً سوى الزكاة؛ لأن مع هذه الأحاديث ما يدل على تأخرها، وهو رواية علي ﵁ (١). واعترض عليه: بأن رواية علي ﵁ ضعيف (٢)، لا تقوم به الحجة، ويؤكد ذلك أن بعض الحقوق التي قيل بنسخها ذكرت في بعض الأحاديث مع ذكر الزكاة، كما أن فرض الزكاة متقدم على إسلام بعض من روى هذه الحقوق. فهذا مما يعكر القول بنسخها بالزكاة (٣). ثانياً: -من وجوه النسخ-إن الصحابة-﵃ أجمعوا على أنه ليس في المال حقاً سوى الزكاة، مع أنه قد ورد أحاديث تفيد أن في المال حقاً سوى الزكاة، فدل ذلك على أن الأحاديث التي تدل على أنه ليس في المال

стр. 1219

حقاً سوى الزكاة متأخرة؛ يدل الإجماع على تأخرها؛ فيكون ذلك دليلاً على النسخ (١). واعترض عليه: بأن هذا الإجماع فيه نظر؛ إذ روى عن ابن عمر ﵁ القول بأن في المال حقاً سوى الزكاة (٢). وأجيب عنه: بأن قوله ذلك يحتمل أنه أراد به الاستحباب والندب. والمراد بالنسخ هو نسخ الوجوب، فلا يكون ذلك منافياً لإجماع. هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في هل يجب في المال حق سوى الزكاة؟ على قولين: القول الأول: أنه لا يجب في المال صدقة ولا حق مالي سوى الزكاة، لكن إن نزلت حاجة فإنه يجب صرف المال إليها حسب الحاجة والضرورة. وهو قول جمهور أهل العلم (٣)، منهم الحنفية (٤)، والمالكية (٥)،

стр. 1220

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: أنه يجب في المال حقاً سوى الزكاة. روي ذلك عن ابن عمر ﵁ (٣)، وقال به مجاهد، والشعبي، والحسن، وعطاء، وطاووس. واختاره ابن حزم، وأبو عبد الله القرطبي (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة- بالأدلة التي سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أنه لا يجب في المال حق بعد الزكاة (٥). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجب في المال حقاً سوى الزكاة- بأدلة من أهمها ما يلي:

стр. 1221

أولاً: قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١). فهذه الآية تدل على أن في المال حقاً سوى الزكاة؛ لأنه جاء فيها ذكر الزكاة بعد قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ فدل أن ذلك غير الزكاة (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣). فهذا حق غير الزكاة؛ لأن الزكاة فرضت بالمدينة، وهذه الآية مكية؛ لذلك أوله بعض أهل العلم بأنه حق سوى الزكاة (٤). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت، إذا هولم يعط فيها حقها، تطؤُه بأخفافها. وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤُه بأظلافها وتنطحه بقرونها. قال ومن حقها أن تحلب على الماء.» الحديث (٥). وفي رواية عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حق الإبل أن تحلب على

стр. 1222

الماء» (١). رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يُؤدى حقها، إلا أُقعد لها يوم القيامة بقاعٍ (٢) قرقرٍ (٣)، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذٍ جمّاء (٤) ولا مكسورة القرن». قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: «إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها (٥)، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله» الحديث (٦). فثبت من الحديثين أن في بهيمة الأنعام حقاً سوى الزكاة (٧). خامساً: عن فاطمة بنت قيس-﵂-عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1223

«إن في المال لحقاً سوى الزكاة» ثم تلا هذه الآية التي في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٧]، الآية (١). وهذا الحديث نص صريح في أن في المال حقاً سوى الزكاة (٢). واعترض على الاستدلال من هذه الأدلة بما يلي: أولاً: إن هذه الأدلة تدل على أن في المال حقاً سوى الزكاة، لكنها تحتمل أن تكون قبل أن تفرض الزكاة، فتكون منسوخة به (٣). ثانياً: إنه يمكن الجمع بين هذه الأدلة وأدلة القول الأول؛ وذلك بحمل هذه الأدلة على الاستحباب والإرشاد إلى الفضل؛ لأن الحقوق منها ما هو

стр. 1224

واجب، ومنها ما هو مندوب. فيكون المراد بهذه الأدلة الحقوق المندوبة لا الواجبة؛ وذلك للأدلة الدالة على أن المفروض في الأموال هو الزكاة فقط (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه إن نزلت بالمسلمين حاجة، أو وُجد لشخص ذوو أرحام محتاجين وعاجزين عن التكسُّب، أو وُجد جائع مضطر إلى طعام، أنه يجب الإنفاق عليهم، ولو كان ذلك بعد أداء الزكاة، كما أن النفقات الواجبة على الشخص من نفقة الزوجة والأولاد، ومن يعوله، يجب على الشخص في ماله غير الزكاة. وأنه ليس شيء من هذا منسوخاً (٢). ثانياً: إن الراجح هو قول الجمهور، وهو أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة، وذلك لما يلي: أ-للأحاديث التي سبقت في أدلة القول بالنسخ، والتي تدل على أن من أدى زكاة ماله فليس عليه فيه غيرها إلا أن يتطوع. ب-ولأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث التي تدل على أن في المال حقاً سوى الزكاة، وبين التي تدل على أن من أدى زكاة ماله فلا يجب

стр. 1225

عليه فيه غيرها، وذلك بحمل النوع الأول من الأدلة على الاستحباب والندب، وحمل ما يخالفها على عدم الوجوب. ثالثاً: إن القول بأن الزكاة نسخت غيرها من الحقوق والصدقات، قول له وجه واحتمال، -والمراد به نسخ وجوبها-؛ وذلك لما يلي: أ- ما روى عن علي وابن عباس-﵄ من أن الزكاة نسخت غيرها من الحقوق والصدقات في الأموال. ويقوى ذلك بقول ابن عباس ﵁: (من أدى زكاة ماله فليس عليه جناح أن لا يتصدق) (١). ب-الإجماع الذي نقله بعض أهل العلم عن الصحابة-﵃ على أن الزكاة نسخت غيرها من الحقوق والصدقات في الأموال. وقول ابن عمر ﵁: (إن في المال حقاً سوى الزكاة) ليس مبطلاً للإجماع؛ لأن قوله ذلك يحتمل أنه أراد به الندب والاستحباب، يدل عليه قوله السابق في المراد بالكنز: (من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له. إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلمّا أُنزلت جعلها الله طُهراً للأموال) (٢). والله أعلم.

стр. 1226

المطلب الثاني: أخذ شطر مال مانع الزكاة ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أخذ شطر مال مانع الزكاة كان في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، لذلك لا يُؤخذ ممن منع زكاة ماله غرامة مالية، بل يُؤخذ منه الزكاة المقدر في ماله (١). وممن قال بالنسخ: الإمام الشافعي (٢)، والطحاوي (٣)، والبيهقي (٤)، والسمعاني (٥). ويتبين منه، ومما يُذكر من الأدلة في المسألة، أن سبب اختلاف الفقهاء في المسألة شيئان: الاختلاف في صحة الحديث الدال عليها، والقول بالنسخ (٦).

стр. 1227

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (١). ثانياً: عن أبي حُرَّة الرقاشي (٢)، عن عمه (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٤). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد» (٥).

стр. 1228

رابعاً: حديث فاطمة بنت قيس-﵂ مرفوعاً: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (١). خامساً: الإجماع، وذلك لأن الصحابة-﵃ في زمن أبي بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ لم يأخذوا ممن منع الزكاة، زيادة على الزكاة، ولم ينقل عنهم قول بذلك (٢). ويُستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن أنه لا يجوز أخذ مال المسلم إلا بطيب نفس منه، وأن المال ليس فيه حقاً سوى الزكاة، فتكون هذه الأحاديث ناسخة للذي يفيد أخذ شطر مال مانع الزكاة؛ لأنه ليس من الزكاة، ولا يطيب به نفس صاحبه، ويدل على تأخر هذه الأحاديث على ذلك الحديث: ١ - أن بعض هذه الأحاديث فيها بيان أن هذه الأحاديث قالها رسول الله ﷺ في حجة الوداع، كما هو مصرح به في حديث ابن عباس، وكذلك في بعض طرق حديث أبي حرة الرقاشي. ٢ - عدول الصحابة-﵃ عن العمل به؛ حيث لم

стр. 1229

يأخذوا زيادة على الزكاة ممن منعها؛ فإجماعهم على ترك العمل به دليل على نسخه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم المسألة على قولين: القول الأول: إنه لا يُؤخذ ممن منع الزكاة زيادة على الزكاة. وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أهل المذاهب الأربعة (٢). القول الثاني: إن من منع الزكاة فإنها تُؤخذ منه، وشطر ماله. وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣)، وقول للإمام أحمد (٤)، وبه قال إسحاق، و الأوزاعي (٥). الأدلة أما القول الأول، فيُستدل له بما سبق من الأدلة في دليل القول

стр. 1230

بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أنه لا يُؤخذ ممن منع زكاة ماله غير الزكاة (١). دليل القول الثاني ويُستدل له بحديث معاوية بن حيدة (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في كل سائمة إبل، في أربعين بنت لبون، لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد منها شيء» (٣).
следующие страницы →