← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

المطلب الثاني: أخذ شطر مال مانع الزكاة ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أخذ شطر مال مانع الزكاة كان في أول الإسلام، ثم نُسخ ذلك، لذلك لا يُؤخذ ممن منع زكاة ماله غرامة مالية، بل يُؤخذ منه الزكاة المقدر في ماله (١). وممن قال بالنسخ: الإمام الشافعي (٢)، والطحاوي (٣)، والبيهقي (٤)، والسمعاني (٥). ويتبين منه، ومما يُذكر من الأدلة في المسألة، أن سبب اختلاف الفقهاء في المسألة شيئان: الاختلاف في صحة الحديث الدال عليها، والقول بالنسخ (٦).

стр. 1227

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم» (١). ثانياً: عن أبي حُرَّة الرقاشي (٢)، عن عمه (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٤). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجته: «ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل له دمه ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد» (٥).

стр. 1228

رابعاً: حديث فاطمة بنت قيس-﵂ مرفوعاً: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (١). خامساً: الإجماع، وذلك لأن الصحابة-﵃ في زمن أبي بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ لم يأخذوا ممن منع الزكاة، زيادة على الزكاة، ولم ينقل عنهم قول بذلك (٢). ويُستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن أنه لا يجوز أخذ مال المسلم إلا بطيب نفس منه، وأن المال ليس فيه حقاً سوى الزكاة، فتكون هذه الأحاديث ناسخة للذي يفيد أخذ شطر مال مانع الزكاة؛ لأنه ليس من الزكاة، ولا يطيب به نفس صاحبه، ويدل على تأخر هذه الأحاديث على ذلك الحديث: ١ - أن بعض هذه الأحاديث فيها بيان أن هذه الأحاديث قالها رسول الله ﷺ في حجة الوداع، كما هو مصرح به في حديث ابن عباس، وكذلك في بعض طرق حديث أبي حرة الرقاشي. ٢ - عدول الصحابة-﵃ عن العمل به؛ حيث لم

стр. 1229

يأخذوا زيادة على الزكاة ممن منعها؛ فإجماعهم على ترك العمل به دليل على نسخه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم المسألة على قولين: القول الأول: إنه لا يُؤخذ ممن منع الزكاة زيادة على الزكاة. وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أهل المذاهب الأربعة (٢). القول الثاني: إن من منع الزكاة فإنها تُؤخذ منه، وشطر ماله. وهو القول القديم للإمام الشافعي (٣)، وقول للإمام أحمد (٤)، وبه قال إسحاق، و الأوزاعي (٥). الأدلة أما القول الأول، فيُستدل له بما سبق من الأدلة في دليل القول

стр. 1230

بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أنه لا يُؤخذ ممن منع زكاة ماله غير الزكاة (١). دليل القول الثاني ويُستدل له بحديث معاوية بن حيدة (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في كل سائمة إبل، في أربعين بنت لبون، لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عَزْمة من عزمات ربنا ، ليس لآل محمد منها شيء» (٣).

стр. 1231

والحديث يدل على أن من منع الزكاة فإنها تؤخذ منه، وشطر ماله (١). واعترض عليه: بأن عدول الصحابة-﵃-عن العمل به، بعد موت النبي ﷺ يدل على نسخه؛ وإلا لما تركوا العمل به (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب-أن الراجح هو القول الأول، وهو أنه لا يؤخذ ممن منع زكاة ماله إلا الزكاة؛ وذلك لما يلي: أ-لاحتمال أن يكون حديث أخذ شطر مال مانع الزكاة منسوخاً، كما قاله جماعة من أهل العلم. ب-ولعدول الصحابة ﵃ عن العمل به بعد موت النبي ﷺ . والله أعلم.

стр. 1232

المطلب الثالث استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الآثار التي تدل على استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، إن ثبتت فهي منسوخة (١). ويدل عليه قول ابن حزم (٢). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الأصلي له هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: حديث أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سُئل فوقها فلا يعط: -وفيه- «فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون (٤)، وفي كل

стр. 1233

خمسين حقة (١) الحديث (٢). ثانياً: عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عُمّاله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: «في خمس من الإبل شاة-إلى قوله: -فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون» الحديث (٣).

стр. 1234

ثالثاً: حديث علي ﵁ مرفوعاً، وفيه: «فإذا زادت واحدة-يعني واحدة وتسعين-ففيها حقتان طروقتا الجمل، إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة» الحديث (١). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فيكون في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حِقّة، وأنه قد استقر العمل على ذلك بعد النبي ﷺ ، وهو آخر شيء في فريضة الإبل؛ حيث إن النبي ﷺ كتب ذلك ولم يخرجه إلى عُمّاله حتى قبض، فيكون ذلك ناسخاً لما يخالفه (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.

стр. 1235

وقد اختلف أهل العلم في استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، على قولين: القول الأول: أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة، فيكون في كل خمس من الزيادة شاة وحقتان إلى خمس وأربعين، فيكون فيها حقتان وبنت مخاض، إلى مائة وخمسين فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم تُستأنف الفريضة كذلك بالغاً ما بلغ. وهو مذهب الحنفية (١)، وقول النخعي، والثوري، وروى عن ابن مسعود ﵁ (٢). القول الثاني: أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فإن الفريضة تستقر، فيكون في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا تُستأنف الفريضة. وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 1236

وقال به الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود (١). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه يستأنف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة- بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٢) أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً -وفيه-: «فإذا كانت أكثر من ذلك إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، فإذا كانت أكثر من ذلك فاعدد في كل خمسين حقة، وما كان أقل من خمس وعشرين ففي كل خمس شاة، ليس فيها هرمة (٣) ولا ذات عوار (٤) من الغنم» الحديث (٥).

стр. 1237

وفي رواية: «إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة، وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذود (١) شاة، ليس فيها ذكر ولا هرمة ولا ذات عوار من الغنم» (٢).

стр. 1238

ثانياً: عن علي ﵁ قال: (إذا زادت الإبل على عشرين ومائة استؤنف بها الفريضة بالحساب الأول) (١). فهذه الأدلة تدل على استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة (٢). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن حديث عبد الله بن أبي بكر، وكذلك رواية علي ﵁ متكلم فيهما؛ لذلك فهما لا يقويان على معارضة الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة فتكون في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون (٣). ثانياً: إن حديث عبد الله بن أبي بكر، وكذلك الرواية عن علي ﵁ وردا بالسياق المذكورين، ووردا بأنه إذا زادت الإبل على عشرين ومائة فإنه في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون. وبهذا السياق يكونان موافقين لحديث أنس وابن عمر، وغيرهما-﵃-بأن

стр. 1239

الإبل إذا زادت على عشرين، فإنه يكون في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فيكون الأخذ بهذا السياق أولى؛ لموافقته للروايات الأخرى (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو عدم استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة بل يكون في كل خمسين حقة، وكل أربعين ابنة لبون- بالأحا ديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنها تدل على أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فإنه يكون في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، وليس فيها غير ذلك (٢). الراجح بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني- وهو عدم استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة- وذلك: أ-لقوة أدلته، وصحتها. ب-ولأن أدلته لم تختلف رواياته؛ حيث إنها رويت بسياق واحد، وهو أن الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فإنه يكون في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون. بخلاف أدلة القول الأول؛ حيث إنها اختلفت رواياته؛ حيث رويت بسياق تدل على ما يدل عليه أدلة القول الثاني. ورُويت بسياق

стр. 1240

تدل على استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة (١). ثانياً: إن القول بنسخ ما يدل على استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة-على تقدير ثبوته وصحته- له وجه واحتمال؛ وذلك لأن الأدلة التي تدل على عدم استئناف الفريضة إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، معها ما يدل على أنها آخر شيء في فريضة الإبل؛ لأن ذكر استئناف الفريضة ورد في حديث عمرو بن حزم (٢) ﵁، وقد كتب له النبي ﷺ ذلك لما استعمله على نجران (٣). أما فريضة الإبل في حديث أنس وابن عمر-﵄ فإنه يدل على أن النبي ﷺ كتب ذلك ولم يخرجه إلى عُمّاله حتى قبض، فأخرجه أبو بكر ﵁ إلى عماله، فعملوا به، ثم عمر ﵁، فيدل ذلك على أن ذلك كان قرب وفاة رسول الله ﷺ ، لذلك يكون حديث أنس ﵁ وما في معناه ناسخاً لما يخالفه (٤). والله أعلم.

стр. 1241

المطلب الرابع: إخراج زكاة البقر بالغنم ذهب بعض أهل العلم (١) إلى أن البقر كانت تزكى بالغنم، فكان في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بقرة. ثم نسخ ذلك، وجُعل في كل ثلاثين بقرة تبيعاً (٢)، وفي كل أربعين مسنّة (٣). وممن صرح بالنسخ: أبو حامد الرازي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥). وذهب الزهري إلى عكس ذلك، فقال: إن زكاة البقر بالغنم إلى خمس وعشرين هو الناسخ لزكاة البقر بأن يكون في كل ثلاثين تبيعاً، وفي كل أربعين مسنة (٦). وتبين منه، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (٧).

стр. 1242

ويستدل لمن قال بنسخ زكاة البقر بالغنم بما يلي: أولاً: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، «فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أوتبيعة، ومن كل أربعين مُسنّة، ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافر» (١). ثانياً: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة» (٢).

стр. 1243

ثالثاً: حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي ﷺ كتب لهم كتاباً، وفيه: «وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على أن البقر ليست فيها صدقة حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. ثم من هذه الأدلة حديث معاذ ﵁، وقد أمره النبي ﷺ بذلك لمّا أرسله إلى اليمن، وكان ذلك في آخر عمره ﷺ ؛ حيث إنه ﷺ توفي قبل أن يرجع معاذ ﵁ من اليمن، لذلك تكون هذه الأدلة ناسخة لما يخالفها؛ لأنها آخر شيء (٢). ويستدل لمن قال بأن زكاة البقر بالغنم هو الناسخ لما يخالفه بما يلي: أولاً: عن محمد بن عبد الرحمن (٣)، أن في كتاب صدقة النبي ﷺ ،

стр. 1244

وفي كتاب عمر بن الخطاب: «أن البقر يؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل» (١). ثانياً: حديث معمر مرفوعاً: «فيما سقت السماء والأنهار العشر، وفيما يسقى بالسنا (٢) نصف العشر، وفي الإبل مثل البقر» (٣). ثالثاً: عن جابر بن عبد الله ﵁: (في كل خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي كل عشرين أربع شياه) (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على أنه يجب في البقر مثل ما يجب في الإبل، والإبل يجب في كل خمس شاة إلى خمس

стр. 1245

وعشرين، فكذلك البقر، ثم هذه الأدلة متأخرة عن التي تدل على أن في البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، يدل على تأخرها عليها قول الزهري؛ حيث قال: (وبلغنا أن قولهم: قال النبي ﷺ : «في كل ثلاثين بقرة تبيع، وفي كل أربعين بقرة بقرة» إن ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن، ثم كان هذا بعد ذلك) (١). فدل هذا على أن زكاة البقر بالغنم هو الناسخ لما يخالفه (٢). واعترض عليه بما يلي: أ-بأن الأدلة المخالفة لهذه الأدلة أقوى، وأصح ما يوجد في الباب، لذلك فهذه الأدلة لا تقوى على مقاومتها، فكيف تكون ناسخة لها (٣). ب-إنه لا يوجد دليل على أن هذه الأدلة متأخرة على ما يخالفها، ومجرد القول بأن هذا بعد هذا ليس دليلاً على النسخ (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في إخراج زكاة البقر بالغنم، على أقوال أشهرها قولان:

стр. 1246

القول الأول: أنه ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقة، فإذا بلغت ثلاثين، ففيها تبيع أو تبيعة، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين، ففيها مسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول جمهور أهل العلم (٥). وقال أبو عبيد: لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم (٦). القول الثاني: أن البقر تزكى بالغنم فتكون في كل خمس شاة حتى خمس وعشرين، كالإبل. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي قلابة، وقتادة، والزهري (٧).

стр. 1247

الأدلة أما القول الأول فيستدل له بأدلة، منها ما سبق ذكره في دليل القول بنسخ زكاة البقر بالغنم؛ حيث إنها تدل على أن البقر ليس فيها شيء حتى تبلغ ثلاثين، فيكون فيها تبيع أو تبيعة، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة. ثم في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة (١). دليل القول الثاني ويستدل له بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بنسخ ما يدل على عدم زكاة البقر بالغنم؛ حيث إنها تدل على أن البقر تزكى مثل الإبل، في كل خمس شاة حتى خمس و عشرين (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو أن البقر لاشيء فيها حتى تبلغ ثلاثين، ثم فيها تبيع أو تبيعة، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، ثم في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة. وذلك لما يلي: أ- لقوة أدلته، فإنها أصح ما يوجد في المسألة (٣).

стр. 1248

ب- إنه مما عمل به جماعة الخلفاء بعد النبي ﷺ (١). ثانياً: إن الأدلة التي تدل على أن في كل خمس من البقر شاة، إلى خمس وعشرين كالإبل، إن صحت فإنها تحتمل أن تكون منسوخة بما يخالفها؛ وذلك لأنه ورد في كتاب الصدقات لأبي بكر، وعمر، وعلي-﵃، وكذلك في حديث معاذ ﵁، أن البقر لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين، فيكون فيها تبيع أو تبيعة. وقد سبق أن كتاب أبي بكر ﵁ في الصدقات آخر شيء في الصدقات؛ حيث إن النبي ﷺ كتبه وتوفي قبل أن يخرجه لعماله، فأخرجه أبو بكر ﵁ وعمل به. كما أن حديث معاذ ﵁ متأخر؛ حيث إن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن، وتوفي ﷺ قبل أن يرجع معاذ من اليمن (٢). ثالثاً: إنه لا يصح القول بأن الأدلة التي تدل على إخراج زكاة البقر بالغنم هي الناسخة لما يخالفها، وذلك لما يلي: أ- لأن تلك الأدلة ضعيفة لا تقاوم الأدلة التي تخالفها فضلاً عن أن تكون

стр. 1249

ناسخة لها (١). ب- لأنه لا يوجد ما يدل على أن تلك الأدلة متأخرة على ما يخالفها. والله أعلم.

стр. 1250

المبحث الثاني زكاة الحبوب والثمار، وقسم الصدقات، وزكاة الفطر وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: خرص الثمار. المطلب الثاني: الإعطاء من الزكاة للمؤلفة قلوبهم. المطلب الثالث: حكم صدقة الفطر.

стр. 1251

المطلب الأول: خرص الثمار ذهب بعض أهل العلم (١)، ومنهم الطحاوي (٢)، والعيني (٣)، إلى أن خرص (٤) الثمار على أهلها، ثم التخلي بينهم وبينها يفعلون بها ما شاؤوا، ثم يؤدون منها الزكاة على ما خرص عليهم، قد نسخ. ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة ثلاثة أشياء: اختلاف الآثار، والاختلاف في مفهومها، والقول بالنسخ (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ أنه قال: (أفاء الله خيبر على رسول الله ﷺ ، فأقرَّهم رسول الله ﷺ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة (٦) فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود، أنتم

стр. 1252

أبغض الخلق إليَّ، قتلتم أنبياء الله ، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إيَّاكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فليَ. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، قد أخذنا، فاخرجوا عنَّا) (١). وفي رواية أخرى عنه ﵁ يقول: (خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود لمّا خيَّرهم ابن رواحة أخذوا الثمر، وعليهم عشرون ألف وسق) (٢). ثانياً: عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ بعث ابن رواحة إلى خيبر، يخرص عليهم، ثم خيَّرهم أن يأخذوا أو يردوا، فقالوا: هذا الحق، بهذا قامت السماوات والأرض» (٣).

стр. 1253

ثالثاً: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الخرص، وقال: «أرأيتم إن هلك الثمر أيحب أحدكم أن يأكل مال أخيه بالباطل» (١). رابعاً: عن عبد الله بن عمر-﵄ (أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة). والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الزبيب بالكَرْم كيلاً (٢). خامساً: عن سهل بن أبي حثمة (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: «ذلك الربا، تلك المزابنة» إلا أنه رخّص في بيع العرية، النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً (٤).

стр. 1254

ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية: الوجه الأول: أن حديث عبد الله بن رواحة ﵁ يدل على أنه كان يخرص الثمار على أهلها، ثم يضمنهم الشطر، وقد اتفق الفقهاء على أن الخرص لا يجعل الثمرة في ضمان أهلها، فدل اتفاقهم على خلافه أنه منسوخ (١). واعترض عليه بما يلي: أ-بأن الخرص يكون بعد بدو صلاح الثمر، وذلك للتوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، والبيع من زهوها، وإيثار الأهل والجيران والفقراء. ثم يؤدون منه الزكاة على ما خُرص عليهم. فلو أصابت الثمر جائحة بعد الخرص وقبل الجذاذ فلا ضمان على أربابها بإجماع من أهل العلم. أما ما أنفقوها بتصرفاتهم فإنهم يؤدون زكاته على ما خُرص عليهم، وليس في حديث عبد الله بن رواحة ﵁ أنه ضمَّنهم الشطر ولو أصابت الثمر جائحة (٢).

стр. 1255

ب-إن حديث عبد الله بن رواحة ﵁ يدل بمجموع طرقه على أن اليهود كانوا يدعون الحيف في الخرص، لذلك كان عبد الله بن رواحة ﵁ يخيرهم بعد الخرص إما أن يقبلوا ويأخذوا بما خُرص عليهم، أو أن الثمر يكون للمسلمين على ما خُرص، ويؤدون إلى اليهود نصفها. ولم يكن التضمين بالشطر إلا لليهود، لأنهم غير أمناء. واتفاق أهل العلم على أن الخرص لا يجعل الثمرة في ضمان أهلها، هو في حق المسلمين، لا في حق يهود خيبر، لذلك فاتفاق الفقهاء على خلافه لا يدل على نسخه (١). ج- إن أهل العلم لم يتفقوا على العمل على خلاف الخرص حتى يقال بنسخه، بل جمهور أهل العلم قالوا بالخرص، وإنما اتفقوا على أن الخرص لا يجعل الثمرة في ضمان أهلها، فإن كان يقال بالنسخ، فينبغي أن يقال بنسخ تضمين أرباب الثمار ما خرص عليهم بالخرص فقط؛ لأن أهل العلم اتفقوا على خلافه (٢). الوجه الثاني للنسخ: إن أحاديث الخرص تدل على تمليك الخراص أصحاب الثمار حق الله تعالى فيها، وهي رطب، ببدل يأخذونه منهم ثمراً، فهو من بيع الثمر بالتمر، ويسمى بالمزابنة، وهو من الربا، كما يدل عليه حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ وغيره، والربا قد نسخ، فيكون الخرص منسوخاً بنسخ الربا (٣). واعترض عليه بما يلي: أ- إن تحريم الربا متقدم، والخرص عمل به في حياة النبي ﷺ حتى مات، ثم أبو بكر، وعمر-﵄-فمن بعدهم، فكيف يقال: بأن الخرص نسخ بنسخ الربا (٤).

стр. 1256

ب-على تقدير أن الربا نسخ بعد الخرص، فيقال: بأن الخرص مستثنى من النهي عن المزابنة (١). الوجه الثالث للنسخ: إنه قد ورد ذكر الخرص في غير ما حديث، ثم حديث جابر ﵁ الأخير فيه النهي عن الخرص، فدل ذلك على النسخ؛ لأن الحظر بعد الإباحة علامة النسخ (٢). واعترض عليه: بأن حديث جابر ﵁ في النهي عن الخرص، هو في الخرص في البيع، لا في خرص الثمار في الصدقات (٣)، يدل عليه رواية أخرى عن جابر ﵁، وهو عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في تقدير النصاب في الثمار بالخرص على قولين: القول الأول: إن الخرص مكروه، وباطل لا اعتبار له، وإنما على رب المال أن يؤدي عشر ما تحصل بيده، زاد على الخرص أو نقص منه.

стр. 1257

وهو مذهب الحنفية (١)، وقول الشعبي، والثوري (٢). القول الثاني: إن تقدير الثمار بالخرص في الزكاة سنة ومعمول به. وهو قول لأبي حنفية، ومحمد بن الحسن (٣)، ومذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وسهل بن أبي حثمة-﵃ (٧). وبه قال القاسم بن محمد، والحسن، وعطاء، والزهري، وعمرو بن

стр. 1258

دينار، وأبو عبيد، والليث، وداود، وأبو ثور (١)، وجمهور أهل العلم (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو عدم اعتبار الخرص في الزكاة-بما يلي: أ-ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث جابر ﵁ والذي فيه النهي عن الخرص. ب- الأحاديث التي فيها النهي عن المزابنة، والربا، ومنها حديث ابن عمر، وسهل بن أبي حثمة-﵄، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها: هو أن الخرص يؤدي إلى المزابنة والربا، وهو منهي عنه، وحديث جابر ﵁ صريح في النهي عن الخرص. فيكون الخرص مكروهاً وغير معمول به (٣). وقد سبق ما يرد به على هذا الاستدلال في وجوه الاستدلال من هذه الأدلة على النسخ.

стр. 1259

دليل القول الثاني أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث جابر، وابن عمر-﵂؛ حيث فيهما أن النبي ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة لخرص الثمر على يهود خيبر. ثانياً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فلمّا جاء وادي القرى (١) إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «اخرصوا» وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: «أحصي ما يخرج منها» فلمّا أتينا تبوك قال: «أما إنها ستهبُّ الليلة ريح شديدة فلا يقومنّ أحد، ومن كان معه بعير فليعقله» فعقلناها، وهبَّت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيّئ. وأهدى ملك (٢) أيلة (٣) للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه برداً، وكتب له ببحرهم، فلمّا أتى وادي القرى قال للمرأة: «كم جاء حديقتك؟» قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ . الحديث (٤).

стр. 1260

ثالثاً: عن عتاب بن أسيد (١) ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً، كما تُؤخذ زكاة النخل تمراً» (٢). رابعاً: عن سهل بن أبي حثمة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» (٣).

стр. 1261

خامساً: عن سهل بن أبي حثمة ﵁ أن عمر ﵁ بعثه على خرص التمر، فقال: (إذا أتيت على أرض فاخرصها، ودع لهم قدر ما يأكلون) (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن خرص الثمار كان سنة معمولاً بها في عهد النبي ﷺ ، وبعده (٢).

стр. 1262

الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو أن خرص الثمار للصدقات سنة، وذلك لما يلي: أ-للأحاديث التي سبق ذكرها والتي تدل على الخرص، وهي وإن كان في بعضها كلاماً، إلا أنها صحيحة في الجملة، وتفيد أن خرص الثمار كان سنة معمول به في عهد رسول الله ﷺ (١). ب-ولأن الصحابة ﵃ عملوا على ذلك في عهد الخلفاء، وبعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف ذلك (٢). ثانياً: إن القول بأن خرص الثمار للصدقات منسوخ، قول ضعيف وغير صحيح. وقد سبق ما يُرد به على وجوه استدلاله. وكان أقوى تلك الوجوه هو أن يكون الخرص منسوخاً بالمزابنة، لكنه شذوذ كما قاله ابن عبد البر (٣). ويرده كذلك عمل الخلفاء والصحابة على الخرص بعد النبي ﷺ ؛ حيث لم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف فيه، فلو كان الخرص منسوخاً بالمزابنة لما عملوا به (٤). والله أعلم.

стр. 1263

المطلب الثاني: الإعطاء من الزكاة للمؤلفة قلوبهم ذهب بعض أهل العلم إلى أن المؤلفة قلوبهم (١)، كانوا يعطون من الزكاة، ثم نسخ ذلك، لذلك فلا يعطون الآن شيئاً من الزكاة بسبب التأليف (٢). وقد صرح بالنسخ جماعة من الحنفية، منهم الكاساني (٣).

стр. 1264

وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: «ادعهم إلى أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم» (٢). ثانياً: إجماع الصحابة-﵃ على سقوط سهمهم؛ حيث إن أبا بكر وعمر-﵄-ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئاً من الصدقات، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة ﵃، فكان إجماعاً (٣).

стр. 1265

ثالثاً: ما روي أن عمر ﵁ قال لعيينة بن حصن (١)، والأقرع بن حابس (٢) ﵄: (إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما) (٣). وفي رواية عن عمر ﵁ أنه قال-وأتاه عيينة بن حصن-: (﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤). أي ليس اليوم مؤلفة) (٥).
следующие страницы →