← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

خامساً: عن سهل بن أبي حثمة ﵁ أن عمر ﵁ بعثه على خرص التمر، فقال: (إذا أتيت على أرض فاخرصها، ودع لهم قدر ما يأكلون) (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على أن خرص الثمار كان سنة معمولاً بها في عهد النبي ﷺ ، وبعده (٢).

стр. 1262

الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو أن خرص الثمار للصدقات سنة، وذلك لما يلي: أ-للأحاديث التي سبق ذكرها والتي تدل على الخرص، وهي وإن كان في بعضها كلاماً، إلا أنها صحيحة في الجملة، وتفيد أن خرص الثمار كان سنة معمول به في عهد رسول الله ﷺ (١). ب-ولأن الصحابة ﵃ عملوا على ذلك في عهد الخلفاء، وبعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف ذلك (٢). ثانياً: إن القول بأن خرص الثمار للصدقات منسوخ، قول ضعيف وغير صحيح. وقد سبق ما يُرد به على وجوه استدلاله. وكان أقوى تلك الوجوه هو أن يكون الخرص منسوخاً بالمزابنة، لكنه شذوذ كما قاله ابن عبد البر (٣). ويرده كذلك عمل الخلفاء والصحابة على الخرص بعد النبي ﷺ ؛ حيث لم ينقل عن أحد من الصحابة خلاف فيه، فلو كان الخرص منسوخاً بالمزابنة لما عملوا به (٤). والله أعلم.

стр. 1263

المطلب الثاني: الإعطاء من الزكاة للمؤلفة قلوبهم ذهب بعض أهل العلم إلى أن المؤلفة قلوبهم (١)، كانوا يعطون من الزكاة، ثم نسخ ذلك، لذلك فلا يعطون الآن شيئاً من الزكاة بسبب التأليف (٢). وقد صرح بالنسخ جماعة من الحنفية، منهم الكاساني (٣).

стр. 1264

وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس-﵄-أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: «ادعهم إلى أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلِمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم» (٢). ثانياً: إجماع الصحابة-﵃ على سقوط سهمهم؛ حيث إن أبا بكر وعمر-﵄-ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئاً من الصدقات، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة ﵃، فكان إجماعاً (٣).

стр. 1265

ثالثاً: ما روي أن عمر ﵁ قال لعيينة بن حصن (١)، والأقرع بن حابس (٢) ﵄: (إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما) (٣). وفي رواية عن عمر ﵁ أنه قال-وأتاه عيينة بن حصن-: (﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤). أي ليس اليوم مؤلفة) (٥).

стр. 1266

ويستدل منها على النسخ: بأن حديث معاذ ﵁ يدل على أن الصدقة تُؤخذ من الأغنياء، وتقسم على الفقراء، وليس فيه ذكر المؤلفة قلوبهم، وهو متأخر عن آية الصدقة؛ لأن معاذ ﵁ بعثه النبي ﷺ إلى اليمن في آخر حياته، فيكون هذا الحديث ناسخاً لسهم المؤلفة قلوبهم، ويؤكد ذلك إجماع الصحابة-﵃ على عدم إعطائهم من الزكاة، كما يدل ما روى عن عمر ﵁ على سقوط سهمهم (١). واعترض عليه بما يلي: أ- إن عدم ذكر سهم المؤلفة قلوبهم في الحديث لا يدل على نسخه؛ لأنه يحتمل أنه كان في وقت لم يكن محتاجاً إلى التأليف، كما أن الحديث لم يذكر فيه الإعطاء من الزكاة إلا لصنف واحد من الأصناف الثمانية، ولم يقل أحد بنسخ بقية الأسهم غير سهم المؤلفة قلوبهم، فليكن سهم المؤلفة كبقية السهام (٢). ب-إن عدم إعطاء عمر ﵁ والصحابة في زمنه من الصدقات للمؤلفة قلوبهم، هو لعلمهم بأن الإعطاء لهم شرع لسبب وهو الحاجة، وهم قد استغنوا عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فتركوا ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، فهو كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك (٣).

стр. 1267

هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنهم لا يعطون من الزكاة، وإن حكمهم قد انقطع. وهو مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب المالكية (٢)، وقول للإمام أحمد (٣)، وروي ذلك عن عمر ﵁، والحسن البصري، والشعبي (٤). القول الثاني: إنهم يعطون من الزكاة، وإن حكمهم باق. وهو قول في مذهب المالكية، صححه بعضهم (٥)، ومذهب الحنابلة (٦)، وقول الزهري، وأبي عبيد، واختاره ابن جرير (٧).

стр. 1268

القول الثالث: يُعطون مؤلفة القلوب من المسلمين من الصدقات، أما المؤلفة من الكفار فلا يعطون من الصدقات. وهو مذهب الشافعية (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط، فلا يعطون من الصدقات- بما سبق من الأدلة في دليل القول بالنسخ، فإنها تدل على أنهم لا يُعطون الآن من الصدقات (٢). وقد سبق ما يرد به على الاستدلال منها على سقوط سهم المؤلفة. دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن حكم المؤلفة قلوبهم باق- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).

стр. 1269

ثانياً: عن أبي سعيد ﵁ قال: بُعث إلى النبي ﷺ بشيء فقسمه بين أربعة (١)، وقال: «أتألّفهم» فقال رجل (٢): ما عدلت. فقال: «يخرج من ضئضئِ (٣) هذا قوم يمرقون من الدين» (٤). ثالثاً: عن أنس بن مالك ﵁ أن ناساً من الأنصار قالوا لرسول الله ﷺ حين أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي قريشاً ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبّة من أدم، ولم يدع معهم أحداً غيرهم. فلمّا اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: «ما كان حديث بلغني عنكم؟» قال له فقهاؤهم: أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منّا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً، ويترك الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله ﷺ : «إني لأعطي رجالاً حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال

стр. 1270

وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ ؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض» (١). وفي روية عنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إني أعطي قريشاً أتألفهم، لأنهم حديث عهد بجاهلية» (٢). ووجه الاستدلال منها: هو أن الآية المذكورة من سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله ﷺ ، وعمل بها رسو الله ﷺ فأعطى المؤلفة قلوبهم من المسلمين والمشركين، وقد أعطى بعضهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وعز أهله. فدل ذلك على بقاء سهم، وأنهم يعطون من الصدقات بعده (٣). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن المؤلفة قلوبهم من المسلمين يعطون من الصدقات، لا المشركين- بما يلي:

стр. 1271

أولاً: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (١). ثانياً: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عباس ﵁ في بعث النبي ﷺ معاذاً ﵁ إلى اليمن، وفيه: (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم». ووجه الاستلال منهما هو: أن الآية الكريمة تدل على إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات، فيُعطون منها، لكن لا يُعطون منها المؤلفة قلوبهم من الكفار؛ للحديث المذكور؛ حيث إنه يدل على أن الزكاة إنما تقسم على فقراء المسلمين، والمؤلفة قلوبهم من الكفار ليسوا منهم؛ لذلك لا يُعطون من الصدقات (٢). واعترض عليه: بأن الآية التي فيها ذكر المؤلفة عامة، تشمل من أسلم وغيرهم، وحديث النبي ﷺ في بعث معاذ ﵁ إلى اليمن لا يدل على أن المؤلفة قلوبهم من غير المسلمين لا يُعطون؛ لأنه يحتمل أنه كان في وقت لم يكن محتاجاً إلى التأليف. كما أن الحديث لم يذكر فيه الإعطاء من الزكاة إلا لصنف واحد من الأصناف الثمانية، ولم يستدل أحد منه على نفي بقية الأسهم غير سهم المؤلفة

стр. 1272

قلوبهم من المشركين، فينبغي أن يكون سهم المؤلفة قلوبهم كبقية السهام (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن سهم المؤلفة قلوبهم باق، وأنهم يُعطون من الصدقات عند الحاجة إليه، ولا يُعطون عند عدم الحاجة، وذلك لما يلي: أ- قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). فإنه يدل بعمومه على إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات، سواء كانوا من المسلمين أم من المشركين، وليس يوجد في الكتاب والسنة ما يصرح بسقوط سهمهم (٣). ب-الأحاديث الكثيرة-وقد سبق ذكر بعضها- والتي تدل على أن النبي ﷺ كان يعطي المؤلفة قلوبهم، وأنه أعطاهم حتى بعد فتح مكة. فهي تدل على أن سهمهم باق، وأنهم يعطون من الصدقات، وكذلك من مال الفيء (٤). ج-ما روي من الآثار عن عمر ﵁، وعمل الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ ؛ حيث إنهم لم يعطوا المؤلفة قلوبهم؛ لأنهم استغنوا عنهم، فهو

стр. 1273

يدل على أنهم لا يُعطون عند عدم الحاجة إليه (١). ثانياً: إن القول بنسخ الإعطاء من الزكاة للمؤلفة قلوبهم ضعيف، لما يلي: أ-لأنه ليس عليه حجة صريحة، لا من الكتاب ولا من السنة (٢). ب- إن عدم إعطاء الخلفاء بعد النبي ﷺ للمؤلفة قلوبهم يحتمل وجهين: الأول: إنهم لم يعطوا المؤلفة قلوبهم لعدم الحاجة إليه. الثاني: إنهم لم يعطوهم، لأن الإعطاء لهم من الصدقات قد نسخ، وأن سهمهم قد سقط. والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٣). والله أعلم.

стр. 1274

المطلب الثالث: حكم صدقة الفطر ذهب بعض أهل العلم (١)، منهم ابن عليّة (٢)، إلى أن وجوب صدقة الفطر قد نسخ، فهي الآن فعل خير، وليست بواجبة (٣). وقد تبين منه أن القول به أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة (٤).

стр. 1275

ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن قيس بن سعد-﵄ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلمّا نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله» (١). ثانياً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (٢). ثالثاً: عن علي ﵁ أنه قال: (نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ المتعة الطلاق، والعدة والميرات) (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث قيس بن سعد ﵁ يدل على أن الزكاة نزلت بعد صدقة الفطر، وأن النبي ﷺ لم يأمرهم بصدقة

стр. 1276

الفطر بعد فرضية الزكاة. وما روي عن علي ﵁ يدل على أن الزكاة نسخت كل صدقة، وهو يشمل صدقة الفطر. فيثبت من مجموع ما سبق أن صدقة الفطر نسخت بالزكاة (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن ما روي عن علي ﵁ فهو ضعيف لا يقوى على نسخ الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والتي تدل على وجوب صدقة الفطر (٢). ثانياً: إن حديث قيس بن سعد ﵁ وإن كان يدل أن فرضية الزكاة نزلت بعد صدقة الفطر، إلا أنه لا يصح أن يُستدل منه على نسخ صدقة الفطر؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر (٣). ثالثاً: إن مما لا شك فيه أن الزكاة فرضت قبل فتح مكة، وقد ورد عدة أحاديث تفيد وجوب صدقة الفطر، وكونها بعد فتح مكة، ومنها: أ-عن عبد الله بن عمرو-﵄-أن النبي ﷺ بعث منادياً في فجاج مكة: «ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حُرٍّ أو

стр. 1277

عبد، صغير أو كبير: مدان من قمح، أو سواه صاع من طعام» (١). ب-عن ابن عباس-﵄: «أن رسول الله ﷺ أمر صارخاً ببطن مكة ينادي أن صدقة الفطر حق واحب على كل مسلم، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حُرّ أو مملوك، حاضر أو باد، صاع من شعير أو تمر» (٢).

стр. 1278

فهذان الحديثان يدلان على وجوب صدقة الفطر، حتى بعد فتح مكة، وهو مما يدل على عدم صحة نسخ صدقة الفطر بوجوب الزكاة. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم صدقة الفطر على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن صدقة الفطر واجبة، وليست مفروضة. وهو مذهب الحنفية (١). القول الثاني: إن صدقة الفطر واجبة مفروضة. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول جمهور

стр. 1279

أهل العلم (١). القول الثالث: إن صدقة الفطر ليست واجبة، بل سنة. وهو قول بعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، وبعض الظاهرية (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أن صدقة الفطر واجبة وليست مفروضة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث عبد الله بن عمرو، وحديث ابن عباس ﵃ وقد سبق ذكرهما في الاعتراض على وجه الاستدلال على نسخ صدقة الفطر. ثانياً: عن ابن عمر-﵄-قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحُرّ، والذكر

стр. 1280

والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير» قال عبد الله: فجعل الناس عدله مُدّين من حنطة (٢). ثالثاً: عن ثعلبة بن صعير (٣) ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ خطيباً فأمر بصدقة الفطر: صاع تمر، أو صاع شعير، عن كل رأس. أو صاع بُرّ أو قمح بين اثنين، عن الصغير والكبير، والحُرّ والعبد» (٤).

стр. 1281

ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأدلة تدل على أن صدقة الفطر واجبة؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، والأمر للوجوب، وليست فريضة؛ لأن هذه أخبار أحاد، والفرض لا يثبت إلا بقطعي. أما لفظ: (فرض) الوارد في بعض الأحاديث فهو بمعنى أمر أمر إيجاب، وليس المراد به المعنى الاصطلاحي للفرض (١). دليل القول الثاني

стр. 1282

ويستدل للقول الثاني- وهو أن صدقة الفطر واجبة مفروضة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: الأدلة التي سبق ذكرها والتي استدل بها للقول الأول. ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرة للصيام من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (١). ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث بعضها فيها لفظ: (فرض)، وبعضها فيها الأمر بها، وبعضها فيها أنها واجبة، فيثبت من جميعها أن صدقة الفطر واجبة مفروضة، ولفظ: (فرض) صريح في أنها مفروضة (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن صدقة الفطر سنة، وليست واجبة- بما يلي: أولاً: حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ وفيه: قال: وذكر له رسول الله

стр. 1283

- ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (١). ثانياً: ما سبق ذكره في دليل القول الأول، من حديث ابن عمر ﵁ والذي فيه: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير». ثالثاً: حديث قيس بن سعد ﵁ الذي سبق ذكره في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها هو: أن الحديث الأول يدل على عدم وجوب غير الزكاة. والحديث الثالث يدل على أن النبي ﷺ لم يأمرهم بصدقة الفطر بعد ما فرضت الزكاة، ومعنى قوله: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر) في الحديث الثاني معناه: قدر مقدارها، وليس معناه الفرض المصطلح عليه. فثبت من ذلك أنها غير واجبة (٢). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن صدقة الفطر سماها رسول الله ﷺ زكاة الفطر، كما في حديث ابن عمر ﵁ فهي داخلة تحت الزكاة، وواجبة وجوبها، لذلك ليس بين وجوبها وبين حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ تعارض (٣).

стр. 1284

ثانياً: إن القول بأن معنى (فرض) في الحديث بمعنى قدر، تحويل للفظ عن موضوعه بلا دليل، وقد أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر كما ورد ذلك في غير حديث، والأمر للوجوب والفرض، فهو يؤكد بقاء معنى فرض على معناه الشرعي (١). ثالثاً: إن حديث سعد بن قيس ﵁ يدل كذلك على الوجوب؛ لأن فيه أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر، فصارت واجبة، ثم لم ينه عنها، فبقيت واجبة كما كانت، ونزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر (٢). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن صدقة الفطر واجبة مفروضة، كما هو قول جمهور أهل العلم، وذلك لما يلي: أ-لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣). وقد سماها رسول الله ﷺ زكاة كما في حديث ابن عمر ﵁ وغيره (٤). ب- لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٥). فقد ثبت أن هذه الآية نزلت

стр. 1285

في زكاة الفطر (١). وقد سبق في حديث ابن عباس ﵁ أنها طُهرة للصيام من اللغو والرفت. ج- للأحاديث الكثيرة في زكاة الفطر؛ فإن بعضها فيها التصريح بأنها فريضة، وفي بعضها التصريح بأنها واجبة، وفي بعضها الأمر بأدائها. فيثبت من مجموعها أن صدقة الفطر واجبة مفروضة (٢). ثانياً: إنه لا يصح ادعاء نسخ صدقة الفطر، وذلك لما يلي: أ- لأن النبي ﷺ أمر بصدقة الفطر، ولم يثبت عنه ﷺ ما يدل على النهي عنها أو على تركها حتى يكون ناسخاً لها (٣). ب-إن نزول الزكاة ووجوبها ليس منافياً ولا معارضاً لصدقة الفطر؛ لذلك لا يصح أن يقال بأنها نسخت بوجوب الزكاة (٤). والله أعلم.

стр. 1286

الفصل الثاني الصوم، والحج وأحكام الحرمين وفيه مبحثان: المبحث الأول: الصوم. المبحث الثاني: الحج وأحكام الحرمين.

стр. 1287

المبحث الأول: الصوم وفيه ثلاثة عشر مطلباً: المطلب الأول: الحكم إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان. المطلب الثاني: النية للصوم الواجب من النهار. المطلب الثالث: الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام بعد النوم أو بعد صلاة العشاء. المطلب الرابع: السحور بعد طلوع الفجر الثاني. المطلب الخامس: حكم صوم من أصبح وهو جنب. المطلب السادس: تخيير مطيق الصيام بينه وبين الإطعام. المطلب السابع: الفطر بالحجامة. المطلب الثامن: الصوم في السفر. المطلب التاسع: الفطر قبل صلاة العيد يوم عيد الفطر. المطلب العاشر: قضاء الصوم عن الميت. المطلب الحادي عشر: صوم يوم عاشوراء. المطلب الثاني عشر: صيام ثلاثة أيام من كل شهر. المطلب الثالث عشر: صوم يوم السبت في غير الفريضة.

стр. 1288

المطلب الأول الحكم إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ذهب الطحاوي إلى أن تقدير الهلال بالحساب إذا غُمّ (١) ليلة الثلاثين من شعبان كان أولاً، وهو أن ينظر إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر بعد طلوعه، فإن سقط لمنزلة واحدة وهي ستة أسباع ساعة عُلم أنه من تلك الليلة، وإن غاب لمنزلتين عُلم أنه من الليلة الماضية، وأن بينهما يوماً، فقضوا ذلك اليوم. ثم نسخ التقدير بالحساب إذا غم الهلال بالأمر بإكمال العدد (٢). وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو اختلافهم في مفهوم حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تصوموا (٣) حتى ترووا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ

стр. 1289

عليكم فاقدروا له» (١). هل المراد بالتقدير إكمال العدد ثلاثين، أم المراد به عدّه بالحساب، أم غير ذلك (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّيَ (٣) عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (٤). ثانياً: عن عائشة-﵂ تقول: «كان رسول الله ﷺ يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمّ عليه عدّ ثلاثين يوماً ثم صام» (٥).

стр. 1290

ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية (١) فأكملوا ثلاثين يوماً» (٢). وفي رواية: كان ابن عباس يُنكر أن يُتقدم في صيام رمضان إذا لم يُر هلال شهر رمضان، ويقول: قال النبي ﷺ : «إذا لم تروا الهلال، فاستكملوا

стр. 1291

ثلاثين ليلة» (١). رابعاً: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تُكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» (٢). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على أن الهلال إذا غُمّ ليلة الثلاثين من شعبان فإنه لا يُصام ذلك اليوم بل يستكمل شعبان ثلاثين يوماً ثم يُصام رمضان، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحديث ابن عمر ﵁ الدال على تقدير الهلال بالمنازل والعمل بمقتضى ذلك (٣). واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل بلا شك على أن الهلال إذا أغمي ليلة الثلاثين فإنه لا يُصام ذلك اليوم، ولا يُعمل بتقدير الهلال، ولا

стр. 1292

بغيره، ولكن هذه الأحاديث لا يصح الاستدلال منها على نسخ تقدير الهلال والحساب بمنازل القمر إذا غم ليلة الثلاثين، وذلك لما يلي: أ- لأنه مخالف لحديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين (١). فإن ظاهره يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويؤيده قوله: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). فيثبت من مجموع الحديثين أن تعليق الحكم بالرؤية أمر ابتدائيّ، لا أنه بعد الأمر بالحساب بمنازل القمر (٢). ب-إنه لا يوجد دليل على أن هذه الأحاديث بعد حديث ابن عمر الذي يُستدل منه على تقدير الهلال بالمنازل إذا غمّ ليلة الثلاثين، والنسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ (٣). ج-إن الأحاديث الدالة على إكمال العدد إذا غم الهلال مفسرة لحديث: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له»، وليس بينهما تعارض حتى تكون تلك الأحاديث ناسخة له (٤).

стр. 1293

هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الحكم إذا غُمّ الهلال ليلة الثلاثين من شعبان على أربعة أقوال: القول الأول: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، فإنه لا يُصام ذلك اليوم من رمضان، بل يُكمل به عدة شعبان ثلاثين يوماً. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، واختاره جماعة من الحنابلة، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، و محدثيهم (٦). القول الثاني: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يجب صومه

стр. 1294

بنية رمضان. وهو مذهب الحنابلة (١). وروي صومه عن عمر، وعلي، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وأبي هريرة، وابن عمر، وأسماء (٢)، وعائشة-﵃ (٣). القول الثالث: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين، فإن الناس تبع للإمام، فإن صام ذلك اليوم صام الناس، وإن أفطر أفطروا. وهو رواية عن الإمام أحمد (٤). القول الرابع: إنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يُرجع في ذلك إلى الحساب بمنازل القمر، فإن تبين منه أن يوم الثلاثين من شعبان أول يوم من رمضان صامه، وإلا فلا.

стр. 1295

روي ذلك عن عبد الله ابن الشخير (١)، وقال به بعض أهل العلم (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو أنه إذا غم الهلال يكمل شعبان ثلاثين، ولا يصام من رمضان- بأدلة كثيرة، منها: أولاً: ما سبق ذكره في بداية المسألة من حديث عبد الله بن عمر-﵄ وهو: «لا تصوموا حتى ترووا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». ثانياً: عن ابن عمر-﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٣). ثالثاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث تدل على إكمال عدد

стр. 1296

شعبان إذا غم الهلال، وهي مفسرة لحديث عبد الله بن عمر ﵁ ومبينة لمجمله، وهو أن المراد بقوله: «فاقدروا له» أي أكملوا عدد شعبان ثلاثين، كما جاء ذلك مصرحاً في روايات أخري من قول النبي ﷺ وفعله (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يجب صومه بنية رمضان- بحديث ابن عمر ﵁ الذي سبق ذكره، والذي فيه: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». ويستدل منه على وجهين: أ- أن ابن عمر ﵁ روى هذا الحديث، ثم روي عنه أنه كان: (إذا كان شعبان تسعاً و عشرين: نُظر له، فإن رُئي فذاك، فإن لم يُر ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة: أصبح مفطراً، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة: أصبح صائماً) (٢). فدل ذلك أن المراد بقوله: (فاقدروا له) أن يصام ذلك اليوم؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بمراد ما رووه (٣).

стр. 1297

واعترض عليه: بأن قوله: (فاقدروا له) يحتمل التفرقة بين حكم الصحو والغيم، ويحتمل عدم التفرقة، وأن المراد بقوله: (فاقدروا له) توكيد لقوله: (صوموا لرؤيته)، ولكن هذا الاحتمال والتأويل أولى؛ للروايات الأخرى المصرحة بالمراد وهو قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين) (١). كما أن فعل ابن عمر ﵁ ليس فيه ما يدل على الوجوب، وإنما هو احتياط قد عُورض بنهي (٢). ب- أن معنى قوله: (فاقدروا له) أي ضيقوا له العدد. والتضييق له أن يُجعل شعبان تسعاً وعشرين يوماً (٣). واعترض عليه: بأن معنى قوله: (فاقدروا له) ليس التضييق، بل التقدير بإكمال العدد ثلاثين، والمعني: احسبوا له قدره، فهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، وإذا جُعل الشهر ثلاثين فقد قُدّر له قدراً لم يدخل فيه غيره (٤). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الناس في ذلك تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا- بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1298

«الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تُضَحُّون» (١). فهذا يدل على أن الصوم والفطر يكون مع الجماعة وعُظْمِ الناس (٢). واعترض عليه: بأنه ليس فيه متى يصوم الإمام والناس إذا غم الهلال، وإنما يدل على عدم مخالفة الجماعة. دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يُرجع في ذلك إلى الحساب بمنازل القمر-بما سبق في بداية المسألة من حديث ابن عمر ﵁ والذي فيه: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». ووجه الدالة منه هو: أن معنى قوله: (فاقدروا له) أي عدوا بالحساب ومنازل القمر (٣). واعترض عليه بما يلي: أ-بأنه مخالف للإجماع؛ حيث إن الأمة أجمعت على أن صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب، فلو كان للحساب ومنازل

стр. 1299

القمر اعتباراً في ذلك لما أجمعوا على خلافه (١). ب-إنه مخالف لما سبق ذكره من حديث ابن عمر ﵁: «إنا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا». فإن ظاهره يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويؤيده قوله: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل: فاسألوا أهل الحساب (٢). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإنه يكمل عدد شعبان ثلاثين يوماً، ولا يصام ذلك اليوم؛ وذلك لما يلي: أ-لقوة أدلته وكثرتها، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى (٣). ب-لصراحة أدلته؛ حيث إنها لا تحتمل غير الدلالة على تكميل الشهر ثلاثين يوماً إذا غم الهلال، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى، فهي غير صريحة الدلالة، وتحتمل أكثر من احتمال (٤).

стр. 1300

ج-لأنه يمكن الجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، بخلاف الأقوال الأخرى (١). ثانياً: إن القول بالنسخ في المسألة ضعيف وغير صحيح، وذلك لما يلي: أ- لأنه لا تعارض بين تلك الأحاديث إذا حملت على ما قاله جمهور أهل العلم (٢)، وبالتالي لا داعي للقول بالنسخ. ب- قد سبق أن النسخ لا بد فيه من العلم بتأخر الناسخ، ولا يوجد دليل على أن قوله: (فإن غم عليكم فاقدروا له) متقدم على الأحاديث التي فيها الأمر بإكمال العدد إذا غم الهلال، حتى تكون هي ناسخة له. ج-إنه يظهر من حديث: «إنا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب) وغيره من الأحاديث أن الأمر بإكمال العدد إذا غم الهلال، أمر ابتدائي، ولا يوجد ما يدل على أنه كان أولاً الأمر بالتقدير بحساب المنازل، ثم جاء الأمر بإكمال العدد (٣). والله أعلم.
следующие страницы →