← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

شعبان إذا غم الهلال، وهي مفسرة لحديث عبد الله بن عمر ﵁ ومبينة لمجمله، وهو أن المراد بقوله: «فاقدروا له» أي أكملوا عدد شعبان ثلاثين، كما جاء ذلك مصرحاً في روايات أخري من قول النبي ﷺ وفعله (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يجب صومه بنية رمضان- بحديث ابن عمر ﵁ الذي سبق ذكره، والذي فيه: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». ويستدل منه على وجهين: أ- أن ابن عمر ﵁ روى هذا الحديث، ثم روي عنه أنه كان: (إذا كان شعبان تسعاً و عشرين: نُظر له، فإن رُئي فذاك، فإن لم يُر ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة: أصبح مفطراً، فإن حال دون منظره سحاب أو قترة: أصبح صائماً) (٢). فدل ذلك أن المراد بقوله: (فاقدروا له) أن يصام ذلك اليوم؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بمراد ما رووه (٣).

стр. 1297

واعترض عليه: بأن قوله: (فاقدروا له) يحتمل التفرقة بين حكم الصحو والغيم، ويحتمل عدم التفرقة، وأن المراد بقوله: (فاقدروا له) توكيد لقوله: (صوموا لرؤيته)، ولكن هذا الاحتمال والتأويل أولى؛ للروايات الأخرى المصرحة بالمراد وهو قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين) (١). كما أن فعل ابن عمر ﵁ ليس فيه ما يدل على الوجوب، وإنما هو احتياط قد عُورض بنهي (٢). ب- أن معنى قوله: (فاقدروا له) أي ضيقوا له العدد. والتضييق له أن يُجعل شعبان تسعاً وعشرين يوماً (٣). واعترض عليه: بأن معنى قوله: (فاقدروا له) ليس التضييق، بل التقدير بإكمال العدد ثلاثين، والمعني: احسبوا له قدره، فهو من قدر الشيء وهو مبلغ كميته، وإذا جُعل الشهر ثلاثين فقد قُدّر له قدراً لم يدخل فيه غيره (٤). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الناس في ذلك تبع للإمام، فإن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا- بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1298

«الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تُضَحُّون» (١). فهذا يدل على أن الصوم والفطر يكون مع الجماعة وعُظْمِ الناس (٢). واعترض عليه: بأنه ليس فيه متى يصوم الإمام والناس إذا غم الهلال، وإنما يدل على عدم مخالفة الجماعة. دليل القول الرابع ويستدل للقول الرابع- وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين فإنه يُرجع في ذلك إلى الحساب بمنازل القمر-بما سبق في بداية المسألة من حديث ابن عمر ﵁ والذي فيه: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». ووجه الدالة منه هو: أن معنى قوله: (فاقدروا له) أي عدوا بالحساب ومنازل القمر (٣). واعترض عليه بما يلي: أ-بأنه مخالف للإجماع؛ حيث إن الأمة أجمعت على أن صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب، فلو كان للحساب ومنازل

стр. 1299

القمر اعتباراً في ذلك لما أجمعوا على خلافه (١). ب-إنه مخالف لما سبق ذكره من حديث ابن عمر ﵁: «إنا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا». فإن ظاهره يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويؤيده قوله: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل: فاسألوا أهل الحساب (٢). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو أنه إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإنه يكمل عدد شعبان ثلاثين يوماً، ولا يصام ذلك اليوم؛ وذلك لما يلي: أ-لقوة أدلته وكثرتها، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى (٣). ب-لصراحة أدلته؛ حيث إنها لا تحتمل غير الدلالة على تكميل الشهر ثلاثين يوماً إذا غم الهلال، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى، فهي غير صريحة الدلالة، وتحتمل أكثر من احتمال (٤).

стр. 1300

ج-لأنه يمكن الجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، بخلاف الأقوال الأخرى (١). ثانياً: إن القول بالنسخ في المسألة ضعيف وغير صحيح، وذلك لما يلي: أ- لأنه لا تعارض بين تلك الأحاديث إذا حملت على ما قاله جمهور أهل العلم (٢)، وبالتالي لا داعي للقول بالنسخ. ب- قد سبق أن النسخ لا بد فيه من العلم بتأخر الناسخ، ولا يوجد دليل على أن قوله: (فإن غم عليكم فاقدروا له) متقدم على الأحاديث التي فيها الأمر بإكمال العدد إذا غم الهلال، حتى تكون هي ناسخة له. ج-إنه يظهر من حديث: «إنا أُمّة أُمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب) وغيره من الأحاديث أن الأمر بإكمال العدد إذا غم الهلال، أمر ابتدائي، ولا يوجد ما يدل على أنه كان أولاً الأمر بالتقدير بحساب المنازل، ثم جاء الأمر بإكمال العدد (٣). والله أعلم.

стр. 1301

المطلب الثاني: النية للصوم الواجب من النهار ذهب بعض أهل العلم، ومنهم الشوكاني (١)، إلى أن جواز النية للصوم الواجب من النهار، قد نسخ بما يدل على وجوب نية الصوم من الليل (٢). والقول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف عند من قال به، لكن السبب الأصلي لاختلاف أهل العلم في المسألة هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أن

стр. 1302

«أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقيّة يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» (١). ثانياً: عن حفصة-﵂-زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يُجَمِّع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٢).

стр. 1303

ثالثاً: عن عائشة-﵂ عن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» (١).

стр. 1304

رابعاً: عن ميمونة بنت سعد (١) ﵂-تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أجمع الصوم من الليل فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سلمة بن الأكوع ﵁ يدل على جواز النية للصوم من النهار، إلا أنه كان في صوم عاشوراء، وهو قد نسخ، فيكون جواز النية للصوم الواجب من النهار منسوخاً كذلك، ويدل

стр. 1305

عليه الأحاديث التي تدل على اشتراط النية من الليل للصوم الواجب؛ لأنها بعده؛ حيث إن عاشوراء كان قد أمر به قبل أن يفرض رمضان، ثم نسخ وجوبه بفرض صوم رمضان (١). واعترض عليه: بأنه لا يلزم من نسخ وجوب صوم عاشوراء نسخ جميع أحكامه وشرائطه (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في جواز الصوم بنية من النهار، على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن الصوم المتعلق وجوبه بزمان معين، وكذلك صوم النفل، يجوز بنية من النهار، ولا يجوز الصوم المتعلق بالذمة، إلا بنية من الليل. وهو مذهب الحنفية (٣)،. القول الثاني: إنه لا يجوز أي صوم، سواء كان فرضاً أم نفلاً، إلا بنية من الليل. وهو مذهب المالكية (٤)، وقول الليث، وداود، وابن حزم (٥).

стр. 1306

وروي ذلك عن ابن عمر، وحفصة، وعائشة-﵃ (١). القول الثالث: إن الصوم الواجب لا يجوز إلا بنية من الليل، أما صوم التطوع فيجوز بنية من النهار. وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو جواز النية من النهار للصوم المتعين، والتطوع دون غيرهما- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث سلمة بن الأكوع ﵁. ثانياً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث حفصة-﵂. ثالثاً: عن الربيع بنت معوذ (٤) ﵂-قالت: أرسل النبي

стр. 1307

- ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم» قالت: فكنا نصومه بعدُ ونُصَوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار (١). رابعاً: عن عائشة-﵂ قالت: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا. قال: «فإني إذن صائم»، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله، أُهدي لنا حيس (٢). فقال: «أرينيه، فلقد أصبحت صائماً» فأكل (٣). ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عائشة-﵂ يدل على جواز النية لصوم التطوع من النهار؛ لأن النبي ﷺ نوى الصوم من النهار. وحديث سلمة بن الأكوع، والربيع بنت معوذ-﵄ يدلان على جواز النية من النهار للصوم المتعلق بزمان بعينه؛ لأن صوم عاشوراء كان صوماً مفروضاً متعيناً، فكل ما كان متعيناً فيصح نيته من النهار كعاشوراء.

стр. 1308

وحديث حفصة-﵂ يدل على وجوب النية للصوم من الليل، فيكون المراد به الصوم الواجب الغير المتعلق بزمن متعين جمعاً بين هذه الأحاديث كلها (١). واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من حديث عاشوراء على جواز النية من النهار للصوم الواجب المتعلق بزمن معين؛ لأن النية إنما صحت في نهار عاشوراء، لا لأنه صوم واجب متعلق بزمن معين، بل لأنهم أمروا به من النهار، والرجوع إلى الليل غير مقدور، فهو كما لو بلغ الصبي أو أسلم الكافر أثناء النهار، والخلاف إنما هو فيما كان مقدوراً؛ لذلك لم يصح الاستدلال من حديث عاشوراء على جواز النية من النهار للصوم الواجب سواء كان معيناً أم لا (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أنه لا يجوز أي صوم، سواء كان فرضاً أم نفلاً، إلا بنية من الليل- بما يلي: أولاً: حديث حفصة، وعائشة، وميمونة بنت سعد-﵅، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.

стр. 1309

ثانياً: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١). ثالثاً: ما روي عن ابن عمر ﵁ ونحوه عن عائشة، وحفصة زوجي النبي ﷺ قوله: (لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر) (٢). ووجه الاستدلال منها، هو: أن هذه الأحاديث والآثار تدل على عدم جواز الصوم إلا بنية من الليل، وهي لم تفرق بين صوم فرض وصوم نفل (٣). واعترض عليه: بأن هذه الأدلة تدل على وجوب النية للصوم من الليل، لكن خُصِّص عمومها بالصوم المفروض؛ حيث توجد أدلة تدل على جواز صوم التطوع بنية من النهار (٤). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو أن الصوم الواجب لا يجوز إلا بنية من

стр. 1310

الليل، أما صوم التطوع فيجوز بنية من النهار- بما يلي: أولاً: حديث حفصة، وعائشة، وميمونة بنت سعد-﵅، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. ثانياً: ما سبق ذكره في دليل القول السابق مما روي عن ابن عمر، وعائشة، وحفصة-﵃ من قولهم: (لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر). ثالثاً: حديث عائشة-﵂ والذي فيه: دخل عليّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا. قال: «فإني إذن صائم» (١). رابعاً: عن ابن عباس-﵄-أنه كان يصبح حتى يظهر، ثم يقول: (والله لقد أصبحت وما أريد الصوم، وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا) (٢). وروي نحوه عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وحذيفة، وأبو طلحة، وأبو هريرة-﵃ (٣). ووجه الاستدلال منها: أن بعض هذه الأدلة يدل على وجوب النية

стр. 1311

للصوم من الليل، وبعضها يدل على جواز النية لها من النهار، فيحمل ما يدل على وجوبها من الليل على الصوم الواجب، ويحمل ما يدل على جوازها من النهار على صوم التطوع، فيحمل حديث حفصة-﵂ وما في معناه على الصوم الواجب، فيشترط له النية من الليل. ويحمل حديث عائشة عن رسول الله ﷺ والذي فيه: (إني صائم) وما في معناه، على صوم التطوع، فيجوز أن يصام بنية من النهار، وبهذا يجمع بين هذه الأدلة كلها (١). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثالث، وهو أن الصوم الواجب لا يجوز إلا بنية من الليل، أما صوم التطوع فيجوز بنية من النهار، وذلك لأن هذا القول يمكن به الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة. ثانياً: إنه لا حاجة للقول بالنسخ في المسألة، وذلك لأن النية من النهار في صوم عاشوراء حصل لا لكونه أنه واجب معين أو أنه تطوع، بل لأنهم أمروا به من النهار، والرجوع إلى الليل غير مقدور (٢). والله أعلم.

стр. 1312

المطلب الثالث الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام بعد النوم أو بعد صلاة العشاء ذهب جمع من أهل العلم، إلى أنه كان على الصائم الأكل، والشرب، والجماع، بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء الآخرة، محرماً، فأيهما وجد أولاً حصل به التحريم، ثم نسخ ذلك، فأبيح كل ذلك إلى طلوع الفجر (١). وممن صرح بالنسخ: الزهري (٢)، وأبو عبيد (٣)، والبيهقي (٤)، والسرخسي (٥)، والنووي (٦)، وابن الجوزي (٧). وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ (٨).

стр. 1313

ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة الأكل والشرب والجماع للصائم في ليالي الصيام إلى طلوع الفجر (١). ويدل على النسخ، وعلى إباحة ما ذكر ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). ثانياً: عن البراء ﵁ قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطارُ فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسيَ. وإن قيس بن صرمة الأنصاري (٣) كان صائماً فلمّا حضر الإفطارُ أتي امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلب لك. وكان يومه

стр. 1314

يعمل فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك. فلمّا انتصف النهار غُشيَ عليه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. ففرحوا بها فرحاً شديداً. ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١). وفي رواية عنه ﵁: (لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية) (٢). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] فكان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك يُسراً لمن بقيَ ورُخصة ومنفعة، فقال سبحانه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكان هذا مما نفع الله به الناس، ورخص لهم ويسّر) (٣).

стр. 1315

رابعاً: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعام والشراب وإتيان النساء، فكان رجل من الأنصار يُدعى أبا صرمة (١) يعمل في أرض له، قال: فلمّا كان عند فطره نام، فأصبح صائماً قد جهد، فلمّا رآه النبي ﷺ قال: «مالي أرى بك جهداً؟» فأخبره بما كان من أمره. واختان رجل نفسه في شأن النساء، فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. إلى آخر الآية (٢) (٣). خامساً: عن كعب بن مالك (٤) ﵁ قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى، فنام، حرُم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سهر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد نمت، قال: ما

стр. 1316

نمت. ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]) (١). فهذه الأدلة تدل على أن الأكل والشرب والجماع كان محرماً في ليالي الصيام بعد النوم أو بعد صلاة العشاء، ثم نسخ ذلك، وأبيح كل ذلك إلى طلوع الفجر (٢). والله أعلم.

стр. 1317

المطلب الرابع: السحور بعد طلوع الفجر الثاني ذهب بعض أهل العلم إلى أن السحور كان جائزاً بعد طلوع الفجر إلى ما قبل طلوع الشمس، ثم نسخ ذلك، وأبيح إلى طلوع الفجر الثاني (١). وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، والحازمي (٣)، وأبو حامد الرازي (٤)، وأبو إسحاق الجعبري (٥). ويتبين منه، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلا ف أهل العلم في المسألة ثلاثة أشياء: اختلاف الآثار، والاختلاف في المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾، والقول بالنسخ (٦). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٧). ثانياً: عن سهل بن سعد ﵁ قال: (أُنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ

стр. 1318

لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار) (١). ثالثاً: عن عدي بن حاتم (٢) ﵁ قال: لمّا نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي. فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» (٣).

стр. 1319

رابعاً: عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغرنّكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق» (٢). خامساً: عن حذيفة ﵁ قال: (تسحّرت مع رسول الله ﷺ ، هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) (٣). وفي روية عنه ﵁ قال: (بعد الصبح غير أن الشمس لم تطلع) (٤). سادساً: عن حكيم بن جابر (٥) قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ والنبي ﷺ

стр. 1320

يتسحّر فقال: الصلاة يا رسول الله! قال: فثبت كما هو يأكل، ثم أتاه فقال: الصلاة وهو حاله، ثم أتاه الثالثة فقال: الصلاة يا رسول الله! قد والله أصبحت، فقال النبي ﷺ : «يرحم الله بلالاً، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس» (١). سابعاً: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : سَحِّرنا يا أنس! إني أريد الصيام فأطعمني شيئاً» فجئته بتمر وإناء فيه ماء بعد ما أذن بلال، فقال: «يا أنس! انظر إنساناً يأكل معي»، فدعوت زيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله! إني شربت شربة من سويق، وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله ﷺ : «وأنا أريد الصيام» فتسحّر معه، ثم صلى النبي ﷺ ركعتين، ثم خرج فأقيمت الصلاة) (٢). ويستدل منها على النسخ: بأنه يظهر من حديث حذيفة، وأنس-﵄، وحكيم بن جابر: أن النبي ﷺ تسحر بعد الصبح وطلوع الفجر الثاني. كما يظهر من حديث سهل بن سعد، وعدي بن حاتم-﵄: أن بعض الصحابة كانوا يتسحرون إلى أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ثم نزل قوله تعالى: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾ وحرم الأكل

стр. 1321

والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وهو الفجر المستطير، ويدل عليه كذلك حديث سهل بن سعد، وعدي بن حاتم، وسمرة بن جندب-﵃، فتكون الأدلة الدالة على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر المستطير، هي المتأخرة، والناسخة للأدلة التي تفيد جواز الأكل والشرب إلى الإسفار، وقبل طلوع الشمس (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في جواز التسَحُّر بعد طلوع الفجر الصادق، إلى ما قبل طلوع الشمس، على قولين: القول الأول: يحرم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر المستطير. وهو قول المذاهب الأربعة (٢)، وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم (٣)، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك (٤).

стр. 1322

القول الثاني: إنه يجوز الأكل والشرب إلى الإسفار. وروي ذلك عن جماعة من الصحابة-﵃ منهم حذيفة ﵁ (١). وقال به بعض التابعين، منهم: معمر، والأعمش (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يجوز السحور بعد طلوع الفجر الثاني- بأدلة منها ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). فإنه بظاهره يدل على تحريم الأكل والشرب بعد تبيين خيط بياض النهار، وهو يحصل بطلوع الفجر (٤). ثانياً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث سهل به سعد، وعدي بن حاتم، وسمرة بن جندب-﵃؛ فإنها تدل على حرمة

стр. 1323

الأكل والشرب بعد طلوع الفجر المستطير (١). ثالثاً: عن عبد الله بن عمر-﵂-أن رسول الله ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذِّنُ بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابنُ أم مكتوم (٢). قال: وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٣). فإنه يدل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، لقوله: «إن بلالاً ينادي بليل» ثم منعهم من ذلك عند أذان ابن مكتوم (٤). رابعاً: عن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا واشربوا، ولا يُهيدنّكم (٥) الساطع المُصعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر» (٦).

стр. 1324

فهذا كذلك يدل على جواز السحور إلى طلوع الفجر الثاني-وهو البياض المعترض الذي لونه الحمرة- وعلى عدم جوازه بعد ذلك (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو جواز السحور إلى الإسفار- بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث حذيفة، وأنس-﵄، وحكيم بن جابر. وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢). ثالثاً: عن علي ﵁ أنه صلى الصبح ثم قال: (الآن حين تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود) (٣).

стр. 1325

رابعاً: عن سالم بن عبيد الأشجعي (١)، أن أبا بكر ﵁ قال له: (اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال: فنظرت ثم أتيته فقلت: قد ابيض وسطع، ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فنظرت فقلت: قد اعترض، فقال: الآن ابلغني شرابي) (٢). ويستدل من هذه الأدلة على جواز السحور إلى الإسفار: بأن المراد بالخيط الأبيض في الآية الكريمة هو ضوء الشمس. وأن حديث حذيفة ﵁ وما في معناه يدل على جواز السحور بعد طلوع الفجر الثاني، كما يدل عليه ما روي عن علي، وأبي بكر-﵄ (٣). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن الصحيح في تفسير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هو ما بينه النبي ﷺ ، وهو قوله-كما في حديث عدي بن حاتم-: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» (٤).

стр. 1326

وهو الموافق للأحاديث الكثيرة الصحيحة والتي تدل على أن آخر وقت السحور هو طلوع الفجر الصادق (١). ثانياً: إن الأحاديث التي يستدل منها على جواز السحور بعد طلوع الفجر الثاني، لا تقوى على معارضة ما ثبت عن النبي ﷺ من أحاديث كثيرة والتي تدل على أن آخر وقت السحور هو طلوع الفجر الصادق، ثم هذه الأحاديث التي يستدل منها على جواز السحور إلى الإسفار، ليست صريحة في ذلك، غير حديث حذيفة ﵁. وحديثه روي عنه بألفاظ مختلفة، بعضها تفيد جواز السحور بعد طلوع الفجر الثاني، وبعضها محتملة له ولغيره، ولذلك يكون الأولى حمل قوله: (هو الصبح) أي هو الصبح شبهاً به وقرباً منه (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول- وهو أنه لا يجوز السحور بعد طلوع الفجر الصادق، وذلك لما يلي: أولاً: لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٣).

стр. 1327

وقد فسره النبي ﷺ بقوله: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» (١). وبياض النهار إنما يكون بدايته من طلوع الفجر الصادق. فتكون في هذه الآية، وهذا الحديث دلالة على تحريم السحور بعد طلوع الفجر الصادق (٢). ثانياً: ولكثرة الأحاديث الدالة على أن آخر وقت السحور هو طلوع الفجر الصادق حتى بلغت التواتر، مع صحتها وصراحتها في الدلالة، بخلاف أدلة القول الثاني؛ ولذلك فإنها لا تقوى على معارضتها، مع أنها-أي أدلة القول الثاني- أكثرها محتملة لأكثر من احتمال واحد (٣). ثالثاً: ولأن القول بأن حديث حذيفة ﵁ وما في معناه منسوخ بالأدلة الدالة على تحريم السحور بعد طلوع الفجر الثاني، له وجه واحتمال؛ حيث يظهر من حديث سهل بن سعد، وعدي بن حاتم-﵄: أن بعض الصحابة كانوا يتسحرون إلى أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود-والمراد به الخيط من شعر ونحوه- ثم نزل قوله تعالى: ﴿مِنْ الْفَجْرِ﴾، وبين المراد بالخيط، وحرم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وهو الفجر المستطير، ويدل على هذا التحريم كذلك حديث سهل بن سعد، وعدي بن حاتم، وسمرة بن جندب-﵃، فتكون الأدلة الدالة على تحريم

стр. 1328

الأكل والشرب بعد طلوع الفجر المستطير، هي المتأخرة، والناسخة للأدلة التي تفيد جواز الأكل والشرب إلى الإسفار، وقبل طلوع الشمس (١). والله أعلم.

стр. 1329

المطلب الخامس: حكم صوم من أصبح وهو جنب ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه كان في أول الإسلام عدم صحة صوم من أصبح وهو جنب، ثم نسخ ذلك (١). وممن صرح بالنسخ: ابن خزيمة (٢)، وابن المنذر (٣)، والخطابي (٤)، وابن حزم (٥)، وأبو حامد الرازي (٦)، وأبو إسحاق الجعبري (٧). ويتبين منه، ومما يأتي من الأدلة أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: اختلاف الآثار فيها، والقول بالنسخ (٨). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ

стр. 1330

عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). ثانياً: عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يُدركه الفجر جنباً في رمضان من غير حُلُم، فيغتسل ويصوم» (٢). ثالثاً: وعنها-﵂ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله! تُدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا تُدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي» (٣). رابعاً: عن أم سلمة-﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً، من غير احتلام، ثم يصوم» (٤).

стр. 1331

ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية: أولاً: إنه قد مرّ أن الجماع كان محرماً على الصائم بعد النوم عند ابتداء فرض الصيام، فيحتمل أن يكون ما يدل على عدم صحة صوم من أصبح وهو جنب كان حينئذٍ، ثم أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، كما يدل عليه الآية الكريمة، فكان للمجامع أن يستمِرّ إلى طلوع الفجر، فيلزم منه أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر. وبذلك تكون الأدلة الدالة على صحة صوم من أصبح وهو جنب ناسخة لما يدل على عدمه (١). ثانياً: إن في حديث عائشة-﵂-ما يدل على أنه متأخر عن ما يدل على خلافه، وهو قوله: (قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر)؛ حيث إن فيه إشارة إلى آية سورة الفتح، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست. أما ابتداء فرض الصوم فقد كان في السنة الثانية من الهجرة. فيدل ذلك على أن ما يدل على صحة صوم من أصبح وهو جنب، متأخر عن ما يدل خلافه، فيكون ذلك ناسخاً له (٢). ثالثاً: إنه يدل كذلك على تأخر ما يدل على صحة صوم من أصبح وهو جنب: أن أزواج النبي ﷺ أعلم الأمة بهذا الحكم، ومحال أن يخفى

стр. 1332

هذا عليهن، فقد كان النبي ﷺ يقسم بينهن إلى أن مات، في الصوم والفطر، وقد أخبرن بعد وفاة النبي ﷺ أنه كان يصبح جنباً ثم يصوم، فلو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه ما يخالفه، ولم تحتج بفعله الذي كان يفعله. فثبت منه أن ما يدل على صحة صوم من أصبح وهو جنب متأخر وناسخ لما يخالفه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في صحة صوم من أصبح وهو جنب على أقوال أشهرها خمسة، وهي: القول الأول: إنه يصح صوم من أصبح وهو جنب، فيغتسل ويصوم. وهو قول المذاهب الأربعة (٢)، وعامة أهل العلم من الصحابة والتابعين (٣). وممن روي عنه ذلك أو قال به: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأبو ذر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة-رضي الله

стр. 1333

عنهم-، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو عبيد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن جرير الطبري (١). وذهب بعض أهل العلم إلى ارتفاع الخلاف فيه، وأنه مما استقر عليه الإجماع (٢). القول الثاني: إنه لا يصح صوم من أصبح وهو جنب. وهو المشهور عن أبي هريرة ﵁، وحُكي عن الحسن بن صالح (٣). القول الثالث: إنه يتم صومه ويقضيه. حُكي ذلك عن الحسن، وسالم بن عبد الله (٤). القول الرابع: إنه يقضي في الفرض دون التطوع. وهو رواية عن إبراهيم النخعي (٥). القول الخامس: إنه إن علم بجنابته في رمضان، فلم يغتسل حتى أصبح فلا يصح صومه، وإن لم يعلم فيصح. وهو رواية عن أبي هريرة، وقول عروة، وطاوس (٦).

стр. 1334

الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو صحة صوم من أصبح وهو جنب- بأدلة، منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على صحة صوم من أصبح وهو جنب (١). دليل بقية الأقوال ويستدل لأصحاب بقية الأقوال بحديث أبي هريرة ﵁، وهو قوله: لا، ورب الكعبة ما أنا قلت: «من أصبح وهو جنب فليفطر» محمد ﷺ قاله (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: وقال رسول الله ﷺ : «إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح، وأحدكم جنب، فلا يصم يومئذٍ» (٣). فهذا الحديث فيه الأمر بالإفطار إذا أصبح الشخص وهو جنب، كما فيه النهي عن الصوم يومئذ، فيدل على عدم صحة صوم من أصبح وهو

стр. 1335

جنب. فحمله بعضهم على العموم، وبعضهم على المتعمد، وبعضهم على صوم الفرض (١). واعترض عليه: بأنه رُوي مرفوعاً، ورُوي من فتوى أبي هريرة ﵁، ثم هو لا يقوى على معارضة ما يخالفه؛ لقوته-أي ما يخالفه- وصحته بلا خلاف. ثم لا يتجاوز كونه منسوخاً؛ حيث يوجد فيما يخالفه ما يدل على تأخره عليه (٢). الراجح بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح والصحيح هو القول الأول، وهو صحة صوم من أصبح وهو جنب، وذلك لما يلي: أولاً: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٣).؛ حيث إن الله أباح في هذه الآية الجماع في الليل، وهو يكون إلى بداية النهار، والنهار يبدأ بطلوع الفجر، ففيه دلالة على صحة صوم من أصبح وهو جنب. ويؤكد ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من فعله وتقريره، فيما رواه عنه عائشة، وأم سلمة-﵄ (٤).
следующие страницы →