ج-ولأن قول أنس ﵁ أنهم لم يكونوا يكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله ﷺ إلا من أجل الضعف، يقوي القول بنسخ ما يدل على الفطر بالحجامة، ويدل على أن عدم الفطر بالحجامة هو المتأخر. وهو يوافق قوله من أن النبي ﷺ رخص في الحجامة للصائم بعد قوله للحاجم والمحجوم: «أفطر هذان». ولو لم يكن الفطر بالحجامة منسوخاً لما قال قوله ذلك، مع أنه ممن خدم النبي ﷺ بعد الهجرة، وكان مصاحباً له في أكثر أحواله سفراً وحضراً.
ثالثاً: إن القول بأن الفطر بالحجامة هو الناسخ لما يخالفه، قول ضعيف ومرجوح في نظري- والله أعلم بالصواب- وذلك لما يلي:
أ-لأن الأحاديث الواردة في الفطر بالحجامة مع كثرتها ليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عن الأحاديث التي تفيد عدم الفطر بالحجامة، وكون أحاديث الفطر بالحجامة زمن الفتح لا يدل على تأخرها؛ لاحتمال أن يكون ما يدل على عدم الفطر بعد ذلك، ويؤكد ذلك ما جاء فيها من لفظ الرخصة، وأنها كان بعد قوله ﷺ : «أفطر هذان).
ب- بعد تتبعي لطرق أحاديث الفطر بالحجامة، لم أجد في أي طريق من طرق هذه الروايات ما يدل على تعيين السنة التي قال فيها النبي ﷺ : «أفطر هذان» أو «أفطر الحاجم والمحجوم» إلا في حديثين:
أحدهما: حديث أنس ﵁ في قصة جعفر بن أبي طالب ﵁، وهو يدل على أنه كان قبل فتح مكة، إما في أواخر السنة السابعة، أو في
стр. 1367
بدايات السنة الثامنة؛ لأنه استشهد في غزوة مؤتة، وهي كانت سنة ثمان في جمادى الأولى، قبل فتح مكة، وقد ذكر فيه أن النبي ﷺ رخص بعد ذلك في الحجامة، فهو يدل على الفطر بالحجامة وعلى تأخير الرخصة في الحجامة على النهي عنها (١).
ثانيهما: حديث شداد بن أوس ﵁، لكنه روي بطرق وألفاظ مختلفة، بعضها ليس فيه أي تعرض لذكر زمن الفتح، وبعضها جاء فيه أنه كان في الثامن عشر من رمضان،، وبعضها جاء فيه أن ذلك كان بالبقيع، وكان زمن الفتح في الثامن عشر من رمضان، وفيما يلي بيان أشهر طرق وألفاظ هذا الحديث:
١ - عن شداد بن أوس ﵁ أنه مرَّ مع رسول الله ﷺ زمن الفتح على رجل يحتجم بالبقيع، لثمانَ عشرةَ خلت من رمضان، وهو آخذ بيدي، فقال: «أفطر الحاجم و المحجوم» (٢).
٢ - عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣).
стр. 1368
٣ - أن شداد بن أوس بينما هو يمشي مع رسول الله ﷺ بالبقيع، فمرّ على رجل يحتجم،
بعد ما مضى من الشهر ثماني عشرة ليلة، فقال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم و المحجوم» (١).
٤ - عن شداد بن أوس ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ، فمرّ برجل يحتجم، فقال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢).
٥ - عن شداد بن أوس ﵁ قال: مرّ النبي ﷺ برجل يحتجم، في ثمان عشرة من رمضان، وأنا معه، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». زاد في رواية: (وكان ذلك يوم الفتح) (٣).
٦ - عن شداد بن أوس ﵁ قال: مررت مع رسول الله ﷺ في ثمان عشرة خلت من رمضان، فأبصر رجلاً احتجم، فقال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤).
стр. 1369
٧ - عن شداد بن أوس ﵁، قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ في بعض طرق المدينة لثمان عشرة مضت من رمضان، وهو آخذ بيدي، فمرّ على رجل يحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (١).
٨ - عن شداد بن أوس ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ بالمدينة قال: وذاك لثمان عشرة خلون من رمضان، فأبصر رجلاً يحتجم، فقال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (٢).
٩ - عن شداد بن أوس ﵁، أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يحتجم في رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣).
١٠ - عن شداد بن أوس ﵁، قال: مرّ رسول الله ﷺ عليَّ وأنا احتجم في ثمان عشرة
خلون من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤).
١١ - عن شداد بن أوس ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ بمعقل بن يسار صبيحة ثماني عشرة من رمضان، وهو يحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٥).
стр. 1370
فهذه معظم طرق وألفاظ هذا الحديث، وهي جميعها تتفق في قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم).
كما أن معظمها تتفق على أن قوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» كان في رمضان لثمانَ عشرةَ خلت منه، وهي تتفق مع الروايات السابقة من غير رواية شداد ﵁ أن ذلك كان في ثمان عشرة خلت من رمضان.
وجاء في روايتين من هذه الرويات أن الرجل الذي كان يحتجم كان بالبقيع. وهي توافق في ذلك رواية ثوبان ﵁ كما سبق ذكرها.
وجاء في روايتين منها أن ذلك كان بالمدينة. وهي تأكيد للروايات التي تفيد أن ذلك كان بالبقيع.
وجاء في رواية أن ذلك كان زمن الفتح.
وجاء في رواية أن ذلك كان يوم الفتح. وهي تؤكد رواية زمن الفتح.
وجاء في رواية الجمع بين ذكر زمن الفتح، وكونه بالبقيع، لثمان عشر خلت من رمضان.
ويوجد تعارض بين هذه الروايات في ذكر (زمن الفتح، أو يوم الفتح)، وبين ذكر (البقيع، والمدينة)، وكذلك بينها وبين قوله: (لثمان عشرة خلت من رمضان).
وذلك لأن قوله: بالبقيع أو بالمدينة، يفيد أن النبي ﷺ كان بالمدينة لثمان عشرة خلت من رمضان، وأن الحاجم كان يحتجم بالبقيع. فهذا الرمضان إما يكون رمضان عام الفتح أو غيره، فإن كان غير رمضان عام الفتح، فهو غير متعين. فيكون تاريخه غير معروف.
стр. 1371
وإذن فلا يكون في تلك الروايات أي دليل على نسخ أحاديث عدم الفطر بالحجامة؛ لعدم معرفة تاريخه.
وإن كان هو رمضان عام الفتح، فالنبي ﷺ في الثامن عشر منه لم يكن بالمدينة. فلا يصح كونه بالمدينة وبالبقيع؛ لأن النبي ﷺ خرج لغزو مكة قبل ذلك. فقيل: لعشر خلون من رمضان-وهو ما اتفق عليه أهل السير-. وقيل لليلتين خلتا من شهر رمضان. وقيل غير ذلك، إلا أن كل ذلك يفيد أنه ﷺ لم يكن بالمدينة في الثامن عشر من رمضان، وهو تاريخ الحجامة (١).
لذلك يكون الاستدلال على النسخ من قوله (زمن الفتح) أو (يوم الفتح)، موضع نظر، ويكون تاريخ هذا الاحتجام في الثامن عشر من رمضان، كما يؤكده أكثر الروايات لحديث شداد ﵁، وكذلك حديث ثوبان ﵁، لكن رمضان عام غير متعين، وبالتالي يكون الاستدلال منه على تأخره وكونه ناسخاً ضعيفاً (٢).
والله أعلم.
стр. 1372
المطلب الثامن: الصوم في السفر
ذهب بعض أهل العلم إلى أن جواز الصوم في السفر قد نسخ، لذلك لا يجوز أن يُصام فرض رمضان في السفر، ومن صامه فلا يجزيه، وعليه القضاء (١).
وممن قال بالنسخ و صرح به: الزهري (٢)، وابن حزم (٣).
ويتبين منه، ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة ثلاثة أشياء: اختلاف الأدلة الواردة فيها، والاختلاف في مفهومها، والقول بالنسخ (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥).
ثانياً: عن ابن عباس-﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر). وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره (٦).
стр. 1373
ثالثاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّلَ عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البرّ الصوم في السفر» (١).
وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ برجل في ظل شجرة يُرشُّ عليه الماء، قال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله! صائم، قال: «إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها» (٢).
رابعاً: عن جابر بن عبد الله-﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم (٣)، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر
стр. 1374
الناسُ إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» (١).
خامساً: عن كعب بن عاصم (٢) ﵁ يقول: سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليس من البرِّ الصيام في السفر» (٣).
سادساً: عن أبي أميَّة الضمري ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ من سفر، فسلمت عليه، فلمّا ذهبت لأخرج، قال: «انتظر الغداء يا أبا أمية!»، قلت: إني صائم يا نبي الله!
قال: «تعال أخبرك عن المسافر؛ إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الآية المذكورة تدل على أن الله تعالى
стр. 1375
لم يفرض صوم الشهر إلا على من شهده، ولا فرض على المسافر إلا أياماً أخر غير رمضان، وحديث أبي أميّة الضمري ﵁ يدل على معنى الآية الكريمة؛ حيث بين فيه أن الله وضع عن المسافر الصوم.
وما روي عن جابر ﵁ يدل على أن الصوم في السفر ليس من البر، وأنه يجب قبول رخصة الله التي رخص لعباده، وهو الفطر في السفر، وأن من صام في السفر، فهو من العصاة.
وقد كان النبي ﷺ يصوم في السفر لمّا سافر لفتح مكة، كما يدل عليه حديث ابن عباس، وجابر-﵃ ثم أفطر وأمر به، فكان الإفطار آخر الأمرين من قوله وفعله ﷺ ، فيكون ذلك ناسخاً لجواز الصوم في السفر؛ لأنه يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن المراد بالآية الكريمة أن من أفطر من المسافرين والمرضى فعليه عدة من أيام أخر، وليس المراد بها عدم صحة صوم المسافر، ويدل على ذلك اتفاق المسلمين على أن المريض متى صام أجزأه، ولا قضاء عليه إلا أن يفطر، فالمسافر نحوه؛ لأنهما ذكرا جميعاَ على وجه العطعف (٢).
стр. 1376
ب-إن ما جاء في رواية ابن عباس ﵁: (وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره) فهو مدرج من قول الزهري، وليس من الحديث. و الفطر في السفر، المذكور في هذه الأحاديث ليس آخر الأمرين، بل قد صام الصحابة مع النبي ﷺ في السفر بعد فتح مكة (١). يدل عليه حديث أبي سعيد ﵁ حيث قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم». فكانت رخصة، فمنّا من صام، ومنّا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا». وكانت عزمة، فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين لثمان عشرة خلت من رمضان، فصام طوائف من الناس، وأفطر آخرون، فلم يعب، أو قال: ولم يعب على الصائم صومه، ولا على المفطر إفطاره) (٣).
والخروج إلى حنين كان بعد فتح مكة بلا خلاف (٤).
ج-إن نسبة النبي ﷺ الصائمين إلى العصيان لما أمرهم بالإفطار فلم
стр. 1377
يفعلوا، فليس ذلك بأن الصوم في السفر قد نسخ، أو أنه لا يجوز، بل ذلك لأنه ﷺ عزمهم عليه فلم يمتثلوا، مع أن بعضهم أصابهم المشقة، وكانوا يحتاجون للفطر للتقوي به على لقاء العدو، كما يحتمل أن يكون قوله ﷺ ذلك لمن ترك الرخصة ورغب عنها (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم الصوم في السفر على أقوال أشهرها أربعة، وهي:
القول الأول: إن المسافر مخير بين الصوم والإفطار، إلا أن الصوم أفضل له من الإفطار إذا قوي عليه، ولم يتضرر، ولم يُجهده.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية «¬٣)، والشافعية (٤).
وروي ذلك عن حذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص (٥)، ﵄، وعروة، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير،
стр. 1378
وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبي ثور (١).
القول الثاني: إنه يجوز للمسافر الصوم والإفطار، إلا أن الأفضل له هو الإفطار مطلقاً.
وهو مذهب الحنابلة (٢). وروى ذلك عن ابن عمر، وابن عباس-﵃، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق (٣).
القول الثالث: إنه مخير بينهما والأفضل له منهما هو أيسرهما عليه.
وروي ذلك عن مجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة (٤).
القول الرابع: لا يجوز الصوم في السفر.
وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر (٥).
وروي نحو ذلك عن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس-في رواية-
стр. 1379
رضي الله عنهم- (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو تفضيل الصوم على الإفطار، إذا لم يتضرر- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ حيث إن بعضها يدل على جواز الصوم والفطر في السفر، وبعضها يدل على كراهة الصوم في السفر؛ حيث كان المشقة والضرر. فيثبت من مجموعها جواز الصوم والفطر للمسافر، وكراهة الصوم إذا أجهده وحصل له المشقة والضرر (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ووجه الدلالة منه: أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ خطاب للجميع من المسافرين والمقيمين، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ خطاباً لهم جميعاً كذلك؛ لأن الكلام إذا كان معطوفاً بعضه على
стр. 1380
بعض فلا يخص شيء منه إلا بدلالة، وإذا كان كذلك اقتضى ذلك أن يكون صوم المسافر خيراً له من الإفطار؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يشمله كما يشمل غيره (١).
ثالثاً: عن أبي الدرداء ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة) (٢).
رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنّا الصائم، ومنّا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، والمفطر على الصائم. يرون أن من وجد قوة
فصام، فإن ذلك حسن. ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسن) (٣).
خامساً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى
стр. 1381
لكم». فكانت رخصة، فمنّا من صام، ومنّا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا». وكانت عزمة، فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر (١).
سادساً: عن عبد الله بن أبي أوفى (٢) ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: «انزل فاجدح (٣) لي»، قال: يا رسول الله، الشمس. قال: «انزل فاجدح لي». قال: يا رسول الله، الشمس. قال: «انزل فاجدح لي». فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده ههنا، ثم قال: «إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم» (٤).
سابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صام يوماً في سبيل الله بعَّد اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفاً» (٥).
стр. 1382
فهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ ، وبعض الصحابة-﵃-صاموا في السفر، قبل فتح مكة وبعده، كما تدل على أنهم أفطروا أحياناً عند الضعف أو وجود مشقة، أوللتقوي للجهاد وقتال الأعداء، فثبت منه أن الصوم في السفر أفضل عند عدم الجهد والضرر والمشقة، وإلا لما صام النبي ﷺ في السفر، ويدل عل هذا ما جاء صريحاً في حديث أبي سعيد ﵁: (يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن. ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر، فإن ذلك حسن)؛ حيث دل على أن الفطر كان من أجل الضعف، وأن من وجد قوة فصام فإنه كان حسناً عندهم. فثبت من مجموع هذه الأدلة جواز الإفطار في السفر، وأن الصوم فيه عند القوة عليه وعدم الضرر، حسن وأفضل من الإفطار (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الفطر في السفر أفضل من الصوم- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول الأول، والتي تدل على جواز الصوم والفطر في السفر.
стр. 1383
ثانياً: حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ «ليس من البرّ الصوم في السفر» (١).
وفي رواية عنه ﵁ مرفوعاً: «إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها» (٢).
ثالثاً: عن جابر بن عبد الله-﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه، حتى نظر الناسُ إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» (٣).
ربعاً: حديث كعب بن عاصم ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «ليس من البرِّ الصيام في السفر» (٤).
خامساً: عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر» (٥).
стр. 1384
سادساً: عن دحية بن خليفة ﵁ أنه خرج من قريته إلى قريب من قرية عقبة في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، قال: فلمّا رجع إلى قريته قال: (والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أن أره؛ إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك) (١).
стр. 1385
ووجه الاستدلال منها: أن بعض هذه الأحاديث يدل على جواز الصوم في السفر، وبعضها يدل على كراهة الصوم في السفر، فيثبت من مجموعها جواز الصوم في السفر، وأن الإفطار أفضل منه (١).
واعترض عليه: بأن الزجر عن الصوم في السفر إنما جاء لمن جهده الصوم، أو رد الرخصة، ولم يرها رخصة، أو كان ذلك في واقعة معينة أمروا بالفطر فخالفه بعضهم. والخلاف فيما إذا لم يجهده الصوم ولم يتضرر به، ولم ينكر الرخصة (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الأفضل من الصوم والفطر أيسرهما عليه- بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣).
فالله بين أنه يريد بعباده اليسر، فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسركمن يسهل عليه حينئذٍ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل (٤).
стр. 1386
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو عدم جواز الصوم في السفر- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: الأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
ثانياً: ما سبق في دليل القول الثاني من حديث عبد الرحمن بن عوف، ودحية بن خليفة ﵄؛ فإنهما كذلك يدلان على عدم جواز الصوم في السفر (١).
وقد سبق ما يعترض به على الاستدلال من الأدلة التي سبقت في القول بالنسخ.
ويعترض بما روي عن عبد الرحمن بن عوف ودحية-﵄: بأن في صحتهما كلام، وخاصة حديث عبد الرحمن بن عوف؛ حيث إنه لا يصح مرفوعاً، وروي عنه موقوفاً وهو مع ذلك منقطع، وعلى تقدير صحة الروايتين فالمراد بذلك هو الرد على من لم يسوغ الفطر، وظن أن الصوم حتم عليه كالمقيم (٢).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول- وهو أنه مخير بين الصوم والفطر، إلا أن الصوم أفضل من الفطر، إذا لم يجهده ولم يتضرر به-؛ وذلك لأن الله
стр. 1387
سبحانه وتعالى رخص في كتابه للمسافر أن يفطر في السفر، والنبي ﷺ صام في السفر وأفطر، وقال لمن سأله عن الصوم في السفر-كما في حديث عائشة-﵂: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» (١).
كما روي عنه أنه زجر عن الصوم أحياناً عند وجود المشقة والجهد، كما نسب بعضهم إلى العصيان لما أمرهم بالفطر فلم يفطروا.
لكن عند جمع هذه الأحاديث والنظر فيها وفي سبب ورودها، فإنه يظهر منها ما يلي:
أ- إن النبي ﷺ كان يصوم في السفر، وقد صام في السفر قبل فتح مكة وبعده، يدل على هذا حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء-﵃.
ب-إن النبي ﷺ أفطر في السفر أحياناً؛ وذلك عند وجود مشقة وجهد، يلحقه هو، أو بعض من معه من الصائمين. فأفطر حتى يفطروا. كما أفطر عند قرب لقاء العدو، وأمرهم بالفطر، وذلك للتقوي على الجهاد. ويدل على هذا حديث ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد الخدري-﵃.
ج-إن نسبة النبي ﷺ بعض من صام في السفر إلى العصيان، وكذلك قوله: «ليس من البر الصيام في السفر». لم يكن ذلك على الإطلاق ولا بدون
стр. 1388
سبب، بل نسب من صام في السفر إلى العصيان، لمّا أمرهم بالفطر عند قرب لقاء العدو فلم يمتثلوا واستمروا في الصوم، أو لم يروا الرخصة في الفطر. كما أن قوله: «ليس من البر الصيام في السفر». إنما قاله لمن جهده الصوم في السفر، وتضرر به، ولم يفطر، أو لم يقبل رخصة الفطر. ويدل على هذا حديث جابر، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما-﵄ (١).
فعلى هذا يكون الصوم في السفر أفضل من الفطر لمن لم يجهده؛ لأن النبي ﷺ صام في السفر، وأنه لم يفطر إلا عند حصول جهد له أو لغيره من الصائمين أو لوجود سبب آخر يدعو للفطر، فافطر حتى يفطروا.
وبه يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة؛ وذلك بحمل صوم النبي ﷺ في السفر على الأفضل، وبحمل ما يدل على الفطر على وجود سبب، أو لمشقة وجهد (٢).
ثانياً: إن القول بأن الصوم في السفر منسوخ، غير صحيح؛ وذلك لما يلي:
أ- لأنه لا يوجد دليل يدل على تأخر ما يدل على عدم الصوم في السفر على ما يدل على جواز الصوم في السفر. وفطر النبي ﷺ في السفر في غزوة الفتح ليس آخر الأمرين على الإطلاق، بل صام ثم أفطر، فهو متأخر عن هذا الصوم، لكنه قد صام هو والصحابة في السفر بعد ذلك كما يدل عليه حديث
стр. 1389
أبي سعيد الخدري ﵁ (١).
ب-إنه يمكن الجمع بين هذه الأدلة، كما سبق بيانه. وإذا أمكن الجمع بين الأدلة المختلفة فإنه لا يصار معه إلى ترك بعضها ولا إلى القول بالنسخ.
والله أعلم.
стр. 1390
المطلب التاسع: الفطر قبل صلاة العيد يوم عيد الفطر
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الفطر يوم عيد الفطر قبل صلاة العيد كان حراماً في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك، واستحب الفطر قبل الصلاة (١).
وعلى استحباب الأكل يوم عيد الفطر قبل الصلاة جماعة الفقهاء وجمهور أهل العلم (٢). ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (٣). ولم أجد من قال بتحريمه أو كراهته.
стр. 1391
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ لا يغدوا يوم الفطر حتى يأكل تمرات) (١).
ثانياً: عن بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعمُ يوم الأضحى حتى يصلي) (٢).
ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يفطر يوم الفطر قبل أن يخرج، وكان لا يصلي قبل الصلاة، فإذا قضى صلاته صلى ركعتين) (٣).
стр. 1392
رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (من السنة أن لا تخرج يوم الفطر حتى تخرج الصدقة، وتطعم شيئاً قبل أن تخرج) (١).
فهذه الأدلة تدل على سنية واستحباب الفطر والأكل يوم عيد الفطر قبل الخروج إلى الصلاة (٢).
ولم أجد دليلاً يدل على أن الفطر وأكل شيء قبل صلاة عيد الفطر كان حراماً في أول الإسلام ثم نسخ، بل هذه الأدلة تدل على أن النبي ﷺ داوم على الفطر وأكل شيء قبل الخروج إلى الصلاة، ولم يُنقل عنه ﷺ من قوله أو فعله ما يدل على خلاف ذلك (٣).
والله أعلم.
стр. 1393
المطلب العاشر: قضاء الصوم عن الميت
ذهب بعض أهل العلم إلى أن من مات وعليه صوم، فإن لوليه أن يُطعم عنه، وليس له أن يصوم عنه؛ لأن قضاء الصوم عن الميت قد نسخ (١).
وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (٢)، وابن بطال (٣)، والعيني (٤)، وابن الهمام (٥).
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة ثلاثة أمور: اختلاف الآثار الواردة فيها، ومعارضتها للأصول، والقول بالنسخ (٦).
стр. 1394
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن ابن عمر-﵄ عن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام شهر فليُطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً» (١).
وفي رواية عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه رمضان لم يقضه فليطعم عنه لكل يوم نصف صاع من بر» (٢).
стр. 1395
ثانياً: عن عائشة-﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه ولِيُّهُ» (١).
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن أُمِّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين، أكنت قاضيَه عنها؟» قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يُقضى» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: «أرأيت لو كان عليها دَين، أكنتِ تقضينه؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق
بالقضاء» (٣).
стр. 1396
رابعاً: عن عمرة ابنة عبد الرحمن (١)، قالت: سألت عائشة-﵂-فقلت لها: إن أمي تُوُفِّيتْ وعليها رمضان أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: (لا. لكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك عنها) (٢).
خامساً: عن ابن عباس -رضي الله
стр. 1397
عنه- قال: (لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مداً من حنطة) (١).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة وابن عباس-﵃ يدل على أن الوليّ يصوم عمن مات وعليه صيام، ثم ما روي عنهما من قولهما: يدل على أن من مات وعليه صيام، فإن وليُّه يُطعم عنه، ولا يصوم عنه، ويدل عليه كذلك ما روي عن ابن عمر ﵁. فيثبت من ذلك أن قضاء الصوم عن الميت قد نُسخ، وأنه ثبت عند عائشة وابن عباس-﵃ نسخ ما روياه؛ وإلا لما أفتيا على خلاف روايتهما، وإلا لكان ذلك جرحاً في عدالتهما، وبالتالي سقوط روايتهما، وحاش لله أن يكون ذلك كذلك، بل هما على عدلهما وأنهما لم يتركا ما سمعاه من النبي ﷺ إلا بما سمعاه منه مما قالاه بعده (٢).
واعترض عليه بما يلي:
أولاً: إن مخالفة أحد الصحابة-﵃-لما رواه عن النبي ﷺ له عدة احتمالات، منها: أن يكون نسي ما رواه، أو أن يخالف ذلك لاجتهاد، كما يحتمل أن تكون الرواية عنه بخلافه وهماً ممن روى ذلك عنه، ومع هذه الاحتمالات لا يصح الاستدلال منه على النسخ، على أن الواجب اتباع ما ثبت عن النبي ﷺ ، وليس لأحد من البشر قول مع قوله ﷺ (٣).
ثانياً: إنه روي عن غير عائشة وابن عباس-﵄ مثل روايتهما، ولم يُنقل عنه أنه أفتى بخلاف روايته، فإن كان قول عائشة وابن
стр. 1398
عباس-﵄-معارضاً لروايتهما، فما رواه غيرهما سالم عن المعارضة فيؤخذ به (١).
ثالثاً: إن النقل عن ابن عباس-﵄ اختلف فيه عليه. وما نُقل عن عائشة-﵂-ففيه مقال، فلا يقوى مثل هذا على معارضة الأحاديث الصحيحة ولا ينسخها (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصوم عمن مات وعليه صيام (٣)، على أقوال أشهرها ثلاثة وهي:
القول الأول: إن من مات وعليه صيام فإنه لا يُصام عنه، وإنما يُطعم عنه.
وهو مذهب الحنفية «¬٤)، والمالكية، (٥) والشافعية (٦).
стр. 1399
وروي نحو ذلك عن: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة-﵃، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن حي، وابن علَيَّة (١).
القول الثاني: إن من مات وعليه صيام، فإن كان ذلك صوم رمضان فإنه يُطعم عنه، ولا يصام. وإن كان صوم نذر صام عنه الوليُّ.
وهو مذهب الحنابلة (٢)، وروي نحوه عن ابن عباس ﵁، وهو قول أبي عبيد، والليث بن سعد، وإسحاق (٣).
القول الثالث: إن من مات وعليه صيام فإن وليه يصوم عنه، أي صوم كان.
وهو القول القديم للإمام الشافعي، واختاره جماعة من محدثي الشافعية (٤)، وقول أبي ثور، وداود، وابن حزم (٥). وروي ذلك عن: طاووس،
стр. 1400
والحسن، والزهري، وقتادة (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بأدلة أهمها ما يلي:
أولاً: حديث ابن عمر ﵁ مرفوعاً: «من مات وعليه صيام شهر فليُطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً» (٢).
ثانياً: ما روي عن ابن عباس، وعائشة-﵃ أن من مات وعليه صيام، فإنه يطعم عنه، ولا يصام (٣).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵁ يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤]، قال ابن عباس: (ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً) (٤).
فقد جعل ابن عباس ﵁ ما يرجع إليه الكبير عند عجزه عن الصيام الفدية عنه، لا صيام غيره عنه. ومن مات وعليه صيام، فإنه قد عجز عن
стр. 1401
الصوم، فصار كالشيخ الفاني؛ فيطعم عنه كالشيخ الفاني (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن حديث ابن عمر ﵁ لا يصح مرفوعاً، والصحيح أنه موقوف عليه، وهو يدل على الإطعام ولا يمنع الصيام (٢).
أما الرواية عن ابن عباس ﵁ فاختلف عليه فيه، فكما روي عنه ما يدل على عدم الصوم عن الميت، فقد روي عنه ما يدل على الصوم عنه. أما الرواية عن عائشة-﵂ فبعضه لا يدل على عدم إجزاء الصيام، وما يدل عليه فهو ضعيف جداً؛ لذلك لا يتم
الاستدلال من هذه الأدلة على عدم إجزاء الصيام خاصة في مقابل أحاديث صحيحة صريحة (٣).
ب- إنه قد صح وثبت عن رسول الله ﷺ ما يدل على صيام الولي عمن مات وعليه الصيام، والواجب اتباعه ﷺ ، دون غيره، وليس في قول أحد حجة مع قوله ﷺ (٤).
стр. 1402
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أنه لا يصام عن الميت صوم رمضان بل يطعم عنه، ويصام عنه صوم النذر- بما يلي:
أولاً: أما أنه لا يُصام عنه في قضاء رمضان، ويطعم عنه؛ فللأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول الأول؛ فإنها تدل على أنه يُطعم عنه، ولا يُصام، وهي في قضاء صوم رمضان لا صوم النذر (١)، يدل عليه ما يأتي.
ثانياً: أما أنه يُصام عنه صوم النذر، فلما يلي:
أ-عن ابن عباس-﵄-قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دَين فقضيتيه، أكان يؤدَّى ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك» (٢).
وفي رواية عنه ﵁: (أن امرأة ركبت البحر، فنذرت: إنِ اللهُ نجاها أن تصوم شهراً، فنجاها اللهُ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها-أو أختها-إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها) (٣).
стр. 1403
ب-عن ابن عباس-﵄-قال: (إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم: أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليُّه) (١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ويستدل منها على قضاء صوم النذر عن الميت دون صوم رمضان عنه: بأن المراد بالصوم في قوله ﵇: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» -ونحوه من الأحاديث- صوم النذر، يفسر ذلك حديث ابن عباس ﵁؛ حيث جاء فيه أن ذلك الصوم كان صوم نذر، كما أن فتواه على قضاء صوم النذر عن الميت، والإطعام عنه في صوم رمضان يدل على هذا الفرق، وما روي عنه من قوله: (لا يصوم أحد عن أحد) فهو وإن كان مطلقاً إلا أنه يفسره هذه الرواية، لذلك فلا يكون هو مخالفاً لهذا. كما أن إفتاء عائشة
стр. 1404
-﵂ بالإطعام عمن عليه صوم رمضان ليس مخالفاً لهذا؛ لأنها أفتت في قضاء صوم رمضان، لا صوم النذر (١).
واعترض عليه: بأن رواية عائشة-﵂-مطلقة، وليس بينها وبين حديث ابن عباس ﵁ تعارض، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له. أما حديث عائشة-﵂-فهو تقرير قاعدة عامة، ويؤكد هذا أن صوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل ونادر، والأدلة إنما تحمل على الغالب الأكثر، لا على النادر (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه أي صوم كان- بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه ولِيُّهُ» (٣).
فإنه بإطلاقه يشمل قضاء صوم رمضان وغيره (٤).
ثانياً: حديث ابن عباس ﵁ الذي سبق ذكره في دليل القول الثاني، فإنه
стр. 1405
روي بطرق وألفاظ مختلفة، بعضها يدل على قضاء الصوم من غير تقييد، وبعضها يدل على أن السؤال كان عن صوم نذر، والظاهر تعدد الواقعات؛ لذلك يصح الاستدلال مما روي عنه على قضاء مطلق الصيام (١).
ثالثاً: عن بريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ ، إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمّي بجارية، وإنها ماتت. قال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث»، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحج قط. أفأحج عنها؟ قال: «حُجّي عنها» (٢).
وهذا الحديث كذلك يدل على قضاء الصوم عن الميت، من غير فرق بين صوم وصوم (٣).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إنه يجوز صيام الولي عمن مات وعليه صيام، سواء كان صوم رمضان أو غيره، كما يجوز أن يطعم عنه؛ وذلك لما يلي: