← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الصوم، فصار كالشيخ الفاني؛ فيطعم عنه كالشيخ الفاني (١). واعترض عليه بما يلي: أ-إن حديث ابن عمر ﵁ لا يصح مرفوعاً، والصحيح أنه موقوف عليه، وهو يدل على الإطعام ولا يمنع الصيام (٢). أما الرواية عن ابن عباس ﵁ فاختلف عليه فيه، فكما روي عنه ما يدل على عدم الصوم عن الميت، فقد روي عنه ما يدل على الصوم عنه. أما الرواية عن عائشة-﵂ فبعضه لا يدل على عدم إجزاء الصيام، وما يدل عليه فهو ضعيف جداً؛ لذلك لا يتم الاستدلال من هذه الأدلة على عدم إجزاء الصيام خاصة في مقابل أحاديث صحيحة صريحة (٣). ب- إنه قد صح وثبت عن رسول الله ﷺ ما يدل على صيام الولي عمن مات وعليه الصيام، والواجب اتباعه ﷺ ، دون غيره، وليس في قول أحد حجة مع قوله ﷺ (٤).

стр. 1402

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أنه لا يصام عن الميت صوم رمضان بل يطعم عنه، ويصام عنه صوم النذر- بما يلي: أولاً: أما أنه لا يُصام عنه في قضاء رمضان، ويطعم عنه؛ فللأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول الأول؛ فإنها تدل على أنه يُطعم عنه، ولا يُصام، وهي في قضاء صوم رمضان لا صوم النذر (١)، يدل عليه ما يأتي. ثانياً: أما أنه يُصام عنه صوم النذر، فلما يلي: أ-عن ابن عباس-﵄-قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دَين فقضيتيه، أكان يؤدَّى ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك» (٢). وفي رواية عنه ﵁: (أن امرأة ركبت البحر، فنذرت: إنِ اللهُ نجاها أن تصوم شهراً، فنجاها اللهُ، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها-أو أختها-إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تصوم عنها) (٣).

стр. 1403

ب-عن ابن عباس-﵄-قال: (إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم: أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليُّه) (١). وجه الاستدلال من هذه الأدلة ويستدل منها على قضاء صوم النذر عن الميت دون صوم رمضان عنه: بأن المراد بالصوم في قوله ﵇: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» -ونحوه من الأحاديث- صوم النذر، يفسر ذلك حديث ابن عباس ﵁؛ حيث جاء فيه أن ذلك الصوم كان صوم نذر، كما أن فتواه على قضاء صوم النذر عن الميت، والإطعام عنه في صوم رمضان يدل على هذا الفرق، وما روي عنه من قوله: (لا يصوم أحد عن أحد) فهو وإن كان مطلقاً إلا أنه يفسره هذه الرواية، لذلك فلا يكون هو مخالفاً لهذا. كما أن إفتاء عائشة

стр. 1404

-﵂ بالإطعام عمن عليه صوم رمضان ليس مخالفاً لهذا؛ لأنها أفتت في قضاء صوم رمضان، لا صوم النذر (١). واعترض عليه: بأن رواية عائشة-﵂-مطلقة، وليس بينها وبين حديث ابن عباس ﵁ تعارض، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له. أما حديث عائشة-﵂-فهو تقرير قاعدة عامة، ويؤكد هذا أن صوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل ونادر، والأدلة إنما تحمل على الغالب الأكثر، لا على النادر (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه أي صوم كان- بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه ولِيُّهُ» (٣). فإنه بإطلاقه يشمل قضاء صوم رمضان وغيره (٤). ثانياً: حديث ابن عباس ﵁ الذي سبق ذكره في دليل القول الثاني، فإنه

стр. 1405

روي بطرق وألفاظ مختلفة، بعضها يدل على قضاء الصوم من غير تقييد، وبعضها يدل على أن السؤال كان عن صوم نذر، والظاهر تعدد الواقعات؛ لذلك يصح الاستدلال مما روي عنه على قضاء مطلق الصيام (١). ثالثاً: عن بريدة ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ ، إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمّي بجارية، وإنها ماتت. قال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث»، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحج قط. أفأحج عنها؟ قال: «حُجّي عنها» (٢). وهذا الحديث كذلك يدل على قضاء الصوم عن الميت، من غير فرق بين صوم وصوم (٣). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إنه يجوز صيام الولي عمن مات وعليه صيام، سواء كان صوم رمضان أو غيره، كما يجوز أن يطعم عنه؛ وذلك لما يلي:

стр. 1406

أ-أما الإطعام فلما روي عن ابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وغيرهم-﵃؛ حيث إنها تدل على جواز الإطعام ممن مات وعليه الصيام. وهو مما لا خلاف فيه بين أصحاب المذاهب الأربعة، كما سبق بيانه. ب-أما جواز أن يصوم الولي عمن مات وعليه الصيام، سواء كان صوم رمضان أو غيره، فلما يلي: ١ - لعموم حديث عائشة-﵂، وعدم تقييد حديث بريدة ﵁ بصوم معين، وتعدد روايات حديث ابن عباس ﵁؛ حيث بعضها يفيد جواز صوم النذر عن الميت، و بعضها يفيد جواز مطلق الصيام عنه. فيكون مجموع هذه الأحاديث دالة على أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، سواء كان صوم رمضان أو غيره (١). ٢ - ولأن الأحاديث الدالة على أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، أحاديث صحيحة صريحة، ولا يثبت من النبي ﷺ ما يعارض ذلك. وإنما الواجب اتباع النبي ﷺ ، وليس لأحد قول مع قوله ﷺ (٢). ٣ - ولأن الآثار المروية عن الصحابة-﵃-في المسألة منها ما يدل على الإطعام عمن مات وعليه الصيام، ولا ينفي جواز الصيام عنه، ومنها ما يدل على عدم صحة الصيام عنه لكن هذا النوع من الآثار بعضها ضعيف

стр. 1407

لا تقوم به الحجة فضلاً عن أن تعارض أحاديث صحيحة صريحة. وبعضها معارض بمثله، وليس الأخذ ببعضها أولى عن ما يعارضها، على أن ما يدل على عدم صحة أن يصوم أحد عن أحد يحتمل أن يكون المراد به في الحياة؛ وبالتالي لا تكون بين تلك الآثار ولا بينها وبين الأحاديث الواردة في المسألة أي تعارض (١). ثانياً: إن القول بنسخ قضاء الصوم عن الميت ضعيف وغير صحيح، وذلك: أ-لأنه لا بد في النسخ من تأخر الناسخ، والأحاديث الدالة على قضاء الصوم عن الميت صحيحة وصريحة وثابتة عن النبي ﷺ . ولم يثبت عنه ﷺ ما يعارض ذلك فضلاً عن كونه متأخراً، فبأي شيء تكون منسوخة؟!. ب- إن عمل الراوي أو فتواه على خلاف مَرْوِيِّهِ له عدة احتمالات، منها: أن يكون ما رواه منسوخاً عنده، وهذا أحد الاحتمالات، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢). والله أعلم.

стр. 1408

المطلب الحادي عشر: صوم يوم عاشوراء ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن صوم يوم عاشوراء (١)، كان واجباً قبل أن يفرض صوم رمضان، فلما فُرض صوم رمضان نُسخ وجوب صوم عاشوراء (٢). وممن قال بهذا أوصرح به: ابن مسعود ﵁ (٣)، وابن عباس ﵁ (٤)، والإمام أحمد (٥)، والأثرم (٦)، والطحاوي (٧)، وابن شاهين (٨)، وابن

стр. 1409

حزم (١)، وابن عبد البر (٢)، والسمعاني (٣)، وأبو حامد الرازي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وابن حجر (٦). ولا خلاف بين الجميع في أن صومه الآن مستحب، وليس بواجب (٧). ويدل عليه وعلى النسخ، ما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٨). فقد روي عن بعض السلف منهم: ابن مسعود ﵁ أن المراد به صيام ثلاثة أيام وعاشوراء، ثم نُسخ ذلك بفرض رمضان بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ

стр. 1410

رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). فيكون صوم رمضان ناسخاً لوجوب صوم عاشوراء (٢). ثانياً: عن عائشة-﵂-قالت: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تُستر فيه الكعبة، فلمّا فرض الله رمضان قال رسول الله ﷺ : «من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه» (٣). وفي رواية عنها ﵂ قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضانُ ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه) (٤). وفي رواية ثالثة عنها، قالت: (كان رسول الله ﷺ أمر بصيام يوم

стр. 1411

عاشوراء، فلما فُرض رمضانُ كان من شاء صام، ومن شاء أفطر) (١). ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-قال: (صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضانُ ترك. وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه) (٢). رابعاً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم أن «أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقيّة يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» (٣). خامساً: عن الربيع بنت معوذ-﵂-قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم» قالت: فكنا نصومه بعدُ ونُصَوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار (٤). سادساً: ابن عباس-﵄-قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى

стр. 1412

اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: (ما رأيت النبي ﷺ يتَحَّرَى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان) (٢). سابعاً: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوارء ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فُرض رمضانُ، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده) (٣). ثامناً: عن معاوية بن أبي سفيان-﵄-يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» (٤).

стр. 1413

فهذه الأحاديث تدل على أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً؛ لأن النبي ﷺ صامه وأمر بصيامه، وتأكد ذلك بالنداء العام، وبأمر من أكل بالإمساك بقية اليوم، كما تأكد ذلك بقول عائشة وابن عمر-﵃: (لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء)؛ لأن استحبابه باق لم يترك، فدل على أن المتروك هو وجوبه (١). ثم هذه الأحاديث تدل كذلك على نسخ ذلك الوجوب؛ حيث دلت على أن وجوب صوم عاشوراء كان قبل فرض رمضان، وأنه لما فُرض رمضانُ تُرك عاشوراء، وأنه ﷺ قال: «من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه». فثبت بذلك نسخ وجوب صيامه (٢). لكن بقي استحباب صيامه؛ حيث إن النبي ﷺ صامه بعد نسخ وجوبه، وبعد فرض رمضان، كما يدل عليه حديث ابن عباس ومعاوية-﵃؛ لأنهما إنما صحبا النبي ﷺ بعد فرض رمضان ونسخ وجوب صوم عاشوراء. كما تدل أحاديث كثيرة على فضل صيامه واستحباب ذلك (٣). والله أعلم.

стр. 1414

المطلب الثاني عشر: صيام ثلاثة أيام من كل شهر ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ كان أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر قبل أن يُفرض رمضانُ، فلما فُرض رمضانُ نُسخ ذلك به (١). وممن صرح به: الحازمي (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). وروى نحوه عن ابن مسعود (٥)، وابن عباس-﵄ (٦)، وقتادة (٧)، وعطاء (٨). ويستدل له بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٩). فقد ذهب بعض السلف إلى أن المراد به كان صيام ثلاثة أيام من كل

стр. 1415

شهر، ثم نُسخ ذلك بفرض صيام رمضان بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). فيكون فرض صوم رمضان ناسخاً لوجوب صوم ثلاثة أيام (٢). ثانياً: عن ابن أبي ليلى قال: (وحدثنا أصحابنا أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام، ثم أنزل رمضان، وكانوا قوماً لم يتعودوا الصيام، وكان الصيام عليهم شديداً، فكان من لم يصم أطعم مسكيناً، فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكانت الرخصة للمريض والمسافر فأمرنا بالصيام) (٣). وفي رواية عنه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله فرض

стр. 1416

شهر رمضان، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (١). حتى بلغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٢). فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ثم إن الله أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم، فأنزل الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٣). إلى آخر الآية) (٤). فهذه الأدلة تدل على أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويأمر بذلك، وذلك قبل أن يُفرض رمضان، فلما فُرض صوم شهر رمضان نُسخ به ذلك، فمن شاء صامه ومن شاء تركه (٥). ولا شك أن هذه الأدلة تدل على نسخ صوم ثلاثة أيام من كل شهر بفرض صوم رمضان، لكن في إسنادها شيء من الضعف. وبقية أهل العلم وإن لم يصرحوا أو لم يقولوا بالنسخ، إلا أنه لا خلاف

стр. 1417

بينهم في استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وعدم وجوبه (١). وذلك لما يلي: أولاً: عن طلحة بن عبيد الله ﵁ يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطّوّع». فقال رسول الله ﷺ : «وصيام شهر رمضان»، فقال: هل عليّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع» الحديث (٢). ثانياً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: قال لي النبي ﷺ : «ألم أُنبَّأُ أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟» فقلت: نعم. فقال: «فإنك إذا فعلت ذلك هَجَمَت (٣) العين ونَفِهَت (٤) النفس، صم من كل شهر ثلاثة أيام فذلك

стр. 1418

صوم الدهر أو كصوم الدهر» قلت: إني أجدني-قال مسعر (١): يعني قوة- قال: «فصم صوم داود ﵇، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى» (٢). ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) (٣). رابعاً: عن معاذة العدوية (٤) أنها سألت عائشة-﵂ زوج النبي ﷺ : (أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها: من أي أيام

стр. 1419

الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم) (١). خامساً: عن أبي ذر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» (٢). فهذه الأحاديث تدل على استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وعدم وجوبه (٣). والله أعلم.

стр. 1420

المطلب الثالث عشر: صوم يوم السبت في غير الفريضة ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحديث الذي يدل على النهي عن صوم يوم السبت في غير الفريضة قد نسخ؛ لذلك يجوز أن يُصام يوم السبت في غير الفريضة (١). وممن صرح بنسخه: أبو داود (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣). والقول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلافهم في تصحيح الحديث الوارد فيه، وفي المفهوم منه، سبب آخر لاختلافهم فيها (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن الصَّمَّاء (٥) ﵂-أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء (٦) عنبة أو

стр. 1421

عود شجرة فليمضغه» (١). ثانياً: عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تصم يوم السبت إلا في فريضة، ولو لم تجد إلا لحاء شجرة فافطر عليه» (٢).

стр. 1422

ثالثاً: عن جُوَيرِيَّة بنت الحارث-﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غداً؟» قالت: لا. قال: «فأفطري» (١). رابعاً: عن أم سلمة-﵂-إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، كان يقول: «إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» (٢). ويستدل من هذه الأحاديث على النسخ: بأن حديث الصماء، وأبي أمامة-﵄-يدلان على النهي عن صوم يوم السبت في غير الفريضة. وحديث جويرية-﵂ يدل على جواز صومه إذا صيم مع غيره. أما حديث أم سلمة-﵂ فهو يدل على أن النبي ﷺ كان يصوم يوم السبت والأحد، ويكثر من صيامهما، وذلك مخالفة لأهل الكتاب.

стр. 1423

فيكون النهي عن صوم يوم السبت أول الأمر؛ حيث كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب، ثم كان آخر أمره مخالفتهم، فيكون صومه يوم السبت والأحد متأخراً عن النهي عن صوم يوم السبت، وناسخاً له؛ لأن نهيه عن صومه يوافق الحالة الأولى، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية (١). واعترض عليه: بأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث؛ وذلك بحمل النهي عن صوم يوم السبت إذا أُفرد بالصوم، كصوم يوم الجمعة، وجوازه إذا صيم معه يوم الجمعة أو يوم الأحد، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ لم يصم يوم السبت منفرداً. والجمع مهما أمكن فهو أولى من القول بالنسخ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في صوم يوم السبت في غير الفريضة على قولين: القول الأول: يكره تنزيهاً إفراد يوم السبت بالصوم، إلا أن يوافق عادة، ولا يكره إذا انضم معه غيره.

стр. 1424

وهو قول الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: يجوز صومه بدون كراهة سواء انضم معه غيره أم لا. وهو قول المالكية (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول، بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث الصماء بنت بسر، وأبي أمامة-﵄، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. ثانياً: حديث جويرية بنت الحارث، وأم سلمة-﵄، وقد سبق ذكرهما كذلك في دليل القول بالنسخ. ثالثاً: الأحاديث الدالة على: استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر.

стр. 1425

وعلى استحباب صيام أيام البيض من كل شهر. وكذلك الأحاديث الدالة على فضل صوم يوم وإفطار يوم، وقد سبق جملة من هذه الأحاديث في المطلب السابق. ووجه الاستدلال منها: هو أن حديث الصماء-﵂-وما في معناه، يدل على النهي عن صوم يوم السبت في غير الفريضة، و بقية الأحاديث تدل على جواز صومه، فيجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل ما يدل على النهي على إفراد صومه، وحمل ما يدل على الجواز على أن ينضم معه يوم قبله أو بعده (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو جواز صيام يوم السبت بلا كراهة، ولو منفرداً- بالأحاديث الدالة على فضل صيام التطوع، كصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وغير ذلك؛ فإنها تدل على جواز الصوم وفضله ولو كان ذلك اليوم يوم السبت. قالوا: وما يدل على النهي عن صوم يوم السبت في غير الفريضة فهو غير صحيح، أو شاذ (٢)، أو منسوخ (٣).

стр. 1426

واعترض عليه: بأن الحديث الوارد في النهي عن صوم يوم السبت صححه جماعة من أهل العلم (١)، ولا يصار إلى النسخ ما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً، وهو هنا ممكن كما سبق ذكره، لذلك يكون القول بالنسخ خلاف الأولى (٢). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وأن النهي عن صوم يوم السبت غير منسوخ، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الحديث الدال على النهي عن صوم يوم السبت قد صححه جمع من أهل العلم، ويمكن جمعه مع الأحاديث التي يُستدل منها على جواز صومه. وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة فالقول به متعين، ولا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (٣). ثانياً: ولأنه لا يوجد ما يصرح بالنسخ، وأن ما يدل على الجواز متأخر عن ما يدل على النهي، وما ذكر في وجه الاستدلال على النسخ مجرد احتمال، والنسخ لا يثبت به (٤). والله أعلم.

стр. 1427

المبحث الثاني: الحج، وأحكام الحرمين وفيه سبعة عشر مطلباً: المطلب الأول: إذا حج الأعرابي قبل الهجرة ثم هاجر فهل عليه حجة أخرى؟. المطلب الثاني: إذا حج العبد قبل أن يعتق ثم عتق فهل عليه حجة أخرى؟. المطلب الثالث: كون العقيق ميقات أهل المشرق. المطلب الرابع: بقاء أثر الطيب بعد الإحرام. المطلب الخامس: الاشتراط في الحج. المطلب السادس: دخول المحرم من الأبواب. المطلب السابع: دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد النسك. المطلب الثامن: قطع الخفين لمن لم يجد النعلين. المطلب التاسع: فسخ الحج إلى العمرة. المطلب العاشر: رفع اليدين عند رؤية البيت. المطلب الحادي عشر: الرمل بين الركنين اليمانيين في الأشواط الثلاثة الأول. المطلب الثاني عشر: من رمى جمرة العقبة ولم يطف بالبيت حتى أمسى، هل يعود محرماً؟ المطلب الثالث عشر: طواف الوداع على الحائض. المطلب الرابع عشر: قتل الغراب. المطلب الخامس عشر: استحلال الحرم بالقتال.

стр. 1428

المطلب السادس عشر: أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع شجرها. المطلب السابع عشر: الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها.

стр. 1429

المطلب الأول إذا حج الأعرابي قبل الهجرة ثم هاجر فهل عليه حجة أخرى ؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأعرابي (١)، إذا حج قبل الهجرة ثم هاجر فإنه لا يجب عليه إعادة الحج (٢). وأن الآثار التي تدل على وجوب إعادة الحج عليه قد نسخت. وممن صرح بالنسخ: أبو بكر الجصاص (٣)، وابن حزم (٤).

стр. 1430

وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» (٢).

стр. 1431

وفي رواية عنه ﵁ قال: احفظوا عني، ولا تقولوا: قال ابن عباس. (أيما عبد حج به أهله ثم أعتق فعليه الحج، وأيما صبي حج به أهله صبياً ثم أدرك فعليه حجة الرجل، وأيما أعرابي حج أعرابياً ثم هاجر فعليه حجة المهاجرين) (١). ثانياً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن صبياً حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلاً، ولو أن أعرابياً حج عشر حجج ثم هاجر لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلاً، ولو أن مملوكاً حج عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلاً» (٢). وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام، ولا عتق إلا بعد ملك، ولا طلاق إلا بعد النكاح، ولا يمين في قطيعة، ولا تعرب بعد هجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين

стр. 1432

لولد مع والد، ولا يمين لامرأة مع زوج، ولا يمين لعبد مع سيده، ولا نذر في معصية الله، ولو أن أعرابياً حج عشر حجج ثم هاجر كانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلاً، ولو أن صبياً حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلاً، ولو أن عبداً حج عشر حجج ثم عتق كانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلاً» (١). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (٢). رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ يوم

стр. 1433

الفتح، فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (١). خامساً: عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا» فقال رجل: أكل عام؟ يا رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت. ولما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس-﵄ الأول، وكذلك ما روي عن جابر ﵁ مرفوعاً يدلان على أن الأعرابي إذا حج قبل الهجرة ثم هاجر أنه يجب عليه أن يعيد الحج، فيحج مرة ثانية. وحديث عائشة-﵂ وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الثاني يدلان على أنه لا هجرة بعد فتح مكة. فثبت من ذلك أن حديث ابن عباس ﵁ الأول وكذلك ما روي عن جابر ﵁ مرفوعًا، كان قبل فتح مكة، وفي وقت لم يكن الحج واجباً على الأعرابي وكانت الهجرة واجبة عليه، وهو قبل فتح مكة؛ لأنه لا هجرة بعد الفتح. وإذن فيكون

стр. 1434

وجوب إعادة الحج على الأعرابي إذا حج قبل الهجرة ثم هاجر المذكور في حديث ابن عباس ﵁ الأول منسوخاً بحديث عائشة-﵂ وحديث ابن عباس ﵁ الثاني. كما يكون منسوخاً بحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا»؛ حيث إن ذلك كان في حجة الوداع، وقد بين النبي ﷺ فيه وجوب الحج على الناس، وهو يشمل الأعرابي وغيره (١). واعترض عليه: بأنه لا هجرة بعد الفتح لكن من مكة، فالهجرة باقية ولم تنسخ مطلقاً، وإنما نسخ الهجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها أصبحت دار إسلام (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في إعادة الحج على من حج من الأعراب قبل الهجرة ثم هاجر، على قولين: القول الأول: أن حجه يجزيه عن حجة الإسلام، وليس عليه إعادة الحج بعد الهجرة. وهو قول المذاهب الأربعة (٣)، وقول عطاء، وإبراهيم النخعي،

стр. 1435

ومجاهد، وابن حزم (١). القول الثاني: لا يجزئ الأعرابي حجه قبل الهجرة عن حجة الإسلام، فإذا هاجر فعليه حجة أخرى. وهو قول ابن عباس ﵁، والحسن البصري (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه فقال: «أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا» فقال رجل: أكل عام؟ يا

стр. 1436

رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت. ولما استطعتم» (١). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة، فمن زاد فهو تطوع» (٢). رابعاً: حديث عائشة-﵂-ونحوه حديث ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح» (٣). ووجه الاستدلال منها، هو: أن الآية الكريمة، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ يدلان بعمومهما على أن الله فرض الحج على الناس من استطاع إليه سبيلاً. كما يدل حديث أبي هريرة ﵁ وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الأول على أن الحج إنما يجب مرة في العمر.

стр. 1437

ويدل حديث عائشة-﵂، وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الثاني على أنه لا هجرة بعد فتح مكة. فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن الحج يجب على الأعرابي المسلم إذا استطاع إليه سبيلاً، كما يجب على غير الأعرابي، وأنه إذا حج مرة فلا يجب عليه الحج مرة ثانية، كما لا يجب على غيره من المسلمين البالغين الأحرار. وأن ما يدل على إعادة الحج عليه بعد الهجرة فلعل أن ذلك كان في وقت ما كان الهجرة فرضاً، وقد كان ذلك قبل فتح مكة، فتكون أدلة عموم فرض الحج على المسلمين البالغين من استطاع إليه سبيلاً متأخرة عن ذلك، ويكون القول بمقتضاها لا بما يخالفها (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني بحديث ابن عباس ﵁، وما روي عن جابر ﵁ مرفوعاً، وقد مرّ ذكرهما؛ حيث إنهما يدلان على أن الأعرابي عليه إعادة الحج بعد الهجرة (٢). الراجح بعد ذكر ما قيل في المسألة من الأقوال وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن الأعراب الذين

стр. 1438

حجوا بعد فتح مكة ثم هاجروا فإنهم يجزون ذلك عنهم عن حجة الإسلام، وليس عليهم إعادة الحج بعد الهجرة، وذلك لما يلي: أولاً: للأدلة السابقة والتي تدل على فرض الحج على المسلمين ممن استطاع إليه سبيلاً، والأعرابي المسلم من جملتهم، مع ما في هذه الأدلة من أن الحج إنما يجب مرة واحدة في العمر. ثانياً: ولأن أهل العلم اختلفوا في المراد بالأعرابي والهجرة في حديث ابن عباس ﵁ وما في معناه؛ حيث ذهب بعضهم إلى أن المراد بالأعرابي الكافر، والمراد بالهجرة الإسلام، وأن النبي ﷺ فسر الإسلام باسم الهجرة. وإنما سموا مهاجرين؛ لأنهما هجروا الكفار (١). وإذا كان المراد به أن الكافر إذا حج قبل الإسلام ثم أسلم فإن عليه حجة أخرى فهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن عند الجميع يشترط الإسلام لصحة الحج. فمن حج قبل إسلامه ثم أسلم فعليه أن يعيد الحج، ويحج بعد الإسلام إن استطاع إليه سبيلاً (٢). ثالثاً: إنه يظهر لي-والله أعلم بالصواب- من مجموع طرق حديث

стр. 1439

ابن عباس وجابر-﵃ أن المراد بالأعراب الذين عليهم حجة أخرى بعد الهجرة: هم الذين حجوا ثم هاجروا قبل فتح مكة خاصة. وليس المراد الأعراب الذين حجوا بعد فتح مكة؛ وذلك لدليلين: أ- لما في حديث عائشة وابن عباس-﵃ أنه لا هجرة بعد فتح مكة. كما جاء ذكر ذلك في إحدى طرق حديث جابر ﵁، مع أنه جاء فيه إعادة الحج على الأعرابي بعد الهجرة، فهو وإن كان فيه ضعفاً إلا أن معناه يتقوى بأحاديث أخرى، ويدل على أن المراد بالأعراب الذين عليهم إعادة الحج بعد الهجرة هم الذين حجوا قبل فتح مكة. لا من يحجون بعد فتح مكة ثم يهاجرون؛ لأنه لا هجرة بعد الفتح. ب- ولأن الحج على قول أكثر أهل العلم إنما فرض سنة تسع أي بعد فتح مكة (١)، فيكون حج من حج قبل فتح مكة غير حج الفريضة وغير حجة الإسلام، لذلك يكون عليه أن يعيد حجه؛ لأن حجه الأول لم يكن حجة الإسلام وحجته المكتوبة. رابعاً: ولأن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع وأذن في الناس بذلك، قدم المدينة بشر كثير، كما في حديث جابر ﵁ حيث قال: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج. ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ،

стр. 1440

ويعمل مثل عمله) (١). وهؤلاء القادمون إلى المدينة من البشر يشمل الأعراب وغيرهم، ثم لم يُرو عن النبي ﷺ أنه أمر الأعراب بالهجرة، أو أن عليهم الحج بعد هجرتهم، وبعد حجتهم تلك. فهذا، وكذلك ما سبق مما استُدل به على النسخ، يقوى احتمال أن يكون ما يدل على إعادة حج من حج من الأعراب قبل الهجرة منسوخاً إن أريد به عموم الأعراب أي سواء من حج منهم قبل فتح مكة أو بعده ثم هاجر. والله أعلم.
следующие страницы →