← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت. ولما استطعتم» (١). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة، فمن زاد فهو تطوع» (٢). رابعاً: حديث عائشة-﵂-ونحوه حديث ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح» (٣). ووجه الاستدلال منها، هو: أن الآية الكريمة، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ يدلان بعمومهما على أن الله فرض الحج على الناس من استطاع إليه سبيلاً. كما يدل حديث أبي هريرة ﵁ وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الأول على أن الحج إنما يجب مرة في العمر.

стр. 1437

ويدل حديث عائشة-﵂، وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الثاني على أنه لا هجرة بعد فتح مكة. فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن الحج يجب على الأعرابي المسلم إذا استطاع إليه سبيلاً، كما يجب على غير الأعرابي، وأنه إذا حج مرة فلا يجب عليه الحج مرة ثانية، كما لا يجب على غيره من المسلمين البالغين الأحرار. وأن ما يدل على إعادة الحج عليه بعد الهجرة فلعل أن ذلك كان في وقت ما كان الهجرة فرضاً، وقد كان ذلك قبل فتح مكة، فتكون أدلة عموم فرض الحج على المسلمين البالغين من استطاع إليه سبيلاً متأخرة عن ذلك، ويكون القول بمقتضاها لا بما يخالفها (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني بحديث ابن عباس ﵁، وما روي عن جابر ﵁ مرفوعاً، وقد مرّ ذكرهما؛ حيث إنهما يدلان على أن الأعرابي عليه إعادة الحج بعد الهجرة (٢). الراجح بعد ذكر ما قيل في المسألة من الأقوال وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن الأعراب الذين

стр. 1438

حجوا بعد فتح مكة ثم هاجروا فإنهم يجزون ذلك عنهم عن حجة الإسلام، وليس عليهم إعادة الحج بعد الهجرة، وذلك لما يلي: أولاً: للأدلة السابقة والتي تدل على فرض الحج على المسلمين ممن استطاع إليه سبيلاً، والأعرابي المسلم من جملتهم، مع ما في هذه الأدلة من أن الحج إنما يجب مرة واحدة في العمر. ثانياً: ولأن أهل العلم اختلفوا في المراد بالأعرابي والهجرة في حديث ابن عباس ﵁ وما في معناه؛ حيث ذهب بعضهم إلى أن المراد بالأعرابي الكافر، والمراد بالهجرة الإسلام، وأن النبي ﷺ فسر الإسلام باسم الهجرة. وإنما سموا مهاجرين؛ لأنهما هجروا الكفار (١). وإذا كان المراد به أن الكافر إذا حج قبل الإسلام ثم أسلم فإن عليه حجة أخرى فهذا مما لا خلاف فيه؛ لأن عند الجميع يشترط الإسلام لصحة الحج. فمن حج قبل إسلامه ثم أسلم فعليه أن يعيد الحج، ويحج بعد الإسلام إن استطاع إليه سبيلاً (٢). ثالثاً: إنه يظهر لي-والله أعلم بالصواب- من مجموع طرق حديث

стр. 1439

ابن عباس وجابر-﵃ أن المراد بالأعراب الذين عليهم حجة أخرى بعد الهجرة: هم الذين حجوا ثم هاجروا قبل فتح مكة خاصة. وليس المراد الأعراب الذين حجوا بعد فتح مكة؛ وذلك لدليلين: أ- لما في حديث عائشة وابن عباس-﵃ أنه لا هجرة بعد فتح مكة. كما جاء ذكر ذلك في إحدى طرق حديث جابر ﵁، مع أنه جاء فيه إعادة الحج على الأعرابي بعد الهجرة، فهو وإن كان فيه ضعفاً إلا أن معناه يتقوى بأحاديث أخرى، ويدل على أن المراد بالأعراب الذين عليهم إعادة الحج بعد الهجرة هم الذين حجوا قبل فتح مكة. لا من يحجون بعد فتح مكة ثم يهاجرون؛ لأنه لا هجرة بعد الفتح. ب- ولأن الحج على قول أكثر أهل العلم إنما فرض سنة تسع أي بعد فتح مكة (١)، فيكون حج من حج قبل فتح مكة غير حج الفريضة وغير حجة الإسلام، لذلك يكون عليه أن يعيد حجه؛ لأن حجه الأول لم يكن حجة الإسلام وحجته المكتوبة. رابعاً: ولأن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع وأذن في الناس بذلك، قدم المدينة بشر كثير، كما في حديث جابر ﵁ حيث قال: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج. ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ،

стр. 1440

ويعمل مثل عمله) (١). وهؤلاء القادمون إلى المدينة من البشر يشمل الأعراب وغيرهم، ثم لم يُرو عن النبي ﷺ أنه أمر الأعراب بالهجرة، أو أن عليهم الحج بعد هجرتهم، وبعد حجتهم تلك. فهذا، وكذلك ما سبق مما استُدل به على النسخ، يقوى احتمال أن يكون ما يدل على إعادة حج من حج من الأعراب قبل الهجرة منسوخاً إن أريد به عموم الأعراب أي سواء من حج منهم قبل فتح مكة أو بعده ثم هاجر. والله أعلم.

стр. 1441

المطلب الثاني إذا حج العبد قبل أن يعتق ثم عتق فهل عليه حجة أخرى ؟ ذهب ابن حزم إلى وجوب الحج على العبد إذا وجد إلى ذلك سبيلاً، وأنه إذا حج ثم أعتق فليس عليها حجة أخرى، وأن الآثار التي تدل على وجوب إعادة الحج عليه قد نسخت (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» (٣). ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (٤). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح، فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (٥).

стр. 1442

رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا» فقال رجل: أكل عام؟ يا رسول الله! فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت. ولما استطعتم» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس ﵁ يدل على أن العبد إذا حج قبل أن يعتق ثم عتق فعليه حجة أخرى، لكن هذا كان قبل أن يفرض الحج، وقبل فتح مكة؛ لأن هذا الحديث جاء فيه أن الأعرابي إذا حج قبل الهجرة ثم هاجر فعليه حجة أخرى، والهجرة كانت قبل فتح مكة واجبة لا بعد فتحها، كما يدل عليه حديث عائشة وابن عباس-﵃، فإذا كان ذلك قبل فتح مكة فإن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على أن الحج يجب على جميع الناس ممن استطاع إليه سبيلاً، وهو عام يشمل العبد والحر، وهذا قاله رسول الله ﷺ في حجة الوداع فهو متأخر، فيكون ذلك ناسخاً لحديث ابن عباس ﵁ في وجوب إعادة حج العبد بعد العتق (٢). واعترض عليه بما يلي: أ- بأن حديث أبي هريرة ﵁ عام يشمل الحر والعبد، وحديث ابن عباس

стр. 1443

-﵁ خاص، والعام لا ينسخ الخاص، فيكون حديث ابن عباس ﵁ مخصصاً له، ويكون العبد مستثنى من هذا العموم (١). ب- إن حديث جابر ﵁ جاء في إحدى طرقه الجمع بين عدم الهجرة بعد الفتح وبين وجوب إعادة الحج على العبد إذا أعتق واستطاع إليه سبيلاً، وهو وإن كان فيه ضعفاً إلا أن معناه يتقوى بحديث عائشة وابن عباس ﵃ في عدم الهجرة بعد الفتح، وبحديث ابن عباس ﵁ في إعادة الحج على العبد بعد العتق. وإذا صح ذلك فإنه يدل على أن قول النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) وقوله في إعادة الحج على العبد إذا أعتق، كان كل ذلك بعد فتح مكة، وبالتالي لا يصح الاستدلال من حديث: (لا هجرة بعد الفتح) على نسخ إعادة الحج على العبد إذا أعتق واستطاع إليه سبيلاً؛ لأن كل ذلك كان بعد فتح مكة. ولا يكون حديث إعادة الحج على العبد بعد العتق قبل فتح مكة. هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في وجوب إعادة الحج على العبد إذا اعتق واستطاع إليه سبيلاً على قولين: القول الأول: إن حجه وهو عبد لا يجزئ عن حجة الإسلام، لذلك يجب عليه أن يحج حجة أخرى.

стр. 1444

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول ابن عباس ﵁، وعطاء، والحسن، وإبراهيم النخعي (٥). ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم عليه إلا من شذ منهم ممن لا يعتد بخلافه خلافاً (٦). القول الثاني: إن حجه وهو عبد يجزئ عن حجة الإسلام، لذلك ليس عليه إعادة الحج. وهو قول داود الظاهري، وابن حزم (٧). الأدلة ويستدل للقول الأول بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٨). ثانياً: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما صبي حج ثم

стр. 1445

بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» (١). ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن صبياً حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلاً، ولو أن أعرابياً حج عشر حجج ثم هاجر لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلاً، ولو أن مملوكاً حج عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلاً» (٢). وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام، ولا عتق إلا بعد ملك، ولا طلاق إلا بعد النكاح، ولا يمين في قطيعة، ولا تعرب بعد هجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لامرأة مع زوج، ولا يمين لعبد مع سيده، ولا نذر في معصية الله، ولو أن أعرابياً حج عشر حجج ثم هاجر كانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلاً، ولو أن صبياً حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلاً، ولو أن عبداً حج عشر حجج ثم عتق كانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلاً» (٣).

стр. 1446

رابعاً: عن محمد بن كعب القرظي (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين، أيما صبي حج به أهله ثم مات أجزأ عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله ثم مات أجزأ عنه، وإن أعتق فعليه الحج» (٢). خامساً: الإجماع؛ حيث نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن العبد إذا حج ثم أعتق أن عليه حجة أخرى إذا استطاع إليه سبيلاً (٣). ووجه الاستدلال منها، هو: أن الآية الكريمة تدل على أن الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً، والعبد غير مستطيع؛ لأن للسيد منعه لحقوقه من هذه العبادة. فيكون قوله: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.

стр. 1447

مخصصاً لعموم وإطلاق فوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١). وحديث ابن عباس ﵁ وما في معناه يؤكد معنى هذه الآية؛ حيث إنه يدل على أن العبد إذا حج قبل أن يعتق ثم عتق أن عليه حجة أخرى إذا استطاع إليه سبيلاً، وأن حجه وهو عبد لا يجزئ عن حجة الإسلام (٢). وأجمع على ذلك الأمة والأئمة (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن العبد إذا حج فهو يجزيه عن حجة الإسلام، وليس عليه إعادة الحج بعد العتق- بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤). ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه فقال: «أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحُجّوا» فقال رجل: أكل عام؟ يا رسول الله! فسكت

стр. 1448

حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت. ولما استطعتم» (١). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة، فمن زاد فهو تطوع» (٢). رابعاً: حديث عائشة-﵂-ونحوه حديث ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح» (٣). ووجه الاستدلال منها هو: أن الآية الكريمة، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ يدلان بعمومهما على أن الله فرض الحج على الناس من استطاع إليه سبيلاً. ولفظ الناس يتناول الحر والعبد. كما يدل حديث أبي هريرة ﵁ وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الأول على أن الحج إنما يجب مرة في العمر. وليس فيهما ما يدل على الفرق بين الحر والعبد. ويدل حديث عائشة-﵂، وكذلك حديث ابن عباس ﵁ الثاني على أنه لا هجرة بعد فتح مكة. فيثبت من مجموع هذه الأدلة أن الحج يجب على العبد المسلم إذا استطاع إليه سبيلاً، كما يجب على الحر، وأنه إذا حج مرة فلا يجب عليه الحج مرة ثانية كما لا يجب على غيره من المسلمين البالغين الأحرار. وأن

стр. 1449

ما يدل على إعادة الحج عليه بعد العتق فلعل أن ذلك كان في وقت ما كانت الهجرة فرضاً، وقد كان ذلك قبل فتح مكة، فتكون أدلة فرض الحج على المسلمين البالغين من استطاع إليه سبيلاً متأخرة عن ذلك، وهي عامة تشمل العبد والحر في أنهما يجزئ عنهما حجهما عن حجة الإسلام، ولا يجب عليهما إعادته مرة ثانية (١). واعترض عليه: بأن لفظ الناس في هذه الأدلة وإن كان عاماً يشمل الحر والعبد، إلا أن العبد خرج من هذا العموم بقوله تعالى: ﴿مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وكذلك بحديث ابن عباس ﵁ وما في معناه؛ فإنه يدل على أن العبد مستثنى من هذا الحكم العام، فهو دليل خاص، والخاص يقدم على العام ويقضى به عليه، ولا ينسخ الخاص بالعام (٢). الراجح بعد ذكر ما قيل في المسألة من الأقوال مع بيان أدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو أن العبد إذا حج ثم أعتق أن عليه حجة أخرى إذا استطاع إليه سبيلاً، وذلك:

стр. 1450

أ- لأن أدلة هذا القول أدلة خاصة، بخلاف أدلة القول المخالف له، والخاص يقدم على العام ويقضى به عليه (١). ب- ولأن أهل العلم من الصحابة والتابعين، قرؤوا هذه النصوص وعلموها، ثم قد فهموا منها أن العبد ليس كالحر في هذه العبادة ما دام عبداً، وأن عليه إعادته إذا أعتق. ولا يجوز عليهم تحريف تأويل هذه النصوص (٢). ثانياً: إن ادعاء نسخ حديث ابن عباس ﵁ الذي يدل على وجوب إعادة الحج على العبد إذا أعتق غير صحيح؛ وذلك: أ- لأن حديثه موافق للآية الكريمة وكذلك الأحاديث الدالة على فرض الحج؛ لأنه هذه الآية لم توجب حج البيت إلا على من استطاع إليه سبيلاً، والأحاديث المطلقة مقيدة كذلك بهذا القيد، والعبد غير مستطيع. وعليه فيكون حديث ابن عباس ﵁ تفسيراً وبياناً للآية لا أن يكون مخالفاً لها، وبالتالي يكون القول بنسخ حديث ابن عباس ﵁ قولاً بنسخ قيد الاستطاعة المذكورة في هذه الآية. وهو بلا شك غير صحيح. ب- ولأن الجمع بين هذه الأدلة ممكن، وذلك بحمل الأدلة العامة على ما عدا محل الخصوص، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى نسخ بعضها، كما أن الخاص لا ينسخ بالعام (٣).

стр. 1451

ج- ولأن هذا الحكم لو كان منسوخاً لما خفي ذلك على سلف هذه الأمة وأئمتها، ولما اتفقوا على القول بموافقته، وإذ ليس الأمر كذلك دل ذلك على بطلان القول بنسخه. د- ولأن حديث جابر ﵁ جاء في إحدى طرقه الجمع بين عدم الهجرة بعد الفتح وبين إعادة الحج على العبد إذا اعتق واستطاع إليه سبيلاً. فهو يدل على أن قول النبي ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح) وقوله في إعادة الحج على العبد إذا أعتق، كان كل ذلك بعد فتح مكة، وإذن لا يصح الاستدلال من حديث: (لا هجرة بعد الفتح) على نسخ إعادة الحج على العبد إذا أعتق واستطاع إليه سبيلاً؛ لأن كل ذلك كان بعد فتح مكة، لا أن حديث إعادة الحج على العبد بعد العتق كان قبل فتح مكة. والله أعلم.

стр. 1452

المطلب الثالث: كون العقيق ميقات أهل المشرق ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الحديث الذي يدل على أن العقيق (١) ميقات لأهل المشرق للحج والعمرة (٢)، إن كان له أصل فيشبه أن يكون منسوخاً بجعل ذات عرق (٣) ميقاتاً لهم (٤). ولا خلاف بين أهل العلم في صحة إحرام أهل المشرق من ذات عرق، وعدم وجوبه من العقيق، إلا أن بعضهم استحبه من العقيق (٥).

стр. 1453

ودليله وكذلك دليل القول بالنسخ ما يلي: أولاً: عن أبي الزبير (١)، أنه سمع جابر بن عبد الله-﵄-يُسأل عن المُهَلِّ؟ فقال: سمعت (أحسبه رفع إلى النبي ﷺ فقال: «مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة (٢)، والطريق الآخر الجحفة (٣)، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل

стр. 1454

نجد من قرن (١)، ومهل أهل اليمن من يلملم (٢) (٣). ثانياً: عن عائشة-﵂: (أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق) (٤). ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-قال: (لما فتح هذا المصران أتوا

стр. 1455

عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حدّ لأهل نجد قرناً، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً شقّ علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدّ لهم ذات عرق) (١). رابعاً: عن ابن عباس-﵄ قال: (وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق) (٢).

стр. 1456

ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث غير حديث ابن عباس ﵁ صريحة في أن ميقات أهل المشرق هو ذات عرق (١). وحديث ابن عباس ﵁ يدل على أن ميقاتهم هو العقيق، لكنه ضعيف، وعلى تقدير ثبوته يكون منسوخاً، يدل عليه أمران: الأول: الإجماع؛ حيث إن الناس أجمعوا على صحة إِحْرَامِ مَنْ أَهلَّ من ذات عرق، ولو كان العقيق ميقاتاً لأهل المشرق لما صح إحرامهم من ذات عرق. والإجماع لا ينسخ لكنه يدل على النسخ وعلى تأخر ما يوافقه (٢). الثاني: إن توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع حيث أكمل الله دينه، وابن عباس ﵁ لم يذكر العقيق لما ذكر حديثه المشهور في المواقيت، فيكون إن كان حدث به مرة قد تركه لما علم من نسخه، ولهذا لم يروه عنه إلا ولده الذي قد يقصد بتحديثهم إخبارهم بما قد وقع، لا لأن يبنى الحكم عليه (٣) والله أعلم.

стр. 1457

المطلب الرابع: بقاء أثر الطيب بعد الإحرام ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس ببقاء أثر الطيب بعد الإحرام بالحج أو العمرة، وأن الأمر بغسله كان أولاً، ثم نُسخ ذلك (١). وممن صرح بالنسخ أو قال به: الإمام الشافعي (٢)، والحازمي (٣)، وابن قدامة (٤)، والرازي (٥)، وأبو إسحاق الجعبري (٦). ويتبين منه، ومما يأتي من الأدلة أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: اختلاف الآثار، والقول بالنسخ (٧). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن يعلى (٨) ﵁ أنه قال لعمر ﵁: أرني النبي ﷺ حين يُوحى

стр. 1458

إليه، قال: فبينما النبي ﷺ بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ (١) بطيب؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، فجاءه الوحيُ فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى وعلى رسول الله ﷺ ثوب قد أُظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله ﷺ مُحْمَرُّ الوجه وهو يَغِطُّ (٢)، ثم سُرِّي عنه، فقال: «أين الذي سأل عن العمرة؟» فأُتي برجل فقال: «اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» (٣). ثانياً: عن عائشة-﵂-زوج النبي ﷺ قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) (٤).

стр. 1459

وفي رواية عنها-﵂-قالت: (طيبت رسول الله ﷺ بيديَّ بذريرة (١) في حجة الوداع للحل وللإحرام) (٢). ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: (كأنّي أنظر إلى وبيص (٣) الطيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) (٤). وفي رواية عنها-﵂ قالت: (رأيت بصيص (٥) الطيب في مفارق رسول الله ﷺ بعد ثلاث وهو محرم) (٦). رابعاً: عن عائشة-﵂ قالت: (كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد (٧) جباهنا بالسُّكّ (٨) المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا

стр. 1460

سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا) (١). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث يعلى ﵁ يدل على غسل أثر الطيب بعد الإحرام، لكن هذا الأمر بالغسل كان عام الفتح سنة ثمان، والأحاديث المروية عن عائشة ﵂ تدل على أنه لا بأس ببقاء أثر الطيب بعد الإحرام؛ حيث إن النبي ﷺ تطيب وبقي أثره عليه بعد الإحرام، كما أن مِن أزواج النبي ﷺ مَن تطيبن وبقي أثره عليهن بعد الإحرام، ولم ينههن النبي ﷺ عن ذلك. وكان هذا عام حجة الوداع سنة عشر، فتكون هذه الأحاديث ناسخة للحديث الدال على غسل الطيب وأثره بعد الإحرام؛ لتأخرها عليه؛ وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في بقاء أثر الطيب بعد الإحرام على قولين: القول الأول: يستحب التطيب قبل الإحرام، ولا بأس ببقاء أثره بعد الإحرام.

стр. 1461

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول جمهور أهل العلم من السلف والخلف (٤). وممن روي عنه ذلك أوقال به: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، والحسين بن علي، وأبو سعيد الخدري، ومعاوية، وأبو ذر، والبراء بن عازب، وعائشة وأم حبيبة-﵃، وعروة، والشعبي، والنخعي، وخارجة بن زيد، وابن جريج، والثوري، والأزواعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وابن حزم (٥). وهو رواية عن: الحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير (٦). القول الثاني: لا يجوز أن يتطيب قبل إحرامه بما يبقى عليه أثره بعد الإحرام، وإن فعله فعليه أن يغسله.

стр. 1462

وهو مذهب المالكية (١)، وقول محمد بن الحسن، والطحاوي من الحنفية (٢). وممن روي عنه ذلك أو قال به: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو-﵃، وعطاء، والزهري، وسعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو جواز التطيب عند الإحرام، ولا بأس ببقاء أثره بعده-بما يلي: أولاً: أحاديث عائشة-﵂-في تطيب النبي ﷺ لإحرامه ولحله، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ. ثانياً: حديث عائشة-﵂ في تطيب أزواج النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ لم ينههن عن ذلك، وقد سبق ذكره كذلك في دليل القول بالنسخ. ثالثاً: عن قتادة: (أن ابن عباس-﵄-كان لا يرى بأساً بالطيب عند إحرامه، ويوم النحر قبل أن يزور) (٤).

стр. 1463

رابعاً: عن أبي الضّحى (١)، قال: (رأيت عبد الله بن الزبير وفي رأسه ولحيته من الطيب وهو محرم ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال) (٢). فهذه الأدلة تدل على استحباب التطيب عند الإحرام، وأنه لا بأس ببقاء أثره بعد الإحرام؛ حيث إن النبي ﷺ تطيب قبل إحرامه، وبقي عليه أثره بعد الإحرام، ولم ينكر على من تطيبن من أزواجه، وقد بقي عليهن أثر ذلك الطيب بعد الإحرام. كما أن جماعة من أصحابه-﵃ عملوا على وفق ذلك بعده ﷺ ؛ حيث كانوا يتطيبون قبل الإحرام ولا يرون بأساً ببقاء أثره بعد ذلك (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو عدم جواز التطيب عند الإحرام بما يبقى أثره بعد الإحرام- بما يلي: أولاً: حديث يعلى ﵁ وقد مرّ ذكره في دليل القول بالنسخ.

стр. 1464

ثانياً: عن محمد بن المنتشر (١)، قال: سمعت ابن عمر-﵄ يقول: لأن أصبح مطليّاً بقطران أحب إليّ من أن أصبح محرماً أنضخ طيباً. قال: فدخلت على عائشة ﵂-فأخبرتها بقوله، فقالت: (طيبت رسول الله ﷺ فطاف في نسائه، ثم أصبح محرماً) (٢). ثالثاً: عن أسلم (٣) مولى عمر بن الخطاب، أن عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيب وهو بالشجرة (٤)، فقال: (ممن ريح هذا الطيب؟ فقال معاوية بن أبي سفيان: منّي يا أمير المؤمنين، فقال منك؟ لعمر الله. فقال معاوية: إن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين، فقال عمر ﵁: عزمت عليك لترجعنّ فلتغسلنّه) (٥). ويستدل منها على عدم جواز أن يتطيب المحرم بما يبقى عليه أثره بعد

стр. 1465

الإحرام: بأن حديث يعلى ﵁ فيه الأمر بغسل الطيب الذي بقي بعد الإحرام، فيدل على عدم جوازه؛ وإلا لما أمر النبي ﷺ ذلك الرجل بغسله. ويؤكد ذلك أثر عمر، وابنه عبد الله-﵄؛ حيث أنكرا التطيب عند الإحرام. أما تطيب النبي ﷺ عند الإحرام فقد ذكرت عائشة-﵂-أنها طيبته ثم طاف على نسائه. وهو ﷺ قد اغتسل بعد ذلك، ثم أحرم، فيكون الطيب قد أتى عليه الغسل، فكان إحراماً بعد طيب قد غسله (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن حديث يعلي ﵁ ورد بألفاظ مختلفة، منها ما يدل على أن الرجل المذكور في ذلك الحديث كان متضمخاً بطيب، وأن النبي ﷺ أمره بغسل ذلك الطيب. وقد سبق ذكره بهذا اللفظ. وقد ورد بلفظ يدل على أن ذلك الرجل كان عليه أثر خلوق (٢)، وأن النبي ﷺ قال له: «اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وانق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» (٣).

стр. 1466

والخلوق والتزعفر قد جاء النهي عنه للرجال محرماً كان أو غير محرم، فيحتمل أن يكون الأمر بغسل أثر الخلوق لا لكونه طيباً بل لأنه خلوق، وهو منهي عنه حتى في غير الإحرام، فلا يكون في الحديث تعرض للطيب (١). وعلى تقدير أن الأمر بالغسل كان من أجل أنه طيب، فيكون ذلك منسوخاً، لأن ذلك كان سنة ثمان، ثم في عام حجة الوداع سنة عشر قد تطيب النبي ﷺ قبل الإحرام وبقي أثره عليه، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٢). ثانياً: يعترض على القول بأن النبي ﷺ طاف على نسائه بعدما تطيب، ثم اغتسل ثم أحرم، فيكون بين إحرامه وطيبه غسل، يعترض عليه بما يلي: أ- إنه قد بقي على النبي ﷺ أثر الطيب بعد الإحرام، فالغسل لم ينهِ أثره، يدل عليه ما سبق من حديث عائشة-﵂-كما يدل عليه قولها: (يرحم الله أبا عبد الرحمن (٣)، كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرماً ينضخ طيباً) (٤).

стр. 1467

فهذا صريح في بقاء الطيب وأثره على النبي ﷺ بعد الإحرام (١). ب-إنه يحتمل أن تكون عائشة-﵂-طيبت ﷺ فطاف على نسائه، ثم طيبته عند الإحرام مرة ثانية، ويدل على ذلك الروايات السابقة والتي جاء فيها أنها ﵂-طيبته ﷺ للإحرام (٢). ثالثاً: إن ما روي عن عمر، وابنه عبد الله-﵄ من إنكار الطيب عند الإحرام، فيعترض عليه بما يلي: أ-إن ابن عمر-﵄-سكت لما بلغه قول عائشة أنها طيبت النبي ﷺ عند الإحرام، كما نُقل عنه أنه قال لما سُئل عن الطيب عند الإحرام: (لا آمر به ولا أنهى عنه) (٣). ب-إن عمر ﵁ روي عنه كذلك أنه شم الطيب من البراء بن عازب ﵁ لما أحرموا فقال له: (إنما الحاج الأذفر (٤) الأغبر) (٥). ولم ينهه عنه، فهو مما يدل على أنه قد توقف فيه (٦). ج- إن عمل هؤلاء الصحابة-﵃-معارض بعمل غيرهم من الصحابة-﵃-كسعد بن أبي وقاص وابن عباس، وغيرهم

стр. 1468

-﵃-فيكون قولهم وعملهم أولى لموافقة ذلك لعمل النبي ﷺ (١). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو استحباب الطيب عند الإحرام، وأنه لا بأس ببقاء أثره بعد الإحرام، وذلك لما يلي: أولاً: لأن النبي ﷺ تطيب في حجة الوداع قبل الإحرام، وبقي عليه أثره بعد الإحرام، كما أنه ﷺ لم ينه من فعل ذلك، بل قررهم عليه، فدل كل ذلك على جواز الطيب واستحبابه عند الإحرام، سواء يبقى أثره بعد الإحرام أم لا. وقد سبق دليل هذا كله (٢). ثانياً: إن الأمر بغسل الطيب وأثره في حديث يعلى ﵁ يحتمل أنه أريد به نوع خاص من الطيب وهو الخلوق، وهو قد جاء النهي عنه في غير الإحرام كذلك، فيكون الأمر بالغسل مختصاً بهذا النوع من الطيب وأثره، ولا يكون شاملاً لمطلق أنواع الطيب. كما يحتمل أن يكون المراد به مطلق الطيب، وعليه فيكون ذلك منسوخاً؛ لأن ذلك كان سنة ثمان، وقد تطيب النبي ﷺ في حجة الوداع وهو كان سنة عشر. ولا يقال: إن ذلك مما اختص به النبي ﷺ ؛ لأن زوجاته ﷺ تطيبن كذلك ولم ينههن عن ذلك، ولا فرق في الطيب بين النساء

стр. 1469

والرجال اتفاقاً، كما أن عمل غير واحد من الصحابة-﵃ بعد النبي ﷺ على وفق ما ثبت عنه يؤكد استحباب ذلك وعمومه (١). والله أعلم.

стр. 1470

المطلب الخامس: الاشتراط في الحج ذهب بعض أهل العلم إلى نسخ حديث الاشتراط في الحج (١). وممن صرح به: أبو حامد الرازي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣)، وروي ذلك عن ابن عباس ﵄ (٤). ويتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٥). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن مجاهد قال: (ذكرت ذلك لابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر ضباعة بنت الزبير أن تشترط أن محلها حيث حبست، فقال: قد كان هذا ولكن نسخ، قلت: وما نسخه؟ قال: نسخه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا

стр. 1471

اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]) (١). ثانياً: عن ابن عمر-﵄ أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: (أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ (٢). وفي رواية عنه ﷺ أنه كان يقول: (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ؟ إن حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً) (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عمر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ لم يشترط في الحج، وأنه السنة، وحديث ابن عباس ﵁ صريح في نسخ الاشتراط في الحج، فيثبت من كل ذلك أن حديث الاشتراط في الحج قد نسخ (٤).

стр. 1472

واعترض عليه: بأن حديث ابن عمر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ لم يشترط في الحج، وليس فيه ما يدل على نسخ حديث الاشتراط. أما ما روي عن ابن عباس ﵁ فلا يصح الاستدلال منه على النسخ؛ لأمرين هما: أ- إنه ضعيف فلا يعارض ما صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، ولا يقوى على نسخه (١). ب- إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). نزل عام الحديبية سنة سبع يدل على ذلك ما جاء في حديث كعب بن عجرة (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ رآه وقمله يسقط على وجهه فقال: «أيؤذيك هوامُّك؟» قال: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقاً (٤) بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام (٥).

стр. 1473

وفي رواية عنه ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، قال: وكانت لي وفرة (١) فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرّ بي النبي ﷺ فقال: «أيؤذيك هوام رأسك؟» قلت: نعم، قال: وأنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] (٢). ويظهر من حديث ضباعة أن حجها الذي أرادته وهي شاكية كان بعد عام الحديبية؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه-﵃-حجوا بعد فتح مكة. فيكون حديث ضباعة بعد نزول آية الحصر، والسابق لا يكون ناسخاً للاحق؛ لأن من شرط صحة النسخ كون الناسخ متأخراً (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الاشتراط في الحج والعمرة وفائدة ذلك على قولين: القول الأول: إن من أحرم بنسك فلا يشترط، ومن اشترط فلا يفيده ذلك شيئاً.

стр. 1474

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ونحوه قول ابن عمر ﵁، وعروة، وطاووس، وسعيد بن جبير، والزهري، والثوري (٣). القول الثاني: إن من أحرم بنسك فله أن يشترط، فإن حصل له ما يحبسه عنه حل من الموضع الذي حبس فيه ولا شيء عليه. وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وروي نحو ذلك عن: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وعائشة، وأم سلمة، وابن عباس-﵃، وقال به: علقمة، والأسود، وشريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وعطاء بن يسار، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن حزم (٦). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي:

стр. 1475

أولاً: حديث ابن عمر ﵁ الذي يدل على أن النبي ﷺ لم يشترط، وقد سبق ذكره في أدلة القول بالنسخ. ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). ففي هذه الآية نهى عن حلق الرأس قبل ذبح الهدي في محله وهو الحرم، من غير فصل بين من اشترط الإحلال عند الإحرام وبين من لم يشترطه (٢). واعترض عليه: بأن عدم اشتراط النبي ﷺ في حجه لا ينافي ما أمر به ضباعة-﵂-من الاشتراط، ويكون عموم الآية الكريمة مخصصاً بأمره ﷺ ذلك، فلا يكون بين هذه الأدلة أي تعارض أو منافاة (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو جواز الاشتراط- بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: «لعلك أردت الحج» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: «حجي واشترطي قولي: اللهم محِلِّي حيث حبستني» (٤).
следующие страницы →