← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]) (١). ثانياً: عن ابن عمر-﵄ أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: (أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ (٢). وفي رواية عنه ﷺ أنه كان يقول: (أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ ؟ إن حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً) (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عمر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ لم يشترط في الحج، وأنه السنة، وحديث ابن عباس ﵁ صريح في نسخ الاشتراط في الحج، فيثبت من كل ذلك أن حديث الاشتراط في الحج قد نسخ (٤).

стр. 1472

واعترض عليه: بأن حديث ابن عمر ﵁ يدل على أن النبي ﷺ لم يشترط في الحج، وليس فيه ما يدل على نسخ حديث الاشتراط. أما ما روي عن ابن عباس ﵁ فلا يصح الاستدلال منه على النسخ؛ لأمرين هما: أ- إنه ضعيف فلا يعارض ما صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، ولا يقوى على نسخه (١). ب- إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). نزل عام الحديبية سنة سبع يدل على ذلك ما جاء في حديث كعب بن عجرة (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ رآه وقمله يسقط على وجهه فقال: «أيؤذيك هوامُّك؟» قال: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق وهو بالحديبية، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقاً (٤) بين ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام (٥).

стр. 1473

وفي رواية عنه ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، قال: وكانت لي وفرة (١) فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرّ بي النبي ﷺ فقال: «أيؤذيك هوام رأسك؟» قلت: نعم، قال: وأنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] (٢). ويظهر من حديث ضباعة أن حجها الذي أرادته وهي شاكية كان بعد عام الحديبية؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه-﵃-حجوا بعد فتح مكة. فيكون حديث ضباعة بعد نزول آية الحصر، والسابق لا يكون ناسخاً للاحق؛ لأن من شرط صحة النسخ كون الناسخ متأخراً (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الاشتراط في الحج والعمرة وفائدة ذلك على قولين: القول الأول: إن من أحرم بنسك فلا يشترط، ومن اشترط فلا يفيده ذلك شيئاً.

стр. 1474

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ونحوه قول ابن عمر ﵁، وعروة، وطاووس، وسعيد بن جبير، والزهري، والثوري (٣). القول الثاني: إن من أحرم بنسك فله أن يشترط، فإن حصل له ما يحبسه عنه حل من الموضع الذي حبس فيه ولا شيء عليه. وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وروي نحو ذلك عن: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وعائشة، وأم سلمة، وابن عباس-﵃، وقال به: علقمة، والأسود، وشريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وعطاء بن يسار، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن حزم (٦). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي:

стр. 1475

أولاً: حديث ابن عمر ﵁ الذي يدل على أن النبي ﷺ لم يشترط، وقد سبق ذكره في أدلة القول بالنسخ. ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). ففي هذه الآية نهى عن حلق الرأس قبل ذبح الهدي في محله وهو الحرم، من غير فصل بين من اشترط الإحلال عند الإحرام وبين من لم يشترطه (٢). واعترض عليه: بأن عدم اشتراط النبي ﷺ في حجه لا ينافي ما أمر به ضباعة-﵂-من الاشتراط، ويكون عموم الآية الكريمة مخصصاً بأمره ﷺ ذلك، فلا يكون بين هذه الأدلة أي تعارض أو منافاة (٣). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو جواز الاشتراط- بما يلي: أولاً: عن عائشة-﵂-قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: «لعلك أردت الحج» قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: «حجي واشترطي قولي: اللهم محِلِّي حيث حبستني» (٤).

стр. 1476

ثانياً: عن ابن عباس-﵄ أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب-﵂-أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: «أهلي بالحج واشترطي أن محِلي حيث تحبسني» قال: فأدركت (١). وفي رواية عنه ﵁ أن ضباعة أرادت الحج، فأمرها النبي ﷺ أن تشترط، ففعلت ذلك عن أمر رسول الله ﷺ (٢). وفي رواية ثالثة عنه ﵁ قال: إن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحِلي من الأرض حيث تحبسني؛ فإن لك على ربك ما استثنيت» (٣). ثالثاً: عن ضباعة-﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا شاكية، فقال: «أما تريدين الحج العام؟» قلت: إني عليلة يا رسول الله! قال:

стр. 1477

«حجي وقولي: محلي حيث تحبسني» (١). وفي رواية عنها-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «أحرمي وقولي: إن محلي حيث تحبسني، فإن حُبست أومرضت فقد أحللت من ذلك شرطك على ربك » (٢). فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على صحة الاشتراط في النسك، وأن من اشترط ثم حبس فإنه يحل من نسكه بدون أن يلزمه شيء، وقد عمل بمقتضى ذلك جمع من الصحابة-﵃ بعد النبي ﷺ (٣). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو جواز الاشتراط لمن خاف الحبس عن أداء النسك، وأن ذلك لم ينسخ، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة ذلك عن النبي ﷺ كما سبق بيانه، وعدم صحة ما ينافيه. ثانياً: ولأنه قول جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود-﵃، ولم يصح إنكار الاشتراط إلا عن ابن عمر ﵁، ولو لم

стр. 1478

يكن في المسألة شيء عن رسول الله ﷺ لكان قول جماعة الصحابة أولى من قول ابن عمر ﵁، فكيف وقد صح فيها ما سبق ذكره عن رسول الله ﷺ (١). ثالثاً: ولأن القول بنسخ الاشتراط في النسك ضعيف وغير صحيح يدل على ذلك ما يلي: أ- لأن ما يستدل به على النسخ ضعيف السند؛ لذلك لا يصح الاستدلال منه على نسخ ما صح وثبت عن النبي ﷺ من قوله (٢). ب- إن ما يُستدل به على النسخ روي ذلك عن ابن عباس ﵁، وقد روي عنه القول بمقتضى حديث ضباعة-﵂ (٣)، وهو مما يضعف الرواية عنه بالنسخ. ج- إنه لا يوجد دليل يدل على أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤)، نزل بعد قول النبي ﷺ لضباعة-﵂: «حجي واشترطي» بل الظاهر عكسه كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 1479

المطلب السادس: دخول المحرم من الأبواب صرح جمع من أهل العلم، منهم: الحازمي (١)، والرازي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣)، أن الناس غير الحُمس (٤)، كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة، لم يدخل حائطاً، ولا بيتاً، ولا داراً، من بابه ولم يخرج منه حتى يحل من إحرامه، ويرون ذلك براً، فنسخ الله ذلك وأمر بإتيان البيوت من أبوابها. ولا خلاف بين أهل العلم في أنه ليس من البر للمحرم إتيان البيوت من ظهورها، وأنه لا يحرم إتيانها من الأبواب في حال من الأحوال (٥). ويدل على ذلك وعلى النسخ ما يلي: أولاً: عن البراء ﵁ يقول: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا

стр. 1480

حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عُيّر بذلك، فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (٢). ثانياً: عن جابر بن عبد الله-﵄ قال: كانت قريش يدعون الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب في الإحرام، فبينما رسول الله ﷺ في بستان فخرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري (٣)، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر؛ إنه خرج معك من الباب، فقال: «ما حملك

стр. 1481

على ذلك؟» قال: رأيتك فعلت ففعلت كما فعلت، فقال: «إني أحمسي» قال: إن ديني دينك، فأنزل الله : ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (١). ثالثاً: عن ابن عباس ﵁: (﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، وإن رجالاً من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدهم من عدوه شيئاً أحرم فأمن، فإذا أحرم لم يلج من باب بيته، واتخذ نقباً من ظهر بيته، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة كان بها رجل محرم كذلك، وإن أهل المدينة كانوا يسمون البستان الحُشّ، وإن رسول الله ﷺ دخل بستاناً فدخله من بابه، ودخل معه ذلك المحرم، فناداه رجل من ورائه: يا فلان إنك محرم وقد دخلت! فقال: «أنا أحمس»، فقال: يا رسول الله إن كنت محرماً فأنا محرم، وإن كنت أحمس فأنا أحمس. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إلى آخر الآية. فأحل الله للمؤمنين أن يدخلوا من أبوابها) (٢).

стр. 1482

رابعاً: عن الزهري قال: (كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مُهلاً بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته، فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء، فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله ﷺ أهل زمن الحديبية العمرة فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبي ﷺ : «إني أحمس» قال الزهري: وكانت الحمس لا يبالون ذلك، فقال الأنصاري: "وأنا أحمس" يقول: وأنا على دينك، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (١). فهذه الأدلة تدل على أنه ليس من البر للمحرم إتيان البيوت من ظهورها. وإنكار النبي ﷺ على قطبة بن عامر خروجه من الباب يدل على أنه كان مشروعاً في أول الإسلام، ثم نسخ الله ذلك وأمر بإتيان البيوت من الأبواب؛ لذلك لا يحرم إتيانها من الأبواب في حال من الأحوال (٢). والله أعلم.

стр. 1483

المطلب السابع: دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد النسك ذهب بعض أهل العلم إلى أن الحطابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة، فإن له أن يدخلها بغير إحرام. أما غيرهم فإنهم لا يدخلونها بغير إحرام بالحج أو العمرة وأن ما يدل على دخولها بغير إحرام قد نسخ. وممن صرح به ابن عبد البر (١). ويتبين منه أن القول به أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة في دخول مكة سبب آخر لاختلافهم فيها (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم مكة فلم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار لا يُختلى خلاها (٣)، ولا يُعْضَد (٤) شجرها، ولا يُنفر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرف». وقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر (٥) لصاغتنا وقبورنا. فقال:

стр. 1484

«إلا الإذخر» (١). ثانياً: عن أبي شريح (٢)، أنه قال لعمرو بن سعيد (٣)، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» (٤).

стр. 1485

ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلاً من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد. ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما يودى وإما يقاد» الحديث (١). ويستدل منها على النسخ: بأنه ثبت أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، و هذه الأحاديت تدل على أن النبي ﷺ خطب بعد ما فتح مكة وبين حرمتها، وأنها أحلت له ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها بعد ذلك، والمراد بحلها له ﷺ هو دخوله إليها بغير إحرام، لذلك تكون هذه الأحاديث ناسخة لدخوله ﷺ مكة بغير إحرام؛ لأنها بعده (٢). واعترض عليه: بأن المقصود بهذه الأحاديث هو عدم جواز القتال بمكة، وأن النبي ﷺ إنما أُحل له القتال بها ساعة من نهار، ثم حرم القتال بها بعد ذلك،

стр. 1486

كما ينص عليه حديث أبي شريح ﵁ حيث قال لعمرو بن سعيد-وهو يبعث البعوث إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير ﵁: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً … ». فتكون في هذه الأحاديث دلالة على نسخ إباحة القتال بمكة. أما الاستدلال منها على نسخ دخولها بغير إحرام فليس فيها ما يدل على ذلك (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد النسك، على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز دخول من هو خارج المواقيت مكة بغير إحرام، ومن دخلها بغير إحرام فعليه حجة أو عمرة. وهو مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: إنه لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا أن يكون من

стр. 1487

المترددين عليها، أو عاد لها لأمر، ومن دخلها بغير إحرام فقد أساء ولا شيء عليه. وهو مذهب المالكية (١)، وقول للإمام الشافعي (٢)، ومذهب الحنابلة (٣). وروي نحوه عن ابن عباس ﵁، وعطاء، والحكم، والقاسم، ومجاهد (٤). القول الثالث: يجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد نسكاً، ولكن المستحب والأفضل له أن يدخلها بإحرام. وهو الأصح عند الشافعية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦)، وروي ذلك عن ابن عمر ﵁، وهو قول الزهري، والحسن البصري، وداود الظاهري، وابن حزم (٧).

стр. 1488

الأدلة ويستدل لمن قال بعدم جواز دخول مكة بغير إحرام-وهم أصحاب القول الأول، والثاني- بأدلة أهما ما يلي: أولاً: الأحاديث التي تدل على حرمة مكة، وأنها إنما أحلت للنبي ﷺ ساعة من النهار ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة-وقد سبقت جملة منها في دليل القول بالنسخ-فهي تدل على أنها أحلت للنبي ﷺ ساعة من النهار فدخلها بغير إحرام، ثم عادت حرمتها بعد ذلك فلا يدخلها أحد بغير إحرام؛ من أجل أنها حرم (١). وقد سبق ما يرد به على هذا الاستدلال، ويضاف عليه: بأنه إذا كان علة وجوب الإحرام على كل من يريد دخول مكة كونها حرماً فينبغي تعميمها لكل من يدخل إليها سواء كان من داخل المواقيت أو من خارجها، وسواء عاد إليها لأمر أم لا؛ لأنها حرم بالنسبة لهم كما هي حرم بالنسبة لغيرهم. ثانياً: ما روي عن ابن عباس ﵁ مرفوعاً وموقوفاً: (لا يدخل أحد مكة إلا محرماً) (٢).

стр. 1489

ثالثاً: عن نافع عن ابن عمر ﵁: (أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قديداً بلغه عن جيش قدم المدينة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام) (١). ووجه الاستدلال منهما: أن ما روي عن ابن عباس ﵁ يدل على عدم جواز دخول أحد مكة إلا محرماً (٢). أما ما روي عن ابن عمر ﵁ فاستدل منه أصحاب القول الأول وهم الحنفية على أن من كان داخل المواقيت فله أن يدخل مكة بغير إحرام لفعل ابن عمر ﵁ فإنه كان داخل المواقيت فدخلها بغير إحرام (٣). واستدل منه البعض من أصحاب القول الثاني: بأن ذلك فيمن رجع إليها لأمر، أو خوف (٤). واعترض على الاستدلال بما روي عن ابن عباس وابن عمر-رضي الله

стр. 1490

عنهم- بما يلي: أ- إن ما روي عن ابن عباس ﵁ مرفوعاً فهو غير صحيح. أما ما روي عنه موقوفاً فيعارضه فعل ابن عمر ﵁، فإنه لو كان الإحرام واجباً على كل من يريد دخول مكة لما دخلها ابن عمر ﵁ بغير إحرام (١). ب-إن تخصيص فعل ابن عمر ﵁ بمن كان داخل المواقيت، أو بمن خرج منها ثم عاد إليها لأمر، ليس عليه دليل. كما أن تعليل وجوب الإحرام بكونها حرماً-عند من قال به- يعارض هذا التخصيص. دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد نسكاً- بما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ «أن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» (٢). ثانياً: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر (٣)، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن

стр. 1491

خطل (١) متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» (٢). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄: «أن النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة. فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة» (٣). رابعاً: عن ابن عباس-﵄-أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: «بل مرة، فمن زاد فهو تطوع» (٤).

стр. 1492

ويستدل من هذه الأدلة على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد النسك بالوجوه الآتية: أولاً: إن حديث جابر وأنس-﵄-يدلان على أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، فثبت من ذلك عدم وجوب الإحرام على من يدخل مكة ولا يريد النسك (١). ثانياً: إن حديث ابن عباس ﵁ الأول يدل على عدم تجاوز المواقيت ودخول مكة بغير إحرام، لمن يريد الحج أو العمرة، فيفهم منه أن من لا يريد الحج أوالعمرة فله أن يتجازها ويدخل مكة بغير إحرام (٢). ثالثاً: إن حديث ابن عباس ﵁ الثاني يدل على أن الحج فرض في العمر مرة واحدة، وأن ما زاد على ذلك فهو تطوع، وهذا مما لا خلاف فيه. فإيجابه أو إيجاب العمرة على كل من يدخل مكة كل مرة تخالف ظاهر هذا الحديث. ولو كان المرور بالميقات أو دخول مكة موجباً للإحرام على كل أحد لبينه النبي ﷺ ؛ لدعاء الحاجة إلى بيانه (٣). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة يظهر لي- والله أعلم

стр. 1493

بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثالث وهو استحباب الإحرام لمن يدخل مكة ولا يريد النسك، وعدم وجوبه عليه، وذلك: أ- لكثرة أدلته مع قوتها وظهورها، بخلاف أدلة الأقوال المخالفة له. ب-ولعد وجود دليل صريح صحيح يوجب الإحرام على من يدخل مكة ممن لا يريد النسك، ولو كان ذلك واجباً لبينه النبي ﷺ لمسيس الحاجة إليه (١). ثانياً: إن القول بأن دخول النبي ﷺ مكة بغير إحرام قد نسخ، غير صحيح؛ لعدم صحة الاستدلال على نسخ ذلك من الأحاديث التي بين النبي ﷺ فيها حرمة مكة وأن حرمتها عادت بعد ما أحلت للنبي ﷺ ساعة؛ لأن الظاهر من تلك الأحاديث بيان حرمة الاقتتال في مكة وسفك الدماء بها لا الدخول إليها بغير إحرام، كما سبق بيانه (٢). والله أعلم.

стр. 1494

المطلب الثامن: قطع الخفين لمن لم يجد النعلين ذهب بعض أهل العلم إلى أن من لم يجد نعلين فإن له أن يلبس خفين، ولا يلزمه قطعهما أسفل من الكعبين، وأن الأمر بقطعهما أسفل من الكعبين قد نسخ. وممن روي عنه ذلك أو قال به: الإمام أحمد (١)، وابن قدامة (٢)، ومجد الدين عبد السلام ابن تيمية (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥). وذهب الطحاوي إلى أن لبس الخفين كان جائزاً في الإحرام للرجال عند وجود النعلين وعند عندهما، ثم نسخ ذلك فمُنع لبسهما في حال وجود النعال، وأبيح لبسهما في حال عدم النعال، ثم نسخ ذلك فأبيح لبسهما في الإحرام في حال عدم النعال بعد أن تقطع أسفل من الكعبين (٦). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، والسبب الآخر له هو الاختلاف في قياس المسكوت عنه في بعض الأحاديث على المنطوق به في بعض الآخر (٧).

стр. 1495

ويستدل للقول بنسخ الأمر بقطعهما أسفل من الكعبين بما يلي: أولاً: عن عبد الله بن عمر-﵄ أن رجلاً قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ : «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر، وهو ينهى الناس إذا أحرموا عما يكره لهم: «لا تلبسوا العمائم، والقمص، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفين إلا أن يضطر مضطر إليهما فيقطعهما أسفل من الكعبين، ولا ثوب مسه الورس ولا الزعفران» (٢). وروى نافع عنه ﵁ قال: نادى رجل رسول الله وهو يخطب وهو بذلك المكان وأشار نافع إلى مقدم المسجد، فقال يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: «لا يلبس السراويل، ولا العمامة، ولا القميص، ولا الخفين … » الحديث (٣).

стр. 1496

وفي رواية رابعة عنه ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ قال: «لا تلبسوا القمص، ولا العمائم … » الحديث (١). ثانياً: عن ابن عباس-﵄ قال: خطبنا النبي ﷺ بعرفات فقال: «من لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين» (٢). ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل» (٣). ويستدل منها على نسخ الأمر بقطعهما أسفل من الكعبين: بأنه يظهر من مجموع روايات حديث ابن عمر ﵁ أن الأمر بقطع الخفين لمن لم يجد النعلين كان بالمدينة قبل أن يحرم الناس بالحج، وحديث ابن عباس وجابر-﵃-ليس فيهما الأمر بقطع الخفين لمن لم يجد النعلين، وقد ذكر ابن عباس ﵁ أنه سمع ذلك من النبي ﷺ حينما خطب

стр. 1497

بعرفات، فيكون حديث ابن عباس، وجابر-﵄-ناسخاً للأمر بقطع الخفين في حديث ابن عمر ﵁ لوجود ما يدل على تأخر حديثهما على حديث ابن عمر ﵁، وعلى أن ما في حديث ابن عباس وجابر-﵄-شرع جديد شرعه الله على لسان نبيه ﷺ بعرفات لم يكن شرع بعد بالمدينة، ولو لم يكن كذلك لبين لهم ذلك في خطبته بعرفات؛ لأن أكثر الحاضرين بعرفات لم يشهدوا أمره ﷺ بقطع الخفين في خطب. ته بالمدينة قبل الحج، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١). واعترض عليه بما يلي: أولاً: بأنه قد جاء في بعض طرق رواية ابن عباس، وكذلك في بعض طرق حديث جابر ﵄-الأمر بقطع الخفين أسفل من الكعبين، ففي حديث ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» (٢).

стр. 1498

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يجد إزاراً وهو محرم فوجد سراويل فليلبسه، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين» (١). وبهذا يكون حديث ابن عباس وجابر-﵄-موافقاً لحديث ابن عمر ﵁ في الأمر بقطع الخفين، ولا يكون حديثهما ناسخاً لحديثه (٢). وأجيب عنه: بأن الأمر بالقطع في حديث ابن عباس ﵁ غير صحيح، بل هو وهم من إسماعيل بن مسعود (٣)، شيخ النسائي؛ يدل عليه أمران: أ- أن الحديث رواه جمع من الثقات، ولم يذكروا هذه الزيادة (٤). ب-أن حديث ابن عباس ﵁ هذا روي من طريق عمرو بن دينار، وهو قد روي عنه أمران يعارضان هذه الزيادة ويقدحان فيها، وهما: ١ - أنه صرح بأنه ليس فيه- أي حديث ابن عباس ﵁: «وليقطعهما» (٥).

стр. 1499

٢ - أنه روى كذلك حديث ابن عمر ﵁ في الأمر بالقطع، ثم كان يقول: (انظروا أيهما قبل حديث ابن عمر أو حديث ابن عباس). فلو كان في حديث ابن عباس ﵁ الأمر بالقطع لما قال قوله ذلك (١). أما حديث جابر ﵁ الذي فيه ذكر الأمر بقطع الخفين أسفل من الكعبين فلا يصلح للاحتجاج؛ لما في سنده من ضعيف ومجهول (٢)، وعلى تقدير صحته فليس فيه أن ذلك كان بعرفات حتى يعارض حديث ابن عباس ﵁. الثاني: بأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث وذلك بحمل المطلق على المقيد، كما أن في حديث ابن عمر ﵁ زيادة وهي صحيحة فينبغي قبولها (٣). وأجيب عنه: بأن هذا ليس من قبيل زيادة الثقة؛ لأنهما حديثان تكلم النبي ﷺ بهما في وقتين ومكانين، كما أن احتمال أن يكون ذلك من قبيل المطلق والمقيد بعيد؛ بل الظاهر أن ما في حديث ابن عباس ﵁ شرع جديد مخالف لما سبق منه في حديث ابن عمر ﵁، وأنهما حديثان يغاير كل منهما عن الآخر، ولو لم يكن الأمر كذلك لبين النبي ﷺ ذلك في خطبته بعرفات؛ لأن خطبته بعرفات سمعه أكثر ممن سمع خطبته في المدينة،

стр. 1500

فكان الحاجة داعية لبيان ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (١). ويستدل لمن قال بنسخ لبس الخفين بدون القطع بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول السابق من حديث ابن عمر، وابن عباس، وجابر-﵃. ثانياً: عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (٢)، قال: خرجت مع عمر إلى مكة ورجل معنا يرتجز، فلما أن طلع الفجر قال له: مه، أذكر الله قد طلع الفجر، ثم التفت فرأى على عبد الرحمن بن عوف خفين وهو محرم، فقال: وخف أيضاً وأنت محرم؟ فقال: (فعلته مع من هو خير منك، مع رسول الله ﷺ فلم يعبه عليّ) (٣). ووجه الاستدلال منها على النسخ هو: أ- أن حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ يدل على جواز لبس الخفين في الإحرام عند وجود النعلين وعند عدمهما، ثم نسخ ذلك فمنعوا من لبسهما

стр. 1501

حال وجود النعال، بدليل: ١ - حديث ابن عباس، وجابر-﵃. حيث إنهما يدلان على عدم جواز لبس الخفين عند وجود النعلين (١). ٢ - الإجماع، فقد أجمع الناس على نسخ حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ (٢). ب-ثم نسخ لبس الخفين بدون القطع على ما في حديث ابن عباس وجابر-﵃ بالأمر بقطعهما أسفل من الكعبين، على ما في حديث ابن عمر ﵁ (٣). واعترض عليه بما يلي: أ- إن الاستدلال من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ على جواز لبس الخفين عند وجود النعلين وعند عدمهما، ثم نسخ ذلك بحديث ابن عباس وجابر-﵃-غير صحيح؛ لأمرين: ١ - لأنه ضعيف (٤). ٢ - إن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لبس الخفين وهو محرم بعد موت النبي ﷺ ولما أنكر عليه عمر ﵁ ذلك بين أنه لبسهما مع النبي ﷺ ولم يعبه عليه. وإطلاقه يدل على أنه كان خفاً صحيحاً، ولم يأمره عمر ﵁ بالقطع، ولعله لم

стр. 1502

يكن يجد النعلين، فهو يدل على جواز لبس الخفين بدون قطعهما لمن لم يجد النعلين، فيكون ذلك دليلاً على نسخ الأمر بقطع الخفين لمن لم يجد النعلين، ولا يكون دليلاً على جواز لبس الخفين وإن وجد النعلين حتى يكون منسوخاً بحديث ابن عباس ﵁، فهو موافق لحديث ابن عباس ﵁ وليس مخالفاً له (١). ب- إنه لا يصح الاستدلال من حديث ابن عمر ﵁ على نسخ حديث ابن عباس ﵁؛ لأن حديث ابن عمر ﵁ متقدم وحديث ابن عباس ﵁ متأخر، كما سبق بيانه، والمتأخر ينسخ المتقدم، ولا خلاف في عدم جواز عكسه؛ لأن من شرط صحة النسخ تأخر الناسخ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في قطع الخفين لمن لم يجد النعلين، على قولين: القول الأول: يجب قطعهما أسفل من الكعبين. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية عن

стр. 1503

الإمام أحمد (١)، وقول عروة، ونافع، وإبراهيم النخعي، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر (٢). القول الثاني: لا يجب عليه قطعهما. وهو مذهب الحنابلة (٣)، وقول عطاء، وعكرمة، والحسن، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس-﵃ (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو وجوب قطع الخفين لمن لم يجد النعلين-بحديث ابن عمر ﵁، وما ورد في إحدى طريق حديث ابن عباس ﵁، وكذلك أحد طرق حديث جابر ﵁ من الأمر بالقطع، وقد سبق ذكرها، فقد جاء فيها الأمر بالقطع، وهو يدل على الوجوب (٥). واعترض عليه: بأن ورود الأمر بالقطع في حديث ابن عباس وجابر

стр. 1504

-﵄ غير صحيح كما سبق بيانه. أما الأمر بالقطع في حديث ابن عمر ﵁ فإن حديث ابن عباس ﵁ بعده، لذلك يكون القول بموجبه أولى، وهو يدل على عدم وجوب القطع (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو أنه لا يلزم قطعهما-بحديث ابن عباس، وحديث جابر-﵄ وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ، وليس فيهما الأمر بالقطع، فلو كان ذلك واجباً لبينه النبي ﷺ ؛ لأن السامعين لخطبته يوم عرفات أكثرهم لم يشهدوا خطبته بالمدينة، فكانت الحاجة داعية إلى البيان، وعدم ذلك يدل على عدم الوجوب؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢). الراجح بعد عرض ما قيل في المسألة من الأقوال والأدلة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الأولى قطع الخفين أسفل من الكعبين لمن لم يجد النعلين، وذلك: أ-عملاً بحديث ابن عمر ﵁، واحتمال حمل إطلاق

стр. 1505

حديث ابن عباس ﵁ على المقيد من حديث ابن عمر ﵁ (١). ب- وخروجاً من الخلاف، وأخذاً بالاحتياط (٢). ثانياً: إنه لا يجب قطعهما، وذلك لحديث ابن عباس وجابر-﵄ مع قوة احتمال أن يكون الأمر بالقطع في حديث ابن عمر ﵁ منسوخاً بهما؛ لأنه صح أن حديث ابن عباس ﵁ بعد حديث ابن عمر ﵁ كما سبق بيانه، ويقوي ذلك ما نقل عن أكابر الصحابة مثل عمر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف-﵃-أنهم رخصوا في لبس الخفين وترك قطعهما (٣). ثالثاً: إن القول بنسخ حديثي ابن عباس وجابر-﵃-والذين يدلان على جواز لبس الخفين بدون القطع عند عدم وجود النعلين-، بحديث ابن عمر ﵁ غير صحيح؛ لأن حديث ابن عباس ﵁ متأخر عنه، ولا يجوز نسخ المتأخر بالمتقدم كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 1506

المطلب التاسع: فسخ الحج إلى العمرة ذهب بعض أهل العلم إلى أن فسخ الحج (١) إلى العمرة قد نسخ (٢). وممن قال بالنسخ وصرح به: أبو عبيد القاسم بن سلام (٣)، والجصاص (٤)، والكاساني (٥)، ونسبه ابن حجر (٦)، والعيني (٧)، إلى الجمهور. وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلافهم في أمر النبي ﷺ للصحابة الذين لم يكن معهم الهدى بفسخ الحج إلى العمرة هل كان خاصاً بهم أم لا، سبب آخر لاختلافهم فيها (٨). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٩).

стр. 1507

ثانياً: عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء. فقال: «بم أهللت؟» قال: قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: «هل سقت من هدي؟» قلت: لا. قال: «فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل» فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي. فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر. فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك. فقلت: أيها الناس! من كنا أفتيناه بشيء فليتئد. فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا. فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ قال: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. وإن نأخذ بسنة نبينا ﵊، فإن النبي ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي (١). وفي رواية عنه ﵁ عن عمر ﵁ أنه قال: (إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحلّ حتى بلغ الهدي محله) (٢).

стр. 1508

ثالثاً: عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لما ولي: «يا أيها الناس، إن رسول الله ﷺ أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا» (١). رابعاً: إن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ لم يفسخوا حجهم إلى عمرة، ولم يحلوا من حجهم إلا يوم النحر، وإن عمر ﵁ لما نهى عن الفسخ لم يخالفه أحد من الصحابة-﵃-فكان ذلك إجماعاً منهم على عدم الفسخ وعلى نسخه (٢). ويستدل منها على النسخ: بأنه قد ثبت وصح عن رسول الله ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع كل من أحرم بالحج أو بالحج والعمرة معاً، ولم يسق الهدي أمرهم أن يفسخوا ذلك ويجعلوه عمرة، ثم إن عمر ﵁ كان ينهى عن فسخ الحج إلى العمرة، ويذكر أن كتاب الله يأمر بالتمام، وأن النبي ﷺ لم يتحلل من حجته حتى بلغ الهدي محله، وذكر كذلك أن النبي ﷺ نهى عن المتعة بعد ما أحلها. ولم ينكر أحد ذلك على عمر ﵁. فدل ذلك على أن

стр. 1509

فسخ الحج إلى العمرة قد نسخ بالأمر بإتمام الحج. ويؤكد ذلك أن الخلفاء الراشدين-﵃ حجوا بعد رسول الله ﷺ ولم يفسخ أحد منهم حجه، فدل ذلك على نسخه (١). واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من هذه الأدلة على النسخ؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). نزل عام الحديبية، وأمر النبي ﷺ للصحابة بالفسخ كان عام حجة الوداع، وهو بعد عام الحديبية، والمتقدم لا يكون ناسخاً للمتأخر. أما ما روي عن عمر ﵁ من أن النبي ﷺ نهى عن المتعة بعدما أحلها فالظاهر أن المراد به متعة النساء؛ لأن التمتع بالعمرة إلى الحج يجوز بلا خلاف. أما فعل الخلفاء-﵃-فليس هو مما يُنسخ به. وليس في المسألة إجماع؛ فإن ابن عباس ﵁ كان يرى فسخ الحج إلى العمرة (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في فسخ الحج إلى العمرة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة.

стр. 1510

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول الثوري، والأوزاعي، وجمهور أهل العلم (٤). القول الثاني: يجوز فسخ الحج إلى العمرة. وهو مذهب الحنابلة (٥)، وقول الحسن البصري، ومجاهد (٦). القول الثالث: يجب فسخ الحج إلى العمرة. وهو مذهب ابن حزم (٧)، وقول ابن عباس ﵁، وعطاء (٨). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز فسخ الحج إلى العمرة بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٩).
следующие страницы →