← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المطلب التاسع: فسخ الحج إلى العمرة ذهب بعض أهل العلم إلى أن فسخ الحج (١) إلى العمرة قد نسخ (٢). وممن قال بالنسخ وصرح به: أبو عبيد القاسم بن سلام (٣)، والجصاص (٤)، والكاساني (٥)، ونسبه ابن حجر (٦)، والعيني (٧)، إلى الجمهور. وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلافهم في أمر النبي ﷺ للصحابة الذين لم يكن معهم الهدى بفسخ الحج إلى العمرة هل كان خاصاً بهم أم لا، سبب آخر لاختلافهم فيها (٨). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٩).

стр. 1507

ثانياً: عن أبي موسى ﵁ قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء. فقال: «بم أهللت؟» قال: قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ . قال: «هل سقت من هدي؟» قلت: لا. قال: «فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل» فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي. فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر. فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك. فقلت: أيها الناس! من كنا أفتيناه بشيء فليتئد. فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا. فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ قال: إن نأخذ بكتاب الله فإن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]. وإن نأخذ بسنة نبينا ﵊، فإن النبي ﷺ لم يحل حتى نحر الهدي (١). وفي رواية عنه ﵁ عن عمر ﵁ أنه قال: (إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحلّ حتى بلغ الهدي محله) (٢).

стр. 1508

ثالثاً: عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لما ولي: «يا أيها الناس، إن رسول الله ﷺ أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا» (١). رابعاً: إن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ لم يفسخوا حجهم إلى عمرة، ولم يحلوا من حجهم إلا يوم النحر، وإن عمر ﵁ لما نهى عن الفسخ لم يخالفه أحد من الصحابة-﵃-فكان ذلك إجماعاً منهم على عدم الفسخ وعلى نسخه (٢). ويستدل منها على النسخ: بأنه قد ثبت وصح عن رسول الله ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع كل من أحرم بالحج أو بالحج والعمرة معاً، ولم يسق الهدي أمرهم أن يفسخوا ذلك ويجعلوه عمرة، ثم إن عمر ﵁ كان ينهى عن فسخ الحج إلى العمرة، ويذكر أن كتاب الله يأمر بالتمام، وأن النبي ﷺ لم يتحلل من حجته حتى بلغ الهدي محله، وذكر كذلك أن النبي ﷺ نهى عن المتعة بعد ما أحلها. ولم ينكر أحد ذلك على عمر ﵁. فدل ذلك على أن

стр. 1509

فسخ الحج إلى العمرة قد نسخ بالأمر بإتمام الحج. ويؤكد ذلك أن الخلفاء الراشدين-﵃ حجوا بعد رسول الله ﷺ ولم يفسخ أحد منهم حجه، فدل ذلك على نسخه (١). واعترض عليه: بأنه لا يصح الاستدلال من هذه الأدلة على النسخ؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). نزل عام الحديبية، وأمر النبي ﷺ للصحابة بالفسخ كان عام حجة الوداع، وهو بعد عام الحديبية، والمتقدم لا يكون ناسخاً للمتأخر. أما ما روي عن عمر ﵁ من أن النبي ﷺ نهى عن المتعة بعدما أحلها فالظاهر أن المراد به متعة النساء؛ لأن التمتع بالعمرة إلى الحج يجوز بلا خلاف. أما فعل الخلفاء-﵃-فليس هو مما يُنسخ به. وليس في المسألة إجماع؛ فإن ابن عباس ﵁ كان يرى فسخ الحج إلى العمرة (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في فسخ الحج إلى العمرة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة.

стр. 1510

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول الثوري، والأوزاعي، وجمهور أهل العلم (٤). القول الثاني: يجوز فسخ الحج إلى العمرة. وهو مذهب الحنابلة (٥)، وقول الحسن البصري، ومجاهد (٦). القول الثالث: يجب فسخ الحج إلى العمرة. وهو مذهب ابن حزم (٧)، وقول ابن عباس ﵁، وعطاء (٨). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز فسخ الحج إلى العمرة بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٩).

стр. 1511

ثانياً: ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: (إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يحلّ حتى بلغ الهدي محله) (١). ثالثاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب عمر الناس، فقال: (إن الله رخّص لنبيه ﷺ ما شاء، وإن نبي الله قد مضى لسبيله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله ، وحصّنوا فروج هذه النساء) (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: قام عمر ﵁ خطيباً حين استخلف فقال: (إن الله كان رخص لنبيه ﷺ ما شاء، ألا وإن نبي الله ﷺ قد انطلق به، فأحصنوا فروج هذه النساء، وأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم) (٣). وفي رواية أخرى عنه ﵁ قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً، فلما قدمنا مكة، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فلما كان يوم التروية أحرمنا بالحج، فلما كان عمر ﵁ قال: (إن الله كان رخص لنبيه ﷺ فيما شاء، فأتموا الحج والعمرة) (٤). رابعاً: عن أبي نضرة (٥)، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن

стр. 1512

الزبير ينهى عنها. قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يديّ دار الحديث. تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، فلما قام عمر قال: (إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله. فأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله. وأبِتُّوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة) (١). خامساً: عن ابن عباس-﵄-قال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: «حل كله» (٢). سادساً: عن جابر بن عبد الله ﵄-قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم

стр. 1513

شيء من قبل الناس. فقال: «أيها الناس! أحلوا. فلولا الهدي الذي معي، فعلت كما فعلتم» قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال. حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج (١). سابعاً: عن بلال بن الحارث (٢) ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: «بل لكم خاصة» (٣).

стр. 1514

ثامناً: عن أبي ذر ﵁ قال: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة) (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: (إنما كان فسخ الحج من رسول الله ﷺ لنا خاصة) (٢). وفي رواية أخرى عنه ﵁ أنه كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: (لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1515

وفي رواية رابعة عنه ﵁ قال: (لا، والذي لا إله غيره، ما كان لأحد أن يُهل بحجة ثم يفسخها بعمرة إلا الركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ (١). تاسعاً: عن عثمان ﵁ (أنه سُئل عن المتعة في الحج فقال: كانت لنا ليست لكم) (٢). عاشراً: عن عروة أنه قال لابن عباس ﵁: أضللت الناس يا ابن عباس. قال: وما ذاك يا عُريّة؟ قال: تفتي الناس أنهم إذا طافوا بالبيت فقد حلوا، وكان أبو بكر، وعمر-﵄-يجيئان ملبيين بالحج فلا يزالان محرمين إلى يوم النحر. قال ابن عباس: بهذا ضللتم؟ أحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثوني عن أبي بكر وعمر-﵄؟ فقال عروة: (إن أبا بكر وعمر-﵄-كانا أعلم برسول الله ﷺ منك) (٣).

стр. 1516

وفي رواية عنه أنه قال لابن عباس ﵁: ألا تتقي الله ترخص في المتعة؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عُرَيّة. فقال عروة: أما أبو بكر وعمر، فلم يفعلا، فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونا عن أبي بكر وعمر؟ فقال عروة: (لهما أعلم بسنة رسول الله ﷺ وأتبع لها منك) (١). وجه الاستدلال منها هو: أن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، وقد ثبت وصح عن رسول الله ﷺ أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بفسخ الحج إلى العمرة، كل من لم يكن معه هدي، لكن كان ذلك الفسخ خاصاً بالصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع، وإنما أراد النبي ﷺ بأمرهم بفسخ الحج إلى العمرة بيان جواز العمرة في أشهر الحج، ومخالفة ما كانت الجاهلية عليه من تحريمها فيها، كما يدل على ذلك حديث ابن عباس، وجابر ﵃. ويدل على تخصيص الفسخ بالصحابة-﵃-حديث أبي سعيد، وجابر، عن عمر ﵁، وكذلك حديث بلال بن الحارث، وقول عثمان، وأبي ذر-﵃. كما يدل عليه ما روي عن الخلفاء من تركهم فسخ الحج إلى العمرة، ونهي بعضهم عنه، مع أنهم شاهدوا وعلموا أمر النبي ﷺ بالفسخ. ولا يمكن أن يكون ذلك منهم إلا

стр. 1517

بتوقيف من النبي ﷺ ؛ لذلك لا يجوز لأحد بعدهم فسخ الحج إلى العمرة؛ لأمر الله بإتمام الحج والعمرة (١). واعترض عليه بما يلي: أ- بأن هذه الأدلة منها ما هو غير صريح، ومنها ما هو متكلم فيه، ومنها ما هو موقوف غير مرفوع، لذلك فهي لا تقاوم الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله ﷺ والتي أمر فيها أصحابه كل من لم يسق الهدي أن يفسخ حجه إلى العمرة (٢). وأجيب: بأن الموقوف في هذا في حكم المرفوع، وهي بجموعها من المرفوع والموقوف تصلح للاحتجاج بها، وتبين المراد بها، ثم هي لا تعارض الأحاديث الدالة على الفسخ، بل تبين بأنها كانت خاصة بالصحابة (٣). ب- إن فسخ الحج إلى العمرة كان واجباً في حق الصحابة الذين لم يكن معهم الهدي؛ لأمر النبي ﷺ لهم بذلك، وغضبه على من توقف في المبادرة لامتثاله. وهذه الأدلة إذا دلت على التخصيص بالصحابة فيكون الذي اختصوا

стр. 1518

به هو وجوب الفسخ عليهم حتماً. ويكون الجواز باق لسائر الأمة (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو استحباب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي-بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث ابن عباس ﵁ وفيه: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: «حل كله» (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة» (٣). ثانياً: عن عائشة-﵂-قالت: (خرجنا مع النبي ﷺ ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن .. ) الحديث (٤).

стр. 1519

ثالثاً: عن جابر بن عبد الله-﵄ أنه حج مع رسول الله ﷺ يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفرداً. فقال لهم: «أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة» فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: «افعلوا ما أمرتكم فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم. ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله» ففعلوا (١). رابعاً: عن عطاء عن جابر ﵁، وعن طاوس عن ابن عباس-﵄-قالا: قدم النبي ﷺ صبح رابعة من ذي الحجة مهلين بالحج لا يخلطهم شيء، فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل إلى نسائنا، ففشت في ذلك القالة-قال عطاء: فقال جابر: -فيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً-فقال جابر بكفه- فبلغ ذلك النبي ﷺ فقام خطيباً فقال: «بلغني أن قوماً يقولون كذا وكذا، والله لأنا أبر وأتقى لله منهم، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت» فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، هي لنا أو للأبد؟ فقال: «لا، بل للأبد» قال: وجاء علي بن أبي طالب فقال

стр. 1520

أحدهما يقول: لبيك بما أهل به رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: لبيك بحجة رسول الله ﷺ ، فأمر النبي ﷺ أن يقيم على إحرامه، وأشركه في الهدي (١). خامساً: عن ابن عمر-﵄-قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة. وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع رسول الله بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه. ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ويقصر وليحلل ثم ليهل بالحج. فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله». الحديث (٢). سادساً: عن أبي سعيد ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً. فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج) (٣).

стр. 1521

سابعاً: عن أسماء بنت أبي بكر-﵄-قالت: خرجنا محرمين. فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل» فلم يكن معي هدي فحللت. وكان مع الزبير هدي فلم يحلل (١). وفي رواية عنها ﵂ قالت: (قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج .. ) الحديث (٢). وجه الاستدلال منها: ويستدل من هذه الأحاديث: بأنها تدل على أن رسول الله أمر أصحابه من لم يسق الهدي منهم أن يفسخوا حجهم إلى العمرة، وبين أن متعة الحج ليست مختصة بهم، بل ذلك إلى الأبد وأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، فثبت من ذلك استحباب فسخ الحج إلى العمرة وإلا لما أمرهم رسول الله ﷺ بذلك، ولكنه ليس بواجب؛ للأدلة التي تدل على جواز إفراد الحج (٣). واعترض عليه: بأن قوله: (هي لنا أو للأبد؟ فقال: «لا، بل للأبد)،

стр. 1522

وكذلك قوله ﷺ : «فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة» يحتمل احتمالين: الأول: أن المراد به فسخ الحج إلى العمرة (١). الثاني: أن المراد به جواز العمرة في أشهر الحج (٢). وقد فسره الجمهور بالاحتمال الثاني؛ لذلك يكون الاحتمال الأول غير مقطوع به، و تكون أدلة فسخ الحج إلى العمرة يتطرق إليها احتمال أن يكون خاصاً بالصحابة (٣). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدي- بالأدلة التي اسُتدل بها للقول السابق. ووجه الاستدلال منها: أن فيها الأمر بالفسخ، وأن النبي ﷺ بين أن متعتهم ذلك إلى الأبد، وقد غضب ﷺ على من لم يتبادر إلى الامتثال، وهذا كله يدل على وجوب ذلك، وعلى أن ذلك ليس مختصاً بهم (٤). ويعترض عليه: بما اعترض به على وجه استدلال القول السابق،

стр. 1523

ويزاد عليه: بأن القول بوجوب فسخ الحج إلى العمرة معارض بالأدلة التي تدل على جواز إفراد الحج، وقد قد نقل الإجماع على جواز ذلك غير واحد من أهل العلم (١). الراجح بعد قراءة المسألة في جملة من كتب المذاهب الفقهية، وشروح كتب الأحاديث، وقراءة الأحاديث الواردة في أنواع الحج من تمتع وقران وإفراد، وما روي عن الصحابة-﵃-في ذلك من أقوالهم وأفعالهم، وما فعلوه بعد النبي ﷺ ، وكذلك أقوال أهل العلم بعدهم في المسألة، تبين لي- والله أعلم بالصواب- ما خلاصته ما يلي: أولاً: إن التمتع في الحج أنواع، منها: أن يهل بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، ثم يحل منها بالطواف بالبيت وبين الصفا والمرة، ويحلق أو يقصر، ثم ينشئ الحج في ذلك العام بعينه (٢). ومنها: أن يحرم بالحج ثم يتحلل منه بعمل عمرة، ثم ينشئ الحج بعدها، فيصير متمتعاً (٣). وهذا النوع يسمي بفسخ الحج إلى العمرة. وعلى كلا النوعين يطلق المتعة، أو متعة الحج في مصطلحات

стр. 1524

الصحابة ﵃. أما من بعدهم فالأشهر عندهم إطلاق التمتع على النوع الأول، ويعبرون في الغالب عن النوع الثاني بفسخ الحج إلى العمرة. ثانياً: إن النوع الأول من المتعة لا خلاف في جوازه (١). أما النوع الثاني وهو فسخ الحج إلى العمرة، فقد صحت الأخبار فيه عن رسول الله ﷺ ، وأنه أمر أصحابه الذين لم يهدوا أن يفسخوا حجهم إلى العمرة، ولا خلاف في صحة هذه الأخبار، وأنها تبلغ حد التواتر (٢). لكن اختلف أهل العلم بعد-اتفاقهم على صحة هذه الأخبار-هل كان هذا الفسخ خاصاً بالصحابة، أم هو لهم ولمن بعدهم، اختلفوا فيه على أربعة أقوال: قول بأنه منسوخ. وقول باختصاصه بالصحابة-﵃ وعدم جوازه لمن بعدهم. وقول بالجواز مطلقاً أي للصحابة ولمن بعدهم. وقول بالوجوب مطلقاً. وقد سبق ذكر أصحاب هذه الأقوال. ثالثاً: إن النوع الأول من التمتع، قد نهى عنه بعض الصحابة-﵃، منهم عمر، وعثمان-﵄-لكن لم يكن نهيهم عنه للتحريم، بل كانوا يرونه جائزاً، وإنما كانوا يرون أن الأفضل أن يُؤدى كل من الحج

стр. 1525

والعمرة في سفرة مستقلة، وأن يكثر من زيارة البيت (١). أما النوع الثاني من التمتع، فقد جاء النهي عنه عن جمع من الصحابة-﵃، وصرح بعضهم بأنه مختص بهم، ولم يبق على التمسك به أحد منهم بعد النبي ﷺ إلا ابن عباس ﵁ (٢). رابعاً: إن الأدلة التي تدل على أن النبي ﷺ أمر الصحابة-﵃ بفسخ الحج إلى العمرة، أدلة صريحة، وصحيحة ثابتة عن النبي ﷺ بدون اختلاف فيها. لكن قول النبي ﷺ فيها لسراقة بن مالك ﵁ حينما قال: يا رسول الله، هي لنا أو للأبد؟ فقال: «لا، بل للأبد» (٣). مختلف في المراد به، فقيل: إن المراد به فسخ الحج إلى العمرة، وأنه للأبد (٤). وقيل: إن المراد به جواز العمرة في أشهر الحج؛ لأنهم كانوا لا يرون ذلك في الجاهلية (٥). كما قيل: إن المراد به هو وجوب العمرة مرة في الدهر (٦). والأحاديث الواردة في وقت سؤال سراقة ﵁ مختلفة ففي رواية جابر ﵁ أن ذلك كان بعد قول النبي ﷺ وأمره بفسخ الحج إلى العمرة، وبعد

стр. 1526

قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي ﷺ بالعقبة وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «لا، بل للأبد» (٢). وفي لفظ عنه ﵁ قال: ولقيه سراقة وهو يرمي جمرة العقبة فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: «لا، بل للأبد» (٣). أما الأدلة التي تدل على عدم جواز الفسخ، أو اختصاصه بالصحابة-﵃ فهي على أنواع كالتالي: أ- مرفوع إلى النبي ﷺ ، وصريح في الدلالة، لكنه متكلم فيه، وهو حديث بلال بن الحارث ﵁، وقد مرّ ذكره. ب- ما يدل على اختصاص الفسخ بالصحابة-﵃، لكنه ليس بصريح فيه، ويحتمل الرفع والوقف، وهو ما رواه أبو سعيد ﵁ عن عمر ﵁: (إن الله رخّص لنبيه ﷺ ما شاء، وإن نبي الله قد مضى لسبيله، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله (٤).

стр. 1527

وفي رواية: (إن الله كان رخص لنبيه ﷺ ما شاء) (١). فهذا يدل على أن فسخ الحج إلى العمرة كان رخصة من الله لرسوله ﷺ . ج- ما يدل على اختصاص الفسخ بالصحابة-﵃، وهو صحيح لكنه موقوف، وهو ما روي عن أبي ذر، وعثمان-﵄. وهذه الأدلة بمجموعها تصلح للاحتجاج بها. خامساً: لا يوجد دليل يصح الاستدلال منه على نسخ فسخ الحج إلى العمرة. وقد سبق ما يرد به على من استدل على نسخه بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). أو استدل عليه بعمل الخلفاء. كما أن القول بالنسخ يعارضه قول النبي ﷺ حينما سأله سراقة بن مالك ﵁ عن ذلك و قال: يا رسول الله، هي لنا أو للأبد؟ فقال: «لا، بل للأبد» (٣). فإن الظاهر منه أن السؤال وقع عن الفسخ (٤)، وقد أجابه النبي ﷺ بأن ذلك للأبد، وهو إخبار باستمراره، وهو مما يستحيل ورود النسخ عليه (٥). سادساً: إن القول باختصاص فسخ الحج بالصحابة-﵃

стр. 1528

وإن كان يوجد ما يدل عليه، إلا أن الراجح هو القول بجواز واستحباب فسخ الحج إلى العمرة، وذلك لما يلي: أ- لأن الأدلة التي يستدل منها على تخصيص الفسخ بالصحابة-﵃-يمكن أن يكون المراد به وجوب فسخ الحج، فإنه كان واجباً على الصحابة الذين لم يهدوا، ويكون جوازه باقياً لمن بعدهم (١). وبه يجمع بين هذه الأدلة جميعاً. ب-إن الأدلة الدالة على فسخ الحج إلى العمرة صحيحة وثابتة عن النبي ﷺ بلا خلاف، وقد بلغت حد التواتر. أما أدلة القول باختصاص ذلك بالصحابة-﵃ فإنها إما متكلم فيها، أو غير صريحة، أو غير مرفوعة إلى النبي ﷺ . ج-ولأن الظاهر من سؤال سراقة بن مالك ﵁ أنه كان عن فسخ الحج إلى العمرة، وقد أجابه النبي ﷺ أن ذلك للأبد، وأن العمرة دخلت في الحج، وإذا كان كذلك فإنه ينافي اختصاص ذلك بالصحابة ﵃ كما ينافي القول بنسخ فسخ الحج. والله أعلم.

стр. 1529

المطلب العاشر: رفع اليدين عند رؤية البيت ذهب الطحاوي إلى أن رفع اليدين عند رؤية البيت كان أولاً ثم نسخ ذلك، لذلك يكره رفع اليدين عند رؤيته (١). وليس للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها، والاختلاف في صحة تلك الآثار. ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر ﵁ أنه قال حينما سئل عن الرجل يرى البيت يرفع يديه: (ما كنت أرى أحداً يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله) (٢).

стр. 1530

وفي لفظ عنه ﵁ قال: (ما كنت أظن أحداً يفعل هذا إلا اليهود؛ حججنا مع رسول الله ﷺ فلم نكن نفعله) (١). ثانياً: عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقوم مع الناس عشية عرفة، وبجمع، وبين المقامين حين يرمي الجمرة» (٢). وفي رواية عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، وعند الحجر» (٣).

стр. 1531

وفي لفظ عنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: «السجود على سبعة أعضاء: اليدين، والقدمين، والركبتين، والجبهة. ورفع الأيدي: إذا رأيت البيت، وعلى الصفا والمروة، وبعرفة وبجمع، وعند رمي الجمار، وإذا أقيمت الصلاة» (١).

стр. 1532

ثالثاً: عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ترفع الأيدي في سبع مواطن، في افتتاح الصلاة، وعند البيت، وعلى الصفا، والمروة، وبعرفات، وبالمزدلفة، وعند الجمرتين» (١). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس، وابن عمر-﵃-يدلان على رفع اليدين عند رؤية البيت، وحديث جابر ﵁ يدل على أن ذلك من فعل اليهود، وأن النبي ﷺ لما حج لم يرفع يديه عند رؤية البيت. فيكون معنى ذلك: أن رفع اليدين عند رؤية البيت من فعل اليهود، وقد كان النبي ﷺ يتبع شريعة الأنبياء قبله فيما لم يوح إليه، فلذلك قد يكون النبي ﷺ أمر به ذاك الوقت اقتداء بشريعتهم حتى يحدث الله له شريعة تنسخ شريعتهم، ثم لما حج لم يرفع يديه عند رؤية البيت، وخالف فعل اليهود، فيكون فعله ﷺ هذا ناسخاً للأمر السابق (٢). واعترض عليه بما يلي: أ- إن حديث جابر ﵁ هذا ليس المقصود به أن رفع اليدين عند رؤية البيت من شريعة الأنبياء السابقين، بل الظاهر أن مقصوده الإنكار على من يفعل ذلك، وأنه من فعل اليهود لا من فعل النبي ﷺ . وقوله هذا معارض بما روي عن ابن

стр. 1533

عمر، وابن عباس-﵃ مرفوعاً، وموقوفاً عليهما (١). ب- إن حديث جابر ﵁ هذا يدل على أن النبي ﷺ لم يرفع يديه عند رؤية البيت في حجة الوداع، والآثار المروية التي تدل على جواز رفع اليدين عند رؤية البيت ليس فيها ما يدل على أن النبي ﷺ قالها قبل حجة الودع. ج- إن الآثار التي جاء فيها رفع اليدين عند رؤية البيت، ليس فيها ما يدل على وجوب الرفع، بل هي تدل على الجواز والاستحباب، وحديث جابر ﵁ هذا يدل على أن النبي ﷺ لم يرفع يديه، وإذاً فليس بين فعل النبي ﷺ هذا وبين ما يدل على جواز الرفع تعارضاً؛ لأن ترك العمل بالجائز لا ينافي الجواز. هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في رفع اليدين عند رؤية البيت على قولين: القول الأول: لا يرفع اليدين عند رؤية البيت، وأنه ليس مستحباً. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وروي ذلك عن جابر ﵁ (٤). القول الثاني: يستحب رفع اليدين عند رؤية البيت.

стр. 1534

وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس-﵃. وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وابن المنذر (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول، بما مرّ في دليل القول بالنسخ من حديث جابر ﵁؛ حيث إنه يدل على أن النبي ﷺ لم يرفع يديه عند رؤية البيت (٤). ويعترض عليه: بأنه من قول جابر ﵁، ويعارضه ما روي عن ابن عمر، وابن عباس-﵂-مرفوعاً مما يدل على جواز رفع اليدين (٥). ويستدل للقول الثاني بما يلي: أولاً: بما مرّ في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃؛ حيث إنهما يدلان على رفع اليدين عند رؤية البيت. ثانياً: عن ابن جريج أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: (اللهم زد هذا البيت تشريفاً، وتعظيماً، وتكريماً، ومهابة، وزد من شرفه،

стр. 1535

وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً، وتكريماً، وبراً) (١). فهذه الأدلة تدل على جواز رفع اليدين عند رؤية البيت وعلى استحبابه (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إنه لا يصح الاستدلال من حديث جابر ﵁ على نسخ رفع اليدين عند رؤية البيت، وذلك لما يلي: أ- لأنه لا يوجد دليل يدل على أن حديث ابن عمر، وابن عباس-﵄-كان قبل حجة الوداع، حتى يكون حديث جابر ﵁ متأخراً عنه،

стр. 1536

وناسخاً له. ب- إنه يمكن الجمع بين الحديثين؛ وذلك إذا حمل حديث ابن عمر، وابن عباس-﵄-على الجواز والاستحباب؛ لأن حديث جابر ﵁ يبين أن النبي ﷺ لم يفعله، لكن عدم فعله ﷺ هذا لا ينفي جوازه. أما ما جاء في حديث جابر ﵁ أن رفع اليدين عند رؤية البيت من فعل اليهود، فهو من قوله وظنه، وقد خالفه ابن عمر، وابن عباس ﵄ (١). ثانياً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو جواز واستحباب رفع اليدين عند رؤية البيت، وذلك لما يلي: أ- لأنه يمكن أن يجمع به بين هذه الأحاديث، كما سبق بيانه، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكناً لا يصار إلى ترك بعضها. ب- ولأنه روي عن بعض الصحابة والتابعين أنهم كانوا يدعون عند رؤية البيت، ورفع اليدين جائز عند الدعاء (٢). والله أعلم.

стр. 1537

المطلب الحادي عشر الرمل بين الركنين اليمانيين في الأشواط الثلاثة الأول ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرمل (١) لم يكن سنة في الأشواط الثلاثة الأول بين الركنين اليمانيين، ثم نسخ ذلك وجعل سنة من الحجر إلى الحجر. وممن صرح بنسخه النووي (٢). ويتبين منه، ومما يأتي من أدلة الأقوال أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة شيئان: اختلاف الآثار الواردة فيها، والقول بالنسخ (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس-﵄ قال: (قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمّى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم وهنهم الحُمّى. ولقوا منها شدة. فجلسوا مما يلي الحجر. وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين. ليرى المشركون

стр. 1538

جلدهم. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم. هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عباس ﵁: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء (١) عليهم) (٢). ثانياً: عن ابن عمر-﵄-قال: (رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً) (٣). ثالثاً: عن جابر بن عبد الله ﵄-أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف) (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث ابن عباس ﵁ يدل على أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يمشوا بين الركنين، ولم يرملوا بينهما، فهو يدل على عدم مشروعية الرمل بين الركنين، لكن هذا كان في عمرة القضاء قبل فتح مكة سنة سبع، ثم في حجة الوداع رمل النبي ﷺ من الحجر إلى الحجر، بدلالة

стр. 1539

حديثي ابن عمر، وجابر-﵃، وكان ذلك سنة عشر، فيكون فعله هذا متأخراً، وناسخاً لعدم مشروعية الرمل بين الركنين؛ لتأخره، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١). هذا كان القول بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في الرمل بين الركنين في الأشواط الثلاثة الأول على قولين: القول الأول: يرمل في الأشواط الثلاثة بكمالها من الحجر إلى الحجر. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). وروي ذلك عن: عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن الزبير-﵃. وهو كذلك قول عروة، وإبراهيم النخعي، والثوري، وجمهور أهل العلم (٦).

стр. 1540

القول الثاني: لا يرمل بين الركنين. وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، والحسن، والقاسم، وسالم (١). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو أنه يرمل من الحجر إلى الحجر- بحديثي ابن عمر، وجابر ﵃، وقد مرّ ذكرهما في دليل القول بالنسخ؛ حيث إنهما يدلان على أن النبي ﷺ رمل من الحجر إلى الحجر. وكان ذلك في حجة الوداع فتعين الأخذ بذلك (٢). ويستدل للقول الثاني- وهو أنه لا يرمل بين الركنين- بحديث ابن عباس ﵁ الذي مرّ ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإن فيه أمر النبي ﷺ أصحابه بالمشي بين الركنين. فدل ذلك على عدم مشروعية الرمل بين الركنين (٣). ويعترض عليه: بأن ما في حديث ابن عباس ﵁ كان في عمرة القضاء، ثم في حجة الوداع رمل النبي ﷺ من الحجر إلى الحجر. وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٤).

стр. 1541

الراجح لا شك أن الراجح هو القول الأول-وهو مشروعية الرمل من الحجر إلى الحجر-، وذلك لما يلي: أ- لأن ما يدل عليه حديث ابن عباس ﵁ من عدم الرمل بين الركنين، كان ذلك سنة سبع في عمرة القضاء. وما يدل عليه حديث ابن عمر، وجابر-﵄ من الرمل من الحجر إلى الحجر، كان ذلك سنة عشر في حجة الوداع، فهو متأخر، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١). ب- إن الرمل في عمرة القضاء أمر به النبي ﷺ لأجل أن يُري المشركين قوتهم وجلدهم، لا لأنه سنة، وكان المشركون ينظرون إليهم جالسين إلى جهة الحجر من البيت، فكانوا لا يرون المسلمين بين الركنين، لذلك أمرهم النبي ﷺ بالمشي بين الركنين دون الرمل. أما الرمل في حجة الوداع فإنما فعله النبي ﷺ لأنه سنة من سنن الحج؛ لذلك رمل من الحجر إلى الحجر (٢). والله أعلم.

стр. 1542

المطلب الثاني عشر من رمى جمرة العقبة ولم يطف بالبيت حتى أمسى، هل يعود محرماً ؟ ذهب النووي إلى أن الحديث الذي يدل على أن من تحلل يوم النحر، ولم يطف بالبيت حتى أمسى أنه يعود محرماً كما كان قبل رمي الجمرة حتى يطوف، ذهب إلى أنه حديث منسوخ (١). والقول به أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن أم سلمة-﵂-قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر، فصار إليّ فدخل عليّ وهب بن زمعة (٣)، ومعه رجل من آل أبي أمية متقمِّصَينِ، فقال رسول الله ﷺ لوهب: «هل أفضت أبا عبد الله؟» قال: لا والله يا رسول الله، قال: «انزع عنك القميص» قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «إن هذا يوم رُخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا» يعني: من كل ما حرمتم منه إلا النساء، «فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا بهذا البيت صرتم

стр. 1543

حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به» (١). ثانياً: عن أم قيس بنت محصن (٢) ﵂-قالت: دخل عليّ عكاشة بن محصن (٣)، وآخر في منى مساء يوم الأضحى فنزعا ثيابهما، وتركا الطيب. فقلت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله ﷺ قال لنا: «من لم

стр. 1544

يفض إلى البيت من عشية هذه، فليدع الثياب والطيب» (١). ثالثاً: عن عائشة-﵂-زوج النبي ﷺ قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) (٢). وفي رواية عنها-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء» (٣). رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1545

«إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالسك أفطيب ذاك أم لا؟! (١). خامساً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر الحج، وقال لهم فيما قال: (إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرُم على الحاج، إلا النساء والطيب. لا يمس أحد نساء ولا طيباً حتى يطوف بالبيت) (٢). سادساً: الإجماع؛ حيث لم يقل أحد من أهل العلم بعود من تحلل التحلل الأول محرماً إذا لم يطف طواف الإفاضة يوم النحر حتى أمسى (٣). ويستدل منها على النسخ: بأنه روي أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ،
следующие страницы →