الراجح
لا شك أن الراجح هو القول الأول-وهو مشروعية الرمل من الحجر إلى الحجر-، وذلك لما يلي:
أ- لأن ما يدل عليه حديث ابن عباس ﵁ من عدم الرمل بين الركنين، كان ذلك سنة سبع في عمرة القضاء. وما يدل عليه حديث ابن عمر، وجابر-﵄ من الرمل من الحجر إلى الحجر، كان ذلك سنة عشر في حجة الوداع، فهو متأخر، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١).
ب- إن الرمل في عمرة القضاء أمر به النبي ﷺ لأجل أن يُري المشركين قوتهم وجلدهم، لا لأنه سنة، وكان المشركون ينظرون إليهم جالسين إلى جهة الحجر من البيت، فكانوا لا يرون المسلمين بين الركنين، لذلك أمرهم النبي ﷺ بالمشي بين الركنين دون الرمل.
أما الرمل في حجة الوداع فإنما فعله النبي ﷺ لأنه سنة من سنن الحج؛ لذلك رمل من الحجر إلى الحجر (٢).
والله أعلم.
стр. 1542
المطلب الثاني عشر من رمى جمرة العقبة ولم يطف بالبيت حتى أمسى، هل يعود محرماً ؟
ذهب النووي إلى أن الحديث الذي يدل على أن من تحلل يوم النحر، ولم يطف بالبيت حتى أمسى أنه يعود محرماً كما كان قبل رمي الجمرة حتى يطوف، ذهب إلى أنه حديث منسوخ (١).
والقول به أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن أم سلمة-﵂-قالت: كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر، فصار إليّ فدخل عليّ وهب بن زمعة (٣)، ومعه رجل من آل أبي أمية متقمِّصَينِ، فقال رسول الله ﷺ لوهب: «هل أفضت أبا عبد الله؟» قال: لا والله يا رسول الله، قال: «انزع عنك القميص» قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «إن هذا يوم رُخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا» يعني: من كل ما حرمتم منه إلا النساء، «فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا بهذا البيت صرتم
стр. 1543
حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به» (١).
ثانياً: عن أم قيس بنت محصن (٢) ﵂-قالت: دخل عليّ عكاشة بن محصن (٣)، وآخر في منى مساء يوم الأضحى فنزعا ثيابهما، وتركا الطيب. فقلت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله ﷺ قال لنا: «من لم
стр. 1544
يفض إلى البيت من عشية هذه، فليدع الثياب والطيب» (١).
ثالثاً: عن عائشة-﵂-زوج النبي ﷺ قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) (٢).
وفي رواية عنها-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء» (٣).
رابعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1545
«إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالسك أفطيب ذاك أم لا؟! (١).
خامساً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر الحج، وقال لهم فيما قال: (إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرُم على الحاج، إلا النساء والطيب. لا يمس أحد نساء ولا طيباً حتى يطوف بالبيت) (٢).
سادساً: الإجماع؛ حيث لم يقل أحد من أهل العلم بعود من تحلل التحلل الأول محرماً إذا لم يطف طواف الإفاضة يوم النحر حتى أمسى (٣).
ويستدل منها على النسخ: بأنه روي أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ،
стр. 1546
وآثار عن الصحابة-﵃، من جملتها ما سبق ذكره، تدل على حصول التحلل الأول بعد رمي الجمرة، أو بعد رمي الجمرة والذبح والحلق. ثم ليس في هذه الأدلة كلها ما يدل على أن من أمسى ولم يطف بالبيت أنه يعود محرماً كما كان قبل رمي الجمرة، إلا ما جاء في رواية أم سلمة وأم قيس بنت محصن-﵄. ولم ينقل عن أحد من الصحابة-﵃ ثم من بعدهم من أهل العلم، من يقول بما يدل عليه حديثهما من أنه يعود محرماً إذا أمسى ولم يطف بالبيت، فدل ذلك على أن ما يدل عليه حديثهما من عود من تحلل محرماً إذا لم يطف حتى أمسى يوم النحر، قد نسخ، ويدل على نسخه إجماع أهل العلم على عدم القول بموجبه (١).
واعترض عليه: بأن المسألة ليست مما أُجمع عليه، لذلك لا يصح القول على نسخها بدلالة الإجماع (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم فيمن تحلل التحلل الأول، ولم يطف بالبيت يوم النحر هل يعود محرماً كما كان قبل رمي الجمرة أم لا؟ على قولين:
القول الأول: لا يعود محرماً.
وهو قول جمهور أهل العلم، منهم أصحاب المذاهب الأربعة، وحكاه
стр. 1547
بعض أهل العلم إجماعاً (١).
القول الثاني: إن من تحلل التحلل الأول ولم يطف يوم النحر فإنه لا يحل له اللباس و الطيب ويعود محرماً.
وهو قول بعض أهل العلم، منهم عروة (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بما سبق في دليل القول بالنسخ من الأحاديث والآثار، والتي ليس فيها ما يدل على عود من تحلل التحلل الأول محرماً إذا لم يطف طواف الإفاضة يوم النحر
حتى أمسى. فلو كان يعود محرماً لجاء له ذكر في هذه الأحاديث، ولبينه الصحابة ﵃-قولاً وعملاً (٣).
стр. 1548
ويستدل للقول الثاني: برواية أم سلمة وأم قيس بنت محصن-﵄؛ فهما يدلان على أن من تحلل ثم لم يفض يوم النحر فإنه يعود محرماً كما كان قبل رمي الجمرة (١).
الراجح
الذي ظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي:
أولاً: للأحاديث الكثيرة التي جاء فيها ذكر التحلل الأول، وليس فيها ما يدل على عود من حصل له ذلك محرماً إذا لم يطف طواف الإفاضة يوم النحر. كما أن الآثار المروية عن الصحابة-﵃ ليس فيها أي ذكر لذلك، مع عموم البلوى به.
ثانياً: إن القول بعوده محرماً لم ينقل عن أحد من الصحابة-﵃-بعد النبي ﷺ ، لا قولاً ولا عملاً، مما يدل على ترك العمل به.
كما أن ترك العمل به من عامة أهل العلم بعد الصحابة-﵃ مما يرجح القول بخلافه.
ثالثاً: إن القول بنسخه ضعيف إلا أنه محتمل؛ حيث لم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ بعد النبي ﷺ أنه قال به، كما لم يقل به عامة أهل العلم فهو كشبه الإجماع على ترك العمل به. والإجماع ليس مما ينسخ به، لكنه يدل على ناسخ (٢).
والله أعلم.
стр. 1549
المطلب الثالث عشر: طواف الوداع على الحائض
ذهب الطحاوي إلى أن ما يدل على وجوب طواف الوداع على الحائض قد نسخ، لذلك يحوز لها أن تنفر وإن لم تطف طواف الوداع إذا كانت قد طافت طواف الإفاضة (١).
والقول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، لكن السبب الأصلي له هو تعارض الآثار الواردة فيها، كما سيظهر ذلك من الأدلة في المسألة.
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن الحارث بن عبد الله بن أوس (٢) ﷺ قال: (أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتاني رسول الله ﷺ ، فقال عمر: أرِبَتْ (٣) يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﷺ لِكَيْما
стр. 1550
أخالف!) (١).
ثانياً: عن عائشة-﵂-قالت: أن صفية بنت حُيَيّ زوج النبي ﷺ حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أحابستنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت. قال: «فلا إذاً» (٢).
ثالثاً: عن ابن عباس ﵄ قال: (أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. إلا أنه خُفِّفَ عن المرأة الحائض) (٣).
رابعاً: عن طاوس قال: كنت مع ابن عباس-﵄ إذ قال زيد بن ثابت ﵁: (تُفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: إمَّا لا. فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك، وهو يقول: ما أراك
стр. 1551
إلا قد صدقت) (١).
خامساً: قال طاوس: وكان ابن عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول: (تنفر؛ إن رسول الله ﷺ رخص لهنّ) (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن الحديث الأول وهو حديث الحارث بن عبد الله ﵁ يدل أن الحائض يجب عليها طواف الوداع، كما يجب على غيرها، وأنها لا تنفر حتى تطوف بالبيت. لكن هذا الحديث منسوخ بالأحاديث المذكورة بعده؛ لأنها بعده، يدل على ذلك لفظ: (رخص)، كما يدل على ذلك رجوع كثير من الصحابة الذين قالوا بوجوب طواف الوداع عليها إلى القول بعدم الوجوب، والرخصة لها بالنفر دون الطواف (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في وجوب طواف الوداع على الحائض على قولين:
القول الأول: لا يجب عليها طواف الوداع، فلها أن تنفر بدون أن تطوف.
стр. 1552
وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (١).
القول الثاني: إنها يجب عليها طواف الوداع، فلا تنفر حتى تطهر فتطوف بالبيت.
وهو قول روي عن عمر ﵁ وعن بعض الصحابة، إلا أنهم رجعوا عنه غير عمر ﵁ (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنها تنفر بدون طواف الوداع- بالأحاديث التي مرّ ذكرها في دليل القول بالنسخ، والتي تدل على أن النبي ﷺ رخص لهن أن تنفر بدون أن تطوف للوداع (٣).
ويستدل للقول الثاني- وهو أنها لا تنفر حتى تطهر وتطوف- بحديث
стр. 1553
الحارث بن عبد الله ﵁، وقد مرّ ذكره كذلك في دليل القول بالنسخ، فإنه يدل على أنها لا تنفر حتى تطهر وتطوف بالبيت (١).
الراجح
والذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن الأحاديث الدالة على ذلك أكثر، وأصح من أدلة القول المخالف له، كما سبق بيانه.
ثانياً: إن التعبير بلفظ: (رخص) تدل على أنهن مستثنى عن الحكم العام، وهو أن لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت، كما يدل على أن هذه الرخصة متأخرة على الحكم المخالف لها.
ثالثاً: إن رجوع عدد من الصحابة-﵃-إلى القول بالرخصة لهن يدل على صحة هذا القول وأولويته، وأن هذه الرخصة متأخرة، لذلك رجعوا إليها، وبذلك تكون أدلة الرخصة ناسخة لما يخالفها.
والله أعلم.
стр. 1554
المطلب الرابع عشر: قتل الغراب
ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنه يجوز قتل الغراب للمحرم، وفي الحرم، وأن ما يدل على عدم قتله فإنه قد نسخ (١).
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز قتل الغربان، إلا أن بعضهم خص جواز القتل بالأبقع (٢) منها (٣).
ويدل على ما سبق ما يلي:
أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سُئل عمّا يقتل المحرم؟ قال:
стр. 1555
«الحيّة، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسَّبُع العادي» (١).
ثانياً: عن ابن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة» (٢).
ثالثاً: عن حفصة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور» (٣).
стр. 1556
رابعاً: عن عائشة-﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحِدَأَة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» (١).
ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث غير حديث أبي سعيد ﵁ صريحة في جواز قتل الغراب (٢).
وحديث أبي سعيد ﵁ يدل على عدم قتله، وهو لا يقاومها، وعلى تقدير صحته يكون منسوخاً بها؛ لأنها تدل على الرخصة في قتله، وحديث أبي سعيد ﵁ يدل على النهي عن قتله، والرخصة يكون بعد النهي، وإلا فليزم التغيير مرتين (٣).
والله أعلم.
стр. 1557
المطلب الخامس عشر: استحلال الحرم بالقتال
ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز القتال في الحرم، وأن استحلال النبي ﷺ الحرم بالقتال عند فتح مكة قد نسخ.
وممن قال به: الحازمي (١)، وأبو حامد الرازي (٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى جواز قتال المشركين في الحرم، وأن النهي عن القتال فيه قد نسخ (٣).
وممن قال بالنسخ وصرح به: قتادة (٤)، وأبو جعفر الطبري (٥)، ومكي بن أبي طالب (٦).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن
стр. 1558
اختلاف الأدلة الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (١).
الأدلة
ويستدل للقول بنسخ استحلال الحرم عند فتح مكة، بأدلة منها ما يلي:
أولاً: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم مكة فلم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شجرها، ولا يُنفر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها إلا لمعرف». وقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا. فقال: «إلا الإذخر» (٢).
وفي رواية عنه ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي. ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة». الحديث (٣).
ثانياً: عن أبي شريح، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولاً قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة،
стр. 1559
فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» (١).
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلاً من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد. ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما يودى وإما يقاد» الحديث (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على عدم جواز القتال بمكة، وأن النبي ﷺ إنما أُحل له القتال بها ساعة من نهار، ثم حرم القتال بها بعد ذلك، ونسخ به ذلك الاستحلال. فعاد حرمتها إلى يوم القيامة. فتكون في هذه الأحاديث دلالة على نسخ إباحة القتال بمكة واستحلال الحرم (٣).
ويستدل للقول بأن النهي عن قتال المشركين عند الحرم قد نسخ، بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).
стр. 1560
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (١).
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٢).
رابعاً: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٣).
خامساً: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن الله أمر نبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ أن لا يقاتل المشركين عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوا فيه بقتال، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. وبغيرها من الآيات السابقة؛ حيث أمر الله نبيه ﷺ فيها بقتالهم، وهي آيات عامة تشمل الحل والحرم، وهذه
стр. 1561
الآيات بعد الآية التي نهى الله فيها عن قتالهم عند المسجد الحرام؛ لأن ذلك كان قبل فتح مكة، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. بعد فتح مكة، فيكون النهي عن القتال عند المسجد الحرام منسوخاً بهذه الآيات؛ لتأخرها عن ذلك. كما يكون منسوخاً بفعل النبي ﷺ حيث دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، وأمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-بأنه يمكن الجمع بين هذه الأدلة، وذلك بحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ على منع القتل والقتال في الحرم، فهو خاص، وحمل قوله ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وغيرها من الآيات على العموم غير الحرم، ولا تعارض بين العام والخاص، بل الخاص يقضي على العام. وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى نسخ بعضها (٢).
أما دخول النبي ﷺ مكة بغير إحرام وأمره بقتل بعض المشركين،
стр. 1562
فهو من خصوصياته؛ حيث أحل له ذلك ساعة من نهار، ثم أعيد حرمتها إلى يوم القيامة (١).
ب- إن النبي ﷺ بين حرمة الحرم وأنه لا يجوز القتال فيه، وذكر أن حرمته إلى يوم القيامة، كما في حديث ابن عباس ﵁: (فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة). وما كان هكذا فلا يمكن نسخه؛ لأنه ﷺ أخبر أن حرمته مؤبد إلى يوم القيامة.
هذا كان قول من قال بالنسخ، وأدلتهم.
وقد اختلف أهل العلم في جواز بدء القتال المباح في الحرم على قولين:
القول الأول: لا يجوز استحلال الحرم بقتال من يباح قتاله إلا أن يقاتلوا فيُقاتلون.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول ابن عباس ﵁، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وابن حزم (٤).
القول الثاني: يجوز بدء قتال من يباح قتاله في الحرم.
стр. 1563
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، وقول بعض أهل العلم (٣). …
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن من بداخل الحرم لا يُقاتَلون إلا أن يقاتِلوا- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٥).
ثالثاً: حديث ابن عباس، وأبي شريح، وأبي هريرة-﵃، وقد مرّ ذكرها في دليل القول بنسخ استحلال الحرم بالقتال.
ووجه الاستدلال منها: أن الآية الأولى نص في عدم جواز قتال من لم
стр. 1564
يقاتل في الحرم. والآية الثانية تدل على أن من دخل الحرم فهو آمن، لذلك فلا يقاتل ما لم يقاتل. أما الأحاديث فهي ظاهرة في عدم جواز القتال وسفك الدم في الحرم، وأنه لا يجوز ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز بدء قتال من يباح قتاله في الحرم- بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٣).
ثالثاً: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» (٤).
стр. 1565
ووجه الاستدلال منها: أن هذه الآيات عامة يشمل جواز قتال من يباح قتاله سواء كان ذلك في الحرم أو غيره، وحديث أنس ﵁ في قتل ابن خطل يدل كذلك على جواز قتال مباح الدم في الحرم (١).
واعترض عليه: بأن هذه الآيات عامة، وأدلة القول السابق أدلة خاصة، ولا تعارض بين العام والخاص، وذلك بحمل العام على ما عدا محل الخصوص. أما حديث أنس ﵁ في قتل ابن خطل فهو كان في الساعة التي رخص الله فيها لرسوله ﷺ بالقتال، لذلك لا يصح الاستدلال منه على العموم، وقد قال رسول الله ﷺ بعد ذلك كما في حديث أبي شريح ﵁: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» (٢). لذلك لا يصح معارضة الأدلة الخاصة بهذه الأدلة (٣).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وأدلتهم، يظهر لي- والله أعلم
стр. 1566
بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الأول، وهو عدم استحلال الحرم بقتال من يباح قتاله إلا إذا
قاتل، وذلك لأن أدلة هذا القول مع كونها صحيحة وصريحة، أدلة خاصة، وأدلة القول المخالف له أدلة عامة، والخاص يقدم على العام ويقضي عليه كما سبق ذكره.
ثانياً: إن استحلال حرم مكة بالقتال عند فتحها كان رخصة لرسول الله ﷺ ساعة من نهار، ثم عاد حرمتها بعد ذلك إلى يوم القيامة. وقد عبر عنه بعض أهل العلم بالنسخ، والأحاديث الواردة في ذلك صحيحة وصريحة، وقد سبق ذكر بعضها ووجه الاستدلال منها.
ثالثاً: إن القول بنسخ النهي عن القتال عند المسجد الحرام غير صحيح، وذلك لما يلي:
أ- لأن أدلة النهي عن القتال عند المسجد الحرام أدلة خاصة، والأدلة التي تدل على قتال المشركين كافة أدلة عامة، والجمع بينهما ممكن وذلك بحمل العام على ما عدا محل الخصوص. ولا يصح النسخ بين العام والخاص، بل الخاص يقضي على العام (١).
ب-ولأن الأدلة التي تدل على عدم جواز القتال عند المسجد الحرام صريحة في تأبيد هذا الحكم إلى يوم القيامة، كما في حديث ابن عباس ﵁: (فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة). وما كان هكذا فلا يمكن نسخه؛ لأنه
стр. 1567
- ﷺ أخبر أن حرمته مؤبد إلى يوم القيامة، وأخباره ﷺ صادقة لا خلف لها؛ لذلك يكون القول بالنسخ غير صحيح.
والله أعلم.
стр. 1568
المطلب السادس عشر أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع شجرها
ذهب بعض أهل العلم إلى أن أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها، قد نسخ، لذلك فلا يؤخذ سلب من فعل شيئا من ذلك، وممن صرح به الطحاوي (١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة (٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عامر بن سعد (٣)، أن سعداً ﵁ ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه (٤)، فسلبه (٥). فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال:
стр. 1569
(معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ . وأبى أن يرد عليهم (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ لما أحدّ حدود الحرم، حرم المدينة فقال: «من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود، فمن وجده فله سلبه» فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم غرمت لكم ثمن سلبه، فعلت (٢).
ثانياً: عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير (٣)، قال: أحسبه فطيماً، وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» نغر (٤) كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا (٥).
стр. 1570
وفي رواية عنه ﵁ قال: كان لأبي طلحة ابن من أم سليم، يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله ﷺ يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله ﷺ فرأى أبا عمير حزيناً فقال: «ما شأن أبي عمير؟» فقيل: يا رسول الله مات نغيره، فقال رسول الله ﷺ : «أبا عمير ما فعل النغير؟» (١).
ثالثاً: عن عائشة-﵂ قالت: (كان لآل رسول الله ﷺ وحش (٢)، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض (٣) فلم يترمرم (٤) ما دام رسول الله ﷺ في البيت، كراهية أن يؤذيه) (٥).
стр. 1571
رابعاً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يصيد ويأتي النبي ﷺ من صيده، فأبطأ عليه، ثم جاءه فقال له رسول الله ﷺ : «ما الذي حبسك؟» فقال: يا رسول الله انتفى عنا الصيد، فصرنا نصيد ما بين تيت (١) إلى قناة (٢). فقال رسول الله ﷺ : «أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق» (٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سعد ﵁ يدل على أخذ سلب من صاد في حرم المدينة، أو قطع من شجرها، ويدل روايته الثانية أن هذا الحكم ذكره رسول الله ﷺ لما حد حدود حرم المدينة. ثم الأحاديث المذكورة بعد حديث سعد ﵁ يدل على جواز صيد المدينة. وقد أجمع أهل العلم بعد الصحابة-﵃ على أنه لا يؤخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها، فدل إجماعهم ذلك على نسخه (٤).
كما يحتمل أن ذلك كان في وقت جواز العقوبات المالية، ثم نسخ
стр. 1572
ذلك بنسخ الربا، فرد الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كان لها أمثال، وإلى قيمتها إن كان لا مثل لها، وجعلت العقوبات في انتهاك الحرم في الأبدان لا في الأموال (١).
واعترض عليه: بأنه لا إجماع في المسألة، فقد قال بأخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها جماعة من الصحابة بعد رسول الله ﷺ ، كما قال به الإمام الشافعي في قول، وقال معه وبعده جماعة من أهل العلم. فكيف يكون منسوخاً ويعمل به أصحاب رسول الله
ﷺ بعد وفاته ولا يوجد لهم مخالف في عصرهم؟ (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها على قولين:
القول الأول: لا يؤخذ سلبه.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والقول الجديد للإمام
стр. 1573
الشافعي (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢)، وقول أكثر أهل العلم بعد الصحابة-﵃ ونقل بعضهم اتفاق الفقهاء عليه (٣).
القول الثاني: يؤخذ سلبه.
وهو القول القديم للإمام الشافعي اختاره بعض الشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥).
وبه قال سعد بن أبي وقاص ﵁، وروي نحوه عن عمر، وابن عمر-﵄، وهو كذلك قول ابن حزم (٦).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أنه لا يؤخذ سلبه- بما يلي:
أولاً: لأن أخذ سلبه كان حين كانت العقوبات بالأموال، فنسخ بنسخ العقوبات بالأموال (٧).
стр. 1574
ثانياً: الإجماع؛ حيث أجمع الفقهاء على عدم أخذ سلب من فعل ذلك (١).
وقد سبق ما يرد به على هذه الأدلة.
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يؤخذ سلبه- بما يلي:
أولاً: حديث سعد ﵁، وقد مرّ ذكره في دليل القول بالنسخ.
ثانياً: عن عمر ﵁ أنه قال لغلام قدامة بن مظعون (٢): (أنت على هؤلاء الحطابين، فمن وجدته احتطب من بين لابتي (٣) المدينة فلك فأسه وحبله). قال: وثوباه؟ قال عمر: (لا. ذلك كثير) (٤).
ثالثاً: عن رجل من أهل المدينة قال: (كان سعد وابن عمر إذا وجدا
стр. 1575
أحداً يقطع من الحمى شيئاً سلباه فأسه وحبله) (١).
فهذه الأدلة تدل على أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها (٢).
الراجح
بعد عرض الأقوال في المسألة وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولاً: إن الراجح هو القول الثاني-وهو جواز أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها، وذلك لما يلي:
أ- لصحة الحديث فيه عن رسول الله ﷺ ، وعمل بعض الصحابة-﵃-على وفقه بعد النبي ﷺ (٣).
ب- ولعدم وجود ما يدفعه أو يعارضه (٤).
ثانياً: إن القول بنسخ أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها غير صحيح، وذلك لما يلي:
أ- لأن سعد ﵁ راوي الحديث عمل به بعد موت النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه أحد، فلو كان ما رواه منسوخاً لما عمل به بعد النبي ﷺ ، ولأُنكر
стр. 1576
عليه لو كان عند أحد من الصحابة علم بنسخه.
ب- إن الإجماع الذي استُدل به على نسخ هذا الحديث غير صحيح؛ حيث عمل بهذا الحديث بعض الصحابة بعد موت النبي ﷺ ، وقال به جماعة من أهل العلم بعدهم، كما سبق ذكره، فكيف يكون ذلك إجماعاً.
والله أعلم.
стр. 1577
المطلب السابع عشر: الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها
ذهب الطحاوي إلى جواز الصيد في حرم المدينة، وقطع شجرها، وأن تحريم صيدها والقطع من شجرها قد نسخ (١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاها (٣) أو يقتل صيدها» (٤).
ثانياً: عن عامر بن سعد، أن سعداً ﵁ ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه. فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال: (معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ . وأبى أن يرد عليهم (٥).
стр. 1578
وفي رواية عنه ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ لما أحدّ حدود الحرم، حرم المدينة فقال: «من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود، فمن وجده فله سلبه» فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم غرمت لكم ثمن سلبه، فعلت (١).
ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فطيماً، وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» نغر كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: كان لأبي طلحة ابن من أم سليم، يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله ﷺ يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله ﷺ فرأى أبا عمير حزيناً فقال: «ما شأن أبي عمير؟» فقيل: يا رسول الله مات نغيره، فقال رسول الله ﷺ : «أبا عمير ما فعل النغير؟» (٣).
رابعاً: عن عائشة-﵂ قالت: (كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت،
стр. 1579
كراهية أن يؤذيه) (١).
خامساً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يصيد ويأتي النبي ﷺ من صيده، فأبطأ عليه، ثم جاءه فقال له رسول الله ﷺ : «ما الذي حبسك؟» فقال: يا رسول الله انتفى عنا الصيد، فصرنا نصيد ما بين تيت إلى قناة. فقال رسول الله ﷺ : «أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سعد ﵁ الأول يدل على تحريم الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها، وحديثه الثاني يدل على أخذ سلب من صاد في حرم المدينة، أو قطع من شجرها، ويدل روايته الثالثة على أن هذا الحكم ذكره رسول الله ﷺ لما حد حدود حرم المدينة. ثم الأحاديث المذكورة بعد حديث سعد ﵁ يدل على جواز صيد المدينة. وقد أجمع أهل العلم بعد الصحابة-﵃ على أنه لا يؤخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها، فدل إجماعهم ذلك على نسخ تحريم صيدها والقطع من شجرها (٣).
كما يحتمل أن ذلك التحريم كان في وقت جواز العقوبات بالأموال، ثم نسخ ذلك بنسخ الربا، فرد الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كان لها أمثال، وإلى
стр. 1580
قيمتها إن كان لا مثل لها، وجعلت العقوبات في انتهاك الحرم في الأبدان لا في الأموال، فيكون في نسخ أخذ السلب دليلاً على نسخ تحريم صيدها والقطع من شجرها (١).
واعترض عليه: بأن دعوى الإجماع مردودة كما مرّ ذكره في المسألة السابقة، فبطل التعلق به (٢).
وكيف يقال بأن أخذ السلب نسخ بنسخ العقوبات بالأموال ويعمل به جماعة من الصحابة بعد رسول الله ﷺ ، ولا يوجد لهم مخالف في عصرهم؟. وكيف يكون تحريم صيدها والقطع من شجرها منسوخاً ويعمل به جمع منهم، ويثبتون تحريم صيدها والقطع من شجرها بعد رسول الله ﷺ ؟ (٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في تحريم الصيد في حرم الدينة والقطع من شجرها على قولين:
القول الأول: يجوز الصيد في حرم المدينة والقطع من شجرها، ولا يحرم.
وهو مذهب الحنفية (٤). وقول سفيان الثوري، وابن المبارك (٥).