← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

عليه لو كان عند أحد من الصحابة علم بنسخه. ب- إن الإجماع الذي استُدل به على نسخ هذا الحديث غير صحيح؛ حيث عمل بهذا الحديث بعض الصحابة بعد موت النبي ﷺ ، وقال به جماعة من أهل العلم بعدهم، كما سبق ذكره، فكيف يكون ذلك إجماعاً. والله أعلم.

стр. 1577

المطلب السابع عشر: الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها ذهب الطحاوي إلى جواز الصيد في حرم المدينة، وقطع شجرها، وأن تحريم صيدها والقطع من شجرها قد نسخ (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (٢). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاها (٣) أو يقتل صيدها» (٤). ثانياً: عن عامر بن سعد، أن سعداً ﵁ ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه. فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال: (معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ . وأبى أن يرد عليهم (٥).

стр. 1578

وفي رواية عنه ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ لما أحدّ حدود الحرم، حرم المدينة فقال: «من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود، فمن وجده فله سلبه» فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم غرمت لكم ثمن سلبه، فعلت (١). ثالثاً: عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فطيماً، وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» نغر كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: كان لأبي طلحة ابن من أم سليم، يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله ﷺ يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله ﷺ فرأى أبا عمير حزيناً فقال: «ما شأن أبي عمير؟» فقيل: يا رسول الله مات نغيره، فقال رسول الله ﷺ : «أبا عمير ما فعل النغير؟» (٣). رابعاً: عن عائشة-﵂ قالت: (كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت،

стр. 1579

كراهية أن يؤذيه) (١). خامساً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يصيد ويأتي النبي ﷺ من صيده، فأبطأ عليه، ثم جاءه فقال له رسول الله ﷺ : «ما الذي حبسك؟» فقال: يا رسول الله انتفى عنا الصيد، فصرنا نصيد ما بين تيت إلى قناة. فقال رسول الله ﷺ : «أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سعد ﵁ الأول يدل على تحريم الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها، وحديثه الثاني يدل على أخذ سلب من صاد في حرم المدينة، أو قطع من شجرها، ويدل روايته الثالثة على أن هذا الحكم ذكره رسول الله ﷺ لما حد حدود حرم المدينة. ثم الأحاديث المذكورة بعد حديث سعد ﵁ يدل على جواز صيد المدينة. وقد أجمع أهل العلم بعد الصحابة-﵃ على أنه لا يؤخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها، فدل إجماعهم ذلك على نسخ تحريم صيدها والقطع من شجرها (٣). كما يحتمل أن ذلك التحريم كان في وقت جواز العقوبات بالأموال، ثم نسخ ذلك بنسخ الربا، فرد الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كان لها أمثال، وإلى

стр. 1580

قيمتها إن كان لا مثل لها، وجعلت العقوبات في انتهاك الحرم في الأبدان لا في الأموال، فيكون في نسخ أخذ السلب دليلاً على نسخ تحريم صيدها والقطع من شجرها (١). واعترض عليه: بأن دعوى الإجماع مردودة كما مرّ ذكره في المسألة السابقة، فبطل التعلق به (٢). وكيف يقال بأن أخذ السلب نسخ بنسخ العقوبات بالأموال ويعمل به جماعة من الصحابة بعد رسول الله ﷺ ، ولا يوجد لهم مخالف في عصرهم؟. وكيف يكون تحريم صيدها والقطع من شجرها منسوخاً ويعمل به جمع منهم، ويثبتون تحريم صيدها والقطع من شجرها بعد رسول الله ﷺ ؟ (٣). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في تحريم الصيد في حرم الدينة والقطع من شجرها على قولين: القول الأول: يجوز الصيد في حرم المدينة والقطع من شجرها، ولا يحرم. وهو مذهب الحنفية (٤). وقول سفيان الثوري، وابن المبارك (٥).

стр. 1581

القول الثاني: يحرم الصيد في حرم المدينة، وقطع شجرها. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وعليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال به جمهور أهل العلم (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول- وهو جواز الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها- بما يلي: أولاً: حديث أنس ﵁ أن أخوه كان له نغير يلعب به، وقول النبي ﷺ له: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» الحديث (٥). ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: (كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﷺ قد دخل، ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت،

стр. 1582

كراهية أن يؤذيه) (١). ثالثاً: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ وقول النبي ﷺ فيه: «أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت فإني أحب العقيق» (٢). ووجه الاستدلال منها، هو: أن هذه الأحاديث تدل على جواز الصيد بالمدينة، وإلا لما أطلق رسول الله ﷺ لأخ أنس حبس النغير ولا اللعب به، ولا حبس الوحش لآل رسول الله ﷺ وغلق الأبواب دونها. ولما رغب لسلمة ﵁ بالصيد بالعقيق. فثبت أن صيد المدينة والقطع من شجرها ليس محرماً، وإنما أراد النبي ﷺ بتحريم المدينة بقاء زينتها ليستطيبوها ويألفوها. لا أن صيدها والقطع من شجرها محرم كحرمة صيد مكة وقطع شجرها (٣). واعترض عليه: بأن الحديث المروي عن سلمة ﵁ ضعيف لا تقوم به الحجة (٤). أما حديث أنس وعائشة-﵄ فيقال عنهما بأن كل منهما يحتمل:

стр. 1583

أ- بأن يكون من صيد الحل، ولم يصد في حرم المدينة، وحكم ما صيد خارج حرم المدينة ثم أدخل إليها مختلف عما أصيد داخل حرم المدينة (١). ب-بأنه كان قبل تحريم المدينة وقبل تحريم صيدها والقطع من شجرها (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو تحريم صيد المدينة والقطع من شجرها- بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاها أو يقتل صيدها» (٣). ثانياً: عن عامر بن سعد، أن سعداً ﵁ ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه، فسلبه. فلمّا رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال: (معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله ﷺ . وأبى أن يرد عليهم (٤). ثالثاً: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها» (٥).

стр. 1584

رابعاً: عن عاصم الأحول قال: قلت لأنس: أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: (نعم. ما بين كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها. من أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (١). خامساً: عن علي ﵁ قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ : «المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرف (٢) ولا عدل (٣) الحديث (٤). سادساً: عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها. قال رسول الله ﷺ : «ما بين لابتيها حرام» (٥).

стр. 1585

ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم المدينة، وتحريم صيدها والقطع من شجرها، وأن أصحاب رسول الله ﷺ فهموا هذا المعنى من هذه الأحاديث (١). الراجح بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الثاني، وهو تحريم صيد المدينة والقطع من شجرها، وذلك لما يلي: أ- لكثرة أدلة هذا القول، مع صحتها وقوتها، بخلاف أدلة القول الأول. ب-إن أدلة هذا القول صريحة في المراد بها، وهو تحريم المدينة وتحريم صيدها وشجرها، وقد فهم أصحاب رسول الله منها هذا المعنى، فهي لا تحتمل غير هذا المعنى. بخلاف أدلة القول الأول. ج- ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين هذه الأحاديث وأدلة القول الأول، وذلك بحمل هذه الأحاديث على تحريم الصيد داخل حرم المدينة، وقطع شجرها. وحمل أدلة القول الأول على ما إذا صاد خارج الحرم ثم أدخله إلى الحرم، فيكون الأول محرماً دون الثاني، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة كان القول به متعيناً؛ جمعاً بين أدلة الشريعة ونفي التضاد منها.

стр. 1586

ثانياً: إن القول بأن أحاديث تحريم الصيد في حرم المدينة وقطع شجرها قد نسخ، غير صحيح، وذلك لما يلي: أ-لأن القول بنسخ تحريم صيد المدينة وقطع شجرها بناها قائلوها على نسخ أخذ سلب من صاد في حرم المدينة أو قطع من شجرها، وقد سبق إبطال هذا الزعم، فيكون ما بُني عليه كذلك باطلاً. ب- ولأن الصحابة-﵃-عملوا على وفق هذه الأحاديث بعد وفاة رسول الله ﷺ فكانوا يرون تحريم صيد المدينة وقطع شجرها، وقد سلب بعضهم من وجده يصيد فيها أو يقطع من شجرها. ولم يوجد في عصرهم من أنكر عليهم شيء من ذلك، فلو كان هناك نسخ لكان أول من علمه بعد رسول الله ﷺ أصحابه، ولما عملوا به بعد وفاته ﷺ . ج- ولأن الجمع بين أدلة القولين ممكن كما سبق بيانه، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى القول بنسخ بعضها، كما مرّ ذكره غير مرة. والله أعلم.

стр. 1587

الباب الثالث الأضاحي، والأيمان، والعقيقة، والصيد والذبائح، والهجرة والجهاد والسير وفيه فصلان: الفصل الأول: الأضاحي والأيمان والعقيقة والصيد والذبائح. الفصل الثاني: الهجرة والجهاد والسير.

стр. 1588

الفصل الأول الأضاحي، والأيمان، والعقيقة، والصيد، والذبائح . وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأضاحي، والأيمان، والعقيقة. المبحث الثاني: الصيد والذبائح.

стр. 1589

المبحث الأول الأضاحي، والأيمان، والعقيقة . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال. المطلب الثاني: الحلف بغير الله. المطلب الثالث: حكم العقيقة. المطلب الرابع: تخضيب رأس الصبي بدم العقيقة.

стр. 1590

المطلب الأول: ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال ذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي (١) فوق ثلاث ليال قد نسخ، لذلك يجوز ادخارها، والأكل منها بعد ثلاث (٢). وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٧)، وبريدة الأسلمي ﵁ (٨). وبه قال: ابن شاهين (٩)، والحازمي (١٠)، والرازي (١١)،

стр. 1591

وأبو إسحاق الجعبري (١). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الآثار الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٢). ويستدل للقول بالنسخ بأدلة منها ما يلي: أولاً: عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، و نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً» (٣). ثانياً: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. ثم قال بعد: «كلوا وتزودوا وادخروا» (٤). ثالثاً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من ضحّى منكم فلا يصبحنّ بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء» فلمّا كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادخروا، فإن

стр. 1592

ذلك العام كان بالناس جَهْد فأردت أن تعينوا فيها» (١). رابعاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث» فشكوا إلى رسول الله ﷺ أن لهم عيالاً وحشماً (٢) وخدماً. فقال: «كلوا وأطعموا واحبسوا أو ادخروا» (٣). خامساً: عن عائشة-﵂-تقول: دفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى، زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ادخروا ثلاثاً، ثم تصدقوا بما بقي» فلمّا كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله! إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون (٤) منها الودك (٥). فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: «إنما

стр. 1593

نهيتكم من أجل الدافة (١) التي دفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا» (٢). فهذه الأدلة صريحة في أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال كان أولاً، ثم أذن النبي ﷺ بعد ذلك في ادخارها إلى ما شاءوا، فنسخ به النهي السابق، وأبيح ادخارها فوق ثلاث (٣). هذا كان القول بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز ذلك، وأن النهي عنه قد نسخ. وقد سبق أنه قول جمهور أهل العلم، وسبق أدلته كذلك. القول الثاني: لا يجوز ادخار لحوم الأضاحي والأكل منها فوق ثلاث ليال. وهو قول علي، وابن عمر-﵄ (٤).

стр. 1594

القول الثالث: إن النهي عن الادخار كان لحاجة، فلما زالت زال النهي، فلو حصل حاجة فيحرم وإلا فلا. وهو قول بعض أهل العلم (١). الأدلة ويستدل للقول الثاني بما يلي: أولاً: عن علي ﵁ قال: (إن رسول الله ﷺ نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث) (٢). ثانياً: عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يأكل أحد من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام» (٣). ففي هذين الحديثين أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم النسك

стр. 1595

فوق ثلاث، فدل ذلك على عدم جواز ادخارها والأكل منها فوق ثلاث ليال (١). واعترض عليه: بأن الإذن في ادخار لحوم الأضاحي والأكل منها فوق ثلاث ليال كان بعد هذا النهي، كما سبق بيانه في دليل القول بالنسخ؛ لذلك لا يكون الادخار فوق ثلاث ليال منهياً عنه بعد ذلك الإذن، بل يكون النهي منسوخاً به (٢). دليل القول الثالث ويستدل للقول الثالث- وهو تحريم الادخار عند الحاجة وعدمه عند عدمها- بما يلي: أولاً: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ وقول النبي ﷺ فيه: «كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جَهْد فأردت أن تعينوا فيها» (٣). ثانياً: حديث عائشة-﵂ وقول النبي ﷺ فيه: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا» (٤).

стр. 1596

ففي هذين الحديثين دلالة على أن النهي إنما كان من أجل الحاجة، فلما زالت زال النهي. فلو حصل حاجة فيحرم ادخارها فوق ثلاث ليال؛ لأجل الحاجة (١). واعترض عليه: بأن هذين الحديثين وإن كانا يدلان على أن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال كان للحاجة إلا أن حديث بريدة، وجابر، وأبي سعيد الخدري ﵃ صريح في نسخ ذلك النهي، ثم هي أحاديث مطلقة، فيكون فيها دلالة على النسخ مطلقاً، سواء كان هناك حاجة أم لا (٢). الراجح بعد عرض ما قيل في المسألة من الأقوال وأدلتها يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو جواز ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليال، وأن النهي عنه قد نسخ؛ وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول فيها تصريح بأن الإذن في ادخارها فوق ثلاث ليال كان بعد النهي عنه، وهو صريح في جواز ادخارها، ونسخ النهي السابق. ثانياً: ولأن القول الثالث وإن كان له وجه واحتمال، إلا أن أكثر

стр. 1597

الأدلة التي تدل على جواز الادخار مطلقة، فيكون فيها دلالة على النسخ مطلقاً، كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 1598

المطلب الثاني: الحلف بغير الله ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأحاديث التي جاء فيها ما يدل على جواز الحلف بغير الله قد نسخت؛ لذلك لا يجوز الحلف بغير الله. وممن صرح بالنسخ: الطحاوي (١)، و ابن عبد البر (٢)، والماوردي (٣)، والحازمي (٤)، وأبو حامد الرازي (٥)، وأبو إسحاق الجعبري (٦). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (٧).

стр. 1599

ويستدل للقول بالنسخ ما يلي: أولاً: عن يزيد بن سنان (١) ﵁ قال: إن النبي ﷺ كان يحلف زمناً فيقول: لا وأبيك حتى نهي عن ذلك. ثم قال النبي ﷺ : «لا يحلف أحدكم بالكعبة فإن ذلك إشراك، وليقل ورب الكعبة» (٢). ثانياً: عن قُتَيلة (٣) ﵂ امرأة من جهينة-أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تُندِّدون، وإنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة!. (فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت) (٤).

стр. 1600

وفي رواية عنها-﵂-قالت: أتى حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون. قال: «سبحان الله، وما ذاك؟» قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة». ثم قال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً، قال: «سبحان الله، وما ذاك؟» قال: تقولون: ما شاء الله وشئت. قال: فأمهل رسول الله ﷺ شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال، فمن قال: ما شاء الله فليفصل بينهما: ثم شئت» (١). ثالثاً: حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام، وفيه: (فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (٢).

стр. 1601

وفي رواية عنه ﵁ قال: فقال رسول الله ﷺ : (أفلح وأبيه إن صدق» أو: «دخل الجنة وأبيه إن صدق» (١). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: «نعم، وأبيك لتنبأن. أمك» الحديث (٢). خامساً: عن عبد الله بن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (٣). سادساً: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمت عمر يقول: قال لي رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٤). سابعاً: عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا

стр. 1602

بالطواغي (١)، ولا بآبائكم» (٢). ثامناً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه: واللات (٣) والعزى (٤)، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه:

стр. 1603

تعال أقامرك، فليتصدق» (١). ثامناً: عن ابن عمر-﵄ قال: لا يحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢). تاسعاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» (٣). ويستدل من هذه الأدلة على نسخ جواز الحلف بغير الله تعالى: بأن بعض هذه الأحاديث جاء فيها ما يدل على جواز الحلف بغير الله

стр. 1604

تعالى، وفي بعضها ما يدل على المنع والنهي عنه، فيكون ما يدل على الجواز منسوخاً بما يدل على النهي؛ لأنها متأخرة عما يدل على الجواز، يؤكد ذلك حديث قتيلة-﵂، وكذلك حديث يزيد بن سنان ﵁، وهو وإن كان ضعيفاً إلا أن غيره من الأحاديث يقوي معناه (١). هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم الحلف بغير الله تعالى- بعد اتفاقهم على حرمته لو أراد الحالف بحلفه تعظيم المحلوف به كتعظيم الله (٢)، - على قولين: القول الأول: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى. وهو مذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). وقول عند المالكية، ورجحه

стр. 1605

بعضهم (١)، وذكر ابن عبد البر أنه أمر مجتمع عليه (٢). القول الثاني: يكره الحلف بغير الله تعالى، ولا يحرم. وهو المشهور عند المالكية (٣)، والمذهب عند الشافعية (٤)، ووجه عند الحنابلة (٥). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو تحريم الحلف بغير الله تعالى- بأحاديث كثيرة منها: حديث عمر، وابن عمر، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي هريرة-﵃، وقد سبق ذكرها في أدلة القول بالنسخ. وهي ظاهرة في تحريم الحلف بغير الله تعالى؛

стр. 1606

لأن بعضها جاء فيه لفظ النهي، وبعضها جاء فيه لفظ (لا) الناهية، وبعضها جاء فيه إطلاق الكفر والشرك على الحلف بغير الله تعالى. وكل هذا يدل على التحريم، فيكون الحلف بغير الله تعالى حراماً غير جائز (١). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو أن الحلف بغير الله مكروه إذا لم يعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله- بما يلي: أولاً: حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «أفلح وأبيه إن صدق» أو: «دخل الجنة وأبيه إن صدق» (٢). ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «نعم، وأبيك لتنبأن. أمك» (٣). ثالثاً: حديثا عمر، وابنه عبد الله-﵄ عن رسول الله ﷺ ، وفيهما: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٤). رابعاً: حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم» (٥).

стр. 1607

خامساً: حديث ابن عمر-﵄ عن رسول الله ﷺ ، وفيه: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (١). سادساً: ما جاء في القرآن الكريم من الحلف بغير الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٤). ووجه الاستدلال منها هو: أنه قد جاء في القرآن الكريم ما يدل على جواز الحلف بغير الله تعالى، وكذلك جاء في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك، كحديث طلحة بن عبيد الله، وأبي هريرة-﵄. وجاء النهي عن الحلف بغير الله في أحاديث كثيرة، بعضها آكد من بعض، ومنها حديث عمر، وابن عمر، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي هريرة-﵃. فيحمل ما يدل على تحريم الحلف بغير الله بما إذا اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في الله من التعظيم. ويحمل ما سوى ذلك على الجواز مع الكراهة؛ جمعاً بين الأدلة (٥).

стр. 1608

واعترض عليه بما يلي: أولاً: إن ما ذكر في القرآن الكريم من الحلف بغير الله تعالى فيقال فيه: أ-بأن ما ذكر في القرآن من الحلف بغير الله، فهو مما أقسم الله به، والله له أن يقسم بما شاء من خلقه. لكن العباد لا يجوز لهم أن يحلفوا بغير الله (١). ب-بأن الأشياء الواردة في القرآن المقسوم بها، فيها إضماراً، تقديره: ورب السماء. ورب الليل. ورب التين. وهكذا (٢). وإذا كان كذلك فلا يُستدل منها على جواز الحلف بغير الله تعالى. ثانياً: إن الأحاديث الواردة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى لم تفرق بين حلف وحلف، بل فيها النهي عن الحلف بغير الله مطلقاً، وفي بعضها جعل الحلف بغير الله تعالى كفراً أو شركاً، وهو كذلك مطلق. فيكون في كل ذلك دلالة على تحريم الحلف بغير الله تعالى مطلقاً (٣). ثالثاً: إن ما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بغير الله تعالى، فهو يحتمل أموراً، من أقواها: أن ذلك كان قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى؛ لذلك لا يصح الاستدلال منها على جواز الحلف بغير الله تعالى (٤).

стр. 1609

الراجح بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم الصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو عدم جواز الحلف بغير الله تعالى مطلقاً؛ وذلك لما يلي: أولاً: لكثرة أدلة هذا القول مع أنها صريحة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى، بخلاف أدلة القول الثاني، فإنها تحتمل أكثر من احتمال. ثانياً: ولأن الأحاديث التي ورد فيها النهي عن الحلف بغير الله تعالى معها ما يدل على تأخرها عن الأحاديث التي ورد فيها ذكر الحلف بغير الله تعالى، فتكون منسوخة بها، ومن ذلك: أ-حديث يزيد بن سنان ﵁، وهو ظاهر في أن النهي عن الحلف بغير الله متأخر عما يدل على جواز الحلف بغير الله تعالى؛ حيث جاء فيه: (إن النبي ﷺ كان يحلف زمناً فيقول: لا وأبيك، حتى نهي عن ذلك) (١). ب-حديث قتيلة-﵂ فهو كذلك يدل على أن النهي عن الحلف بغير الله تعالى جاء بعد ما كان بعض المسلمين يحلفون بغير الله تعالى (٢). ج- إن عمر ﵁ حلف بأبيه فنهاه النبي ﷺ عن الحلف بغير الله تعالى، فهو يدل

стр. 1610

على أن النهي عن الحلف بغير الله تعالى متأخر عما يدل على الجواز؛ إذ لو كان النهي مقدماً على الجواز لما حلف عمر ﵁ بأبيه. ولم يرد بعد النهي إباحة (١). والله أعلم.

стр. 1611

المطلب الثالث: حكم العقيقة المذهب عند الحنفية أن العقيقة (١) قد نسخت (٢)، ثم اختلفوا: فقال محمد بن الحسن: كانت العقيقة تطوعاً، وكان الناس يفعلونها في أول الإسلام، ثم نسخت بالأضحى، فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل (٣). وقال الطحاوي: إنها كانت واجبة في أول الإسلام، ثم نسخ وجوبها إلى الاختيار، فمن أحب أن يفعلها فعلها، ومن شاء أن يتركها تركها (٤). وروي القول بنسخ العقيقة عن محمد ابن الحنفية (٥)، وأبي

стр. 1612

جعفر الباقر (١)، وإبراهيم النخعي (٢). وذهب ابن رشد (٣) إلى أن العقيقة كانت واجبة في أول الإسلام، ثم نسخ وجوبها فصارت سنة (٤). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في

стр. 1613

المسألة، كما أن الاختلاف في مفهوم الأحاديث الواردة فيها سبب آخر للاختلاف فيها (١). ويستدل للقول الأول وهو نسخ وجوب العقيقة وتطوعها بما يلي: أولاً: عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نسخ الأضحى كل ذبح، ورمضان كل صوم، وغسل الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة» (٢). ثانياً: عن سمرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام رهينة (٣) بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمى» (٤).

стр. 1614

ثالثاً: عن سلمان بن عامر الضبي (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى» (٢). رابعاً: عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال: سُئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: «إن الله لا يحب العقوق»، وكأنه كره الاسم، قالوا: يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد؟ قال: «من أحب

стр. 1615

منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة» (١). خامساً: عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن رجل من قومه سأل النبي ﷺ في حجة الوداع فقال: ما ترى في العقيقة؟ فقال: «لا أحب العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل» (٢). سادساً: عن محمد بن الحنفية: (أن العقيقة كانت في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت) (٣). ويستدل منها على النسخ: بأن بعض هذه الأدلة جاء فيه الأمر
следующие страницы →