← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ويتصدق فليفعل». وكان عترهم أنهم كانوا يذبحون، ثم يعمدون إلى دماء ذبائحهم فيمسحون بها رؤوس نصبهم (١). ووجه الاستدلال منها: أن بعض هذه الأحاديث يدل على النهي عن الفرع والعتيرة. وبعضها يدل على أن من شاء فعل، ومن شاء لم يفعل. فيثبت من مجموعها عدم استحبابهما (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو استحباب الفرع والعتيرة- بما يلي: أولاً: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث مخنف بن سليم، ونبيشة، وعائشة، وعبد الله بن عمرو-﵃؛ حيث إنها تدل على مشروعية الفرع والعتيرة، وأنهما حق أي ليس بباطل (٣). ثانياً: عن سمرة ﵁ قال: أتاه يعني النبي ﷺ رجل من الأنصار يستفتيه عن الرجل ما الذي يحل له، والذي يحرم عليه من ماله، ونسكه، وماشيته، وعتره، وفرعه، من نتاج إبله، وغنمه، فقال له رسول الله ﷺ : «وأما مالك فإنه ميسور كله، ليس فيه حرام، غير أن في نتاجك من إبلك فرعاً، وفي نتاجك من غنمك فرعاً تغذوه ماشيتك

стр. 1647

حتى تستغني، ثم إن شئت فأطعمه أهلك، وإن شئت تصدقت بلحمه، وأمره أن يعتر من الغنم من كل مائة عتيرة» (١). ثالثاً: عن عبد الله المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في الإبل فرع، وفي الغنم فرع» (٢). رابعاً: عن ابن عمر-﵄-أن النبي ﷺ سُئل عنها يوم عرفة قال: «هي حق» يعني العتيرة (٣). فهذه الأحاديث تدل على مشروعية الفرع والعتيرة وعلى استحبابهما، ولا تجبان للأحاديث التي تدل على نفي الوجوب (٤). الراجح بعد عرض ما قيل في المسألة من الأقوال وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الفرع الذي كان عليه أهل الجاهلية، من ذبح أول النتاج لطواغيتهم، كما هو مذكور في رواية أبي هريرة ﵁ فهو حرام ولا يجوز؛ لأنه

стр. 1648

من الشرك الأكبر، وهو حرام بلا خلاف (١). كما أن عتيرة الجاهلية التي هي كما في رواية ابن عباس-﵄-أنهم كانوا يذبحون، ثم يعمدون إلى دماء ذبائحهم فيمسحون بها رؤوس نصبهم- حرام لا تجوز؛ لما في ذلك من اعتقاد البركة من النصب، ومن الاحترام لها وللأصنام، وهو مخالف لعقيدة التوحيد والإسلام (٢). فهذا الفرع وهذه العتيرة الجاهليتين محرمان، ويدل على حرمتهما ما سبق من حديث أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس-﵃. ولا أعلم أحداً من المسلمين يقول بجوازهما (٣). ثانياً: إن الفرع بمعنى ذبح أول النتاج من أجل شكر الله على هذا النتاج الذي هذا أوله، ولتحصل به البركة في المستقبل، فهو مما لا بأس به؛ لما سبق من حديث عبد الله بن عمرو، والحارث بن عمرو-﵃-وغيرهما؛ حيث إنها تدل على أن من شاء فرع ومن شاء لم يفرع. لكن الأفضل والأولى أن يتركه حتى يكون ابن لبون أو ابن مخاض فيحمل عليه في سبيل الله أو يعطيه أرملة، كما يدل عليه حديث نبيشة،

стр. 1649

وعبد الله بن عمرو-﵃-وغيرهما (١). كما أن العتيرة التي هي بمعنى أن يذبح لله تعالى في رجب ويتصدق لا بأس بها؛ لحديث الحارث بن عمرو، وابن عباس، وأبي رزين العقيلي-﵃؛ حيث إنها تدل على أن من شاء عتر ومن شاء لم يعتر (٢). لكن الأولى والأفضل هو عدم تخصيص رجب بها؛ لحديث نبشية ﵁: «اذبحوا لله في أي شهر كان، وبروا لله، وأطعموا» (٣). ثالثاً: إنه روي عن النبي ﷺ أحاديث تدل على أن النبي ﷺ أمر بالفرع والعتيرة، وأنهما حق، كحديث مخنف بن سليم، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، وسمرة-﵃، فإن أريد بها الوجوب فهو منسوخ؛ لأن حديث الحارث بن عمرو، وابن عباس-﵃-يدلان على أن الفرع والعتيرة إلى الإختيار والمشيئة، وهو ينفي الوجوب إن لم ينف الاستحباب، ثم في حديث ابن عباس ﵁ ما يدل على أن حديثه ذلك كان بعد فتح مكة، وحديث الحارث بن عمرو ﵁ صريح في أنه سمع ذلك من رسول الله في حجة الوداع. فمعهما ما يدل على تأخرهما على ما يخالفهما. كما يدل على نسخ ذلك حديث أبي هريرة وابن عمر-رضي

стр. 1650

الله عنهم-: «لا فرع ولا عتيرة»؛ فإن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل (١). وإن أريد بها غير الوجوب فهي تدل على الجواز، لكن يكون الأولى والأفضل حملها على ما سبق بيانه في الفقرة السابقة؛ جمعاً بين تلك الأحاديث كلها (٢). ويؤيد ذلك ما روي: أ-عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في الفرعة: (هي حق، ولا تذبحها وهي غراة من الغراء (٣) تلصق في يدك، ولكن أمكنها من اللبن، حتى إذا كانت من خيار المال فاذبحها) (٤). ب-عن عطاء يقول: كان أهل الجاهلية يذبحون في الفرعة من كل خمسين واحدة، فلما كان الإسلام سُئل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «إن شئتم فافعلوا». ولم يوجب ذلك (٥). ج-عن طاووس قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الفرع، فقال: «إفرعوا إن شئتم، وأن تدعه حتى يبلغ فيحمل عليه في سبيل الله، أو تصل

стр. 1651

به قرابة خير من أن تذبحه فيخلط لحمه بشعره» (١). د- عن صدقة بن يسار (٢)، قال: قلت لمجاهد: سمعت رجلاً في مسجد الكوفة يقول: (ورب هذا المسجد لقد ذبحت العتيرة في الجاهلية والإسلام) (٣). رابعاً: قد سبق أن الأمر بالفرع والعتيرة إن كان للوجوب فقد نسخ ذلك. وإن لم يكن للوجوب بل للاستحباب فإنه محتمل كذلك للنسخ؛ لأن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ويؤيد ذلك كونهما يفعلان في الجاهلية، وحديث الحارث بن عمرو ﵁ يدل على إباحتهما لا على استحبابهما، وهو كان في حجة الوداع (٤). وبهذا يتبين رجحان قول الجمهور. والله أعلم.

стр. 1652

المطلب الثاني: لحوم الخيل ذهب بعض أهل العلم إلى إباحة أكل لحوم الخيل، وأن ما يدل على تحريمها قد نسخ (١). وممن صرح بالنسخ: أبو داود (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣). ويتبين منه، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة ثلاثة أمور: اختلاف الآثار، والاختلاف في صحة ما يدل على تحريم لحوم الخيل، والقول بالنسخ (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن خالد بن الوليد (٥) ﵁ أن رسول الله ﷺ (نهى عن أكل

стр. 1653

لحوم الخيل والبغال والحمير-زاد حيوة (١): -وكل ذي ناب من السباع» (٢). وفي رواية عنه ﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر، فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﷺ «ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية، وخيلها، وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» (٣).

стр. 1654

ثانياً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: (نهي النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل) (١). وفي رواية عنه ﵁: أن رسول الله ﷺ : (نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل) (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث خالد ﵁ يدل على تحريم لحوم الخيل، وحديث جابر ﵁ يدل على حلها، فيكون حديث جابر ﵁ ناسخاً لحديث خالد ﵁؛ لأنه بعده؛ لأنه ورد فيه لفظ (الرخصة)،

стр. 1655

ولفظ (الإذن)، وهما يدلان على سابقة منع، وتأخر الرخصة والإذن (١). واعترض عليه: بأنه يحتمل أن يكون الحكم في الخيل والبغال والحمير على البراءة الأصلية فلما نهاهم الشارع يوم خيبر عن الحمر والبغال خشي أن يظنوا أن الخيل كذلك لشبهها بها فأذن في أكلها دون الحمير والبغال. كما يحتمل ما ذكر في وجه الاستدلال على النسخ. والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم لحوم الخيل على قولين: القول الأول: يكره لحوم الخيل. وهو قول أبي حنيفة والمذهب عند الحنفية (٣)، وقول مالك والمذهب عند المالكية (٤)، وقول الحكم، والأوزاعي، وأبي عبيد، وروي ذلك عن ابن عباس ﵁ (٥).

стр. 1656

القول الثاني: يجوز أكل لحوم الخيل، ولا كراهة فيه. وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول جمهور أهل العلم، منهم: عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأم سلمة-﵃-وعلقمة والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، والليث، وابن المبارك، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وداود الظاهري (٤). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو كراهة لحوم الخيل- بما يلي: أولاً: حديث خالد بن الوليد ﵁ هـ، وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ. ثانياً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: لما كان يوم

стр. 1657

خيبر أصاب الناس مجاعة فاخذوا الحمر الأهلية فذبحوها وأغلوا منها القدور، فبلغ ذلك النبي ﷺ . قال جابر فأمرنا رسول الله ﷺ فكفأنا القدور، وقال: «إن الله سيأتيكم برزق هو أحل لكم من هذا وأطيب»، قال فكفأنا يومئذ القدور وهي تغلي. قال: (فحرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل، والبغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم المجثمة (١)، و الخلسة (٢)، والنهبة (٣) (٤).

стр. 1658

ووجه الاستدلال منهما ظاهر؛ حيث إنهما يدلان على تحريم لحوم الخيل (١). واعترض عليه: بأنهما حديثان ضعيفان لا تقوم بهما حجة، ولا يقويان على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في حل لحومها (٢). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٤). إلى

стр. 1659

قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (٢). ووجه الاستدلال من هذه الآيات: هو أن الله فرق بين بهيمة الأنعام، وبين الخيل والبغال والحمير، فذكر الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل، فلو كان الخيل مما يؤكل لذكر ذلك في سياق ذكره كما ذكر الركوب والزينة، مع أن الأكل من أعلا المنافع، وليس من الحكمة الامتنان بأدنى النعم وترك الامتنان بأعلاها (٣). واعترض عليه بما يلي: أ- إن السكوت عن ذكر أكله لا يدل على تحريمه؛ لأنه لم يذكر بيعها والتصرف فيها وفي ثمنها، وذلك جائز بلا خلاف، مع أنه غير مذكور، فكذلك الأكل (٤). ب- إنه لا يسلم أن الركوب والزينة في الخيل أدنى النعمتين بالنسبة للأكل، بل إن معظم الغرض من الخيل الركوب والزينة، لا الأكل، بخلاف

стр. 1660

النعم، فإن من أعلا منافعها الأكل والركوب، فذكر في كل نوع أغلب المنفعتين، وترك الأدنى، وهو من الحكمة ودأب اختصارات القرآن (١). ج-إنه لا يصح الاستدلال من قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٢). على تحريم لحوم الخيل والحمر؛ لأن تحريم لحوم الحمر إنما وقع عام خيبر، والإذن في لحوم الخيل وقع بعد الهجرة، وهذه الآية مكية فلو كانت تفيد التحريم لما قالوا: إن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر. ولما أوقدوا النيران على لحومها يوم خيبر. ولو فهم النبي ﷺ من الآية التحريم لما أذن في أكل الخيل بعد الهجرة (٣). د-ولأن هذه الآية ليست نصاً في تحريم لحومها، وقد جاءت أحاديث صحيحة صريحة في حل لحمها (٤). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو حل لحوم الخيل بلا كراهة- بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث جابر ﵁ الذي مرّ ذكره في دليل القول بالنسخ؛ فإنه يدل على حل لحوم الخيل دون كراهة. ثانياً: عن أسماء-﵂ قالت: (نحرنا فرساً على عهد

стр. 1661

رسول الله ﷺ فأكلناه) (١). ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر، وأمر رسول الله ﷺ بلحوم الخيل أن تؤكل) (٢). فهذه الأحاديث تدل على حل لحوم الخيل بلا كراهة (٣). الراجح الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الثاني، وهو حل لحوم الخيل بلا كراهة، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول مع صحتها صريحة في جواز أكل لحوم الخيل، بخلاف أدلة القول الأول فإن منها ما هو ضعيف ومنها ما هو غير صريح. ثانياً: إنه لم يرو عن أحد من أصحاب رسول الله أنه كان يكره لحوم الخيل إلا ابن عباس ﵁ والرواية عنه فيه ضعف، وقد روى مرفوعاً

стр. 1662

ما هو صريح في حل لحومها (١). أما بقية الصحابة فقد قال عطاء: (لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له أصحاب رسول الله ﷺ قال: نعم) (٢). ثالثاً: ولأن حديث خالد بن الوليد، وجابر-﵄ الذين يدلان على تحريم لحوم الخيل، قد ضعفهما غير واحد من أهل العلم (٣)، وعلى تقدير صحتهما وثبوتهما فإنهما يحتملان أن يكونا منسوخين بحديث جابر ﵁؛ حيث جاء فيه لفظ الإذن والرخصة، وهما مما يدل على تأخر الإباحة على الحظر والمنع (٤). والله أعلم.

стр. 1663

المطلب الثالث: لحوم الحمر الأهلية ذهب بعض أهل العلم إلى أنه كان يجوز أكل لحوم الحمر الأهلية، ثم نهي عنه فنسخ جواز أكلها فصارت محرمة. وممن صرح بالنسخ: الحازمي (١)، وأبو حامد الرازي (٢)، وأبو إسحاق الجعبري (٣). وتبين منه أن القول به أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها (٤). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن غالب بن أبجر (٥) ﵁ قال: أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله ﷺ ، أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم

стр. 1664

الحمر الأهلية، فقال: «أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوّالي (١) القرية» يعني الجلالة (٢). ثانياً: عن أم نصر المحاربية (٣) ﵂-قالت: سأل رجل رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: «أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر؟» قال: نعم. قال: «فأصب من لحومها» (٤).

стр. 1665

ثالثاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: (نهي النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل) (١). رابعاً: عن ابن عمر-﵄: (نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر) (٢). خامساً: عن علي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن المتعة عام خيبر، وعن لحوم حمر الإنسية) (٣). سادساً: عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه جاء فقال: أُكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أُكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أُفنيت الحمر، فأمر منادياً فنادى في الناس: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس». فأُكفئت القدور وإنها لتفور باللحم (٤).

стр. 1666

سابعاً: عن البراء بن عازب ﵁ قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نلقي لحوم الحمر الأهلية، نيئة ونضيجة، ثم لم يأمرنا بأكله) (١). ثامناً: عن ابن أبي أوفى ﵄ يقول: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : (أن اكفئوا القدور فلا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً) قال عبد الله: فقلنا: إنما نهى النبي ﷺ لأنها لم تخمس، قال: وقال آخرون: حرمها البتة (٢). تاسعاً: عن أبي ثعلبة (٣) ﵁ قال: (حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية) (٤).

стр. 1667

ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن حديث غالب بن أبجر، وأم نصر المحاربية-﵄-يدلان على جواز أكل لحوم الحمر الأهلية، والأحاديث المذكورة بعد حديثيهما تدل على تحريمها، فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحديثيهما؛ لأن التحريم جاء بعد ما كانوا يرون حل لحومها، ولذلك ذبحوها وطبخوا لحومها حتى نهاهم النبي ﷺ عن أكلها. كما أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ويؤكد تأخر التحريم ما في حديث البراء بن عازب ﵁ أنه ﷺ لم يأمرهم بأكله بعد النهي، فدل أن النهي آخر الأمرين (١). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في حكم لحوم الحمر الأهلية على قولين: القول الأول: إن لحوم الحمر الأهلية محرمة لا يجوز أكلها. وهو قول جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (٢)، ومنهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 1668

القول الثاني: إن لحوم الحمر الأهلية ليست بحرام. وهو قول بعض أهل العلم، وروي ذلك عن ابن عباس، وعائشة-﵃ (١). الأدلة ويستدل للقول الأول-وهو تحريم لحوم الحمر الأهلية- بأدلة منها: حديث جابر، وعلي، وابن عمر، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي ثعلبة ﵃. وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها صحيحة، وصريحة في تحريم لحوم الحمر الأهلية، والنهي عن أكلها (٢). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو عدم حرمة لحوم الحمر الأهلية- بما يلي: أولاً: حديث غالب بن أبجر، وأم نصر المحاربية-﵄. وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنهما يدلان على إباحة لحوم الحمر الأهلية (٣). ويعترض عليه بما يلي: أ-إن هذين الحديثين قد ضعفهما غير واحد من أهل العلم، لذلك فهما

стр. 1669

لا يقويان على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية (١). ب- إنهما لو صحا فيحتملان كونهما في حالة الاضطرار، وعلى تقدير عدم ذلك فقد يكونان قبل تحريم لحوم الحمر الأهلية، فيكونان منسوخين بأحاديث النهي عن لحومها (٢). ثانياً: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). فإنه يدل على أن ما عدا المذكور في الآية غير محرم، ومنه الحمر الأهلية (٤). ويعترض عليه بما يلي: أ- إن الآية جواب لمن سأل عن أشياء بعينها، فوقع الجواب بخصوصها، أي أجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء، وليس المراد حصر

стр. 1670

جميع المحرمات فيما ذكر في الآية (١). ب-إن هذه الآية مكية، وعند نزولها كانت المحرمات من المطعومات ما ذكر فيها، ثم في المدينة بعد الهجرة حرمت أشياء غير المذكورة فيها، وهي غير منافية لها (٢). الراجح لا شك أن الراجح هو قول جمهور أهل العلم، وهو تحريم لحوم الحمر الأهلية، وذلك لما يلي: أولاً: لأن أدلة هذا القول مع كثرتها-حيث تبلغ مبلغ التواتر- صحيحة وصريحة غير محتملة لأكثر من احتمال واحد. بخلاف أدلة القول الثاني؛ حيث إن منها ما هو متكلم فيه (٣)، ومنها ما هو مختلف في تأويله، ويحتمل أكثر من احتمال (٤). ثانياً: ولأن حديث غالب ابن أبجر وأم نصر المحاربية-﵄-ضعيفان لا يقويان على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة

стр. 1671

الدالة على تحريم لحوم الحمر الأهلية (١)، وعلى تقدير صحتهما فيحتملان ما يلي: أ-أن جواز الأكل من لحوم الحمر الأهلية المستفاد منهما كان لأجل الحاجة و الاضطرار (٢). ب- أنهما كان قبل تحريم لحوم الحمر الأهلية، فيكونان منسوخين بأحاديث التحريم، كما صرح بذلك غير واحد من أهل العلم (٣). ثالثاً: ولأن قوله تعالى:: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية (٤). اختلف في تأويلها، فقيل: إنها جاءت جواباً لمن سأل عن أشياء بعينها، فوقع الجواب بخصوصها، فلا يكون فيها دلالة على حصر جميع المحرمات فيما ذكر في الآية (٥). وعلى تقدير أن المراد بها الحصر، فهي مكية، وعند نزولها كانت المحرمات من المطعومات ما ذكر فيها، ثم في المدينة بعد الهجرة حرمت

стр. 1672

أشياء غير المذكورة فيها (١). ومما سبق يظهر أنه إذا صح حديث غالب ابن أبجر، وأم نصر المحاربية، وأريد بالآية الكريمة حصر المحرمات من المطعومات فيما ذكر فيها، يظهر صحة القول بنسخ ما يدل على جواز أكل لحوم الحمر الأهلية، ويؤكد ذلك ما جاء في رواية البراء بن عازب ﵁ أنه ﷺ لم يأمرهم بأكله بعد النهي، فدل أن النهي آخر الأمرين (٢). والله أعلم.

стр. 1673

المطلب الرابع: كسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر ذهب بعض أهل العلم إلى أن النبي ﷺ أمر بكسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر، ثم ترك ذلك وأمر بغسلها، فنُسخ به الأمر بكسرها (١). وممن صرح به: الحازمي (٢)، والنووي (٣)، وابن القيم (٤). ولا خلاف بين أهل العلم في أن القدور، والأواني التي طبخ فيها لحوم الحمر أو وضع فيها شيء من المحرمات والنجس إذا كانت مما يطهرها الغسل وينتفع بها، أنها تغسل ولا تكسر (٥). ويستدل لما سبق بما يلي: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما أمسوا يوم فتحوا خيبر، أوقدوا النيران، قال النبي ﷺ : «علامَ أوقدتم هذه النيران؟» قالوا: لحومِ الحمر الإنسية. قال: «أهريقوا ما فيها، واكسروا قدورها» فقام رجل من القوم فقال: نهريق ما فيها ونغسلها؟ فقال النبي ﷺ : «أو ذاك» (٦).

стр. 1674

وفي رواية عنه ﵁: أن النبي ﷺ رأى نيراناً توقد يوم خيبر. قال: «علام توقد هذه النيران؟» قالوا: على الحمر الإنسية، قال: «اكسروها وهَرِيقوها». قالوا: ألا نهريقها ونغسلها؟ قال: «اغسلوا» (١). فهاتان الروايتان تدلان على: أن النبي ﷺ أمرهم بكسر القدور التي طبخوا فيها لحوم الحمر الإنسية، فلما التمسوا منه ﷺ أن يهريقوا ما فيها ويغسلوها، أمرهم بذلك، فنسخ به الأمر بكسرها؛ لأن الأمر بالغسل جاء بعد ذلك؛ لذلك لا تكسر الأواني التي ألقي فيها شيء من النجس والمحرم، بل يلقى المحرم والنجس، ويغسل الإناء إذا كان ينتفع به و يطهره الغسل (٢). والله أعلم.

стр. 1675

المطلب الخامس حصر المحرمات من المطعومات في: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله . ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). الدال على حصر المحرمات من المطعومات في الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله قد نسخ، لذلك ليس المحرمات من المطعومات محصورة في هذه الأربعة (٢). ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة في المسألة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة ثلاثة أمور: اختلاف الأدلة، والاختلاف في المفهوم من الآية، والقول بالنسخ (٣). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن ابن عباس-﵄-قال: «نهى رسول الله ﷺ

стр. 1676

عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير» (١). ثانياً: الأحاديث الواردة في تحريم لحوم الحمر الأهلية، ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ جاءه جاء فقال: أُكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أُكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أُفنيت الحمر، فأمر منادياً فنادى في الناس: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس» فأُكفئت القدور وإنها لتفور باللحم (٢). ثالثاً: عن أبي ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع) (٣). رابعاً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام» (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية (٥) والتي تدل

стр. 1677

على حصر المحرمات من المطعومات فيما ذكر فيها، نزلت بمكة قبل الهجرة، وهذه الأحاديث بمجموعها تدل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وعلى تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. وهي غير ما ذكر في الآية، وقد حرم رسول الله ﷺ هذه الأشياء بعد الهجرة. فتكون هذه الأحاديث ناسخة لحصر المحرمات المذكورة في الآية؛ لأنها بعدها (١). واعترض عليه بما يلي: أ- أن الآية مختلف في تأويلها، فقيل: هي جواب لمن سأل عن أشياء بعينها، فوقع الجواب بخصوصها، أي أجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء، وليس المراد حصر جميع المحرمات فيما ذكر فيها (٢). وعلى هذا فلا يكون للنسخ وجهاً في الآية، بل تكون محكمة، ويضم إليها بالسنة ما فيها من محرم (٣).

стр. 1678

ب- إن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها، فغير ما ذكر فيها مباح بالبراءة الأصلية، والأحاديث التي ذكر فيها محرمات غيرها، رفعت هذه البراءة، ورفعها لا يسمى نسخاً (١). وأجيب عن هذا: بأن الحصر في الآية يفهم منه إباحة ما سوى الأربعة المذكورة فيها شرعاً، فتكون إباحة شرعية؛ لدلالة القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في تحريم المطعومات غير ما ذكر في الآية كالحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع وغيرها، على قولين: القول الأول: إن المحرمات ليست محصورة فيما ذكر فيها، بل يحرم غيرها كذلك مما جاء ذكرها في النصوص. وهو قول جمهور أهل العلم (٣)، ومنهم الحنفية (٤)، و المالكية (٥)،

стр. 1679

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: إن المحرمات من المطعومات هي ما ذكر فيها. وهو قول بعض أهل العلم، وروي ذلك عن عائشة، وابن عباس-﵃ (٣). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عباس، وأنس، أبي هريرة، وأبي ثعلبة-﵃؛ حيث إنها تدل على تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، فدل ذلك على عدم حصر المحرمات فيما ذكر في الآية الكريمة (٤). دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني-وهو حصر المحرمات من المطعومات فيما ذكر في الآية بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ

стр. 1680

يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُور رَحِيمٌ﴾ (١). فإنه يدل بعمومه على حصر المحرمات فيما ذكر في هذه الآية (٢). ويعترض عليه بما يلي: أولاً: إنه اختلف في تأويل هذه الآية، فقيل: هي جواب لمن سأل عن أشياء بعينها. وعليه فلا يكون في الآية دلالة على عدم وجود محرم غير ما ذكر فيها (٣). كما قيل: إن المراد بالآية نفي وجود محرم غير ما ذكر فيها في ذاك الوقت، ثم جاءت الشريعة بمحرمات غير ما ذكر فيها، فهي مضافة إليها، وليس نافية لها (٤). ثانياً: إن هذه الآية الكريمة وإن كانت تدل بعمومها على نفي محرمات من المطعومات غير ما ذكر فيها، إلا أن هذا العموم مخصوص بأدلة من الكتاب والسنة (٥).

стр. 1681

الراجح لا شك أن الراجح هو القول الأول-وهو عدم حصر المحرمات فيما ذكر في الآية الكريمة، وذلك لما يلي: أولاً: لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على وجود محرمات في الشريعة غير ما ذكر في الآية، منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ. ثانياً: إن هذه الآية الكريمة اختلف أهل العلم في تأويلها، فقيل: المراد بها العموم، ولا حرام إلا ما ذكر فيها. وقيل: المراد بها نفي وجود محرم وقت نزولها. وقيل: هي مخصوصة بغيرها من الأدلة. لكن الأولى من هذه الأقوال القولين الأخيرين؛ جمعاً بين الأدلة كلها. ثالثاً: ولأنه إن أريد بالآية الكريمة حصر المحرمات في الأربعة المذكورة، ونفي التحريم عمّا عداها في الشريعة مطلقاً، فإن الأظهر القول بنسخ هذا الحصر بالأحاديث التي جاء فيها ذكر محرمات كثيرة؛ لأن هذه الآية الكريمة نزلت بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة نزلت الشريعة بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها، منها لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (١). والله أعلم.

стр. 1682

المطلب السادس: قتل الكلاب نقل بعض أهل العلم الإجماع على قتل الكلب الكلِب (١)، والكلب العقور (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر بقتل الكلاب قد نسخ؛ لذلك لا يحل قتل الكلاب التي لا تؤذي، ولا ضرر فيها. وممن صرح بنسخ ذلك: بعض الحنفية، منهم محمد بن الحسن (٣)، وبعض المالكية، منهم ابن عبد البر (٤)، وبعض الشافعية، منهم النووي (٥)، ويدل عليه كلام بعض الحنابلة، منهم ابن قدامة (٦). وقال به كذلك أبو حامد الرازي (٧). ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة أن سبب الاختلاف في المسألة أمران:

стр. 1683

اختلاف الآثار الواردة فيها، والقول بالنسخ (١). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-يقول: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله. ثم نهي النبي ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٢). ثانياً: عن ابن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟» ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم (٣). ثالثاً: عن أبي رافع ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقال الناس: يا رسول الله، ما أُحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [سورة المائدة: ٤] (٤).

стр. 1684

وفي رواية عنه ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فاستأذن، فأذن له، فأخذ رداءه فخرج. فقال: «قد أذنّا لك يا رسول الله». قال: أجل يا رسول الله، ولكن لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. فأمر أبا رافع أن لا يدع كلباً بالمدينة إلا قتله، فإذا بامرأة في ناحية المدينة لها كلب يحرس عليها، قال: فرحمتها، فأتيت النبي ﷺ فأمرني بقتله، قال: ثم أتاه ناس من الناس فقالوا: ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [سورة المائدة: ٤] (١). رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: (نهى رسول الله ﷺ أن يُقتل شيء من الدواب صبراً) (٢). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجوه الآتية: أولاً: إن بعض هذه الأحاديث صريح في أن النهي عن قتل الكلاب جاء بعد الأمر بقتلها، كحديث جابر، وعبد الله بن المغفل-رضي الله

стр. 1685

عنهما-فثبت من ذلك أن الأمر بقتلها قد نسخ؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١). ثانياً: إن الأمر بقتل الكلاب كان مطلقاً، سواء كان الكلب كلب صيد أو غيره، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢). كما يدل عليه حديث أبي رافع ﵁ (٣). ثالثاً: إنه قد ثبت أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، وثبت عنه أنه نهى عن قتل الدواب صبراً كما في حديث جابر ﵁، وهو يشمل الكلب وغيره، فيكون هذا النهي ناسخاً للأمر بقتل الكلاب (٤). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في قتل الكلاب على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يقتل الكلاب التي لا ضرر فيها. وهو قول الحنفية (٥)، وابن عبد البر من المالكية (٦)، وإمام الحرمين (٧)،
следующие страницы →