الراجح
لا شك أن الراجح هو القول الأول-وهو عدم حصر المحرمات فيما ذكر في الآية الكريمة، وذلك لما يلي:
أولاً: لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة تدل على وجود محرمات في الشريعة غير ما ذكر في الآية، منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
ثانياً: إن هذه الآية الكريمة اختلف أهل العلم في تأويلها، فقيل: المراد بها العموم، ولا حرام إلا ما ذكر فيها. وقيل: المراد بها نفي وجود محرم وقت نزولها. وقيل: هي مخصوصة بغيرها من الأدلة.
لكن الأولى من هذه الأقوال القولين الأخيرين؛ جمعاً بين الأدلة كلها.
ثالثاً: ولأنه إن أريد بالآية الكريمة حصر المحرمات في الأربعة المذكورة، ونفي التحريم عمّا عداها في الشريعة مطلقاً، فإن الأظهر القول بنسخ هذا الحصر بالأحاديث التي جاء فيها ذكر محرمات كثيرة؛ لأن هذه الآية الكريمة نزلت بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة نزلت الشريعة بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها، منها لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (١).
والله أعلم.
стр. 1682
المطلب السادس: قتل الكلاب
نقل بعض أهل العلم الإجماع على قتل الكلب الكلِب (١)، والكلب العقور (٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر بقتل الكلاب قد نسخ؛ لذلك لا يحل قتل الكلاب التي لا تؤذي، ولا ضرر فيها.
وممن صرح بنسخ ذلك: بعض الحنفية، منهم محمد بن الحسن (٣)، وبعض المالكية، منهم ابن عبد البر (٤)، وبعض الشافعية، منهم النووي (٥)، ويدل عليه كلام بعض الحنابلة، منهم ابن قدامة (٦). وقال به كذلك أبو حامد الرازي (٧).
ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة أن سبب الاختلاف في المسألة أمران:
стр. 1683
اختلاف الآثار الواردة فيها، والقول بالنسخ (١).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن جابر بن عبد الله-﵄-يقول: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله. ثم نهي النبي ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٢).
ثانياً: عن ابن المغفل ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟» ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم (٣).
ثالثاً: عن أبي رافع ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقال الناس: يا رسول الله، ما أُحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [سورة المائدة: ٤] (٤).
стр. 1684
وفي رواية عنه ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فاستأذن، فأذن له، فأخذ رداءه فخرج. فقال: «قد أذنّا لك يا رسول الله». قال: أجل يا رسول الله، ولكن لا ندخل بيتاً فيه صورة ولا كلب. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. فأمر أبا رافع أن لا يدع كلباً بالمدينة إلا قتله، فإذا بامرأة في ناحية المدينة لها كلب يحرس عليها، قال: فرحمتها، فأتيت النبي ﷺ فأمرني بقتله، قال: ثم أتاه ناس من الناس فقالوا: ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [سورة المائدة: ٤] (١).
رابعاً: عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: (نهى رسول الله ﷺ أن يُقتل شيء من الدواب صبراً) (٢).
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجوه الآتية:
أولاً: إن بعض هذه الأحاديث صريح في أن النهي عن قتل الكلاب جاء بعد الأمر بقتلها، كحديث جابر، وعبد الله بن المغفل-رضي الله
стр. 1685
عنهما-فثبت من ذلك أن الأمر بقتلها
قد نسخ؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (١).
ثانياً: إن الأمر بقتل الكلاب كان مطلقاً، سواء كان الكلب كلب صيد أو غيره، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٢). كما يدل عليه حديث أبي رافع ﵁ (٣).
ثالثاً: إنه قد ثبت أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، وثبت عنه أنه نهى عن قتل الدواب صبراً كما في حديث جابر ﵁، وهو يشمل الكلب وغيره، فيكون هذا النهي ناسخاً للأمر بقتل الكلاب (٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في قتل الكلاب على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يقتل الكلاب التي لا ضرر فيها.
وهو قول الحنفية (٥)، وابن عبد البر من المالكية (٦)، وإمام الحرمين (٧)،
стр. 1686
من الشافعية (١).
القول الثاني: يقتل الكلاب إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره.
وهو مذهب المالكية (٢).
وروي نحوه عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر-﵃ (٣).
القول الثالث: لا يقتل الكلاب التي لا ضرر فيها، إلا الأسود البهيم، فإنه يقتل.
وهو قول الحنابلة (٤)، والقاضي عياض من المالكية (٥)، والنووي من الشافعية (٦).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بالأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول
стр. 1687
بالنسخ؛ فإنها تدل على النهي عن قتل الكلاب (١).
واعترض عليه: بأنه جاء في بعض الأحاديث مع ذكر النهي عن قتل الكلاب الأمر بقتل الأسود منها، لذلك لا يكون النهي عن قتلها شاملاً له (٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الكلاب تقتل إلا ما استثنى من كلب الصيد وغيره- بما يلي:
أولاً: عن عبد الله بن عمر-﵄: (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب) (٣).
وفي رواية عنه ﵁: (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية.) فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع. فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعاً (٤).
стр. 1688
ثانياً: عن ابن عباس ﵁ قال: أخبرتني ميمونة ﵂ أن رسول الله ﷺ أصيح يوما واجماً، فقالت ميمونة-﵂: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ : «إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أم والله ما أخلفني» قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأُخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: «قد وعدتني أن تلقاني البارحة» قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) (١).
ثالثاً: عن عائشة-﵂-أن جبريل ﵊ واعد النبي ﷺ في ساعة يأتيه فيها، فذهبت الساعة ولم يأته. فخرج النبي ﷺ فإذا جبريل ﵇ على الباب، فقال: «ما منعك أن تدخل البيت؟» قال: «إن في البيت كلباً، وإنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة». فأمر رسول الله ﷺ بالكلب فأخرج، ثم أمر بالكلاب أن تقتل (٢).
стр. 1689
فهذه الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، إلا ما استثنى من كلب الصيد وغيره؛ لذلك تُقتل الكلابُ إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره (١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل على قتل الكلاب إلا أنه جاء أحاديث أخر بعد هذه الأحاديث تدل على نسخ عموم الأمر بقتل الكلاب، والقول بموجبها متعين؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله ﷺ (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أنه لا تقتل الكلاب التي لا ضرر فيها إلا الأسود البهيم فإنه
يقتل- بما يلي:
أولاً: حديث جابر ﵁، وفيه: ثم نهي النبي ﷺ عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (٣).
ثانياً: عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم» (٤).
стр. 1690
ففي هذين الحديثين دلالة على عدم قتل الكلاب إلا الأسود البهيم؛ لذلك لا تقتل غير الأسود البهيم، ويقتل الأسود البهيم؛ لأن الأمر بقتله جاء مقروناً مع النهي عن قتل غيره (١).
الراجح
بعد عرض الأقوال في المسألة وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم الصواب- أن الراجح هو نسخ الأمر بقتل الكلاب إلا الأسود البهيم، فإن الأمر بقتله لم ينسخ؛ لذلك لا تقتل الكلاب التي لا ضرر فيها إلا الأسود البهيم، فإنه يقتل-كما هو القول الثالث-؛ وذلك لما يلي:
أولاً: لأن الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ تدل على أن النهي عن قتل الكلاب جاء من النبي ﷺ بعد الأمر بقتلها، لذلك يكون هذا النهي ناسخاً لذلك الأمر كما سبق بيانه.
ثانياً: إن الكلب الأسود كان يشمله الأمر بقتل الكلاب، فلما جاء النهي عن قتلها لم يشمله هذا النهي، بل جاء معه الأمر بقتله، فهو مستثنى
стр. 1691
من هذا النهي، كما يدل عليه حديث جابر، وعبد الله بن مغفل-﵃. ولم يوجد بعد هذا الأمر ما يدل على النهي عن قتلهوالله أعلم.
стр. 1692
الفصل الثاني الهجرة، والجهاد والسير
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الهجرة.
المبحث الثاني: الجهاد والسير.
стр. 1693
المبحث الأول: الهجرة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الهجرة من مكة إلى المدينة.
المطلب الثاني: تحول من أسلم من داره إلى دار المهاجرين.
المطلب الثالث: الهجرة من دار الكفر.
стр. 1694
المطلب الأول: الهجرة من مكة إلى المدينة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الهجرة (١) من مكة إلى المدينة (٢)، كانت فرضاً على من أسلم من أهلها، وقدر عليها قبل فتح مكة، فلما فتح الله مكة على المسلمين نُسخت الهجرة منها.
وممن صرح بالنسخ: الرافعي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤)، وابن حجر (٥).
ولا خلاف بين أهل العلم في انقطاع الهجرة من مكة إلى المدينة
стр. 1695
بعد فتح مكة (١).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢).
ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (٣).
стр. 1696
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح، فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (١).
رابعاً: عن مجاشع بن مسعود السلمي (٢) ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ أبايعه على الهجرة، فقال: «إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام، والجهاد، والخير» (٣).
ويستدل منها: بأن هذه الآيات المذكورة تدل على وجوب الهجرة إلى المدينة وإلى النبي ﷺ ، لمن قدر عليها. والأحاديث المذكورة بعدها تدل على قطع الهجرة من مكة بعد فتحها.
فيثبت من مجموع هذه الأدلة نسخ الهجرة وقطعها من مكة إلى النبي ﷺ وإلى المدينة، بعد فتح مكة (٤).
والله أعلم.
стр. 1697
المطلب الثاني: تحول من أسلم من داره إلى دار المهاجرين
ذهب بعض أهل العلم إلى أن دعوة من أسلم إلى التحول من داره إلى دار المهاجرين كان أولاً، ثم نسخ ذلك، فإذا أسلم أهل بلد فلا يدعون إلى التحول من دراهم إلى درا المسلمين.
وممن صرح بالنسخ: ابن عبد البر (١)، وأبو حامد الرازي (٢).
ولا خلاف بين أهل العلم في جواز ترك الهجرة والتحول من الدار التي أسلم أهلها إلى دار المسلمين (٣).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا
стр. 1698
أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة (١) الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك. فإنكم أن تخفروا (٢) ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أن تصيب حكم الله فيهم أم لا» (٣).
ثانياً: عن عائشة-﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (٤).
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح، فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية. وإذا
стр. 1699
استنفرتم فانفروا» (١).
رابعاً: عن مجاشع بن مسعود السلمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ أبايعه على الهجرة، فقال: «إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام، والجهاد، والخير» (٢).
ووجه الاستدلال منها: أن حديث بريدة ﵁ يدل على أن من أسلم من المشركين فإنه يدعى إلى أن يتحول من داره إلى دار المسلمين، لكن هذا الحكم كان قبل فتح مكة، فلما فتح الله مكة على المسلمين، بين رسول الله ﷺ أنه لا هجرة بعد فتحها، فيكون حديث عائشة وابن عباس، ومجاشع-﵃-ناسخاً للتحول المذكور في حديث بريدة ﵁؛ لأنها بعده، وقد بين فيها رسول الله ﷺ انقطاع الهجرة بعد فتح مكة (٣).
ولأن الهجرة هي الخروج من بلد الكفار، وإذا فتح بلد وأسلم أهله لم يبق بلداً للكفار، فلا يبقى منه هجرة (٤).
والله أعلم.
стр. 1700
المطلب الثالث: الهجرة من دار الكفر
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الهجرة كانت فرضاً قبل فتح مكة، فلما فتحت مكة نسخ فرض الهجرة وانقطع؛ لذلك لا تجب الهجرة بعد فتح مكة مطلقاً.
نسب ذلك ابن قدامة إلى قوم (١)، ويدل عليه إطلاق الخطابي (٢)، والحازمي (٣)، وأبو حامد الرازي (٤).
ويتبين منه ومما يأتي من الأدلة: أن سبب الاختلاف في المسألة أمران: القول بالنسخ، واختلاف الأدلة الواردة فيها (٥).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂ قالت: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (٦).
стр. 1701
ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح، فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية. وإذا استنفرتم فانفروا» (١).
ثالثاً: عن مجاشع بن مسعود السلمي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ أبايعه على الهجرة، فقال: «إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام، والجهاد، والخير» (٢).
رابعاً: عن صفوان بن أمية (٣) ﵁، قال: قلت: يا رسول الله! إنهم يقولون: إن الجنة لا
يدخلها إلا مهاجر؟! قال: «لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن جهاد ونية، فإذا استنفرتم فانفروا» (٤).
خامساً: عن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (لا هجرة بعد وفاة رسول الله ﷺ (٥).
стр. 1702
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على انقطاع فرض الهجرة بعد فتح مكة؛ لأنها عامة تشمل الهجرة من مكة ومن غيرها من البلاد. وقد كانت الهجرة واجبة قبل فتح مكة، فتكون هذه الأدلة ناسخة لوجوبها؛ لأنها متأخرة عما يدل على وجوب الهجرة (١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث عامة لكنها تقيدها أحاديث أخر تدل على بقاء الهجرة ما قوتل العدو، فيكون المراد بهذه الأحاديث انقطاع الهجرة من مكة بعد فتحها، وكذلك من كل بلد أسلم أهلها، لأنها أصبحت دار إسلام، أما الهجرة من بلد لا يستطيع المسلم فيها إظهار دينه وإقامة فرائضه فإن الهجرة فريضة باقية في حقه غير منقطعة ولا منسوخة (٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في انقطاع وجوب الهجرة من دار الكفر على قولين:
القول الأول: يجب الهجرة على الشخص إذا لم يستطع إظهار دينه، واستطاع الهجرة.
стр. 1703
وهو قول عامة أهل العلم، منهم أصحاب المذاهب الأربعة (١).
القول الثاني: إن الهجرة قد انقطعت بعد فتح مكة، فلا تجب على أحد.
وهو قول بعض أهل العلم (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو وجوب الهجرة على من عجز عن إظهار دينه إذا استطاع الهجرة- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣).
ثانياً: عن معاوية ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع
стр. 1704
الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (١).
ثالثاً: عن ابن السعدي (٢) ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل» فقال معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي ﷺ قال: «إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبةُ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلبٍ بما فيه، وكُفي الناس العمل» (٣).
стр. 1705
وفي رواية عنه ﵁ قال: وفدت إلى رسول الله ﷺ في وفد، كلنا يطلب حاجة، وكنت آخرهم دخولاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني تركت من خلفي، وهم يزعمون أن الهجرة قد انقطعت؟ قال: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار» (١).
رابعاً: عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» قالوا: يا رسول الله لمَ؟ قال: «لا تراءى ناراهما» (٢).
стр. 1706
خامساً: عن خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود، فقتلهم، فوداهم رسول الله ﷺ بنصف الدية، ثم قال: «أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين، لا ترايا ناراهما» (١).
سادساً: عن جنادة بن أبي أمية (٢) ﵁ أن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ قال بعضهم: الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك، قال: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إن أناساً يقولون: إن الهجرة قد انقطعت. فقال رسول الله ﷺ : «إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهادُ» (٣).
стр. 1707
فهذه الأدلة تدل على بقاء الهجرة من دار الكفر ما كان العدو يقاتل، وأنها لم تنقطع، كما تدل على وجوبها على من لم يستطع إظهار دينه، وإقامة واجباته، واستطاع الهجرة (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول القول الثاني-وهو أن الهجرة قد انقطع بعد فتح مكة، فلا تجب على أحد-بالأدلة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ، وقد سبق ما يعترض به على الاستدلال منها.
الراجح
الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو أن الهجرة لم تنقطع، ولم تنسخ، وأنها تجب على المسلم الذي يقيم في دار الحرب إذا استطاع الهجرة، ولم يتمكن من إظهار دينه، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين هذه الأحاديث كلها، وذلك بحمل ما يدل على انقطاع الهجرة، على انقطاعها من مكة، ومن كل بلد أسلم أهلها. وحمل ما يدل على عدم انقطاع الهجرة، على عدم انقطاعها من دار الكفر (٢).
وما دام الجمع بين الأدلة ممكناً لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى
стр. 1708
القول بالنسخ.
ثانياً: ولأن أدلة هذا القول صريحة في بقاء الهجرة وعدم انقطاعها، ولا تحتمل غير ذلك، أما أدلة القول بالنسخ فإنها تحتمل أن يكون المراد بها انقطاع الهجرة من مكة بعد فتحها، وكذلك كل بلد فتح، وأسلم أهلها، كما تحتمل أن يكون المراد بها انقطاعها مطلقاً. ومع تطرق الاحتمال يضعف الاستدلال.
ثالثاً: ولأن حديث جنادة بن أبي أمية ﵁ يدل على أن قول النبي ﷺ : «إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهادُ» قاله النبي ﷺ بعد قوله: «لا هجرة بعد الفتح» لذلك لما اختلف في ذلك بعض الصحابة، وفهموا منه انقطاع الهجرة مطلقاً، سأل أمية رسول الله ﷺ عن ذلك فبين له النبي ﷺ أنها لا تنقطع ما كان الجهاد، ويقاتل العدو.
وبهذا يبطل قول من قال بنسخ الهجرة مطلقاً؛ لأن حديث أمية ﵁ هذا يدل تأخره على ما يخالفه.
والله أعلم.
стр. 1709
المبحث الثاني: الجهاد والسير .
وفيه أربعة عشر مطلباً:
المطلب الأول: الكف عن القتال.
المطلب الثاني: القتال في الأشهر الحرم.
المطلب الثالث: دعوة المشركين قبل قتالهم.
المطلب الرابع: قتل أولاد المشركين ونسائهم.
المطلب الخامس: ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من الكافرين.
المطلب السادس: تحريق العدو وتعذيبه بالنار.
المطلب السابع: الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين.
المطلب الثامن: أخذ السلب من غير بينة.
المطلب التاسع: إعطاء النفل من الغنيمة.
المطلب العاشر: المن بأسرى الكفار ومفادتهم.
المطلب الحادي عشر: مبايعة النساء باليد.
المطلب الثاني عشر: حرق متاع الغال.
المطلب الثالث عشر: الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء منهم مسلماً.
المطلب الرابع عشر: سكنى الكفار بأرض الحجاز.
стр. 1710
المطلب الأول: الكف عن القتال
ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أن جهاد (١) المشركين وقتالهم كان قبل الهجرة ممنوعاً ومنهياً عنه، ثم نسخ الله ذلك فأذن بقتالهم، ثم أوجب ذلك على المسلين (٢).
وممن صرح به: ابن عباس (٣)، وأبو عبيد (٤)، وأبو جعفر النحاس (٥)، والبيهقي (٦)، وابن حزم (٧)، وابن السمعاني (٨)، وابن العربي (٩)، والقرطبي (١٠).
ولا خلاف بين أهل العلم في فرض الجهاد ومقاتلة المشركين إذا
كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
ثامناً: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
تاسعاً: عن ابن عباس-﵄-قال: لما أُخرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم! إنا لله وإنا إليه راجعون! ليهلكن، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ فعرفت أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال (٣).
عاشراً: عن ابن عباس-﵄-أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحاباً له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلة! فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا». فلما حولنا الله إلى المدينة، أمرنا بالقتال، فكفُّوا، فأنزل الله
стр. 1714
عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة النساء: ٧٧] (١).
حادي عشر: عن أسامة بن زيد (٢) ﵄-أن رسول الله ﷺ ركب على حمار، على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرَّ بمجلس فيه عبد الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد لله بن أبيّ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلسَ عجاجةُ (٣) الدابة خمر عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول. إن كان حقاً فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص
стр. 1715
عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون (١)، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ : «أيا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ -يريد عبد الله بن أبيّ- قال كذا وكذا» قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة (٢) على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة (٣)، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق (٤) بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ
стр. 1716
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية (١). وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية (٢)، وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدراً فقتل الله به صناديد (٣) كفار قريش، قال أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن مجموع هذه الأدلة تدل على أن قتال الكفار لم يكن مشروعاً قبل الهجرة، بل كان الأمر بالكف، والصفح والإعراض عن المشركين والكافرين. ثم أذن الله بقتالهم من دون إيجاب، ثم أمر بقتالهم جميعاً وأوجب ذلك. فثبت منها نسخ الكف عن قتالهم،
стр. 1717
وكذلك الإذن غير الموجب لقتالهم، ووجب قتالهم جميعاً (١).
هذا وقد ذهب بعض أهل ا لعلم إلى أن آية الكف عن القتال وكذلك الآيات التي فيها الأمر بالصبر والصفح والإعراض عن المشركين ليس نسخها نسخاً مطلقاً بمعنى رفع الحكم جملة وبالكلية، وعدم جواز العمل بها في أي وقت، بل إن حصل للمسلمين حالة ضعف في وقت أو في بلدة فلهم أن يعملوا بموجب تلك الآيات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول ﷺ وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما
стр. 1718
أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (١).
والله أعلم.
стр. 1719
المطلب الثاني: القتال في الأشهر الحرم
لا خلاف بين أهل العلم في جواز القتال في الأشهر الحرم- وهي: ذو القعدة، وذوا الحجة، والمحرم، ورجب-إذا بدأ العدو (١).
واختلفوا في ابتداء القتال فيها، فذهب جمهور أهل العلم، إلى أن القتال في الأشهر الحرم كان منهياً عنه وغير جائز، ثم نُسخ ذلك وصار القتال فيها جائزاً.
وهو مذهب الأئمة الأربعة (٢)، وقال به كذلك: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وقتادة، والأوزاعي (٣)، وابن جرير
стр. 1720
الطبري (١)، والجصاص (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو جعفر النحاس (٤)، والسرخسي (٥)، والحازمي (٦)، وابن الجوزي (٧)، وأبو حامد الرازي (٨).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف
الأدلة الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٩).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (١٠).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا