← Фикх общий

Фикх общий · id 787

الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء

محمد إبراهيم بن سركند

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية (١). وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخر الآية (٢)، وكان النبي ﷺ يتأول العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدراً فقتل الله به صناديد (٣) كفار قريش، قال أبيّ بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا (٤). ويستدل منها على النسخ: بأن مجموع هذه الأدلة تدل على أن قتال الكفار لم يكن مشروعاً قبل الهجرة، بل كان الأمر بالكف، والصفح والإعراض عن المشركين والكافرين. ثم أذن الله بقتالهم من دون إيجاب، ثم أمر بقتالهم جميعاً وأوجب ذلك. فثبت منها نسخ الكف عن قتالهم،

стр. 1717

وكذلك الإذن غير الموجب لقتالهم، ووجب قتالهم جميعاً (١). هذا وقد ذهب بعض أهل ا لعلم إلى أن آية الكف عن القتال وكذلك الآيات التي فيها الأمر بالصبر والصفح والإعراض عن المشركين ليس نسخها نسخاً مطلقاً بمعنى رفع الحكم جملة وبالكلية، وعدم جواز العمل بها في أي وقت، بل إن حصل للمسلمين حالة ضعف في وقت أو في بلدة فلهم أن يعملوا بموجب تلك الآيات. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول ﷺ وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما

стр. 1718

أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (١). والله أعلم.

стр. 1719

المطلب الثاني: القتال في الأشهر الحرم لا خلاف بين أهل العلم في جواز القتال في الأشهر الحرم- وهي: ذو القعدة، وذوا الحجة، والمحرم، ورجب-إذا بدأ العدو (١). واختلفوا في ابتداء القتال فيها، فذهب جمهور أهل العلم، إلى أن القتال في الأشهر الحرم كان منهياً عنه وغير جائز، ثم نُسخ ذلك وصار القتال فيها جائزاً. وهو مذهب الأئمة الأربعة (٢)، وقال به كذلك: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وقتادة، والأوزاعي (٣)، وابن جرير

стр. 1720

الطبري (١)، والجصاص (٢)، والبيهقي (٣)، وأبو جعفر النحاس (٤)، والسرخسي (٥)، والحازمي (٦)، وابن الجوزي (٧)، وأبو حامد الرازي (٨). وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأدلة الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٩). ويستدل للقول بالنسخ بما يلي: أولاً: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (١٠). ثانياً: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا

стр. 1721

الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). ثالثاً: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). رابعاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣). خامساً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنيناً، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصُفّت الخيل، ثم صُفَّت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مُجَنَّبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوى خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس. قال: فنادى رسول الله ﷺ : «يالَ المهاجرين! يالَ المهاجرين!»، ثم قال: «يالَ الأنصار!

стр. 1722

يالَ الأنصار!». قال: قال أنس: هذا حديث عِمِّيَّة (١)، قال: قلنا لبيك يا رسول الله! قال: فتقدم رسول الله ﷺ . قال: فايم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة. ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا. قال فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل (٢). سادساً: عن أبي موسى ﵁ قال: لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر (٣)، على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة (٤)، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه، الحديث (٥).

стр. 1723

سابعاً: ما روي أن النبي ﷺ غزا خيبر في شهر المحرم سنة سبع (١). ثامناً: إن النبي ﷺ بايع أصحابه عند الشجرة بيعة الرضوان على القتال، وأن لا يفروا، وكانت ذلك في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف (٢). تاسعاً: عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (وقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي في الشهر الحرام ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم، فكان القتال محظوراً حتى نسخته آية السيف في براءة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣). فأبيحوا القتال في الأشهر الحرم وفي غيرها (٤). عاشراً: عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ بعث سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي (٥)، فانطلقوا حتى

стр. 1724

هبطوا نخلة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي (١)، في عير تجارة لقريش، فذكر الحديث في قتل ابن الحضرمي، ونزول قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] قال: فبلغنا أن النبي ﷺ عقل ابن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: ١] (٢). حادي عشر: عن الزهري قال: (كان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد) (٣). ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجوه الآتية: أولاً: إن الآية الأولى تدل على تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام، وكان نزول هذه الآية في السنة الثانية من الهجرة، ثم أمر الله بقتال المشركين عامة دون استثناء شهر من غيره، في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ

стр. 1725

وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١). ففي هذه الآية أمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، ولم يستثن شهراً حراماً من غيره، ولم يجعل حرمة إلا لزمن التسيير-الأشهر الأربعة- في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (٢). وهذا هو المراد بالأشهر الحرم في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٣). فتكون هذه الآية ناسخة للنهي عن قتال المشركين في الشهر الحرام (٤). ويؤكد صحة ذلك: أ- ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (وقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي في الشهر الحرام ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم، فكان القتال محظوراً حتى نسخته آية

стр. 1726

السيف في براءة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١). فأبيحوا القتال في الأشهر الحرم وفي غيرها (٢). وروي عن علي ﵁ نحوه (٣). ب- ما روي عن عروة قوله: فبلغنا أن النبي ﷺ عقل ابن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة التوبة: ١] (٤). كما أن عموم قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥). -وغيره من الآيات- يدل على جواز قتال المشركين في كل الشهور. فتكون هذه الآيات ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام (٦).

стр. 1727

واعترض عليه: بأن هذه الآيات عامة في الأزمنة، والآية التي تدل على تحريم القتال في الشهر الحرام خاص، والعام لا ينسخ الخاص (١). وقد يجاب: بأن نزول العام بعد الحكم الخاص لا يصلح ناسخاً له؛ لإمكان الجمع بينهما، بحمل العام على ما عداء محل الخصوص. إلا أن هذه العمومات لما عمل النبي ﷺ بعمومها بعد نزولها على خلاف مقتضى الخاص فإنه يصلح كونه ناسخاً له، لا بمجرد كونه عاماً بل بما اقترن معه من عمل النبي ﷺ على خلاف الحكم الخاص. ويدل على أن النبي ﷺ عمل على خلاف هذا الحكم الخاص ما روي عن ابن عباس-﵄-وعروة، والزهري. وقد سبق ذكرها. ثانياً: -من وجوه النسخ- أن قوله تعالى في سورة براءة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٢). ناسخ للنهي عن القتال في الشهر الحرام؛ لأن معناه: لا تظلموا فيهن أنفسكم بالامتناع من قتال المشركين ليجترؤوا عليكم، بل قاتلوهم

стр. 1728

كافة في أشهر الحرم، وفي غيرهن. وهذه الآية بعد آية النهي عن القتال في الشهر الحرام، فتكون ناسخة لها (١). ثالثاً: -من وجوه النسخ- أن رسول الله ﷺ غزا هوازن بحنين، وثقيفاً بالطائف، وأرسل أبا عامر ﷺ إلى أوطاس بعد حنين لحرب من بها من المشركين، في بعض الأشهر الحرم؛ حيث إنه ﷺ خرج إلى حنين في شوال، ففتح الله عليه، ثم ذهب منها إلى الطائف فحاصرها بضعاً وعشرين ليلة، وقيل أربعين ليلة كما في رواية أنس ﵁، ولا شك أن بعض ذلك كان في ذي القعدة بلا شك. ولو كان القتال في الشهر الحرام حراماً لكان ﷺ أبعد الناس عنه. وكذلك غزو النبي ﷺ خيبر كان في بعض شهر المحرم. كما أن بيعة الرضوان على قتال قريش كانت في أول ذي القعدة، بلا خلاف بين أهل السير. فلو كان القتال حراماً في الشهر الحرام لما بايع الرسول ﷺ أصحابه على قتالهم. فثبت من كل هذا أن القتال في الشهر الحرام جائز، وأن النهي عنه قد نسخ؛ لأن النهي عنه كان في السنة الثانية، وهذه الغزوات غزاها النبي ﷺ بعد ذلك، فلو لم يكن النهي عنه منسوخاً لما غزا النبي ﷺ هذه الغزوات في بعض الأشهر الحرم (٢).

стр. 1729

ويؤكد ذلك ما سبق من قول الزهري-وفي معناه قول عروة-: كان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل بعد (١). واعترض عليه: بأن خروج النبي ﷺ لغزو خيبر كان في أواخر المحرم لا في أوله، وفتحها إنما كان في صفر. أما بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة، فإنما بايع النبي ﷺ أصحابه على ذلك لما بلغه أن المشركين قتلوا عثمان ﵁ وأنهم يريدون قتاله، ولم يكن البيعة على ابتداء القتال الذي هو محل الخلاف. أما حصار النبي ﷺ الطائف فبعضه كان في ذي القعدة، لكن غزو الطائف كان من تمام غزوة هوازن وهم بدؤوا رسول الله ﷺ بالقتال، فلما انهزموا دخل بعضهم مع ثقيف في حصن الطائف محاربين رسول الله ﷺ . كما أن غزوة أوطاس في ذي القعدة كانت من تمام الغزوة التي بدء فيها المشركون بالقتال، وهي غزوة حنين، ولم يكن ابتداء منه ﷺ لقتالهم في الشهر الحرام (٢). وقد يجاب عن هذا بما يلي: أ-بأن ما ذكر احتمالات (٣).

стр. 1730

ب-أن أهل العلم اختلفوا في تاريخ غزوة خيبر، فقيل: كانت في آخر السنة السادسة بعد الحديبية، وعلى هذا فتكون هي في شهر ذي الحجة (١). وقيل: خرج النبي ﷺ إليها في المحرم، وحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر (٢). وعلى كلا القولين فإن ابتداء القتال يكون في شهر حرام إما ذي الحجة أو محرم (٣). ج-أن الأدلة التي تدل على حرمة القتال في الأشهر الحرم لا تفرق بين ابتداء القتال فيها، وبين ملاحقة المشركين وقتالهم بعد تفرقهم في البلاد، لإتمام الغزوة التي ابتدؤوها (٤). د-أن المشركين لما انهزموا في حنين، وتفرقوا في البلاد، فملاحقتهم وقتالهم حتى يقتلوا أو أن يسلموا لم يكن واجباً، بدليل أن النبي ﷺ حاصر

стр. 1731

الطائف مدة، وبعض ذلك كان في ذي القعدة، ثم ارتحل عنها قبل أن يفتحها (١)، فلو كان ملاحقتهم وقتالهم واجباً حتى يقتلوا أو يسلموا لما تركهم النبي ﷺ بعد الحصار الطويل. فكيف يرتكب المحظور-وهو القتال في الشهر الحرام على القول بعدم نسخه- لأجل أمر لم يكن واجباً؟. رابعاً: -من وجوه النسخ- أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (٢). لا يدل على حظر قتال المشركين في الشهر الحرام، بل يدل على جوازه، فهو ناسخ للنهي عن قتال المشركين (٣)؛ وذلك أنه نزل حين قتل بعض المسلمين بعض المشركين في الشهر الحرام، فأنكر ذلك رسول الله ﷺ ، وعير المشركون المسلمين بذلك، فأنزل الله هذه الآية وبين فيها أن ما يفعله المشركون وما هم عليه أكبر من قتلهم في الشهر الحرام، فأباح بذلك قلتهم في الشهر الحرام. ويدل على هذا ما رواه الزهري وغيره عن عروة قال: (بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه بثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من

стр. 1732

الأنصار أحد، وكتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره، ولا يستكره من أصحابه أحداً. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين، من بني عبد شمس: أبو حذيفة بن ربيعة (١)، ومن بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم: عبد الله بن جحش بن رياب، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة، ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان (٢)، حليف لهم، ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص. ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، وواقد بن عبد الله (٣) بن مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع

стр. 1733

ابن حنظلة، وخالد بن البكير (١)، أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحرث بن فهر: سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب ونظر فيه، فإذا فيه: «إذا نظرت إلى كتابي هذا، فسر حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا من أخبارهم» فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة فأرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ ، فمضى ومضى أصحابه معه، فلم يتخلف عنه أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيباً وأُدماً، وتجارة من تجارة قريش، فيها منهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة (٢)، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة (٣)، المخزوميان،

стр. 1734

والحكم بن كيسان (١)، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريباً منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد كان حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمّار، فلا بأس علينا منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من جمادى، فقال القوم: لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة. وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله بن جحش قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمتم الخمس، وذلك قبل أن يفرض الخمس من الغنائم. فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها على أصحابه، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك سُقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا، وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا به، وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه

стр. 1735

الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا. وقالت يهود تتفاءل بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو: عمرت الحرب، و الحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب. فجعل الله عليهم ذلك، وبهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله جل وعز على رسوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي عن قتال فيه، ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم عنه، إذا أنتم أهله وولاته، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين) (١).

стр. 1736

فهذا يدل على أن حظر قتال المشركين في الشهر الحرام والذي يدل عليه الحديث قد نسخ بهذه الآية؛ حيث إن رسول الله ﷺ بعد نزولها قبض العير والأسيرين، فدل ذلك على جواز ما فعله هؤلاء الرهط، ونسخ النهي عن قتال المشركين في الشهر الحرام (١). واعترض عليه: بأن هذا الفهم من الآية وهو جواز قتال المشركين في الشهر الحرام، مخالف لفهم جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم؛ حيث إنهم فهموا منها النهي عن القتال في الشهر الحرام (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وفي المسألة قول ثان، وهو: عدم جواز ابتداء القتال في الشهر الحرام، وأنه غير منسوخ. وهو قول بعض أهل العلم، منهم عطاء بن أبي رباح، واختاره ابن القيم (٣). ويستدل له بما يلي:

стр. 1737

أولاً: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (١). ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ (٢). ثالثاً: عن جابر ﵁ قال: (لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى-أو يغزو-فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ) (٣). فهذه الأدلة تدل على تحريم القتال في الشهر الحرام، وأن النبي ﷺ لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى. وسورة المائدة من آخر ما نزلت، فدل ذلك على أن تحريم القتال في الشهر الحرام باق، ولم ينسخ (٤). واعترض عليه: بأن هذه الأدلة تدل على النهي عن القتال في الشهر الحرام، لكن الأدلة التي يستدل منها على النسخ معها ما يدل على تأخرها على هذه الأدلة فتكون هذه الأدلة منسوخة بها كما سبق بيانه. وسورة المائدة وإن كانت من أواخر ما نزل، فسورة التوبة كذلك

стр. 1738

من أواخر ما نزل (١)، ويدل على تأخر ما يدل على نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام على ما يدل على جوازه، أن قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢). يدل على عدم التعرض لمن يريد البيت وإن كان غير مسلم (٣)، ثم جاء النهي عن أن يحج البيت مشرك في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤).

стр. 1739

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين، بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا عليّ يوم النحر في أهل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٢). فهذا يدل على أن الآية التي تدل على جواز قتال المشركين في جميع الشهور متأخر على آية المائدة التي تدل على عدم جواز القتال في الشهر الحرام (٣). الراجح بعد سرد القولين في المسألة، وما يستدل به لكل قول، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي:

стр. 1740

أولاً: لأن أدلة هذا القول بمجموعها تصلح للاحتجاج بها على نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام. ثانياً: ولأن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة (١). وهو وإن كان محل نظر؛ لما سبق من الاختلاف في المسألة، إلا أنه يؤيد القول بالنسخ؛ لأنه كالممتنع أن يذهب أهل العلم كافة- إلا واحد أو اثنان- إلى القول بالنسخ، ولا يكون لقولهم مستند يدل عليه. قال أبو عبيد: (والناس اليوم بالثغور جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها حلالها وحرامها، لا فرق في ذلك عندهم، ثم لم أر أحد من علماء الشام والعراق ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز) (٢). والله أعلم.

стр. 1741

المطلب الثالث: دعوة المشركين قبل قتالهم ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر بدعوة المشركين إلى الإسلام قبل قتالهم قد نسخ؛ لذلك يباح قتالهم قبل دعوتهم إلى الإسلام إذا كانوا قد بلغتهم الدعوة. وممن صرح بالنسخ: أبو عوانة (١)، والحازمي (٢)، والرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤). ونسبه ابن رشد، والحازمي إلى جمهور أهل العلم (٥). ويتبين منه، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب اختلاف أهل العلم في المسألة أمران: القول بالنسخ، واختلاف الأدلة الواردة فيها (٦). ويستدل للقول بالنسخ، بما يلي: أولاً: عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث

стр. 1742

خصال (أو خلال) فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» الحديث (١). ثانياً: عن ابن عباس-﵄-قال: (ما قاتل رسول الله ﷺ قوماً قط إلا دعاهم) (٢). ثالثاً: عن ابن عون (٣)، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال. قال: فكتب إليّ: (إنما كان ذلك في أول الإسلام. قد أغار رسول

стр. 1743

الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارُّون (١). وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث، وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش) (٢). رابعاً: عن البراء بن عازب-﵄-قال: (بعث رسول الله ﷺ رهطاً من الأنصار إلى أبي رافع (٣)، فدخل عليه عبد الله بن عتيك (٤) بيته ليلاً، فقتله وهو نائم) (٥).

стр. 1744

خامساً: عن الصعب بن جثامة (١) ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيُصيبون من نسائهم وذراريِّهم؟ فقال: «هم منهم» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث بريدة، وابن عباس-﵃ يدلان على وجوب دعوة العدو من المشركين إلى الإسلام قبل القتال. وحديث نافع عن ابن عمر، وكذلك حديث البراء، والصعب بن جثامة-﵃ تدل على جواز قتال العدو قبل الدعوة إلى الإسلام. وقد بين نافع أن الدعوة إلى الإسلام قبل القتال كان في أول الإسلام. فتكون هذه الأحاديث-حديث ابن عمر، والبراء، والصعب بن جثامة-﵃-ناسخة لما يدل عليه حديث بريدة وابن عباس-﵃ من وجوب دعوة العدو قبل القتال إلى الإسلام؛ لأن معها ما يدل على تأخرها على ذلك، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر

стр. 1745

رسول الله ﷺ (١). واعترض عليه: بأنه إن أريد بحديث بريدة ﵁ وما في معناه، وجوب الدعوة مطلقاً، فيكون ذلك منسوخاً، كما سبق بيانه في وجه الاستلال على النسخ. لكن يمكن أن يكون تلك الأحاديث في حق من لم تبلغه الدعوة، وعليه فلا يصار إلى القول بالنسخ؛ لأنه إنما يصار إليه عند عدم إمكان الجمع بين الأدلة المختلفة، وفي هذه المسألة يمكن الجمع بين الأحاديث الواردة فيها؛ وذلك بحمل ما يدل على الدعوة لمن لم تبلغهم الدعوة. وحمل ما يدل على ترك الدعوة، لمن بلغته (٢). هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله. وقد اختلف أهل العلم في دعوة المشركين قبل قتالهم على قولين: القول الأول: إن من لم تبلغهم دعوة الإسلام فإنه يجب دعوتهم قبل القتال، ومن بلغتهم الدعوة فيباح قتالهم بلا تكرار الدعوة لكن تستحب دعوتهم قبل بدء القتال. وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول

стр. 1746

عند المالكية (١). القول الثاني: يجب الدعوة قبل القتال، سواء بلغتهم الدعوة أم لا. وهو قول آخر عند المالكية، قيل هو المشهور (٢). الأدلة ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي: أولاً: حديث بريدة، وابن عباس-﵃، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. ثانياً: حديث ابن عمر، والبراء بن عازب، والصعب بن جثامة-﵃. وقد سبق ذكرها كذلك في دليل القول بالنسخ. ثالثاً: عن سهل بن سعد ﵁ سمع النبي ﷺ يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه» فقاموا يرجون لذلك أيهم يُعطى. فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى. فقال: «أين علي؟»، فقيل: يشتكي عينيه. فأمر به فدُعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء. فقال: نقاتلهم حتى يكون مثلنا؟ فقال: «على رِسْلِك (٣) حتى تنزل بساحتهم

стр. 1747

ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يُهدي بك رجلٌ واحد خير لك من حمر النعم» (١). رابعاً: عن أنس ﵁ يقول: (كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوماً لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعد ما يصبح، فنزلنا خيبر ليلاً) (٢). ووجه الاستدلال من هذه الأدلة هو: أن حديث بريدة، وابن عباس، وسهل بن سعد-﵃-تدل على أن العدو من المشركين يدعون قبل أن يقاتلوا. وحديث ابن عمر، والبراء بن عازب، والصعب بن جثامة، وأنس-﵃-تدل على جواز قتال المشركين قبل الدعوة. فيجمع بينها بحمل ما يدل على وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تبلغهم الدعوة. وحمل ما يدل على جواز القتال قبل الدعوة لمن بلغتهم الدعوة (٣).

стр. 1748

دليل القول الثاني ويستدل للقول الثاني- وهو وجوب الدعوة قبل القتال مطلقاً- بما يلي: أولاً: حديث بريدة وابن عباس-﵄، وقد سبق ذكرهما في دليل القول بالنسخ. ثانياً: قول النبي ﷺ لعلي ﵁: «على رِسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يُهدي بك رجلٌ واحد خير لك من حمر النعم» (١). ووجه الاستدلال منها: أن حديث بريدة وابن عباس-﵃ يدلان على وجوب الدعوة قبل القتال، من غير تفريق بين من بلغته الدعوة، وبين من لم تبلغه. وفي حديث سهل بن سعد أمر رسول الله ﷺ علياً ﵁ بالدعوة قبل القتال، ويهود خيبر كان قد بلغتهم الدعوة قبل ذلك. فيثبت من مجموعها وجوب الدعوة مطلقاً (٢). واعترض عليه: أ-بأن الأمر بالدعوة في هذه الأحاديث إن كان للوجوب فيكون

стр. 1749

منسوخاً بالأحاديث التي تدل على جواز القتال قبل الدعوة؛ لأنها متأخرة عنها، كما سبق بيانه (١). ب- إن هذه الأحاديث فيها الأمر بالدعوة قبل القتال، فلعله في حق من لم تبلغه الدعوة، فإن كانت في حق من بلغته الدعوة فيكون للاستحباب، بدليل الأحاديث التي تدل على جواز القتال قبل الدعوة، كما سبق بيانه (٢). الراجح بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي: أولاً: إن الراجح هو القول الأول؛ لأن هذا القول يمكن به الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث المختلفة فهو متعين (٣). ثانياً: إن الأحاديث التي جاء فيها الأمر بالدعوة قبل القتال إن حملت على العموم- أي سواء من بلغته الدعوة ومن لم تبلغه-، وأريد بالأمر الوارد فيها الوجوب، فتكون ذلك منسوخاً؛ لتأخر الأحاديث التي تدل على جواز قتال المشركين الذين بلغتهم الدعوة قبل القتال، كما سبق بيانه. والله أعلم.

стр. 1750

المطلب الرابع: قتل أولاد المشركين ونسائهم ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً، وأن ما يدل على جواز قتلهم قد نسخ. وممن قال به: الزهري (١)، وسفيان بن عيينة (٢)، وابن حبان (٣)، وأبو حامد الرازي (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً، وأن ما يدل على عدم جواز قتلهم قد نسخ (٥). وتبين مما سبق أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، كما أن اختلاف الأدلة الواردة فيها سبب آخر لاختلافهم فيها (٦).

стр. 1751

ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً، بما يلي: أولاً: عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيُصيبون من نسائهم وذراريِّهم؟ فقال: «هم منهم» (١). ثانياً: عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم» الحديث (٢). ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-قال: وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ : (فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان) (٣).

стр. 1752

رابعاً: عن رباح بن ربيع (١) ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: «انظر علامَ اجتمع هؤلاء؟»، فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال: «ما كانت هذه لتقاتل!». قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: «قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً (٢) (٣). خامساً: عن الأسود بن سريع (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث سرية

стр. 1753

يوم حنين، فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ : «ما حملكم على قتل الذرية؟» قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال: «أو هل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها» (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فظفرنا بالمشركين، فأسرع الناس في القتل حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية ثلاثاً» (٢). ويستدل منها على النسخ: بأن حديث الصعب بن جثامة ﵁ يدل على إباحة قتل أولاد المشركين ونسائهم، وكان ذلك في عمرة النبي ﷺ ،

стр. 1754

والأحاديث المذكورة بعد حديث الصعب ﵁ تدل على تحريم قتل أولاد المشركين ونسائهم، وهي متأخرة عنه، يدل على ذلك ما جاء في حديث الأسود بن سريع ﵁ (بعث سرية يوم حنين)، وحنين كان بعد فتح مكة. كما يدل عليه ما جاء في حديث رباح بن الربيع ﵁: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: «قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً». فإن أول مشاهد خالد مع النبي ﷺ كان في غزوة الفتح، ثم الحنين بعدها. فتكون أحاديث النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم، ناسخة لحديث الصعب بن جثامة ﵁ والذي يدل على إباحة قتل نساء المشركين وذراريهم؛ لتأخرها عليه (١). واعترض عليه: بأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث؛ لأن حديث الصعب بن جثامة ﵁ لا يدل على إباحة قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً، بل يدل على أنه إذا لم يمكن الوصول إلى الأباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم فلا بأس بقتلهم ذلك (٢). أما أحاديث النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم، فهي تدل على النهي عن قتلهم إذا قصدوا بالقتل، وهم يعرفون متميزين (٣).

стр. 1755

وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث تعذر ادعاء النسخ (١). ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم، بما يلي: أولاً: عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم» الحديث (٢). ثانياً: عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيُصيبون من نسائهم وذراريِّهم؟ فقال: «هم منهم» (٣). وفي رواية عنه ﵁ قال: وسألته عن أولاد المشركين فقال: (اقتلهم معهم» (٤). ويستدل منهما على النسخ: بأن حديث بريدة ﵁ فيه النهي عن
следующие страницы →