ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً، بما يلي:
أولاً: عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيُصيبون من نسائهم وذراريِّهم؟ فقال: «هم منهم» (١).
ثانياً: عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم» الحديث (٢).
ثالثاً: عن ابن عمر-﵄-قال: وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ : (فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان) (٣).
стр. 1752
رابعاً: عن رباح بن ربيع (١) ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: «انظر علامَ اجتمع هؤلاء؟»، فجاء فقال: على امرأة قتيل. فقال: «ما كانت هذه لتقاتل!». قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: «قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً (٢)(٣).
خامساً: عن الأسود بن سريع (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث سرية
стр. 1753
يوم حنين، فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ : «ما حملكم على
قتل الذرية؟» قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال: «أو هل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها» (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فظفرنا بالمشركين، فأسرع الناس في القتل حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية ثلاثاً» (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث الصعب بن جثامة ﵁ يدل على إباحة قتل أولاد المشركين ونسائهم، وكان ذلك في عمرة النبي ﷺ ،
стр. 1754
والأحاديث المذكورة بعد حديث الصعب ﵁ تدل على تحريم قتل أولاد المشركين ونسائهم، وهي متأخرة عنه، يدل على ذلك ما جاء في حديث الأسود بن سريع ﵁ (بعث سرية يوم حنين)، وحنين كان بعد فتح مكة. كما يدل عليه ما جاء في حديث رباح بن الربيع ﵁: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلاً فقال: «قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفاً». فإن أول مشاهد خالد مع النبي ﷺ كان في غزوة الفتح، ثم الحنين بعدها. فتكون أحاديث النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم، ناسخة لحديث الصعب بن جثامة ﵁ والذي يدل على إباحة قتل نساء المشركين وذراريهم؛ لتأخرها عليه (١).
واعترض عليه: بأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث؛ لأن حديث الصعب بن جثامة ﵁
لا يدل على إباحة قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً، بل يدل على أنه إذا لم يمكن الوصول إلى الأباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم فلا بأس بقتلهم ذلك (٢).
أما أحاديث النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم، فهي تدل على النهي عن قتلهم إذا قصدوا بالقتل، وهم يعرفون متميزين (٣).
стр. 1755
وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث تعذر ادعاء النسخ (١).
ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم، بما يلي:
أولاً: عن بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرِيَّة، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغزوا باسم الله. قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكُفّ عنهم» الحديث (٢).
ثانياً: عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيُصيبون من نسائهم وذراريِّهم؟ فقال: «هم منهم» (٣).
وفي رواية عنه ﵁ قال: وسألته عن أولاد المشركين فقال: (اقتلهم معهم» (٤).
ويستدل منهما على النسخ: بأن حديث بريدة ﵁ فيه النهي عن
стр. 1756
قتل ولدان المشركين، لكنه كان في أول الأمر، وقصة حديثه تدل على ذلك. وحديث الصعب بن جثامة ﵁ يدل على إباحة قتل أولاد المشركين ونسائهم، وهو متأخر عن حديث بريدة ﵁؛ لأنه كان في عمرة القضية؛ لذلك يكون حديث الصعب ﵁ ناسخاً لما يدل عليه حديث بريدة ﵁ من
النهي عن قتل ذراري المشركين (١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- بأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث؛ وذلك بحمل حديث الصعب بن جثامة ﵁ على إباحة قتل أولاد المشركين ونسائهم إذا لم يمكن الوصول إلى الأباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم فلا بأس بقتلهم ذلك. وحمل أحاديث النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم على النهي عن قتلهم إذا قصدوا بالقتل، وهم يعرفون متميزين. وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى القول بالنسخ (٢).
ب- إن حديث الصعب ﵁ إن سُلّم أنه بعد حديث بريدة ﵁، فلا يُسلّم أنه بعد كل الأحاديث التي تدل على النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم؛ لأن حديث الأسود بن سريع، ورباح بن الربيع-﵄ فيهما النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم، وكان ذلك في
стр. 1757
غزوة حنين، كما سبق بيانه، وغزوة حنين بعد عمرة القضية بلا شك (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في قتل أولاد المشركين ونسائهم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز قتل نساء المشركين وأولادهم إن لم يقاتلوا، لكن إن أصيبوا من غير قصد إلى قتلهم في البيات أو في اختلاطهم مع من يجوز قتلهم فلا حرج في ذلك.
وهو قول جمهور أهل العلم (٢)، منهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، و الحنابلة (٦).
стр. 1758
القول الثاني: لا يجوز قتال أولاد المشركين ونسائهم بحال.
وهو قول بعض أهل العلم (١).
القول الثالث: يجوز قتالهم مطلقاً.
وهو قول طائفة من أهل العلم (٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم قصداً إلا أن يقاتلوا- بأدلة منها ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٣). فإنه عام يشمل قتال جميع من يقاتل المسلمين، رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً (٤).
ثانياً: حديث الصعب بن جثامة ﵁، وقد سبق ذكره في دليل القول بالنسخ.
ثالثاً: حديث بريدة، وابن عمر، ورباح بن الربيع، والأسود بن سريع-﵃، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها قد
стр. 1759
جاء فيها النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم.
رابعاً: عن كعب بن مالك ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل الولدان والنسوان) (١).
خامساً: عن ابن عباس-﵄-قال: سألت رسول الله ﷺ قلت: خيل من المسلمين وقعت على قوم من المشركين، فقتلوهم، وقتلوا أبناءهم، فقال رسول الله ﷺ : «هم مع آبائهم» (٢).
سادساً: ما روي عن نافع: (قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارُّون. وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية ابنة الحارث، وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش) (٣).
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث غير حديث الصعب بن جثامة، وابن عباس، ونافع عن ابن عمر-﵃ تدل على عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم. والآية الكريمة تدل على قتال من قاتل من الكفار، وهي بعمومها تشمل النساء والأولاد، كما يدل
стр. 1760
حديث رباح بن الربيع ﵁ بمفهومه على أنهم إن قاتلوا فيجوز قتلهم.
وحديث الصعب بن جثامة، وابن عباس، ونافع عن ابن عمر-﵃ تدل على أنهم إن قتلوا من غير قصد وتعمد فلا بأس بذلك.
فيستفاد من مجموع هذه الأدلة عدم جواز قتل نساء المشركين وأولادهم إن لم يقاتلوا، لكن إن أصيبوا من غير قصد وتعمد إلى قتلهم في البيات أو في اختلاطهم مع من يجوز قتلهم فلا حرج في ذلك. وبه يجمع بين هذه الأدلة كلها، ويعمل بمقتضى جميعها (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم بحال- بأدلة منها: حديث بريدة، وابن عمر، ورباح بن الربيع، والأسود بن سريع، وكعب بن مالك-﵃، وقد سبق ذكرها في دليل القول الأول؛ فإنها تدل على عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم بأي حال (٢).
واعترض عليه بما يلي:
стр. 1761
أ-إن هذه الأحاديث تدل بلا شك على عدم جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم، لكن إذا لم يقاتلوا، وتُعمد قتلهم، أما لو قتلوا من غير تعمد أو قاتلوا فيجوز قتلهم؛ للآية الكريمة، ولحديث الصعب بن جثامة ﵁ وما في معناه (١).
ب-إن تلك الأحاديث تدل على النهي عن قتل أولاد المشركين ونسائهم، لكن النهي لا يتوجه إلا إلى القاصد؛ لأن الفاعل لا يستحق اسم الفعل حقيقة إلا بالقصد والنية والإرادة؛ لذلك لا يصح الاستدلال منها على تحريم قتل من قتلوا من أولاد المشركين ونسائهم من غير قصد وإرادة لقتلهم (٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو جواز قتل أولاد المشركين ونسائهم مطلقاً- بحديث الصعب بن جثامة ﵁ (٣)، وقد سبق وجه الاستدلال منه، وما يرد به عليه في القول بالنسخ.
الراجح
بعد عرض الأقوال في المسالة وأدلتها، يظهر لي- والله أعلم
стр. 1762
بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن هذا القول يمكن به الجمع بين جميع الأدلة الواردة في المسالة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة لا يصار إلى ترك بعضها، ولا يصح فيها ادعاء النسخ (١).
ثانياً: إنه لم يوجد رخصة في قتل نساء المشركين وأولادهم، حتى تكون أحاديث النهي ناسخة لها، أو تكون هي منسوخة بها. وحديث الصعب بن جثامة ﵁ لا يدل على إباحة قتلهم، بل على أنهم إن قتلوا من غير تعمد وقصد فلا جناح في ذلك (٢).
والله أعلم.
стр. 1763
المطلب الخامس: ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من الكافرين
ذهب غير واحد من أهل العلم إلى أنه كان يجب على الواحد من المسلمين الثبات للعشرة من الكافرين في القتال، وكان يحرم عليه الفرار منهم. ثم نسخ الله ذلك وخففه فجعل على الواحد من المسلمين الثبات للاثنين من الكافرين في القتال، وحرم عليه الفرار منهما (١).
وممن صرح بالنسخ: ابن عباس (٢)، وعكرمة (٣)، والحسن (٤)، وأبو عبيد (٥)، وابن جرير (٦)، والجصاص (٧)، والسرخسي (٨)، وابن العربي (٩).
ولا خلاف بين أهل العلم في وجوب ثبات الواحد من المسلمين
стр. 1764
للاثنين من الكافرين، دون الأكثر منهما، وأن الله خفف في حكم وجوب ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من الكافرين. وإن اختلفوا في كون هذا التخفيف هل يطلق عليه نسخاً أم لا (١).
ويستدل لما سبق بما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ
صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (٢).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
стр. 1765
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
ثالثاً: عن ابن عباس-﵄-قال: (لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شق ذلك على المسلمين حين فُرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: فلما خفف الله عنهم من العدَّة نقص من الصبر بقدر ما خُفف عنهم) (٢).
وفي رواية عنه ﵁ قال: (قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: كان لكل رجل من المسلمين عشرة، لا ينبغي له أن يفر منهم، فكانوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فنسخ الأمر الأول) (٣).
ووجه الاستدلال منها هو: أن قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ وإن كان لفظه لفظ الخبر، إلا أنه بمعنى الأمر؛ يدل عليه قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾. لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به، لا في المخبر عنه؛ لذلك كان يجب على المسلمين أن يقاوم الواحد منهم العشرة من المشركين، ويحرم عليه الفرار منهم، ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. فوجب على الواحد من المسلمين مقاومة الاثنين من الكافرين، وحرم عليه الفرار منهما، وأباح له الفرار من
стр. 1766
أكثر من اثنين، كما يفسره ما جاء عن ابن عباس ﵁ (١).
هذا وقد ذهب بعض أهل العلم منهم أبو جعفر النحاس إلى أن هذا تخفيف وليس نسخاً؛ لأن النسخ رفع حكم المنسوخ، وهنا لم يرفع الحكم الأول؛ لأنه يجوز للواحد مقاومة العشرة إن قدر على ذلك، فهو إلى الاختيار. فهذا تخفيف وليس نسخاً (٢).
لكن هذا في نظري- والله أعلم بالصواب- قول ضعيف، قد ضعفه غير واحد من أهل العلم؛ لأنه كان أولاً وجوب مقاومة الواحد من المسلمين للعشرة من الكافرين، ثم رفع هذا الوجوب؛ حيث صار الواجب مقاومة الواحد منهم للاثنين من الكافرين، وهذا هو النسخ، كما صرح به حبر الأمة ابن عباس-﵄-وجماعة من أهل العلم (٣).
والله أعلم.
стр. 1767
المطلب السادس: تحريق العدو وتعذيبه بالنار
ذهب بعض أهل العلم إلى أن تحريق العدو وتعذيبه بالنار إذا ظفر به قد نسخ؛ لذلك لا يجوز تحريق وتعذيب من ظفر منهم بالنار.
وممن صرح بالنسخ: الحازمي (١)، وأبو إسحاق الجعبري (٢)، وابن حجر (٣)، والعيني (٤).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة. كما أن تعارض الأدلة سبب آخر لاختلافهم فيها (٥).
ويستدل للقول بالنسخ، بما يلي:
أولاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: «إن وجدتم فلاناً وفلاناً (٦) فأحرقوهما بالنار». ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها
стр. 1768
إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (١).
وفي رواية عنه ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بسرية، فقال: «إن وجدتم هبار بن الأسود (٢)، فاجعلوه بين حزمتي حطب، واحرقوه بالنار»، ثم بعث إليهم فقال: «لا تعذبوا بالنار، لا يعذب بالنار إلا رب النار» (٣).
ثانياً: عن عكرمة أن علياً ﵁ حرق قوماً، فبلغ ذلك ابن عباس ﵁ فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا تعذبوا بعذاب الله». ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٤).
وفي رواية عنه: أن علياً ﵁ قتل قوماً كفروا بعد إسلامهم، وأحرقهم بالنار، فبلغ ذلك ابن عباس ﵁ فقال: لو كنت لقتلتهم ولم أحرقهم؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «من بدل-أو قال: من رجع-عن دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله» يعني النار، فبلغ قول ابن عباس ﵁ علياً
стр. 1769
-﵁ فقال: ويح ابن عباس (١).
ثالثاً: عن حمزة الأسلمي (٢) ﵁ أن رسول الله ﷺ أمَّره على سريَّة، فخرجت فيها، فقال: «إن أخذتم فلاناً فأحرقوه بالنار»، فلما وليت ناداني، فقال: «إن أخذتموه فاقتلوه، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار» (٣).
وفي رواية عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه ورهطاً معه سرية إلى رجل من عدوه، فقال لهم: «إن قدرتم على فلان فأحرقوه بالنار». فانطلقوا حتى إذا تواروا منه، ناداهم، فأرسل إليهم، فردهم، فقال لهم: «إن قدرتم عليه فاقتلوه، ولا تحرقوه بالنار، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث أبي هريرة، وحمزة الأسلمي ﵄ يدلان على أن النبي ﷺ أمر بعض أصحابه بإحراق
стр. 1770
عدو بالنار بعد أخذه وأسره، ثم نهاهم عن إحراقه بالنار بعد ذلك، فيكون هذا النهي ناسخاً لجواز إحراق العدو بالنار بعد أخذه، والظفر به، ويؤكد ذلك حديث ابن عباس ﵁؛ حيث يدل على أن الكافر والمرتد يقتل ولا يحرق بالنار، وأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حرق العدو وتعذيبه بالنار بعد أخذه وأسره على قولين:
القول الأول: لا يجوز إحراق العدو بالنار إذا قُدر عليه.
وهو قول جمهور أهل العلم، ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة (٢). وروى ذلك عن عمر، وابن عباس-﵃ (٣).
وقال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم) (٤).
وذكر ابن قدامة أنه لا يعلم فيه خلافاً بين الناس اليوم (٥).
стр. 1771
القول الثاني: يجوز إحراق العدو بالنار إذا قدر عليه.
قال به بعض أهل العلم، وروي ذلك عن أبي بكر، وعلي، وخالد بن الوليد-﵃ (١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بالأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على عدم تحريق العدو بالنار بعد أخذه وأسره، كما سبق ذكره.
دليل القول الثاني
ويستدل لمن قال بجواز تحريق العدو بالنار بعد القدرة عليه، بما يلي:
أولاً: عن أنس ﵁ قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، «فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها» فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وألقوا في الحر يستسقون فلا يسقون (٢).
ثانياً: عن عكرمة (أن علياً ﵁ قتل قوماً كفروا بعد إيمانهم،
стр. 1772
وأحرقهم بالنار) (١).
ثالثاً: عن عروة قال: حرق خالد بن الوليد ناساً من أهل الردة، فقال عمر لأبي بكر: (أتدع هذا الذي يعذب بعذاب الله؟). فقال أبو بكر: (لا أشيم (٢) سيفاً سله الله على المشركين) (٣).
ووجه الاستدلال منها: أنها تدل على جواز تعذيب العدو بالنار؛ لأن النبي ﷺ سمل أعين المرتدين بالحديد المحمى. وحرقهم علي، وخالد بن الوليد ﵄، فثبت من ذلك جواز تعذيبهم وإحراقهم بالنار (٤).
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن حديث أنس ﵁ في قصة سمل النبي ﷺ أعين المرتدين بالحديد المحمى كان قبل أحاديث النهي عن المثلة، وأحاديث النهي عن التحريق بالنار مطلقاً، فيكون منسوخاً بها؛ لأن قصة العرنيين كان قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر أبو هريرة الإذن بالتحريق بالنار ثم النهي عنه، فثبت من ذلك تأخر أحاديث النهي عن التحريق بالنار (٥).
стр. 1773
ب- إن تجويز علي، وخالد بن الوليد-﵄ التحريق بالنار معارض بمنع عمر، وابن عباس-﵃، وقد أنكر ابن عباس-﵄-على علي ﵁ تحريقه للمرتدين بالنار، لما بلغه ذلك، كما سبق ذكره.
الراجح
الذي يتبين لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو عدم جواز تحريق العدو بالنار إذا أسر وظفر به، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن أدلة هذا القول مع صحتها صريحة في النهي عن التحريق بالنار، وأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار.
أما أدلة القول المخالف له فمنها ما هو صحيح ومرفوع إلى النبي ﷺ ، لكنه يحتمل أكثر من احتمال. ومنها ما هو عمل صحابي، وهو لا يقوى على معارضة أحاديث النبي ﷺ ، ثم هو معارض بقول صحابي آخر (١).
ثانياً: ولأن قول من قال بنسخ ما يدل على جواز التحريق والتعذيب بالنار، قول صحيح، وله وجه؛ لأن الأحاديث الدالة على تحريم التحريق بالنار معها ما يدل على تأخرها على ما يدل على جواز التحريق بالنار، كما سبق بيانه؛ لذلك تكون أحاديث النهي ناسخة لما
стр. 1774
يدل على الجواز (١).
ثالثاً: ولأن الله كتب الإحسان على كل شيء، وأمر النبي ﷺ بإحسان القتلة، فعن شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح .. » (٢).
والتحريق بالنار ليس من القتلة الحسن؛ ولذلك نهى عنه النبي ﷺ ، كما سبق بيانه.
والله أعلم.
стр. 1775
المطلب السابع: الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين
ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال المشركين، إذا كان تدعو الحاجة إلى ذلك، وكانوا ممن يوثق بهم. وأن ما يدل على عدم الاستعانة بالمشركين قد نسخ (١).
وممن صرح به: الإمام الشافعي (٢)، وأبو حامد الرازي (٣)، وأبو إسحاق الجعبري (٤)، و رجحه ابن حجر (٥).
ويتبين منه، ومما يأتي من الأدلة: أن سبب الاختلاف في المسألة أمران: اختلاف الأدلة، والقول بالنسخ (٦).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن عائشة-﵂-زوج النبي ﷺ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ قِبل بدر، فلما كان بحرّة الوبرة (٧) أدركه رجل، قد كان
стр. 1776
يذكر منه جرأة ونجدة (١). ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك. قال له رسول الله ﷺ : «تؤمن بالله ورسوله؟». قال: لا. قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة. قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك». قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء (٢). فقال له كما قال أول مرة: «تؤمن بالله ورسوله؟». قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ : «فانطلق» (٣).
ثانياً: عن خبيب بن إساف (٤) ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزواً، أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم. قال: «أو أسلمتما؟»، قلنا: لا. قال: «فلا نستعين بالمشركين على المشركين». قال: فأسلمنا وشهدنا معه، فقتلت
стр. 1777
رجلاً، وضربني ضربة، وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت تقول: لا عدمت رجلاً وشَّحك هذا الوشاح. فأقول: لا عدمت رجلاً عجل أباك إلى النار (١).
ثالثاً: عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ خرج يوم أحد، حتى إذا جاوز ثنية الوداع فإذا هو بكتيبة خشناء، فقال: «من هؤلاء؟» قالوا: عبد الله بن أبيّ في ستمائة من مواليه من بني قينقاع (٢)، فقال: «وقد أسلموا؟». قالوا: لا، يا رسول الله، قال: «مروهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين» (٣).
رابعاً: عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح
стр. 1778
مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب، أن صفوان قال: (والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلىَّ) (١).
خامساً: عن صفوان بن أمية ﵁ قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ) (٢).
سادساً: عن ذي مخبر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «ستُصالحون الروم صلحاً آمناً، وتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم» (٣).
стр. 1779
سابعاً: عن ابن عباس-﵄-أنه قال: (استعان رسول الله ﷺ بيهود بني قينقاع، فرضخ لهم، ولم يسهم لهم) (١).
ثامناً: عن الزهري: (أن النبي ﷺ أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه) (٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عائشة، وخبيب بن إساف، وأبي حميد الساعدي ﵃-تدل على عدم جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين.
والأحاديث المذكورة بعدها تدل على جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين؛ لأن صفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ في غزوة حنين، وهو لم يسلم بعد.
стр. 1780
وحديث ابن عباس-﵂، ورواية الزهري المرسلة تدل كذلك على جواز الاستعانة بهم لقاتل المشركين.
كما أن حديث ذي مخبر يدل على جواز الاستعانة بهم في قتال الكافرين؛ وإلا لأنكر النبي ﷺ على المسلمين غزوهم مع الروم عدواً لهم في آخر الزمان.
وهذه الأحاديث بعد حديث عائشة-﵂-وما في معناه؛ لأن في حديث عائشة-﵂-أن ذلك كان في غزوة بدر، وصفوان بن أمية خرج مع النبي ﷺ في غزوة حنين، وهي بعد بدر بكثير، فيكون حديث عائشة-﵂-وما في معناه منسوخاً بحديث صفوان، وذي مخبر، وما في معناه؛ لأنها متأخرة عليها (١).
ويعترض عليه: بأن بعض هذه الأدلة ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها ولا المعارضة بها للأحاديث المعارضة لها، وبعضها غير صريحة في جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين، بخلاف الأحاديث التي تدل على المنع من الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين (٢).
كما أن حديث ذي مخبر ليس ظاهراً -والله أعلم بالصواب- في
стр. 1781
استعانة المسلمين بالكفار على غزو الكفار، بل الظاهر منه أنه في تحالف المسلمين مع الروم على قتال عدو مشترك، وهو مما لا بأس به؛ لأن الرسول ﷺ قد عاهد في أوائل الهجرة مع اليهود، وكان من بنود المعاهدة بينهم: (وإن بينهم-أي بين المسلمين وبين اليهود-النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة) (١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين على قولين:
القول الأول: لا يجوز الاستعانة بالكفار على قتال الكفار إلا عند الحاجة والضرورة.
وهو قول بعض الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثاني: يجوز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين إذا أمن
стр. 1782
المسلمون خيانتهم، وكان لهم حسن رأي في المسلمين.
وهو قول بعض الحنفية (١)، و مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز الاستعانة بالمشركين على غزو غيرهم من الكفار إلا عند الحاجة والضرورة- بما يلي:
أولاً: حديث عائشة، وخبيب بن إساف، وأبي حميد الساعدي-﵃، -وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ-؛ فإنها نصوص صريحة في عدم الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين (٤).
ثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
стр. 1783
فهذه الآية تتضمن المنع من التأييد والاستنصار بالكافرين؛ لأن الأولياء هم الأنصار (١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين- بما يلي:
أولاً: حديث صفوان بن أمية، وذي مخبر، وابن عباس-﵃، والزهري، وقد سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ؛ فإنها تدل على جواز الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين (٢).
وقد سبق ما يعترض به على وجه الاستدلال من هذه الأدلة عند الاستدلال منها على النسخ.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٣).
فهو على عمومه يشمل الاستعانة بالمشركين (٤).
стр. 1784
واعترض عليه بما يلي:
أ-إن النبي ﷺ قد بين المراد بالقوة في الآية ففي رواية عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ أنه
قال: «ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي. ألا إن القوة الرمي» (١).
فهذا نص وصريح في تفسير الآية (٢).
ب- أن الآية وإن كانت عامة إلا أنها تستثنى منها الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين؛ لأن النبي ﷺ بين أنه لا يستعين بالمشركين على قتال المشركين، كما سبق ذكره.
ثالثاً: عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ فقال لرجل ممن يدَّعي الإسلام: «هذا من أهل النار». فلما حضر القتالُ قاتل الرجلُ قتالاً شديداً فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات، فقال النبي ﷺ : «إلى النار». قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحاً شديداً، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأُخبر النبي ﷺ بذلك فقال: «الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله» ثم أمر بلالاً فنادى بالناس: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة،
стр. 1785
وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (١).
فهذا الحديث يظهر منه أن النبي ﷺ ذكر عن هذا الرجل أنه من أهل النار، ومع ذلك لم يمنعه من الخروج والغزو معه، بل أشار إلى أن غزوه مع المسلمين وقتله الكافرين من تأييد الدين بالرجل الفاجر (٢).
ويعترض عليه: بأن هذا الرجل كان يدعي الإسلام، كما يدل عليه ظاهر الحديث، وما يدل على النهي عن الاستعانة بالمشركين محمول على من يظهر الكفر (٣).
الراجح
الذي يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو عدم جواز
الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين عند عدم الحاجة والضرورة، وجوازه عند الضرورة والحاجة إذا أمن المسلمون خيانتهم، وذلك لما يلي:
أولاً: لأن الأدلة التي تدل على النهي عن الاستعانة بالمشركين على قتال المشركين صريحة وظاهرة في ذلك، بخلاف أدلة القول المخالف له، كما سبق بيانه.
ثانياً: ولأن الاستعانة بهم يلزم منه مفاسد، أو يفضي إليها (٤).
стр. 1786
ثالثاً: إن أقوى أدلة القول الثاني من جهة الاستدلال خروج صفوان بن أمية مع النبي ﷺ في غزوة حنين، مع أنه لم يسلم بعد، كما ذكره غير واحد من أهل العلم (١)، لكن يحتمل أن النبي ﷺ لم يمنعه من الخروج معه لأنه كان من مؤلفة القلوب، وكان رسول الله ﷺ يرغب في إسلامه وهدايته؛ ولذلك أعطى له النبي ﷺ من الغنائم شيئاً كثيراً حتى أدخل الله عليه الإسلام، ولم يكن المراد من خروجه مع المسلمين الاستعانة به (٢).
رابعاً: إن خروج صفوان بن أمية ﵁ مع النبي ﷺ كان في غزوة حنين، وقول النبي ﷺ لمن خرج معه ولم يسلم: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». كان في غزوة بدر وغزوة أحد، وغزوة حنين بعد بدر وأحد بلا شك (٣)، لكن في الاستدلال منه على النسخ نظر؛ لأن خروج صفوان ﵁ مع النبي ﷺ محتمل لأمور، وليس متعيناً أن ذلك كان للاستعانة به، بل لم يكن شهوده الغزو بأمر رسول الله ﷺ (٤).
أما الأحاديث التي جاء فيها التصريح بأن النبي ﷺ استعان ببعض الكافرين على قتال المشركين، فهي غير صحيحة (٥).
والله أعلم.
стр. 1787
المطلب الثامن: أخذ السلب من غير بينة
ذهب بعض أهل العلم إلى أن السلب لا يُعطى القاتل بغير بينة، وأن ما يدل على جواز الإعطاء من غير بينة قد نسخ.
وممن قال بنحو هذا: أبو حامد الرازي (١)، وأبو إسحاق الجعبري (٢). ونسبه الحازمي إلى طائفة من أهل الحديث (٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف أهل العلم في المسألة، كما أن اختلاف الأدلة سبب آخر لاختلافهم فيها (٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولاً: عن سعد ﵁ قال: جئت إلى النبي ﷺ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف، قال: «إن هذا السيف ليس لي ولا لك». فذهبت وأنا أقول: يُعطاه اليوم من لم يبل بلائي! فبينما أنا إذ جاءني الرسول، فقال: أجب، فظننت أنه نزل فيّ شيء بكلامي، فجئت فقال لي النبي ﷺ : «إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك» ثم
стр. 1788
قرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية [سورة الأنفال: ١]) (١).
وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما كان يوم بدر قتلت سعيد بن العاص-وقال غيره: العاص بن سعيد (٢)، قال أبو عبيد: هذا عندنا هو المحفوظ، قتل العاص- قال:
وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به رسول الله ﷺ وقد قُتل أخي عمير (٣) قبل ذلك-فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب به فألقه في القبض» فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قريباً حتى نزلت
стр. 1789
سورة الأنفال، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب فخذ سيفك» (١).
ثانياً: عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلاً من المشركين علا رجلاً من المسلمين، فاستدبرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه. فأقبل عليّ فضمّني ضمّة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبي ﷺ فقال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه»، فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله، فقمت، فقال رسول الله ﷺ : «مالك يا أبا قتادة؟» فاقتصصت عليه القصة. فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي فأرضه عنّي. فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله (٢)، إذاً لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله يعطيك سلبه، فقال النبي ﷺ : «صدق» فأعطاه، فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً (٣) في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته (٤) في الإسلام (٥).
стр. 1790
ثالثاً: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينما نحن نتضحّى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقاً (١) من حقبه فقيد به الجمل. ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظَّهْر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فأتبعه رجل على ناقة ورقاء (٢). قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل، فندر (٣)، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه. فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه، فقال: «من قتل الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع. قال: «له سلبه أجمع» (٤).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث سعد ﵁ يدل على أخذ السلب من غير بينة؛ حيث إن النبي ﷺ لم يطلب منه بينة، وحديث أبي